بين الهدم والبناء - نهج الاسلامی نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

نهج الاسلامی - نسخه متنی

سید محمد تقی المدرسی

نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
لیست موضوعات
افزودن یادداشت
افزودن یادداشت جدید


وبناء على ذلك فان من يعتقد بفشل حكم الامام علي ( عليه السلام ) بعد ان استغرق خمس سنوات ، عليه ان يتذكر ان هذا الامام كان يؤدي دورا رساليا هاما في المجتمع الاسلامي تتمثل فيه رسالات الله جميعا ، حيث جاءت رسالة الاسلام مهيمنة ومكملة لسائر رسالات الله في الارض ، كما عليه ان يتذكر الروايات المستفيضة التي وردت في فضائله ( عليه السلام ) ، وحاشا لله وحاشا لرسوله ان يثبتا كل هذه الفضائل عبثا .


لقد قام الامام علي ( عليه السلام ) بدوره كاملا ، والقضية الرئيسية التي ينبغي ان نأخذها بنظر الاعتبار هنا ، ان دوره ( عليه السلام ) لم يكن دائما يتمثل في الجلوس على كرسي الحكم ، لان الدور الذي يؤديه كمبلّغ رسالة يختلف عن دور الحاكم ؛ فالدور الاول والاهم لكل الرسل والانبياء والصالحين هو تبليغ رسالات الله - عز وجل - ، وعدم الخلط بين انفسهم وبين هذه الرسالات رغم انهم جسدوها .


وعندما وجد امير المؤمنين مصلحة الرسالات الالهية والامة الاسلامية في تنحيه عن الحكم فعل ذلك ، ولو انه تشبث بالكرسي ، وحمل الناس على طاعته بالسيف بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عبر المطالبة بالحكـم من خلال استخدام العنف والقوة ، لاقتنع الناس بفكرة مفادها ان الامام علي ( عليه السلام ) ماهو إلاّ طالب حكم وسلطان ، ولذلك رأى ( عليه السلام ) ان يتنحى عن الحكم لان الامة لم تكن قد نضجت بعد ، فاختــار ان يؤدي دوره الرسالي وهو خارج الحكم .


وقد بقي الامام ( عليه السلام ) على هذه الحالة حتى تكاثف طلب الجماهيرلنمط الحكم الذي كان يؤمن به ( عليه السلام ) ، وقد جاء هذا الطلب من اصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) انفسهم من الذين كانوا يرون انفسهم اندادا للامام بل واحق منه بالخلافة .


الامام علي (ع) ربان سفينة الامة :


ومع ذلك فعندما عصفت رياح الفتن بالمسلمين بعد مقتل الخليفة الثالث ، وكادت سفينة الامة ان تغرق في بحر الفتن ، ادرك جل اصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) ان ربان هذه السفينة الذي يستطيع انقاذها هو الامام علي ( عليه السلام ) ، ولذلك وجدنا ان اكثر من ألفي شخص من الاصحاب انضووا تحت لواء الامام علـي ( عليه السلام ) يدافعون عن رسالات الله ضد بني امية ، وقد كان من بينهم تسعة وسبعون صحابيا اشتركوا في معركة بدر ، وسبعمائة حضروا في بيعة الشجرة .


وهكذا فان اكثر اصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) بادروا الى الدفاع عن أميرالمؤمنين ( عليه السلام ) عندما احسوا ان الشجرة الملعونة في القرآن والتي قاومت الرسالة منذ اول يوم ، قد انبعثت لتقاوم الرسالة من جديد ، وهم لم يفعلوا ذلك دفاعا عن شخص الامام بل عن حرمة الاسلام ، فانبروا للدفاع بكل قوة عندما اكتشفوا ان الامام لايعمل لطلب الحكم بل انه هو الذي قدّم أجلَّ خدمة للمسلمين عندما فضح الشجرة الملعونة .


دور الامام الحسن (ع) :


ونفس هذا النهج الذي اعتمــده امير المؤمنين ( عليه السلام ) ، طبقه الامام الحسن ( عليه السلام ) ؛ حيث نرى انه ( عليه السلام ) هادن معاوية بشرط اعادة الحكم مستقبلا الى الخلفاء الشرعيين، رغم انه ( عليه السلام ) كان يعلم ان معاوية انسان خائن ، ولكنه كان يريد ان يكشف للمسلمين حقيقة ان جهازا كجهاز معاوية لايمكن ان يحكم باسم الاسلام ، ولو حارب الامام الحسن ( عليه السلام ) معاوية لتصور الجاهلون ان الامام ( عليه السلام ) طالب سلطان كما هو حال معاوية ، وبتعبير آخر ؛ يحارب مــن اجـل الحكم لا من اجـل الرسالة فـي حين ان الحكم ليس الا وسيلــة


لتحقيق هدف اسمى .


دور الامام الحسين (ع) :


اما الامام الحسين ( عليه السلام ) فقد مكث في مكة المكرمة عدة اشهر ، ولايتوجه الى العراق حتى تصله اثنا عشر الف رسالة ، واكثر هذه الرسائل كانت من قيادات الجيش الكوفي لان الكوفة كانت حامية للجيش ، والجيش الكوفي كان احد جيشين في البلاد الاسلامية ، كما كان اكثر جنود هذا الجيش من اليمن والجزيرة العربية بالاضافة الى عدد قليل من اهل العراق .


وانتظر الامام الحسين ( عليه السلام ) فترة حتى نضجت فكرة الدفاع عن رسالة الاسلام ، وحينئذ قدم ( عليه السلام ) الى العراق وهو يعلم ان مصيره هو الشهادة ، وقد صرح بذلك في اول خطبة له في مكة المكرمة عندما قال : " خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما اولهني الى اسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف ، وكأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء " .


وهكذا توجه ( عليه السلام ) الى العراق لانه صاحب رسالة ، وهذه الرسالة لن تتحقق الا بأراقة دمه ، وشهادة اخوته وابنائه واولاد اخيه وخيرة اصحابه ممن بقي من اصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، بالاضافة الى سبي نسائه .


بين الحركة الرسالية والحركة السياسية :


ومن هنا فقد اختلفت معالم الحركة الرسالية عن الحركة السياسية ، فمن غير المعقول ان يؤسس طالب السياسة ستراتيجيته على اساس الشهادة ، في حين نجد صاحب الرسالة يمشي الى الموت بخطى ثابتة ، ويجعل الشهادة غاية مسيرته .


وهكذا فقد ظل الامـام الحسين ( عليه السلام ) مصباحـاً للهدى ، وسفينة للنجـاة ،


ومن هنا كـان من الواجب علينا ان نخلد ذكرى أبي عبد الله الحسين ( عليه السلام ) لانه صاحب رسالة لا صاحب ملك ، ولانه انسان ثائر استشهد وتحول الى مسـيرة رسالية ، ومن اهم مسؤولياتنا تجاهه ( عليه السلام ) تعميق الولاء لنهجه وخطه ، ولذلك فانني اوصي الاخوة الرساليين بقراءة زيارة عاشوراء التي تعتبر منهج حياة حيث تشتمل على حكمة لو كتبت بماء الذهب على صحائف من فضة لكانت جديـرة بذلك وهي :


" اللهم اجعل محياي محيـا محمد وآل محمد ، ومماتي ممات محمد وآل محمد " .


فنحن نطلب بهذا الدعاء من الله - تعالى - حيـاة على نهج حياة الرسول وآله ، كما نطلب ان نموت كما ماتوا ، فهذه الحياة والممات منهجان للانسان المسلم يركزهما في نفسه عند قراءة زيارة عاشوراء .


وبالاضافة الى ذلك فان هذه الزيــارة تتضمن مقطعا آخر يــؤكد هذه الفكرة وهو : " اللهم العن العصابة التي جاهدت الحسين وشايعت وبايعت وتابعت على قتله ، اللهم العنهم جميعا " ، وهناك ايضا فقرة اخرى تقول : " السلام عليك يا ابا عبد الله وعلى الارواح التي حلت بفنائك عليكم مني سلام الله ابدا مابقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم " .


ان في الامر بتكرار هذه المقاطع دلالة على حاجتنا كل يوم الى تعميق الــولاء لخـط أهل البيت ( عليهم السلام ) والذي يعني بديهياً تعميق الرفض فــي النفس لخط الطغيان والظلم ، والرفض هذا لايكون للحاكم فقط وانما لمن يشايعه ويبايعه ويتابعـه .


وفي ظني ان المراد من " المتابعة " حالة الاسترسال واللاابالية وعدم اتخاذ الموقف المقاوم لخط الظلم ، وعندما نكرر المقاطع الخاصة بادانة المتابعة فان هذا يعني وجوب ان نرفض السكوت واللااباليــة واللامسؤولية ، ونجسّد في انفسنـا روح المسؤولية بل ونلعن الـلامسؤوليـن الذين يقولون : " مالنا والدخول بين السلاطين " ، ويتذرعون بهذه المقولات التثبيطية التي تبث في الامة روح الانهزام والتراجع حتى لو كان مبدؤهم الذي يدَّعون اعتناقه هو مبدأ الثورة والرفض .


وللاطلاع فان اكثر الذين حاربوا الامام الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء هم من الذين كانوا يوالون الامام علياً ( عليه السلام ) ، ولذلك قال الحسين ( عليه السلام ) لهم : " يا شيعة آل ابي سفيان " نافيا انتماءهم الى خط أهل البيت ، وقد كان عمر بن سعد ابن عم الامام الحسين ( عليه السلام ) والمحسوب على الخط الهاشمي وواحداً منهم ، فعندما سأله الحسين : لماذا تريد ان تقتلني ؟ اجاب : خوفا من بني امية ! ، وهكذا فان هناك الكثير من الناس يحاربون الاسلام ، وينخرطون في جيوش الظالمين لمحاربة المسلمين ، ويرضخون لقرار الحكام خوفا منهم .


ثمار ثورة الحسين (ع) :


وعندما قتل ابو عبد الله الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء ارتفعت الغشاوة عن قلوب المسلمين واخذوا يلومون انفسهم قائلين : نحن الذين دعوناه لننصره ، ثم اذا بنا نقتله ظمآن على ضفاف شط الفرات !


ونحن نجد تجسد هذا الندم بعد دخول زينب الكوفة ، حيث راح الكوفيون يبكون وينتحبون ، وبعد ان رأت زينب منهم ذلك اخذت تقرعهم ، قائلة : أتبكون وتنتحبون وانتـم الذين قتلتم ابا عبد الله بضعفكم وخيانتكم وعدم شعوركم بالمسؤولية في الحياة !


ان شهادة الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء هي وسيلة لهداية الناس ووفقا لما قاله النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " ان الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة " ، فهو ( عليه السلام ) يمثل انعطافا خطيرا في الاتجاه الى رسالة الاسلام ، ومن مواقفه المبدئية نستشف الفـرق الهائـل بين صاحب الرسالة الذي يتنازل عن كرسي الحكم ،


ويعرض نفسه للشهادة مضحيا بها في سبيل بقاء الرسالة ، وبين صاحب السلطان .


وفي الحقيقة فان هذا هو الفارق الرئيسي بين الحركات الاسلامية والحركات السياسية غير الدينية ؛ فالمنتمي الى الحركة الاسلامية الرسالية يبحث دوما عن الرسالة ، ويدور معها حيثما دارت ، ولايفكر مطلقا في ان يحصل على مناصب لنفسه ، ولذلك نجد ان ابناء الحركة الاسلامية قد يدخلون في احزاب او تنظيمات اسلامية مختلفة ولكنهم يرفضون التحزب على حساب قيمهم ودينهم ورسالتهم ، فلا يكونون كما قال عنهم - تعالى - :


« مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُـــمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ » (الروم / 32)


بل يكونـون : « مُنِيبِينَ إِلَيْـهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِيـنَ » (الروم / 31) ؛ اي ان المحور هو العودة الى الله ، فكلما ابعدتهم الاهواء عن محور التوحيد جذبتهم المعرفة اليه مرة اخرى فيعودون اليه ، وينطلقون منـه .


الفتوحات الاسلامية كانت رحمة للشعوب :


ترى هل كانت فتوحات المسلمين للعالم غزوا ام استعمارا ام احتلالا عسكريا ؟


ان هذه الفتوحات والانتصارات كانت رحمة للناس لان المسلمين اذا دخلوا بلدا ساووا بين انفسهم وبين اهل هذا البلد ، ولم يجبروهم على الدخول في الدين الاسلامي ، وكانوا يهتمون بتطبيق مبدأ المساواة بين الناس اذا اسلموا ..


اما اذا لم ينتم اهل البلاد المفتوحة الى الاسلام فقد كانوا يحصلون على حقوق متساوية تقريبـا مع حقوق المسلمين ، وبسبب هذه المعاملة السمحاء الحسنة لم يجد النــاس في الفتوحــات الاسلامية احتلالا او استعمارا ، بل انهم دخلوا في الاسـلام ،


حتى ان البعض منهم كانوا ينضمون الى الجيش الاسلامي .


ولولا قانون المساواة الذي شرّعه الاسلام لما دخل الناس في دين الله افواجا ، ولما دافعوا عنه ، بل ان المسلمين لو كانوا استخدموا اسلوب سل السيوف ، وقطع الرقاب ، لاشتدت الحروب بينهم وبين القبائل والبلدان الاخرى ، ولصعب انتشار الاسلام في البلدان المفتوحة .


ولاية الفقيه تجسيد لقانون المساواة :


ومن المظاهر الاساسية لقانون المساواة في الاسلام ضرورة انضواء جميع الاتجاهات والتجمعات في المجتمع تحت ولاية الفقيه التي تعني ولاية الاجدر والاكفأ والاعلم من ابناء الامة واقدرهم على تطبيقها ، والشخص الذي تتوفر فيه هذه الصفات يكون جديرا بحكم المسلمين وامامتهم ايا كان انتماؤه القومي ، كما ان ولاية الفقيه تعني ايضا العالمية الاسلامية ؛ فالحزب هو حزب الله ، والبشر هم عباد الله ، ولا قيمة للون أو العنصر ...


وهذه الولاية لاتعني استعمارا لبلد ما ، ولكن اذا التف البعض حول فقيه ، واراد هذا البعض ان ينضوي الجميع تحت رايته ويكون هو المحور والمقياس ، فان الآخرين سيرفضون ، بل ان البعض وبسبب ممارساتهم الخاطئة للاسلام يمنعون الناس عن الهداية ، ويصدونهم عن سبيل الله ، فالعالم - مثلا - اذا كان متكبرا على الناس ، ويمنعهم من الانخراط في سلك العلم لتكبره وتجبره ، فان الاسلام ينهى عن هذه السلوكية كما يؤكد ذلك الحديث الشريف :


" ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم " .


ان التواضع هو المطلوب من العالِم ، لانه سيبعد الناس عن نفسه ، وعن نــور العلم الذي يمثله ان تكبر ، ولذلك فان على الحركات الاسلامية ، والعاملين في سبيل اللـه


جميعا ان ينضووا تحت لواء الحق .


وهكذا لابد ان نكون حملة رسالة ندور معها حيثما دارت ، ونفصلها عن انفسنا ، ونجعل المقياس حسب العطاء للقضية ، واننا مسؤولون عن كل قطرة دم تراق في ساحات المواجهة ، وسوف يحاسبنا الله حسابا عسيرا ان لم نكن في اشد حالات الوعي والتقوى ، وهذه التقوى لابد ان تكون في اعلى درجاتها عند من يعمل في مضمار السياسـة ، كما يؤكد على ذلك قول الامام الحسن العسكري ( عليه السلام) :


" مـن كان من الفقهاء صائنا لنفسه ، حافظا لدينه ، مخالفا لهواه ، مطيعا لأمر مـولاه ، فعلى العوام ان يقلدوه " .


وعلى هذا فان درجة التقوى عند السياسي يجب ان تكون عظيمة ، وقريبة من تقوى الصديقين ، لانه سيتحمل امانة الامة الاسلامية برمتها ، ولنقتد في هذا المجال بالامام الحسين ( عليه السلام ) الذي ضحى بكل غال ونفيــس في كربلاء حتى بسمعته بعد ان اتهموه بانه من الخوارج ، وحيث سبيت نساؤه ، وانتهكت حرماته ، ولكنه قبل كل ذلك برحابة صدر قائلا : " العار أولى من دخول النار " (1) .


بين الهدم والبناء


من المعلوم ان كل ثورة تقوم على ركنين ، وتتحرك عبر بعدين ؛ بعد الهدم ، وبعد البناء والتنظيم . فقبل ان تنتصر الثورات تكون جهودها منصبة على البعد الاول ، وبعد انتصارها تتجه نحو تعبئة طاقاتها من اجل البناء في الوقت الذي لاتنسى فيه دور الهدم لمخلفات النظام السابق .


وفي ثورات شعوبنا قد نرى تقلصا في احد البعدين ، الامر الذي يؤدي الى توقف هذه الثورات ، وحدوث اختلال في معادلاتها ، وعلى سبيل المثال فان بعض هذه الثورات تتجه الى البناء دون الهدم حتى قبل الانتصار ، فيتــصور ان مجرد الدعوة الى الله - تعالى - ، والقيام باصلاحات جزئية كبناء مسجد هنا ، ودار للايتام او مستوصف هناك ، او انشاء مؤسسة لنشر الكتب وما الى ذلك تكفي وحدها للقيام بمهمام الرسالة الالهية ، فتصاب بذلك بآفة (الاصلاحية) التي تعني محاولة القيام باصلاحات فوقية دون التفكير الجـــدي في القيام باصلاح جذري ، واقتلاع جذور الفساد .


وفي المقابل قد تتجه الثورات عنـد شعوبنا اتجاها آخر قبل انتصارها الا وهو ترك
البناء ، والغاء دوره اساسا ، وتركيز الاهتمام بالهدم ، كأن تكثر الثورة من بعض ممارسات الجهاد السلبي كنشر المنشورات ، والقيام بالاعمال الانتحارية ، وبث الدعايات المضادة للسلطة دون ان تفكر في بناء خلايا حصينة لايستطيع العدو النفوذ فيها ، ودون ان تصب اهتمامها على بناء التشكيلة الثورية المتكاملة التي تتوزع بين خلاياها مهام القيام بالانشطة المختلفة للثورة .


وللاسف فان اكثر الحركات الثورية لاتقوم بمثل هذه الاعمال الايجابية بل تكرس اهتمامها على عمليات الاغتيال ، ونشر الدعايات المضادة للسلطة بين الجماهير ، في حين ان هذه الجماهير بحاجة الى من يوجهها ، وينشر الوعي بين صفوفها ، فان لم تجد مثل هذه الانشطة عند الثوار فانها ترى نفسها مضطرة للبقاء مع السلطة .


ولذلك فان هذه الحركات محكومة دوما بالفشل لانها تفكر بالهدم فقط دون البناء ، ولذلك فاننا بحاجة قبل الانتصار الى كيان ثقافي متكامل ؛ اي مجموعة متكاملة من المثقفين في جميع المجالات الفكرية ، يمارسون عملية تثقيف وتوعيـة الجماهير من خلال الكتب ، والمنشورات ، والدراسات ، والمجلات الدورية ...


الحاجة الى شبكة تنظيمية متكاملة :


وبالاضافة الى ذلك فان الحركة الثورية بحاجة الى شبكة تنظيمية متكاملة ؛ أي من الضروري تشكيل مجموعات همها الشاغل بناء العناصر ، وتزويد الحركة بالمجموعات والعناصر الجديدة القادرة على ان تحل محل العناصر الاخرى التي تضطر الحركة الى التضحية بها ، والا فان هذه الحركة سوف يكون مصيرها الموت بفعل الزمن ان لم يكن بفعل الاعداء . فكل عنصر معرض لعوامل الفقدان المختلفة من مثل المرض ، والشيخوخة ، والاعتقال ، والاغتيال ، بل ان بعض العناصر قد يصيبها الانتكاس النفسي ، وعدم القدرة على متابعة مسيرة الثورة ، وهنا تجد الحركة نفسها لاتملأ الفراغ الذي خلفته العناصر المفقودة بكوادر جديدة .


ونحن عندما نقول ان كل حركة بحاجة الى شبكة تنظيمية متكاملة فاننا نقصد ايضا ضرورة ان تكون الخلايا منفصلة عن بعضها البعض ، بحيث لو استطاع العدو كشف بعضها فانه سوف لايستطيع كشف الخلايا الاخرى ، وكم من مرة رأينا ان السلطات الطاغوتية كانت تكتشف خيوطا في التنظيم الداخلي للحركات الاسلامية ، ثم تتسلل عبر هذه الخيوط حتى تصل الى مختلف جوانب الشبكة التنظيمية ، ثم تراقب الموقف بهدوء في انتظار ساعة الصفر التي تقضي فيها على الحركة كلها بحيث لاتبقي منها خلية واحدة .


ومن اجل تلافي نقطة الضعف هذه فان من المفروض بالحركة ان تجعل نفسها قادرة على النمو المتجدد كلما تعرضت الى ضربات من قبل السلطات الطاغوتية .


ومن الدلالات الاخرى لمفهوم (الشبكة التنظيمية المتكاملة) ضرورة وجود المفكرين ، والمنظرين ، والمخططين الذين يفكرون في ايصال رسالتهم الى كافة شرائح المجتمع ، وقطاعاته ، وان لايقصروا اهتمامهم على شريحة دون اخرى ، او على قطاع دون آخر ، بل علينا ان ننشر رسالتنا بين كافة فئات المجتمع ؛ الطلاب بمختلف مراحلهم الدراسية ، العمال ، الفلاحين ، المهنيين ، رجال الدين ....


كما ان الحركة بحاجة الى جهاز مالي متمكن ينمو متزامنا مع نمو سائر الاجهزة ؛ فالحركة التي تنمو ثقافيا ، وتنظيميا ، ولكنها لاتنمو اقتصاديا وماليا ، محكوم عليها بالجمود ، ثم الانتهاء ، فالحركات التي لاتمتلك جهازا ماليا قويا تجد نفسها مضطرة الى التقلص ، وبالتالي الاستسلام للموت .


ومن الضرورات الاخرى اللازم توافرها في الشبكة التنظيمية وجود جهاز امني لها تستطيع من خلاله مراقبة الاعداء ، والتسلل عبر خطوطهم ، والتعرف على نواياهم ومخططاتهم ؛ فان كانت الحركة تمتلك ولو رجلا واحدا في الجهاز الامني للاعداء ، فان هذا العنصر الواحد سيستطيع المحافظة على مائة عنصر من عناصر الحركة العاملة في الساحة .


وباختصار فان الحركة تشبه الى حد كبير الحكومة المتكاملة لانها تريد ان تحل محل السلطة القائمة ، فيجب - اذن - ان تمتلك ما تمتلكه السلطة من مختلف الاجهزة .


وهكذا فان من الخطا الكبير ان تفكر الحركة بالهدم دون البناء ، وانا اعتقد ان الحركات الاسلامية في العالم الاسلامي انما انتهت عندما فكرت في بعد واحد دون ان تصب اهتمامها على الابعاد الاخرى .


مثال من التأريخ الحديث :


وعلى سبيل المثال فان حركة الاخوان المسلمين في مصر كانت من اقوى الحركات السياسية الاسلامية ذات الاصالة والتأريخ بحيث انها استطاعت ان تتصدى لقوات الغزو البريطاني ، ومع ذلك فقد اصيبت هذه الحركة بالانتكاسة لانها اضطرت ان تتحالف مع حركة الضباط الاحرار بسبب عدم امتلاكها آنذاك للعناصر الكافية من الضباط في القوات المسلحة المصرية ، ولذلك فانها عندما ارادت ان تقلب نظام الحكم وجدت نفسها مضطرة الى التعاون مع حركة الضباط الاحرار ، هذه الحركة التي ابتلعت الثورة ، وعمدت الى الالتفاف حولها من خلال قتل قادتها ، والسبب في ذلك انها لم تكن تفكر تفكيرا متكاملا فلم تصب اهتمامها على البناء المتكامل ، بل كرست جهودها على البناء من جانب واحد .


ضرورة امتلاك امكانيات الهدم :


ومن جـانب آخر فان الحركات التــي تفكر في البناء دون الهدم ، فانها ستفقد فــي


الحقيقة امضى اسلحتها ، فهي اشبه شيء بجيش متكامل يدخل المعركة وهو مجهز بالدبابات ، والطائرات ، وسلاح المشاة ، والهندسة ، ولكن الشيء الذي يفتقر اليه هـو الذخيرة ، ومن الطبيعي ان هذا الجيش محكوم عليه بالفشل والهزيمة في المعركة .


وهكذا فان الحركة التي لاتمتلك امكانيات الهدم ، فانها لاتمتلك شيئا في الحقيقة لان السلطة ستكون في هذه الحالة قادرة على تصفية عناصر هذه الحركة ، وفي هذا المجال يؤكد الامام علي ( عليه السلام ) في عهده الى مالك الاشتر على ضرورة المحافظة على الجند ، وعدم التفريط بهم ، حتى انه يصفهم بأنهم : " فالجنود باذن الله حصون الرعية ، وزين الولاة ، وعز الدين ، وسبل الأمن ، وليس تقوم الرعية إلا بهـم ... " (1) ، فهم كالحصن الشامخ الذي يأوي اليه الانسان .


وجدير ذكره هنا ان السلاح لم يعد مقتصرا اليوم على القنابل اليدوية ، والمسدسات ، والرشاشات وما الى ذلك من اسلحة خفيفة ، فعلى الحركات ان تكون طموحة في مجال تسليح نفسها بالاسلحة المتطورة ، وفي هذا المجال توجد ملاحظة مهمة أعبر عنها بـ " التقدم الافقي للسلاح " ، ومرادي من ذلك ان السلاح من الممكن ان يؤدي لك خدمة كبيرة عندما يكون استعماله مسبوقا بخطة متكاملة ، فعندما تتمتع الحركة باستخبارات قوية ، وعندما تهيء خريطة واضحة لارض العمليات ، وعندما تكون لها فكرة كاملة عن الفرد الذي تريد ان تغتاله ، فان السلاح حتى وان كان بسيطا من الممكن ان يحقق نتائج باهرة ، كأن يستطيع الانسان الثوري ان يقتل رجل مخابرات بمسدس واحد ، ونحن نعلم ان رجل المخابرات لايكون عـادة انسانا عاديـا ، فالسلطــة لاتستطيع ان تعوض رجل المخابرات بسهولة ، فلكي تستطيع تخريج رجل مخابرات واحد فانها بحاجة الى سنين طويلة من بذل الجهود والامكانيات .


وعلى هذا فان السلاح يمكنه ان يؤدي دوراً فاعلاً شريطة ان يزود بخلفية علمية ، وتكنلوجية ، والحركات الناجحة في العالم تفيض بالدروس والعبر في هذا المجال ، وعلى سبيل المثال فان زعيم حركة ايرلندا الشمالية كان يأمر اتباعه باغتيال رؤوس المخابرات فقط ، رغم ان ايرلندا الشمالية كانت ممتلئة بالضباط والجنود ولكنهم لم يكونوا يشكلون خطرا حقيقيا على الثورة .


التعاون بين الهدم والبناء :


وبناء على ذلك فان الحركات الاسلامية لاتستطيع ان تعتمد على جانب واحد سواء على مستوى القيادة ام القاعدة بل عليها ان تعتمد على كلا الجانبين اللذين اشرنا اليهما ، وهنا تكمن الصعوبــة ، فنحن لانحارب مجموعة من العناصر البسيطة ، بل نحارب تكنلوجيا متكاملة في العالم ، ونحن لانستطيع ان نواجه هذه التكنلوجيا الا اذا اوصلنا انفسنا الى متسواها .


وعلى هذا فان تنظيماتنا يجب ان تكون اقوى من تنظيمات الامس ، وان نستفيد من اخطاء التنظيمات السابقة ، وان نكون اقوياء بحيث يستطيع الواحد منا ان يقف امام عشرين جنديا ، وهذا هو قانون حرب العصابات القائم على قدرة المقاومة ، والتكتيك الصائب ، والمهارة في الاصابة ، والقوة الجسدية ، والا فان السلطات تكون قوية عادة بحيث ان القليل من جنودها يعتبرون كثيرين باستطاعتهم ان يقضوا على المقاومة في حالة افتقارها الى المقومات السابقة .


نستنتج مما سبق ان المقاومة يجب ان تتقدم تقنيا ، وتكتيكيا ، وتكنلوجيا ، فالمعروف عن الحركات التي استطاعت تحقيق الانتصار على السلطة انها كانت تشدّد على رجالها في ان يسهروا الليالي في مطالعة الكتب وتنمية قدراتهم الفكرية والثقافيـة ، وفي النهار كان عليهم ان يواصلوا التدريب الجسدي حتى وان كانوا في قواعدهم ، لكي يكونـوا اقوياء من الناحيتين : الفكرية ، والجسدية ، ومن الطبيعي ان الفرد الواحد من هذه الحركات كان باستطاعته ان يغلب مائة شخـص مـن السلطة .


ضرورة العمل الفكري والثقافي :


ويروى عن (كاسترو) في هذا المجال انه عندما استقر بقواته في احدى الجبال بكوبا أمر قواته ان تبادر الى اصدار مجلة ، وفتح اذاعة ، في حين انهم لم يكونوا يمتلكون الطعام . الى درجة ان اكثر رفاقه ماتوا وهم في الطريق ، ومع ذلك فقد استطاعوا ان يحصلوا على آلة كاتبة ، ثم اصدروا جريدتهم اليومية المتواضعة التي كانت تصدر على شكل صفحة واحدة ، وبنسخة واحدة كل يوم ، فكان يتداول قراءتها الرجال المحيطون به ، وفلاح واحد كان يعيش في الجانب الثاني من الجبل ، ثم انشأوا لانفسهم بعد ذلك اذاعة بدائيـة او بالاحرى جهاز ارسال صنعوه بايديهم ، وكان مدى بثه لايتجاوز الكيلو متر الواحـد ، وليس هناك من يستمع اليه سوى رجاله ، وذلك الفلاح .


ان مثل هذا الاصرار على مزاولة العمل الفكري ، والثقافي ، والاعلامي يزودنا بمهـارات وقدرات فكرية وثقافية هائلة ، فمن خــلال اصدار الصحف ، والنشريات - على بساطتها - نتعلم مهارات الكتابة ، ومن خلال انشاء الاذاعة فـاننا سنندفع الى الحصول على المعلومات وجمعها ، وتعلــم طـريقـة الحديث ، واكتساب القدرة التكنـلوجيـة المرتبطة بهـذه المهارات .


ومن هنا فان الحركات لايمكنها ان تنجح بالتقاعس ، والانتظار ، وعدم الانضباط بالوقت ، وعدم الاهتمام بالقدرات الفكرية والفنية ، فالانسان الثائر يجب ان يكون ماهرا في كل المجالات ؛ في التمريض والمعالجة ، وفي تحمل الجوع والعطش والمشي لمسافات طويلة ، وان يربي نفسه على الشجاعة والتحدي والصمود ، وبالتالي ان يكون انسانا متكاملا ، وفي هذه الحالة سوف لايستطيع العدو ان يقهر امة تلقى ابناؤها مثل هذا التدريب والتربية .


وهكذا يجب على المنتمين الى الحركات الاسلامية ان يكونوا متكاملين ، وقادرين على مقاومة الضغوط ، والسيطرة على الحياة في جميع نواحيها ، وبذلك يضمنون هزيمة افراد العدو امامهم ذلك لان رجال السلطة انما يعملون من اجل بطونهم وراحتهم ، ولذلك فان من غير الممكن ان يصلوا الى مستوى اولئك الثوار الرساليين .


الانتصار لايتحقق بالاحلام والتقاعس :


اما الحركات التي تحلم بالثورة والانتصار دون ان تربي افرادها على الخشونة ، والعمل الجدي المتواصل وفي مختلف الابعاد فانها ستظل عائشة في احلامها هذه حتى يدركها الموت والانقراض ، فالله - تعالى - لايعطي الدنيا الى مجموعة من الكسولين ، الفاشلين في الحياة ، فقد ابى - سبحانه - الا ان يجـري الامور بأسبابها الطبيعية . فمن الخطأ الفاحش ان نفكر ان الثورة على الابواب ، وان الانتصار قادم ، بل علينا ان نفترض ان الانتصار بعيـد ، ثـم نخطط على هذا المستوى ، آخذيــن بنظــر الاعتبــار مقولة الامام علي ( عليه السلام ) المعروفة : " اعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا " .


وهكذا فان علينا ان نصنع من اللاشيء شيئـا ، واذا ما اردنا القيام بثــورة فعلينا ان نعلم ان الثورة تعني بناء جديدا ، ولا تعني بأي حال من الاحوال ان تخلد الى الراحة في بيتك ، وفي الصباح تسمع من الاذاعة بيانا بحدوث انقلاب عسكري ، فهذا الانقلاب لايمكن ان يقع الا بتعاون مع الاجنبي .


ان تلك الحركات التي تتصور انها تستطيع قلب نظام الحكم من خلال القيام باصلاحات فوقية ، ودون ان يكون لها رصيد من القوة العسكرية والتنظيمية قد اثبتت فشلها ، لان علينا ان نهتم بالمجال العسكري والتنظيمي بما يضمن لنا حماية مكتسباتنا وانجازاتنا الثقافية ، فاذا بنينا المدرسة فان علينا ان نربي الجندي الذي يحميها ، واذا بنينا جسرا فمن الضروري ان ننشىء ثكنة عسكرية الى جانبه ، واذا اسسنا حسينية فان علينا ان نؤسس معها شبكة سرية متكاملة لكي تقوم بدور هذه الحسينية اذا ما عمد النظام الى غلقها ، وعلينا ايضا ان نتعلم ونعلم الجماهير في نفس الوقت المهارات الحركية المختلفة مثل كيفية طبع الكتب بالطرق السرية ، وكيفية تبادل الاشرطة ، وكم سيكون الفرق هائلا بين هذه الجماهير وتلك الجماهير الجاهلة بهذه الاساليب ، وكم ستكون جريمتنا كبيرة عند الله - تعالى - ان لم نقم بتدريب الجماهير على هذه القدرات ، فلا يكفي ان نعلمهم كيفية التطهر والصلاة ، ومقدار الخمس والزكاة ، والصوم دون ان نبني لهم بالاضافة الى ذلك الجوانب الثورية من هذه الممارسات العبادية .


صفوة القول :


وخلاصة القول ان الثورة يجب ان تعتمد على ركنين اساسيين ؛ الهدم ، والبناء ، وان تهتم قبل انتصارها بالركن الاول مع عدم اهمال الثاني ، اما بعد مرحلة الانتصار فيجب ان يحدث العكس ؛ اي الاهتمام بالبناء مع استمرار عملية الهدم بنسبة اقـل منـه ، لان رواسب الطاغوت تبقى عادة بعد انتصار الثورة لفترة طويلة ، فلابد من ان يستمر الهدم ، ولكن التوجه الاكبر يجب ان يكون منصبا على عملية البناء .


بين الارادة والهزيمة


حوادث الزمن كالنهر يدفع بعضه بعضا ، فلا يمكننا ان نقف عند لحظة زمنية معينة ونتصور ان الاحداث قد اتخذت عندها شكلها النهائي ، وانه سوف لن تأتي وراءها لحظة جديدة تحمل متغيرات جديدة .


ان الحوادث تتسلسل والزمن يجري ويبقى الانسان هو الانسان ، وقد تكون هناك ظاهرة سياسية او عسكرية او اية ظاهرة اخرى ذات اثر كبير في المستقبل ، الا ان وجود مثل هذه الظواهر لايلغي ابدا دور الانسان في امكانية الاستفادة من العوامل التي تسهم في صنع ظاهرة جديدة تخلق واقعا مختلفا كليا عما سبقه .


ولو كانت هناك ظاهرة كبرى استطاعت ان تلغي دور الانسان في التأريخ لكانت حادثة الطوفان الشهيرة ، وانقراض نسل الكافرين من فوق البسيطة ، ولكان ينبغي ان يظل الناس بعد الطوفان مؤمنين ، لان الله - عز وجل - اغرق في تلك الحادثة كل ذي نفس فوق الارض ولم يبق سوى المؤمنيـــن الذين انجاهــم بالفلك مع نبيه نوح ( عليه السلام ) .


ومع ذلك فان الحياة من بعد الطوفان ظلت كما كانت قبله تدور حول ذات السنن الالهية ، وابرز هذه السنن سنة الابتلاء ، ومنح الاختيار للبشر في جو من الحرية ، والقدرة على الاختيار .


وهكذا فان حوادث الزمــن هـي كتيار النهر ، فأنت ايها الانسان تستطيع ان تقف في لحظة تأريخية قائـلا : من الان سأغير تيار الزمن ، ومادمت قائما على امرك ، وعازما على ان تصنع شيئا فانك ستستطيع حتما ، لان الله - جل وعلا - وهب لك المشيئة كما يقول القرآن الكريم : « وَمَا تَشَآؤُونَ إِلآَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ » (الانسان /30) ، ثم جعل الحياة مسخرة لهذه المشيئة ، كما يشير الى ذلك الحديث الشريف :


" خلق المشيئة ثم خلق الاشياء بالمشيئة "


الارادة هي الجوهرة الاعظم :


وقد سخـر - تعالى - للانسان بالاضافة الى الارض التي يعيــش عليها كل مـا في السمـاء من اجرام : « وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَـارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِاَمْرِهِ » (النحل / 12) ، واودع فيه جوهرة هي الاعظم في الكون الا وهي جوهرة المشيئة ؛ اي الارادة ، وحرية الاختيار ، وجعل العقل مسيطرا عليها ، وموجها لها كما يقول - تعالى - :


« وَمَا تَشَآؤُونَ إِلآَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ »


وهكـذا فانك ايها الانسان قادر على صنع ما تشاء اذا كانت مشيئتك حقيقيـة وجادة ، فالحياة تبقى جديدة لمن اراد ان يعيشها ، وعلى سبيل المثال فان اليهود ظلوا طوال اربعة آلاف عام ينتحبون ويرثون انفسهم ويقولون : لقد انتهينا ، فقد ظلمنا وقتلنا وشردنا واضطهدنا .... حتى جاء هرتزل وقال : من الان نبدأ لنصنع دولة . فقيل له : لقد مر علينا اربعة آلاف عام ، ولم نستطع ان نبني لانفسنا كيانا ! فقـال : هناك آية في قران محمد تقول : « إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لاَنفُسِكُمْ » (الاسراء /7) ، وهذه الاية تعلمني بأننا لو اردنا لاستطعنا .


علينا ان لانستسلم للهزيمة :


ولذلك فنحن كمسلمين لايجوز لنا ان نتصور ان كل شيء قد انتهى ، فالاية نزلت فينا قبل ان تنزل في اليهود ، وهي تخاطبنا قبل ان تخاطبهم ؛ فالحياة جارية كالنهـر ، وعلينا ان لانستسلم للهزيمة ، فالاستسلام هو مصيبة اكبر من الهزيمة ذاتها ، واعمق اثرا .


فلنصمد ولنعتبر بالمآسي التي تمر بنا ، فهي ليست بسيطة ، فالذي نبغيه لايصل الينا اذا لم نبادر نحن للوصول اليه ، فلنحاول ان نبعث امامنا الاعمال الصالحة ونمهد لحياتنا الاخرة .


وعلى سبيل المثال فان على الانسان ان لايكتفي بأن يوصي بأنفاق امواله في سبيل الله من بعد وفاته ، بل عليه ان يبادر في حياته من اجل ان يؤسس مشاريع خيرية تنفع الاسلام والمسلمين كما يشير الى ذلك الحديث الشريف :


" اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث ؛ ورقة علم ، و ولد صالح ، وصدقة جارية "


فالاموال تبقى ، والورثة سرعان ما يقتسمونها ، ثم لايبقى لذلك المسكين الذي يعانـي من عذاب القبر سوى الحسرة ، واني اوجه خطابي هنا الى اولئك الذين لايملكــون شيئا كثيرا من اموال الدنيا ، فأوصيهم ان يبدؤوا بطريقة جديدة على غـرار التعاونيات ، والجمعيات الخيرية ، وشركات مساهمة كما هي معروفة في عالمنا اليـوم ، فلنعمل نحن بدورنا من اجل ان نؤسس شركة مساهمة في سبيل الله - عـز وجـل - .


فليجتمع بعضنا الى البعض الاخر ، ولنجمع اموالنا كل حسب قدرته ، ولنقم بها مشروعا خيريا نشرف عليه ، ونخصص ربحه للانشطة والاعمال الاسلامية .


ولاريب ان اهم الاعمال اليوم هو نشر العلم الصحيح ، ودعم المسلمين المستضعفين والمجاهدين الذين يقاتلون من اجل الله - سبحانه وتعالى - ، وهنا اقول لاولئك الذين لايملكون حتى هذا المقدار من المال الذي يكفي لانشاء شركة خيريـة ؛ أسّسوا مشروعا خيريا تعملون فيه يوما كل اسبوع ، او يومين كـل شهر ، ثم ابعثوا بربحكم الى الحركات التي تقاتل من اجل الله .


ان الجهاد اليوم واجب على الجميع ، من استطاع فعليه ان يبادر الى الدفاع عن الامة بحمـل السلاح ، ومن لايستطع ذلك فعليه ان يدعم ساحات المواجهة بأية طريقة اخرى ، علما ان ساحة المواجهة ليست فقط تلك الجبهة التي تتساقط فيها القنابل والصواريخ ، فكل ارض اسلامية هي جبهة اليوم ، وكل حركة اسلامية تحمل السلاح ، او تحمل القلم كسلاح لمقاومة الطغاة فهي حركة للمجاهدين الصادقين .


ومن الواجب علينا ان ندعـم هذه الحركات اما من خلال الانتماء اليها مباشرة ، أو - لا أقل - ان ندعمها بما لدينا من امكانيات ، واذا ما استطعنا ان نضمن استقلال الحركات الرسالية والتحررية واستقامتها ، فاننا سنضمن عدم تكرر مآسينا ، ومحننا ، وازالة الاسباب والعوامل المؤدية اليها .


بين التمني والسعي


من المسلم به ان القران الكريـم يمثل بلاغا الهيـا ، ورسالة ربانية الى البشرية جمعاء ، الا ان الطبيعة البشرية افرزت تيارين متناقضين نشير اليهما فيما يلي :


1- القلوب المتفتحة على الرسالات الربانية ، ويتجسد انفتاحها هذا في انها تستقبل هذه الرسالات استقبالا حكيما ورشيدا .


2- القلوب المريضة التي يتجلى مرضها من خلال مواجهتها للرسالات الالهية بحالة من التحدي والتعجيز .


معاجزة اللـه انتماء للكفر :


والله - تعالى - يحذر الذين يتحدون آياته بحالة من (المعاجزة) وكأنهم يريدون تعجيز الله - عز وجل - من خلال مواجهتهم لقوته وقدرته بما لديهم من قوة وقدرة تافهين ، ومصير هؤلاء ان الله - سبحانه - يجازيهم يوم القيامة ببئس ما يجازي به عباده ، كما يقول - تعالى - :


« وَالَّـذِينَ سَعَوْا فِي ءَايَاتِنَـا مُعَاجِــزِينَ اُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ » (الحج / 51)


والمعاجزين هم اولئك الذين يحجبون انفسهم عن فهم آيات الله ، وحتى لو فرضنا انهم قد فهموها فانهم يجادلون فيها ، ويصدون الاخرين عنها ، ويضعون العراقيل في طريق تطبيق آيات الله - تعالى - ، او يحددونها في أطر ضيقة ، وبتعبير آخر ؛ فانهم اولئك الذين لايقفون من آيات الله موقف التسليم والتصديق والاذعان بل يواجهونها بالرفض والمحاربة .


ان كل انسان بامكانه ان يكون من المخبتين الذين يذعنون لآيات الله ويستجيبون لاوامره سواء وافق هذا الاختيار مصالحهم الذاتية ام خالفها ، وسواء كان متناغما مع قناعاتهم وآرائهم الفكرية ام متناقضا معها .


وكما ان هذا الاختيار بيد الانسان ، فأنه من الممكن لهذا الانسان في نفس الوقت ان ينضم الى سلك المعاجزين والمتحدين لآيات الله ، ومهما كان مستوى التحدي صغيرا فانه يخرج الانسان من انتماء الايمان ليدخله في انتماء الكفر ، والدليل على ذلك ان رجلا سأل الامام الصادق ( عليه السلام ) قائلا له : يا ابن رسول الله ما ادنى ما يكون العبد به كافرا ؟


فقال الامام ( عليه السلام ) : " ان يقول للحصاة نواة ثم يدين الله بذلك ، او يقول للنواة حصاة ثم يدين الله بذلك " .


وهكذا فان هناك قسما من البشر يستمعون الى آيات الله ، ويتلون كتابه ، وينظرون الى الطبيعة من حولهم ، ولكنهم لايتخذون من هذه الآيات بصائر لقلوبهم ، ولايستفيدون منها في واقعهم العملي ، وبعبارة اخرى فان نور الهداية عندما يسطع على قلوب البعض من الناس فانهم لايستطيعون تحمل هذا النور الرباني ، فيحجبونه عن قلوبهم .


عالمنا عالم السعي والجد :


والقرآن الكريم يؤكد للانسان ان العالم الذي يعيش فيه هو عالم الجد والسعي والعمل والعطاء والتضحية والتفكير والوعـي ، لا عالم اللهو واللعب والامنيات والاحلام ، كما يقول - تعالى - : « أَم لِلإِنسَــانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الأَخِرَةُ وَالأُولَـى » ( النجم / 24-25)


فليس للانسان ما يتمنى ؛ فلو كان للامنية دور لكان المؤمنون يتخلصون من اعدائهم لمجرد التمني بأن يريحهم الله منهم بصاعقة او ما اشبه .


وبالطبع فان الله قادر على فعل ذلك ، الا انه وضع سنّة في الحياة تقول : « وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى » (النجم / 39-40) وبعبارة اخرى فان سعي الانسان ، ومدى جديته هما الكفيلان بتحقيق ما يريده الانسان ، اما التمنيات والاحلام والافكار الخيالية فانها لاتغني شيئا .


وعندما يحدثنا القرآن الكريم عن انبياء الله - تعالى - ورسله ، وعن المهتدين الذين هم اولياء الله العظام ، فانه يذكرنا بانهم بذلوا جهودهم من اجل تطبيق رسالـة الخالـق - تعالى - ، فلو ان هذه القمم المضيئـة في ليل البشرية عاشت حالة التمني لكان الشيطان لها بالمرصاد كما يصرح بذلك - تعالى - قائلا : « وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلآَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي اُمْنِيَّتِهِ » (الحج / 52)


فاذا كانت حالة التمني ممنوعة على الانبياء فكيف بالانسان الضعيف الجاهل ؟ فالله - عز وجل - قد حذرهم من ذلك لانهم لايستطيعون تنفيذ احكامه عبر التمني .


التفكير الشيطاني قرين التمني :


ومــن اكبر المخاطر التي تلاحق الانسان الرسالـي في حالة التمني انه قد يصيبــه


تفكير شيطاني بأن يتساءل قائلا : أليس الله بقادر على ان ينصر دينه ، وبما ان هذه القدرة متوفرة فلم - اذن - يعذبنا ، ويفـرض علينا الهجرة والقتال والتضحية وخوض المشاكل ، ولماذا لايرسل ملائكته لتحقيق اهداف الرسالة ؟


وفي الحقيقة فان مثل هذا التفكير هو من القاءات الشيطان في قلوب المؤمنين ، وبالطبع فان لهذه الالقاءات مردودات سلبية خطيرة على واقع الامة لانها تثبط الانسان عن العمل ، وتجعل يده مغلولة عن السعي ، وبالتالي فانه يرى ان التضحية والجهاد والجد كل ذلك لايمكن ان يجدي شيئا ، ولان حالة التمني هذه قد راودت الاسلاميين فانهم لم يفكروا او يخططوا لبدء الهجوم على المستكبرين ، فكانت النتيجة ان آلت الاوضاع الى هذا المستوى من التردي والانحطاط .


ان حالة التمني ناتجة من التخلف ، وانعدام الوعي ، فالانسان المتقدم الواعي يعرف ان لكل شيء سببا استنادا الى القرآن الكريم الذي يقول عن ذي القرنين : « ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً » (الكهف / 89) ؛ اي تحرك على ضوء الاسباب والعلل والسنن الالهية ، في حين ان الانسان المتخلف يريد ان يحقق كل شيء بالخرافات والاساطير التي يؤمن بها .


الاثار السلبية للتمني :


وعلى هذا فان كل عمل يحتاج الى اسباب يتحقق من خلالها ، فالتمني قد يورث لدى الانسان حالة التواكل ، وللاسف فان اكثر المسلمين نراهم جالسين لايبدون حراكا منتظرين ان ينقذ بلادهم الجيش الكذائي ، او الحزب الفلاني ؛ فهم ينتظرون النتائج دون عمل ، في حين ان هذا الموقف مغلوط لان ابتعاد المسلمين عن العمل والقاء المسؤولية على الاخرين هما نوع من التمني ، والعيش في الاساطير والاحلام ، لان الواقع يقـرر ان الحياة جدية تسير وفق الاسباب والعلل المخصصة لها ، ولذلك فـان علينا ان نكون جدييـن ، وفـي اعلى مستويات الوعــي بأن نعرف ما يجري مـن


حولنا ، ثم نبدأ بعد ذلك بالتحرك الجاد والمخلص .


الهجوم افضل من الدفاع :


ومن السنن الالهية في الحياة ان حالة الهجوم افضل من حالة الدفاع شريطة ان يكون هذا الهجـوم في سبيل الله - تعالى - ، والحالة الهجومية هي من احد الاسرار المهمـة التي كمنت وراء انتصارات المسلمين في عصر صدر الاســـلام بقيادة النبــي ( صلى الله عليه وآله ) ، فعندما كان النبي ( صلى الله عليه وآله) في المدينة المنورة وتناهى الى مسامعه ان قريشا تريد محاربته ، فما كان منه ( صلى الله عليه وآله ) الا ان جهّز جيشه متوجها الى بدر لمحاربة المشركين ، وبالفعل فقد استطاع ان يهزمهم ، وقد اشار الى ذلك - تعالى - في قوله : « وإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ » ( آل عمران / 121)


وكانت هذه الستراتيجية من اسباب انتصار الامام علي ( عليه السلام ) في الحروب التي خاضها ، فالمحللون التأريخيون ينبغي عليهم ان يقفوا طويلا امام مواقف الامام علي ( عليه السلام ) الهجوميــة المتمثلة في عزله لمعاوية بن ابي سفيان ، واعادة الثروات والاقطاعيات الى اهلها فور استلامه لمقاليـــد الخلافــة ، وبعبارة اخرى فانـه ( عليه السلام ) اتبع سياسة الهجوم على الحزب الاموي ، وقد سار الامــام الحسيــن ( عليه السلام ) على نفس هذا المنهج عندما خرج من المدينة المنورة الى مكة المكرمة ومنها الى الكوفة لمقاتلة يزيد واتباعه .


استراتيجية الاستكبار في محاربتنا :


ونحــن المسلمين بحاجة اليوم الـى الاخـذ بهذه الستراتيجية الهجومية ، ولاسبـاب عديــدة تراجعنا عن حالة الهجــوم ، فبدأ الاستكبــار هجومه المضاد علينا من خلال


ستراتيجية استعمارية نتعرض فيما يلي لأهم بنودها :

1- التغطية الاعلامية :


فعندما شعر الاستعمار بخطورة التحرك الاسلامي استخدم سياسة الهجوم ، ومن اجل تغطية الهجوم المضاد هذا على القوى الاسلامية في العالم اطلق شعار الارهاب ومحاربته ، واذا به يربط كـل مفردات الاسلام به ؛ فالصلاة اصبحت تصنع ارهابيين ، ومن يحمل القرآن يسمى ارهابيا ، ومن يتحجب من النساء هــن ارهابيات ، وهكذا قام الاستكبار بتغطية ايديولوجية لهجومه ضد القوى الاسلامية والتحررية في العالم .


2- التحالفات :


ثم بدأ الاستعمار بعد ذلك بعقد التحالفات بين بلدانه ، وعلى سبيل المثال فان اميركـا وسائر الدول الغربية اصبحت تسير الان على ضوء مصالح مشتركة متناسية بعض اختلافاتها .

3- تغيير الانظمة :


ولكي يزداد الضغط على الحركة الاسلامية فلابد من محاصرتها من قبل الانظمة ، وقد فكر الاستكبار تحقيقا لهذا الهدف بتغيير بعض الانظمة من خلال القيام ببعض الانقلابات العسكرية .

4- الضغط الاقتصادي :


وقد بدأ الاستكبار بممارسة هذا الضغط منذ انتصار الثورة الاسلامية في ايران ، فقد شرعت الولايات المتحدة وحليفاتها الاوروبيات بصنع مخازن ضخمة لجمع البترول ، وهذه المخازن العملاقة كانت تحمل الوف الملايين من براميل النفط ، وعندما حانت ساعة الصفر بدؤوا حربهم ضد اسعار النفط ، ففتحوا مخازنهم تلك من اجل اغراق السوق العالمية ، وفي هذا المجال ضغطوا على بعض الدول النفطية فاستجابت لضغوطهم ورفعت الانتاج فاذا بمادة الذهب الاسود التي اودعها الله نعمة للبشر ، والتي تشتق منها الكثير من المواد والبضائع ، يهبط سعرها الى ابخس الاثمان !


5- اقامة الانظمة العميلة :


ولم يكتف الاميريكيون بجميع هذه الاعمال لمحاصرة الحركة الهجومية في الامة بل سعوا الى اقامة امبراطورية تابعة لهم في الشرق الاوسط رأس هرمها اسرائيل ، وقاعدتها الدول العربية العميلة ، وهذا الكلام ليس رجما بالغيب ، لان التاريخ الاميريكي الاسود يثبت ذلك ، فعندما تمردت الولايات المتحدة على السيطرة البريطانية قامت بتصفية العناصر الاصيلة في البلاد والمتمثلة بـ (الهنود الحمر) ، واستغلوا المناطق الشاسعة من بلاد هؤلاء السكان الاصليين ، وكانت مساحة الاراضي تزداد باستمرار ، وقد حدث كل ذلك بسبب التوسع الاقليمي ، ثم الهيمنة على البلدان الاخرى .


ومنذ ذلك التأريخ بدأ الاميريكيون سياسة الهجوم ، وهم يتخذون اليوم نفس هذه السياسة ، فعندما شعروا بأن الاسلاميين بدؤوا حالة الدفاع استمروا في الهجوم واكمال الخطط القديمة ، وعلى هذا فان علينا ان نبادر الى انتهاج سياسة الهجوم رغم ان السياسة الهجومية بحاجة الى روح سامية ، وتطلع عظيم ، وهمة عالية ، وشجاعة وروح اقتحامية ، ونحن اذا لم نبدأ الهجوم فان الاضرار ستكون اكبر بكثير ، فلننطلق الى سوح الجهاد حاملين راية الهجوم ولنعلم ان النصر سيكون من نصيبنا بأذن الله .


بين الصراع والتنافس


فـي الحيـاة ظاهرتان ؛ ظاهرة الصراع ، وظاهرة التنافس ، والصراع يدور بين الحـق والباطـل ، والاسلام والجاهلية ، و الانسان يحاول مـن خلال الصراع ان يتقـدم على عدوه من خلال طريقين ؛ طريق بناء الذات ، وطريق تحطيم الطرف الاخـر .


ففي الصراع يمسك الانسان باحدى يديه المحراث ليحيي الارض ، او ليصنع الآلة في المصنع ليعمر الحياة ، وباليد الاخرى يمسك السلاح ويقذف القنابل ، فاليد الاولى تبني ، والثانية تهدم .


اما في حالة التنافس فان الامر يختلف ، فنحن عندما نتنافس مع الاخرين ، ونتسابق معهم في الخيرات ، فلابد ان تتركز جهودنا على عمل واحد فقط وهو ان نبني انفسنا ، ونبعد نقاط الضعف عن كياننا حتى نصبـح اكثر تماسكـا وقوة ، وبالتالي فان التنافس سيحسم لصالحنا ، وان غريمنا سيقوم فـي الطرف المقابل بمثل ما نقوم به ، فيتقدم المجتمع برمته .


الرؤية الشاذة الى التنافس :


وقد ابتليت الحركات الاسلامية العاملة في الساحة برؤية شاذة الى التنافس في بعض المراحل فحولته الى صراع ، وتوهمت ان ما تقوم به من اعمال وما تبتكره من اساليب في محاربة اعدائها الجاهليين يصلح ان يكون اداة بالنسبة الى المنافسين لها في الساحة من اصدقائها الذين يتحركون في خطها .


ترى لماذا انتهت بعض الحركات الاسلامية الى هذه الحالة ، ولماذا لم تستطع ان تفرق بين اصدقائها الذين ينبغي ان تتنافس معهم ، وبين اعدائها الذين يجب ان تتصارع معهم ؟


للاجابة على هذا السؤال لابد ان ندرس تأريخ الحركات ، ونتعمق في نفسية الامة الاسلامية وخصوصا فيما يتعلق بالحالات المتخلفة لدى الامة ، وكيف ان الحركات الاسلامية لم تستطع ان تتخلص من سلبيات الواقع ، فوقعت في فخ الدوائر الاستعمارية التي كانت وماتزال تحاول تعميق الصراع والتنافس غير البريء بين الحركات الاسلامية .


ان هذه الظواهر يجب ان تدرس لنعرف لماذا تحولت الحركات في علاقاتها مع بعضها البعض من حالة التنافس الى حالة الصراع ، ونحن اليوم نستطيع ان نتحدث عن العلاج لهذه الحالة لعلمنا بأن هذه القضية بقيت لحد الان من ضمن القضايا العالقة التي لم تعالج من قبل الحركات الاسلامية ، في حين اننا لو عالجناها بحكمة واتخذنا ازاءها طريقا سليما فاننا حينئذ سنستطيع ان نوظف الكثير من طاقاتنا .


البناء اقوى من الهدم :


ترى ماهو علاج هذه الحالة ، وماهو السبيل الى تحقيقه ؟ ، قبل ان نجيب على هذا السؤال لابد ان نبين حقيقة ؛ وهي ان بناء الكون ، والسنن التي اودعها الله - تعالى - في هذا الكون ، والتقديرات والتدابير التي احيطت به ، كل ذلك يجعل من البناء عملية اسهل ، واكثر انماء من الهدم ، لان الباني الواحد يستطيع ان يواجه الف هادم ، فالبناء اقوى من الهدم في تركيبة الكون ، وفي فطرة الحياة .


وهناك دليلان على صحة هذه الظاهرة وهما :


1- ان الطبيعة نفسها تشترك في عملية البناء ، فالبناء هو الحق الذي ينمو ، فعندما نبني فاننا نكون قد تحركنا مع مسيرة الحق ، لان الكون كله يبني معك ، فعندما تزرع فان الارض تتقبل البذرة ، والرياح تلقحها ، والامطار ترويها ... وكل ذلك يشترك في مسيرة البناء ، ولذلك يقول الحديث الشريف : " ما كان لله ينمو " .


2- ان الطبيعة تتحدى الموت ، فالذين درسوا علم الاحياء يدركون ان الحياة قد قاومت الجراثيم واستمرت بالرغم من مئات الالاف من الجراثيم التي اكتشفت لحد الان ، ومع ذلك فقد بقيت الحياة متناسلة متنامية ، والسبب في ذلك ان الحياة تتحدى الموت ، فالانسان الواحد اذا بقي فانه يستطيع ان يخلف عشرات الاولاد ، فالانسان عندما يموت فانه يموت وحده بينما يبقى نسله .


ضرورة توجيه التنافس :


وعندما تأتي بانسان لينضم الى صفوفك فانه سـوف لايزيد من عدد الاشخاص التابعين لك فحسب ، وانما سيضيف وجوده شيئا اخر الى كيانك الا وهو انه باستطاعته ان يأتي باخرين ، وعلى سبيل المثال ؛ اذا كان بيننا وبين شعب اخر صراع لاتنافس ، فما هو الموقف الذي نتخذه منهم ؟


نستطيع بالطبع ان نقاتلهم ، ولكننا نستطيع بطريقة اخرى ان نتكاثر ضدهم ، ومن خلال اختيارنا لهذا الطريق فاننا سنغلبهم بالتأكيد ، في حين اننا اذا قاتلناهم فمن الممكن ان نغلبهم او يغلبونا .


وهكذا فاننا لو وجهنا التنافس بين الحركات الاسلامية هذا التوجيه ، فان كل حركة من هذه الحركات سوف تفكر في ان تقوي ذاتها عند تنافسها مع الحركات الاخرى ، وتبني نفسها ، وتزيد من عدد المنتمين اليها ، ثم لانلبث ان نـرى ان جميع الحركات الاسلامية ستقطع اشواطا طويلة من التقدم والقوة والرصانة ، وبالتالي فاننا سنرى ان الهدف المشترك لكل الحركات الاسلامية قد تحقق عمليا .


اما اذا ارادت كل حركة ان تتوسع على حساب الحركة الاخرى ، فماذا ستكون النتيجة ؟ من الطبيعي في مثل هذا الجو ان هذه الحركات سوف تنشغل بالتنازع ، والصراع ، وبذلك يكون مصيرها الانقراض .


المجالات الصالحة للتنافس :


/ 9