البعد الاصلاحي للرسالة الاسلامية - نهج الاسلامی نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

نهج الاسلامی - نسخه متنی

سید محمد تقی المدرسی

نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
لیست موضوعات
افزودن یادداشت
افزودن یادداشت جدید

الغرض من هذه الرؤية :

ان وجود هذه الرؤية لدى الانسان المسلم تنفعه لسببين :

1- انها لاتدعه ينساق وراء الخلافات الى الحد الذي يفقد فيه دينه وقيمه ، بل تجعله يحدد الخلاف الذي يتصارع ضمن اطاره وفق قيمه العامة ، ووفق التزامه بالشريعة والدين ، ولاتدع هذا الخلاف يسيطر عليه ، ويجعل سلوكه رد فعل للاطراف الاخرى فيكون كما قال - تعالى - :

« وَلاَ يَجْـــرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى اَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْـوَى » (المائدة / 8) .

فالبغض والحقد ، والخلاف القائم في طرف يجب ان لايترك اثره في الطرف الاسلامي فيخرجه عن اطار قيمه .

2- ان تمتعنا بهذه الرؤية يجعلنا لانفقد الثقة بالدين ، فهناك الكثير ممن ضعف أثر الدين في نفوسهم عندما رأوا الخلافات المذهبية الطائفية ، او الخلافات داخل الطائفة الواحدة بين الحركات المختلفة ، فتركوا على أثر ذلك الدين ، و اخذوا يتجهون يمينا وشمالا ، ولو كانت لديهم رؤية اسلامية ورسالية متكاملة عن الخلافات وسببها لاصبحوا متسلحين بهذه الرؤية ، ولما خرجوا من حدودها ، ولما ضعف الايمان في قلوبهم .

ترى ماهي هذه الرؤيا ؟ وما هي تفاصيلها ومفرداتها ؟

القرآن الكريم يحدد هذه التفاصيل والمفردات في سورة المائدة وهي التالية :

الصراع سنة طبيعية :

اولا : يـرى القـرآن الكـريم ان الخـلافـات الموجودة بين البشر هي خلافات فطرية ارادها الله - تعالـى - ، فهي كلها ليست ناشئة من ارادة الشيطان ، فالله - عز وجل - الذي خلق الناس بألسنة مختلفة ، وتطلعـات متباينة ، وفي اراض متعـددة ، زودهم بأغراض واهداف يختلف بعضها عن البعض الاخر ، فهـو - تعالى - لم يخلق البشر امة واحدة بل خلقهم امما متفرقة .

وهكذا فقد خلق الله - تعالى - الانسان على اساس الاختيار الحر ، واودع فيه تطلعات متباينة ، وفضل كل انسان على الاخر بميزة معينة لا توجد إلا في افراد معدوديـن ، فهـذا مزود بميزة الكتابـة ، والاخر بالخطابة ، والثالث بالحزم والارادة ، و

الرابع بالعلم وهكذا ، لتتكامل الحياة عن طريق هذه الميزات المختلفة .

ولذلك قال - تعالى - : « وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً » (المائدة / 48) .

فهو قادر على ان يجعلنا امة واحدة ولكنه خلقنا مختلفين ، فعندما نـرى الخـلافات فيجب علينا ان لانتعجب لانها سنة الله - تعالى - ، والمجتمع الذي تنعدم فيه الاختلافات هو مجتمع ميت .

واذا كانت الخلافات فطرية وطبيعية فلماذا جعل الله - تعالى - بعض الناس يختلفون عن بعض في تطلعاتهم وميزاتهم الروحية ؟

فـي هذا المجال يقول القرآن الكريم :« لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً » (المائدة / 48) .

ويبدو لي ان (الشرعة) تدل على المناهج المادية المختلفة في الحياة ؛ مناهج الاقتصاد والسياسة ، والسلوكيات الاجتماعية والشخصية ، فهذه كلها شرعة ، اما (المناهج) فتدل على الثقافات المختلفة عند الامم .

الصراع سبب لتفجير طاقات الانسان :

ثانيا : ان اللـه - تعالى - لم يخلق افراد البشرية مختلفين عن بعضهم البعض إلاّ ليتصارعوا ، ولكي يستخرج كل واحد منهم ، وكل فئة وفريق كل ما يمتلكه في ذاته من طاقات وقدرات ، فالانسان هو كالارض التي تخزن في جوفها المعادن ، فكما ان هذه المعادن بحاجة الى من يستخرجها ، فان الانسان بحاجة ايضا الى استخراج معادنه وكنوزه التي يصورها الامام علي ( عليه السلام ) في قوله :

اتحسب انـك جـرم صغيــر وفيـك انطـوى العالـم الاكبـر ؟

فالعالم منطو فيك ايها الانسان ، وذخائرك لاتنتهي ، وآفاقك لاتحد ، فأنت خلقت للبقاء لا للفناء ، وانت في الكمالات قادر على ان تصبح في عداد الصديقين الذين يتلون الانبياء في الدرجة ، فالامام الصادق ( عليه السلام ) يقول فـي اصحاب النـبي ( صلى الله عليه وآله ) : " كادوا من الفقه ان يكونوا انبياء " ، والنبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول عن سلمان (رض) : " سلمان منّــا أهل البيت " ، فرفعه الى درجة قريبة من العصمة والنبوة . وانت ايضا ايها الانسان قادر على ان تبلغ هذا المستوى الرفيع .

وفي هذا المجال يقول المؤرخون الجدد ان الحضارات انما نشأت وتطــورت على اساس من التحديات المتقـابلة ، فاي امة من الامم كانت تتعرض الى هجوم عسكري وتريد ان تـدافع عن نفسها ، فانها تقـوم بتفجير طاقاتها ، واستنفار امكانياتها ، فتصنع حضارة ، وبناء على ذلك فان الحضارة الرومانية - مثلا - نشأت لانها تصارعت مع قـوة اخرى .

وهكذا فان الامم انما تستطيع تفجير طاقاتها ، وبناء حضارتها بالصراع مع الامم الاخرى ، ونحن نعلم ان عدد كبيرا من الاختراعات الحديثة إما توصل الانسان اليها في اوقات الحرب ، او في اوقات الاعداد لها ، فالــدبابـة صنعت قبل السيارة ، والطائرات لم تخترع في البدء لنقل الناس وانما لحمل القنابل المدمرة ، وذلك لان الانسان يحاول في حالة الحرب ان يكسبها لصالحه بأي طريقة ، فيتحرك من اجل تفجير طاقاته .

الصراع يجب ان يوجه للبناء :

ثالثا : يرى الاسلام ان الصراع يجب ان يوجه نحو البناء لا الهدم ، وعلى ضوء ذلك علينا ان لانفكر بالهجوم لكي نحطم مزرعة العدو او مصنعه ، بل علينا ان نفكر في كيفية بناء مزرعة جديدة لكي نمتلك مزرعتين في حين ان العدو لايملك الا مزرعة واحدة ، وفي هذه الحالة سنكون اقوى منه .

وفـي هذا المجال هناك منطقان ؛ منطق يقول : اهدم تغلب العالم ، وآخر يقول : ابن

تغلب العالم ، فالصين - على سبيل المثال - تصنع القنبلة الذرية ، اما اليابان فانها تطور صناعاتها وتكنلوجيتها لتصبح اول دولة في العالم من حيث التصدير في حين انها لاتمتلك قوة عسكرية ، وعلى هذا فان اليابان تستطيع ان تهزم الصين لان الصينيين يعتمدون في تأمين حاجاتهم على اليابان ، ولذلك فانهم يمدون ايديهم اليها عاجزين .

ان القرآن الكريم يحثنا على التسابق والتنـافس في ميدان الانتاج والابداع في قوله - تعالى - : « فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات ... » (البقرة / 148) .

فلنستبق في سبيل استخراج ما نملكه في ذواتنا من قدرات وامكانيات ، ولنبدأ في البناء ، فهذا هو الذي يجعلنا ننتصر على اعدائنا .

ولو كان العالم يتصارع مع بعضه البعض عن طريق البناء والتنمية لانتهى هذا الصراع بتقدم الجميع ، ففي هذه الحالة سيتقدم العالم الى الامـام ، فالأصل ان المجتمع البشري ميت بدون هذه الصراعات ، وهذه هي فلسفة الخلافات في الاسلام .

ونحن عندما نريـد ان نبني فان علينا ان نسبق الاخرين بالعمل ، والجد ، والاجتهـاد ، وفي هذا المجال يقول الامام الصادق ( عليه السلام ) : " كونوا دعاة لنا بغير السنتكم " ، وبالتأكيد فانه ( عليه السـلام ) يقصد ان نطبق التعاليم الاسلامية على انفسنا .

وقد كان الشيعة في ايام الامام الصادق ( عليه السلام ) معروفين بأيمانهم ، وصدقهم ، وتقواهم ، وزهدهم ، وبجميع الصفات الخيرة ، وبهذه الصفات استطاعوا ان يجذبوا الاخرين الى صفوفهم ، امّا اللسان فهو ليس مقياسا بل ان المقياس الاساس هو العمل الجاد ، وبذل التضحيات ، ومواصلة المسيرة الجهادية من خلال الاجيال التي ستأتي بعدنا .

وفـي هذا المجال يقول الامام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " الا وان بقية السيف

اكثر عددا واقوى ... " ؛ اي ان الذين يتبقون في طريق الجهاد بعد ان تسبقهم الطلائع الى الشهادة ، فان جذوة التحدي ، وشعلة الامل ستتأججان في نفوسهم ، فينتصرون على عدوهم لانهم سيصبحون اقوى واكثر عددا .

والتاريخ يشهد لنا بهذه الحقيقة ؛ ففي كل قرية ، وعلى رأس كل جبل نرى مقرا ومزارا للسادة الشهداء ، واذا ما سألنا انفسنا من اين جاء هؤلاء السادة من ذرية أهل البيت ( عليهم السلام ) الى اعالي الجبال ، واقاصي الارض لوجدنا السبب في ذلك انهم كانوا يطاردون فيهربون الى الجبال وبعد وفاتهم تقام على قبورهم مشاهد وقباب تبقى مع الزمن لتحدثنا عن البطولات والتضحيات التي قام بها هؤلاء الذين طوردوا وقتلوا من اجل مبادئهم وقيمهم ، فتحدوا بذلك القتل والتصفية الجسدية ، فكان هذا التحدي سبب بركتهم وخلودهم .

ونحن عندما تقتل طلائعنا من العلماء والمفكرين ، فعلينا ان نكون بقيتهم ، وان نستمر في الطريق الذي ساروا فيه من قبل ، فالثورة عمل واستباق للخيرات ؛ اي ان نتصارع من اجل صنع الخيرات ، وان نتنافس تنافسا بنّاء ، وحينئذ سيكون النصر من نصيبنا .

الطواغيت لايتحطمون بالكلام :

ان الطواغيت لايتحطمون بالكلام ، وبالشعر فقط ، بل على الانسان المؤمن ان يثأر من خلال العمل والتضحية ، وعلينا كذلك ان نصنع ونخرج الكوادر ، فنحن نمتلك طاقات وقدرات كثيرة وهائلة ، لكي نؤمّن بذلك حاجتنا الى القادة ، والمفكرين والمخططين ، وهذا مالا يتحقق إلاّ في المدارس الرسالية ، فكل لحظة يضيّعها الطالب دون استغلالها في الدراسة والمطالعة والتحصيل العلمي سوف تشهد عليه يوم القيامة ، فالدراسة يجب ان تكون في كل الحقول .

وفي خضم مواجهتنا مع العدو لايمكننا ان نكسب الحرب ضده من خلال استخدام سلاح واحد ، بل علينا ان نستخدم كافة الاسلحة التي يوظفها هذا العدو ضدنا ، والا فانه قد يستطيع القضاء علينا .

وفي شـؤون الدراسة الرسالية على الطالب ان يتمتع بسلاح الذهنية السياسية الواعية ، فيجب عليه ان يكون مفكرا سياسيا ، لان العدو قد يستخدم لعبة سياسية ضدنا فنستطيع من خلال هذا الوعي السياسي ان نكشف هذه اللعبة ، ونقضي على العدو .

وقد يحاربنا العدو من خلال الفقه المزيف الذي يستهدف من خلاله تسقيط وتكفير علماء الامة الواعين والمخلصين لها ، عبر توظيف العناصر التي تؤيد هذا المنطق من امثال علماء البلاط الذين يروّجون للفقه المزيف ، واذا ما اردنا ان نحارب هذا الفقه فيجب علينا ان نكون فقهاء والا فسنخسر هذه الحرب ، فدراسة الفقه ، والتفسير ، والاحاديث ، بالاضافة الى الوعي السياسي كلها تمثل اسلحة ضد العدو .

ان الاهتمام بتوفير تلك المواصفات ، والتضحية في سبيلها هما سلاحنا ضد الطغاة ، وعندما نقصر في اعداد هذه الاسلحة ، فاننا سنحارب العدو غدا بدون سلاح ، في حين ان الله - تعالى - أمرنا ان نواجه العدو بكل قوة وسلاح ممكنين : « وَأَعِدُّوا لَهُم مَااسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ » (الانفال / 60) ، فكل شيء تتحدى به العدو هو قوة سواء كان قوة مادية ام فكرية ام معنوية .

وهكذا فان علينا ان نوظف جميع قدراتنا ، وطاقاتنا في عملية الصراع سواء كان صراعا بيننا متمثلا في التنافس البنّاء ، والاستباق النزيه في مضمار الخيرات ، أو كان صراعا مع اعدائنا من خلال استغلال امكانياتنا وطاقاتنا وقوانا ، والاستعداد لمواجهة العدو بكل قوة ممكنة .

البعد الاصلاحي للرسالة الاسلامية

ان الانسان بطبيعته المزدوجة قد يتوجه الى الافسـاد ، والاستهلاك ، والاستغلال ، وقد ينتهج نهج البناء والاصلاح والاحسان الى الناس ، بأن يقوم في مجال الطبيعة باصلاحها واستصلاحها ، وفي مجال علاقته بالناس فانه يسعى نحو الاحسان اليهم .

وعندما تكون علاقة الانسان بالطبيعة علاقة الاصلاح ، وبالناس علاقة الاحسان فانهم سيكونون في رحمة الله، وتحت شآبيب بركاته التي هي التعبير عن التكامل المستمر في حياتهم ؛ اي ان حياتهم ستكون في حالة سير مستمر نحو التكامل .

ان هذه هي وصية القران الى الانسان ، والتأكيد عليه ان يسير وفق هذا المنهج ، وقد يرقى الانسان عن هذا المستوى فلا تكون علاقته بالطبيعة والناس علاقة الاصلاح والاحسان فحسب بل يتجه الى استئصال جذور الفساد في المجتمع الذي يعيش فيه ؛ فهو طاهر بذاته ومطهر لغيره ، صالح في نفسه ومصلح للاخرين ، محسن الى الناس ويأمر في ذات الوقت بالاحسان . فلا يكتفي بأن يكون شخصا يتمتع بصفة الاحسان او صفـة الاصلاح في ذاته ، وانما يسعى من اجل تعميم هذه الصفة في الـوسط الـذي

يعيش فيه ، وهذا هو مقام الانبياء والصديقين ومن يقتدي بنهجهم .

لاتموت امة فيها فئة مصلحة :

وعندما يتواجد هذا الانسان الذي لايلبث ان يتحول الى فئة في اوساط الامة ، فان هذه الامة لايمكن ان تموت لانها سوف تمتلك القدرة على تجديد نفسها ، اما اذا انعدمت هذه الفئة فان الفساد سوف يشمل كل انحاء الارض ، فالفساد من شأنه ان يتكاثر ، كما ان الاصلاح ينمو ويتكاثر وتباركه قوى الطبيعة ، وسنن الله تعالى في الكون ، كذلك الحال بالنسبة الى الافساد فان هناك ايضا من ينشره ، فالانسان الفاسد لايقصر فساده على نفسه ، بل ينشر هذا الفساد فيما حوله .

والادهى من ذلك ان في نفـس الانسان ما يشجعه على نشر الفساد والافساد ، ولذلك فان الفئة الصالحة عندما تغيب عن المجتمع فان هذا المجتمع سوف يسير نحو حالة تعميم الفساد تماما كالجسم البشري الذي تنعدم فيه الحصانة الذاتية فان الامراض سوف تتسارع اليه ، بل وتقضي عليه بسهولة ، فعندما تكتشف ان جرثومة مرض ما قد دخلت في جسمك ثم لاتلبث بعد ايام ان تستعيد صحتك ، فانك ستدرك ان في جسمك خلايا صالحة ومصلحة تقاوم الفساد ، ولكن هناك البعض من الناس تقل مناعتهم الذاتية بل تنعدم الى درجة ان الادوية نفسها لاتستطيع ان تفعل لهم شيئا.

خصائص الفئة المصلحة :

ان هناك من الناس من يمتلكون روحا شجاعة سامية لاتقتصر على مقاومة اهواء النفس ، او محاربة الشيطان بل تسمو الى درجة امتصاص السلبيات من المجتمع ، ونشر الاصلاح والصلاح في ارجائه ، وهذه الفئة تتميز باعتمادها المطلق على المعنويــات ، وتلك الروح العالية ، والشجاعة القاهرة لكل فساد وهذه ميزة عظيمة . فنحن نرى ان هناك من يمتلك من المال والسلطان والقوى المادية الشيء الكثير ولكنهم مع ذلك يأبون الاستناد الى هذه المظاهر المادية ، بل يعتمدون على ذخيرتهم الروحية .

والقرآن الكريم يؤكد على هذه الحقيقة في مواقع كثيرة كقوله تعالى في الايات التالية من سورة هود :

« وَيَا قَوْمِ لآ أَسْأَلُكُم عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّهُم مُلاَقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَلآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلآ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ » (هود/29-31)

وهكذا فان هناك الكثير ممن يملكون المال ولكنهم ليسوا بقادرين على ان يحققوا السعادة للانسان ، وهذا هو ما يخاطب به شيخ المرسلين نوح ( عليه السـلام ) قومه ، فقد كان يعتمد في دعوته على روح الايمان ، وعقل الانسان لا على علم الغيب لكي يكون بمستطاعه ان ينبئهم بكل شيء يجهلونه ، فهو يمتلك البينة ، والقدرة الايمانية .

ان من سمات الانبياء ( عليهم السلام ) ، وافراد المجتمع الايماني ان انسجامهم مع بعضهم البعض يصل الى درجة عالية لايمكن ان يرقى اليها الاخرون ، وانسجامهم هذا قائم على اساس ان طبيعتهم هي طبيعة الاصلاح ، والعطاء ، والاحسان ، ومن المعلوم ان التجمع الذي تكون طبيعة كل ابنائه قائمة على الاحسان ، والعطاء ، والتعاون لايمكن ان يتسلل اليه الاختلاف ، والحسد ، والعداوة ، لان الاختلاف انما يقوم نتيجة للبغي ، فاذا انعدم البغي بين الناس فسوف ينعدم الاختـلاف .

وقد ينشـأ الاختلاف بسبب ضغوط خارجية ، ولكن المؤمنين الرساليين يرفضون هذه الضغوط ، فنحن نرى ان نوحا ( عليه السلام ) - كما تصرح بذلك الآيات السابقة - كان معرضا لضغط خارجي من اجل ان يطرد المؤمنين المستضعفين من حوله ولكنه رفض . فليس هو المسؤول عنهم ، بل ان الله - تعالى - هو المسـؤول .

وهذه هي في الواقع مجموعة توجيهات ، فكل آية من آيات القرآن الكريم هي توجيه للانسان الذي يريد ان يتحرك نحو التكامل ، والمجتمع الـمسلم هو احوج ما يكون اليوم الى مثل هذه التوجيهات التي تقتضي ان تكون فيه فئة مخلصة متفرغة لعملية الاصلاح ، ويكون همها الوحيد نشر الصلاح في المجتمع ، وامتصاص السلبيات و روح العداوة ، والحقد ، والسعي الى نشر الفضيلة والاخلاق الحسنة ، وبثّ المحبـّة بيـن الناس .

الخلافات والعداوات سبب هزيمتنا :

ان الخلافات ، والمشاكل النفسية ، والعداوات التي تشتعل لاسباب تافهة هي سبب الهزيمة ، والحضيض الذي وصلت اليه بعض المجتمعات المسلمة ، ونحن ينقصنا اولئك الذين يغيرون هذه المعادلة ، ويحولون روح العداء ، والبغضاء ، والحسد وسوء الظن الى محبة ، وعطاء ، واحسان ، وتعاون .

ان الفئة التي تريد ان تعمل في سبيل الله - عز وجل - لابد ان تضع في حسابها الوضع الاجتماعي الذي تعمل فــي ظله ، انه وضع موبوء ، ولايمكن القضاء على الامراض المنتشرة فيه من دون تغييره ، وفي هذا المجال يقـول النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) :

" انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق " ، فهو ( صلى الله عليه وآله ) كشخص كان مبعث الاصلاح من حوله ، كان يزيل العداء ، والحقد ، وسوء الظن ، وينشر الفضيلة ، والمحبة ، وروح التعاون والاخاء بين ابناء المجتمع الاسلامي ، الى درجة انهم كانوا يقاسمون ويشاطرون الضيوف والمهاجرين في كل شيء ، بل ويؤثرون على انفسهم .

ان هذا المجتمع المثالي لايمكننا ان نفهمه الا اذا قارناه مع بعض المجتمعات الاخرى ، لقد كان هذا المجتمع قبل ان يشع نور الاسلام فيه مجتمعا جاهليا متوغلا في الفساد والجريمة والاختلاف الى درجة اغارة بعضهم على بعض ، ولكن هذا المجتمع نفسه تحول خلال بضع سنوات الى تجمع متآلف متحاب . فأهل المدينة كانوا يستقبلون المهاجرين من اهل مكة ، هؤلاء المهاجرين الذين كانوا يمثلون مجموعة اناس طردوا من ارضهم بسبب سيطرة الطغاة على مكة ، ثم توجهوا الى المدينة المنورة وهم لايملكون شيئا لانهم تركوا بيوتهم ، واموالهم يبتغون فضل الله ورضوانه ، ونصرته - تعالى - ونصرة رسوله .

ان هذه الاخلاق الاسلامية الرفيعة جعلت المسلمين قادرين على تصدير ثورتهم الى الآفاق ، هذه الاخلاق الحسنة مكنت الامة الاسلامية من الانتشار والتوسع بشكل سريع لان المحبة ، والتعاون ، والتآلف كل ذلك كـان سببا لدخول الشعوب المحرومة والمستضعفة في الدين الاسلامي افواجا ، فلقد تفجرت طاقاتها ، وتفاعلت مع هذه الامة لتنشر نور الاسلام في كل مكان .

واذا ما سادت هذه الروح اوساط امة ما فاعلم ان الله سبحانه وتعالى سوف يؤيدها وينصرها ، اما اذا رأينا الحقد ، وسوء الظن ، والتنابز بالالقاب وسائر الصفات السلبية هي السائدة فعلينا ان لانتوقع ان الله - تعالى - سينصر هذه الامة ، فهو - عز وجل - لاينصر الا من ينصره ، وينصـر دينه ، والاخلاق الحسنة التي امر بها - تعالى - .

ونحن لو تأملنا تأريخ الائمة ( عليهم السلام ) لرأينا ان احد اهدافهم الرئيسية كان متمثلا في اصلاح المجتمع خلقيا وعقائديا من الجذور ، فلم يكن اصلاحا سطحيا ، فمنذ اليوم الاول كان دورهم ( عليهم السلام ) متمثلا في ضخ روح الاسـلام والايمان في جسد هذه الامة ، وقد كانوا ( عليهم السلام ) يمثلون القمة في الاخلاق الرفيعة السامية ، والعطاء ، والاصلاح ، وبهذه الاخلاق استطاعوا ان يحفظوا هذه الامة .

ونحن ايضا علينا ان نعود الى روح الاسلام ، فلا يكفي ان تلهج السنتنا بالتعابير والشعارات الاسلامية ، بل يجب ان ترى فينا الشعوب الاسلامية المستضعفة في الارض تجمعا صادقا ومضحيا ، ومتفاعلا مع قضايا الامة ، ومتحمسا لحل مشاكلها ، وفي هذه الحالة سوف تلتف الجماهير المستضعفة في الارض حول هذا التجمع ، اما اذا راوا اننا ندعوهم الى انفسنا ، ولا ندعوهم الى الله - تعالى - ، ونزرع فيما بيننا وبينهم حواجز من الاختلاف والعداوات والنعرات فانهم سوف يبتعدون عنا ويشعرون بالنفور منا .

لابد من تجنيد الطاقات :

اننا نمتلك الطاقات الروحية ، والوحدة ، والاخوة ، والمحبة ، والشجاعة ، فلابد ان نجند ما نمتلكه من هذه الطاقات فـي ساحة المواجهة والا فان عاقبتنا لاتنتهي الى خير . ولنعلم ان التغيير لايمكن ان يحدث من دون العطاء ، ومن دون تغيير انفسنا . فلابد ان يسأل كل واحد منا نفسه : كيف استطيع تغيير نفسي ، ومن اين ابدأ ، وكيف اكون داعية للاصلاح في مجتمعي الصغير ، وما هو السبيل الى تحويل التجمع الذي انتمي اليه الى تجمع قائم على اساس المحبة والايثار ؟

ومن خلال الاجابة على هذه التساؤلات يمكننا حينئذ ان نغير واقعنا ، وان نحقق الانتصار الذي وعدنا به الله - سبحانه وتعالى - في محكم كتابه الكريم .

الحركة الاسلامية في مواجهة سلبيات الواقع

مع الانطلاقة الجديدة للامة الاسلامية تزداد الحاجة الى الافكار الجديدة التي تعالج الواقع الاجتماعي والثقافي والرسالي للأمة ، والمشكلة التي تعاني منها الامة الاسلامية اليوم افتقارها الى رؤية واضحة للخريطة السياسية والاجتماعية للعمل الرسالـي ، فهناك الكثير من الاسئلة تتراكم على بعضها تحوم حول نقطة واحدة هي : ما هو منهج العمل السياسي والاجتماعي ؟

ولو عادت الامة الاسلامية الى قرآنها ، وسيرة نبيها ( صلى الله عليه وآله ) ، والائمة الـهداة الميامين لأستطاعت ان تصل الى اهدافها بوسائل سهلة ، وطرق قريبة ، وقد قال - تعالى - في هذا المجال : « إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِاَنفُسِهِمْ » (الرعد / 11)

وفي الحقيقة فان هذه الاية هي مـن تلك البصائر والرؤى التي تحدد مسيرة الانسان ، وفي هذا الفصل سنتحدث حول بعد واحد من ابعاد هذه الاية من الضروري ان يلتفت اليه ابناء الامة الاسلامية في هذه المرحلة المصيرية من تاريخهم .

ان هذا البعد يتعلق بطبيعة الحركات الاسلامية التي تتشكل هنا وهناك ، فطبيعة هذه التجمعات الاسلامية وعلاقتها بالأمة اجتماعيا وسياسيا تكمن في تحديد واجبات وحقوق التجمع الرسالي ايا كانت تسميته وصولا الى تحقيق اهدافه في سيادة الحق والحرية ، واقامة حكم الله في الارض .

تخلف الامة اساس الابتلاء :

والقرآن الكريم يقرر في تلك الاية ان تخلف الامة وتشتتها وسلبياتها الثقافية والاجتماعية هي السبب فيما يلحق بها من اضرار من جملتها تحكم الجبابــرة والطغاة على رقاب شعوبها واستغلالهم وتقتيلهم من خلال المذابح ، وهذه الاخطار التي تحدق بالأمة انما هي نتيجة السلبيات المترسخة والمتكرسة فيها ، واذا اردنا ان نقضي على هذه الاخطار ونزيل هذه المصائب والكوارث والـويلات دون ان نفكر في القضاء على تلك السلبيات ، فان عملنا هذا سيكون كعمل الطبيب الذي يعطي لمريضه المزيد من المسكنات دون ان يقضي على جرثومة المرض وفيروسه .

وكذلك اذا اردنا القضاء على الواقع المأساوي الذي يحيط بالأمـة الاسلامية في كل مكان دون ان نفكر في الاسباب والعوامل المؤدية اليه ، فان عملنا هذا سوف يساهم في تكريس هذا الواقع ، وبالتالــي فانه سيعمل على تعجيل فناء الامة ، وهنا يبرز الفرق بين نوعين من التجمعات الاسلامية :

1- التجمع السلبي :

فهناك من التجمعات من يحافظ على سلبيات الامة ويمثلها ، ليكون ممثلا شرعيا لها بسلبياتها وايجابياتها ، ومن هذه السلبيات :

أ - الطائفيـة : فاذا كانت الامة تعيش مأساة الطائفية ، والتفرقة المذهبية ، واذا كان

الاعداء يحاربون الامة عن طريق اشعال نار هذه الفتن ، فاننا نرى ان التجمع الاسلامي سيصبح تجمعا طائفيا ، ذلك لان هذا التجمع - كما قلنا - يمثل الامة بسلبياتها وايجابياتها .

ب - الدكتاتورية : ان المشكلة التي تعيشها الامة الاسلامية اليوم هي مشكلة الدكتاتورية التي تنخر في اعماق هذه الأمة ، فكل واحد من ابنائها يريد ان يعيش منفردا وبعيدا عن الاخرين ، حيث يتمحور حول ذاته .

ان وجود الحزب او المنظمة او التجمع يشبه وجود المسجد للصلاة ، ومع ذلك فان الجدران التي في المسجد لاتكون سببا في تفاعل ابناء الامة المتواجدين فيه ، فعندما لاتترابط قلوبهم ولاتتحد ستراتيجياتهم ولاتحكمهم قيادة حقيقية واحدة ، وعندما لايتنازل كل فرد عن ذاتيته ، فماذا ستكون الفائدة من تجمعهم ، وما الفائدة من اطلاق اسم واحد عليهم ؟!

مخالفة احكام اللـه كفر :

ان ابواق الاستعمار تحاول اليوم ان تبث فكرة خبيثة من الافكار الرجعية المتخلفة وهي : ان الكفر كفران ؛ كفر عملي ، واخر نظري ، فالكفر النظري هو ان ينكر الانسان اسلاميته من خلال التنكر لاصول الدين . والبعض من ادعياء الدين ، ومرتزقة الانظمة الطاغوتية في العالم الاسلامي ينشرون هذه الفكرة قائلين : نحن نحارب الكفر النظــري ، ولكن لايجوز لنا ان نحارب الكفر العملي لعدم وجود دليل شرعي على هذا الكفر .

وحسب هذه النظرية فان الحكام الطواغيت ليسوا كفرة لانهم يصلّون امام الناس ، فهم محاطون بسياج الاسلام ومادام الامر كذلك فلا يجوز لنا محاربتهم وان كان عملهم يدل على الكفر .

ان هذه الفكرة تنشر على نطاق واسع للتغرير بشبابنا ، وسلب الروح الثورية الاسلامية المتغلغلة في نفوسهم ، في حين ان الكثير من الآيات القرآنية تؤكد على ان الذي يقوم بعمل باطل هو كافر ، فالذي لايحج هو كافر كما يصرح بذلك - تعالى - بعد ذكر آيات الحج : « وَمَن كَفَرَ فَاِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ » (آل عمران / 97) ، والـذي لايؤدي الصلاة هو كافر ايضا : « مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَــرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ » (المدثر / 42-43) ، كمـا ان الذي لايطعم المسكين هو كافــر ايضا : « وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ » (المدثر / 44) .

وحسب ما يقوله العلامة الطباطبائي (رحمه الله) في تفسير الميزان ، فان القرآن الكريم لايطلق كلمة الكافر والكفـر الا على الذين لايطبقون احكام الله ؛ اي ان هذه ليست موجهة الى الذين لايؤمنون بالله - تعالى - ، فالقرآن الكريم انما يخاطب الانسان الذي يدّعي الايمان بالخالق ولكنه لايقوم عمليا بتطبيق مناهجه - سبحانه - لان العمل بغير احكام الله من شأنه ان يسبب الكفر ، والكفر العملي ماهو الا قرين للكفر النظري .

ونحن عندما ننظر الى التأريخ الاسلامي في عهد الائمة ( عليهم السلام ) نرى ان الطغاة في ذلك الزمان كانوا يبثون نفس هذه الفكرة ، ويحاولون اخماد روح الثورة الاسلامية في الشباب .

وهكذا فاننا اذا اردنا ان ننشىء تجمعا ايمانيا رساليا في منطقة من المناطق ، وحاولنا ان نستقطب سلبيات الاشخاص الذين يعيشون في تلك المنطقة ، ولا نحاول مقاومة هذه السلبيات ، فاننا سوف نصبح جزء من هذا المجتمع وسلبياته .

ج - الجمــود : ان الاسلام يأمرنا في آيات كثيرة من القران الكريم بالسعي ، والعمل والسير في الارض ، كما يقول - تعالى - : « وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ » (التوبة / 105) ، « قُل سِيرُوا فِي الأَرْضِ » (الانعام / 11) ، « وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى » (النجم / 39) ، ولكننا نرى للاسف الشديد ان ابناء الامة الاسلامية يعتبرون الجمود والتقاعس قيمة اساسية ، الى درجة انهم عندما يريدون ان يمتدحوا شخصا فانهم يقولون عنه : ان هذا الانسان طيب جدا ، ولا يتدخل في امور الناس ، في حين ان الاسلام يقول : " من اصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم " .

فالاسلام يقيّم الانسان دائما وابدا علــى اساس العمل الصالح ، وحتى العلم فانه ليس قيمة اساسية في الاسلام مادام غير مقترن بالعمل كما يقول الحديث الشريف :

" عالِم بلا عمل كشجرة بلا ثمر " وهكذا الحال بالنسبة الى القيم الاخرى كالمال ، والنسب ... فالعمل الصالح هو المعيار الاساس في الاسلام .

2- التجمع الايجـابي :

ان التجمع الرسالي هو الذي يحارب سلبيات الامة ، ويقاومها ، ليحولها الى ايجابيات ، ولينشىء ذلك التجمع النزيه الذي كان ملتفا حول رسول الله ( صلى الله عليـه وآلـه ) ، او يحـاول ان يكون مثل ذلك التجمع الـذي كان حول الامام الحسين ( عليه السلام ) في يوم عاشوراء ، ان هذا التجمع هو الذي نعتبره تجمعا مثاليا ، تنطبق عليه الكلمة المعروفة : "يد الله مع الجماعة " .

والافراد الذين ينتمون الى هذا التجمع هم المسلمون الحقيقيون ، وهم طليعة المسلمين وائمتهم ، اما ذلك التجمع الذي لاينفي سلبيات الامة بل يكرسها ويكرس معها الطائفية والتفرقة والجمود ، والرؤى والافكار الباطلة الجاحدة ، فان هذا التجمع نعتبره جزء من سلبيات الامة ، ومساهما في تحطيمها .

وهذه هي النظرة الحقيقية التي يجب ان نلتزم بها ، فلا يكفي ان يجتمع اشخاص جامدون ، وسلبيون ، فهؤلاء لايمكنهم انقاذ الامة ، فلنصلح - اذن - انفسنا بالدرجة الاولى ، ولا نفكر في اصلاح المنتمين فحسب ، ولايقولن احدنا : كم معي ؟ بل يجب ان يفكر في نوعية الاشخاص الذين يعملون معه ، فلئن يكون الانسان واحد من قطيع الاسود خير له من ان يكون شيخا على قطيع فئران !

فلنحاول ان نربي اسـودا ، ولنحاول ان نكون جزء من مجموعة الصالحين ، فلنكن معهم ، ولانفتش عمن تربطنا بهم العلاقات الودية والنفعية .

وعلى هذا فاذا كان هناك واحد من اصدقائك منتميا الى حزب ما ثم اخبرك بذلك وذهبت معه دون ان تعرف ماهية الحزب الذي ينتمي اليه ، فان سلوكك هذا هو نوع من الانحراف ، والضلالة ، واتباع الطاغوت .

فليس من حق الانسان المسلم المؤمن ان يؤمن بانسان ، او تجمع ، او حزب ، او منظمة دون ان يكون لديه ايمان قاطع بسلامة حركة تلك التجمعات .

وعلى هذا فان القضية الاساسية في هذا المجال هي قضية انقاذ الامة ، وهذه الامة لايمكن ان تنقذ بالشعارات ، بل بعمل مثابر ، دؤوب ، جدي ، وهذا هو ما يطلق عليه القرآن الكريم مصطلح ( الجهاد ) .

فالجهاد لايعنـي العمل بصفة عامة ، بل يعني بالدرجة الاولى التعب ، وبذل الجهد ، وكل ما يستطيع الانسان تقديمه .

الكيفية لا الكمية :

وبناء على ذلك فان الجهاد يجب ان يتوجه نحو سلبيات انفسنا ، فاذا كونا مجتمعا رساليا مؤلفا من خمسمائة انسان ، فانه سوف يستطيع ان يغلب الملايين ، لان هذا المجتمع يمثل المجموعة الحية المتفاعلة والمتوحدة في ستراتيجيتها ، واهدافها ، وعلى سبيل المثال فان (طالوت) عندما وصل بجنوده الى النهر ، ومنعهم من ان يشربوا من المـاء الا من اغترف غرفة بيده ، فان عددا كبيرا من جنوده لم يستطيعوا مقاومة العطش ، وعندما محص (طالوت) جيشه ، وعرف الصابرين والمقاومين منه قـال : « كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِيـنَ » (البقرة / 249)

فليس مهما كثرة العدد والاسماء بقدر اهمية جودة الافراد وصلاحيتهم ، فالمهم في التجمع التفاعل ، كما كان هذا التفاعل متجسدا في اصحاب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، واصحاب الائمة ( عليهم السلام ) .

الحركة الاسلامية امام التحديات الحضارية

ان الفكرة التي تصنع الثورة هي الفكرة التي تصنع الواقع ، اما الافكار التي تبقى في حدود الفرضيات ، ولا تتمكن من تفجير طاقات الانسان ، او تصبها في قنوات محدودة فانها لايمكن ان تصنع ثورة .

ومن هنا ينبغي على الثوار انى كانوا ان يحددوا موقفهم الفكري على ضوء مقياس واحد هو مدى قدرة هذا الموقف على تفجير طاقاتهم ، وتحويل امكاناتهم الى حقائق عملية في الساحة .

الجمود هو سبب فشل الحركات :

وهكذا فان على الحركات الرسالية ان تعلم ان الغالبية العظمى من الحركات التأريخية قد فشلت عندما لم تستطع ان تصنع وسيلة للدفاع عن نفسها ، ولم تتمكن من تطوير اساليبها ، واستيعاب تغيرات الحياة ، وحتى الحركات التي استطاعت ان تنتصر انتصارا ماديا ، وتمكنت من الوصول الى سدة الحكم فانها لم توجد واقعا جديدا ، ولم تتمكن من تحويـــل شعاراتها الى عمل ، وقيمها الى سلوك ، وبالتالي فانها عجزت عن تحويل افكارها الى احداث واقعية تعيش في الحياة ذاتها ، ولذلك فانها سقطت وتجاوزها الزمن .

ان الحركة الاسلامية لاتواجه بعدا واحدا من ابعاد التحدي الحضاري ، ولا تواجه قيما زائفة في الحضارة الغربية فحسب ، بل انها تواجه بالاضافة الى ذلك تراكمات هائلة من الافكار الحديثة ؛ فهناك عشرات الالوف من انواع الكتب تصدر كل عام في العالم ، وهذه الكتب لاتدور حول الجوانب المادية فحسب بل وتدور ايضا حول الجوانب الفكرية والنظرية ؛ فما هو الموقف منها ، وكيف نستثمر - نحن المنتمين الى الحركات الاسلامية - جوانبها الايجابية ؟

وبالاضافة الى ذلك فان الحركات الاسلامية تواجه مهمة تحويل هذه العلوم الى حقائق ووثائق مادية ، وعلى سبيل المثال ترى ماهو موقفنا من التقدم الهائل الذي حققه العلم في مجال الفضاء ، وماهي مساهمتنا فيه ، وماهو علاجنا لتخلفنا عنه ؟

قبل عدة سنين كانت العقول الالكترونية بحجم السفن في حين انك تستطيع اليوم ان تحمل الكومبيوتر في جيبك علما انه يقدم نفس الخدمة التي كان يقدمها ذلك الجهاز الذي كان بحجم سفينة كبيرة !

وعلاوة على ذلك فان الحركات الاسلامية تواجه اليوم اسلحة فتاكة صنعت بهدف تحطيمها ، وتغيير مسارها ، وبهدف سيطرة المستكبرين على الشعوب التي تحاول هذه الحركات انقاذها من ايديهم ، وهكذا فان الحركات الاسلامية مهددة بالدمار اذا بقيت تعالج القضايا النظرية في حين ان النصف الاخر للحقيقة هو الدافع العملي المبني على قاعدة القيم .

قال اللـه - تعالى - : « وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ » (الحج / 40) ، فكيف ننصر اللـه ، وهـل النصر ان نكتفي بترديد الشعارات والكلمات ، ام ان نجسد هذا النصر من

خلال العمل ؟

وفي الحقيقة فان هذه هي التجربة الصعبة التي ينبغي على الحركات الاسلامية ان تقيّم عبرها فكرها وقدرتها الثقافيــة . وهناك تجربة اخرى هي تحول القيم الى سلوك ، وعدم الاكتفاء بتضخيم الاعمال ، فعندما يكون عملنـا قليلا وكلامنا كثيرا فان هذه الحالة سوف تسبب الهلاك لنا ، في حين ان القرآن الكريم يؤكد على الجانب العملي في آيات كثيرة منها قولـه - تعالى - :

« وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ » (التوبة / 105) .

فاذا ما عملنا فاننا سنصنـع واقعا ، و هذا الواقع يمثل مسيرة الله - سبحانه - ، والمؤمنين ، اما اذا لم نعمل واكتفينا بالكلام فان كلامنا هذا سوف يتلاشى ولايكون له اي تأثير . فالسلوك يجب ان يكون حجة على القيم واذا لم يتسم بهذه الصفة فان دل على شيء فانما يدل على ان هذه القيم غير صحيحة في اذهاننا ، فالذي يدعو الى الاسلام ولا يطبق قيمه فانه اخطر على الاسلام من الذي يدّعي الكفر ويطبق منهجه لان الاول يعمل على تشويه سمعة الاسلام .

العلاقات يجب ان تكون نابعة من القيم :

اما من ناحية السلوك في العلاقات ، فماذا كان شكل العلاقة بين ابناء الحركات الاسلامية الواحدة ، وهل كانت المنافسة ضمن الحركات الاسلامية نابعة من قيم الرسالة ومن التقوى الاجتماعية ، وصادرة من كل ما قاله القرآن ؟ اذا كان الامر كذلك فان السلوك نفسه سيصبح دليلا نابعا من المجتمع الذي نريد اقامته .

فاذا ما اردنا ان نقيم مجتمع الحرية فلابد ان تسود علاقاتنا مع بعضنا البعض قيمة احترام الاطراف المختلفة ، لان كل واحد منا يرى في الاخرين قدوة صالحة لنفسه وتجسيدا للرسالة ، فالانسان المسلم والمجاهد يجب ان يحترم اساسا وان لايكون معرضا للانتقاد ، فلماذا - اذن - لانحترم الحركات الاسلامية ونحن ننتمي الى حركة اسلامية هي اساسا حركة واحدة لاتتجزأ ، فعدم احترامنا لأي حركة يعني اننا لانحترم انفسنا ورسالتنا ، فمن المستحيل ان ينصر الله - تعالى - التجمعات الاسلامية التي لاتسود علاقاتها الاجتماعية والنضالية روح الاخوة الايمانية .

لقد وعد الله - عز وجل - ان ينصر من ينصره ، ونصرته - تعالى - تتجسد ايضا في نصرة عباد الله العاملين في سبيله ، فاذا لم ينصر احدنا عباد الله المؤمنين الصالحين فلا يمكن ان يكون تصرفي هذا دليلا على صدق في انتمائي للرسالة .

جوانب التعامل في الاسلام :

ومن الجدير ذكره في هذا المجـال ان الاسلام يشتمل في جانب التعامل على جانبين ؛ جانب العنف ، وجانب اللين ، فاذا جعلنا جانب العنف متجها الى اخواننا المسلمين فمن الطبيعي ان يكون جانب اللين في مواجهة الاعداء ، والعكس صحيح ، وهذا المعادلة سنة الهية عبرت عنها آيات كثيرة ومنها الآية التالية التي تقول في وصف حزب الله المؤمن والصالح :

« أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ » (المائدة / 54)

فلـولا ان الرساليين اذلة ولينـون أمام المؤمنين فانهم لما اصبحوا اعزة على الكافرين ، فلا يمكن للانسان ان يحارب على عدة جبهات ، فلابد ان يصالح جماعة ليحارب جماعة اخرى ، فاذا تصالحنا مع انفسنا فان هذا يعني اننا سنحارب اعدائنا ، واذا عكسنا الامر اضطررنا الى التسليم امام اعدائنا .

التملص من المسؤوليات سبب الانتكاسات :

ان تحقيـق الوحدة ليس مسؤولية القادة فحسب ، فهم يتحملون هذه المسؤولية لان

اساس قيادتهم توحيد الصفوف ، فمسؤولية الوحدة هي مسؤولية الافراد ، وكل من يملك وعيا سياسيا ورساليا ، وعلى الجماهير ان تكون شاهدا على وحدة القيادة بأن ترفض المؤامرات ، والتقسيمات الحادة ، والسلوك العنيف داخليا ، واللين خارجيا ، وهذه المسؤولية تمثل واجبا تأريخيا امام الله - سبحانه وتعالى - .

وعلى اصحاب الوعي والبصيرة الذين قد يكونون في التشكيل القيادي ، وقد يتواجدون في المجالات الاخرى داخل الحركة او خارجها ، ان يقوموا بدورهم في امتصاص الضغوط ، ويكوّنوا لجانا لمقاومة الارهاب والدكتاتورية والسلبيات داخل الحركات ليتحمل كل واحد منا مسؤوليته في هذا المجال .

فالتناقضات ، والانتكاسات تحدث بسبب عدم تحمل الجميع لمسؤولياتهم ، او إلقاء هذه المسؤوليات على عاتق شخص او فئة معينة ، اما اذا دخل الجميع ساحة العمل ، وتحملوا مسؤولياتهم ، وعرفوا ان اصلاح ذات البين خير من عبادة سنين طويلة ، فان الخلافات ستزول ، ومن هنا تبرز اهمية تحويل القيم الى سلوك .

الحرية اساس التقدم الحضاري :

فعندما ننادي بالحرية يجب علينا ان لانطلق الشعارات الكاذبة الجوفاء ، بل نحاول ان نقيـم مجتمع الحرية مدركين ان هذا المحك هو المحك الثابت في اقامة دولـة الحق ، فالحق يعتمد على الحرية ، فنحن نجد اليوم فجوة حضارية لابد من تجاوزها لانها تفصل امتنا وشعوبنا عن ركب التقدم العالمي ، وهذا لايمكن الا من خلال تعبئة كل الطاقات ، ولابد من اجل تحقيق كل ذلك من الحرية .

وهكذا فانه اذا وجدت علاقة الحرية والانفتاح والتقويم السليم للاشخاص فان هذه العلاقة سرعان ما ستسود بين الحركات الاسلامية ، او الفئات المختلفة داخل الحركة الاسلامية الواحدة والا فان اعمال الاشخاص العاملين في هذه الحركات ستكون مناقضة لاقوالهم ، وستكون هادمة لافكارهم ، ومتباينة مع شعاراتهم ، فلا يرضى عنهم لا الله - تعالى - ولا خلقه .

العلم امضى سلاحا :

اما البعد الاخر لتحول الافكار الى حقائق واقعية فهو بعد القضايا العلمية ، فالاسلام هو - اساسا - دين العلم ، ودعوته الى العلم هي دعوة اصيلة ، ومتصلة الجذور بالاسلام نفسه ، ومبادئه كلها ، وعلى هذا فان الحركات الاسلامية يجب ان لاتكون جاهلة ، فعلى كل فرد منتم الى الحركات الاسلامية ان يكون واعيا بما يجري في العالم ، وان تكون لديه الافكار الواضحة حول ما يحدث حوله ، وان يحيط علما بعلـم التربية ، والنـفـس ، والتحليل السياسي والاقتصادي ، ويطلع على التقـدم العلمي الذي حدث في العالم في مختلف المجالات لان سـلاح العلم هـو امضى سلاح .

ولذلك قال الحديث الشريف : " مداد العلماء خير من دماء الشهداء " ، فدم الشهيد يمكن ان يذهب هباء منثورا اذا لم نخطط له تخطيطا جيدا من خلال مداد العلماء ، فعندما يقول الاسلام عبر النصوص الماثورة عن قادة المسلمين ، وائمة الهدى : " قيام العالم خير من شخوص الجاهل " ، فانه يعني ان هناك بعدا اخر نستطيع ان نخدم الاسلام من خلاله الا وهو بعد العلم من خلال الغور في اعماقه بحيث نكون اكثر حضورا وشهودا من ذلك الذي يسير في الارض دون وعي ، لانه يسير بجسده في حين انك تسير بفكرك وعلمك وتخطط وهـو لايعـرف مايجـري حولـه .

الجهاد ليس بالقـوة فقـط :

وعلى هذا الاساس فلا يقل الانسان المؤمن انه يستطيع ان يجاهد بقوته فقط ، لان طريقة حمل السلاح وتصـويبه يرتبطان ارتباطا وثيقا بالعلم ، فان كنت مرابطا في قاعدة من قواعد الثورة في المدن ، او القرى ، او الجبال فلا تترك العلم لانك بحاجة اليه ، فان لم تتوفر لديك الكتب والصحف والمنشورات فحاول ان تتدبر في الكون وتتفكر لان الفكر مرآة صافية .

فالحركة الاسلامية يجب ان تكون ذات ذاكرة قوية تجمع وتحول التجارب الى قواعد سلوكية لتعمل على ضوئها ، وفي هذا المجال يوصي الامام علي ( عليه السلام) الصحابي الجليل كميلا قائلا : " يا كميل اعلم انه لابد لك قبل كل جولة من فكرة " فقبل التحرك يجب ان نرسم خريطة ، وهذا لايحدث الا بعد التفكر ودراسة المواقع التي تحيط بعملنا ، وفي هذا المجال يقول الامام الرضا ( عليه السلام ) عن الصفة التي يجب ان يتحلى بها الانسان المؤمن ، فيصفه قائـلا : " والعالم بزمانـه ، لاتهجم عليه اللوابـس " (1).

وهكذا فان معرفة العصر تمثل ركنا اساسيا في التحرك عبر هذا العصر ، والسيطرة عليه ، اما ان ندرس التأريخ والماضي دون دراسة المستقبل فان هذا يعني ان يعتمد الانسان على عكاز واحد .

وباختصار فان الآيات القرآنية ، والاحاديث الشريفة تذكرنا بضرورة ان يتمتع المؤمنون بالقوة المادية في ساحة الصراع بين الحق والباطل ، فلننظر في هذه الآيات والاحاديث ، ولنتدبرها بعمق ، فلولم تتطوع فئة من الناس للدفاع عن القيم لانهارت كيانات هذه القيم كما اشار الى ذلك - تعالى - في قوله :

« وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِـدُ يُذْكَرُ فِيهَـــا اسْــمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَــويٌ عَزِيــزٌ » (الحج / 40) .

فعندما ننصر ربنا من خلال التحرك والاصطدام عمليـا بالقـوى الجاهلية ، فان الله - تعالى - حينئذ سينصرنا ، فلابد ان تكون لدينا القدرات المادية سواء على صعيد الوحدة والتماسك ، ام على صعيد الحصول على الوسائل المادية ، والعلم في مختلف المجالات .

لا لشرعية النضال .. نعم لمشروعيته

من السنن الالهية الثابتة ان الانسان مفطور على الايمان بالله وحبه ، ومن ثم البحث عن وسيلة تقربه الى الله - عز وجل - ، الا ان حجب الشهوات وحواجز الجهل والغفلة وضغوط الحياة تمنعه من الاتصال برب العزة ذي الجلال والكمال المطلق ، ومهما ابتعد الانسان بسبب جهله وشهواته والضغوط التي يتعرض لها فانه لابد ان يعود الى الله ، والى الفطرة التي ترجعه الى بارئه من خلال التوبة .

ضرورة التوبة من الغفلة :

وليست التوبة ناجمة عن الذنب ، وانما عن الغفلة والجهل والنسيان ، اذ ان الطبيعة المادية التي جبل عليهـا الانسان تدعوه الى تلك الصفات السلبية ، فالتوبة من الجهل انما تتحقق بالرجوع الى الله - تعالى شأنه - ، والى العلم والجمال والقدرة والنور ، ولذلك فان الانبياء والائمة الاطهار ( عليهم السلام ) عرف عنهم انهم كانوا توابين ، اوابين لا لأنهم ارتكبوا الذنوب وحاشا لهم ان يرتكبوا الذنوب وهم المعصومون المختارون من قبل الله - تعالى - ، بل لأنهم يريدون ان يتوبوا من الغفلة التي قد يقعون فيها احيانا بحكم كونهم بشرا ، لذلك نراهم يتوبون المرة بعد الاخرى ، لكي يصفّوا انفسهم من هذه الطبيعة البشرية .

ان الله - تعالى - هو خالق الانسان ، وهو يعلم ما توسوس به نفسه لانه اقرب اليه من حبل الوريد ، والانسان - بطبعه - ظلوم ، جهول ، عجول ، ولذلك فقد أركس في الغفلة ، ولأن ضغوط الحياة عليه كبيرة فانه كلما تاب الى ربه وجد امامه ابواب الرحمة واسعة تحتضنه ، ورحاب المغفرة في استقباله . فاذا استطاع الانسان ان يستغل هذه النعمة ( نعمة التوبة ) فقد اصبح بمثابة النهر يطهر بعضه بعضا ، فكلما دنسته الشهوات والمشاكل ، وحجبته الغفلة ، بادر الى تطهير نفسه ، وتحصن ضد الدنس بالتوبة ؛ حيث يتوجه الى الله - عز وجل - ويرجوه ان يختم عاقتبته بخير امتثالا لقوله - تعالى - : « فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ » (البقرة / 132) .

وقد يعيش الانسان حالة ارتكاب الذنوب ، والعيش في الغفلة ، فان مات قبل ان يذنب مرة اخرى وهو تائب ، محيت ذنوبه السابقة ، فلا يموت الا وهو طاهر ، مطهر ، ومن ختم الله - جلت قدرته - له بخير دخل الجنة بغير حساب .

الموت ذلك الزائر الكريه !

ولا شك ان الموت زائر كريه بالنسبة الى الانسان ، فهو يأتي بلا استئذان ، في الليل والنهار ، لايفرق بين معافي ومريض ، وبين شاب وعجوز ، وليس له مقياس او موعد معين ، ولذلك فان الانسان لايستطيع ان يضمن نهايته الا من خلال التوبة المستمرة الى اللـه - سبحانه وتعالى - ، فعليه ان يتذكر الله ، ويتوكل عليه كلمـا طاف به طائف من الشيطان لكي لايموت على الذنب - والعياذ بالله - ، بل يموت طاهرا مطهـرا .

التوبة اساس الصفات المثلى :

وفي هذا المجال يقول - تعالى - : « تُوبُـوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَـةً نَصُوحــاً » (التحريم /8)

ان ملك الموت الموكل بكل انسان ، يأتي على حين فجأة ، ودون ان يكون لنا اي سابق علم ، فلا يرده باب ولا سور ولا برج ، ولايمنعه مال ولا رجال ، ولذلك فان التوبة هي سبيلنا الوحيد الى التهيؤ لهذا المــوت ، ومن كانت عنده هذه الحالة ؛ حالة التوبة ، فان الصفات المثلى هي االاخرى ستكون حاضرة لديه ، ومكتملة فيه ، كما يقول - تعالى - : « وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابــاً * وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّـرُوا بِاَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِـرُّوا عَلَيْهَـا صُمّاً وَعُمْيَاناً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً * اُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَـرّاً وَمُقَاماً * قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامَاً » (الفرقان / 71-77)

وهكذا فان المؤمنين التائبين الى الله - عز وجل - لايقولون باطلا ، وانما يفكرون ويتدبرون ، ثم يتكلمون لكي لايقولوا زورا وبهتانا وكذبا ، فهناك الكثير من الناس اذا جلس الواحد منهم مع شخص آخر تراه يتكلم معه بما يعجبه حتى اذا كان عدوه ، في حين ان الانسان المؤمن يجب عليه ان يتكلم مع الاخرين بما يعرف انه الحق سواء رضي الطرف المقابل ام غضب ، فلا تظهر نفسك كما لو كنت افضل من الاخريـن فان اللـه - تعالـى - يقـول : « وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ » (آل عمران / 188) .

وهكذا فان المبالغة في البطولات والانانيات والتشدق هي سلوكيات تخالف سلوكية التوبة التي يجب ان يكون عليها الانسـان المؤمن ؛ فالتوبة هي لباس التقوى ، والخشوع امام الله - عز وجل - ، والتواضع امام الناس ، فالمؤمن التائب تراه مسكينا ضعيفا في ذات نفسه ، عزيـزا بالله ، وبقدر ما يشعر بحقارته امام الله ، فانه يشعر بالعزة بين الناس ، فلا يخضع للقوة والجاه .

ثم يستأنف السياق القرآني الكريم قائلا : « وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً » ، فحياة المؤمنين التائبين قائمة على الجد والعمل الصالح ، فلا وقت لديهم للهزل واللعب واللهو ، ولا تستطيع مجالس الكلام الفارغ ان تجذبهم للخوض فيما لايعنيهم ، فهم يكرمون انفسهم ، ويجلونها عن صرف اعمارهم الغالية في قضايا تافهة ، ثانويـة .

وفي يوم القيامة يندم كل انسان على ما فرط في دنياه ، فالكافر يعض يديه ندما حتى يكاد ان يقطعهما ، والمؤمن يندم على الاوقات التي لم يستغلها من قبل كأن يقول - مثلا - ؛ كان بأمكاني ان اتوب ، واحاسب نفسي ، وان اعمل الخير ولو باماطة الاذى عن الطريق فهي صدقة ... وهكذا اينما توجهت فان ابواب الثواب مفتوحة فان لم تلجها فسوف تندم يوم القيامة على كل لحظة قضيتها دون ان تستغلها .

المؤمن لا تأخذه العزة بالاثم :

ان كل ابناء آدم يخطئون ، ولكن الفرق ان بعض الناس ان اخطأ وذكّر بخطئه اخذته العزة بالاثم ، وهناك المؤمنون الحقيقيون الذين يشير اليهم تعالى في قوله : « وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِاَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّـاً وَعُمْيَاناً » فالواحد منهم اذا ذكّر بآيات الخالق - تعالى - فتح عينيه واذنيه ، بل فتح بصيرته ، ولم يقف ازاءها موقف الاصم الاعمى .

ثم يقول - عز من قائل - : « وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا

قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً » ، فالمؤمنون حقا يحولون حياتهم الى قطعة من الجنــة يعيشون عليها في الدنيا ، ومن كانت دنياه جنة ، فان آخرته ستكـون جنة ايضا ، فهم يجعلون من بيوتهم واولادهم والاجواء التي يعيشون فيها نظائر للجنة وما فيها من اجواء الرحمة والبركة ، وذلك من خلال حسن تعاملهم وتضيحاتهم والتعـاون البنّـاء مع اخوتهم المؤمنين حتى يصبحوا قدوة صالحة للاخرين ، افلا يستحقون بعد ذلك ان يكونوا ائمة للمتقين ، وان يثابوا بأفضل العطاء كما يقول - تعالى - :

« اُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَــةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَـرّاً وَمُقَاماً » .

/ 9