الحركة الاسلامية ومؤامرات الأعداء - نهج الاسلامی نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

نهج الاسلامی - نسخه متنی

سید محمد تقی المدرسی

نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
لیست موضوعات
افزودن یادداشت
افزودن یادداشت جدید

ضرورة الدعاء في كل حال :

بل ان الوصول الى هذه القمة السامقة يزيدهم توكلا على الله - تعالى - ، فيتضرعون الى ربهم بالدعاء ، في حين يقف المكذبون بالله ، والمستكبرون ، دون ان يدعوا ربهم ، ويتضرعوا اليه بالتوبة والاستغفار ، وهؤلاء سيدخلون جهنم داخرين .

ان على الانسان ان يدعو الله - سبحانه - في كل حين ، وعلى اية حال ، ولكل شيء ، فقد امر الباري - عز وجل - نبيه موسى بن عمران ( عليه السلام ) ان يدعوه ولو لملح الطعام في قوله : " يا موسى ادعني لملح طعامك " ، فكل شيء في هذا الكون مرتبط بالخالق - تعالى - صغيرا كان ام كبيرا ، فادعوا ربكم ولا تستشعروا الاستصغار فانه سميع الدعاء .

ويبدو من سياق الايات السابقة ان الطائفة التي يتحدث عنها القرآن الكريم انما هي في الحقيقة الطليعة الرسالية ، لان هذه الآيات لاتتحدث عن شخص واحد وانما تعبر عنهم بصيغة الجمع : « وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً » ، وهذا دليل على ان الامة بحاجة قي جميع مراحلهـا الى الطليعة الذين يكونون فئـة (الائمة) الذين يمثلـون القدوة للاخريـن

سواء قبل الانتصار ام بعده ، وفي جميع المجالات .

النضال بين الوسيلة والهـدف :

و في هذا المجال هناك فلسفتان للنضال تقول احداهما ان النضال شريعة المناضلين ، وبعبارة اخرى فان النضال هو الشرعية ، اما الفلسفة الاخرى فترى ان النضال ينبغي ان يكون مشروعا ، اي انه - بحد ذاته - ليس قيمة لكي يستمد الشرعية من ذاته ، بل ينبغي ان يستمد هــذه الشرعية من قيمة ثابتة ؛ الا وهي الحق ، فالحق قيمة وشرعية بذاته ، فاذا ارتبط النضال به فانه مشروع والا فهو ليس كذلك .

ان الجهاد لايسوغ لك ان تقوم بكل ما تريد ، وان تبرر اعمالك وتصرفاتك بانك مجاهد في سبيل الله ، بل ان العكس هو الصحيح ، فأنت مجاهد في سبيل الله لانك تعمل ضمن الاطار الاسلامي المرسوم لك ، ووفق السلوكيات الخلقية الصحيحة ، فليس في الاسلام ان الغاية تبرر الوسيلة ، فكما يجب ان تكون الغاية شريفة ، فان الوسيلة هي الاخرى يجب ان تكون شريفة .

وبناء على ذلك فان ليس كل من حمل سلاحا هو مجاهد ، وليس كل من هاجر من بلده الى بلد اخر هو مجاهد ، فقد يشترك الانسان في الحرب ولكن لغنيمة يريد ان يغنمها ، وقد تكون الهجرة لله ، وقد تكون في نفس الوقت لزوجة يتزوجها ، او مال يصيبه ، او منصب يبلغه ، فالهجرة الالهية لاتكون الا ضمن اطار تعاليم الله تعالى .

فلا تعط لنفسك الحق ان تتصرف كيفما تريد بحجة انك مجاهد او مناضل ، واذا اردت ان تسقط الطاغوت فينبغي ان يكون نضالك ضمن الاطار الالهي . صحيح ان التنظيم ، والحركة ، والحزب المؤطر بأطار الاسلام تمثل كلها سلوكيات صحيحة ومطلوبة ، ولكنها جميعا يجب ان تكون في حدود ولاية الله ، لا في حدود ولاية الطاغوت ، او ولاية الجبت والنفس الامارة بالسوء .

شريعة النضال في القرآن :

والله - جلت قدرته - يرسم لنا في الآيات السابقة الطريق الصحيح والسليم للنضال ، ويذكر لنا المواصفات التي يجب ان تتوفر في الانسان الذي تنطبق عليه صفة " امام المتقين " ، وهذه المواصفات هي كالتالي :

1- ان امام المتقين يجب ان يكون من الذين يتصفون بصفات التائبين ، ويعمل صالحا ، ولا يشهد الزور ، او يبالغ في الدعوة الى نفسه ومجموعته ، وهو لايلهو ، ولاينفق عمره فيما لاينفع امته ، وهو ايضا يبادر الى خدمة قضيته ، وان ذكّرته بانه على خطأ لا تأخذه العزة بالاثم بل يستجيب برحابة صدر للتذكرة ، والاصلاح من قبل الاخرين ، ولايتكبر ، او يلوي عنقه ترفعا بحجة انه امام ، وانه طليعي .

2- ان الشخص الذي يريد ان يكون اماما للمتقين يجب عليه ان لاينسـى حق اهلـه ، وذوي قرباه ، ورحمه ، وذوي الحق عليه ؛ فحقوقهم محفوظة عنده ، فهو لايريد ان يناضل ويجاهد على حساب علاقاته العائلية الا اذا تعارضت مع الجهاد في اطار الاسلام .

3- ان الانسان المؤمن المجاهد يظل مشعا بنوره مهما كانت الظروف حتى وان كان سجينا ، فان السجن يعتبر بالنسبة اليه عبادة ، لانه انما اعتقل في السجن في سبيل الله - تعالى - ، فهو - اي السجن - محراب للعبادة عند الانسان المؤمن المجاهد كما ان النظر الى الكعبة عبادة ، والبقاء في المسجد عبادة ، فتراه يقرأ القرآن في السجن ، ويصلي الصلوات المستحبة ، ويقضي الفائتة منها ، ويصوم ، وقد سمعت في هذا المجال ان بعض االاخوة المجاهدين كان يكره ان يغادر السجن عندما افرجوا عنه لان هذا السجن كان عنده بمثابة المسجد او المدرسة الروحية والاخلاقية فقد كانت تقام فيه صلاة الجماعة ، ودعاء كميل ، والمحاضرات والدورات الدينية وكأنما كانوا يعيشون في حوزة علمية .

ان هـذا يعني ان الانسان المؤمن الرسالـي يجب ان لاينسى دوره الرسالي اينما كان ، وخاصية الالتزام بكل الواجبات فـي جميع الظروف والاحوال تعطي المؤمنين عدة مزايا من ضمنها :

1- ان حركة المؤمنين حركة اسلامية تجمع بين المتانة ، والاستقلال ، والاستقامة .

2- انها بعيدة عن الانانيات والشهوات والاهواء والمزالق .

3- انها مستمرة لايمكن ان تتوقف لانها تمتلك الاسس والجذور الممتدة في اعماق المجتمع والتأريخ والدين ، وهذا ما يجعلنا نطمئن لمستقبل الحركة الاسلامية في العالم لاننا واثقون من تحقق وعد الله - سبحانه - بأن يظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون .

الحركة الاسلامية ومؤامرات الأعداء

ان ما عانته امتنا الاسلامية في العصور الاخيرة من الدسائس الاستعمارية والمكائد والمؤامرات كان اكثر بمرات عديدة مما عانته من وسائل البطش الظاهرة كالجيوش ووسائل تدميرها ، وذلك لان تلك الدسائس كانت خفية استغلت جهلنا وتخلفنا وتشتتنا ، بالاضافة الى العوامل الذاتية التي ساعدت المستعمرين على توجيه الضربة الينا ، هذا في حين ان الوسائل الاخرى الظاهرة كانت معروفة لدينا ، وكنا نواجهها بوعي وباصرار في بعض الاحيان .

ان تلك كانت تجري عادة في غفلة منا ، وهي كثيرة ولكننا سنركز حديثنا على مثال واحد مهم من تلك الامثلـة وهو ان الافكار المتلصصة التي تسربت الى عقول شبابنا في بداية هذا القرن عبر المناهج التربوية ، وعبر الذين كانوا يسمون بالمفكرين ، والمصلحين ، وبواسطة الصحفيين والكتاب ، ومن خلال الافلام والوسائل الاعلامية كل ذلك كان مدخلا من مداخل الكيد الشيطاني للدوائر الاستعمارية ، هذا الكيد الذي كان اشد فتكا من القنابل الذرية ، والهيدروجينية ، ولذلك فان آثاره ماتزال باقية في عقول الكثير من ابنائنا .

وهكذا فان وسائل الاستعمار واساليبه كثيرة ومتعددة ، وفيما يلي نذكر بعض الامثلة من التأريخ المعاصر على هذه الاساليب والمخططات الهادفة للقضاء على الاسلام وصحوته :

مؤامرة التيارات الضالة :

1- ما رأيناه في السودان حيث خرج للامة رجل بٌإسم التجديد يريد ان يعيد الينا ذكرى البهائية ، والقاديانية ، ويحاول ان يوهمنا انه صاحب الرسالة الثانية داعيا الى الغاء الكثير من الاحكام الاسلامية ، واحداث (التجديد) في الفكر الاسلامي ... عبر حزبه الذي سماه (الحزب الجمهوري) .

هذه النغمة الناشزة القديمة بدأت الدوائر الاستعمارية الضرب على وترها ، لان هذه الدوائر استرجعت خططها القديمة لتستخدمها اليوم في ضرب الاسلام بعد ان فرض البعث الاسلامي الاصيل نفسه على الساحة .

تسليط الانظمة الارهابية وبث الاختلافات :

2- تسليط الانظمة الارهابية على المسلمين ، ومحاولة محو وسحق الحضارة الاسلامية من خلال هذه الانظمة ؛ فقد عادت الدوائر الاستعمارية الى طريقة كانت تستخدمها ، ونجحت فيها نجاحا باهرا ، وتتمثل هذه الطريقة في بث الخلافات داخل الحركة الاسلامية العالمية الواحدة .

وقبل ان نبيّن ابعاد هذه المؤامرة الشرسة لا بأس ان نذكّر باسلوب الاستعمار ، ودوائره المختلفة في تنفيذ هذه المؤامرة ؛ والمؤامرة هذه تسمى بمصطلح رمزي في الدوائر الاستعمارية هو (المبادرة السياسية) ؛ وهذه هي سياسة الاستعمار الان بالنسبة الى الحركة الاسلاميـة الواحدة ، ونؤكد على انه اذا اصطبغت حركة ما بالاسلام فانها لن تستطيع انه تنفصل عن مجمل الحركة الاسلامية في العالم ، ولايمكنها ان تصبح متعددة ومختلفة مادامت تنشد قيام الدولة الاسلامية ، وتحقيق مفهوم الامة الاسلامية .

ان الامة الاسلامية واحدة كما قال - تعالى - : « إِنَّ هَذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ » (الانبياء / 92) ومادامت هذه الامة واحدة فان الحركة التي تنشد اقامتها ، وتحقيق حكم الله - تعالى - عليها لابد ان تكون حركة واحدة ، ولكن الاستعمار الذي يعرف مدى قوة هذه الحركة وفاعليتها يبدأ ببث الخلافات داخل هذه الحركة الاسلامية الواحدة .

و (بريجنسكي) وزير الخارجية الاميريكية السابق يعترف في مذكراته عن الثورة الاسلامية في ايران بهذه الحقيقة قائلا : ان هذه الثورة لاتقتصر على ايران بل هي بعث اسلامي اصيل في العالم كله .

فهم يدركون ان هذا البعث الاسلامي له قوته ، وقدرته الهائلة ، وامكانياته الكبيرة ، وبالتالي فان هذا البعث من شأنه ان يفجر العالم في وجه المستكبرين ، والمستغلين الذين يخططون لعمل مضاد وهو السعي الدائب مـن اجل تفتيت هذه الامة والحركة الاسلامية الواحدة ، وبالتالي السيطرة على هذا الانبعاث الاصيل .

الطائفية المؤامرة القديمة الحديثـة :

وهكذا تبدأ المؤامرات والخطط ، فكل الخلافات التي كانت قائمة قبل ثلاثين عاما عندما انطلقت الصحوة الاسلامية الاولى بعد الحرب العالمية الاولى اعيدت الان ملفاتها ، والذي يدرس التأريخ يدرك كيف انه يعيد نفسه الان ؛ اذ بدأت المؤامرة في بداية انتصار الثورة الاسلامية في ايران بالضرب على وتر الطائفية .

ونحن نلفت انظار ابناء الحركة الاسلامية الى هذه المؤامرة لشراستها ، وابعادها الواسعة ، فهي تكاد ان تخنق الثورة الاسلامية العالمية ، فقد توجهوا الى الاقليات المذهبية والدينية ، ونفخوا في ابواق الافكار السابقة ، وشجعوا كل انسان متعصب وحاقد على ان يدير ويؤجج هذه الخلافات ، ولكن علينـا ان نكون يقظين ، ولانقع في حبائل هذه الخطة التي رسمها الاستعمار ، لكي نفشل بذلك هذه المؤامرات الخبيثـة .

وعلينا في هذا المجال ان ندرس التأريخ ونتعظ به ؛ وعلى سبيل المثال فان الخوارج الذين ظهروا اثناء خلافة الامام علي ( عليه السلام ) كانوا يمثلون اناسا حاقدين لايعرفون من الاسلام الا الصلاة والصيام ، ويروى عنهم انهم كانوا يسألون كل مار بطريقهم ان كان من شيعة علي ( عليه السلام ) ام من شيعة معاوية ، فيقول هذا المار المسكين خوفا من القتل والتمثيل انه مسيحي ، رغم انه قد يكون من اصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) !

وقد كان هؤلاء الاشخاص المنحرفون يقتلون المرأة المسلمة ، ويبقرون بطنها ، ويخرجون حملها ، ثم يمـر احدهـم واذا بتمرة مرمية في الطريق فيأخذها ، ويضعها في فمه ، ولكن الاخر يخرجها من فمه ويقـول : ان عملك هذا حرام ! اما ان يقتل امرأة مسلمة ، ويمثّل بها فليس بحرا م !

ان الحكام الطغاة كانوا يفتشون عن مثل هذه العناصر ، كما فتش عنها معاوية ودسها في الجيـش الاسلامـي ؛ جيش علي ( عليه السلام ) ، فشتت بذلك هذا الجيـش ...

ضرورة تحدي المؤامرات :

وهكذا فاننا اذا لم نلتف حول الراية الاسلامية ، ولم ندع خلافاتنا الجانبية ، ونوحد صفوفنا ، ونفضح تلك الخطوط الاستعمارية ، واولئك الجهلة المتعصبين ، وغيرهم من الحاقدين الممتلئين بالعقد النفسية ، فاننا سرعان ما سنفاجأ بالبدائل الدكتاتورية وهي تحل محلنا في عملية الحكم لتضرب المتدينين ، وتزهق ارواحهم ، وهذا بحاجة الى وعي ، وقد منحنا الله تعالى هذا الوعي كما اشار الى ذلك في قوله :

« وَمِنْهُم مَن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَاَنتَ تُسْمِـعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ » (يونس / 42)

« أَفَاَنتَ تَهْدِي الْعُميَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ » (يونس / 43)

« إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنـفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » (يونس / 44)

فالله - سبحانه وتعالى - لايمكن ان يغفر لأحد من ابناء الحركة الاسلامية في هذه المرحلة بالذات ذنبه ؛ فعليه ان لايستمع لكلام اي كان ضد هذا او ذاك ، لانه في هذه الحالة سيتحول الى اداة للاستعمار دون ان يشعر .

وهكذا فان علينا ان لانتكلم ضد شخص ما من ابناء الحركة الاسلامية اعتباطا ، بل علينا ان نبحث عن الحقيقة ولاسيما القاعدة الاسلامية العريضة ، فهي تضحي من أجل الاسلام لا من أجل احد .

ولقد قلنا ان جماهيرنا يجب ان تكون شاهدة على هذه الوحدة ؛ فالوحدة هي وحدة الجماهير ، وهذه الجماهير يجب ان تكون شاهدة عليها ، وحارسة لها ، فعليها ان تقف في وجه اي انسان يحاول ان يفتت هذه الوحدة في اي ثوب او صفة كان .

الرسالة اسمى من الاعتبارات الشخصيـة :

وفي هذا المجال علينا ان لاندافع عن الاشخاص ، فدفاعنا يجب ان يكون عن الرسالة والعمل ، فالانبياء والائمة ( عليهم السلام ) والعظماء ضحوا بأنفسهم في سبيل العقيدة والدين ، ونحن بدورنا يجب ان نضحي بكل شيء في سبيل رسالتنا حتى لو كان هذا الشيء متمثلا في كرامتنا التي تعتبر هينة ازاء كرامة الاسلام .

فلننبـذ الانانيات والحدود والاطر الضيقة ، ولننطلق فــي رحاب هذه الامة الواسعـة

ولنعمل وننهض لله - تعالى - ونستشهد في سبيله .

وهنا اعود لاؤكد على ان المؤامرة واسعة وشرسة وهي تتركز على الحركة ، والشعوب الاسلامية في كل مكان ، فهنــاك مؤامرة في كل بعد ، وعلى كل ساحة ، وعلينا ان نفكر في افشال هذه المؤامـرة من خلال التزود بالمزيد من الوعي ، والمزيد من التجرد عن الانانيات والاتجاهات الفئوية والطائفية ، والمزيد من التلاحم الثوري بين الحركات الاسلامية من جهة ، وبين جماهيرنا الثائرة المؤمنة من جهـة اخرى .

الحركة الاسلامية في مواجهة التحديات

في التجارب علم مستحـدث ، و السعيد من اتعظ بتجارب الاخرين ، فـالمؤمن لايلدغ من جحر مرتين ، وما جرى ويجرى في بلادنا من مآسي ينبغي ان تكون درسـا لابناء الامة الاسلامية .

وفي هذا المجال يطرح السؤال التالي نفسه : كيف ينبغي ان تخطط الحركة الاسلامية في العالم لنفسها خطة تتجاوز من خلالها العقبات التي اعترضت طريق مسيرتها الاسلامية ؟ ان هذه القضية ليست قضية بسيطة نستطيع ان نتغافل عنها ، فوراءها دماء ودموع ومآس وكوارث ، فلا يمكننا بسهولة ان نمر على هذا الوضع المزري الذي يجري في العالم الاسلامي ، وعلى ما يخطط لــه الاستعمار ، فليس من المعقول ان ننتظر حتـى يختار لنا الاستعمار طريقا يدفعنــا باتجاهه دفعا ، بل لابد ان نعي تجارب الاخرين ونتغط بها ، وان نجعل فكرنـا مرآة صافية للحقائق ، فلا نخطو خطـوة إلاّ بعد تفكـير دقيـق .

آفة تحول الحركة الى النظام :

ومن اجل الاجابة على السؤال الذي طرحناه نقول :

1- لابد ان نعرف ان الحركة ، وبالاخص الحركة الاسلامية التي تتسلح بالايمان والكتاب والميزان هذه الحركة آفتها ان تتحول من حركة الى نظام او الى قمر يدور في فلك نظام ، لان شرعية الثورة تكمن في استمرار حالتها الثورية ، وتحديها للوضع القائم ، ورفض القوانين السائدة ، اما الثورة التي تذعن للاطارات الضيقة فان من السهل على اعدائها ان يخنقوها ، ويقضوا عليها في المهد .

وعلى سبيل المثال فان الحركة المسلحة للشعب الفلسطيني المسلم قبل تفجر الانتفاضة ، عندما ارتبطت بالانظمة العميلة التي لم تستطع ان تفعل شيئا في مقاومة اسرائيل ، وعندما تحولت الى نظام ، بل الى رقم في حساب نظام ، فان هذه الحركة حكمت على نفسها بالموت ولاشك ، رغم ان ابناء الشعب الفلسطيني المسلم حاولوا تجاوز سلبيات الامة ، وقدموا التضحيات وعملوا . ولكن لابد ان ندرس التجربة كتجربة ، ولابد ان نعتبر بحوادث التأريخ من اجل المستقبل البعيد .

وهكذا فان الحركة ينبغي ان تبقى حركة ، والثورة يجب ان تستمر ثورة ، وان لاتتأطر ضمن نظام ، وتصبح رقما في حسابه ، والحركات الاسلامية في سائر انحاء العالم الاسلامي لابد لها هي الاخرى ان تتجاوز هذا الخطأ ، وان لاتلدغ من هذا الجحر مرتين .

الحركة الاسلامية تتحدى مؤامرات الاستكبار :

ولقد راهن الاستعمار كثيرا على تطبيق مجموعة من الاساليب الخبيثة وغير الشريفة ضد الحركات الاسلامية ؛ فقتلوا قادتها ، وابعدوا قاعدتها ، وسجنوا شبابها ، وحاولوا التفريق بين ابنائها ، وبثوا الخلافات ، وحاولوا مقاومتها ، ولكنهم لم يفلحوا في ذلك . وانا اؤكد هنا ان الحركة الاسلامية في العالم في هذه المرحلة هي اقـوى منهـا في اي مرحلة مضت ، فهي اليوم قد تجاوزت كثيرا من العقبات ، واستفادت من الدروس ، واستوعبت تجارب المرحلة ، وتجاوزت مرحلة الخلاف على القشريات ، وهي الان تدخل مرحلة جديدة هي مرحلة التعاون والتلاحم والذوبان في بوتقة واحدة هي بوتقة الجهاد ، والعمل والتضحيات .

كما ان هذه الحركة استطاعت اليوم ان تتحدى ضعف الانسان في العالم الثالث ، وان تتقدم تقنيا كما تقدمت ايديولوجيا وسياسيا ، ومع ذلك فان مما يخشى عليها في هذه المرحلة ان تتحول الى نظام ؛ وعليها الان ان تتجاوز ايضا هذه المرحلة بنجاح كما تجاوزت المراحل السابقة ، وعليها ان توثق علاقاتهــا بالجماهير ، وابناء الامة بعد ان تمتن علاقاتها قبل ذلك باللـه - سبحانه وتعالى - .

وعلى الحركات الاسلامية ان تعلم في هذا المجال ان من يعتمد على احد غير الله - عز وجل - فانه سيخيب ظنه ، فلقد آل الخالق - تعالى - على نفسه ان يخيب ظن اي انسان يتكل على غيره ، فلابد ان نقطع أملنــا بأي انسان وتجمع وفئة ونظام ، وان نعتمد على الله وحده وعلى من امر بالتعاون معهم .

تجاوز عقبة التجزئة مقياس القـوة :

2- ان قوة الحركة الاسلامية لاتكمن فقط في قدراتها التنظيمية لان هذه القدرات عند سائر الحركات من الممكن ان تكون اقوى ، كما ان هذه القوة لاتكمن ايضا في تقديمها للتضحيات لان ابناء الحركات الاخرى يقدمون التضحيات ايضا في سبيل مبادئهم ، بل ان قوة الحركة الاسلامية الحقيقية تتمثل في مدى قدرتها على تجاوز مشكلة عويصة ومعقدة تعاني منها الامة الاسلامية الا وهي مشكلة التجزئة .

ان الحركات القومية والوطنيـة والحركات التي تحارب تحت ألوية غير لواء الاسلام ، هذه الحركات مبتلاة بالاطار الضيق ؛ اي اطار التجزئة والانفصالية ، والحركة الخاضعة لهذا الواقع الفاسد هي حركة ضعيفة لان الانظمة المسيطرة على الشعـوب بالرغم مـن ادعائها للاستقلالية هي انظمة متصلة من فوق بالانظمة الامبرياليـة .

ومن المعلوم ان الانظمة تتعاون مع بعضها ، وتتبادل الخبرات والتجارب في مجال ممارسة الارهاب ضد الشعوب ، واخضاعها لواقع التجزئة ، وبذلك تصبح هذه الانظمة اقـوى من الشعوب ، وهذه الشعوب لايمكنها ان تتحدى الانظمة تلك الا عندما تتلاحم مع بعضها ، وتتجاوز واقع التجزئة ، والحركة الاسلامية هي التي تستطيع ان تتجاوز هذا الواقع من خلال الممارسات والشعائر الاسلامية التي يقف الحج في مقدمتها ، ففيه تتجلى الوحدة الاسلامية ، ويجد الانسان ان المسلم الافريقي - مثلا - يتصافح في صلاة الجماعة في مكة المكرمة وفي حرم الله مع المسلم الاوروبي ، فهما يختلفان في كل شيء ولكنهما يتفقان في شيء واحد وهو انهما يوحدان الله ، ويصليان باتجاه الكعبة ، ويطوفان حولها ، ويؤمنان بالقرآن الواحد ، والاسلام الواحد .

الحركة الاسلامية بنت النظام الاسلامـي :

ترى ؛ اي دين في العالم يستطيع ان يعقد مؤتمرا سنويا قوامه الملايين من البشر الذين يفدون من كافة انحاء الارض ؟

ان الحركة الاسلامية هي بنت هذا النظام والمبدأ وهذه الامة ، ولذلك فان بأمكانها ان تتجاوز واقع التجزئة ، الا ان هذه الفكرة ينبغي ان تدخل حيز العمل ، ولا تبقى مجرد حلم وخيال ، وهذا لايكون الا من خلال ارتباط وتلاحم الحركات الاسلامية مع بعضها ، فالانسان الثوري المسلم هو اخو الانسان الثوري المسلم الاخر ، وعليه ان يفتش عنه ليتلاحم معه .

الوحدة سر قوة الحركة الاسلاميـة :

ولو ان الحركات الاسلامية تعاونت مع بعضها ، وتجاوزت خلافاتها وحالة التجزئة في العالم الاسلامي ، والحدود المصطنعة ، فانها ستكون اقوى بكثير من الانظمة المتسلطة على الشعوب ، ولذلك فاني انصح كافة الحركات الاسلامية بجميع فصائلها ان لاتخضع للاعلام الجاهلي المضلل ، ولرواسب التخلف التأريخية ، والنعرات والحساسيات وان تسير باتجاه الوحدة لكي يكون سقوط الانظمة شيئـا طبيعيا ، لان تلاحم هذه الحركات هو تلاحم العمق ، اما الانظمة فانها تتحالف في الظاهر ولكن قلوبها مشتتــة في الواقع كما يقول القرآن الكريم :

« تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وقُلُوبُهُمْ شَتَّى » (الحشر / 14)

في حين يقول عن المؤمنين : « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » (الحجرات / 10) .

فهناك اخوة الايمان ، بالاضافة الى الاخوة الثورية ، واخوة الهدف ، وهذه العوامل تجتمع معا لتجعل التلاحم عميقا مرصوصا .

الانسان الحركي مستعد للتضحية :

3- ان الثورة تعني ان الانسان المنتمي اليها يجب ان يكون مستعدا للتضحية والعطاء ، وان لايأبه بما يحدث حوله ، في حين ان الانظمة تخضع لمعادلات معينة ، وبذلك فان الثورة ستكون اقوى من النظام ، وبالتالي فان الحركة الاسلامية هي حركة تخدمها حوادث التأريخ ؛ اي ان الزمن يكون في عونها دائما لانها حركة تسير في مسيرة السنن الكونية وفي طريق الحق .

وفوق كل ذلك فان يد الله - سبحانه وتعالى - تكون مع الحركة الاسلامية عندما تتحد كما جاء في الحديث الشريف : " يد الله مع الجماعة " ، وهذه العبر والدروس نستفيدها من الواقع السائد في بلادنا ، وعلى الحركة الاسلامية ان تنتبه الى المؤامرات التي تحاك ضدها .

اننا كشعوب اسلامية لانرضى الا بعالم اسلامي واحد يحكمه الاسلام ، وتعيش مختلف الفئات في ظله دون تمييز ، وان كل المؤامرات التي تحاول تجزئة عالمنا الاسلامي باسم القومية او الطائفية ... انما هي مؤامرات مرفوضة غير قادرة على ان توقف مسيرة المسلمين الصاعدة ، ومسيرة امتنا التي عرفت طريقها ، وشقته عبر المآسي والآلام والدماء والدموع .

الحركة الاسلامية والضرورة السياسية

قبل كل شيء لابد ان نعرف اننا كلما توغلنا في المستقبل كلما وجدنا ان المساحة التي تشغلها السياسة في حياة البشرية آخذة في النمو والتصاعد ؛ فبعد ان كانت السياسة تعنى برجال معدودين وقضايا محدودة ، نرى انها اليوم بدأت بالانتشار حتى نفذت الى كافة مجالات الحياة .

ضرورة معرفة السياسة :

ولذلك فـان العلم بالسياسة ومعرفة ابعادها والعوامل المؤثرة فيها ، اصبحا من الامور الواجب معرفتها بالنسبة الى كل انسان ، سواء كان قياديا ام انسانا عاديا . فالسياسة مرتبطة ارتباطا وثيقا بحياتنا وسعادتنا وكرامتنا ، و من هنا فقد كانت مهمة علماء الدين سابقا معرفة اصول الفقه وقواعد الاعراب ، اما الان فان عليهم بالاضافة الى ذلك ان يتعمقـوا اكثر فاكثر في معرفة هذا العصر و ما يجري فيه من احداث ، و مـا يختفـي وراء هـذه الاحداث من عوامـل سياسيـة ، فكلما كانت معرفتهم بالزمان - حسب تعبير الائمة ( عليهم السـلام ) - ، او بالسياسة - حسب تعبيرنا - اكثر كلما كانت فرص نجاحهم في ادارة شؤون الامة اكثر ، واستقامتهم على الخط مضمونة بنسبة اكبر .

ان هناك الكثير من علماؤنا وقادتنا انحرفوا لانهم لم يكونوا عارفين بالسياسة وعلى سبيل المثال فان بعضهم كان يعارض بشدة الحكم الدستوري في ايران ، ويصر على استمرار السلطات الطاغوتية لعدم معرفته بالسياسة وجهله بها بقدر ما كان ذكيا ونابغا في الفقه !

ومع ذلك فان الثورة التي قادها العلماء العارفون بالسياسة انتصرت اخيرا على الرجعية التي تشبث بها العلماء غير السياسيين ، وعندما نرى في التأريخ هذه الحقائق المؤلمة نقف لحظات لنعتبر بها ، ونستنتج انه من الممكن ان يأتينا رجال ويزينوا لنا الباطل في السياسة فان لم يكن لنا علم بها وبصيرة بخصوصياتها فان المطاف سينتهي بنا الى ما انتهى باولئك الرجال الذين كانوا اكثر منا علما ، واوسع في الدراية الفقهية .

النظرة التحليلية للاخبـار :

ومن هنا فان علينا ان ندرس السياسة ، فعندما نجلس الى المذياع وهو ينقل لنا اخبار الغرب والشرق فان علينا ان لانستمع الى هذه الاخبار لغرض قضاء اوقات الفراغ ، وانما للتعمق في معرفة الحقائق ، كما وعلينا عندما نطالع الصحف ان لانمر على اخبارها وتعليقاتها مرور الكرام ، بل علينا ان نفكر ونكتشف ماوراء هذه التعليقات والاخبار ، واي خبر من هذه الاخبار هو الصحيح وايها كاذب .

ان مواقفنـا يجب ان تكون مبنية على قواعد مـن العلم السليم ، والتحليل الصحيح والدقيق .

اعداؤنا يتابعون اخبارنا بدقـة :

وانني هنا اعلن وانا متأكد من اعلاني هذا ان اجهزة المخابرات في البلدان الاستكبارية مكبة على دراسة اوضاع الحركات الاسلامية ، فلقد قرأت في تقرير صدر قبل بضع سنوات انه يوجد في الولايات المتحدة الاميريكية اكثر من ثلاثين معهدا لدراسة الحركات الاسلامية ، وان هنالك اكثر من اربعمائة الف عالم ومفكر يعملون في وزارة الدفاع الاميريكية انشغل عشرون الفا منهم في دراسة الحركات الاسلامية في كافة انحاء العالم ، وانا متأكد انهم يدرسون كل قصاصة ورق تصدر من هذه الحركة الاسلامية او تلك ليكتشفوا خلفياتهم بامعان .

وهم يفعلون كل ذلك ليحولوا دون اتساع نطاق هذه الحركات ، وليقفوا امام امتداداتها .

ترى كم صرفنا نحن وسائر الحركات الاسلامية في العالم الاسلامي من الجهد لدراسة هذه المؤامرات الغربية ، والتعمق فيها ؟ ومن جهة اخرى هل كلفنا انفسنا عناء دراسة الثورة الاسلامية في ايران مثلا ؟ ترى هل قرأ احدنا ولو كتابا واحدا عن تأريخ هذه الحركة ؟ وهل حاولنا ان نفتش عن ما في هذه الثورة من اعماق ، وما فيها من دروس وعبر ؟

ان علينا نحن الذين واكبنا هذه الثورة ان ندرسها دراسة جيدة واعية ، فنحن قد نواجه ظروفا مثل هـذه الظروف ، فعلينـا ان نعرف هذه الظروف ، وكيفية معالجتها ، يجب ان ندرس كل ذلك وان نوســع من آفاق معرفتنا ، ونواكب مسيرة الثورة المتنامية ، ونفتش عن خباياها ، وكيفية انتشارها .

من اساليب وتكتيكات الثورة الاسلامية :

وفيمـا يلي ومن اجل استلهام الدروس من هذه الثورة نذكر بعضا من الاساليب التي

اتبعتها في سبيل القضاء على حكم الطاغوت وايصال بلاغات الامام الخميني (رض) الى الجماهير المسلمة في ايران ، وانا اذكر في هذا المجال ان مجلة المستقبل كتبت تقول ان حرب الكاسيتات (الاشرطة) تمثل اسلوبا اكتشفته الثورة الايرانية ، وقد ادرك الاعداء خطورة هذا الاسلوب ، واخذوا يفتشون عن طريقة لمقاومة هذه الحرب فما كان منهم الا ان منعوا بيع الاشرطة في الاسواق .

وهناك اسلوب اخر اتبعته الثورة الاسلامية في ايران قبل الانتصار وهو اسلوب الاناشيـد الثورية التي كان الثوار يستخدمونها لسنين في سبيل إلهاب حماس الجماهير ، فقد لايستطيع كتاب ضخم يحتوي على معلومات مكثفة ومركزة ان يوجه انسانا شابا في عنفوان شبابه بقدر ما تستطيع انشودة واحدة ان تحركه الى الامام .

ترى هل استفادت الشعوب المسلمة في البلدان الاسلامية الاخرى من تجربة الثورة الاسلامية في ايران فيما يتعلق بلجـان دراسة القرآن ؟ لقد كانت هناك اكثر من (160) لجنة منتشرة في مساجد قم ، وكـل لجنة تتألـف من عشرة او خمسة عشر عضـوا يدرسون القرآن ، ويفسرونه وكأنـه قد انـزل عليهـم .

الثورة لاتستورد وانما تدرس :

ان هذه تجارب قيّمة علينا ان ندرسها دراسة وافية ، فنحن لانستطيع ان نستورد الثورة الاسلامية ، ولايمكن لاصحابها ان يصدروها اذا لم يسبق هذه العملية وعي كاف بطبيعة الثورة والظروف التي مرت بها وكيفية استلهام الدروس والعبر منها ، ومن جهة اخرى فان الاستفادة من الثورة ليست كعملية استيرادها ، فالثورة لاتستورد ولا تصدر ؛ فلكل منطقة ظروفها ، ونحن نرى ان الثورة التي تفجرت في ايران هي اسلامية الخصائص ، ايرانية المكان ، فالثورة هي للامة الاسلامية كلها ، انها امتداد للثورات الاسلامية التي حدثت في العصور القديمة والحديثة ، وامتداد للجهود الاصلاحية للسيد جمال الدين الافغاني ، والشيخ محمد عبده ، وتحركات وانطلاقات السيد موسى الصدر والتي درسها الثوار الايرانيون واستوعبوها ، فقد استوعبوا كافة الثورات التي قام بها المسلمون وغير المسلمين ، وعلى سبيل المثال فانهم واكبوا ثورة كاسترو ، وجمال عبد الناصر ، والحركة الاسلامية في لبنان ، فكم من قادة ايرانيين كانوا يحاربون جنبا الى جنب مع اخوتهم المسلمين اللبنانيين .

الثورة الاسلامية في كل مكان :

وهكذا فـان الثـورة الاسلامية موجودة في كل مكان ، اذ الحركة الاسلامية تمثل هبة الهية انعم الله - تعالى - بها لجميع ارجاء العالم الاسلامي ، وهذه الحركة كانت موجودة حتى قبل انتصار الثورة الاسلامية في ايران ، صحيح ان انتصار هذه الثورة في ايران اعطى لهـذه الحركة امتدادا وتوسعا وعمقا وأملا جديدا ، ولكنها مع ذلك كانت موجودة قبـل ذلك .

واذا كانت الثورة موجودة في كل مكان فليس علينا ان نستورد الثورة من ايران بل علينا ان ندرس واقعنا وواقع كل منطقة ، ثم نكتشف اساليب جديدة ، فلكل منطقة اساليبها وطرق تحكمها بالوضع ، وعلى سبيل المثال فلندرس حياة ذلك الرجل الذي كان يقود حركة (الماروس) في (اوروغواي) ، فهذا الرجل كان قد درس التجارب الثوريـة في جميع انحاء العالم ، فاستفاد مثلا من التجربة الصينية ، ومن التجربة الكوبية ، وحرب الانصار ، ومن تجربة حركات التحرر ضد النازية ... ثم درس منطقته دراسة واعية ، وصنع من التجارب الثورية (كوكتيلا) مناسبا للوضع الثوري في اوروغواي ، لينشىء اكبر حركة تحررية فيها وهي حركة (الماروس) المعروفة .

وعلى هذا فان من الواجب علينا ان ندرس الحركة الثورية الاسلامية في ايران دراسة واعية ، ثم ندرس اوضاعنا وسلوكنا دراسة معمقة ، ولنعلم ان الثورة قادمة ومنتصرة لا في البلدان الاسلامية فحسب بل في كل بلدان العالم الثالث ، و انا اعتقد ان الثورة الاسلامية او الثورات المستوحاة من الثورة الاسلامية فــي ايران ستنتصر فـي دول العالم الكبرى من مثل روسيا واميـركا والبلدان الاوروبية ، وهذه حقائق ثابتة تتحقق ارهاصاتها الان من خلال انهيار الاتحاد السوفياتي السابق ، وانتشار الفساد و الانحلال الخلقي في البلدان الغربية ، وارتفاع صيحات الاعتراض ضد هذه الانحرافات .

وهكذا فان علينا ان لانخشى شيئا فحركتنا هي حركة التأريخ ، والحقيقة هي الحقيقة ولايمكن ان يؤثر عليها الواقع ، بل ان الواقع نفسه سيسير باتجاه هذه الحقيقة عاجلا ام آجلا .

من أجل حركة الاسلامية عالمية

من المعروف ان العالم الاسلامي يعيش الان صحوة متنامية ، ففي كل يوم تأتينا الانبـاء بظهور مناطق جديدة نهض فيها المسلمون تحت شعارات دينية متحدين الطغـاة .

واجبنا ازاء الصحوة الاسلامية :

ان هذه النهضة الاسلامية تطرح امامنا تساؤلات عديدة ابرزها : ماهو الدور الذي يجب ان يقوم به كل واحد منا تجاهها ؟

فنحن عندما ننطلق للقيام بعمل اسلامي فاننا نقوم به استنادا الى منطلقات دينية قبل اي شيء آخر ، فلا الارض ولا الثأر ولا الحماس ولا أي دافع آخر من هذه الدوافع غير الالهية يثير حفيظة الانسان المؤمن بقدر ما يثيره ايمانه ووجدانه الديني وارتباطه بالله - سبحانه وتعالى - ؛ فلأنني مسلم ، ولان الله قد اخذ مني العهد بأن اتحمل الامانة فأنني لابد ان انطلق واتحرك .

ولذلك فان الانسان المؤمن لايميز بين ارض واخرى ، وبين شعب وآخر ، وبين مستضعف ومستضعف بل ينطلق من اجل انقاذ المستضعفين جميعا اينما كانوا . فمن اهم ما يطرحه الاسلام بل ورسالات السماء كلها على الانسانية عبر التأريـخ هو اسقـاط هذه الحواجز ، والنظر الى الانسان بصفته مخلوقا من قبل الله - تعالى - ، ومادام الامر كذلك فلابد ان يقع في دائرة اهتمامنا ، وهذه الصفة هي المقياس الذي يختبر الله - عز وجل - به عباده الصالحين بأن لايكون اقرب الناس اليه احب اليه من اخيه في الايمان .

اسقاط القيم الجاهلية :

ان الاسلام جاء ليحـذف الفوارق العرقية واللغوية والقومية والطبقية وما الى ذلك ، فاسقاط هذه القيم الجاهلية يعتبر الخطوة الاولى نحو تحقيق اهداف الاسلام ، وتحقيق اهداف رسالات السماء جميعا .

ومن هذا المنطلق يجدر بنا ان نحذر من ان يكون هناك امران يتدافعان في قلوبنا ، لان هذه الحالة من شأنهــا ان تشوب قربتنا الى الله - تعالى - ، فــان ألقينا خطابا ، او ألفنا كتاب ، او قمنا بأي واجب شرعي وديني آخر ثم لم نجد في انفسنا قربى الى الله ، وخشوعا جديدا ، فلنتهم انفسنا ، لان نيتنا لم تكن خالصة ، وكانت مشوبة ببعض الدوافع غير الالهية التي هي المسؤولة عن وضع الحجب بين اعمالنا وبين الله تعالى .

النية صبغة العمل :

ان الله لايمكن ان يقبـل منا اعمالنا الا اذا كنا اتقياء ، طاهرين ، حنفاء ، و المشركون عـبـر التأريخ كانـوا يعبدون اللـه ولكنهم كانوا يضيفون الى عبادتهم للـه - تعالى - عبادة اخرى ، فرفضهم الخالق واذاقهم اشد العذاب وادخلهم نارا خالدين فيها ابدا لانهم لم يكونوا يمتلكون نيات خالصة .

ونحن عندما نعمل في سبيل الله - عز وجل - لابد ان نحسب حسابا لنياتنا ، فالنية هي صبغة العمل ، وهي التي تجعله عملا يتقرب به الانسان الى الله ، وفي نفس الوقت فان هذا العمل قد يكون مبعدا للانسان عن ربه ، لان هذا الانسان قد انبعث اليه من خلال نية فاسدة ، ولذلك فاننا عندما نقوم بالعمل في سبيل الله لابد ان تكون قلوبنا طاهرة سليمة بحيث نعتبر كل بلد بلدنا ، وكل وطن وطننا ، وكل ارض فيها مظلوم وداعية الى الله وحركة اسلامية هي ارضنا . فالقضية الجوهرية هي قضية العبودية للـه - عز وجل - ، وهذه العبودية تفرض علينا ان ننطلق نحو الاهداف من منطلق الايمان بالله والاعتقاد به ، وتطبيق اوامره .

التفاعل مع قضايا المسلميـن :

ومن هنا لابد ان لانفقد تفاعلنا وحساسيتنا تجاه الامور فاذا قيل لك ان افغانستــان قدمت مليون شهيد فلا تقل ان هذا الامر لايعنيني ، واذا قيل ان هناك في فلسطين شبابا بعمر الورود يتساقطون كاوراق الخريف بفعل الرصاصات الاسرائيلية الغادرة فلا تقـل مالي وما للشعب الفلسطيني ، لان التفكير في جميع قضايا المسلمين سوف يفقدني التركيز ، و التخطيـط الستراتيجي سوف يبعدني عن استثمار طاقاتي في عمل مثمر واحد .

ان التفكير الشمولي لايتنافى مع التركيز ، فالتركيز ضروري ، وكذلك الحال بالنسبة الى وضع الستراتيجيات والاهتمام بالمسائل الحياتية ، كل ذلك ضروري ، ولكن عليك ان تعمل كما لو كنت تريد ان تنطلق لتحرير العالم .

ولعلك تسـأل في هذا المجال : ما فائدة ان اعمل للعراق بروح تحريـر فلسطيــن ،

وما فائدة ان اعمل في الجزيرة بمنطلق تحرير افغانستان ؟

وللجواب على ذلك نذكر الوجوه التالية :

بذل المزيد من العطاء :

1- عندما تعمل في العراق - مثلا - بروح عالمية ، ورؤية كونية ، فانك سوف تبذل المزيـد من العطـاء والجهاد ، لانك تعلم انك عندما تحرر العراق ، فانك ستحرر بعد ذلك فلسطين وغيرهــا من البلدان ، فهذه الروح تجعلك اكثر اصرارا ، واشد عزما ، و اكثـر استعـدادا للتضحيـة ، لان قلبك سيصبح كبيرا ، ونفسك واسعة ، وهكذا سيصبح ايمانك شديدا ، وعزمك راسخا .

وعلى العكس من ذلك فانك عندما تريد ان تحرر بلدا من البلدان ثم تقتصر عليه فلعلك تسأل نفسك بعد ذلك : هل هذا هو كل الجهد والعطاء ، وهل هدفي محدود بتحرير بقعة صغيرة ؟ ولكنك عندما تمتلك رؤية عالمية فانك حينئذ سوف تستمر في انطلاقتك ، لان تحرير بلد ما يمثل بالنسبة اليك خطوة في طريق طويل .

ضمان الاستقامة :

2- عندما ننطلق من اجل قضيـة موضعيــة بروح عالمية ، فاننا سنضمن بذلك عدم انحراف استقامتنا لكي لاتتحول السياسة الى معبد لنا ، ولا تصبح التكتيكات الجزئية والاهداف الهامشية محرابا نتعبد فيه ، وبهذه الروح العالمية نضمن براءة قلوبنا ، وصفاء نفوسنا ، واستقامة خطنا ، وسلامة منطلقاتنا .

كثيرة هي تلك الحركات التي بدأت رسالية وانتهت سياسية ، وبعبارة اخرى فانها بدأت في سبيل الله وانتهت في سبيل الوطن .

وهكذا فاننا عندما نمتلك البصيرة الكونية فاننا سنستمر في خطواتنا الى الامام .

توظيف فائض الطاقات :

3- عندما ننطلق بروح ايمانية فان فائض طاقاتنا يمكننا ان نوظفها لخدمة حركات اخرى ، والا فاننا سنستهلكها في امور دنيوية تافهة ، فهل تعلم ان الدرهم والدينار اللذين تنفقهما في سبيل تأمين حاجة كمالية في حياتك يمكنهما ان يقوما بدور فعال في البلدان الاسلامية الاخرى ؟ فعندما تنام وانت تشعر بان في افغانستان دماء تراق ، وفي العراق حرمـات تنتهك ، وفي فلسطين شبابا يتساقطون ، وان اسرائيل تنتهك كافة الحقوق والقوانين ، فحينئذ فانك سوف لاتشغل ذهنك بالامور الثانوية التي لاتخدم الرسالة .

فلندعم اخواننا المسلمين في البلدان الاخرى ولو من خلال الاشتراك في مظاهرة ، او كتابة رسالة ، فنحن لم نغز الا من خلال ثغرة الاختلافات بين البلدان الاسلامية ، فهذه العصبيات الجاهلية ، والشرائع التي ما انزل الله - تعالى - بها من سلطان هي التي فتحت الطريق للغزو الاستعماري . فالاستعمار لم يستطع السيطرة علينا الا بعد ان فرقنا ، وبعد ان تفرقنا بأنفسنا اتباعا للشهوات .

ولا يغيب عنا ان قولــه - تعالـى - : « وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا » (آل عمران / 103) يعني ان يكون المؤمنون في العالم اخوة ، والمسلمون امة كما يقول - تعالى - في آية اخرى : « إِنَّ هَذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ » (الانبياء / 92) .

فلو فقدنا الاحساس بالتألم لاخواننا المسلمين هنا وهناك فقد نقص ايماننا ، فهل يمكن ان يصبح الانسان مسلما ولا يهتم بأمور المسلمين ؟ واذا اردنا الانتصار والتقدم لابد لنا ان نشعر بالمسؤولية والاهتمام ازاء المسلمين .

وقد تدعو الضرورة ان نحمل السلاح من اجل بلد آخر غير بلدنا ، فاذا كانت اهتماماتنا اقليمية ضيقة او حزبية طائفية فان هذه الحالة ستمنع المسلمين من ان يتعاونوا فيما بينهم .

مسؤوليتنا في هذه المرحلـة :

ترى ماهي الان وظيفتنا ومسؤوليتنا ؟

سأحاول فيما يلي ان ألخص هذه الوظائف والمسؤوليات في كلمة تمس كل واحد منا ؛ نحن نستطيع ان نقوم بدور كبير وتأريخي اذا عقدنا العزم على ذلك ، فنحن لسنا اناسا عاديين ولا ينبغي ان نسمح لانفسنا بأن نعيش ونموت كأناس عاديين ، ولذلك فان علينا ان نقوم بدور تأريخي من خلال استنهاض انفسنا والتخطيط لها ، فنحن بشر اودع الله فينا عالما كبيرا ، فلنستفد مــن هذا العالم ، ولنخطط من اجل ان نصبح عظماء ، ومغيرين .

ان ائمة التغيير والاصلاح في التأريخ لم يصلوا الى تلك المكانة السامية التي وصلوا اليها الا من خلال التحرك ، وتغيير مجرى التأريخ ، وذلك عبر تفجير طاقاتهم وقدراتهم لان اهدافهم كانت سامية ، وطموحاتهم عالية ، وفي هذا المجال لندرس قصة يوسف الصديق ( عليه السلام ) عندما عقد العزم على ان يصبح ذلك الانسان العظيم الذي تهيأت له كل الاسباب ، ولكنه ومن اجل تحقيق هذا الهدف الالهي دخل السجن بعد ان رفض تلويث نفسه بأوحال الخيانة والفساد ، ولكن حادثة بسيطة - هي الرؤيا التي رآها عزيز مصر في منامه - ادت الى ان ينتقل يوسف الصديق من السجن الى الرئاسة ، ومن رجل سجين مطارد الى رجل يمسك بيده أزمة الامور .

فلنســأل انفسنا : ماهو الجسر الذي عبر من خلاله يوسف الصديق ( عليه السلام ) الى الرئاسة من سجنه في مصر ؟

اذا دققنا في الامر نجد قد كانت هناك قضية حياتية عرفها يوسف ولم يعرفها احد غيره ؛ وبتعبير آخر فقد دخل يوسف الحياة السياسية من باب فك لغز او حل مشكلة قائمة في مصر آنذاك ، الا وهي تقديم الحل الناجح لمشكلة القحط والفيضانات ، وبالفعــل فقد استطاع ( عليه السلام ) ان يحل هذه المعضلة لتصبح خزائن مصر كلهـا

تحت اشرافه .

ان هذه القصة تعني ان بأمكاننا ان نقوم بدور اساسي في الحياة ، وذلك من خلال معرفة الحياة وعدم تبذير اوقاتنا دون ان نحقق مكسبا . فاذا اصبح الواحد منا عظيما فانه سيستطيع ان يحقق مكاسب عظيمة يغير من خلالها التأريخ .

من أجل حكومة الصالحين

في آيات الذكر الحكيم نقرأ الحديث بعد الحديث ، والتذكرة بعد التذكرة عن الانبياء والمرسلين ، وعن عباد الله الصالحين ، فنقرأ عن شخصيات رسالية عظيمة مثل نوح شيخ المرسلين ، وابراهيم محطم الاصنام ، وموسى بن عمران كليم الله ، وعيسى ابن مريم روح الله ، وسيدنا ونبينا محمد ( صلى الله عليه وآله ) حبيب الله ، وذي القرنين هذا الملك الصالح الذي سار شرقا حتى بلغ مـن الارض مشرقها ، وتوغل غربا حتى بلغ من الارض مغربها ، واصحاب الكهف الذين خرجوا بدينهم والتجأوا الى الكهف لكي يبتعدوا عن طاغوت زمانهم .

دور ارادة الانسان في التغييـر :

اننا نـقـرأ في القرآن الكريم كل هذه القصص لان الفرد بالرغم من انـه قد يكون ابن المجموع ، ومتأثرا بافكار المجتمع الا انه في الوقت ذاته قد يكون مؤثرا في المجتمع ، شاهدا عليه مغيرا لـه ، و لايتغـيـر بقدر مـا يغير ، ولاتنعكس عليه سلبيات المجتمع الذي يعيش فيه الا لكي يغيرها ويصلحها ويحولها الى ايجابيات .

ان دور الفرد هو دور ارادة الانسان ، ودور امانة الله التي حملها هذا الانسان الضعيف فاحتملها ، فكان من بين ابناء الانسانية رجال كنوح ( عليه السلام ) ، هذا الرجل الذي مكث في قومه الف سنة الا خمسين عاما يدعو قومه بشكل مستمر ، ولكنهم مع ذلك لم يهتدوا به ، ولم يؤمنوا الا قليلا ، وربما لم يبلغ عدد المؤمنين به اكثر من سبعين انسانا ، ولكنــه علــى الرغم مــن ذلك استمر في ثباته وصموده حتى نصره اللـه - سبحانه وتعالى - على اولئك القوم بالطوفان .

ان هذا الرجل هو الذي حمل امانة الله ، هذه الامانة التي عجزت عن حملها السماوات والارض والجبال واشفقن منها ، وخشين من حملها ، وحملها الانسان ، فالانسان هنا رمز ، ورمزه نوح ، وكذلك ابراهيم الذي قاوم كل الضلالة المنتشرة في زمانه بمفرده ، فعندما قيل : من فعل هذا بالهتنا ، ومن الذي سولت له نفسه ان يتجرأ عليها ؟ اذا بشخص واحـد يبرز يقال له ابراهيم ، واذا به يتحدى كل تلك الضلالة .

لابد لنا من رمز :

فهذا الرجل هو رمز الانسان الصالح ، والانبياء ( عليهم السلام ) يمثلـون هذه الرموز ، وهذا الانسان هو الذي ينبغي له ان يحكم ، فالحكومة لايمكن ان تكون الا للصالحين ، ولكن الصالحين بدورهم لابد ان يكون لهم رمز ، ورمزهم ذلك الشخص الذي اجتمعت فيه خصال الانبياء ، وهذا منهج من مناهج السماء ، ومنهج من المناهج الالهية وهو ان نختار للحكم شخصا خلفيته الثقافية والدينية والسلوكية نقية ، ويكون من الصالحين الذين لم تدنس الجاهلية ارواحهم ، ولم تستطع سلبيات المجتمع التأثير في نفوسهم .

ان الحكومة لابد ان تكــون فيها قوانين صالحة ، وتعتبر فيهـا الحريـة الاجتماعيـة

ضمانا لصلاحها واستمرارها ، ولابد ايضا ان يكون كل و احد من ابناء المجتمع مهتما بهذه الحكومة ، ومتواجدا في ساحة الاحداث السياسية غير متهرب منها .

ان هذه الشروط هي ضـرورة بل واكثر من ضرورة بالنسبة الـى الحكومة ، ولكنها - مع ذلك - لاتكفي ؛ فنحن لو اخترنا رجلا فاسدا ، خلفيته الجريمة وثقافته الدنس والانحراف والضلالة فان هذا الانسان لن يستطيع بالطبع ان يقودنا الى الخير والصلاح لانه هو نفسه فاسد ، وفاقد الشيء لايعطيه ، وكمـا قال الشاعـر :

واذا كــان الغــراب دليــل قــوم ارشـدهــم الــى دار البــوار

القائد هو الاساس :

ان النظـام بمـن يطبقـه ، والشريعـة بامامها ، فهذه الشريعة لاتستطيع لوحدها ان تخلق المجتمع الصالح ان لم يكن فوق المجتمع شخـص يقوده الى تلك الشريعة ويطبقها على ابنائه ، ولذلك فان الله - عز وجل - لم يبعث الرسالة الالهية بصورة الواح .

ذلك لان الكتاب وحده لايكفي ، فهو بحاجة الى رسول يحمله ، والرسول هو انسان صالح تتجسد فيه كل قيم الصلاح الالهية ، وهذه نقطة مهمة ، ولذلك فاننا نقول بوجوب الثورة ضد الحكومات الباطلة لا لان قوانينها باطلة فحسب ، وليس فقط لان هذه الحكومات لم تطبق شريعة السماء ، وانما لان الحكام الذين يديرون هذه الحكومات ليسوا صالحين ، ولايجدر بهم وليس من حقهم ان يجلسوا على اريكة هي من حق الانبياء .

مقعد الحكم مقعد الانبيـاء :

و هكذا فان كرسـي الحكم والسلطة انما هو خاص للانبياء والاوصياء ، ولذلك فان

الامام علي ( عليه السلام ) قال لشريح القاضي عندما جلس على مسنده القضائي في الكوفة : :" يا شريح قد جلست مجلسا لايجلسه الا نبي او وصي نبي ، او شقي " (1).

وعلى هذا فان الخلافة والسلطة والقيادة ليست لكل انسان ، وللاسف فان بعض الناس ينشرون ما يعاكس هذه المقولة ، فهم يقولون اننا نريد حكومة الله ، وحكومة القرآن ، فلا فرق بين ان يطبق القرآن هذا الشخص او ذاك ، اما نحن فاننا نرفض هذا المنطق ونقول ان هناك فرقا ، صحيح اننا لانريد الحكومة لانفسنا ، ولا نستهدف السلطة للسلطة ، ولا نقول للناس اتبعونا واطيعونا واعبدونا من دون الله ... نحن لانفعل ذلك ، ولكننا - في نفس الوقت - لانعطي الشرعية لانسان فاجر خائن بحجة انه يريد ان يطبق الاسلام .

واذا ما اراد هذا الشخص تطبيق الاسلام فهناك شرط اساسي واحد لتطبيق الاسلام وهو ان يترك كرسي الحكم الى قفص الاتهام في المحكمة ، فقد قرأت في حديث شريف عن الامام علي ( عليه السلام ) يقول فيه : " الطاغوت هو الذي يحكم بغير ما انزل الله ، ويكون معه السيف ، ويكون معه السجن والضرب " .

ففي عهد الائمة ( عليهم السلام ) كان اداة الحكم السجن والضرب ، اما الان فهو الاعدام والارهاب بمختلف انواعهما ، وهكذا فاذا ظهر طاغوت كهذا وادعى انه يريد تطبيق الاسلام فان علينا ان نقول له انك لست رجلا صالحا ، فلم تثبت صلاحيتك للحكم ، ولذلك فانك لاتستطيع ان تجلس في مجلس الانبياء .

من هم الصالحون للحكـم ؟

والله - جل وعلا - يقول في سورة الانبياء عن الاشخاص الصالحين للحكم والقيادة :

« وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ » (الانبياء / 73)

ترى من هم الذين جعلهم الله - تعالى - أئمة ؟

الآيات السابقة هي التي تعين لنا هؤلاء الاشخاص الصالحين للقيادة وذلك في قوله - تعالى - :

« قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الاَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الاَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِين » (الانبياء / 69-72)

وهكذا فان الله - تعالى - قد جعلهم صالحين اولا ، ثم اعطاهم الامامة بعد ذلك ، وفي سورة البقرة نقرأ ان ابراهيم ( عليه السلام ) طلب من الله ان يجعل الامامة والحكومة في ذريته ، ولكن الخالق - عز وجل - اجابه قائـلا : « لاَ يَنالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ » (البقرة / 124) .

/ 9