فقه الثقلین فی شرح تحریر الوسیلة نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

فقه الثقلین فی شرح تحریر الوسیلة - نسخه متنی

یوسف صانعی؛ شارح: روح الله خمینی(ره)

نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
لیست موضوعات
افزودن یادداشت
افزودن یادداشت جدید



الاستدلال على كون القود على المكره المباشر


وكيف كان فما يستدلّ به على مذهب الإماميّة وجوه :

أحدها : الأخبار الدالّة على عدم التقيّة مع بلوغها الدم :

ففي صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : «إنّما جعلت التقيّة
ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فليس تقيّة»[219] .

ومثله موثّق أبي حمزة الثمالي إلاّ أنّ فيه : «إذا بلغت التقيّة الدم»[220]
.

وفي مرسل الصدوق في «الهداية» عن الصادق(عليه السلام) أ نّه قال : «لو قلت : إنّ
تارك التقيّة كتارك الصلاة لكنت صادقاً ، والتقيّة في كلّ شيء حتّى يبلغ الدم ،
فإذا بلغ الدم فلا تقيّة»[221] .

والتقيّة : إمّا عامّة ومحمولة على معناها اللغوي ، أي التجنّب والتحفّظ من كلّ
سوء أوجبت ضرورة وعذراً ، كما يظهر من سيّدنا الاُستاذ ـ سلام الله عليه ـ في
«رسالة التقية» إذ قال : «وبالجملة يظهر من مجموع ما ورد فيها أ نّها على أقسام
(منها) كونها كسائر الأعذار والضرورات فرخصت للضرورة والاضطرار ، ويدخل فيها
التقيّة الإكراهيّة التي لم نتعرّض لها هاهنا ، وفصلّنا حولها في الرسالة المعمولة
في «المكاسب المحرّمة»[222] »[223] .

واستشهد عليه بما في الأخبار مثل : «التقيّة في كلّ ضرورة»[224] ، أو
«التقيّة في كلّ شيء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه الله له»[225]
ومثل ما ورد في شأن نزول آية : (إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ
بِالاِْيمَانِ)[226] في عمّار ، ومثل غيرها من الواردة في أخبار
التقيّة ، فعليه وجه الاستدلال واضح .

وإمّا خاصّة بالتحفّظ من السوء الحاصل من المخالفين للمذهب ، كما هو المعروف في
معناه ، فعليه الاستدلال بالأولويّة ، فإنّ الدم إذا لم يكن إهراقه جائزاً مع
التقيّة التي هي دين الله ، وأ نّه «لا دين لمن لا تقيّة له»[227] ، وأ
نّه المجعول حفظاً للمذهب لئلاّ يذهب مذهب الحقّ ، فعدم جوازه مع الإكراه بطريق
أولى . وإلى هذا الوجه ـ أي أخبار استثناء التقيّة في الدم ـ يرجع ما في كلامهم من
الاستدلال للقصاص على المباشر بعدم استباحة الدم بالإكراه ، فلا أقوائيّة للسبب ـ
أي المكرِه المُلجئ ـ حتّى يكون القصاص عليه .

فعلى هذا ، السبب والمباشر هنا متعادلان ، وإنّما القصاص على المباشر فقط في
المورد ; لجهات خاصّة به كالإجماع والأخبار وآية النفس وأمثالها .

والإشكال على هذا الوجه بأنّ التقيّة لما كانت مجعولة لحقن الدم على ما في تلك
الأخبار المستدلّ بها ، فعدمها مع عدم الحقن وإهراق الدم موافق للاعتبار ، وهذا
بخلاف الإكراه الذي لم يكن لذلك ، بل كان رفعه للإمتنان على الاُمّة ، فالفرق موجود
والقياس ممنوع ولو على نحو الأولويّة ; لأ نّها مع الخصوصيّة غيرمقطوعة .

مذبوب بأنّ المذكور في تلك الأخبار إشارة إلى أصل الجعل ومبدئه لا إلى العلّة
والحكمة ، حيث إنّ التقيّة مجعولة ديناً وحفظاً للمذهب وسهولة على الملّة وضرورة
واضطراراً ، كما يظهر من أخبارها ومن التأ مّل في الواقع منها في زمن الأئمّة
(عليهم السلام) ، فالفرق غير فارق ; لأنّ الدم مبدء له للجعل لا منشأ ومناط وعلّة
منحصرة كما عرفت .

ثانيها : أنّ قتل الغير رفعاً لتوعيد المكرِه بالقتل دفع ضرر عن نفسه بإيقاعه
على الغير ، وهو قبيح عقلاً وغير جائز شرعاً .

ثالثها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) في رجل أمر رجلاً بقتل رجل ،
فقال : «يقتل به الذي قتله ، ويحبس الآمر بقتله في الحبس حتّى يموت»[228]
.

الاستدلال بها لابدّ وأن يكون بالشمول للمفروض بترك الاستفصال ، فإنّه(عليه
السلام) لم يستفصل من كون المأمور مكرَهاً (بالفتح) أو غير مكرَه ، وأنّ المكرِه
الآمر هل كان ممّن توعّد بالقتل أو بما دونه .

رابعها : إطلاق مثل قوله تعالى : (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)[229] .

خامسها : الإجماع .

سادسها : أنّ المسلمين تتكافؤ دماؤهم ، فلا يجوز قتل الغير لحفظ النفس .

وفي كلّ الوجوه مناقشة وإشكال ، ولا شيء منها قابل للاستدلال والاحتجاج به في
مقابل القواعد والاُصول الشرعيّة المعتبرة النافذة والاعتبارات العقلائيّة .

ففي الأوّل : إنّه مختصّ بغير المفروض ، حيث إنّ الدم المانع من التقيّة موجود
معها أيضاً ، لكون التوعيد به ، فترك التقيّة غير موجب لعدم الدم ; لتحقّقه بالنسبة
إلى نفس المكرَه من جانب المكرِه (بالكسر) ، فنفي التقيّة منتفية بانتفاء علّته .

وبالجملة : التقيّة في الحديث معلول لعدم الدم وحفظاً للدم والنفس ، ومع فرض
الدم ـ ولو دم المتّقي ـ النفي منفي قضاءً للعلّية ، فالحديث لمكان العلّية مختصٌ
بغير التوعيد بالقتل ، وتوهّم اختصاص الدم بدم الغير ، كما ترى ، فإنّه مخالف
لإطلاق العلية بل لظاهرها ; لعدم كون الدم المطلق عليه علّة ، بل العلّة الدم
المقيّد المحتاج إلى القيد المباين للمطلق .

هذا مع أنّ مناط الحكم أهمّية الدم والنفس ، فعلى الخصوصيّة تكون الخصوصيّة
ملغاة بالفحوى وبالإلغاءِ العرفي ; لعدم الفرق بين دماء الأفراد في الأهمّية عندهم
.

هذا مع أ نّه على عدم الإطلاق في الدم فالاستدلال بالحديث غير تامّ أيضاً ;
لاحتمال الانصراف إلى المتعارف في التقيّة في تلك الأزمنة من الإكراه والتقيّة
بالتوعيد بغير القتل من الضرر بالمال أو العرض أو النفس ، فإنّ التوعيد بالقتل في
تلك الأزمنة ـ بل في زماننا أيضاً ـ نادر جدّاً . وكيف كان تلك الأخبار غير مقيّدة
لإطلاق أدلّة الإكراه ; لعدم شمولها لهذه الصورة حتّى تكون مقيّدة له كما بيّناه .

وفي الثاني : أنّ مفروض البحث ليس من ذلك الباب ، بل من باب عدم تحمّل الضرر على
الغير بالضرر على النفس ، وهو أمرٌ جائز ، فإنّ الضرر في مفروض البحث متوجّه من
أوّل الأمر إلى الثالث ، والمكرِه (بالكسر) يريد قتله بتوعيد الغير عليه ، فالمكرَه
(بالفتح) مع قتله الثالث ليس بموقع ضرر نفسه على الغير ، لعدم توجّه الضرر من
المُلجئ إليه من أوّل الأمر ، بل منه متوجّه إلى الثالث بدواً كما هو واضح . فتركه
المكره عليه موجب لكونه موقعاً لضرر الثالث على نفسه ، عكس إيقاع ضرر النفس على
الغير .

وبالجملة : دفع ضرر المتوجّه إلى النفس بالإيقاع على الغير ـ كجريه السيل الوارد
في بيته على بيت الجار ـ قبيح وحرام .

وأ مّا دفع الضرر المتوجّه إلى الغير بتوجيهه إلى نفسه ـ كدفع السيل عن بيت
الغير لحفظه إلى بيت نفسه ـ فغير واجب ، وقتل المكرَه (بالفتح) الثالث المقصود
للمكرِه مع التوعيد عليه بقتل المكرَه (بالفتح) مع تركه ـ كما في محل البحث ـ يكون
من باب ترك تحمّل ضرر قتله الغير بإيقاعه على نفسه ، وهو غير واجب ، لا من باب
إيقاع ضرر نفسه على الغير حتّى يكون قبيحاً ومحرّماً كما لا يخفى .

وفي الثالث : أنّ الاستدلال بالصحيحة كما عرفت موقوف على ترك الاستفصال ،
والظاهر عدم المحلّ له لما بين الإكراه والأمر من المباينة مفهوماً ، فالاتحاد
الموجب للسؤال لابدّ وأن يكون من جهة المصداق ، فإنّ الإكراه وإن كان أخصّ مطلقاً
من الأمر بحبسه ، لكنّ المتعارف انفراد كلّ واحد منهما عن الآخر في السؤال والجواب
والمكالمات ، ولذلك كان البحث في الكتب الفقهيّة عن كلّ واحد منهما مستقلاًّ ، فإنّ
لكلٍّ منهما عناية خاصّة ، فالعناية في الأمر إليه وإلى الآمر القانوني أو
الاجتماعي الأعمّ من المشروع وغير المشروع ، وفي الكراهة إلى حيث الإكراه والإجبار
.

فعلى هذا ، لا موقع للاستفصال أصلاً كما لا يخفى ، وبعبارة اُخرى : حيثيّة الأمر
حيثيّة استلزام تخلّفه العقوبة قانوناً وعقلاءً حقيقة ، أو ناشئاً من جهة سوء
استخدام الآمر سلطته وحاكميّته ، فالعقوبة في الأمر تدخل في العقوبات المجعولة في
الشرع والقانون والحكومة ، أو ناشئاً من سوء مُعاقبة المتخلّف بما يضرّه من الاُمور
الاستخداميّة وغيرها ، وحيثيّة الإكراه حيثيّة التوعيد بإضرار المُلجئ على المكرَه
(بالفتح) بما في يده واختياره الشخصي من التوعيد إضراراً في المال أو في العرض
وغيرهما من دون ارتباطه بالحكومة والقانون .

هذا مع ما في موثّقة إسحاق بن عمّار والسكوني في أمر المولى عبده بالقتل من قتل
السيد وسجن العبد[230] ، بل وفي «الشرائع» ما يؤذن بتوقّفه في حبس الآمر
وإن جزم بقتل المكرَه المباشر ، فقد جاء هناك : «إذا أكرهه على القتل فالقصاص على
المباشر دون الآمر ولا يتحقّق الإكراه في القتل ويتحقّق فيما عداه ، وفي رواية علي
بن رئاب[231] يحبس الآمر بقتله حتّى يموت»[232] .

وفي «المسالك» اختياره : «ونسبة المصنّف الحكم (الحبس) إلى الرواية يؤذن
بالتوقّف فيه ، ولا بأس به ـ أي بالحكم ـ لصحّة الرواية»[233] .

هذا كلّه ، مع أ نّه لا يبعد أن يكون السؤال في الصحيحه عمّا يتفق من أمر بعض من
الأفراد بعضاً آخر بالقتل حقداً وحسداً وجنايةً وبُغضاً على المقتول ، مع اشتراكهم
في تلك الرذائل الأخلاقيّة والدواعي المؤدّية إلى القتل .

وليست مخالفة ذلك الآمر مستتبعة ومتعقبة للجزاء والعقوبة القانونية ، ولا
الناشئة من سوء استخدام الآمر سلطته ووجاهته ومقامه ، ولا للضرر الشخصي المتوعّد به
، بل مخالفته مخالفة لتلك الدواعي المشتركة ، ومخالفة في قتله المحبوب للمأمور
وللآمر معاً ، فهذا النحو من الآمر مفارق مع غيره من الأوامر في الجزاء والعقوبة
أوّلاً ، وفي داعي الامتثال ثانياً ، فإنّ الداعي في غيره هو الخوف من العقوبة
القانونيّة أو الضرر المتوعّد عليه من جهة الإكراه ، أو من جهة سوء الاستفادة من
السلطة القانونيّة دونه فإنّه البغض والتواطؤ على القتل ، وفي الآمر ثالثاً ، فإنّ
الآمر في غيره له القدرة والآمرية دونه فليس في آمره تلك القدرة .

نعم ، يكون الآمر في هذا القسم محرّكاً للمأمور ودافعاً له فيه فيقول مثلاً :
«اقتله فعليّ دمه» ، أو «ليس بينكم رجل يقتل فلاناً» وغير ذلك ممّا يظهر للمطّلع
على ما بين الناس وعداوة بعضهم لبعض ، لا سيّما العداوة الطائفيّة والتعصبيّة
وأمثالها .

وعلى ذلك ، الصحيحة مربوطة بأمر عرفي خارجيٍّ بين الناس ، ولا ارتباط لها بالأمر
مع القدرة ، فضلاً عن صورة الإكراه ، وإن أبيتَ عن ظهور الرواية في هذا ، فلا أقلّ
من الاحتمال المبطل للاستدلال ، فتدبّر جيّداً فإنّه ممّا ينبغي التدبّر فيه ;
لتزداد المعرفة في محاسن كلامهم وحسن الاتّباع لهم صلوات الله عليهم أجمعين .

وفي الرابع : أ نّه لا كلام في كون المراد من الآية قصاص القاتل وأنّ نفس القاتل
بنفس المقتول ; ولا بحث فيه من حيث الكبرى أصلاً ، وإنّما الكلام في المسألة في
الصغرى من أنّ القاتل المباشر ، لمباشرته أو السبب أي الملجئ المكرِه لأقوائيّته ،
فإنّ ثبوت القصاص على السبب الأقوى من مسلّمات الفقه في القصاص وفي غيره من
الضمانات ، والقائل بكون القصاص على الملجئ المكرِه قائل بأقوائيّته في القتل من
المباشر المكرَه (بالفتح) ، فذلك القائل عامل بالآية كغيره من القائلين بقصاص
المباشر كما لا يخفى .

وبالجملة : مقتضى الآية في المقام هو مقتضاها في كلّ ما كان السبب أقوى ، ولا
إشكال عندهم في قصاص السبب الأقوى دون المباشر .

وفي الخامس : فمضافاً إلى أنّ الأصل في هذا الإجماع هو ما نقله الشيخ في
«الخلاف» ، كونه في مسألة اجتهاديّة فلا يكون حجّة ، فإنّ الإجماع حجّة حيث ما ليس
للعقل إليه سبيل ولا للنقل فيه دليل .

ولننقل عبارة «الخلاف» بأجمعها ; لما فيها من الفائدة ومن الشهادة على عدم
البُعد في كونه إجماعاً حدسيّاً لا حسيّاً ، وعبارة المبسوط أيضاً ; لما فيها من
الإشعار أو الظهور على كون المسألة اتفاقيّه ، بل هي ممّا لا خلاف فيها :

ففي الخلاف : «إذا أكره الأمير غيره على قتل من لايجب قتله فقال له : «إن قتلته
وإلاّ قتلتك» ، لم يحلّ له قتله بلا خلاف ، فإن خالف وقتل فإنّ القود على المباشر
دون الملجئ ، وفرض الفقهاء ذلك في الإمام والمتغلّب مثل الخوارج وغيرهم ، والخلاف
في الإمام والأمير واحد .

وللشافعي فيه قولان :

أحدهما : يجب عليهما القود كأ نّهما باشرا قتله معاً ـ وبه قال زفر ـ قال : وإن
عفا الأولياء فعلى كلّ واحد منهما نصف الدية والكفّارة .

والقول الثاني : على المُلجئ وحده القود ، وعلى المكرَه نصف الدية ، فإن عفا عن
الإمام فعليه نصف الدية ، وعلى كلّ واحد منهما الكفّارة . ولا يختلف مذهبه أنّ
الدية عليهما نصفان وعلى كلّ واحد منهما الكفّارة ، وأنّ على الإمام القود ، وهل
على المكره القود ؟ على قولين .

وقال أبو حنيفة ومحمّد : القود على المكرِه وحده ، ولا ضمان على المكرَه من قود
، ولا دية ولا كفّارة .

وقال أبو يوسف : لا قود على الإمام ولا على المكرَه ; أ مّا المكرَه فلأ نّه
مُلجأ ، وأ مّا الإمام فلأ نّه ما باشر القتل . دليلنا : قوله تعالى : (وَمَنْ
قُتِلَ مَظْلُومَاً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانَاً)[234] ،
وهذا قُتِل مظلوماً ، وعليه إجماع الصحابة .

وروي : أنّ رجلين شهدا عند علي(عليه السلام) على رجل بالسرقة ، فقطعه علي(عليه
السلام) ، ثمّ أتياه بآخر وقالا : هذا الذي سرق وأخطأنا على الأوّل فردّ شهادتهما
على الثاني ، وقال : «لو علمت أ نّكما تعمّدتما على الأوّل لقطعتكما» .

فموضع الدلالة أ نّه(عليه السلام) قضى بالقصاص على مَن ألجأ الحاكم إلى القطع
بالشهادة مع قدرة الحاكم على الامتناع من قتله بأن يعزل نفسه عن النظر ، والمكرَه
أغلظ حالاً من الحاكم ، فإنّه مُلجأ إليه على وجه لا يمكنه إلاّ قتله خوفاً على
نفسه ، فإذا كان على الشاهد القود فبأن يكون على المكرَه أولى وأحرى .

وهذا دليل الشافعي ، وليس فيه دلالة ; لأ نّه قياس ، ونحن لا نقول به ، ومعوّلنا
على الآية قوله تعالى : (الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والاُْنْثَى
بِالاُْنثَى)[235] ، وعلى إجماع الفرقة .

وأيضاً روى عثمان بن عفان أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال : «لا يحلّ دم
امرء مسلم إلاّ باحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، أو زناً بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير
نفس» . وهذا قتل نفساً بغير نفس ، فيجب أن يحلّ دمه»[236] .

وفي «المبسوط» : «فأ مّا إن أكرهه على قتله ، فقال : «إن قتلته وإلاّ قتلتك» لم
يحلّ له قتله وإن كان خائفاً على نفسه ; لأنّ قتل المؤمن لا يُستباح بالإكراه على
قتله ، فإن خالفه وقتل فقد أتى كبيرة بقتل نفس محترمة . فأ مّا الضمان فعندنا أنّ
القود على القاتل ، وعند قوم منهم ، وقال بعضهم : عليه وعلى الآمر القود ، كأ نّهما
باشرا قتله واشتركا فيه»[237] .

ولا يخفى أنّ عبارة «الخلاف» وإن كانت ظاهرة في الإجماع ، إلاّ أنّ ظهور (عندنا)
في «المبسوط» المتأخر عن «الخلاف» تأليفاً ، كما يظهر من قوله في مقدّمة «المبسوط»
: «ولا أذكر أسماءَ المخالفين في المسألة لئلاّ يطول به الكتاب ، وقد ذكرت ذلك في
مسائل «الخلاف» مستوفاً»[238] إن لم يكن قرينة على وحدة المراد وأنّ
ذلك مقتضى المذهب فلا أقل من احتمالها .

وبالجملة : ظهور الإجماع في اتفاق الكلّ وإن كان أقوى من كلمة (عندنا) فإنّها
ظاهرة في المذهب ومثله ، إلاّ أنّ تأخر «المبسوط» عن «الخلاف» موجب للتصرّف في
عبارة «الخلاف» أو لإجمالها ، فنقل الشيخ الإتفاق غير ثابت علي أيّ حال أوّلاً ،
وأنّ المظنون كون الإجماع حدسيّاً ثانياً ، لا لما ذكره الشيخ الأعظم في الإجماع في
المقصد الثاني من كتابه المسمّى بـ «الرسائل» من كون الأصل في الإجماعات المنقوله
كونها حدسيّة لما قال : «والحاصل ، أنّ المتتبّع في الإجماعات المنقولة يحصل له
القطع من تراكم أمارات كثيرة باستناد دعوى الناقلين للإجماع ـ خصوصاً إذا أرادوا به
اتّفاق علماء جميع الأعصار ، كما هو الغالب في إجماعات المتأخّرين ـ إلى الحدس
الحاصل من حسن الظنّ بجماعة ممّن تقدّم على الناقل ، أو من الانتقال من الملزوم إلى
لازمه مع ثبوت الملازمة باجتهاد الناقل واعتقاده»[239] ، لما حقّقناه من
عدم التماميّة ، بل لما في مثل هذا الإجماع من خصوصيّة مسبوقيّته وملحوقيّته بالآية
المتّفق دلالتها على القصاص ، واستدلاله (رحمه الله) على ذلك الادّعاء في «المبسوط»
أيضاً بقاعدة اتّفاقيّة وهي «أنّ قتل المؤمن لايستباح بالإكراه على قتله» ، ومن عدم
التعرّض للمسألة في المتون الفقهيّة التي بأيدينا من كتاب «الجوامع الفقهية» فضلاً
عن ادّعاء الإجماع عليه .

وهذه الوجوه الثلاثة ـ فضلاً عن واحد منها ـ كافية في الشهادة والقرينة على أنّ
مثل ذلك الإجماع حدسيّ لا حسيّ ، وكون الإجماع دون الأدلّة الاجتهادية لا فوقها ولو
احتمالاً ثالثاً ، فإنّ الإجماع حجيّته موقوفة على إحراز عدم الاستناد إلى الأدلّة
الموجودة التي بأيدينا كما هو واضح ، ومع كون المسألة مصبّ الآية والرواية ،
الإحراز مشكل بل ممنوع ، هذا كلّه في الإجماع ، وفي كلامه في «الخلاف» موارد للنقض
والإيراد :

أحدها : الإشكال على الشافعي وردّه عليه بعدم الدلالة وأ نّه قياس .

ففيه : أنّ الدلالة بالأولويّة وتنقيح المناط ، حيث استدلّ بأنّ المكرِه
(بالكسر) أغلظ حالاً من المكرَه ; لما له من القدرة على الامتناع بعدوله عن النظر ،
دون المكرَه فإنّه ملجأ على وجه لايمكنه إلاّ قتله خوفاً على نفسه ، فإذا لم يكن
القصاص على الحاكم فعلى المُلْجَأ والمكرَه (بالفتح) بطريق أولى .

ولك أن تقول : إنّ الاستدلال بإلغاء الخصوصيّة المعتبرة في الفقه ، وأ نّى ذلك
بالقياس المطرود عند الشيعة ؟ !

نعم ، لعلّه هو قياس اسماً لكنّه غير مضرّ قطعاً .

ثانيها : تعويله واعتماده على قوله تعالى : (الحُرُّ بالحُرِّ . . .)[240]
.

ففيه : أنّ الآية ليست في مقام بيان أصل القصاص ، بل في مقام بيان الكيفيّة
باعتبار الاتحاد في النوع وأنّ الحرّ بالحرّ ، فلا يُقتل الحرّ بقتل العبد مثلاً ،
أو في مقام بيان عدم قتل غير القاتل بدلاً عنه كما استظهرناه من الآية ، فالتعويل
والتمسك بإطلاقها على ما رامه (رحمه الله) كما ترى ، وكان الأولى بل المتيقّن
التعويل على مثل : (وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيـوةٌ)[241]
ومثل : (جَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)[242] .

ثالثها : استدلاله بالنبوي ، وأنّ المكرَه المباشر للقتل هو القاتل للنفس ، فيجب
أن يحلّ دمه .

ففيه : أنّ القاتل هو المكرِه المُلجئ ; لأ نّه السبب الأقوى ، فالمورد كغيره من
موارد الأقوائية ، فالقتل منتسب عرفاً إلى السبب الأقوى .

وفي السادس : أنّ المراد منه تساوي المسلمين من حيث الدم ، ويُقتل القاتل كائناً
من كان ، ودمه ليس بأحمر من الآخر حتّى لايقتل به ، وقتل السبب ـ أي المكرِه ـ دون
المباشر غير مخالف له ، بل يكون موافقاً له كمال الموافقة ، فإنّه القاتل عرفاً لا
المباشر كما مرّ مراراً .

هذا تمام الكلام في المناقشة والإشكال على الوجوه المستدلّة بها على كون القود
على المكره المباشر ، وقد عرفت المناقشة في كلّها ، كما قد عرفت أنّ مقتضى التحقيق
كون الإكراه على القتل مع التوعيد به ـ أي بقتل المكرَه (بالفتح) ـ رافعاً للقود
والدية عليه كالإكراه على غيره من الاُمور الموجبة للضمان والجزاء ، وفقاً لقاعدة
الإكراه وحديث الرفع ، فلا قود على المباشر المكرَه (بالفتح) ، بل القود والدية على
السبب المكرِه المُلجئ قضاءً لقاعدة أقوائيّة السبب على المباشر كما هو ظاهر .

وتوهُّم أنّ حديث الرفع حديث امتنان ، فرفع الإكراه عن المباشر مخالف للامتنان
على الثالث وهو المقتول ، لاستلزامه جواز قتله للمكرَه أي المباشر .

مدفوعٌ بالنقض بالاكراه بما دون القتل مع التوعيد به أو بما دونه ، بل والإكراه
بجميع حقوق الناس أوّلاً .

وبالحلّ بأنّ الامتنان لعلّه من جهة التسعة ومجموعها ، لا كلّ واحد منها
مستقلاًّ ، فإنّ رفع الجميع من مختصّات الاُمّة ، وإلاّ فبعضها كان مرفوعاً من
الاُمم السابقة أيضاً ثانياً . وأنّ الامتنان على تسليم كونه لكلّ واحد منها
بالخصوص لما كان عن الاُمّة لا عن الشخص ، فلابدّ من رعايته لا رعاية الشخص ثالثاً
.

والرعاية على الاُمّة موجودة ; لأنّ الثالث مشمول للرفع مع فرض صيرورته مباشراً
مكرَهاً .

وبالجملة : الحديث كما أ نّه جار في حقوق الله فكذلك في حقوق

الناس ، ولا منافاة بين الامتنان والرفع في حقوق الناس ; لما ذكرناه من الوجوه
الثلاثة . هذا مع أ نّه على المنافاة لابدّ من الاختصاص بحقوق الله ، وهو كما ترى
لإيجابه خروج المورد للنزول في آية الإكراه : (إلاّ مَنْ أُكْرِهَ)[243]
، وهو قضيّة عمّار[244] التي كانت في حقّ الناس وحقّ الرسول(صلى الله
عليه وآله وسلم) .

ولاستدلال أبي الحسن(عليه السلام) بالحديث[245]
في الإكراه على الحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك ، فإنّه كان من ذلك القبيل
أيضاً . وكيف كان ، لا إشكال في عموميّة الحديث كما يظهر من مراجعة الموارد .

ثمّ إنّ ما في المتن وغيره من حبس الآمر في المسألة ، المراد منه المكره ،
فالدليل عليه صحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) في رجل أمر رجلاً بقتل رجل ،
فقال : «يقتل به الذي قتله ، ويحبس الآمر بقتله في الحبس حتّى يموت»[246]
.

وفي «الجواهر» : «ولا بأس بالعمل بها بعد صحّتها وعمل غير واحد من الأصحاب بها ،
فما عساه يظهر من المتن من التوقّف في ذلك في غير محلّه»[247] .

وقد مضى الكلام منّا فيها مفصّلاً وأ نّها مربوطة بغير الإكراه ، بل الظاهر
كونها مربوطة بالأوامر العاديّة ممّا لاتكون إطاعتها واجبة على المأمور لا قانوناً
ولا سلطة ، والعمل بها في موردها لازم ; لأ نّها صحيحة وحجّة أيضاً . ومضى الكلام
بما لا مزيد عليه أنّ على المكره القود والدية ، وأ نّه القاتل من دون شيء على
المكرَه (بالفتح) كالمكره على غير القتل من سائر الاُمور .

/ 118