فقه الثقلین فی شرح تحریر الوسیلة نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

فقه الثقلین فی شرح تحریر الوسیلة - نسخه متنی

یوسف صانعی؛ شارح: روح الله خمینی(ره)

نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
لیست موضوعات
افزودن یادداشت
افزودن یادداشت جدید

البحث حول دية أعضاء المرأة بما هي دية

فعلى ذلك لابدّ من البحث في دية أعضاء المرأة بما هي ديةٌ ومأخوذٌ في شبه العمد والخطأ والعمد الذي ليس فيه القصاص ، فأقول مستعيناً بالله تعالى :

إنّ الأصل قضاءً لإطلاق الأخبار الكثيرة المبيّنة لمقدار ديات الأطراف والأعضاء أو المنافع أو في غيرها ، عدم الفرق بين الرجل والمرأة ، وأنّ الدية فيهما واحدة مطلقاً ، فليس في واحد منها ـ على كثرتها وكونها في مقام البيان بل وفي مقام الحاجة ـ أثر وإشارة إلى الفرق أصلاً ، بل ذكر الوصف المذكر وجعله موضوعاً شامل للمذكّر وللمؤنث أيضاً ، من جهة إلغاء الخصوصية العرفيّة كما في بقيّة الأحكام والأخبار ، فذكر الوصف كذلك من باب المتعارف والغلبة من دون الخصوصية ، فإنّ مناط الحكم بنظر العرف والعقلاء هو العنوان والجهة المذكورة في الأخبار وفي أدلّة الحكم ، كما يظهر للمراجع والعارف بلسان الأخبار والآيات .

وفي «الجواهر» في آخر البحث عن حرمة النساء على المُحرم وطياً وتقبيلاً وعقداً وغيرها من الاُمور ذات الصلة بهنّ قال : «والظاهر ثبوت الأحكام المزبورة للمرأة المحرمة كالرجل ، ضرورة عدم كونه من خواصّ الرجل ، بل لايبعد إرادة الجنس من المحرم في نحو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «لاينكح ولا ينكح» ، قال في «المنتهى»[470] : لا يجوز للمحرم أن يزوّج ولا يتزوّج ولا يكون ولياً في النكاح ولا وكيلاً فيه ، سواء كان رجلاً أو امرأة ، ذهب إليه علماؤنا أجمع . إلى أن قال : أ مّا غيره فالعمدة فيه الإجماع المزبور ، وما يستفاد من الأدلّة من حرمة الاستمتاع للمحرم رجلاً وامرأة ، وحرمة مباشرة عقد النكاح له ولغيره ، وإلاّ فقاعدة الاشتراك لا تأتي في مثل ما ورد من النهي عن تقبيل الرجل امرأته ، ولا دليله شامل للمرأة ، فليس حينئذ إلاّ ما عرفت ، فيثبت عدم جواز تقبيلها لزوجها مثلاً وهي محرمة ، وعلى هذا القياس ، والله العالم»[471] .

فانظر إلى استدلاله (رحمه الله) بالعنوان ، وأنّ المناط التلبّس بالمبدأ ، وأ نّه العمدة في الاستدلال في مثل مسألة الإحرام والحجّ من العبادات فضلاً عن المعاملات ، ولا يخفى عليك وضوح المطلب ، وإنّما نقلنا هذه العبارة من العبائر الكثيرة مثلها في الأبواب المختلفة في الفقه استشهاداً وتأييداً بكلمات مثله ، فإنّ كلماته وحدها ـ فضلاً عن كلمات غيره ـ كافية في التأييد كما لا يخفى .

هذا ، لكنّ الظاهر من «الخلاف» و «الجواهر» اتّفاق علماء العامّة والخاصّة على النقص في دية جراحات النساء عن دية الرجال :

ففي «الخلاف» : «المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها في الاُروش المقدّرة ، فإذا بلغتها فعلى النصف» إلى أن قال بعد نقل اختلاف العامّة وأقوالهم : «دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم»[472] .

وفي «الجواهر» : «وكذا الجراحات والأطراف منها على النصف من الرجل ما لم تقصر ديتها عن ثلث دية الرجل ، فإن قصرت دية الجناية جراحة أو طرفاً عن الثلث تساويا قصاصاً ودية . كما مرّ الكلام فيه مفصّلاً»[473] .

مرّ تفصيله في كتاب القصاص في مسألة اقتصاص الأطراف من الرجل والمرأة ، ففيه : «ثمّ إنّها إذا بلغته ـ أي الثلث ـ أو تجاوزته دية أو جناية ترجع إلى النصف من الرجل فيهما معاً ، فلا يقتصّ لها منه إلاّمع ردّ التفاوت على حسب ما سمعته في النفس ; للنصوص المستفيضة المعتضدة بعمل الأصحاب من غير خلاف محقّق أجده فيه ، بل عن «الخلاف» الإجماع عليه»[474] . انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه .

والظاهر من عدم نقله الإجماع إلاّ من «الخلاف» انحصار ادّعائه فيه ، وإلاّ لنقله ـ كما لا يخفى على العارف ـ بدأبه وطريقته في نقله الإجماع دليلاً أو تأييداً ، كما أنّ الظاهر من نقل «الخلاف» أقوال العامّة في المسألة اتّفاقهم على التفاوت في دية الأعضاء بين الرجل والمرأة بنقصانها في المرأة عن الرجل والرجوع إلى النصف فيما زاد عن الثلث كالمعروف بين الأصحاب ، أو بالرجوع إليه مطلقاً ولو فيما دون الثلث ، أو منحصراً بالزائد عن الثلث في أرش الجائفة والمأمومة أو في غير الجائفة فقط ، أو فيما لم تبلغ الدية نصف دية أرش اليد أو الرجل ، أو في غيرهما ممّا هو منقول عنهم في «الخلاف» ، فأصل التفاوت والنقص في الجملة مورد لاتّفاقهم وخلافهم في موارده .

إذا عرفت حال الأقوال في المسألة من الخاصّة والعامّة فنقول : في الاستدلال بتلك النصوص المستفيضة جهات من الإشكال والمنع :

الجهة الأُولى : أنّ ما يكون من تلك النصوص مربوطة بالدية لاتزيد عن اثنين ، صحيحة أبان ومضمرة سماعة ، وبقيتها على كثرتها ترتبط بقصاص الأطراف في الرجل والمرأة .

نعم ، صحيح الحلبي المنقول في «الوسائل»[475] في الأعمّ من القصاص والدية ، وفي تلك البقية محذور المخالفة مع الكتاب والسنّة بمثل المخالفة في قصاص النفس منهما .

حيث إنّ الخبر الدالّ على لزوم ردّ ربع الدية مثلاً في المرأة المقطوع يدها على الرجل القاطع إذا أرادت القصاص ، مخالف لقوله تعالى : (وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ)[476] أو (والجُرُوحَ قِصَاصٌ)[477] ، بل ولقوله تعالى : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيـوةٌ يا اُوْلِي الاْلْبَابِ)[478] ; بناءً على أعمّية القصاص فيه عن القصاص في النفس ، كما أ نّه مخالف لآيات العدل والحقّ وتساوي الرجل والمرأة ، بل وكذلك الأمر في قصاص المرأة بالرجل في الأطراف ; لأنّ الاكتفاء بالقطع ليس بقصاص بل ظلم على الرجل المقطوع ; لعدم المقابلة بالمثل وهدر ربع يده المقطوعة مثلاً ، كما لا يخفى .

ومن الواضح عدم حجيّة الخبر المخالف للكتاب وإن بلغ من الكثرة ما بلغ ، هذا مع أ نّها على التمامية مربوطة بالدية في قصاص الأطراف ، وأين ذلك من الدية المجردة عن القصاص ؟ ! وليس التعدي من الدية مع القصاص إلى المجردة عنه إلاّ قياساً واضح البطلان ، وفي الصحيحة محذور الاختلال في المتن ، فإنّه يكون بحدّ ذاته مانعاً عن حجيّتها ، وعن جواز الاستدلال بها للحكم الموافق مع الأصل فضلاً عن المخالف له كما في المسألة ، وذلك الاختلال من جهات :

أ : ما فيه من اعتراض أبان وإيراده على الصادق(عليه السلام) بقوله : «إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله ونقول : الذي جاء به شيطان»[479] غير مناسب ; لما يحصى به أمثال أبان من شأن ومقام في الإطاعة والحبّ والفضل والفقهاهة ، بل هو ليس شأن من هو دونه بدرجات كثيرة ، فاعتراضه بذلك إن لم يرجع إلى هتك المعصوم(عليه السلام) وارتداد القائل به ، فلا أقل من أ نّه خلاف الاحترام اللازم بالنسبة إلى العالم فضلاً عن الإمام المعصوم ، فهل يتجرأ أحد بتصحيح تلك النسبة إلى مثل أبان ، بل هل يحتمل أحد صحتها ؟

ففي «الفهرست»[480] و «الخلاصة»[481] جميعاً أ نّه ثقة جليل القدر عظيم المنزلة في أصحابنا ، لقى أبا محمّد علي بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبدالله (عليهم السلام) وروى عنهم ، وكان له عندهم حظوة وقدم ، وقال له أبو جعفر(عليه السلام) : «اجلس في مسجد المدينة وافتِ الناس فإنّي أحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك» . ومات في حياة أبي عبدالله(عليه السلام) وقال(عليه السلام) لما أتاه نعيه : «أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان» . ومات في سنة إحدى وأربعين ومائة ، وزاد في «الخلاصة» قوله : وروي أنّ الصادق(عليه السلام)قال : «يا أبان ناظر أهل المدينة ، فإنّي أحبّ أن يكون مثلك من رواتي ورجالي» .

وفي «تنقيح المقال» : «وقال النجّاشي بعد ذكر نسبه على ما مرّ وذكر عظم منزلته في أصحابنا وملاقاته الأئمّة الثلاثة ونقله الروايات المزبورة ما لفظه : وكان أبان (رحمه الله) مقدّماً في كلّ فنٍّ من العلم في القرآن والفقه والحديث والأدب واللغة والنحو ، إلى أن قال : ولأبان قراءة مقروّة مشهورة عند القرّاء ، ثمّ روى مسنداً عن محمّد بن موسى بن أبي مريم صاحب اللؤلؤ أ نّه قال : سمعت أبان بن تغلب وما رأيت أحداً أقرأ منه قطّ ، يقول : إنّما الهمزة رياضة .

ثمّ روى مسنداً عن أبان بن محمّد بن أبان بن تغلب قال : سمعت أبي يقول : دخلت مع أبي إلى أبي عبدالله(عليه السلام) فلمّا بصر به أمر بوسادة فألقيت له وصافحه واعتنقه وسائله ورحّب به وقال : وكان أبان إذا قدم المدينة تفوضت إليه الحلق وأخليت له سارية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، انتهى المهمّ ممّا في «رجال الكشي» .

وفي رجال ابن داود : أ نّه ثقة جليل القدر ، سيد عصره وفقيهه وعمدة الأئمّة (عليهم السلام) ، روى عن الصادق(عليه السلام) ثلاثين ألف حديثاً ، انتهى المهمّ ممّا فيه .

وروى عن أبان بن عثمان عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنّ أبان بن تغلب روى عنّي ثلاثين ألف حديثاً فاروها عنّي ، وكفى في فضله تصديق جمع من العامّة إيّاه مع اعترافهم بتشيّعـه . . . إلـى أن قال : وروى الكشـي عنـه أ نّـه قـال : قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) : أ مّا إنّي أقعد في المسجد فيجيئني الناس فيسألوني ، فإن لم أجبهم لم يقبلوا منّي وأكره أن اُجيبهم بقولكم وما جاء عنكم ، فقال له : انظر ما علمت أنّه من قولهم فأخبرهم بذلك .

ثمّ لا يخفى عليك أنّ أمر الباقر والصادق(عليهما السلام) إيّاه بالفتيا دليل واضح وبرهان لا يخلو على علوّ مرتبته في العلم والعمل وثقته وعدالته وأمانته في الحديث ، ويشهد بذلك أيضاً أمر الصادق(عليه السلام) بإلقاء وسادة له ومصافحته ومعانقته والسؤال عن حاله والترحيب به وفي إخلاء سارية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) له شأن عظيم»[482] . انتهى ما أردنا نقله منه .

فمع هذه المنزلة المنيعة والدرجة الرفيعة هل يجوز له الكلام مع الإمام الصادق(عليه السلام) بمثل تلك الجملات والاعتراض عليه بذلك النحو ، وهل يجوز أن يكون المأمور بالفتوى من قبل الباقر(عليه السلام) بل ومن قبل الصادق(عليه السلام) نسبة الرواية الدالّة على ذلك الحكم إلى الشيطان ؟ !

وتوهمّ : كون ذلك الكلام منه بياناً لتسليمه في مقابل كلام الصادق(عليه السلام) ، وذلك كأ نّه يقول للإمام(عليه السلام) : ما ذكرت من الحكم وإن كان قبل ذلك في نظرنا ممّا جاء به الشيطان ، ولكن مع ذلك نسلّم لكم ونقول الآن : إنّه من الله تعالى تصديقاً لكلامكم وتسليماً لأمركم .

مدفوع : بمنافاة ذلك مع قوله(عليه السلام) : «مهلاً يا أبان» كما لايخفى على المتدبّر والعارف بالمكالمة ، بل ومن ذلك يظهر عدم معروفيّته وشهرته بين الأصحاب في عصر الباقرين(عليهما السلام) ، ويكون ذلك إشكالاً جدلياً على المستدلّين بالحديث ، مع اعترافهم بأ نّه المشهور وأنّ عليه عمل الأصحاب .

ب : أنّ اللازم من أخذه الإمام(عليه السلام) بالقياس وقوله(عليه السلام) بأنّ السنّة إذا قيست محق الدين ، جهل أبان بحرمة القياس وأ نّه موجب لمحق الدين أو الجهل بها ، وبأنّ المورد من مصاديق القياس أو لا أقل من الجهل بالمورد والموضوع فقط ، وجهل مثل أبان ـ المفتي في زمان الباقر(عليه السلام) ومَن بلغ في المذهب إلى مرتبة من العلم والفقهاهة بحيث يحبّ الإمام (عليه السلام) جلوسه في المسجد وإفتائه ـ ممّا لا يحتمله أحد في مَن دون شأنه فضلاً عن مثله(قدس سره) .

ج : تعجّبه (رحمه الله) من الثلاثين في قطع الثلاث والعشرين في قطع الأربع ، وأنّ اللازم الأربعين في الأربع كالثلاثين في الثلاث والعشرين في اثنين وعشرة في الواحد ، ليس تعجّباً في غير محلّه ، ولا الأربع مع الثلاث وما قبله في الدية مساوياً بزيادة العشرة في الأربع وكون ديته أربعين عملاً بالقياس بالحكم ; لأنّ ذلك يكون من باب فحوى الدليل والمفهوم منه عرفاً ، أي من باب العمل بالظواهر الذي عليه رحى الكتاب والسنّة والفقه والفقاهة حيث قال تعالى : (وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)[483] ، ومن باب القاعدة العقلية والعقلائيّة في الضمان بأ نّه كلّما زادت الخسارة زاد مقدار الضمان ، فكيف جعله الإمام(عليه السلام) مورداً للاعتراض وأ نّه أخذ المعصوم(عليه السلام) بالقياس ، فتدبّر جيّداً .

د : أ نّه(عليه السلام) بعد اللتيا والتي أجابه بالسنّة ، ومن المعلوم عدم مناسبة الجواب مع السؤال ، حيث إنّ إشكال أبان يرتبط بمقام الجعل والثبوت وأ نّه كيف يكون كذلك لا بمقام الإثبات ، وإلاّ فمحض قول إمامه(عليه السلام) له حجّة قطعيّة ضروريّة ، وإشكاله الثبوتي باق على كلام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً كما لا يخفى .

بل في وجود السؤال والجواب كذلك في أخبار العامّة ، «وقال ربيعة قال : قلت لسعيد بن المسيب : كم في إصبع المرأة ؟ فقال : عشر . قلت : ففي إصبعين ؟ قال : عشرون . قلت : ففي ثلاث ؟ قال : ثلاثون قلت : ففي أربع ؟ قال : عشرون . قلت له : لما عظمت مصيبتها قلّ عقلها . قال : هكذا السنّة»[484] شهادة على كون الرواية على الصدور والمطابقة للواقع من باب التقيّة وتوجيه ما في أخبارهم وآثارهم ، ألا ترى أنّ التقيّة قد أوجبت التحريف اللفظي من المعصوم(عليه السلام) ، مع ما في حفظ القرآن من ذلك التحريف من الأهمّية بحيث إنّ الله تعالى ضمن عدمه بقوله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[485] .

في «الكافي» بسنده عن موسى بن أشيم قال : كنت عند أبي عبدالله(عليه السلام)فسأله رجل عن آية من كتاب الله عزّ وجلّ فأخبره بها ، ثمّ دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر ]به[ الأوّل ، فدخلني من ذلك ما شاء الله حتّى كأنّ قلبي يشرح بالسكاكين ، فقلت في نفسي : تركت أبا قتادة بالشام لايخطئ في الواو وشبهه ، وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كلّه ، فبينا أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي ، فسكنت نفسي فعلمتُ أنّ ذلك منه تقية ، قال : ثمّ التفت إليّ فقال لي : يا ابن أشيم إنّ الله عزّ وجلّ فوّض إلى سليمان بن داود فقال : (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أو أمْسِكْ بِغَيرِ حِسَاب)[486] ، وفوّض إلى نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : (ما آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[487] فما فوّض إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد فوّضه إلينا»[488] .

ومن المعلوم أنّ حديث أبان وإن كان صحيحاً بحسب السند ، لكنّه مع هذه المحاذير والجهات المشكلة الموجبة للاختلال في المتن غير حجّة عند العقلاء ولا يعبأون به أصلاً وإن كان ما فيه موافقاً مع القواعد فضلاً عمّا فيه من المخالفة . وإن أبيت عن عدم بنائهم على العمل بمثله فلا أقلّ من الشكّ في البناء ، وذلك كاف في عدم الحجيّة ، فإنّ الأصل في الظنون عدم الحجيّة .

هذا كلّه في الصحيحة التي هي أظهر أحاديث الباب ، وأ مّا مضمرة سماعة ، قال : سألته عن جراحة النساء فقال : «الرجال والنساء في الدية سواء حتّى تبلغ الثلث ، فإذا جازت الثلث فإنّها مثل نصف دية الرجل»[489] . ففي سندها الضعف بالإضمار ، وبكون سماعة واقفيّاً ، وبكون عثمان ـ على الذهاب بأ نّه ابن الرواسي ـ ضعيفاً عند البعض ، ومجهولاً على عدم كونه ابن الرواسي ; للاشتراك ، وفي متنه الضعف من جعله الغاية أوّلاً الثلث ثانياً التجاوز عنه .

هذا ، مع أنّ العمل بالخبر الواحد التامّ دلالةً وسنداً المخالف للقواعد إذا لم يزد عن الواحد والاثنين مشكل بل ممنوع ، دونك عبارة «جامع المدارك» للفقيه المتقي السيد أحمد الخوانساري (رحمه الله) : «وفي المقام شبهة اُخرى وهي : أنّ اعتبار خبر الثقة أو العدل مع توثيق بعض علماء الرجال أو تعديله من جهة بناء العقلاء أو الاستفادة من بعض الأخبار لا يخلو عن إشكال في الدماء مع شدّة الاهتمام في الدماء ، ألا ترى أنّ العقلاء في الاُمور الخطيرة لايكتفون بخبر الثقة مع اكتفائهم في غيرها به»[490] .

الجهة الثانية : أنّ تلك النصوص على تسليم تماميّتها سنداً ومتناً ليست بحجّة من جهة المخالفة للكتاب والسنّة ، مثل أخبار ردّ النصف من الدية في قتل الحرّ بالحرّة ; وذلك لأنّ دية كلّ عضو تكون في مقابل عضو الإنسان الحرّ بما أ نّه إنسان ، لا بما هي قيمة عضوه وغرامته كالغرامة في الأموال وكالدية في أعضاء العبد ، وإلاّ كان اللازم اختلاف دية الأيادي مثلاً باعتبار اختلافها في مثل الصنعة والعمل بها ; لأنّ ضمانها من تلك الجهة تختلف باختلاف الجهة ، وكان اللازم أيضاً أن لاتزيد دية العضو على دية النفس ، كما في دية اليدين مع رجل واحد فإنّها تزيد بنصف على دية النفس ، فإنّ عمل الأعضاء وضمانها على ذلك فرع الأصل ، فإنّ عمل مثل اليد فرع الحياة ، فكيف يزيد دية الفرع على الأصل ، فالديات ديات الأعضاء بما أ نّها أعضاء الإنسان .

ومن المعلوم عدم التفاوت في أعضاء الرجل والمرأة من حيث عضوية الإنسان ، فإنّ أعضاء الإنسان بما هي أعضاء الإنسان مع انضمامها إلى الخلق الآخر سبب لنسبة الله تعالى البركة إلى ذاته بقوله تعالى : (ثُمَّ أنْشَأنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخَالِقينَ)[491] فمع تساوي أعضاء المرأة وأعضاء الرجل في النسبة إلى الإنسان كيف تكون دية أعضاء المرأة بعد الثلث نصف الرجل ؟ ! وهل هذا إلاّ ظلمٌ ومخالف للعدل ؟ ! وهل هذا إلاّ التمييز والتفريق بين الرجل والمرأة ؟ !

هذا ، مع ما في الآيات والأخبار من التساوي بينهما ، وأ نّه لامزيّة لأحدهما على الآخر ، فإنّ إنسانيّة الإنسان بروحه الإنساني الموجود في المرأة بعين وجوده في الرجل .

فعلى هذا ، أخبار التنصيف في دية أعضاء المرأة بعد الثلث ; لمخالفتها لآيات العدل ، وآيات نفي الظلم ، وآيات تساوي أفراد البشر وعدم المزيّة لأحد على الآخر والسنّة المماثلة للكتاب ، غير حجّة ، ولابدّ من ضربها على الجدار أو ردّ علمها إلى أهلها وإن بلغت من الكثرة ما بلغت .

الجهة الثالثة : ما في الأخبار من الاختلاف في الغاية اُمور :

أحدها : في بعضها الثلث ، وفي الآخر التجاوز عنه .

ثانيها : في الثلث من أ نّه ثلث دية الرجل كما في غير واحد من الأخبار ، أو ثلث دية المرأة كما في خبر ابن أبي يعفور : قال سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن رجل قطع إصبع امرأة قال : «تقطع إصبعه حتّى ينتهي إلى ثلث المرأة ، فإذا جاز الثلث اُضعف الرجل»[492] .

ثالثها : في أنّ دية المرأة فيما زاد عن الثلث على النصف من دية الرجل كما في جُلّ أخبارها ، أو أ نّها على الثلث والرجل على الثلثين كما في صحيح الحلبي ، ففيها : «فإذا جازت الثلث صيّرت دية الرجال في الجراحات ثلثي الدية ، ودية النساء ثلث الدية»[493] .

ومن المعلوم أن الاختلاف في الجهات الثلاثة في أخبار الباب الذي لايزيد عن ثمانية أو تسعة ـ موجب لعدم الحجيّة وعدم بناء العقلاء على البناء بالحديث مع ذلك الاختلاف ، بل بما دونه من الاختلاف أيضاً ، ولا أقلّ من كونه سبباً للشكّ في البناء والحجيّة .

وتوهّم عدم الاختلاف في الأمر الأوّل لما في «الجواهر»[494] من عدم وضوح الدلالة في أخبار التجاوز ; لأنّ الدلالة ليست إلاّ من حيث مفهوم اشتراط الجواز في الذيل ، وهو معارض بمفهوم الغاية في الصدر ، والجمع بينهما كما يمكن بصرف مفهوم الغاية إلى الشرط كذا يمكن بالعكس .

مدفوع بمايلي : مضافاً إلى أنّ مفهوم الشرط أظهر من الغاية فالترجيح معه ، أ نّه لاتعارض بينهما في مثل خبر الباب أصلاً ، حيث إنّ الظاهر من شرط الذيل ـ أي اعتبار التجاوز ـ كون الغاية في حكم المغيّى ، فمفهومها ثبوت الحكم المخالف فيما بعدها وهو التجاوز ، فإنّه لا ظهور للغاية إلاّ أ نّها غاية .

وأ مّا أ نّها في حكم المغَيّى والمنطوق وداخلة فيه أو في حكم المفهوم ، وأ نّه ليست داخلة في المغَيّى ، فلا ظهور للغاية فيه أصلاً ، والظاهر وقوع الخلط من صاحب «الجواهر»(قدس سره) بين ظهور الغاية في المفهوم وبين ظهور الغاية في الغائيّة ، وإلاّ فمع عدم الخلط لاتعارض بين الصدر والذيل في مثل الخبر من رأس كما بيّناه ، فتدبّر جيّداً حتّى لايختلط عليك الأمر .

هذا كلّه مع أنّ الظاهر من وجود الاختلاف بين العامّة في الغاية من أ نّها الثلث ، أو الزائد عليه كما يظهر لمن راجع «المغني» لابن قدامة ، ففيه بعد الاستدلال على التساوي فيما دون الثلث ما هذا لفظه : «فأ مّا الثلث نفسه فهل يستويان فيه ؟ على روايتين ، إحداهما : يستويان فيه»[495] ، ووجود الاختلاف في أخبارنا أيضاً كما لايخفى على المتأ مّل .

الجهة الرابعة : معارضة الأخبار مع خبر أبي مريم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : «جراحات النساء على النصف من جراحات الرجال في كلّ شيء»[496] ، بل هذا الخبر أيضاً موجب لتأييد الوجه السابق وهو الاختلاف في الأخبار ، فتدبّر جيّداً وتأ مّل .

الجهة الخامسة : ما في شرح الإرشاد المسمّى بـ «مجمع الفائدة والبرهان» من مناقشة المقدّس الأردبيلي(قدس سره) حكم المشهور في المسألة بكونه مخالفاً للقواعد العقليّة والنقليّة ، ومن الخدشة في الروايات بما لا مزيد عليه في الدقّة والتحقيق والتتبّع ، ولننقل تمام عبارته التي هي آخر عباراته في ذلك الكتاب ، ففي ختامه مسك ، وكم فيها ـ كبقيّة عباراته في الكتاب ـ من الفوائد ودونك العبارة :

«ويتساوى الرجل والمرأة في ديات الأعضاء والجراح حتّى تبلغ دية عضو المرأة ثلث دية الرجل ، فترجع حينئذ دية عضو المرأة إلى نصف دية عضو الرجل .

وحينئذ لو قطع رجل عضو امرأة ـ مثل إصبعها ـ فعلى الجاني دية إصبع الرجل وهي عشر من الإبل ، وفي الاثنتين (الاثنين) عشرون ، وفي الثلاث ثلاثون ، حتّى إذا قطع أربع أصابعها ، ولما كان ديتها زائدة على ثلث دية الرجل ، فإنّما أربعون ، وهو زائد على الثلث ، وهو ثلاث وثلاثون بعيراً وثلث بعير فترجع إلى نصف دية أربع أصابع الرجل وهي عشرون إبلاً .

ولا فرق في ذلك بين كون الجاني رجلاً أو امرأة ، وإليه أشار بقوله : سواء . . . إلى آخره ، وهو إشارة إلى ردّ مَن خصّص الحكم بما إذا كان الجاني هو الرجل .

وكذا إذا قطع رجل عضو امرأة قطعاً موجباً للقصاص ، فلها أن تقتصّ منه من غير ردٍّ ، حتّى إذا قطع عضواً ديته ثلث دية الرجل فصاعداً فلها أن تقتصّ منه بعد ردّ نصف دية عضو ، كما إذا قطع رجل أربع أصابعها فأرادت القصاص فلها ذلك بعد ردّ عشر أبعرة .

هذا الحكم مشهور ، وهو خلاف بعض القواعد المنقولة ، مثل كون طرف الإنسان إن كان واحداً فديته دية صاحبه ، وإن كان اثنين فدية كلّ واحدة نصف ديته ، وأنّ دية اليد نصف دية النفس ، وهي منقسمة على الأصابع فكان ينبغي أن تكون دية إصبع المرأة خمساً من الإبل ، ودية الإصبعين عشراً ، والثلاث خمسة عشر ، ويكون لها القصاص في الإصبع الواحدة بعد ردّ خمس من الإبل ، والمعقوله أيضاً ، فإنّ العقل يقتضى أن يزيد دية أربع أصابع على دية الثلاث وإن لم يزد لم ينقص ، وهنا قد نقص فإنّها عشرون إبلاً ودية الثلاث ثلاثون .

ولكنّ دية الأربع على هذا الوجه موافق للقاعدة الاُولى ، فإنّ مقتضاها كون دية الأربع عشرون والخمسة أصابع خمس وعشرون وهكذا فلابدّ من حكمة تشرّع الزيادة في الثلاث والاثنتين والواحدة فيهما .

ويدلّ على الأوّل أخبار : مثل صحيحة أبان بن تغلب ، قال : قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) : ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها ؟ قال : «عشر من الإبل» ، قلت : قطع اثنتين قال : «عشرون» ]من الإبل[ ، قلت : قطع ثلاث ، قال : «ثلاثون» ]من الإبل[ قال : قلت : قطع أربعاً ، قال : «عشرون» ]من الإبل[ قلت : سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون ؟ ! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله ونقول : الذي جاء به شيطان ، فقال : «مهلاً يا أبان (إن) ! هذا حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية ، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف ، يا أبان ! إنّك أخذتني بالقياس ، والسنّة إذا قيست انمحق (محق) الدين» .

وفيها بطلان القياس ، بل يشكل أمر مفهوم الموافقة ، فإنّ العقل يجد بحسب الظاهر أ نّه إذا كان ثلاثون لازماً في الثلاث ، فيكون لازماً في الأربع بالطريق الأولى ، فعلم أ نّه لا ينبغي الجرأة فيه أيضاً ، إذ قد تخفى الحكمة ، ولهذا شرطوا العلم بالعلّة في أصل المفهوم ووجودها في الفرع ، فتأ مّل .

ومضمرة سماعة ـ وهي ضعيفة من وجوه كثيرة ـ قال : سألته عن جراحات (جراحة) النساء ، فقال : «الرجال والنساء في الدية سواء حتّى تبلغ الثلث ، فإذا جازت الثلث فإنّها مثل نصف دية الرجل» ، على أنّ (جازت) غير موافق لصحيحة (أبان) ولقولهم ، فتأ مّل فيه .

ويدلّ على الثاني صحيحة جميل بن درّاج ، قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن المرأة بينها وبين الرجل قصاص ؟ قال : «نعم في الجراحات حتّى تبلغ الثلث سواء ، فإذا بلغت الثلث سواء ارتفع الرجل وسفلت المرأة» .

ومثله صحيحة عبدالرحمن بن أبي نجران .

ويدلّ عليهما صحيحة الحلبي ، قال : سُئل أبو عبدالله(عليه السلام) ، عن جراحات الرجال والنساء في الديات والقصاص سواء ، فقال : «الرجال والنساء في القصاص السنّ بالسنّ والشجّة بالشجّة والإصبع بالإصبع سواء حتّى تبلغ الجراحات ثلث الدية ، فإذا جازت الثلث صيّرت دية الرجال ثلثي الدية ، ودية النساء ثلث الدية» .

هذه أيضاً غير موافقة لصحيحة أبان وقولهم .

ثمّ اعلم أنّ في رواية أبان عبدالرحمن بن الحجّاج ، وفيه شيء وهو أ نّه نقل في مشيخة «الفقيه» : أنّ أبا الحسن(عليه السلام) قال : «إنّه لثقيل على الفؤاد» . وقيل : إنّه رُمي بالكيسانيّة ثمّ رجع وقال بالحقّ ، وإن قيل : إنّه ثقة ثقة .

وليس في الروايات أصرح منها .

وصحيحة الحلبي ليست بصريحة فيما ذكره من التفاوت ، إذ يحتمل حمل التساوي على أنّ دية عضوها بالنسبة إلى دية نفسها صار دية عضو الرجل بالنسبـة إلى ديته ، فهما متساويان في ذلك ، وأ نّه لا ردّ ولا تفاوت في قصاص العضو ، مثل السنّ بالسنّ ، ويكون ذلك في الرجل بالنسبة إلى الرجل وفي المرأة بالنسبة إلى المرأة .

على أنّ رواية أبي مريم ـ ولعلّها صحيحة ، ولا يضرّ أبان ، فإنّ الظاهر أ نّه ابن عثمان المُجمع عليه ـ عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : «جراحات النساء على النصف من جراحات الرجال» .

في كلّ شيء مخالفة لها (وللمشهور ـ خ) .

وتخالفها أيضاً رواية ابن أبي يعفور ، قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن رجل قطع إصبع امرأة ؟ قال : «يقطع إصبعه حتّى ينتهي إلى ثلث المرأة ، فإذا جاز الثلث أضعف الرجل» .

والمخالفة من جهة ثلث المرأة والتجاوز عن الثلث لا البلوغ .

وبالجملة : الحكم مخالف للقواعد كما عرفته .

وفي دليله أيضاً بعض المناقشات مع المخالفة في الجملة ، وهو مشكل»[497] .

ثمّ إنّ هنا مسائل متفرّعة على المبنى المشهور ، والبحث عنها وإن لم يكن لازماً على المختار لكننا نبحثها تتميماً للبحث وتكميلاً للفائدة :

المسألة الأُولى : هل التساوي غايته الثلث كما هو المشهور وعليه غير واحد من الأخبار ، أو التجاوز عنه المحكي عن الشيخ في «النهاية» ؟

قال فيها : «ويتساوى جراحهما ما لم يتجاوز ثلث الدية ، فإذا بلغت ثلث الدية نُقصت المرأة وزيد الرجل»[498] ، كما ورد ذلك في خبر ابن أبي يعفور[499] ، وصحيح الحلبي[500] ، وخبر أبي بصير[501] .

فيه قولان ، وبما أ نّه لا ترجيح لواحد من المتعارضين من الأخبار فلابدّ للفقيه من التخيّر بينهما .

وما في «الجواهر» من عدم الدلالة في تلك الأخبار الثلاثة لتعارض الصدر والذيل فقد مضى الجواب عنه ، وأ مّا ما فيه من قوله : «بل قد يقال : ـ بعد فرض تعارض الأدلّة وتكافئها من كلّ وجه ـ إنّ الأصل كون المرأة على الضعف من الرجل ولو باستقراء غير المقام»[502] .

ففيه : أنّ الأصل بعد تكافؤ الخبرين التخيير لا التساقط ، والرجوع إلى أمر آخر من الاستقراء وغيره .

ومثل ذلك القول في عدم التماميّة ما ذكره (رحمه الله) قبل ذلك من إمكان القول : «بأنّ النصّ بالتجاوز عن الثلث فيها إنّما وقع مسامحةً ، أو نظراً إلى كون البلوغ إلى الثلث من دون زيادة ولا نقيصة من الأفراد النادرة غاية الندرة»[503] .

ففيه : أنّ المسامحة خلاف الظاهر ، وأنّ ندرة الوجود ليست إلاّ سبباً لعدم اختصاص العموم والإطلاق بالنادر ، فإنّه خلاف الظاهر أيضاً ، وأ مّا كونها سبباً لتغيير الضابطة فكما ترى .

المسألة الثانية : قد ظهر لك أ نّه على المشهور لو قطع الرجل إصبعاً أو إصبعين أو ثلاثاً من المرأة مثلها منه قصاصاً من غير ردٍّ .

ولو أخذت الدية اُخذت كدية أصابعه ، ولو قطع أربعاً منها لم تقطع الأربع منه إلاّ بعد ردّ دية إصبعين ، ولو أخذت منه الدية اُخذت منه عشرين بعيراً دية إصبعين منه ، كما سمعت التصريح به في خبر أبان بن تغلب .

وهل لها إذا قطع الأربع منها القصاص في إصبعين منه من دون ردّ ؟ إشكال : من تحقّق العمل بمقتضى التفاوت بينهما ، وهو الأخذ لها بالنصف ممّا له ، وأ نّه كان لها قطعهما إذا قطعت منها اثنتان فقط فلها ذلك إذا قطعت منها أربع ; لوجود المقتضي وهو قطع اثنين وانتفاء المانع ، فإنّ الزائد لا يصلح مانعاً .

ومن أ نّه خارج عن فتوى الأصحاب والأخبار ، فإنّ الوارد فيها إمّا أخذ الدية عشرين من الإبل مثلاً أو القصاص وردّ عشرين عليه ، وهو ليس شيئاً منهما ، وقصاص البعض ليس قصاصاً ، ومنع انتفاء المانع ، فإنّ الزيادة في الجناية كما منعت أخذ ثلاثين من الإبل ، فلِمَ لا تمنع القصاص في إصبعين ؟ !

هذا ، ولكنّ مقتضى التحقيق أنّ لها قطع الإصبعين من دون ردٍّ ، قضاءً لفحوى الأدلّة ، فإنّ المتفاهم منها عرفاً كون دية المرأة في الأعضاء نصف دية الرجل فيها فيما زاد على الثلث ، فالقصاص والمقابلة بالمثل على ذلك موجب لردّ النصف من الدية إلى الرجل قضاءً للمقابلة والمقاصّة والمماثلة ، لا لخصوصية اُخرى خاصّة بصورة القطع .

وعليه ، فكما تكون للمرأة قطع الأربع مع ردّ النصف فكذلك لها قطع الاثنين بلا ردٍّ ; لحصول المقابلة والمماثلة كما لا يخفى ، ولذلك يظهر عدم تمامية ما في وجه المنع من أنّ الزيادة في الجناية . . . إلى آخره .

ففيه : أنّ أخذ الثلاثين أخذٌ للزائد عن حقّها ، وهو بخلاف قطع الإصبعين ، فإنّه موافق ومماثلة لحقّها على التنصيف كما هو المفروض ، كما يظهر بما حقّقناه أنّ لها قطع الثلاث مع ردّ دية الإصبع الواحدة ، نعم ليس لها القطع كذلك بلا ردٍّ ; لكون القطع كذلك زائداً عن حقّهما على كلّ حال .

وقد ظهر لك ممّا حقّقناه أ نّه ليس للرجل الامتناع من ذلك بأن يقول لها : إمّا أن تأخذي الدية ولا تقطعي شيئاً من أصابعي ، أو تقطعي الأربع وتردّي عليّ دية اثنين ، بل الاختيار بيد المرأة فيهما وفي قطع الاثنين فقط أو الثلاث مع الردّ ، كما أ نّه ليس للمرأة المطالبة بأكثر من دية إصبعين ، وليس لها أن تطلب دية ثلاث وتعفو عن الرابع ; لمخالفته مع النصّ والفتوى الراجعة إلى الزيادة في القصاص .

المسألة الثالثة : الظاهر أيضاً اختصاص الحكم بما إذا كان الجاني رجلاً ، بل لا خلاف فيه اقتصاراً على القدر المتيقّن ، فإنّ الحكم على خلاف القواعد . وأ مّا إذا كان الجاني إمرأة ففيه خلاف : فجعل البعض سواء بسواء مثل النفس ، فما فرّق بين أعضاء المرأة إذا كان الجاني إمرأة كما في النفس ، ففي الإصبع خمس ، وفي الاثنين عشرة ، وفي الثلاث خمس عشرة ، وفي الأربع عشرون ، وفي الخمس خمسة وعشرون ، وهكذا .

ولكون الحكم على خلاف القواعد ، قال في «مجمع الفائدة والبرهان» : «وكأ نّه لذلك تردّد في «القواعد»[504] ، ولكنّ الذي يظهر أ نّه ينبغي عدم التردّد والجزم بالتسوية ، فإنّ الحكم مخالف للقواعد كما عرفت ، وليس له في المرأة دليل ; لاختصاص الدليل بالرجل كما سمعت ، وبطلان القياس خصوصاً هنا على ماعرفت ، فأيّ شيء يقتضي التردّد كما فعله في «القواعد» ، أو الحكم بالتسوية بين كون الجاني رجلاً أو امرأة كما فعله هنا ؟ وهو ظاهر»[505] .

المسألة الرابعة : الظاهر أنّ الحكم المزبور إذا كان القطع للأربع بضربة واحدة ، وأ مّا لو كان بأربع ضربات يقطع بكلّ واحدة إصبعاً أو بضربتين يقطع بكلٍّ منهما إصبعين ، فالظاهر ثبوت دية الأربع أو القصاص في الجميع من غير ردٍّ كما صرّح به غير واحد ، إذ كلّ ما جنى عليها جناية يثبت لها حكمها ، ولا دليل على سقوطه بلحوق جناية اُخرى ، والجناية الأخيرة إنّما هي قطع ما دون الأربع فلها حكمها ، ولا تسقط بسبق اُخرى ، والله العالم .

الثاني : التساوي فـي الـدين ، فلايقتل مسلم بكافـر مـع عـدم اعتياده قتل الكفّار (5) .

(5) في «الجواهر» : «الشرط الثاني : التساوي في الدين ، فلا يقتل مسلم بكافر مع عدم الاعتياد ، ذمّياً كان أو مستأمناً أو حربيّاً ، بلا خلاف معتدٍّ به أجده فيه بيننا ، بل الإجماع بقسميه عليه ، بل المحكي منهما مستفيض حدّ الاستفاضة أو متواتر كالنصوص ، منها : قول أبي جعفر(عليه السلام) في خبر محمّد بن قيس : (لا يقاد مسلم بذمّي في القتل ولا في الجراحات ، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّي ثمانمائة درهم)[506] ، وغيره على وجه لا يقدح في الأوّل ـ أي الإجماع ـ خلاف الصدوق في «المقنع»[507] .

وصريح عبارته انحصار المخالف للإجماع بالصدوق في «المقنع» ، والظاهر أ نّه كذلك لانحصار نقل الخلاف من «المقنع» فقط ، ففي «المقنع» : «وإذا قطع المسلم يد المعاهد خيّر أولياء المعاهد ، فإن شاؤوا أخذوا دية يده ، وإن شاؤوا قطعوا يد المسلم وأدّوا إليه فضل ما بين الديتين ، وإذا قتله المسلم صنع كذلك»[508] .

وأ مّا ما في «الفقيه» من ذهابه إلى قتل المسلم بقتل المعاهد الواحد فضلاً عن الذمّي وفضلاً عن الموجب للاعتياد ، فليس من باب القصاص وحقّ الناس ، بل يكون مـن باب الجـزاء والحـدّ وحـقّ الله تعالى ; للمخالفة مع عهد الإمام ، ودونك عبارته : «وعلى مَن خالف الإمام في قتل واحد منهم متعمّداً القتل ; لخلافـه على إمام المسلمين لا لحرمة الذمّي»[509] .

وبما ذكرناه يظهر عدم كون مثل التفصيل في قتل المسلم بالكافر بين المعتاد وغيره بالقتل في المعتاد حدّاً وعدمه في غيره رأساً ، المحكي عن ابن الجنيد[510] والحلبي(قدس سرهما)[511] تفصيلاً في المسألة ـ أي مسألة القصاص ـ بل ذلك القول راجع إلى القول بعدم القصاص مطلقاً ، وإنّما يكون تفصيله جمعاً بين الفتويين في المسألتين ـ أي مسألة القصاص والحدّ ـ في مسألة واحدة كما لايخفى .

نعم ، ما عن عدّة من الأصحاب وفي «المقنعة»[512] و «النهاية»[513] من القود في المعتاد دون غيره ، الظاهر في كونه تفصيلاً في المسألة ، مبنيٌّ على كون القتل في المعتاد من باب القصاص لا من باب الحدّ ، وإلاّ فيرجع إلى التفصيل السابق .

/ 118