الكتاب: تكملة حاشية رد المحتار
المؤلف: ابن عابدين ( علاء الدين )
الجزء: 1
الوفاة: 1306
المجموعة: فقه المذهب الحنفي
تحقيق: إشراف : مكتب البحوث والدراسات
الطبعة: جديدة منقحة مصححة
سنة الطبع: 1415 - 1995 م
المطبعة:
الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان
ردمك:
ملاحظات: المكتبة التجارية - مصطفى أحمد الباز
حاشية
قرة عيون الأخيار
تكملة
رد المحتار على الدر المختار
في فقه مذهب الامام أبي حنيفة النعمان
لسيدي محمد علاء الدين أفندي
نجل المؤلف
طبعة منقحة مصححة
إشراف
مكتب البحوث والدراسات
الجزء السابع
دار الفكر
للطباعة والنشر والتوزيع

1
جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر
1415 ه‍ / 1995 م
دار الفكر بيروت - لبنان
دار الفكر: حارة حريك - شارع عبد النور - برقيا: فكسي - تلكس: 41391 فكر
ص. ب 7061 / 11 - تلفون: 643681 - 8378053 - 837898 - دولي: 860962
فاكس: 2124187875 - 001

2
كتاب الأشربة
ذكره بعد الشرب لأنهما شعبتا عرق واحد لفظا ومعنى، وقدم الشرب لمناسبته لاحياء الموات.
وتمامه في العناية والمنح.
قال القهستاني: وأصول الأشربة الثمار كالعنب والتمر والزبيب، والحبوبات كالبر والذرة
والدخن، والحلاوات كالسكر والفانيذ والعسل، والألبان كلبن الإبل والرماك. والمتخذ من العنب
خمسة أنواع أو ستة، ومن التمر ثلاثة، ومن الزبيب اثنان، ومن كل البواقي واحد، وكل منها على
نوعين: نئ، ومطبوخ ا ه‍. قوله: (كل مائع يشرب) أي هو اسم من الشرب، أي ما يشرب ماء كان أو
غيره حلالا أو غيره. قهستاني. قوله: (وهي) أنث الضمير لان الخمر مؤنثة سماعا. قال في القاموس:
وقد تذكر: أي نظرا للفظ. قوله: (بكسر فتشديد) هذا خلاف الأصل فقد ذكره في القاموس في باب
الهمزة. وفي القهستاني: النئ بكسر النون وسكون الياء والهمزة، وفي المغرب: يجوز التشديد على
القلب والادغام: أي غير النضيج، ومثله في نهاية ابن الأثير، وفي العزمية: الابدال والادغام غير
مشهور. وقال المقدسي: إنه عامي. قوله: (إذا غلى) أي ارتفع أسفله إذ أصله الارتفاع كما في
المقاييس. وقوله: (اشتد) أي قوي بحيث يصير مسكرا. قهستاني. قوله: (أي رمى بالزبد) بفتحتين: أي
بحيث لا يبقى فيه شئ من الزبد فيصفو ويروق، قهستاني. قوله: (وهو الأظهر) واعتمده المحبوبي
والنسفي وغيرهما. تصحيح قاسم. وقال في غاية البيان: وأنا آخذ بقولهما دفعا لتجاسر العوام،
لأنهما إذا علموا أن ذلك يحل قبل قذف الزبد يقعون في الفساد اه‍. وفي النهاية وغيرها: وقيل: يؤخذ
في حرمة الشرب بمجرد الاشتداد وفي الحد بقذف الزبد احتياطا. قوله:
(ويأتي ما يفيده) أي في قوله: الكل حرام إذا غلى واشتد ا ه‍. قوله: (وقد تطلق الخ) قال في المنح: هذا الاسم خص بالشراب
بإجماع أهل اللغة، ولا نقول إن كل مسكر خمر لاشتقاقه من مخامرة العقل، فإن اللغة لا يجري فيها
القياس، فلا يسمى الدن قارورة لقرار الماء فيه. وأما قوله صلى الله عليه وآله: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام)
وقوله: (إن من الحنطة خمرا، وإن من الشعير خمرا، ومن الزبيب خمرا، ومن العسل خمرا فجوابه: أن

3
الخمر حقيقة تطلق على من ذكرنا وغيره كل واحد له اسم مثل المثلث، والباذق والمنصف ونحوها،
وإطلاق الخمر عليها مجاز وعليه يحمل الحديث ا ه‍ ملخصا. أو هو لبيان الحكم لأنه عليه الصلاة
والسلام بعث له لا لبيان الحقائق. قوله: (وحرم قليلها) أي شرب قليلها لئلا يتكرر الآتي من حرمة
الانتفاع والتداوي ا ه‍ ح. واحترز به عما قاله بعض المعتزلة إن الحرام هو الكثير المسكر لا القليل
قهستاني.
قال في الهداية: وهذا كفر لأنه جحود الكتاب فإنه سماه رجسا، والرجس ما هو محرم العين،
وقد جاءت السنة متواترة: أن النبي عليه الصلاة والسلام حرم الخمر وعليه انعقد إجماع الأمة، ولأن
قليله يدعو إلى كثيره وهذا من خواص الخمر. قوله: (لعينها الخ) أي لا لعلة الاسكار فتحرم القطرة
منها، وهذا علم مما قبله وإنما أعيد لتأكيد الرد على ذلك القول الباطل. قوله: (عشر دلائل) هي نظمها
في سلك الميسر، وما عطف عليه وتسميتها رجسا وعدها من عمل الشيطان، والامر بالاجتناب،
وتعليق الفلاح باجتنابها وإرادة الشيطان إيقاع العداوة بها، وإيقاع البغضاء، والصد عن ذكر الله تعالى
وعن الصلاة، والنهي البليغ بصيغة الاستفهام المؤذن بالتهديد ا ه‍ ح. قوله: (وهي نجسة نجاسة مغلظة)
لان الله سماها رجسا فكانت كالبول والدم المسفوح. إتقاني. قوله: (ويكفر مستحلها) لانكاره
الدليل القطعي. هداية. قوله: (وسقط تقومها في حق المسلم) حتى لا يضمنها متلفها وغاصبها، ولا
يجوز بيعها لان الله تعالى لما نجسها فقد أهانها، والتقوم يشعر بعزتها. وقال عليه الصلاة والسلام: (إن
الذي حرم شربها حرم بيعها وأكل ثمنها هداية، وعدم ضمانها لا يدل على إباحة إتلافها.
وقد اختلفوا فيها فقيل: يباح، وقيل: لا يباح إلا لغرض صحيح بأن كانت عند شريب خيف عليه
الشرب، وأما إذا كانت عند صالح فلا يباح لأنه يخللها. عناية، وفي النهاية وغيرها عن مجد الأئمة أن
الصحيح الثاني، قال أبو السعود: والظاهر أن هذا الخلاف مفرع على الخلاف في سقوط ماليتها، فمن
قال إنها مال وهو الأصح قال: لا يباح إتلافها إلا لغرض صحيح ا ه‍. وهو حسن. قوله: (في حق
المسلم) أما الذمي فهي متقومة في حقه كالخنزير حتى صح بيعه لهما، ولو أتلفهما له غير الامام أو
مأمورة ضمن قيمتها له كما مر في آخر الغصب. قوله: (لا ماليتها في الأصح) لان المال ما يميل إليه
الطبع ويجري فيه البذل والمنع، فتكون مالا لكنها غير متقومة لما قلنا. إتقاني. قوله: (ولو لسقي دواب)
قال بعض المشايخ: لو قاد الدابة إلى الخمر لا بأس به، ولو نقل إلى الدابة يكره. وكذا قالوا فيمن أراد
تخليل الخمر: ينبغي أن يحمل الخل إلى الخمر، ولو عكس يكره وهو الصحيح. تتارخانية. قوله: (أو
لطين) أي لبل طين. قوله: (أو غير ذلك) كامتشاط المرأة بها ليزيد بريق شعرها أو الاكتحال بها أو
جعلها في سعوط. تتارخانية. ومنه ما يأتي من الاحتقان بها أو إقطارها في إحليل. قال الإتقاني: لان
ذلك انتفاع بالخمر وأنه حرام، وإلا أنه لا يحد في هذه المواضع لعدم الشرب. قوله: (أو لخوف عطش)
الإضافة على معنى من: أي خوفه على نفسه من عطش بأن خلاف هلاكه منه ولا يجد ما يزيله به إلا

4
الخمر. قوله: (فلو زاد فسكر حد) وكذا لو روي ثم شرب حد. مجتبى. فأفاد أن السكر غير قيد في
الزيادة على الضرورة. وفي الخانية: فإن شرب مقدار ما يرويه وزيادة ولم يسكره قالوا: ينبغي أن يلزمه
الحد، كما لو شرب هذا القدر حالة الاختيار ولم يسكر. قوله: (ويحد شاربها الخ) في غاية البيان عن
(شرح الطحاوي): لو خلطها بالماء: إن الماء أقل أو مساويا حد، وإن أغلب فلا إلا إذا سكر ا ه‍. وفي
الذخيرة عن القدوري: إذا غلب الماء عليها حتى زال طعمها وريحها فلا حد. ثم قال: وإذا ثرد فيها
خبزا وأكله وإن وجد الطعم واللون حد، وما لا لون لها يحد إن وجد الطعم. قوله: (ولا يؤثر فيها
الطبخ) أي في زوال الحرمة بقرينة الاستثناء. قوله: (إلا أنه لا يحد) نقله ف ي العناية عن شيخ الاسلام،
لكن في الكفاية والمعراج قال شمس الأئمة السرخسي: يحد من شرب منه قليلا كان أو كثيرا بالنص.
وفي القهستاني عن التتمة: وعليه الفتوى. ومن هنا يعلم حكم العرق المستقطر من فضلات الخمر،
فينبغي جريان الخلاف في الحد من شرب قليله كما بحثه القهستاني أما نجاسته فغليظة كأصله، لكن
ليس كحرمة الخمر لعدم إكفار مستحله للخلاف فيه، وقول الشرنبلالي بحثا: لا حد به بلا سكر مبني
على خلاف المفتى به كما أفاده كلام القهستاني. تأمل. قوله: (واستظهره المصنف) حيث قال: والطبخ لا
يؤثر فيها لأنه للمنع من ثبوت الحرمة لا لرفعها بعد ثبوتها، إلا أنه لا يحد فيه ما لم يسكر منه على ما
قالوا، لان الحد في النئ خاصة لما ذكرنا فلا يتعدى إلى المطبوخ. ذكره في تبيين الكنز من غير ذكر
خلاف. وهذا هو الظاهر الذي يجب أن يعول عليه، وبه يظهر لك ضعف ما في القنية من قوله: خمر
طبخت وزالت مرارتها حلت، وضعف ما في المجتبى عن (شرح السرخسي): لو صب فيها سكرا أو
فانيدا حتى صار حلوا حل، وتحل بزوال المرارة، وعندهما بقليل الحموضة ا ه‍ ملخصا.
أقول: لا يخفى عليك أن قول المصنف وهذا هو الظاهر إشارة إلى أن الطبخ لا يرفع الحرمة بعد ثبوتها لأنه هو الذي ذكره الزيلعي في التبيين من غير ذكر خلاف لا إشارة إلى عدم الحد، لان لفظة
قالوا تذكر فيما فيه خلاف كما صرحوا به، على أن قوله على ما قالوا يفيد بظاهره التبري والتضعيف،
لان المفتى به خلافه كما قدمناه، وأيضا فإن الذي يظهر به ضعف ما في القنية والمجتبى هو الأول
المذكور بلا خلاف، لا الثاني المشار إلى ضعفه، فتدبر. قوله: (وفيه كلام لابن الشحنة) أي في التضعيف
المفهوم من ضعف وذلك حيث قال: مراد صاحب القنية أنها تحل إذا زالت عنها أوصاف الخمرية،
وهي المرارة والاسكار لتحقق انقلاب العين، كما لو انقلبت خلا، ومراد المبسوط أنها لا تحل بالطبخ
حيث كانت على أوصاف الخمرية لأنه لم يوجد ما يقتضي الإباحة من الانقلاب والاستحالة، وكون
النار لا تأثير لها في إثبات الحل لا ينافي أن المؤثر هو الانقلاب ولا خصوصية للنارية ا ه‍.
أقول: ولو يعول الشرنبلالي في شرحه على هذا الجواب، وكأنه والله تعالى أعلم، لان الخمر
حرمت لعينها، ولا نسلم انقلاب العين بهذا الطبخ، ولذا لو وقعت قطرة منها في الماء الغير الجاري أو
ما في حكمه نجسته، وإن استهلكت فيه وصار ماء، وكذا لو وقعت في قدر الطعام نجسته، وإن

5
صارت طعاما كما لو وقعت فيه قطرة بول، وأما طهارتها بانقلابها خلا فهي ثابتة بنص المجتهد أخذا في
إطلاق حديث: نعم الادام الخل فليتأمل.
ولعل هذا الفرع مفرع على ما قدمناه عن بعض المعتزلة من أن الحرام من الخمر هو المسكر، يدل
عليه أنه في القنية نقله عن القاضي عبد الجبار أحد مشايخ المعتزلة، ثم رأيت ابن الشحنة نقله عن ابن
وهبان كما خطر لي، لكن بحث فيه بأنه لا مدخل للاعتزال فهذه المسألة.
وأقول: كأنه لم يطلع على ما قدمناه من تخصيصهم الحرمة بالاسكار، ولعل هذا وجه عدم
الاعتماد على ما يقوله صاحب القنية، حيث يذكر ما يخرجه مشايخ عقيدته كهذه المسألة والتي تقدمت
في الذبائح وأمثالهما، والله أعلم. قوله: (على المعتمد) لما قدمناه في الحظر والإباحة، أن المذهب أنه لا
يجوز التداوي بالمحرم. قوله: (ويجوز تخليلها) وهو أولى. هداية. أقول: وإنما لم يجب وإن كان في
إراقتها ضياعها، لأنها غير متقومة ولذا لا تضمن كما مر، وذكر الشرنبلالي بحثا أنه يجب لأنها مال،
فتأمل. قوله: (ولو بطرح شئ فيها) كالملح والماء والسمك، وكذا بإيقاد النار عندها ونقلها إلى الشمس،
والصحيح أنه لو وقع الشمس عليها بلا نقل كرفع سقف لا يحل نقلها، ولو خلط الخل بالخمر وصار
حامضا يحل وإن غلب الخمر، وإذا دخل فيه بعض الحموضة لا يصير خلا عنده حتى يذهب تمام
المرارة، وعندهما يصير خلا كما في المضمرات، ولو وقعت في العصير فأرة فأخرجت قبل التفسخ
وترك حتى صار خمرا ثم تخللت أو خللها يحل، وبه أفتى بعضهم كما في السراجية. ولو وقعت قطرة
خمر في جرة ماء ثم صب في حب خل لم يفسد، وعليه الفتوى، وتمامه في القهستاني. وإذا صار الخمر
خلا يطهر ما يوازيها من الاناء، وأما أعلاه فقيل: يطهر تبعا، وقيل لا يطهر لأنه خمر يابس، إلا إذا
غسل بالخل فتخلل من ساعته فيطهر. هداية. والفتوى على الأول. خانية. قوله: (بالكسر) أي والمد
ككساء. قاموس. قوله: (يطبخ) أي بالنار أو الشمس. قهستاني. قوله: (أقل من ثلثيه) قيد به لأنه إذا
ذهب ثلثاه فما دام حلوا يحل شربه عند الكل، وإذا غلى واشتد يحل شربه عندهما ما لم يسكر خلافا
لمحمد ا ه‍ شرح مسكين وسيأتي. قوله: (ويصير مسكرا) بأن غلى واشتد وقذف بالزبد فإنه يحرم قليله
وكثيره، أما ما دام حلوا فيحل شربه، إتقاني. وهذا القيد ذكره هنا غير ضروري لأنه سيأتي في كلام
المصنف في قوله: والكل حرام إذا غلى واشتد. قوله: (يسمى الباذق) بكسر الذال وفتحها كما في
القاموس، ويسمى المنصف أيضا، والمنصف: الذاهب النصف، والباذق: الذاهب ما دونه، والحكم
فيهما واحد كما في الغاية وغيرها. قوله: (وصار مسكرا) أي بأن اشتد وزالت حلاوته وإذا أكثر منه
أسكر. قوله: (يعني في التسمية لا في الحكم الخ) لما كان كلام المصنف، موهما أشد الايهام أتى بالعناية

6
لان كلامه في الأشربة المحرمة وذكر منها الطلاء، وفسره أولا بتفسير ثم بآخر وحكم بأنه الصواب،
فيتوهم أن المحرم هو المعنى الثاني دون الأول مع أن الامر بالعكس، فالباذق والمنصف حرام اتفاقا.
والطلاء: وهو ما ذهب ثلثاه ويسمى المثلث حلالا إلا عند محمد كما سيأتي، فلا يحرم منه عندهما إلا
القدح الأخير الذي يحصل به الاسكار كما يأتي بيانه، فنبه على أن مراد المصنف أن الذي يسمى الطلاء
هو الذي ذهب ثلثاه، وأن الأول حرام والثاني حلال. وبحث الشرنبلالي في هذا لتصويب بأن الطلاء
يطلق بالاشتراك على أشياء كثيرة منها: الباذق والمصنف والمثلث وكل ما طبخ من عصير العنب ا ه‍.
أقول: وفي المغرب: الطلاء كل ما يطلى به من قطران أو نحوه، ويقال لكل ما خثر من الأشربة
: طلاء على التشبيه حتى يسمى به المثلث. قوله: (على التفسير الأول) أما على الثاني فطاهر لحل شربه،
وعند محمد نجس كما يأتي. قوله: (به يفتى) عزاه القهستاني إلى الكرماني وغيره. قوله: (وهو النئ من
ماء الرطب) هذا أحد الأشربة الثلاثة التي تتخذ من التمر، والثاني النبيذ منه، وهو ما طبخ أدنى
طبخة، وهو حلال، والثالث الفضيخ: وهو النئ من ماء البسر المذنب، مشتق من الضخ: بالضاد
والخاء المعجمتين وهو الكسر، سمي به لأنه يكسر ويجعل في حب ويصب عليه الماء الحار لتخرج
حلاوته، وحكمه كالسكر، أفاده في النهاية. ولو قال المصنف: والثالث النئ من ماء التمر لشمل
السكر والفضيخ، فإن التمر اسم جنس يشمل البسر وغيره كما في القهستاني. تأمل. قوله: (إذا اشتد
الخ) ذكره غيره لازم نظير ما مر لأنه سيأتي في كلام المصنف. قوله: (نقيع الزبيب) النقيع: اسم مفعول
من المزيد أو الثلاثي. قال في المغرب: أنقع الزبيب في الخابية ونقعه: إذا ألقاه فيها ليبتل وتخرج منه
الحلاوة. وقال ابن الأثير: إنه شراب متخذ من زبيب أو غيره من غير طبخ، وإليه أشار في الصحاح
والأساس، فالأولى أن يقال: نقيع البسر والرطب والتمر والزبيب. قهستاني ملخصا. لكن أفاد الإتقاني
: أن الرطب لا يحتاج إلى النقع في الماء: أي لان النقيع ما يكون يابسا ليبتل بالماء، فلذا أفرد المصنف
الرطب بالذكر. تأمل. قوله: (بشرط الخ) يغني عنه ما بعده نظير ما مر. قوله: (إذا غلى واشتد) أي
ذهبت حلاوته وصار مسكرا وإن لم يقذف بالزبد خلافا للامام قوله: (وإلا) بأن بقي حلوا. قوله: (وإن
قذف حرم اتفاقا) أي قليله وكثيره، لكن لا يجب الحد إلا إذا سكر كما في الملتقى. قوله: (وظاهر
كلامه) حيث لم يقل وقذف بالزبد. قوله: (قولهما) أي بعدم اشتراط القذف. قوله: (وترك القيد) وهو
القذف. قوله: (لأنه اعتمد على السابق) أي لم يصرح به هنا اعتمادا على ما قدمه في تعريف الخمر.
تأمل. قوله: (ومفاد كلامه) حيث صرح بأن نجاسة الباذق كالخمر، وسكت عن هذين، ويبعد أن

7
يقال: تركه هنا اعتمادا على ما مر. فتأمل. قوله: (واختار في الهداية أنها غليظة) فيه نظر. ونص ما في
الهداية: ونجاستها خفيفة في رواية وغليظة في أخرى ا ه‍. وعبارته في الدر المنتقى أحسن مما هنا،
حيث قال: ومختار السرخسي الخفة في الأخيرين، وإن قال في الهداية بالغلظة في رواية ا ه‍. وعبارته
في باب الأنجاس هكذا: وفي باقي الأشربة روايات التغليظ والتخفيف والطهارة، رجح في البحر
الأول، وفي النهر الأوسط ا ه‍. قوله: (وحرمتها) أي الأشربة الثلاثة السابقة. قوله: (لان حرمتها
بالاجتهاد) حتى قال الأوزاعي بإباحة الأول والثالث منها. وقال شريك بإباحة الثاني لامتنان الله تعالى
علينا بقوله: * (تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) * (النحل: 76) وأجيب بأن ذاك لما كانت الأشربة كلها
مباحة. وتمامه في الهداية، وهذا بخلاف الخمر فإن أدلتها قطعية، فلذا كفر مستحلها. قوله: (نبيذ التمر
والزبيب) أي ونبيذ الزبيب. قال القهستاني: والتمر اسم جنس كما مر، فيتناول اليابس والرطب
والبسر، ويتحد حكم الكل كما في الزاهدي، والنبيذ يتخذ من التمر والزبيب أو العسل أو البر أو
غيره، بأن يلقى في الماء ويترك حتى يستخرج منه مشتق من النبذ وهو الالقاء، كما أشير إليه في
الطلبة وغيره ا ه‍. ثم قال: فالفرق بينه وبين النبيذ بالطبخ وعدمه كما في النظم.
أقول: الظاهر أن قوله: وبين النبيذ سبق قلم، والصواب وبين النقيع لان الضمير في بينه للنبيذ.
تأمل. قوله: (إن طبخ أدنى طبخة) وهو أن يطبخ إلى أن ينضج. شرنبلالية عن الزيلعي. وقيد به لان
غير المطبوخ من الأنبذة حرام بإجماع الصحابة إذا غلى واشتد وقذف بالزبد، وقد ورد في حرمة المتخذ
من التمر أحاديث وفي حله أحاديث، فإذا حمل المحرم على النئ والمحلل على المطبوخ فقد حصل
التوفيق واندفع التعارض. عيني، والأحاديث الواردة كلها صحاح ساقها الزيلعي، ووفق بما ذكر
فراجعه.
قال الإتقاني: وقد أطنب الكرخي في رواية الآثار عن الصحابة والتابعين بالأسانيد الصحاح في
تحليل النبيذ الشديد.
والحاصل: أن الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بدر كعمر وعلي وعبد الله بن مسعود
وأبي مسعود رضي الله عنهم كانوا يحلونه، وكذا الشعبي وإبراهيم النخعي. وروي أن الإمام قال
لبعض تلامذته: إن من إحدى شرائط السنة والجماعة أن لا يحرم نبيذ الجر ا ه‍.
وفي المعراج قال أبو حنيفة: لو أعطيت الدنيا بحذافيرها لا أفتي بحرمتها، لان فيه تفسيق بعض
الصحابة، ولو أعطيت الدنيا لشربها لا أشربها لأنه لا ضرورة فيه، وهذا غاية تقواه ا ه‍. ومن أراد
الزيادة على ذلك والتوفيق بين الأدلة فعليه بغاية البيان ومعراج الدراية. قوله: (وإن اشتد) أي وقذف
بالزبد. قال في الرمز: ولم يذكر القذف اكتفاء بما سبق ا ه‍. قوله: (بلا لهو وطرب) قال في المختار
: الطرب خفة تصيب الانسان لشدة حزن أو سرور ا ه‍. قال في الدرر: وهذا التقييد غير مختص بهذه
الأشربة، بل إذا شرب الماء وغيره من المباحات بلهو وطرب على هيئة الفسقة حرم ا ه‍ ط.

8
قلت: وكان ينبغي للمصنف أن يذكر التقييد بعدم اللهو والطرب وعدم السكر بعد الرابع ليكون
قيدا للكل. قوله: (فلو شرب ما يغلب على ظنه الخ) أي يحرم القدر المسكر منه، وهو الذي يعلم يقينا
أو يغالب الرأي أنه يسكره كالمتخم من الطعام، وهو الذي يغلب على ظنه أنه يعقبه التخمة. تتارخانية.
فالحرام: هو القدح الأخير الذي يحصل السكر بشربه كما بسطه في النهاية وغيرها، ويحد إذا سكر به
طائعا. قال: في منية المفتي: شرب تسعة أقداح من نبيذ التمر فأوجر العاشر لم يحد ا ه‍. وقال في
الخانية: وفيما سوى الخمر من الأشربة المتخذة من التمر والعنب والزبيب لا يحد ما لم يسكر، ثم قال
في تعريف السكران: والفتوى على أنه من يختلط كلامه ويصير غالبه الهذيان، وتمام في حدود شرح
الوهبانية. قوله: (والثاني الخليطان) لما روي أن ابن عمر سقاه لابن زياد، وما ورد من النهي محمول على
الابتداء أو على غير المطبوخ جمعا بين الأدلة. حموي. وبالأخير يحصل التوفيق بين ما فعله ابن عمر
وبين ما روي عنه من حرمة نقيع الزبيب ب النئ كما أفاده في الهداية. قوله: (من الزبيب والتمر) أو
البسر أو الرطب المجتمعين. قهستاني. قوله: (إذا طبخ أدنى طبخة) كذا قيده في المعراج والعناية
وغيرهما، والمفهوم من عبارة الملتقى عدم اشتراط الطبخ فيه، فليتأمل. ثم هذا إذا لم يكن مع أحد
المذكورات ماء العنب، وإلا فلا بد من ذهاب الثلثين كما يأتي. قوله: (وهو ما طبخ من ماء العنب) أي
طبخا موصولا، فلو مفصولا: فإن قيل تغيره بحدوث المرارة وغيرها حل، وإلا حرم وهو المختار
للفتوى. وتمامه في خزانة المفتين. در منتقى.
وقيد بالعنب لان الزبيب والتمر يحلان بأدنى طبخة كما مر، لكن الماء غير قيد، لأنه لو طبخ
العنب كما هو ثم عصر فلا بد من ذهاب ثلثيه بالطبخ في الأصح. وفي رواية: يكتفي بأدنى طبخة
كما في الهداية.
وفيها: لو جمع في الطبخ بين العنب والتمر أو بين التمر والعنب والزبيب لا يحل ما لم يذهب
ثلثاه، لان التمر وإن اكتفى فيه بأدنى طبخة فعصير العنب لا بد أن يذهب ثلثاه فيعتبر جانب العنب
احتياطا، وكذا إذا جمع بين عصير العنب ونقيع التمر
. وفيها: ولو طبخ نقيع التمر والزبيب أدنى طبخة ثم أنقع فيه تمر أو زبيب، إن كان ما أنقع فيه
شيئا يسير الا يتخذ النبيذ من مثله خل وإلا لا.
وفيها: والذي يصب عليه الماء بعدما ذهب ثلثاه بالطبخ حتى يرق ثم يطبخ حكمه كالمثلث،
بخلاف ما إذا صب على العصير ثم يطبخ حتى يذهب ثلثا الكل، لان الماء يذهب أولا للطافته أو يذهب
الماء منها فلا يكون الذاهب ثلثي ماء العنب: أي فلا يحل. قوله: (إذ قصد) متعلق بيحل مقدرا، وفي
القهستاني: فإن قصد به استمراء الطعام والتقوى في الليالي على القيام، أو في الأيام على الصيام، أو

9
القتال لأعداء الاسلام، أو التداوي لدفع الآلام، فهو المحل للخلاف بين علماء الأنام. قوله: (وصح
بيع غير الخمر) أي عنده خلافا لهما في البيع والضمان، لكن الفتوى على قوله في البيع، وعلى قولهما
في الضمان إن قصد المتلف الحسبة وذلك يعرف بالقرائن، وإلا فعلى قوله كما في التتارخانية وغيرها.
ثم إن البيع، وإن صح لكنه يكره كما في الغاية، وكان ينبغي للمصنف ذكر ذلك قبيل الأشربة
المباحة فيقول بعد قوله: ولا يكفر مستحلها: وصح بيعها وتضمن الخ كما فعله في الهداية وغيرها،
لان الخلاف فيها لا في المباحة أيضا، إلا عند محمد فيما يظهر مما يأتي من قوله بحرمة كل الأشربة
ونجاستها، تأمل. قوله: (مما مر) أي من الأشربة السبعة. قوله: (ومفاده الخ) أي مفاد التقييد بغير
الخمر، ولا شك في ذلك لأنهما دون الخمر وليسا فوق الأشربة المحرمة فصحة بيعها يفيد صحة
بيعها فافهم قوله: (عدم الحل) أي القيام المعصية بعينها. وذكر ابن الشحنة أنه يؤدب بائعها وسيأتي
قوله: (وتضمن هذه الأشربة) يعني المحرمة منها. قوله: (عن تملك عينه) أي المثل. وفي بعض النسخ
(تمليك). قوله: (وإن جاز فعله) قال الإتقاني في كتاب الغصب: يعني أنا قلنا بضمان السكر والمصنف
بالقيمة لا بالمثل، لان المسلم يمنع عن ذلك، ولكن لو أخذ المثل جاز لعدم سقوط التقوم والمالية قوله:
(بخلاف الصليب الخ) ذكر الزيلعي هذه العبارة في كتاب الغصب وهي مرتبطة بما قبلها من ضمان
آلات اللهو صالحة لغير اللهو.
قال الإتقاني في الغصب: أي هذا الذي ذكرناه في ضمان الطبل ونحوه من أن قيمتها تجب غير
صالحة لهذه الأشياء، بخلاف صليب النصراني حيث تجب قيمته صليبا لأنا قررناهم على هذا الصنيع
فصار كالخمر. قوله: (ونحوهما) كالتمر والزبيب والعنب، فالمراد الأشربة الأربعة التي هي حلال عند
الشيخين إذا غلت واشتدت، وإلا فلا تحرم كغيرها اتفاقا. قوله: (وبه يفتى) أي بقول محمد، وهو قول
الأئمة الثلاثة لقوله عليه الصلاة والسلام: كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام رواه مسلم، وقوله
عليه الصلاة والسلام: ما أسكر كثيره فقليله حرام رواه أحمد وابن ماجة والدارقطني وصححه قوله:
(غيره) كصاحب الملتقى المواهب والكفاية والنهاية والمعراج وشرح المجمع وشرح درر البحار والقهستاني
والعيني، حيث قالوا: الفتوى في زماننا بقول محمد لغلبة الفساد. وعلل بعضهم بقوله لان الفساق
يجتمعون على هذه الأشربة ويقصدون اللهو والسكر بشربها.

10
أقول: الظاهر أن مرادهم التحريم مطلقا وسد الباب بالكلية، وإلا فالحرمة عند قصد اللهو
ليست محل الخلاف بل متفق عليها كما مر ويأتي: يعني لما كان الغالب في هذه الأزمنة قصد اللهو لا
التقوى على الطاعة منعوا من ذلك أصلا. تأمل. قوله: (وذكر) أي في كتاب الحدود ونصه: وفي
العمادية حكي عن صدر الاسلام أبي سائر اليسر البزدوي أنه وجد رواية عن أصحابنا جميعا أنه يجب الحد،
فإن الحد إنما يجب في سار الأنبذة عندهما، وإن كان حلالا شربه في الابتداء، لان ما يقع به السكر
حرام، والسكر سبب الفساد فوجب الحد لينزجروا عن شربه فيرتفع الفساد، وهذا المعنى موجود في
هذه الأشربة ا ه‍: أي الأشربة المتخذة من الحبوب المذكورة قبل هذه العبارة.
وحاصله: أنهما حيث حللا الأنبذة وأوجبا الحد بالقدح المسكر منها لزم منه وجوب الحد بالسكر
من باقي الأشربة كما هو قول محمد. قوله: (إنه مروي) يوهم أن الضمير راجع لتحريم الأشربة قليلها
وكثيرها، وليس كذلك بل هو راجع للحد بالسكر منها كما علمت، ولا يلزم من وجوب الحد بما
يقع به السكر أن يحرم القليل والكثير كما لا يخفى. قوله: (لمن من مسكر الحب يسكر) من موصولة
والثانية بيانية (1) والحب: جنس: أي يسكر من مسكر الحبوب، وحكم ما كان من غير أصل الخمر
وهو الزبيب والعنب والتمر كذلك ش. قوله: (وفي طلاق البزازية) الأولى حذف طلاق، لان قوله: (ما
أسكر كثيره فقليله حرام وهو نجس لم يذكره في كتاب الطلاق بل في كتاب الأشربة. قوله: (وقال
محمد الخ) أقول: الظاهر أن هذا خاص بالأشربة المائعة دون الجامد كالبنج والأفيون، فلا يحرم قليلها
بل كثيرها المسكر، وبه صرح ابن حجر في التحفة وغيره، وهو مفهوم من كلام أئمتنا لأنهم عدوها
من الأدوية المباحة وإن حرم السكر منها بالاتفاق كما نذكره، ولم نر أحدا قال بنجاستها ولا بنجاسة
نحو الزعفران مع أن كثيره مسكر، ولم يحرموا أكل قليله أيضا، ويدل عليه أنه لا يحد بالسكر منها كما
يأتي، بخلاف المائعة فإنه يحد، ويدل عليه أيضا قوله في غرر الأفكار: وهذه الأشربة عند محمد
وموافقيه كخمر بلا تفاوت في الاحكام، وبهذا يفتى في زماننا ا ه‍. فخص الخلاف بالأشربة، وظاهر
قوله بلا تفاوت أن نجاستها غليظة فتنبه، لكن يستثنى منه الحد فإنه لا يجب إلا بالسكر، بخلاف
الخمر.
والحاصل: أنه لا يلزم من حرمة الكثير المسكر حرمة قليلة ولا نجاسته مطلقا إلا في المائعات
لمعنى خاص بها. أما الجامدات فلا يحرم منها إلا الكثير المسكر، ولا يلزم من حرمته نجاسته كالسم
القاتل فإنه حرام مع أنه ظاهر، هذا ما ظهر لفهمي القاصر، وسنذكر ما يؤيده ويقويه ويشيده. قوله:
(ولو سكر منها الخ) ظاهره أنه لا يحد بالقليل منها الذي لا يحصل به الاسكار، وهو ظاهر قوله



(1) قوله: (والثانية بيانية) لعل الصواب ابتدائية، لان ضابط من البيانية وهو كون ما بعدها أخص ما قبلها مبين له لا يأتي
هنا كما لا يخفى ا ه‍.
11
الهداية وغيرها، وعن محمد أنه حرام، ويحد شاربه إذا سكر منه، ويقع طلاقه كما في سائر الأشربة
المحرمة ا ه‍. وهو مقتضى قول المصنف أيضا فيما مر ويحد شارب غيرها أي غير الخمر إن سكر
قوله: (وبه يفتى) أي بتحريم كل الأشربة، وكذا بوقوع الطلاق. قال في النهر: وفي الفتح: وبه يفتى
لان السكر من كل شراب حرام، وعندهما لا يقع بناء على أنها حلال، وصححه في الخانية قوله:
(والخلاف) أي في إباحة الشرب من الأشربة الأربعة.
قال في المعراج سئل أبو حفص الكبير عنه فقال: لا يحل، فقيل له: خالفت أبا حنيفة وأبا
يوسف، فقال: إنهما يحلانه للاستمراء والناس في زماننا يشربون للفجور والتلهي، وعن أبي يوسف:
لو أراد السكر فقليله وكثيره حرام، وقعوده لذلك حرام، ومشيه إليه حرام ا ه‍. زاد في الدر المنتقى عن
القهستاني: ويحد به وإن لم يسكر كما في المضمرات وغيرها ا ه‍.
أقول: هو مخالف لما ذكرناه آنفا من تقييد الحد بالسكر، ولعل صوابه إن سكر، فليتأمل. قوله:
(وتمامه الخ) حيث قال: وصحح غير واحد قولهما، وعلله في المضمرات، فإن الخمر موعودة في
العقبى فينبغي أن يحل من جنسها في الدنيا أنموذج ترغيبا ا ه‍. قوله: (على الخلاف) أي يثبتان عند محمد
لا عندهما. قوله: (أي الفرسة) صرح في جامع اللغة بأنه لا يقال: فرسة، فالأولى أن يقال: أي الإناث
من الخيل ا ه‍ ح. قوله: (لم يحل) أي عند الامام (1) قهستاني. قوله: (على قوله) أي قول الإمام. وفي
الخانية وغيرها: لبن المأكول حلال، وكذا لبن الرماك عندهما، وعنده يكره. قال بعضهم: تنزيها.
وقال السرخسي: إنه مباح كالبنج، وعامتهم قالوا: يكره تحريما، لكن لا يحد وإن زوال عقله، كما لو
زال بالبنج يحرم، ولا حد فيه ا ه‍. زاد في البزازية: وأكثر العلماء على أنه تنزيه ا ه‍، وهو الموافق لما
قدمناه في الذبائح فراجعه.
ثم قال في الخانية وإن زال عقله بالبنج ولبن الرماك لا تنفذ تصرفاته. وعن أبي حنيفة: إن
علم حين تناوله أنه بنج يقع طلاقه، وإلا فلا. وعندهما: لا يقع مطلقا وهو الصحيح، وكذا لو شرب
شرابا حلوا فلم يوافقه فزال عقله فطلق، قال محمد: لا يقع وعليه الفتوى ا ه‍. وهذا إذا لم يقصد به
المعصية وإلا فيقع طلاقه كما يأتي عن البحر.
وفي شرح الوهبانية: والصحيح من مذهب الصاحبين جواز شربه: أي لبن الرماك ولا يحد
شاربه إذا سكر منه على الصحيح، اللهم إلا أن يجتمع عليه كما علل فيما قدمناه ا ه‍: أي إلا أن يشربه



(1) قوله: (أي عند الامام إلخ) قال شيخنا: ليس في عبارة القهستاني ذكر الامام بل عبارته لم يحل عنده، وظاهر هذه
العبارة أن الضمير عائد على محمد فإنه المذكور قبل وهو الموافق للمسألة قبلها، إذ هو مقتضى التشبيه بكذا ا ه‍.
12
للهو والمعصية، ثم هذا كله مخالف لما ذكره القهستاني، إلا أن يقال: إن هذا في غير المشتد، وكلام
القهستاني في المشتد، وبه يشعر كلام الهداية حيث قال في تعليل حل لبن الرماك: لان كراهية لحمه
لاحترامه أو لئلا يؤدي إلى قطع مادة الجهاد فلا يتعدى إلى لبنه ا ه‍. أو يقال: هذا فيما إذا لم يقصد
به المعصية، وكلام القهستاني إذا قصدها كما قدمناه عن ابن الشحنة ويأتي مثله عن البحر، فليتأمل. قوله:
(في الدباء) بالضم والمد. قهستاني أي مع التشديد. قوله: (جمع باءة) بالمد ا ه‍ ح. قوله: (والحنتم) بفتح
الحاء والتاء وسكون النون بينهما. قهستاني. قوله: (جرة خضراء) كذا فسره في القاموس. وفي
المغرب: الختم: الخزف الأخضر أو كل خذف. وعن أبي عبيدة: هي جرار حمر يحمل فيها الخمر إلى
المدينة، الواحدة حنتمة. قوله: (وما ورد من النهي نسخ) أي بقوله عليه الصلاة والسلام: كنت نهيتكم
عن الانتباذ في الدباء والحنتم والمزفت والنقير فانتبذوا فيها واشربوا في كل ظرف فإن الظرف لا يحل
شيئا ولا يحرمه، ولا تشربوا المسكر وهذا حجة على مالك وأحمد في رواية غرر الأفكار.
قال شيخ الاسلام في مبسوطه: إنما نهى عن هذه الأوعية على الخصوص لان الأنبذة تشتد بهذه
الظروف أكثر ما تشتد في غيره: يعني فصاحبها على خطر من الوقوع في شرب المحارم عناية. قوله:
(وكره) عبر في النقاية كالزاهدي بقوله: وحرم. قال القهستاني: وإنما الحرمة على الكراهة الواقعة في
عبارة كثير من المتون، لأنه أراد التنبيه على المراد الدال عليه كلام الهداية. قوله: (أي عكره) بفتحتين
ويسكن. قاموس ودردي الشئ: ما يبقى أسفله. قهستاني. قوله: (والامتشاط) إنما خصه لان له تأثيرا
في تحسين الشعر. نهاية. قوله: (عندنا) وقال الشافعي: يحد لأنه شرب جزءا من الخمر.
ولنا أن قليله لا يدعوا إلى كثيره لما في الطباع من النبوة عنه فكان ناقصا فأشبه غير الخمر من
الأشربة ولا حد فيها إلا بالسكر، ولأن الغالب عليه الثقل فصار كما إذا غلب عليه الماء بالامتزاج.
هداية. قوله: (ويحرم أكل البنج) هو بالفتح: نبات يسمى في العربية شيكران، يصدع ويسبت ويخلط
العقل كما في التذكرة للشيخ داود. زاد في القاموس: وأخبثه الأحمر ثم الأسود وأسلمه الأبيض،
وفيه: السبت يوم الأسبوع، والرجل الكثير النوم، والمسبت: الذي لا يتحرك. وفي القهستاني: هو
أحد نوعي شجر القنب، حرام لأنه يزيل العقل، وعليه الفتوى، بخلاف نوع آخر منه فإنه مباح
كالأفيون لأنه وإن اختل العقل به لا يزول، وعليه يحمل ما في الهداية وغيرها من إباحة البنج كما في
شرح اللباب ا ه‍. أقول: هذا غير ظاهر، لان ما يخل العقل لا يجوز أيضا بلا شبهة فكيف يقال إنه مباح؟ بل
الصواب أن مراد صاحب الهداية وغيره إباحة قليلة للتداوي ونحوه، ومن صرح بحرمته أراد به القدر
المسكر منه، يدل عليه ما في غاية البيان عن شرح شيخ الاسلام: أكل قليل السقمونيا والبنج مباح
للتداوي، وما زاد على ذلك إذا كان يقتل أو يذهب العقل حرام ا ه‍. فهذا صريح فيما قلناه مؤيد لما

13
سبق بحثناه من تخصيص ما مر من أن ما أسكر كثيره حرم قليله بالمائعات، وهكذا يقول في غيره من
الأشياء الجامدة المضرة في العقل أو غيره: يحرم تناول القدر المضر منها دون القليل النافع، لان حرمتها
ليست لعينها بل لضررها وفي أول طلاق البحر: من غاب عقله بالبنج والأفيون يقع طلاقه إذا
استعمله للهو وإدخال الآفات قصدا لكونه معصية، وإن كان للتداوي فلا لعدمها. كذا في فتح
القدير. وهو صريح في حرمة البنج والأفيون لا للدواء. وفي البزازية: والتعليل ينادي بحرمته لا
للدواء ا ه‍ كلام البحر. وجعل في النهر هذا التفصيل هو الحق.
والحاصل: أن استعمال الكثير المسكر منه حرام مطلقا كما يدل عليه كلام الغاية، وأما القليل:
فإن كان للهو حرم، وإن سكر منه يقع طلاقه لان مبدأ استعماله كان محظورا، وإن كان للتداوي
وحصل منه إسكار فلا، فاغتنم هذا التحرير المفرد.
بقي هنا شئ لم أر من نبه عليه عندنا، وهو أنه إذا اعتاد أكل شئ من الجامدات التي لا يحرم
قليلها ويسكر كثيرها حتى صار يأكل منها القدر المسكر ولا يسكره سواء أسكره في ابتداء الامر أو لا،
فهل يحرم عليه استعماله نظرا إلى أنه يسكر غيره أو إلى أنه قد أسكره قبل اعتياد، أم لا يحرم نظرا إلى
أنه طاهر مباح؟ والعلة في تحريمه الاسكار ولم يوجد بعد الاعتياد وإن كان فعله الذي أسكره قبله
حراما، كمن اعتاد أكل شئ مسموم حتى صار يأكل ما هو قاتل عادة ولا يضره كما بلغنا عن
بعضهم، فليتأمل. نعم صرح الشافعية بأن العبرة لما يغيب العقل بالنظر لغالب الناس بلا عادة. قوله:
(وهي ورق القنب) قال ابن البيطار: ومن القنب الهندي نوع يسمى بالحشيشة يسكر جدا إذا تناول منه
يسيرا قدر درهم، حتى أن من أكثر منه أخرجه إلى حد الرعونة، وقد استعمله قوم فاختلت عقولهم،
وربما قتلت، بل نقل ابن حجر عن بعض العلماء أن في أكل الحشيشة مائة وعشرين مضرة دينية
ودنيوية، ونقل عن ابن تيمية أن من قال بحلها كفر. قال: وأقره أهل مذهبه ا ه‍. وسيأتي مثله عندنا.
قوله: (والأفيون) هو عصارة الخشخاش، يكرب ويسقط الشهوتين إذا تمودي عليه، ويقتل إلى
درهمين، ومتى زاد أكله على أربعة أيام ولاءا اعتاده بحيث يفضي تركه إلى موته لأنه يخرق الأغشية
خروقا لا يسدها غيره، كذا في تذكرة داود. قوله: (لأنه مفسد للعقل) حتى يصير للرجل فيه خلاعة
وفساد، جوهرة. قوله: (وإن سكر) لان الشرع أوجب الحد بالسكر من المشروب لا المأكول. إتقاني.
قوله: (كذا في الجوهرة) الإشارة إلى قوله: ويحرم أكل البنج الخ. قوله: (وكذا تحرم جوزة الطيب) وكذا
العنبر والزعفران كما في الزواجر لابن حجر المكي، وقال: فهذه كلها مسكرة، ومرادهم بالاسكار هنا
تغطية العقل لا مع الشدة المطربة لأنها من خصوصيات المسكر المائع، فلا ينافي أنها تسمى مخدرة، فما
جاء في الوعيد على الخمر يأتي فيها لاشتراكهما في إزالة العقل المقصود للشارع بقاؤه ا ه‍.
أقول: ومثله زهر القطن فإنه قوي التفريح يبلغ الاسكار كما في التذكرة، فهذا كله ونظائره
يحرم استعمال القدر المسكر منه دون القليل كما قدمناه، فافهم. ومثله بل أولى البرش وهو شئ
مركب من البنج والأفيون وغيرهما، ذكر في التذكرة أن إدمانه يفسد البدن والعقل، ويسقط الشهوتين،
ويفسد اللون، وينقص القوى وينهك، وقد وقع به الآن ضرر كثير ا ه‍. قوله: (قاله المصنف) وعبارته:

14
ومثل الحشيشة في الحرمة جوزة الطيب، فقد أفتى كثير من علماء الشافعية بحرمتها، وممن صرح بذلك
منهم ابن حجر نزيل مكة في فتاواه والشيخ كمال الدين بن أبي شريف في رسالة وضعها في ذلك،
وأفتى بحرمتها الأقصراوي من أصحابنا، وقفت على ذلك بخطه الشريف لكن قال: حرمتها دون
حرمة الحشيش، والله أعلم ا ه‍.
أقول: بل سيذكر الشارح حرمتها عن المذاهب الأربعة. قوله: (عن الجامع) أي جامع الفتاوى
قوله: (والحشيشة) عبارة المصنف: وهو الحشيشة. قوله: فهو زنديق مبتدع قال في البحر: وقد اتفق
على وقوع طلاقه: أي آكل الحشيش فتوى مشايخ المذهبين الشافعية والحنفية لفتواهم بحرمته وتأديب
باعته، حتى قالوا: من قال بحله فهو زنديق، كذا في المبتغى بالمعجمة وتبعه المحقق في فتح القدير ا ه‍.
قوله: (بل قال نجم الدين الزاهدي الخ) هذا ذكره المصنف نقلا عن خط بعض الأفاضل. ورده الرملي
بأنه لا التفات إليه ولا تعويل عليه، إذ الكفر بإنكار القطعيات وهو ليس كذلك ا ه‍ ملخصا.
أقول: ويؤيده ما مر متنا من أن الأشربة الأربعة المحرمة حرمتها دون حرمة الخمر فلا يكفر
مستحلها فعلى هذا يشكل أيضا الحكم عليه بأنه زنديق مع أنه أقره في الفتح والبحر وغيرها، والزنديق
يقتل ولا تقبل توبته. لكن رأيت في الزواجر لابن حجر ما نصه: وحكى القرافي وابن تيمية الاجماع
على تحريم الحشيشة. قال: ومن استحلها فقد كفر. قال: وإنما لم يتكلم فيها الأئمة الأربعة لأنها لم
تكن في زمنهم، وإنما ظهر في آخر المائة السادسة وأول المائة السابعة حين ظهرت دولة التتار ا ه‍
بحروفه. فليتأمل. قوله: (والتتن الخ) أقول قد اضطرت آراء العلماء فيه، فبعضهم قال بكراهته،
وبعضهم قال بحرمته، وبعضهم بإباحته، أفردوه بالتأليف، وفي شرح الوهبانية للشرنبلالي:
ويمنع من بيع الدخان وشربه * وشاربه في الصوم لا شك يفطر
وفي شرح العلامة الشيخ إسماعيل النابلسي والد سيدنا عبد الغني على شرح الدرر بعد نقله أن
للزوج منع الزوجة من أكل الثوم والبصل وكل ما ينتن الفم. قال: ومقتضاه المنع من شربها التتن لأنه
ينتن الفم خصوصا إذا كان الزوج لا يشربه أعاذنا الله تعالى منه، وقد أفتى بالمنع من شربه شيخ مشايخنا
المسيري وغيره ا ه‍. وللعلامة الشيخ علي الأجهوري المالكي رسالة في حله نقل فيها أنه أفتى بحله من
يعتمد عليه من أئمة المذاهب الأربعة.
قلت: وألف في حله أيضا سيدنا العارف عبد الغني النابلسي رسالة سماها الصلح بين
الاخوان في إباحة شرب الدخان وتعرض له في كثير من تآليفه الحسان، وأقام الطامة الكبرى على
القائل بالحرمة أو بالكراهة، فإنهما حكمان شرعيان لا بد لهما من دليل ولا دليل على ذلك، فإنه لم
يثبت إسكاره ولا تفتيره ولا إضراره، بل ثبت له منافع، فهو داخل تحت قاعدة الأصل في الأشياء
الإباحة، وأن فرض إضراره للبعض لا يلزم منه تحريمه على كل أحد، فإن العسل يضر بأصحاب
الصفراء الغالبة، وربما أمرضهم مع أنه شفاء بالنص القطعي، وليس الاحتياط في الافتراء على الله

15
تعالى بإثبات الحرمة أو الكراهة اللذين لا بد لهما من دليل، بل في القول بالإباحة التي هي الأصل.
وقد توقف النبي صلى الله عليه وآله مع أنه هو المشرع في تحريم الخمر أم الخبائث حتى نزل عليه النص القطعي،
فالذي ينبغي للانسان إذا سئل عنه سواء كان ممن يتعاطاه أو لا كهذا العبد الضعيف وجميع من في بيته
أن يقول هو مباح، لكن رائحته تستكرهها الطباع، فهو مكروه طبعا لا شرعا إلى آخر ما أطال به رحمه
الله تعالى، وهذا الذي يعطيه كلام الشارح هنا حيث أعقب كلام شيخه النجم بكلام الأشباه وبكلام
شيخه العمادي وإن كان في الدر المنتقى جزم بالحرمة، لكن لا لذاته بل لورود النهي السلطاني عن
استعماله ويأتي الكلام فيه. قوله: (فإنه مفتر) قال في القاموس: فتر جسمه فتورا: لانت مفاصله
وضعف، والفتار كغراب: ابتداء النشوة، وأفتر الشراب: فتر شاربه. قوله: (وهو حرام) مخالف لما نقل
عن الشافعية، فإنهم أوجبوا على الزوج كفايتها منه ا ه‍. أبو السعود. فذكروا أن ما ذهب إليه ابن حجر
ضعيف، والمذهب كراهة التنزيه إلا لعارض. وذكروا أنه إنما يجب للزوجة على الزوج إذا كان لها
اعتياد، ولا يضرها تركه فيكون من قبيل التفكه، أما إذا كانت تتضرر بتركه فيكون من قبيل التداوي
وهو لا يلزمه ط. قوله: (ومع نهي ولي الأمر عنه الخ) قال سيدي العارف عبد الغني: ليت شعري أي
أمر من أمريه يتمسك به أمره الناس بتركه أم أمره بإعطاء المكس عليه، وهو في الحقيقة أمر باستعماله،
على أن المراد من أولي الامر في الآية العلماء في أصح الأقوال، كما ذكره العيني في آخر مسائل شتى
من شرح الكنز، وأيضا هل منع السلاطين الظلمة المصرين على المصادرات وتضييع بيوت المال
وإقرارهم القضاة وغيرهم على الرشوة والظلم يثبت حكما شرعيا وقد قالوا: من قال لسلطان زماننا
عادل كفر ا ه‍ ملخصا.
أقول: مقتضاه أن أمراء زماننا لا يفيد أمرهم الوجوب، وقد صرحوا في متفرقات القضاة عند
قول المتون: أمرك قاض برجم أو قطع أو ضرب قضي فيه وسعك فعله بقولهم لوجول طاعة ولي الأمر
، قال الشارح هناك: ومنعه محمد حتى يعاين الحجة، واستحسنوه في زماننا. وبه يفتى الخ.
وذكر العلامة البيري في أواخر شرحه على الأشباه أن من شروط الإمامة: أن يكون عدلا بالغا أمينا
ورعا ذكرا موثوقا به في الدماء والفروج والأموال، زاهدا متواضعا مسايسا في موضع السياسة. ثم إذا
وقعت البيعة من أهل الحل والعقد من مع صفته ما ذكر صار إماما يفترض إطاعته كما في حزانة الأكمل.
وفي شرح الجواهر: تجب إطاعته فيما أباحه الشرع، وهو ما يعود نفعه على العامة وقد نصوا
في الجهاد على امتثال أمره في غير معصية. وفي التتارخانية، إذا أمر الأمير العسكر بشئ فعصاه واحد
لا يؤدبه في أول وهلة بل ينصحه، فإن عاد بلا عذر أدبه ا ه‍ ملخصا، وأخذ البيري من هذا: أنه لو
أمر بصوم أيام الطاعون ونحوه يجب امتثاله.
أقول: وظاهر عبارة خزانة الفتاوى لزوم إطاعة من استوفى شروط الإمامة، وهذا يؤيد كلام
العارف قدس سره، لكن في حاشية الحموي ما يدل على أن هذه الشروط لرفع الاثم لا لصحة
التولية فراجعه. قوله: (ربما أضر بالبدن) الواقع أنه يختلف بالاختلاف المستعملين ط. قوله: (الأصل

16
الإباحة أو التوقف) المختار الأول عند الجمهور من الحنفية والشافعية كما صرح به المحقق ابن الهمام في
تحرير الأصول. قوله: (فيفهم منه حكم النبات) وهو الإباحة على المختار أو التوقف، وفيه إشارة إلى عدم
تسليم إسكاره وتفتيره وإضراره، وإلا لم يصح إدخاله تحت القاعدة المذكورة ولذا أمر بالتنبه. قوله: (وقد
كرهه شيخنا العمادي في هديته) أقول: ظاهر كلام العمادي أنه مكروه تحريما ويفسق متعاطيه، فإنه
قال في فصل الجماعة: ويكره الاقتداء بالمعروف بأكل الربا أو شئ من المحرمات، أو يداوم الاسرار
على شئ من البدع المكروهات كالدخان المبتدع في هذا الزمان ولا سيما بعد صدور منع السلطان ا ه‍.
ورد عليه سيدنا عبد الغني في شرح الهدية بما حاصله ما قدمناه، فقول الشارح إلحاقا له بالثوم والبصل
فيه نظر، إذ لا يناسب كلام العمادي. نعم إلحاقه بما ذكر هو الانصاف. قال أبو السعود: فتكون
الكراهة تنزيهية، والمكروه تنزيها بجامع الإباحة ا ه‍. وقال ط: ويؤخذ منه كراهة التحريم في المسجد
للنهي الوارد في الثوم والبصل وهو ملحق بهما، والظاهر كراهة تعاطيه حال القراءة لما فيه من الاخلال
بتعظيم كتاب الله تعالى ا ه‍. قوله: (وممن جزم الخ) قد علمت إجماع العلماء على ذلك.
تتمة: لم يتكلم على حكم قهوة البن، وقد حرمها بعضهم ولا وجه له كما في تبيين المحارم
وفتاوى المصنف وحاشية الأشباه للرملي. قال شيخ الشارح النجم الغزي في تاريخه في ترجمة أبي بكر
بن عبد الله الشاذلي المعروف بالعيدروس: إنه أول من اتخذ القهوة لما مر في سياحته بشجر البن فاقتات
من ثمره، فوجد فيه تجفيفا للدماغ واجتلابا للسهر وتنشيطا للعبادة، فاتخذه قوتا وطعاما وأرشد أتباعه
إليه، ثم انتشرت في البلاد، واختلف العلماء في أول القرن العاشر: فحرمها جماعة ترجح عندهم أنها
مضرة آخرهم بالشام والد شيخنا العيتاوي والقطب بن سلطان الحنفي وبمصر أحمد بن أحمد بن عبد
الحق السنباطي تبعا لأبيه، والأكثرون إلى أنها مباحة، وانعقد الاجماع بعدهم على ذلك، وأما ما ينضم
إليها من المحرمات فلا شبهة في تحريمه ا ه‍ ملخصا.
خاتمة: سئل ابن حجر المكي عمن ابتلى بأكل نحو الأفيون وصار إن لم يأكل منه هلك. فأجاب:
إن علم ذلك قطعا حل له، بل وجب لاضطراره إلى إبقاء روحه كالميتة لمضطر، ويجب عليه التدريج
في تنقيصه شيئا فشيئا حتى يزول تولع المعدة به من غير أن تشعر، فإن ترك ذلك فهو آثم فاسق ا ه‍
ملخصا. قال الرملي: وقواعدنا لا تخالفه.
فرع: قدمنا في الحظر والإباحة عن التتارخانية أنه لا بأس بشرب ما يذهب بالعقل لقطع نحو
أكله.
أقول: ينبغي تقييده بغير الخمر، وظاهره أنه لا يتقيد بنحو بنج من غير المائع، وقيده به
الشافعية، والله تعالى أعلم.

17
كتاب الصيد
مصدر صاده: إذا أخذه فهو صائد وذاك مصيد، ويسمى المصيد صيدا فيجمع صيودا، وهو كل
ممتنع متوحش طبعا لا يمكن أخذه إلا بحيلة. مغرب، فخرج بالممتنع مثل الدجاج والبط، إذ المراد منه
أن يكون له قوائم أو جناحان يملك عليهما ويقدر على الفرار من جهتهما، وبالمتوحش مثل الحمام،
إذا معناه أن لا يألف الناس ليلا ونهارا، وبطبعا ما يتوحش من الأهليات فإنها لا تحل بالاصطياد وتحل
بذكاة الضرورة ودخل به متوحش بألف كالظبي لا يمكن أخذه إلا بحيلة، وتمامه في القهستاني: أي
فالظبي وإن كان مما يألف بعد الاخذ إلا أنه صيد قبله يحل بالاصطياد، ودخل فيه ما لا يؤكل كما يأتي.
قوله: (مما يورث السرور) وقيل: الغفلة واللهو، لحديث: من اتبع الصيد فقد غفل وفي السعدية:
ولأن الصيد من الأطعمة ومناسبتها للأشربة غير خفية، وكل منها فيه ما هو حلال وحرام. قوله:
(بخمسة عشر شوطا) خمسة في الصائد: وهو أن يكون من أهل الذكاة، وأن يوجد منه الارسال، وأن
لا يشاركه في الارسال من لا يحل صيده، وأن لا يترك التسمية عامدا، وأن لا يشتغل بين الارسال
والاخذ بعمل آخر، وخمسة في الكلب: أن يكون معلما، وأن يذهب على سنن الارسال، وأن لا
يشاركه في الاخذ ما لا يحل صيده، وأن يقتله جرحا، وأن لا يأكل منه، وخمسة في الصيد: أن لا
يكون من الحشرات، وأن لا يكون من بنات الماء إلا السمك، وأن يمنع نفسه بجناحيه أو قوائمه، وأن
لا يكون متقويا بنابه أو بمخلبه، وأن يموت بهذا قبل أن يصل إلى ذبحه ا ه‍. وفيه بحث مذكور مع
جوابه في المنح، ومجموع هذه الشروط لما يحل الله ولم يدركه حيا. قوله: (في غير الحرام) الأولى أن
يقول: أو في الحرم ليشمل الصور الثلاث وهي: صيد المحرم في الحل أو الحرم أو الحلال في الحرم.
قوله: (كما هو ظاهر) لان مطلق اللهو منهي عنه إلا في ثلاث كما مر في الحظر. قوله: (على ما في
الأشباه) أي أخذا مما في البزازية من أنه مباح إلا للتلهي أو حرفه. وفي مجمع الفتاوى: ويكره
للتلهي، وأن يتخذ خمرا، وأقره في الشرنبلالية. قوله: (لأنه نوع من الاكتساب) وبذلك استدل في
الهداية على إباحة الاصطياد بعد استدلاله عليه بالكتاب والسنة والاجماع، وأقره الشراح. قوله: (وكل
أنواع الكسب الخ) أي أنواعه المباحة، بخلاف الكسب بالربا والعقود الفاسدة ونحو ذلك. قوله: (على
المذهب الصحيح) قال بعده في التتارخانية، وبعض الفقهاء قالوا: الزراعة مذمومة، والصحيح ما
ذهب إليه جمهور الفقهاء، ثم اختلفوا في التجارة والزراعة أيهما أفضل. وأكثر مشايخنا على أن الزراعة
أفضل ا ه‍. وفي الملتقى والمواهب: أفضله الجهاد، ثم التجارة، ثم الحراثة، ثم الصناعة ا ه‍.
أقول: فالمراد من قولهم كل أنواع الكسب في الإباحة سواء أنها بعد إن لم تكن بطريق محظور لا
يذم بعضها وإن كان بعضها أفضل من بعض. تأمل.
ثم إن كل نوع منها تارة يتخذه الانسان حرفة ومعاشا، وتارة يفعله وقت الحاجة في بعض

18
الأحيان، وحيث كان الاصطياد نوعا منها دل على إباحة اتخذاه حرفة ولا سيما مع إطلاق الأدلة،
وعبارات المتون: والكراهة لا بد لها من دليل خاص، وما قيل إن فيه إزهاق الروح وهو يورث قسوة
القلب لا يدل على الكراهة، بل غايته أن غيره كالتجارة والحراثة أفضل منه.
وفي التتارخانية قال أبو يوسف: إذ طلب الصيد لهوا ولعبا فلا خير فيه وأكرهه، وإن طلب منه
ما يحتاج إليه من بيع أو إدام حاجة أخرى فلا بأس به ا ه‍. قوله: (تعقل) بتقديم العين المهملة على القاف
أي علق ونشب. قال في المغرب: وهو مصنوع غير مسموع. قوله: (وإن وجد المقلش) بالقاف: وهو
الذي يفتش المزابل بيده أو بالغربال ليستخرج ما فيها من النقود وغيرها، والظاهر أنه لفظ عامي غير
عربي، فلتراجع كتب اللغة، ولا مناسبة لهذه المسألة بباب الصيد، ومحلها كتاب اللقطة. حموي
ملخصا. ووجد في بعض نسخ المنح المفتش. قوله: (بضرب أهل الاسلام) أما المضروب بضرب
الجاهلية فهو ركاز يخمس، وتقدم أنه إذا اشتبه الضرب بجعل جاهليا ط. قوله: (ويجب تعريفه) إلى أن
يعلم أنه لا يطلبه ثم يتصدق به أو ينفقه على نفسه إن كان مصرفا ط. قوله: (ناقل) أي من مالك إلى
مالك، وقوله: وخلافة أي ذو خلافة، وكذا يقال فيما بعده ط. قوله: (وهو الاستيلاء حقيقة) شمل
إحياء الموات فلا حاجة إلى عده قسما رابعا كما فعل الحموي. قوله: (كنصب شبكة لصيد لا لجفاف)
تبع فيه صاحب الأشباه، والأولى حذف. قوله: لصيد ليشمل ما إذا لم يقصد شيئا، لما في التتارخانية
والظهيرية: الاستيلاء الحكمي باستعمال ما هو موضع للاصطياد، حتى أن من نصب شبكة فتعقل بها
صيد ملكه قصد بها الاصطياد أو لا، فلو نصبها للتجفيف لا يملكه، وإن نصب فسطاطا إن قصد
الصيد يملكه، وإلا فلا لأنه غير موضوع للصيد، ا ه‍ ملخصا. فتأمل. قوله: (على المباح) متعلق
بالاستيلاء. قوله: (عن مالك) أي ملك مالك. قوله: (على حطب غيره) أي بأن جمعه غيره. قوله: (ولم
يحل الخ) لأنه لم يخل عن ملك مالك. قوله: (وتمام التفريع) أي على السبب الثالث في المطولات، منها
ما في التتارخانية وغيرها عن المنتقى بالنون: دخل صيد داره فلما رآه أغلق عليه الباب وصار بحال
يقدر على أخذه بلا اصطياده بشبكة أو سهم ملكه، وإن أغلق ولم يعلم به لا يملكه. ولو نصب حبالة
فوقع فيها صيد فقطعها وانفلت فأخذه آخر ملكه، ولو جاء صاحب الحبالة ليأخذه ودنا منه بحيث
يقدر على أخذه فانفلت لا يملكه الآخذ. وكذا لو انفلت من الشبكة في الماء قبل الاخراج فأخذه غيره
ملكه، لا لو رمى به خارج الماء في موضع يقدر على أخذه فوقع في الماء ا ه‍ ملخصا. وفي بعض
النسخ وتمام التعريف، وهو غير مناسب كما لا يخفى، قوله: (تقدما في الذبائح) يشير إلى أن المراد به
ما تقدم، وهو سبع له ناب أو مخلب يصيد به احترازا عن نحو البعير والحمامة. قال القهستاني: وفيه

19
إشعار بأن ما لا ناب له ولا مخلب لم يحل صيده بلا ذبح لأنه لم يجرح كما في الكرماني. قوله: (وباز)
في الصحاح: الباز لغة في البازي الذي يصيد والجمع أبواز وبيزان وجمع البازي بزاة، فالأول أجوف،
والثاني ناقص، فظهر منه لحن قول بعض الفقهاء: البازي بتشديد الياء وتخفيها. كذا في غرر الأفكار:
أي حيث جوزوا فيه التشديد مع أنه لم يسمع. قوله: (بدب وأسد) ذكر في النهاية الذئب بدل الدب،
وكذا في المحيط. شرنبلالية، وذكر في الاختيار الثلاثة. قوله: (لعدم قابليتهما التعليم) حتى لو تصور
التعليم منهما وعرف ذلك جاز. شرنبلالية عن النهاية. قوله: (وعليه الخ) هو بحث للمصنف: أي على
أن العلة هي نجاسة عينه كما في الهداية. قوله: (فلا يجوز) الفاء فصيحة: أي وإذا بنينا عدم الجواز في
الخنزير على نجاسة عينه فلا يجوز بالكلب بناء على القول بنجاسة عينه أيضا. وذكر في المعراج عن
النخعي والحسن البصري وغيرهما أنه لا يجوز بالكلب الأسود البهيم. لأنه عليه الصلاة والسلام قال:
(هو شيطان) وأمر بقتله، وما وجب قتله حرم اقتناؤه وتعليمه فلم يبح صيده كغير المعلم. ولنا عموم
الآية والاخبار ا ه‍. قوله: (وإن النص ورد فيه) وهو قوله عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم: إذا
أرسلت كلبك فاذكر اسم الله تعالى، فإن أمسك عليك فأدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ
الكلب ذكاة رواه البخاري ومسلم وأحمد. قوله: (وبه يندفع قول القهستاني) حيث قال: يحل صيد كل
ذي ناب، كالكلب والفهد والنمر والأسد وابن عرس والدب والخنزير وغيرها بشرط العلم. وعن أبي
يوسف أنه يستثنى منه الخنزير لكنه نجس العين، والأسد والدب لأنهما لا يعملان للغير. وقد يلحق
الحدأة بالدب. مضمرات. وفي ظاهر الرواية الشرط قبول التعليم. وما قال السغناقي: إن الأسد
والدب لا يتصور فيهما التعليم، فقد صرح بخلافه في البيع والخنزير عند الامام ليس بنجس العين على
ما في التجريد وغيره، على أن الكلب نجس العين عند بعضهم، وقد حل بالاتفاق ا ه‍ ملخصا.
وحاصله: البحث في استثناء الخنزير والأسد والدب. وفي التعليل: لان الشرط في ظاهر
الرواية قبول التعليم فيحل بكل معلم ولو خنزيرا، وكونه نجس العين لا يمنع بدليل أن الكلب كذلك
عند بعضهم مع أنه لم يقل أحد بعدم حل صيده، ووجه الدفع الذي أفاده الشارح الفاصل أن النص
ورد في الكلب، وإن قيل بنجاسة عينه فلا يلحق به الخنزير.
والحاصل: أن هذا الجواب دفع به الشارح شيئين: الأول: ما بحثه المصنف من إلحاق الكلب
بالخنزير في عدم الصيد بناء على القول بنجاسة عين الكلب. والثاني: ما بحثه القهستاني من إلحاق
الخنزير بالكلب في حل الصيد.
ووجه الأول أن الكلب وإن قيل بنجاسة عينه، لكن لما ورد النص فيه بخصوصه وجب اتباعه.
ووجه الثاني أن الخنزير وإن دخل ظاهرا في عموم قوله تعالى: * (وما علمتم من الجوارح) * (المائدة: 4)

20
لكنه مستثنى لحرمة الانتفاع بنجس العين، وما ورد به نص بخصوصه حتى يتبع بل أمرنا باجتنابه فلا
يصح قياسه على الكلب المنصوص عليه، ولذا جزم باستثنائه المصنف كالهداية والتبيين والبدائع
والاختيار، هذا تقرير كلام الشارح الفاضل، وقد خفي على غير واحد ونسبه بعضهم للغفلة وهو
برئ عنها ولله تعالى دره. نعم فاته الجواب عن قول القهستاني: والخنزير ليس بنجس العين، لكن
تركه لظهور أن المذهب خلافه، والتعليل بنجاسة عينه مبني على ما هو المذهب. تأمل. قوله: (بشرط
علمهما) بدليل الحديث المار، وقوله تعالى: * (مكلبين) * أي معلمين الاصطياد * (تعلمونهن) * (المائدة: 4)
تؤدبوهن. وتمامه في الزيلعي. والمناسب الاتيان بالواو عطفا على قوله بشرط التعليم، ثم إن هذا
الشرط مغن عن ذاك. قوله: (وذا) أي العلم، والباء في بترك للتصوير ط. قوله: (بترك الاكل
ثلاثا) أي متواليات. قهستاني. وهذا عندهما، وهو رواية عنه لان فيما دونه مزيد الاحتمال، فلعله
تركه مرة أو مرتين شبعا، فإذا تركه ثلاثا دل على أنه صار عادة. وتمامه في الهداية.
ونقل ط عن الحموي: أنه لا بد من ترك الاكل مع الجوع لا الشبع فتأمل. وعم أكله من الجلد
والعظم والجناح والظفر وغيرها كما في قاضيخان وغيره. قهستاني، وعند أبي حنيفة: لا بد أن يغلب
على ظن الصائد وأنه معلم ولا يقدر بالثلاث. ومشى في الكنز والنقاية والاصطلاح ومختصر القدوري
على اعتبار التقدير بالثلاث، وظاهر الملتقى ترجيح عدمه. ثم على رواية التقدير عن الامام يحل ما
اصطاده ثالثا، وعندهما في حل الثالث روايتان. قال في الخلاصة والبزازية: والأصح الحل. قوله:
(في الكلب ونحوه) أي من كل ذي ناب فشمل نحو الفهد والتمر، وقوله: بالرجوع إذا دعوته في
البازي ونحوه أي من كل ذي مخلب. قال في الهداية لان بدن البازي لا يحتمل الضرب وبدن
الكلب يحتمل فيضرب ليتركه، ولأن آية التعليم ترك ما هو مألوفه عادة والبازي متوحش متنفر فكانت
الإجابة آية تعليمه.
أما الكلب فهو ألوف يعتاد الانتهاب، فكان آية تعليمه ترك مألوفه وهو الاكل والاستلاب ا ه‍.
والتعليل الثاني لا يتأتى في الفهد والنمر فإنه متوحش كالبازي مع أن الحكم فيه وفي الكلب سواء،
فالمعتمد هو الأول كفاية عن المبسوط، ونحوه في العناية والمعراج. وفي التتارخانية عن الكافي:
والحكم في الفهد والكلب سواء ا ه‍. أي: لا يشترط فيه إلا ترك الاكل. وفي الاختيار ما يخالفه حيث
قال: والفهد ونحوه يحتمل الضرب، وعادته الافتراس والنفار فيشترط فيه ترك الاكل والإجابة جميعا،
ومثله في الدر وغاية البيان وغيرهما، وهو مبني على اعتبار التعليل الثاني.
أقول: ومقتضى اعتماد التعليل الأول ترجيح ما مر، فتدبر.
تنبيه: لم يذكر البازي بكم إجابة يصير معلما، فينبغي أن يكون على الاختلاف الذي ذكر في
الكلب ولو قيل: يصير معلما بإجابة واحدة كان له وجه لان الخوف ينفره، بخلاف الكلب. زيلعي.
قلت: وفي التتارخانية والذخيرة وغيرهما: إذا فر البازي من صاحبه فدعاه فلم يجبه حتى حكم
بكونه جاهلا إذا أجاب ثلاث مرات بعد ذلك على الولاء يحكم بتعلمه عندهما. وقال قبله عن
المحيط: وأما البازي وما بمعناه فترك الاكل في حقه ليس علامة تعلمه بل أن يجيب صاحبه إذا دعاه،

21
حتى إذا أكل من الصيد يؤكل صيده. قال بعض مشايخنا: هذا إذا أجاب عند الدعوة لإلفه به من غير
أن يطمع في اللحم أما إذا كان لا يجيب إلا لطمع في اللحم لا يكون معلما ا ه‍. ومثله في الظهيرية.
قوله: (إذا دعوته) أي دعوت الجارح المعلوم من المقام. قوله: (وبشرط جرحهما) أي ذي ناب
والمخلب. قوله: (على الظاهر) أي ظاهر الرواية في البدائع الاصطياد بذي ناب أو مخلب كالبازي
والشاهين لا يحل ما لم يجرح في ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف يحل. زاد في العناية
والمعراج وغيرهما: والفتوى على ظاهر الرواية.
أقول: وهو ظاهر إطلاق ما في المتون. فما في القهستاني عن النظم من أن البازي والصقر: لو
قتلاه خنقا حل بالاتفاق مشكل، وما في الخانية من قوله: ولو أرسل الكلب فأصاب الصيد وكسر
عنقه ولم يجرحه أو جثم عليه: أي جلس على صدره وخنقه لا يؤكل، وعن أبي يوسف: لا يشترط
الجرح، والبازي إذا قتل الصيد حل وإن لم يجرح ا ه‍. قال بعضهم: وهو على خلاف ظاهر الرواية.
أقول: يؤيده أنه ذكر بعد قوله عن أبي يوسف، فما في القهستاني من حمله كلام الخانية على ما
في النظم ورده قوله ذلك البعض فيه نظر، لما علمت من مخالفة ما في النظم لظاهر الرواية المفتى به.
تأمل. وذكر القهستاني أن الادماء ليس بشرط، ومنهم من شرطه إن كانت الجراحة صغيرة، وفيه كلام
سيأتي. قوله: (وبشرط إرسال مسلم أو كتابي) سيأتي محترزه وهو المجوسي والوثني والمرتد، فلو انفلت
من صاحبه فأخذ صيدا فقتله لم يؤكل كما لو لم يعلم بأنه أرسله أحد لأنه لم يقطع بوجود الشرط.
قهستاني وسيأتي. قوله: (وبشرط التسمية) أي ممن يعقل، بخلاف غيره من صبي أو مجنون أو سكران
كما في البدائع. قوله: (عند الارسال) فالشرط اقتران التسمية به، فلو تركها عمدا عند الارسال ثم
زجره معها فانزجر لم يؤكل صيده. قهستاني. فلا تعتبر التسمية وقت الإصابة في الذكاة الاضطرارية،
بخلاف الاختيارية، لان التسمية تقع فيها على المذبوح لا على الآلة، فلو أضجع شاة وسمى ثم أرسلها
وذبح أخرى بالتسمية الأولى لم تجزه، ولو رمى صيدا أو أرسل عليه كلبا فأصاب آخر فقتله أكل، ولو
أضجع شاة وسمى ثم ألقى السكين وأخذ سكينا أخرى فذبح بها تؤكل، بخلاف ما لو سمى على سهم
ثم رمى بغيره. وتمامه في البدائع. قوله: (ولو حكما) راجع إلى التسمية وقصد به إدخال الناسي في
حكم المسمى ط. قوله: (على حيوان ولو غير معين،. فلو أرسل على صيد وأخذ صيودا أكل لكل ما
دام في وجه الارسال. قهستاني عن الخانية. وكذا لو أرسله على صيود كثيرة كما يأتي، وقد أشار
المصنف إلى ما في البدائع أن من الشروط من أن يكون الارسال أو الرمي على الصيد أو إليه. قال:
حتى لو أرسل على غير صيد أو رمى إلى غير صيد فأصاب صيدا لا يحل لأنه لا يكون اصطيادا فلا
يضاف إلى المرسل أو الرمي ا ه‍. وسيأتي تمام التفريع عليه في قول المصنف (سمع حس إنسان الخ)،
وعليه فالظرف تنازعه كل من التسمية والارسال، فتدبر. قوله: (متوحش) أي طبعا كما قدمناه أول
الكتاب.

22
وفي البزازية رمى إلى برج الحمام فأصاب حماما ومات قبل أن يدركه ذكاته لا يحل، وللمشايخ
فيه كلام أنه هل يحل بذكاة الاضطرار أم لا؟ قيل: يباح لان صيد، وقيل: لا لأنه يأوي إلى البرج في
الليل ا ه‍. قوله: (فالذي الخ) محترز القيود. قوله: (لا يتحقق فيه الحكم المذكور) أي الحل
بالاصطياد، فإن الأول والثالث ذكاتهما الذبح، وكذا الثاني إن أمكن ذبحه، وإلا ففي البدائع: ما وقع
في بئر فلم يقدر على إخراجه ولا ذبحه فذكاة الصيد لكونه في معناه ا ه‍. وكذا تقدم في الذبائح أنه
يكفي فيه الجرح كنعم توحش. إلا أن يقال: إن الكلام الآن في الصيد بذي ناب أو مخلب وذا لا
يمكن هنا وإن أمكن ذكاته بسهم ونحوه. تأمل. قوله: (ولذا قال الخ) يعني أن ما ذكر لا يحل
بالاصطياد بل لا بد فيه من الذبح، لان المراد بالصيد ما يؤكل أو أعم للانتفاع بجلده، ولا يحل شئ
مما ذكر بالاصطياد لا للاكل ولا للانتفاع بجلده، لان حل اللحم أو الجلد بالاصطياد إنما هو إذا لم
تمكن الذكاة الاختيارية، وما ذكر أمكنت فيه لخروجه عن الامتناع أو التوحش، فافهم. قوله: (وبشرط
ألا يشرك الخ) أي لا يشركه في الجرح.
وحاصل في الهداية والزيلعي وغيرهما: أنه إما أن يشارك المعلم غير المعلم في الاخذ والجرح
فلا يحل، أو في الاخذ فقط بأن فر من الأول فرده الثاني ولم يجرحه ومات بجرح الأول كره أكله
تحريما في الصحيح، وقيل: تنزيها، بخلاف ما إذا رده عليه مجوسي بنفسه حيث لا يكره، لان فعل
المجوسي ليس من جنس فعل الكلب فلم تتحقق المشاركة، بخلاف فعل الكلبين، ولو لم يرده الثاني
على الأول، لكن اشتد على الأول فاشتد الأول على الصيد بسببه فقتله الأول فلا بأس به، ولو رده
عليه سبع أو ذو مخلب من الطير مما يمكن تعليمه والاصطياد به فهو كما لو رده الكلب عليه
للمجانسة، بخلاف ما لو رده عليه ما لا يصطاد به كالجمل والبقر ثم البازي كالكلب في جميع ما
ذكرنا. قوله: (أو لم يرسل الخ) العطف على غير معلم، فكان ينبغي ذكره قبل قوله (وكلب مجوسي)
تأمل. قوله: (وبشرط أن لا تطول وقفته) أي وقفة المعلم للاستراحة، ولو أكل خبزا بعد الارسال أو
بال لم يؤكل كما في المحيط، فالأولى أن يقول: أن لا يشتغل بعمل آخر بعد الارسال كما في النظم
وغيره، لان عدم الطول أمر غير مضبوط. قهستاني. ولو عدل عن الصيد يمنة أو يسرة أو تشاغل في
غير طلب الصيد وفتر عن سننه ثم أتبعه فأخذه لم يؤكل إلا بإرسال مستأنف أو أن يزجره صاحبه
ويسمى فيما يحتمل الزجر فينزجر. بدائع. وإذا رد السهم ريح إلى ورائه أو يمنة أو يسرة فأصاب صيدا
لا يحل، وكذا لو رده حائطا أو شجرة. وتمامه في الخانية. قوله: (بخلاف ما إذا كمن) على وزن نصر
وسمع كما في القاموس، وقوله: واستخفى عطف وتفسير، وهذا كالاستثناء مما قبله. قوله: (كما
بسطه المصنف) ونصه: قال شمس الأئمة السرخسي ناقلا عن شيخه شمس الأئمة الحلواني رحمه الله
تعالى: للفهد خصال ينبغي لكل عاقل أن يأخذ ذلك منه.

23
منها: أنه يكمن للصيد حتى يتمكن منه، وهذه حيلة منه للصيد فينبغي للعاقل أن لا يجاهر
عدوه بالخلاف ولكن بطلب الفرصة حتى يحصل مقصوده من غير إتعاب نفسه، ومنها: أنه لا يتعلم
بالضرب ولكن يضرب الكلب بين يديه إذا أكل من الصيد فيتعلم بذلك، وهكذا ينبغي للعاقل أن يتعظ
بغيره كما قيل: السعيد من وعظ بغيره، ومنها: أنه لا يتناول الخبيث وإنما يطلب من صاحبه اللحم
الطيب، وهكذا ينبغي للعاقل أن لا يتناول إلا الطيب، ومنها: أنه يثب ثلاثا أو خمسا فإذا لم يتمكن من
أخذه ترك ويقول لا أقتل نفسي فيما أعمل لغيري، وهكذا ينبغي لكل عاقل. قوله: (فإن أكل الخ)
تفريع على قوله بشرط علمهما الخ. قوله: (مطلقا عندنا) أي سواء كان نادرا أو معتادا. وللشافعي
قولان فيما إذا كان نادرا: ففي قول يحرم، وفي قول يحل وبه قال مالك. وتمامه في المنح. قوله: (بعد
تركه للاكل) اللام للتقوية وهي الداخلة على معمول عامل ضعف بالتأخير أو فرعيته عن غيره نحو
* (لربهم يرهبون) * (الأعراف: 451). * (فعال لما يريد) * (البروج: 61). قوله: (ثلاث مرات) أي عندهما
برأي الصائد عنده ط. قوله: (ما صاد بعده) أي بعد الاكل المذكور الذي هو بعد تركه له ثلاث
مرات وكذا الضمير في قبله. قوله: (لو بقي في ملكه) قيد لقوله أو قبله، وشمل ما لم يحرز بأن كان
في المفازة بعد والحرمة فيه بالاتفاق أو أحرزه في بيته عند أبي حنيفة، وعندهما لا يحرم وتمامه في
الزيلعي.
والحاصل: أن الامام حكم بجهل الكلب مستندا وهميا بالاقتصار على ما أكل، والأول أقرب إلى
الاحتياط. عناية. وهو الصحيح. قهستاني عن الزاد. قوله: (فإن ما أتلفه) أي بالاكل ونحوه، وهذا
مفهوم قوله (لو بقي في ملكه).
وفي التتارخانية: وإما ما باعه فلا شك أن على قولهما لا ينقض البيع، فأما على قوله: فينبغي أن
ينقض إذا تصادق مع المشتري على جهل الكلب. قوله: (وفيه إشكال ذكره القهستاني) حيث قال: وها
هنا إشكال فإن الحكم بالشئ لا يقتضي الوجود، ألا ترى أنا نحكم بحرية الأمة الميتة عند دعوى
الولد حريتها ا ه‍.
وصورتها فيما ظهر لي: أن امرأة ولدت بنكاح فادعى رجل بعد موتها أنها أمته زوجها من أب
الولد فأثبت الولد حريتها تثبت ويندفع عنه الرق. تأمل. وعليه فلا يظهر ما أجاب به بعض الفضلاء
من أن الحكم عليها بالحرية إنما سرى إليها بواسطة الولد لأنه الأصل في دعوى النسب فيعتق فتتبعه أم
الولد، وكم من شئ يثبت ضمنا لا قصدا ا ه‍ ملخصا.
نعم يظهر ذلك فيما لو ادعى المولى أنه ابنه من أمته الميتة. تأمل. وقد يجاب عن الاشكال بأنه لا
ثمرة تترتب على ثبوت الحرمة، وما قيل الثمرة بطلان البيع لو باعه والرجوع بالثمن لأنه ميتة أو لزوم
التوبة، ففيه أن الكلام في الفائت بنحو الاكل، ومسألة البيع خلافية كما مر وهذه وفاقية، ولم يكن

24
الاكل معصية قبل العلم بذلك حتى تلزم التوبة. تأمل. قوله: (كصقر فر من صاحبه) بأن صار لا
يجيب إذا دعاه كما يفيده التعليل. قوله: (فيكون كالكلب إذا أكل) فلا يحل صيده حتى يتعلم ثانيا بأن
يجيب صاحبه ثلاث مرات على الولاء كما قدمناه عن التتارخانية. قوله: (أكل ما بقي) لأنه بعد
الاحراز لم يبق صيدا، بخلاف ما قبله لبقاء جهة الصيدية فيه. أفاده الزيلعي. قوله: (لأنه من غاية
علمه) حيث شرب ما لا يصلح لصاحبه وأمسك عليه ما يصلح له. زيلعي. قوله: (ولو نهش) بالشين
المعجمة أو السين المهملة بمعنى واحد: وهو أخذ اللحم بمقدم الأسنان. قوله: (وإذا أدرك المرسل)
أي مرسل الكلب أو البازي، وقوله: أو الزامي أي رامي سهم ونحوه، وكان ينبغي إسقاط هذا كله
لأنه سيذكره مبسوطا. قوله: (وشرط الخ) شروع في أحكام الآلة الثانية من التي الاصطياد، لأنها إما
حيوانية أو جمادية. قوله: (التسمية) أي عند الرمي كما قدمناه. قوله:
(ولو حكما) كالناسي. قوله: (وشرط الجرح) فلو دقه السهم لو يؤكل لفقد الذكاة، وفي خروج الدم الخلاف السابق. أفاده القهستاني ط.
قوله: (ليتحقق معنى الذكاة) أي التطهير بإخراج الدم الذي أقيم الجرح مقامه ط. قوله: (وشرط
أن لا يعقد) أي المرسل أو الرامي الصيد أو من يقوم مقامه. بدائع: أي كخادمة أو رفيقة. قوله:
(متحاملا) التحامل في المشي: أن يتكلفه على مشقة وإعياء، ومنه تحامل الصيد: أي تكلف الطيران.
مغرب. وفائدة ذكره أنه لو غاب وتوارى بدونه فوجده ميتا لا يحل ما لم يعلم جرحه يقينا. معراج.
قوله: (يحل) أي إلا إذا وجد به جراحة سوى جراحة سهمه فلا يحل. هداية. وتمامه في الزيلعي.
قوله: (لاحتمال موته بسبب آخر) هذا الاحتمال موجود أيضا فيما إذا لم يقعد عن طلبه لكنه سقط
للضرورة كما في الهداية، ومفاده كظاهر المتن أنه لا يشترط أن لا يتوارى عن بصره. قوله: (وفيه
كلام مبسوط في الزيلعي) حيث ذكر أولا عبارة الخانية، وذكر أنها نص على اشتراطه وأن صاحب
الهداية أشار إلى ذلك أيضا مع أنه مناقض لأول كلامه، حيث بني الامر على الطلب وعدمه لا على
التواري وعدمه، وعليه أكثر كتب أصحابنا لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي ثعلبة: إذا رميت سهمك

25
فغاب ثلاثة أيام وأدركته فكله ما لم ينتن رواه مسلم وأحمد وأبو داود. وروى: أنه عليه الصلاة
والسلام كره الصيد إذا غاب عن الرامي وقال: لعل هوام الأرض قتلته فيحمل هذا الحديث على
ما إذا قعد عن طلبه والأول على ما إذ لم يقعد ا ه‍ ملخصا.
وأقول: نص عبارة الخانية هكذا: والسابع أن لا يتوارى عن بصره أو لا يقعد عن طلبه فيكون
في طلبه ولا يشتغل بعمل آخر حتى يجده، لأنه إذا غاب عن بصره ربما يكون موت الصيد بسبب آخر
فلا يحل الخ. فأنت ترى كيف جعل الشرط أحد الامرين: إما عدم التواري، أو عدم القعود لتعبيره
بأو، فلعل نسخة الزيلعي بالواو فقال ما قال. وأما التعليل بقوله لأنه إذا غاب الخ: أي مع القعود
عن طلبه بدليل قوله في الخانية بعده: وإذا توارى الكلب والصيد عن المرسل أو رمى إلى صيد فوجده
بعد ذلك ميتا وفيه سهمه ليس فيه جرح آخر حل أكله إذا لم يترك الطلب، لأنه لا يستطاع الامتناع عن
التواري عن البصر فيكون عفوا ا ه‍، ونحوه في الهداية فيتعين حمل ما أوهم خلافه عليه.
وفي البدائع: ومنها أن يلحقه قبل التواري عن بصره أو قبل انقطاع الطلب، فإن توارى عنه
وقعد عن طلبه لم يؤكل، أما إذا لم يتوار عنه أو توارى ولم يقعد عن طلبه أكل استحسانا ا ه‍. وهذا
يعين أن نسخة الخانية بأو لا بالواو، فاغتنم هذا التحرير.
تنبيه: فيما ذكر إشعار بأن مدة الطلب غير مقدرة، وقد قال أبو حنيفة: إنها مقدرة بنصف يوم أو
ليلة، فإن طلبه أكثر منه لم يأكل، وفي الزيادات: إن طلبه أقل من يوم أكل كما في المضمرات.
قهستاني.
فروع: في شرح المقدسي: رمى طيرا فوقع في الماء وكان لو دخله بخفه أدركه فاشتغل بنزعه
فوجده ميتا حرمه بديع الدين. وقال غيره: يحل لان دخوله مع الخف أضاعه مال وخلاف العادة فصار
كنزع الثياب. قال السائحاني: هذا إذا كان فيه حياة غير المذبوح وإلا فلا تعتبر. ولو نصب شبكة
أحبولة وسمى ووقع بها صيد ومات مجروحا لا يحل، ولو كان بها آلة جارحة كمنجل وسمى عليه
وجرحه حل عندنا، كما لو رماه بها. وفي البزازية: وضع منجلا في الصحراء لصيد حمار الوحش
فجاءه فإذا هو متعلق به وهو ميت وكان سمى عند الوضع لا يحل. قال المقدسي: وهذا محمول على ما
إذا قعد عن طلبه ا ه‍. وفيه كلام قدمناه في الذبائح. قوله: (والحياة المعتبرة هنا) أي في الصيد احترازا
عما يأتي من المتردية ونحوها. قوله: (فوق ذكاة المذبوح) صوابه حياة المذبوح كما عبر في الملتقى.
قوله: (بأن يعيش يوما الخ) أقول: ذكر صاحب المجمع ذلك في المنخنقة ونحوها. وعبارته مع
شرحه: لو ذكى المنخنقة أو الموقوذة وبها حياة حلت في ظاهر الرواية، وكونها بحيث تبقى يوما شرط
في رواية عن أبي حنيفة، ويعتبر أبو يوسف أكثر اليوم. وقال محمد: لو فيها أكثر مما في المذبوح تؤكل
وإلا فلا اه‍. قال في البدائع: ذكر الطحاوي قول محمد مفسرا فقال: على قول محمد إن لم يبق معها
إلا اضطراب الموت فذبحها لا تحل، وإن كانت تعيش مدة كاليوم أو كنصفه حلت ا ه‍. وبه يظهر
تفسير حياة المذبوح وما فوقها. أما ما في المجمع فليس تفسيرا لها، تأمل. على أن ما نقله عن أبي
يوسف هو رواية عنه كما في البدائع. وذكر أن ظاهر الرواية عن أبي يوسف أنه يعتبر من الحياة ما

26
يعلم أنها تعيش به، فإن علم أنها لا تعيش فذبحها لا تؤكل. قوله: (أما مقدارها) أي مقدار حياة
المذبوح. قوله: (فلا يعتبرها هنا) أي في الصيد. قال في الهداية أما إذا شق الكلب بطنه وأخرج ما
فيه ثم وقع في يد صاحبه حل، لان ما بقي اضطراب المذبوح فلا يعتبر، كما إذا وقعت شاة في الماء
بعد ما ذبحت ا ه‍.
وفي الخانية: أرسل كلبه المعلم على صيد فجرحه وبقي فيه من الحياة ما يبقى في المذبوح بعد
الذبح فأخذه المالك ولم يذكه حل أكله ا ه‍. زاد في الظهيرية: يحل بالاتفاق لان الأول وقع ذكاة
فيستغني عن ذكاة أخرى ا ه‍.
وحاصله: أن ما فيه حياة المذبوح لم يبق قابلا للذكاة استغناء بالذكاة الاضطرارية، حتى لو وقع
في الماء فمات لم يحرم، لان موته لم يضف إلى وقوعه لأنه في حكم الميت قبله فلم تعتبر هذه الحياة،
بخلاف المتردية ونحوها فإنها تعتبر فيها الحياة وإن قلت فتحل بالذكاة، فظهر أن بين الصيد وغيره
فرقا: وظاهره أنه لا فرق بين أن يكون متمكنا من ذكاة الصيد في هذه الصورة أو لا.
ويخالفه ما في العناية من أنه إن تمكن من ذبحه فلم يذبحه حتى مات لم يؤكل سواء كانت الحياة
فيه بينة أو خفية، وإن لم يتمكن: فإن كانت فوق حياة المذبوح فكذلك في ظاهر الرواية، وإن مقدارها
أكل ا ه‍ ملخصا: ومقتضاه أن يحمل ما قدمنا عن الخانية على ما إذا لم يتمكن.
ويخالف جميع ذلك ما في الزيلعي حيث قال ما حاصله: إذا أدركه حيا ولم يذكه حرم إن تمكن
من ذبحه، وإلا فلو فيه من الحياة قدر ما في المذبوح، بأن بقى: أي الكلب بطنه ونحو ذلك ولم يبق
إلا مضطربا اضطراب المذبوح فحلال، قال الصد الشهيد: بالاجماع، وقيل: هذا قولهما. وعنده: لا
يحل إلا إذا ذكاه لان الحياة الخفية معتبرة عنده لا عندهما كما في المتردية ونحوها، وإن كان فيه من
الحياة فوق ما في المذبوح لا يؤكل في ظاهر الرواية ا ه‍.
ثم قال: فلا يحل إلا بالذكاة سواء كانت خفية أو بينة بجرح المعلم أو غيره من السباع، وعليه
الفتوى لقوله تعالى: * (إلا ما ذكيتم) * (المائدة: 3) فيتناول كل حي مطلقا وكذا قوله عليه الصلاة
والسلام: فإن أدركته حيا فاذبحه مطلق، والحديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأحمد ا ه‍. وهو
ترجيح لمقابل قول الصدر الشهيد وهو قول الإمام الرازي كما في غاية البيان، ولم أر من رجحه
غيره، وهو مخالف لظاهر الهداية وغيرها. وعليه فلا فرق بين الحياة المعتبرة في الصيد وغيره.
والحاصل: أنه لو أخذ الصيد وفيه من الحياة كما في المذبوح ولم يذكه، فعلى ما في الخانية
والظهيرية: يحل، وعلى ما العناية: يحل إن لم يتمكن من ذبحه، وعلى ما في الزيلعي: لا يحل أصلا
إلا بالذكاة، كما إذا لم يتمكن أو كان فيه من الحياة فوق ما في المذبوح أخذا من إطلاق الأدلة. وحكى
في البدائع الأول عن عامة المشايخ، والثالث عن الجصاص، وظاهر كلامه ترجيح الأول، وهو ظاهر
ما في الهداية، فتأمل.
ثم اعلم أن هذا كله فيما أدركه وأخذه، فلو أدركه ولم يأخذه: فإن كان وقت لو أخذه أمكنه
ذبحه لم يؤكل، وإن كان لا يمكنه أكل. كذا في الهداية. قوله: (في المتردية) أي الواقعة في بئر أو من

27
جبل. والنطيحة: المقتولة بنطح أخرى. والموقوذة: المقتولة ضربا. قوله: (كما أشرنا إليه) أي من
تقييده ما مر بقوله هنا. قوله: (وعليه الفتوى) أي فتحل الذكاة، وكذا الفتوى على اعتبار مطلق الحياة
في الصيد على ما مر عن الزيلعي. قوله: (فإن تركها أي الذكاة) أي ذكاة الصيد، وقوله: حرم جواب
الشرط مه أنه سيأتي في المتن لكنه لبعده قدره الشارح هنا. قوله: (ولو عجز عن التذكية) بأن لم يجد
آلة أصلا أو يجد لكن لا يبقى من الوقت ما يمكن تحصيل الآلة والاستعداد للذابح، وهذا إذا كان فيه
من الحياة أكثر مما في المذبوح بعد الذبح. وإما إذا كان مثله فهو ميت حكما فيحل إجماعا كما في
الهداية وغيرها. قهستاني، والتفصيل مخالف لما قدمناه عن الزيلعي. قوله: (وهو قول الشافعي) كذا في
الهداية. والذي في التبيين أن الشافعي فصل فقال: إن لم يتمكن من الذبح لفقد الآلة لم يؤكل لان
التقصير من جهته، وإن كان لضيق الوقت أكل لعدم التقصير ا ه‍.
وفي التتارخانية: وإن كان عدم التمكن بضيق الوقت، بأن بقي فيه من الحياة مقدار ما لا يتأتى
فيه الذبح ذكر شمس الأئمة السرخسي في شرحه أنه لا يحل عندنا. وقال الحسن بن زياد ومحمد بن
مقاتل: يحل، وهو قول الشافعي وبه أخذ الصدر الشهيد. وفي الغياثية وهو المختار. وفي الينابيع:
روى عن أصحابنا الثلاثة أنه يؤكل استحسانا، وقيل: بأن هذا أصح ا ه‍.
فإن قيل: وضع المسألة فيما حياته فوق المذبوح فكيف يتصور ضيق الوقت عن الذبح؟ أجيب
بأن المقدار الذي يكون في المذبوح كالعدم لكون الصيد في حكم الميت، والزائد على ذلك قد لا يسع
للذبح فيه فكان عدم التمكن متصورا. عناية. قوله: (إشارة إلى حله) حيث قيد بالعمد. قوله: (أن
العجز الخ) عبارة المنح: لان العجز في مثل هذا لا يحل الحرام ا ه‍. واحترز عن العجز عن تحصيل
الماء والاكل فإنه يبيح له تناول الخمر والميتة، وهذا لا يفهم من عبارة الشارح بسبب قوله (عن التذكية)
أفاده ط.
تنبيه: رمى صيدا فوقع عند مجوسي أو نائم: لو كان مستيقظا يقدر على ذكاته فمات لا يحل، لان
المجوسي قادر على ذبحه بتقديم الاسلام، والنائم كالمستيقظ في جملة مسائل عند الامام منها هذه.
خانية ملخصا. قوله: (وأرسل الخ) هذا وما بعد معطوف على قوله: تركها والأصل أن الفعل يرفع
بالأقوى والمساوي دون الأدنى، فإذا أرسل المسلم كلبه فزجره المجوسي حل لعدم اعتبار الزجر عند
الارسال لكون الزجر دونه لبنائه عليه، وبالعكس حرم، وكل من لا تجوز ذكاته كالمرتد والمحرم وتارك
التسمية عامدا في هذا بمنزلة المجوسي، وإن انفلت ولم يرسله أحد فزجره مسلم فانزجر حل لأنه مثل
الانفلات، والمراد بالزجر الاغراء بالصياح عليه وبالانزجار إظهار زيادة الطلب. وتمامه في الهداية.
قال القهستاني: وهذا إذا زجره المجوسي في ذهابه، فلو وقف ثم جره لم يؤكل كما في الذخيرة.

28
قوله: (وهو سهم الخ) في القاموس: معراض كمحراب سهم بلا ريش دقيق الطرفين غليظ الوسط
يصيب بعرضه دون حده. قوله: (ولو لرأسه حدة) محترز قول المصنف بعرضه. قوله: (فأصاب
بحده) أي وجرح. قوله: (أو بندقة) بضم الباء والدال: طينة مدورة يرمى بها. قوله: (ولو كانت
خفيفة) يشير إلى أن الثقيلة لا تحل وإن جرحت. قال قاضيخان: لا يحل صيد البندقة والحجر
والمعراض والعصا وما أشبه ذلك وإن جرح، لأنه لا يخرق إلا أن يكون شئ من ذلك قد حدده
وطوله كالسهم وأمكن أن يرمى به، فإن كان كذلك وخرقه بحده حل أكله، فأما الجرح الذي يدق في
الباطن ولا يخرق في الظاهر لا يحل لأنه لا يحصل به إنهار الدم، ومثقل الحديد وغير الحديد سواء، إن
خزق حل وإلا فلا ا ه‍. والخزق بالخاء والزاي المعجمتين: النفاذ. قال في المغرب: والسين لغة والراء
خطأ. وفي المعراج عن المبسوط: بالزاي يستعمل في الحيوان، وبالراء في الثوب. وفي التبيين:
والأصل أن الموت إذا حصل بالجرح بيقين حل، وإن بالثقل أوشك فيه فلا يحل حتما أو احتياطا ا ه‍.
ولا يخفى أن الجرح بالرصاص إنما هو بالاحراق والثقل بواسطة اندفاعه العنيف إذ ليس له حد فلا
يحل، وبه أفتى ابن نجيم. قوله: (مطلقا) أي ثقيلة أو خفيفة. قوله: (وشرط في الجرح الادماء) قال
الزيلعي: وإن كان غير مدم اختلفوا فيه. قيل: لا يحل لانعدام معنى الذكاة، وهو إخراج الدم النجس،
وشرطه النبي صلى الله عليه وآله بقوله: أنهر الدم بما شئت رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وقيل: يحل
لاتيان ما في وسعه وهو الجرح لان الدم قد ينحبس لغلظة أو لضيق المنفذ. وقيل: لو الجراحة كبيرة حل
بدونه ولو صغيرة فلا. وإذا أصاب السهم ظلف الصيد أو قرنه: فإن أدماه حل، وإلا فلا، وهذا يؤيد
الأول ا ه‍ ملخصا. ومثله في الهداية. قال في الدر المنتقى قلت: وفيه كلام، لما في البرجندي عن
الخلاصة أن هذا في غير موضع اللحم، وظاهر ما مر عن القهستاني عن المحيط أن المعتمد إن الادماء
ليس بشرط، فليتأمل ا ه‍ ملخصا.
قلت: ظاهر الهداية والزيلعي والملتقط اعتماد اشتراطه مع أن الحديث يؤيده، وقد يرجح عدم
الاشتراط بما في متن المواهب، وقدمه المصنف في الذبائح من أنه تحل ذبيحة علمت حياتها وإن لم
يتحرك ولم يخرج منها دم، وإن لن تعلم فلا بد من أحدهما. تأمل. قوله: (وتمامه الخ) هو ما قدمناه.
قوله: (أو رمى صيدا الخ) هذا فيما إذا كان فيه حياة مستقرة يحرم بالاتفاق، لان موته مضاف إلى غير
الرمي، وإن كانت حياته دون ذلك فهو على الاختلاف الذي مر ذكره في إرسال الكلب ا ه‍. زيلعي.
ونحوه في ط عن الهندية. قوله: (فوقع فيه) الظاهر أنه قيد اتفاقي، فمثله إذ رماه فيه حرم لاحتمال
موته بالماء. ط عن الهندية. قوله: (وإلا حل) لأنه لم يحتمل موته بسبب الماء. قوله: (ملتقى) ومثله في
الهداية.
وذكر في الخانية: إن وقع في ماء فمات لا يؤكل لعل أن وقوعه في الماء قتله، ويستوي في
ذلك طير الماء لان طير الماء إنما يعيش في المار غير مجروح ا ه‍. ونقله في الذخيرة عن السرخسي، ثم

29
قال: فليتأمل عند الفتوى. وتمامه في الشرنبلالية. قوله: (فتردى منه) قيد به لأنه لو استقر عليه ولم
يترد يحل بلا خلاف. وهذا أيضا إذا تردى يحل يقع الجرح مهلكا في الحال، إذ لو بقي فيه من الحياة
بقدر ما في المذبوح ثم تردى يحل أيضا. معراج. قوله: (فإن وقع على الأرض ابتداء) أي ولم يكن على
الأرض ما يقتله كحد الرمح والقصبة المنصوبة. عناية. وتمامه في الشرنبلالية. قوله: (إذ الاحتراز) علة
مقدمة على المعلول، وهو قوله الآتي: أكل وهو كثير في كلامهم. قال تعالى: * (مما خطيئاتهم
أغرقوا) * (نوح: 52) وكذا يقال فيما بعد فافهم. قوله: (فزجره مجوسي) أي في ذهابه، فلو وقف ثم
زجره فانزجر لم يؤكل كما قدمناه. قوله: (كنسخ الحديث) فلا ينسخ الصحيح إلا بصحيح أو أصح لا
بضعيف ط. قوله: (أو أخذ غير ما أرسل إليه) سواء أخذ ما أرسل إليه أيضا أو لا بشرط فور
الارسال كما مر.
قال في البدائع: فلو أرسل الكلب أو البازي على صيد وسمى فأخذ صيدا ثم آخر على فوره
ذلك ثم وثم أكل الكل، لان التعيين ليس بشرط في الصيد لأنه لا يمكن فصار كوقوع السهم بصيدين
ا ه‍ ملخصا، ولو أرسله على صيد فأخطأ ثم عرض له آخر فقتله حل، ولو عرض به بعد ما رجع لا
يحل لبطلان الارسال بالرجوع كما في الخانية وغيرها. وقال القهستاني: وفيه إشعار بأنه لو أصاب غير
ما رماه حل كما في قاضيخان، وكذا لو رمى صيدا فأصابه ونفذ ثم أصاب آخر ثم وثم حل الكل كما
في النظم ا ه‍. فالارسال بمنزلة الرمي كما في الهداية والزيلعي، ونحوه في الملتقى. قوله: (لان
غرضه الخ) أي غرض المرسل حصول أي صيد تمكن منه الكلب أو الفهد، وهذا معنى قول الهداية:
ولنا أنه: أي التعين شرط غير مفيد لان مقصوده حصول الصيد، إذ لا يقدر: أي الكلب على الوفاء
به: أي بأخذ العين، إذ لا يمكنه تعليمه، على وجه يأخذ ما عينه فسقط اعتباره. قوله: (بتسمية
واحدة) أي حالة الارسال. قوله: (لما ذكرنا) أي من العلل الأربعة في الوجوه الأربعة. قوله: (لا
العضو) أي إن أمكن حياته بعد الإبانة وإلا أكلا. عناية. وهذا يتصور في سائر الأعضاء غير الرأس.
نهاية. قوله: (خلافا للشافعي) حيث قال أكلا إن مات الصيد منه. هداية. قوله: (ما أبين من الحي)
هذا وإن تناول السمك إلا أن ميتته حلال بالحديث. هداية. قوله: (وإلا) بأن بقي متعلقا بجلده،
هداية. قوله: (أو قطع نصف رأسه) أي طولا أو عرضا. بدائع. قوله: (أو قده نصفين) القد: القطع

30
المستأصل أو المستطيل. قاموس. والضمير للصيد كما في البدائع. وذكر في الشرنبلالية أنه لم يبين
كيفية القد في كثير من الكتب، ثم نقل عن الخانية والمبسوط: إن قطعه نصفين طولا أكل.
أقول: الظاهر أن الطول غير قيد هنا، يدل عليه تعليل البدائع بقوله: يؤكل لأنه وجد قطع
الأوداج لكونها متصلة من القلب بالدماغ فأشبه الذبح، وكذا لو قطع أقل من النصف مما يلي الرأس ا
ه‍. تأمل. قوله: (فلم يتناوله الحديث المذكور) لأنه ذكر فيه الحي مطلقا فينصرف إلى الحي حقيقة
وحكما وهذا حي صورة لا حكما، إذ لا يتوهم بقاء الحياة بعد هذا الجرح، ولهذا لو وقع في الماء وبه
هذا القدر من الحياة أو تردي من جبل أو سطح لا يحرم. وتمامه في الهداية.
أقول: وبهذا سقط اعتراض ابن المصنف على قوله في البزازية: إن كان الصيد يعيش بدون المبان
فالمبان لا يؤكل وإن كان لا يعيش بدونه كالرأس يؤكلان ا ه‍. حيث قال: إن الحديث عام فمن أين
للبزازي ما قاله؟ ا ه‍.
قلت: هو مأخوذ من الهداية وصرح به شراحها وغيرهم. قوله: (بخلاف ما لو كان أكثره مع
رأسه) بأن قطع يدا أو رجلا أو فخذا أو ألية أو ثلثه مما يلي القوائم أو أقل من نصف الرأس، فيحرم
المبان ويحل المبان منه. هداية. قوله: (ومرتد) ولو غلاما مراهقا عندهما خلافا لمحمد، بناء على صحة
ردته عندهما. بدائع. قوله: (لان ذكاة الاضطرار الخ) أي وهو من أهل ذكاة الاختيار، فكذا ذكاة
الاضطرار. قوله: (فلم يثخنه) قال في المغرب: أثخنته الجراحات: أوهنته وأضعفته. وفي التنزيل
: * (حتى يثخن في الأرض) * (الأنفال: 76) أي يكثر فيها القتل. قوله: (فهو للثاني) لأنه هو الآخذ له.
قوله: (وحل) لأنه لما لم يخرج بالأول عن حيز الامتناع كان ذكاته ذكاة الاضطرار وهو الجرح: أي
موضع كان وقد وجد. زيلعي. قوله: (وفيه من الحياة ما يعيش) أي ينجو منه. أما إذا كان بحال لا
يسلم منه، بأن لا يبقى فيه من الحياة إلا بقدر ما يبقى في المذبوح، كما إذا أبان رأسه يحل لان وجوده
كعدمه، وإن كان بحال لا يعيش منه إلا أن فيه أكثر مما في المذبوح بأن كان يعيش يوما أو دونه، فعند
أبي يوسف: لا يحرم بالرمية الثانية إذ لا عبرة بهذه الحياة عنده، وعند محمد: يحرم لأنها معتبرة عنده.
زيلعي ملخصا. قوله: (لقدرته على ذكاة الاختيار) أي بسبب خروجه عن حيز الامتناع فصار كالرمي
إلى الشاة. أفاده في البدائع. قوله: (وضمن الثاني للأول قيمته الخ) لأنه أتلف صيدا مملوكا للغير، لأنه
ملكه بالاثخان فيلزمه قيمة ما أتلف وقيمته وقت إتلافه كان ناقصا بجراحة الأول فيلزمه ذلك.
بيانه أن الرامي الأول إذا رمى صيدا يساوي عشرة فنقصه درهمين ثم رماه الثاني فنقصه درهمين
ثم مات يضمن الثاني ثمانية ويسقط عنه من قيمته درهمان، لان ذلك تلف بجراحة الأول. زيلعي.
وفرض المصنف المسألة فيما إذا علم أن القتل حصل بالثاني، فإن علم أنه حصل من الجراحتين أو لا
يدري فظاهر الهداية أن الحكم في الضمان يختلف وحقق الزيلعي عدم الفرق، فراجعه.

31
تتمة: بقي لو رمياه معا فأصابه أحدهما قبل الآخر فأثخنه ثم أصابه الآخر أو رماه أحدهما أولا ثم
رماه الثاني قبل أن يصيبه الأول أو بعد ما أصابه قبل أن يثخنه فأصابه الأول وأثخنه أو أثخنه ثم أصابه
الثاني فقتله فهو للأول ويؤكل خلافا لزفر، ولو رمياه معا وأصابا معا فمات منهما فهو بينهما،
والكلب في هذا كالسهم حتى يملكه بإثخانه، ولا يعتبر إمساكه بدون الاثخان، حتى لو أرسل بازيه
فأمسك الصيد بمخلبه ولم يثخنه فأرسل آخر بازيه فقتله فهو للثاني، ويحل لان يد البازي الأول ليست
بيد حافظة لتقام مقام يد المالك، ولو رمى سهما فأثخنه ثم رماه ثانيا فقتله حرم. وتمامه في الزيلعي.
ولو أرسل كلبين على صيد فضربه أحدهما فوقذه ثم ضربه الآخر فقتله يؤكل. بدائع. قوله: (لنفع ما)
أي ولو قليلا، والهرة لو مؤذية لا تضرب ولا تفرك أذنها بل تذبح. قوله: (والأولى الخ) لما فيه من
تخفيف الألم عنه. وقال ط: والتقييد بالكلب ليس له مفهوم. قوله: (وبه يطهر) أي بالاصطياد، وكذا
بالذبح، وهل يشترط في الطهارة كون ذلك من أهله مع التسمية، فيه خلاف قدمناه آخر الذبائح:
استظهر في الجوهرة الاشتراط، وفي البحر عدمه. قوله: (كخنزير) تمثيل لنجس العين. قوله: (فلا
يطهر أصلا) أي لا جلده ولا لحمه ولا شئ منه. قوله: (وهذا أصح) وكذا صححه العلامة قاسم
معزوا للكافي والغاية والنهاية وغيرها، وقال: إن الأول مختار صاحب الهداية. قوله: (سمع حس
إنسان) أي صوته، وظاهره أنه حين الرمي يعلم أنه حس إنسان، والحكم فيه كما ذكره هنا كما في
البدائع.
وفرض المسألة في الهداية فيما إذا سمع حسا ظنه حس صيد فرماه ثم تبين أنه حس إنسان أو
صيد فلا مخالفة بينهما كما قد يتوهم. قوله: (كفرس وشاة) وطير مستأنس وخنزير أهلي، فالمراد كل
ما لا يحل بالاصطياد. قوله: (فأصاب صيدا لم يحل) لان الفعل ليس باصطياد، ولو أصاب المسموع
حسه وقد ظنه آدميا فإذا هو صيد يحل لأنه لا معتبر بظنه مع تعيينه. هداية.
وذكر في المنتقى بالنون أنه لا يحل أيضا لأنه رماه وهو لا يريد الصيد. ثم قال: ولا يحل الصيد
إلا بوجهين: أن يرميه وهو يريد الصيد، وأن يكون الذي أراده وسمع حسه ورمى إليه صيدا، سواء
كان مما يؤكل أو لا. قال الزيلعي: وهذا يناقض ما في الهداية، وهذا أوجه ثم ذكر لأبي يوسف
فيه قولين: في قول يحل، وفي قول لا يحل. وقال: فيحمل ما في الهداية على رواية أبي يوسف ا ه‍.
أقول: ما في الهداية أقره شراحها ومشى عليه في الملتقى، وكذا في البدائع، وقال: نظيره ما
إذا قال لامرأته وأشار إليها: هذه الكلب طالق أنها تطلق ويبطل الاسم ا ه‍.

32
وفي التتارخانية وغيرها: وإن أرسل إلى ما يظن أنه شجرة أو إنسان فإذا هو صيد يؤكل هو
المختار ا ه‍. فالمختار ما في الهداية. قوله: (بخلاف ما إذا سمع حس أسد أو خنزير) أي متوحش،
والمراد كل ما يحل اصطياده.
واستثنى في النهاية ما لو كان المسموع حسه جرادا أو سمكا فأصاب غيرهما لا يؤكل، لان
الذكاة لا تقع عليهما فلا يكون الفعل ذكاة. واعترضه الزيلعي بما في الخانية: لو رمى إلى جراد أو
سمكة وترك التسمية فأصاب طائرا آخر فقتله يحل أكله. وعن أبي يوسف روايتان، والصحيح
أنه يؤكل ا ه‍.
أقول: لكن قول الخانية وترك التسمية ومثله في البزازية مشكل، وقد ذكر المسألة في التتارخانية
وقال: والمختار أنه يؤكل، ولم يذكر قوله وترك التسمية، ورأيت بعض العلماء قيده بقوله: أي ناسيا
وهو قيد لازم، فتأمل. قوله: (فرمى إليه) أي وأصاب صيدا آخر غير ما سمعه. قوله: (أو أرسل
كلبه) أشار إلى أن الارسال كالرمي، وقول الزيلعي: والبازي والفهد في جميع ما ذكرنا كالكلب صوابه
كالرمي. قوله: (حل) أي الصيد المصاب لوقوع الفعل اصطيادا فصار كأنه رمى إلى صيد فأصاب
غيره. هداية ملخصا. قوله: (لم يحل) أي المصاب، كما لو رمى إلى بعير لا يدري أهو ناد أو لا
فأصاب صيدا لا يحل المصاب لان الأصل الاستئناس، بخلاف ما لو رمى إلى طائر لا يدري أهو
وحشي أو لا فأصاب صيدا غيره حل لان الظاهر فيه التوحش، فيحكم على كل بظاهر حاله كما في
الهداية. قوله: (لوجود الجرح) فإنه يستدل بوجود الدم على وجود الجرح وإن كان لا يشترط الادماء
في غيرها على ما تقدم ط. قوله: (والعبرة بحالة الرمي) إلا في مسألة ذكرها محمد. وهي: حلال رمى
صيدا وهما في الحل فدخل الصيد الحرم فأصابه السهم ومات فيه أو في الحل لا يؤكل، وفيما عداها
فالعبرة بحالة الرمي. تتارخانية: أي في حق الاكل. أما في حق الملك فالعبرة لوقت الإصابة كما في
الذخيرة، فلو رمى إلى صيد ورمى بعده آخر فأصابه الثاني وأثخنه قبل الأول فهو للثاني. قوله: (فحل
الصيد بردته) الظاهر أن الباء للمصاحبة نحو * (اهبط بسلام) * (هود: 84) أي مع ردته بعد الرمي وقبل
الإصابة أو بعدها، وهذا تفريع على الأصل المذكور فيحل لأنه حين الرمي كان مسلما، وكذا يحل لو
رمى صيدا فانكسر الصيد بسبب آخر ثم أصابه السهم لأنه حين الرمي كان صيدا. خانية. قوله: (لا
بإسلامه) أي لو رماه مرتدا. قوله: (ووجب الجزاء بحله) أي بتحلله من إحرامه. قوله: (لا بإحرامه)

33
أي إذا رماه حلالا. وفي التتارخانية: حلال رمى صيدا فأصابه في الحل ومات في الحرم أو رماه من
الحرم وأصابه في الحل ومات فيه لا يحل، وعليه الجزاء في الثاني دون الأول. قوله: (قلت الخ) هو
من كلام المصنف في المنح. قوله: (لوقوع الشك الخ) فيه أن الظاهر من حال البازي الذي طبعه
الاصطياد أنه غير مرسل وغير مملوك لاحد. بخلاف الذابح في بلاد الاسلام فإن الظاهر أنه تحل
ذبيحته وأنه سمى، واحتمال عدم ذلك موجود في اللحم الذي يباع في السوق، وهو احتمال غير
معتبر في التحريم قطعا. قوله: (لكن في الخلاصة) استدراك على قوله: لا يحل الخ. قوله: (إن لم
يكن قريبا من الماء) قيد به، لأنه إذا كان كذلك احتمل أنه وقع في الماء فأخرجه صاحبه فذبحه على
ظن حياته فلم يتحرك ولم يخرج منه دم فتركه صاحبه لعلمه بموته بالماء فلا يتأتى احتمال أنه تركه إباحة
للناس، هذا ما ظهر لي. تأمل. قوله: (ووقع في القلب) الظاهر أن المراد الظن الغالب لا مجرد الخطور
فإنه لا يترتب عليه حكم ط. قوله: (إباحة للناس) قد شاهدنا في طريق الحج من يفعله لذلك ط.
قوله: (لان الثابت بالدلالة) أي دلالة حال صاحبه التي وقعت في القلب، فهو كصريح قوله أبحته لمن
يأخذه وخصوصا الذبائح التي توجد في منى أيام الموسم. قوله: (وفي الثاني يحتمل) فيه أن احتمال
الثاني كون الذبائح هو المالك لا ينفي احتمال أنه مجوسي أو تارك التسمية عمدا، فالأولى أن يقال: إن
كان الموضع مما يسكنه أو يسلك فيه مجوسي لا يؤكل وإلا أكل، ولا يعترض بشأن ترك التسمية عمدا،
فإن الظاهر من حال المسلم والكتابي التسمية لأنه يعتقدها دينا، وخلاف هذا موهوم لا يعارض الراجح
اه‍ ح.
أقول: ويؤيد اعتبار الموضع ما قالوا في اللقيط إذا ادعاه ذمي يثبت نسبه منه، ولكن هو مسلم
إن لم يوجد في مكان أهل الذمة كقريتهم أو بيعة أو كنيسة. قوله: (ورأيت الخ) تأييد للتفرقة، وفيه
نظر لان المعتمد خلافه بدليل قولهم بصحة التضحية بشاة الغصب واختلافهم في صحتها بشاة
الوديعة، ولهذا قال السائحاني: أقول: هذا ينافي ما تقدم في الغصب وفي الأضحية فلا يعول عليه.

34
قوله: (لا تطعمه كلبا) الاطعام حمله إليه. وأما حمل الكلب إليه فكحمل الهرة الميتة جائز. شرنبلالي.
قوله: (وتمليك عصفور) بالنصب مفعول أجر مقدم: أي تمليكه بقوله جعلته لمن أخذه، فإن لم يقل
ذلك له أخذه ممن أخذه هو المختار، فإن اختلفا في الإباحة فالقول لصاحبه مع يمينه أنه لم يقل، وهل
يشترط أن تكون الإباحة لقوم معلومين؟ خلاف. قوله: (وإعتاقه) بالنصب مفعول ينكر، ومفهوم قوله
بعض الأئمة ينكر أنه يجوزه أكثرهم ولم ينقل ذلك، بل الظاهر أن المذهب الحرمة ا ه‍ ش.
أقول: الظاهر أن ذلك إذا لم يقل من أخذه فهو له، وإلا فهو عين المسألة المتقدمة. قوله: (جاز
أخذه) أي إن لم يبحه عند الارسال كما مر. قوله: (كقشر لرمان) تشبيه من حيث حل الاخذ، وأما
ملكه ومنع الأول منه ففيه خلاف، والمختار أنه يملكه. وفي الصيد أنه لا يملكه إذا لم يبحه، وكذا في
الدابة إذا سيبها كما بسطه الشرنبلالي في شرحه. قوله: (وأي حلال) يعني أن رجلا ليس محرما ولا في
أرض الحرم ورأى صيدا لم يصده غيره ولا نفر: أي هرب ممن هو مالكه ولا يحل اصطياده.
والجواب: رجل دخل دار رجل فلما رآه غلب بابه بحيث يقدر على أخذه من غير اصطياد
ملكه، حتى لو خرج لا يحل للرجل الحلال اصطياده، أو المراد: لا يحل لصاحب الدار الحلال
اصطياده بآلة جارحة لقدرته على الذكاة الاختيارية، والله تعالى أعلم.

35
كتاب الرهن هو مشروع، لقوله تعالى: * (فرهان مقبوضة) * (البقرة: 382) وبما روى أنه عليه الصلاة والسلام
اشترى من يهودي طعاما ورهنه به درعه وانعقد عليه الاجماع. ومن محاسنة النظر لجانب الدائن بأمن حقه عن التوى، ولجانب المديون بتقليل خصام الدائن له وبقدرته على الوفاء منه إذا عجز. وركنه:
الايجاب فقط أو هو والقبول كما يجئ. وشروطه تأتي. وحكمه ثبوت يد الاستيفاء، وسببه تعلق البقاء
المقدر، وإنما خص بالسفر في الآية، لان الغالب أنه لا يتمكن في من الكتابة والاستشهاد فيستوثق
بالرهن. قوله: (هو لغة حبس الشئ) أي بأي سبب كان. قال تعالى: * (كل نفس بما كسبت رهينة)
* (الكوثر: 83) أي محبوسة، ويطلق على المرهون تسمية للمفعول بالمصدر، يقال رهنت الرجل شيئا ورهنته
عنده وأرهنته لغة فيه، والجمع رهان ورهون ورهن. والرهين والرهينة الرهن أيضا، والتركيب دال
على الثبات والدوام. والراهن: المالك، والمرتهن آخذ الرهن. قوله: (أي جعله محبوسا) قال في
إيضاح الاصلاح: هو جعل الشئ محبوسا بحق، لم يقل حبس الشئ بحق لان الحابس هو المرتهن لا
الراهن، بخلاف الجاعل إياه محبوسا ا ه‍. ح وهذا تعريف للرهن التام أو اللازم، وإلا ففي انعقاد
الرهن لا يلزم الحبس بل ذلك بالقبض ا ه‍. سعدي. قال القهستاني: والمتبادر أن يكون الحبس على
وجه التبرع، فلو أكره المالك بالدفع إليه لم يكن رهنا كما في الكبرى فلا عليه ذكر الاذن كما ظن ا ه‍.
وسيأتي آخر الباب الآتي أنه لو أخذ عمامة المديون تكون رهنا إن رضى بتركها. قوله: (بحق) أي
بسبب حق مالي ولو مجهولا. واحترز به عن نحو القصاص والحد واليمين. قهستاني، ودخل فيه بدل
الكتابة فإن الرهن به جائز وإن لم تجز به الكفالة كما في المعراج عن الخانية. قوله: (يمكن استيفاؤه)
أي استيفاء هذا الحق منه: أي من الرهن بمعنى المرهون. واحترز به عما يفسد كالثلج، وعن نحو
الأمانة والمدبر وأم الولد والمكاتب. قال في الشرنبلالية: وأما الخمر فهو مال أيضا. ويمكن الاستيفاء
منه بتوكيل ذمي يبيعه أو بنفسه إن كان المرتهن والراهن من أهل الذمة ا ه‍. لكنه ليس بمال متقوم في
حق المسلم، فلا يجوز له رهنه ولا ارتهانه من مسلم أو ذمي وإن ضمنه للذمي كما يأتي في الباب
الآتي. قوله: (كلا أو بعضا) تمييزان من هاء استيفاؤه الراجعة إلى الحق الذي هو الدين ا ه‍. فهما
محولان عن المضاف إليه المفعول في المعنى، إذ الأصل استيفاء كله أو بعضه، وفيما ذكره الشارح
جواب عن القهستاني لا يتناول ما كان أقل من الدين، فافهم. قوله:
(كالدين) تمثيل للحق. قوله: (كاف الاستقصاء) خبر مبتدأ محذوف: يعني أنها ليست للتمثيل ببعض الافراد إذ ليس المراد هنا سوى
الدين، والداعي إلى هذا جعل المصنف الدين شاملا للعين، أما لو أطلقه أمكن جعل الكاف للتمثيل،
بأن يراد بالدين الدين حقيقة. قوله: (كما سيجئ) أي قريبا في قوله: أو حكما. قوله: (وجد حرا

36
أو خمرا) لف ونشر مرتب، وكثمن ذبيحة وبدل صلح عن إنكار وإن وجدت ميتة أو تصادقا على أن لا
دين، لان الدين وجب ظاهرا، وهو كاف لأنه آكد من دين موعود كما سيأتي. درر. أي فالرهن
مضمون. وذكر القدوري: أنه لا شئ بهلاكه: كما لو رهن بالحر والخمر ابتداء.
ونص محمد في المبسوط والجامع أن المقبوض بحكم رهن فاسد مضمون بالاكل من قيمته ومن
الدين. والمختار قول محمد كما في الاختيار. أبو السعود ملخصا. قوله: (كالأعيان المضمونة بالمثل
أو القيمة) ويقال لها: المضمونة بنفسها لقيام المثل أو القيمة مقامها كالمغصوب ونحوه مما سيجئ.
واحترز به عن المضمونة بغيرها كمبيع في يد البائع فإنه مضمون بغيره وهو الثمن، وعن غير
المضمونة أصلا كالأمانات، فالرهن بهذين باطل وسماها دينا حكما لان الموجب الأصلي فيها هو
القيمة أو المثل، ورد العين مخلص إن أمكن ردها على ما عليه
الجمهور وذلك دين. وأما على ما عليه البعض فإنه وإن كانت القيمة لا تجب إلا بعد الهلاك، ولكنه عند الهلاك بالقبض السابق. وتمامه
في الهداية والزيلعي. قوله: (كما سيجئ) أي في الباب الآتي. قوله: (وينعقد بإيجاب) كرهنتك
بمالك علي من الدين أو خذ هذا الشئ رهنا به. قهستاني، ولفظ الرهن غير شرط كما سيذكره في
الباب الآتي. قوله: (وقبول) كارتهنته سواء صدر من مسلم أو كافر أو عبد أو صبي أو أصيل أو
وكيل، فالقبول ركن كالايجاب وإليه مال أكثر المشايخ فإنه كالبيع، ولذا لا يحنث من حلف أنه لا
يرهن بدون القبول. وذهب بعضهم إلى أنه شرط صيرورة الايجاب علة لأنه عقد تبرع ولذا لا يلزم
إلا بالتسليم. قهستاني. واقتصر في الهداية على الثاني، ونقل القهستاني عن الكرماني أنه يجوز بطريق
التعاطي. قوله: (غير لازم) لأنه عقد تبرع لان الراهن لا يستوجب بمقابلته على المرتهن شيئا. قوله:
(وحينئذ) أي حين إذا انعقد غير لازم، ويغني عنه فاء التفريع كما أفاده ط. قوله: (وقبضه) أي بإذن
الراهن صريحا أو ما جرى مجراه في المجلس وبعده بنفسه أو بنائبه كأب ووصي وعدل. هندية
ملخصا. ولو قبضه المرتهن والراهن ساكت ينبغي أن يصير رهنا. فتنبه. قوله: (حال كونه) أي
الرهن، وهذه الأحوال مترادفة أو متداخلة. عيني. وأفاد بها أن الرهن بهذه الصفات ليس بلازم عند
العقد بل عند القبض، فلو اتصل أو اشتغل بغيره كان فاسدا لا باطلا، وكذا لو كان شائعا. وعند
بعضهم يكون باطلا وهو اختيار الكرخي، فلو ارتفع الفساد عند القبض صار صحيحا لازما كما في
الكرماني. قهستاني. قوله: (محوزا) من الحوز: وهو الجمع وضم الشئ. قاموس. وانظر ما في
الدرر. قوله: (كثمر على شجر) مثال للمتفرق وكزرع على أرض: أي بدون الشجر والأرض، لان
الثمر والزرع لم يحازا في يد المرتهن بمعنى أن يده لم تحوهما وتجمعهما، إذ لا يمكن حيازة ثمر بدون
شجر ولا زرع بدون أرض ط. قوله: (لا مشغولا) أما الشاغل فرهنه جائز كما في كثير من الكتب،
وقيد بقوله: بحق الراهن احترازا عما لو كان مشغولا بملك غيره فلا يمنع كما في العمادية.
حموي.
أقول: وينبغي تقييد الشاغل الذي يجوز رهنه بغير المتصل لما علمته من عدم جواز رهن الثمر أو

37
الزرع وكذا البناء وحده كما سيأتي، فافهم. قوله: (لا مشاعا) كنصف عبد أو دار ولو من الشريك،
وسيجئ تمام ذلك وأنه يستثنى منه ما ثبت الشيوع فيه ضرورة. قوله: (ولو حكما الخ) يستغني عنه
بقول المصنف محوزا. قوله: (خلقة) في التقييد به نظر سنذكره. قوله: (وسيتضح) أي في وائل الباب
الآتي. قوله: (لزم) جواب إذا. قوله: (شرط اللزوم) مشى عليه في الهداية والملتقى وغيرهما. قال في
العناية: وهو اختيار شيخ الاسلام، وهو مخالف لرواية العامة. قال محمد: لا يجوز الرهن إلا مقبوضا،
ومثله في كافي الحاكم ومختصر الطحاوي والكرخي ا ه‍ ملخصا.
وفي السعدية أقول: سبق في كتاب الهبة أنه عليه الصلاة والسلام قال: لا تجوز الهبة إلا
مقبوضة والقبض ليس بشرط الجواز في الهبة، فليكن هنا كذلك، فليتأمل ا ه‍.
وحاصله: أنه يمكن أن يفسر هنا أيضا الجواز باللزوم لا بالصحة كما فعلوا في الهبة، فإنه لا
يمكن الجمع بين كلامهم وبين الحديث إلا بذلك. قوله: (وصحح في المجتبى) وكذا في القهستاني عن
الذخيرة. قوله: (والتخلية) هي رفع الموانع والتمكين من القبض. قوله: (قبض حكما) لأنها تسليما فمن
ضرورته والحكم بالقبض. فقد ذكر الغاية التي يبنى عليها الحكم لأنه هو المقصود. وبه اندفع قول
الزيلعي: الصواب أن التخلية تسليم لأنه عبارة عن رفع المانع من القبض. وهو فعل المسلم دون
المتسلم والقبض فعل المتسلم ا ه‍. أفاده في المنح. والمراد أنه يترتب عليه ما يترتب على القبض
الحقيقي. قوله: (على الظاهر) أي ظاهر الرواية وهو الأصح. وعن أبي يوسف أنه لا يثبت في المنقول
إلا بالنقل. هداية. قوله: (وهو مضمون الخ) يعني أن ماليته مضمونة، وأما عينه فأمانة.
قال في الاختيار: ويهلك الراهن حتى يكفنه لأنه ملكه حقيقة، وهو أمانة في يد
المرتهن، حتى لو اشتراها لا ينوب قبض الرهن عن قبض
الشراء لأنه أمانة فلا ينوب عن قبض الضمان، وإذا كان ملكه فمات كان كفنه عليه ا ه‍. حموي على الأشباه. واحترز عما إذا استهلكه فإن
يضمن جميعه كما يأتي بيانه وأطلقه فشمل ما إذا شرط عدم الضمان لو ضاع، فالرهن جائز، والشرط
باطل، ويهلك بالدين كما في الخلاصة وغيرها، وشمل ما لو نقص بعيب. ففي جامع الفصولين: لو
رهنا قنا فأبق سقط الرهن، فلو وجده عاد رهنا ويسقط من الدين بحسابه لو كان أول إباقه، وإلا فلا
يسقط شئ ا ه‍. وسيجئ آخر الرهن، وشمل الرهن الفاسد أيضا فإنه يعامل معاملة الصحيح على ما
يأتي بيانه في آخر الرهن.
تنبيه: ذكر في الفصل الثلاثين من العمادية: لو رهن عبدين بألف وهلك أحدهما وقيمة الهالك
أكثر من الدين لا يسقط كل الدين بهلاكه بل يقم الدين على قيمة الحي وقيمة الهالك، فما أصاب
الهالك يسقط، وما أصاب الباقي يبقى، وكذا إذا رهن دارا بألف وخربت يقسم الدين على قيمة البناء
وقيمة العرصة يوم القبض، فما أصاب البناء يسقط، وما أصاب العرصة يبقى. كذا في المبسوط ا ه‍.
وبيانه ما في التتارخانية: رهن فروا قيمته أربعون درهما بعشرة دراهم فأكله السوس قصار قيمته
عشرة فإنه يفتكه بدرهمين ونصف ا ه‍: أي لان الهالك ثلاثة أرباع الرهن فيسقط من الدين بقدره كما في

38
البزازية، فليحفظ ذلك فإنه يخفي على كثير، وسيذكر آخر الباب الآتي: لو ذهبت عين الدابة يسقط ربع
الدين ويأتي بيانه، وسيأتي أن نقصان السعر لا يوجب سقوط الدين بخلاف نقصان العين، وإن نماء
الرهن الذي صار رهنا تبعا يهلك مجانا إلا إذا هلك بعد هلاك الأصل، ويأتي بيان الجميع إن شاء الله
تعالى. قوله: (بالأقل من قيمته ومن الدين) قال في النهاية: وفي بعض نسخ القدوري بأقل بدون الألف
واللام وهو خطأ. واعتبر هذا بقول الرجل مررت بأعلم من زيد وعمرو يكون الأعلم غيرهما، ولو كان
بالأعلم من زيد وعمرو يكون واحدا منهما، فكلمة من للتمييز ا ه‍. وقال في الموصل شرح المفصل: إن
من هذه ليست من التفضيلية التي لا تجامع الام، وإنما هي من التبيينية في قولك أنت الأفضل من قريش
كما تقول أنت من قريش ا ه‍. شرنبلالية. فالمراد أنه لو كانت القيمة أقل من الدين أو بالعكس فهو
مضمون بالأقل منهما الذي هو أحدهما، ولو قيل بأقل منكرا اقتضى أنه يضمن بشئ ثالث غيرهما هو أقل
منهما وليس بمراد، إلا أن يقال كما في القهستاني: أي بدين أو بقيمة أقل من قيمته من الدين مرتبا،
فكلمة من تفضيلية والمفضل الدين أولا والقيمة ثانيا والمفضل عليه بالعكس ا ه‍. فالمعنى بدين أقل من
قيمته أو بقيمة أقل من الدين، ولا يخفى ما فيه. قوله: (وعند الشافعي هو أمانة) أي كله له أمانة في يد
المرتهن لا يسقط شئ من الدين بهلاكه. وتمام الكلام في المطولات. قوله: (والمعتبر قيمته يوم القبض).
قال في الخلاصة: وحكم الرهن أنه لو هلك في يد المرتهن أو العدل ينظر إلى قيمته يوم القبض وإلى
الدين، فإن كانت قيمته مثل الدين سقط الدين بهلاكه الخ.
وقال الزيلعي: يعتبر قيمته يوم القبض، بخلاف ما لو أتلفه أجنبي فإن المرتهن يضمنه قيمته يوم
هلك باستهلاكه وتكون رهنا عنده. وتمامه في المنح. زاد في شرح الملتقى: والقول فيها للمرتهن
والبينة للراهن. قوله: (لا يوم الهلاك كما توهمه في الأشباه) أي في بحث ثمن المثل في الفن الثالث.
أقول: يمكن حمل ما في الأشباه على ما إذا استهلكه المرتهن، ولذا قال الرملي بعد كلام: وأنت
إذا أمعنت النظر ظهر لك الفرق بين الهلاك والاستهلاك، فقطعت في صورة الهلاك بأن المعتبر قيمته
يوم القبض، وفي صورة الاستهلاك يوم الهلاك لوروده على العين المودعة ا ه‍. قوله: (إذا لم يبين
المقدار) أما لو بين يكون مضمونا.
وصورته: أخذ الرهن بشرط أن يقرضه كذا فهلك في يده قبل أن يقرضه هلك بأقل من قيمته
ومما سمي له من القرض لأنه قبضه بسوم الرهن، والمقبوض بسوم الرهن كالمقبوض بسوم الشراء إذا
هلك في المساومة ضمن قيمته. كذا في شرح الطحاوي. حموي. قوله: (كذا في القنية) ونصها:
المقبوض على سوم الرهن إذا لم يبين المقدار الذي به رهنه وليس فيه دين لا يكون مضمونا على أصح
الروايتين. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: يعطيه المرتهن وما شاء. وعن محمد: لا أستحسن أقل
من درهم. وعن أبي يوسف: إذا ضاع فعليه قيمته ا ه‍.
أقول: وهذه مسألة الرهن بدين موعود، وسيذكرها المصنف في الباب الآتي أيضا. قوله: (فإن
هلك الخ) الأولى تقديمه على قوله: المقبوض على سوم الرهن لأنه ما تمام ما قبله ط.

39
وبيان ذلك: إذا رهن ثوبا قيمته عشرة بعشرة فهلك عند المرتهن سقط دينه، ولو قيمته خمسة
رجع على الراهن بخمسة أخرى، ولو بخمسة عشر فالفضل أمانة. كفاية. وأطلق الهلاك فشمل على الراهن ما لو
كان بعد قضاء الدين فيسترد الراهن ما قضاه من الدين لأنه تبين بالهلاك أنه صار مستوفيا من وقت
القبض السابق بزازية وغيرها. ويأتي آخر الرهن. قوله: (ويضمن بالتعدي) فلو رهن ثوبا يساوي
عشرين درهما بعشرة فلبسه المرتهن بإذن الراهن فانتقص ستة ثم لبسه بلا إذن فانتقص أربعة ثم هلك
وقيمته عشرة يرجع المرتهن على الراهن بدرهم واحد من دينه ويسقط وتسعة لان الثوب يوم الرهن كان
نصفه مضمونا بالدين ونصفه أمانة، وما انتقص بلبسه بالاذن وهو ستة لا يضمن، وما انتقص بلا إذن
وهو أربعة ويضمن ويصير قصاصا بقدره من الدين، فإذا هلك وقيمته عشرة نصفه مضمون ونصفه أمانة
فبقدر المضمون يصير المرتهن مستوفيا دينه ويبقى له درهم يرجع به على الراهن. ظهيرية وخانية
ملخصا. قوله: (وضمن بدعوى الهلاك بلا برهان) كذا في الدرر وشرح المجمع الملكي، وظاهره أنه
يضمن قيمته بالغة ما بلغت، وأنه لا يصدق بلا برهان، وأنه بإقامته ينتفي الضمان، وهذا مذهب
الامام مالك. أما مذهبنا فلا فرق بين ثبوت الهلاك بقوله مع يمينه أو بالبرهان، وهو في الصورتين
مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين كما أوضحه في الشرنبلالية عن الحقائق، وبه أفتى ابن الحلبي،
ومثله في فتاوى الكازروني وفي فتاوى المصنف.
وقد زل قدم العلامة الرملي في ذلك تبعا للمصنف هنا، فأفتى بضمان القيمة بالغة ما بلغت كما
هو مسطور في فتاواه، وصرح بذلك أيضا في حاشية المنح، وممن رد عليه صاحب الفتاوى الرحيمية
تبعا لشيخه الشرنبلالي فقال: هذا مخالف للمذهب رأسا واحدا والرجوع إلى الحق أحق. قوله:
(ظاهرة) كالحيوان والعبيد والعقار أو باطنة كالنقدين والحلي والعروض. درر. قوله: (وخصه مالك
بالباطنة) أي خص الضمان بالأموال الباطنة للتهمة. غرر الأفكار. قوله: (وله حبسه به) أي حبس
الرهن بالدين. قوله: (للعقد) أي عقد الرهن. قوله: (لا يبطل بمجرد الفسخ) بل لا بد معه من رده
على الراهن. قوله: (بل يبقى على الرهن رهنا) أي مضمونا، فلو هلك في يده سقط الدين إذا كان به
وفاء هداية. قوله: (ما بقي القبض والدين معا) أي قبض الرهن في يد المرتهن والدين في ذمة
الراهن. واني. قوله: (فإذا فات أحدهما) بأن رد الرهن أو أبرأه من الدين لم يبق رهنا فيسقط الضمان،
لان العلة إذا كانت ذات صفين يعدم الحكم بعدم أحدهما. ويرد عليه ما لو هلك قبل التسليم وبعد
قضاء الدين ويضمن ويسترد الراهن ما قضاه كما مر ويأتي، وجوابه مع ما فيه في العناية. قوله: (ولا
إجارة) فلو أجره المرتهن بلا إذن فالأجرة له كما سيذكره آخر الرهن مع بقية فروعه. قوله: (ولا
إعارة) سيذكر في باب التصرف في الرهن أحكام إعارته من الراهن أو من أجنبي بإذن أو بدونه.

40
قوله: (سواء كان) أي الانتفاع. قوله: (من مرتهن أو راهن) الأول مصرح به في عامة المتون، والثاني
صرح به في درر البحار وشرح مختصر الكرخي وشرح الزاهدي وفيه خلاف الشافعي، فعنده يجوز له
الانتفاع بغير الوطئ، والأول لا خلاف فيه كما في غرر الأفكار.
بقي لو سكن في دار الرهن هل تلزمه أجرة؟ أجاب في الخيرية: أنه لا تلزمه مطلقا أذن الراهن
أو لا مدة للاستغلال أو لا، ومثله في البزازية. وأجاب في الخيرية بذلك أيضا لو كانت ليتيم، وقد
مر ذلك آخر الغصب فراجعه. قوله: (إلا بإذن) فإذا انتفع المرتهن بإذن الراهن وهلك الرهن حالة
استعماله يهلك أمانة بلا خلاف، أما قبل الاستعمال أو بعده يهلك بالدين، ولو كان أمه لا يحل وطؤها
لان الفرج أشد حرمة لكن لا يحد بل يجب العقر عندنا. معراج. وقهل: (وقيل لا يحل للمرتهن) قال
في المنح: وعن عبد الله بن محمد بن أسلم السمرقندي وكان من كبار علماء سمرقند أنه لا يحل له أن
ينتفع بشئ منه بوجه من الوجوه وإن أذن له الراهن، لأنه أذن له في الربا لأنه يستوفي دينه كاملا
فتبقى له المنفعة فضلا فيكون ربا، وهذا أمر عظيم.
قلت: وهذا مخالف لعامة المعتبرات من أنه يحل بالاذن إلا أن يحمل على الديانة وما في
المعتبرات على الحكم، ثم رأيت في جواهر الفتاوى: إذا كان مشروطا صار قرضا فيه منفعة وهو ربا،
وإلا فلا بأس ا ه‍ ما في المنح ملخصا. وأقره ابنه الشيخ صالح. وتعقبه الحموي بأن ما كان ربا لا
يظهر فيه فرق بين الديانة والقضاء. وعلى أنه لا حاجة إلى التوفيق بعد أن الفتوى على ما تقدم: أي من
أنه يباح.
أقول: ما في الجواهر يصلح للتوفيق وهو وجيه، وذكروا نظيره فيما لو أهدى المستقرض
للمقرض: إن كانت بشرط كره، وإلا فلا. وما نقله الشارح عن الجواهر أيضا من قوله: لا يضمن يفيد
أنه ليس بربا، لان الربا مضمون فيحمل على غير المشروط، وما في الأشباه من الكراهة على المشروط،
ويؤيده قول الشارح الآتي آخر الرهن: إن التعليل بأنه ربا يفيد أن الكراهة تحريمية فتأمل. وإذا كان
مشروطا ضمن كما أفتى به في الخيرية فيمن رهن شجر زيتون على أن يأكل المرتهن ثمرته نظير صبره
بالدين.
قال ط: قلت: والغالب من أحوال الناس أنهم إنما يريدون عند الدفع الانتفاع، ولولاه لما أعطاه
الدارهم، وهذا بمنزلة الشرط، لان المعروف كالمشروط وهو مما يعني المنع، والله تعالى أعلم ا ه‍.
فائدة: قال في التتارخانية ما نصه: لو استقرض دراهم وسلم حماره إلى المقرض ليستعمله إلى
شهرين حتى يوفيه دينه أو داره ليسكنها فهو بمنزلة الإجارة الفاسدة، وإن استعمله فعليه أجر مثله ولا
يكون رهنا ا ه‍. وقدمنا في الاجارات، فتنبه. قوله: (فأكلها) سيأتي آخر الرهن عن فتاوى المصنف
أن الظاهر أن الاكل يشمل أكل ثمنها. قوله: (لم يضمن) أي ولا يسقط شئ من دينه. قنية: يعني إذا

41
لم يهلك الأصل كما يأتي بيانه. قوله: (وسيجئ) أي هذا البحث بزيادة بيان. قوله: (ماتت الشاة الخ)
يوجد في بعض النسخ متنا وسقط من بعضها ولم يكتب عليه المصنف. قوله: (الذي شربه) أي بإذن
الراهن كما صرح بفي الولوالجية، فافهم. قوله: (وحظ اللبن يؤخذه المرتهن) أي يأخذه من الراهن،
لما سيأتي أن نماء الرهن رهن مع الأصل، لما أتلفه المرتهن بإذن الراهن صار كأن الراهن أتلفه فيكون
مضمونا عليه فكان له حصة من الدين، وهذا معنى قولنا آنفا: يعني إذا لم يهلك الأصل، وسيأتي تمام
بيان ذلك آخر الرهن إن شاء الله تعالى. قوله: (صار متعديا) فيضمنه كالغصب، ولو عاد إلى الوفاق
عاد رهنا، ويأتي تمامه. قوله: (لئلا يصير مستوفيا مرتين) أي على تقدير هلاك الرهن. قال في غرر
الأفكار: فإنه لو أمر بقضاء الدين قبل الاحضار فربما يهلك الرهن أو كان هالكا فيصير مستوفيا دينه
مرتين ا ه‍. قوله: (إلا إذا كان له حمل) لأنه عاجز. شرح مجمع: أي عاجز حكما بما يلحقه من المؤنة.
ونقل الشلبي أنه إن كان في بلد الرهن يؤمر بإحضاره مطلقا، وإلا فإن لم يكن له حمل ومؤنة فكذا،
وإن كان له حمل لا يؤمر، وحمل ط ما في شرح المجمع عليه.
أقول: هذا هو المتبادر من كلامهم، لكن فيه نظر لان الواجب عليه التخلية لا النقل كما يأتي،
على أنه يخالف ما في البزازية حيث قال: إن لم يلحقه مؤنة في الاحضار يؤمر به، وإن كان مما يلحقه
مؤنة بأن كان في موضع آخر لا يؤمر به ا ه‍.
وفي الذخيرة: الأصل أنه إن قدر على احضاره بلا مؤنة فللراهن أن يمتنع عن القضاء، وإن لم
يقدر أصلا مع قيام الرهن أو لم يقدر إلا بمؤنة فلا. ثم قال بعد كلام: وإن لقيه في بلد الرهن والرهن
جارية أمر بإحضارها لقدرته بلا مؤنة، وتركنا القياس فيما يلحقه مؤنة فبقي ما عداه على أصل القياس
ا ه‍ ملخصا. فتأمل. قوله: (أو عند العدل) سيأتي متنا قريبا. قوله: (ثم سلم المرتهن رهنه) فلو هلك
قبل التسليم استرد الراهن ما قضاه لأنه صار مستوفيا عند الهلاك القبض السابق، فكان الثاني استيفاء بعد استيفاء فيجب رده. هداية. وسيأتي آخر الرهن. قوله: (تحقيقا للتسوية) أي في تعيين حق كل.
قال في الذخيرة: لان المرتهن عين حق الراهن فيجب على الرهن تعين حق المرتهن، إلا أن تعيين
الدراهم والدنانير لا يقع إلا بالتسليم ليحصل التعيين ا ه‍. فهو تعليل لوجوب تسليم الدين أولا. وأما
علة الاحضار فقد مرت في قول الشارح: لئلا يصير مستوفيا مرتين فافهم. قوله: (للرهن) متعلق
بالعقد. قوله: (مع قيامه) أي قيام الرهن، واحترز به عما إذا لم يقدر لهلاكه. قوله: (لم يؤمر به) أي

42
كما إذا لم يقدر عليه إلا بمؤنة تلحقه، وهو مذكور في الذخيرة أيضا كما قدمناه. قوله: (ولكن للراهن
الخ) استدراك على قوله: وإن لم يحضره وقوله: لم يؤمر به فهو تقييد لما قبله، وعبارة المتن تفيده،
وإنما وأتي بلكن متابعة لعبارة الذخيرة والكفاية وغيرهما، فافهم. قوله: (إن يحلفه) أي على البتات لأنه
تحليف على الهلاك في يده: ذخيرة. قوله: (وكذا الحكم عند كل نجم حل) أي لو كان الدين مقسطا
فحل قسط. قال في النهاية: وكما يكلف المرتهن إحضار الرهن لاستيفاء كل الدين يكلف الاستيفاء
نجم قد حل، هذا إذا ادعى الراهن هلاك الرهن وطلب من القاضي أن يأمره بالاحضار ليظهر حاله
فيأمره به إن كان في بلد الرهن. أما إذا لم يدع هلاكه فلا حاجة إلى إحضاره إذ لا فائدة فيه ا ه‍
ملخصا. ومثله في الزيلعي.
واعترضه العلامة الطرسوسي بأن التقييد بقوله: هذا ادعى الراهن هلاك الرهن الخ من عنده
لم يعزه إلى أحد، وهو فاسد لان فيه ترك الاحتياط في القضاء، بل يأمره القاضي بإحضاره وإن لم يدع
الراهن الهلاك لئلا يصير قاضيا بالاستيفاء مرتين إلا أن يصدقه الراهن على بقائه، وأقره ابن وهبان
فقال: تتبعت ما عندي من الكتب فلم أجد هذا لقيد، وعباراتهم تفيد صحة ما ذكره الطرسوسي،
والقياس يقتضي صحة ما في النهاية، لان الأصل عدم الهلاك وطلب إحضار المرهون حق الراهن،
فإذا لم يطلبه لا يجب على الحاكم جبر المرتهن عليه والتحليف على عدم الهلاك فيما لو كان للرهن حمل
ومؤنة كالأمر بالاحضار على هذين القولين ا ه‍ ملخصا من شرح الوهبانية لابن الشحنة. ثم حرر ابن
الشحنة المسألة واختار تفصيلا فيها وهو لزوم الاحضار مطلقا في مسألة قضاء الدين بتمامه للتعليل
المار. وأما في قضاء نجم منه لا يلزم إلا بدعوى الراهن الهلاك لأنه بدفع نجم منه لا يكون مستوفيا
لجميع الحق فلا يجبر على إحضار جميع الرهن، لكن بدعوى الهلاك توجه الطلب فيلزم الاحضار، ثم
أن التحليف على هذا التفصيل ا ه‍ ملخصا. وقد أورد هذا التفصيل في نظمه الآتي. قال الشرنبلالي:
وقد فهم الشارح أن التقييد بطلب المدعي فيما إذا أراد وفاء نجم فقط، لكنه غير مسلم لما علمته من
كلام الزيلعي الموافق لكلام النهاية ا ه‍.
وأقول وبالله أستعين: الذي يظهر لي أن الحق مع صاحب النهاية، وأن القيد للمسألتين كما فهمه
الشرنبلالي، فلا يلزم القاضي أمر المرتهن بالاحضار إلا إذا طلبه الراهن وادعى الهلاك لأنه حقه، يدل
عليه أنه في الذخيرة قيد التحليف على عدم الهلاك بطلب الراهن، وتبعه القهستاني ومثله في غرر
الأفكار.
وفي البزازية: وإن ادعى: أي الراهن هلاكه يحلف المرتهن على قيامه، فإذا حلف أمر: أي
الراهن بأداء الدين ا ه‍. ولم يقيدوه بصور وفاء الدين بتمامه أو وفاء نجم منه، وقد علمت مما مر
استواء الامر بالاحضار والتحليف وجريان النزاع فيهما، فحيث كان المنقول أنه لا يجب على القاضي
تحليفه إلا بطلب صاحب الحق، فكذا لا يجب عليه الامر بالاحضار إلا بالطلب مطلقا، هذا ما ظهر
لفهمي القاصر، والله تعالى أعلم. قوله: (كما حرره ابن الشحنة) الذي حرره هو التفصيل كما علمته.
أفاده ط. قوله: (ولا دفع الخ) أي لا يدفع الراهن الدين بتمامه ما لم يحضر المرتهن الرهن وإن لم يدع

43
الراهن الهلاك إلا أن يكون في غير بلد الرهن ولحمله مؤنة فيدفع الدين، وله تحليف المرتهن على عدم
الهلاك قوله كذا النجم: أي لا يدفع نجما حل ما لم يحضر المرتهن الرهن وإن لم يدع الهلاك، وحينئذ
فحكم النجم والدين بتمامه سواء، وهذا على غير ما في النهاية، أما على ما فيها فبينهما فرق من حيث
إنه في النجم لا يؤمر المرتهن بإحضار الرهن بدون دعوى المديون الهلاك، وإليه أشار بقوله أولا إلى
آخره عطفا على قوله: كذا النجم والمنفي بلا محذوف دل عليه مضمون الكلام قبله، فإن قوله: (ما لم يحضر الرهن) يفيد أنه يؤمر بالاحضار: أي ولا يؤمر المرتهن في صورة النجم بالاحضار إلا بدعوى
الراهن الهلاك، هذا تقدير النظم على ما فهمه ابن الشحنة من إرجاع التقييد بدعوى الهلاك في كلام
النهاية إلى مسألة النجم فقط، وادعاء الفرق بينهما وقدمنا ما فيه. قوله: (أو يكن الخ) هذا يؤيد ما
تقدم عن الشلبي من التفصيل ط. قال السائحاني: وأو هنا بمعنى إلا، والفعل بعدها حقه النصب
بأن مضمرة، إلا أنه ورد الجزم بها، ويصح عطفه على يحضر: أي لا دفع ما لم يكن الخ ا ه‍.
فالمعنى: لا دفع مدة لم يكن في غير مكان العقد: أي بأن كان في مكان العقد لأن النفي نفي
إثبات، لكن يبعد قوله: والحمل يعسر لأنه إذا كان في مكان العقد لا يحتاج إلى حمل، إلا أن يقال:
يمكن أنه نقله إلى داره فيصير معنى البيت: لا دفع إذا كان الرهن في بلدة العقد إلا إذا أحضره المرتهن
ما لم يكن له حمل ومؤنة، وعلى هذا فهو مخالف لما مر عن الشلبي مؤيد لما قدمناه عن البزازية والذخيرة
لكنه بعيد، فتأمل. قوله: (ولا يكلف مرتهن الخ) لأنه لم يؤتمن عليه حيث وضع على يد غيره فلم يكن
تسليمه في قدرته. قوله: (عند العدل) هو من يوضع عنده الرهن ويأتي له باب مخصوص. قوله:
(بأمر الراهن) متعلق بوضع. قوله: (لاذنه بذلك) أي بالبيع فصار كأنهما تفاسخا الرهن وصار الثمن
رهنا ولم يسلم إليه بل وضعه على يد عدل. وتمامه في الهداية وشروحها. قوله: (تمكين الراهن من
بيعه) يعني لا يكلف تسليم الرهن ليباع بالدين لان عقد البيع لا قدرة للمرتهن على المنع منه.
شرنبلالية. نعم يتوقف نفاذ البيع على إجازة المرتهن أو قضاء دينه، ولا ينفسخ بفسخه في الأصح كما
يأتي بيانه. قوله: (ولا يكلف من قضى الخ) من واقعه على المرتهن وقضى مبني للمجهول وبعض نائب
الفاعل: أي بعض دينه الثابت له على الراهن، وقوله: أو أبرأ مبني للمعلوم. قوله: (اعتبارا بحبس
المبيع) أي عند البائع فإنه لا يلزمه تسليم بعضه بقبض بعض الثمن، لكنه لو رهنه عبدين وسمى لكل
شيئا من الدين له قبض أحدهما بأداء ما سمى له، بخلاف البيع كما سيذكره في الباب الآتي. قوله:
(وعياله) المعتبر في كون الشخص عيالا له أن يساكنه سواء كان في نفقته أم لا، كالزوجة والولد

44
والخادم الذين في عياله والزوج الأجير الخاص مشاهرة أو مسانهة لا مياومة، ويجري مجرى العيال
شريك المفاوضة والعنان، ولا يشترط المفاوضة والعنان، ولا يشترط في الزوجة والولد كونهما في عياله ا ه‍. غرر الأفكار. قوله:
(وضمن الخ) مفعوله قوله الآتي: كل قيمته فهو ضمان الغصب لا ضمان الرهن، والمراد أنه يضمن
بهذه الأشياء إذا هلك بسببها، وكل فعل يغرم به المودع يغرم به المرتهن، وما لا فلا، إلا أن الوديعة لا
تضمن بالتلف كما في جامع الفصولين. وفيه: لو خالف ثم عاد فهو رهن على حاله، فلو ادعى
الوفاق وكذبه راهنه صدق راهنه لأنه أقر بسبب الضمان.
تنبيه: لو مات المرتهن مجهلا يضمن كما في الخيرية وغيرها. قوله: (وتعديه) عطف عام على
خاص: أي كالقراءة والبيع واللبس والركوب والسكنى بلا إذن. قهستاني. قوله: (كل قيمته) أي بالغة
ما بلغت لأنه صار غاضبا إتقاني وفي الهداية لان الزيادة على مقدار الدين أمانه والأمانات تضمن
بالتعدي. قوله: (فيسقط الدين بقدره) أي يسقط الدين جميعه حالة كونه بقدر ما ضمن، وإلا رجع كل
منهما على صاحبه بما فضل، وكان الأولى ذلك لان فيه تفصيلا يأتي في المتن قريبا. قوله: (على ما
اختاره الرضي) أقول: الذي في البزازية وغيرها أنه اختاره السرخسي، وكان ما هنا من تحريف النساخ
إذا لم يشتهر هذا الاسم على أحد من أئمتنا فيما أعلم. تأمل. قوله: (لكن قدمنا في الحظر عن
البرجندي هنا) أي عن شرح البرجندي في هذا المحل، وهو كتاب الرهن. ثم إن الذي قدمه في الحظر
لم يعزه إلى البرجندي. نعم عزاه إليه في الدر المنتقى حيث قال: كذا نقله البرجندي في الرهن عن
كشف البزودي ا ه‍. وفي بعض النسخ بدل لفظ فيها فقال ط: أي في اليمين. قوله: (إنه) أي إن
جعله في اليمين. قوله: (قلت ولكن الخ) هذا معنى ما قدمه في الحظر أن ذاك الشعار كان وبان،
وقدمنا هناك أن الحق التسوية بين اليمين واليسار لثبوت كل منهما عن سيد الأخيار صلى الله عليه وآله. ثم إن هذا
استدراك على الاستدراك، فهو تأييد لما في المتن من التسوية بينهما بناء على أنه يلبس في كل منهما فهو
استعمال لا حفظ فلذا يضمن، وعلى هذا فقوله: فينبغي الخ لا حاجة إليه، لأنه عين ما في المتن،
وهو المصرح به في الهداية وغيرها فلا حاجة إلى إثباته بالبحث والقياس الذي لسنا أهلا له. قوله: (لا
يجعله الخ) عطف على قول المصنف بجعل خاتم الرهن في خنصره أي لا يضمن بجعله في غير
الخنصر.
والأصل في هذا أن المرتهن مأذون بالحفظ دون الاستعمال، فجعل الخاتم في الخنصر استعمال
موجب للضمان، وفي غيرها حفظ لا لبس لأنه لا يقصد في العادة فلا يضمن، وكذلك الطيلسان إن
لبسه تلبس الطيالسة ضمن لأنه استعمال، وإلا كأن وضعه على عاتقه فلا لأنه حفظ، ثم المراد
بعدم الضمان فيما يعد حفظا لا استعمالا أنه لا يضمن ضمان الغصب، لا أنه لا يضمن أصلا لأنه
مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين كما صرح به في شرح الطحاوي. إتقاني ملخصا. قوله: (فإن

45
الشجعان الخ) كذا في الهداية والتبيين، وظاهره لزوم الضمان وإن لم يكن المرتهن من الشجعان مع أنهم
في لبس الخاتم اعتبروا حال المرتهن نفسه، والظاهر أن المراد هنا ما إذا كان منهم بدليل قول قاضيخان
وغيره. وفي السيفين إذا كان المرتهن يتقلد بسيفين لأنه استعمال ا ه‍. فقد نظر إلى حال المرتهن كما في
الخاتم، وبحمل ما هنا عليه تندفع المنافاة، فافهم. قوله: (لا الثلاثة) فيكون حفظا لا استعمالا فلا
يضمن. قوله: (وفي لبس خاتمه الخ) وكذا لو رهنه خاتمين فلبس خاتما فوق خاتم. زيلعي. قوله:
(يرجع إلى العادة) أي عادة المرتهن وإن خالفت عادة غيره كما يؤخذ مما بعده. قوله: (ثم إن قضى بها
الخ) تفصيل وبيان لما أجمله سابقا. قوله: (أي بالقيمة المذكورة) أي في قوله: كل قيمته. قوله: (من
جنس الدين) والدراهم والدنانير جنسان مختلفان كما يستفاد من شرح الحموي. أبو السعود. قال ط:
وبه صرح في المعدن مكي ا ه‍. قوله: (وطالب المرتهن الراهن بالفضل) أي بما زاد من الدين على ما
ضمنه، ولو الدين أقل طالب الراهن المرتهن بالفضل، فلو قال كما في الزيلعي: وطالب كل واحد
منهما صاحبه بالفضل لكان أشمل. قوله: (وحافظه) عطف على بيت. قوله: (ونفقة الرهن) كمأكله
ومشربه وكسوة الرقيق وأجره ظئر ولد الرهن وسقي البستان وكري النهر وتلقيح نخيله وجذاذه والقيام
بمصالحة. هداية.
فرع: باع عبدا برغيف بعينه فلم يتقابضا حتى أكل العبد الرغيف صار البائع مستوفيا للثمن،
بخلافه ما لو رهن دابة بقفيز شعير فأكلته لا يصير المرتهن مستوفيا للدين، والفرق أن النفقة في الأول
على البائع وفي الثاني على الرهن. جوهرة ملخصا. قوله: (والخراج والعشر) بالرفع عطفا على أجرة.
وفي البزازية: أخذ السلطان الخراج أو العشر من المرتهن لا يرجع على الراهن، لأنه إن تطوع
فهو متبرع، وإن أكره فقد ظلمه السلطان والمظلوم لا يرجع إلا على الظالم ا ه‍. قوله: (فعلى الراهن)
سواء كان في الرهن فضل أو لا. هداية. قوله: (لأنه ملكه) فعليه كفايته ومؤنته. قوله: (شئ منه)
أي مما يجب على المرتهن.
وفي الجوهرة: لو شرط الراهن للمرتهن أجرة على حفظ الرهن لا يستحق شيئا لان الحفظ

46
واجب عليه، بخلاف الوديعة، لان الحفظ غير واجب على المودع ا ه‍. قوله: (كمداواة جريح) أي
مداواة عضو جريح أو عين ابيضت ونحو ذلك مما يذكره. قوله: (على المضمون) أي ما دخل في
ضمان المرتهن والأمانة خلافه. قوله: (وإلا فعلى المرتهن) أي فقط لأنه محتاج إلى إعادة يد الاستيفاء التي
كانت له. قوله: (وكذا) أي ينقسم على المضمون وعلى الأمانة كما في الهداية وغيرها. وفي البزازية:
ثمن الدواء وأجرة الطبيب على المرتهن. وذكر القدوري: أن ما كان من حصة الأمانة فعلى الراهن،
ومن المشايخ من قال: ثمن الدواء على المرتهن إنما يلزم أن لو حدثت الجراحة في يده فلو عند الراهن
فعليه. وقال بعضهم: وعلى المرتهن بكل حال، وإطلاق محمد يدل عليه ا ه‍. قوله: (كان متبرعا) لأنه
غير مضطر فيه لأنه يمكنه الرفع إلى القاضي. قوله: (فحينئذ يرجع عليه) فلو كان الابي هو الراهن
يرجع المرتهن عليه، سواء كان المرهون قائما أو لا، ولا يكون رهنا بالنفقة فليس له الحبس بذلك،
وهو قول الإمام. بزازية. قوله: (لا يرجع) وعليه أكثر المشايخ، لان هذا الامر ليس للالزام بل
للنظر، وهو متردد بين الامر حسبه أو ليكون دينا، والأدنى أولى ما لم ينص على الاعلى كما في
الذخيرة.
بقي ما إذا لم يكن في البلدة قاض أو كان من قضاة الجور. قال العلامة المقدسي: لا يصدق
المرتهن على النفقة إلا ببينة ا ه‍: يعني لا يصدق على أنه أنفق ليرجع إلا ببينة على الرجوع على ما يظهر
لي. سائحاني. قوله: (وعن الامام الخ) أفاد بحكاية الخلاف في الحاضر أن ما في المتن مفروض في
الغائب. قوله: (مطلقا) أي وإن كان بأمر القاضي لأنه يمكنه أن يرفع إلى القاضي فيأمر صاحبه بذلك
ا ه‍ ح. قمله (خلافا للثاني) حيث قال: يرجع حاضرا وغائبا كما في الذخيرة، لكن في الخانية أنه
لو كان حاضرا وأبى عن الانفاق فأمر القاضي به رجع عليه، وبه يفتى ا ه‍. قهستاني. فالمفتي به قول
الثاني. وعليه فلا فرق بين الحاضر والغائب وهو ظاهر إطلاق المتن. قوله: (وهي فرع مسألة الحجر)
لان القاضي لا يلي على الحاضر ولا ينفذ أمره عليه، لأنه لو نفذ أمره عليه لصار محجورا عليه وهو لا
يملك حجره عنده. وعند أبي يوسف: يملك فينفذ أمره عليه. زيلعي. قوله: (بخلاف ما لو ادعى
المرتهن رده الخ) أي وأنه هلك بعد الرد وادعى عليه الراهن أنه هلك عند المرتهن. قوله: (لأنه المنكر)
لأنهما اتفقا على دخوله في الضمان والمرتهن يدعي البراءة والراهن ينكرها، فكان القول قوله. بدائع.
قوله: (ويسقط الدين) أي بهلاكه فإن الكلام فيه. ط. قوله: (لاثباته الزيادة) علة لقول: فللراهن
أيضا ا ه‍ ط.

47
وعبارة البدائع: ولو أقاما البينة فالبينة بينته أيضا لأنها تثبت استيفاء الدين وبينة المرتهن تنفي ذلك
فالمثبتة أولى ا ه‍. وهي تفيد قبول بينة المرتهن إذا انفردت. شرنبلالي. قوله: (ولو قبل قبضه) الأولى أن
يقول: ولو في هلاكه قبل قبضه: أي لو اختلفا في هلاك الرهن فزعم المرتهن أنه هلك في يد الراهن
قبل قبضه وقال الراهن بعد القبض ط. قوله: بزازية عبارتها: زعم الراهن هلاكه عند المرتهن
وسقوط الدين وزعم المرتهن أنه رده إليه بعد القبض وهلك في يد الراهن فالقول للراهن لأنه يدعي
عليه الرد العارض وهو ينكر فإن برهنا فللراهن أيضا ويسقط الدين لاثباته الزيادة، وإن زعم المرتهن
أنه هلك في يد الراهن قبل قبضه فالقول للمرتهن لانكاره دخوله في ضمانه، وإن برهنا فللراهن
لاثباته الضمان ا ه‍. وهي عبارة واضحة لا غبار عليها ط.
تنبيه: ظهر من هذا أن المسألة مفروضة في دعوى الهلاك والاختلاف في زمنه هل هو قبل
الرد أو بعده وهي المذكورة في عامة الكتب. أما إذا كان الاختلاف في دعوى الرد من غير ذكر الهلاك
فقد ألف فيه الشرنبلالي رسالة سماها (الاقناع في الراهن والمرتهن إذا اختلفا في رد الرهن ولم يذكر الضياع وقد
تردد في جواب الحكم فيها فقال: قد يجاب بأن القول للراهن بيمينه، نص عليه في معراج الدراية
بقوله: ولو اختلفا في رد الرهن فالقول للراهن بلا خلاف لأنه منكر ا ه‍. قال: لكن قد يحمل على ما
إذ اختلفا في الرد والهلاك، لان سياق كلام المعراج في الاختلاف في الهلاك، وقد صرحوا بأن الرهن
بمنزلة الوديعة في يد المرتهن وأنه أمانة في يده، وبأن كل أمين ادعى إيصال الأمانة إلى مستحقها قبل
قوله في حياة المستحق أو بعد وفاته، فمن ادعى استثناء المرتهن من هذه الكلية فعليه البيان، ويعارض
كلام المعراج بما لو ادعى المرتهن هلاك الرهن عنده وأنكره الراهن فإن القول للمرتهن بيمينه لأنه أمين
كالمودع والمستعير مع أن الراهن منكر، ثم قال: وعلى ما في المعراج هل يسقط قدر الدين ولا يضمن
الزائد أو لا ضمان أصلا نظرا للأمانة وإقرار الراهن بعدم قضاء الدين أو يضمن كل القيمة، فليتق الله
تعالى الحاكم والمفتي، ولينظر نصا يفيد ذلك ا ه‍ ملخصا.
أقول: لكن الفرق ظاهر بين الرهن وغيره من الأمانات لأنه مضمون بالدين، فكيف يصدق في
الرد؟ وأما ما عارض به كلام المعراج فلا يخفى عدم وروده، لان الضمير في عنده إن كان للمرتهن فلا
معنى لكون القول له، لان الدين يسقط بهلاك الرهن عند المرتهن فلا معارضة لأنه لم ينف الضمان عن
نفسه، وفي دعواه الرد ينفي الضمان عن نفسه، وإن كان الضمير للراهن فإنما يكون القول للمرتهن
بيمينه إذا ادعى الهلاك قبل القبض لا بعده كما مر عن البزازية. والفرق بينه وبين دعوى مجرد الرد بعد
القبض أظهر من أن يخفى.
ورأيت في فتاوى قارئ الهداية ما نصه: سئل عن المرتهن إذا ادعى رهن العين المرهونة وكذبه
الراهن هل القول له؟ أجاب: لا يكون القول قوله في رده مع يمينه، لان هذا شأن الأمانات لا
المضمونات بل القول للراهن مع يمينه في عدم رده إليه ا ه‍. ومثله في فتاوى ابن
الشلبي وفتاوى ابن نجيم وهو عين ما في المعراج فلزم اتباع المنقول، كيف وهو المعقول، ومقتضى عدم قبول قوله ضمانة
الجميع، لكن ينبغي أن يقال: إن ذلك كله فيما إذا كان الرهن غير زائد على
الدين، فإن كان زائدا لا يضمن الزيادة لتمحضها أمانة غير مضمونة فيكون قوله فيها سواء ادعى مجرد الرد أو مع

48
الهلاك، هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم. وهذا التحرير من خواص كتابنا هذا، ولله تعالى الحمد.
قوله: (إذا كان الطريق آمنا) أي ولم يقيد بالمصر، أما إذا قيد به لا يملكه. وتمامه في ط. قوله: (وكذا
الانتقال عن البلد) أي الانتقال عن بلد للسكنى في بلد آخر. تأمل. قوله: (وكذا العدل) أي كالمرتهن
فيما ذكر. قوله: (على خلاف ما في فتاوى القاضيين) أي قاضيخان والقاضي ظهير الدين حيث قالا:
ليس للمرتهن أن يسافر بالرهن، وزاد الأول وهذا عند الصاحبين. قوله: (ولعل ما في العدة) سبقه إلى
هذا التوفيق صاحب جامع الفصولين. واعترضه الرملي بأنه لا حاجة إلى التوفيق، فإن ما في قاضيخان
صريح في أن قولهما. قوله: (إذا عمي الرهن) عمي عليه الخبر: أي خفي مجز من عمي البصر.
مغرب. قال ط: لم أقف على ضبطه، وقد قرئ قوله تعالى: * (فعميت عليكم) * (هود: 82) بالتخفيف
والتشديد، والمراد إذا خفى حاله ولم تدر قيمته وقد اتفقا على هلاكه ا ه‍. قوله: (فهو بما فيه) الباء
للمقابلة والمعاوضة. سعدي. قوله: (ضمن بما فيه من الدين) فيسقط الدين عن الراهن، وهذا إذا لم
يعلم أنه أقل فإن علم واشتبهت قيمته يراجع حكمه ط. قوله: (كذا ذكره المصنف) وكذا في الهداية
والعناية، وقال في النهاية: كذا في المبسوط حاكيا هذا التأويل عن الفقيه أبي جعفر. والله تعالى
أعلم.
باب ما يجوز ارتهانه وما لا يجوز
قوله: (لا يصح رهن مشاع) أي إلا إذا كان عبدا بينهما رهناه عند رجل بدين له على كل واحد
منهما رهنا واحدا، فلو رهن كل نصيبه من العبد لم يجز كما في القهستاني على الذخيرة، وإلا إذا ثبت
الشيوع فيه ضرورة كما يأتي آخر السوادة. قوله: (مطلقا) يفسره ما بعده، وإنما لم يجز لان موجب
الرهن الحبس الدائم، وفي المساع يفوت الدوام لأنه لا بد من المهايأة فيصير كأنه قال: رهنتك يوما دون
يوم. وتمامه في الهداية. قوله: (مقارنا) كنصف دار أو عبد. قوله: (أو طارئا) كأن يرهن الجميع ثم
يتفاسخا في البعض أو يأذن الراهن للعدل أن يبيع الرهن كيف شاء فباع نصفه ا ه‍. منح. وفي رواية
عن أبي يوسف أن الطارئ لا يضر، والصحيح الأول كما في النهاية والدرر، وسيذكر الشارح آخر
الرهن لو استحق كله، أو بعضه. قوله: (من شريكه أو غيره) لان الشريك يمسكه يوما رهنا ويوما
يستخدمه فيصير كأنه رهن دون يوم. وأما إجارة المشاع فإنما جازت عنده من الشريك دون
غيره، لان المستأجر لا يتمكن من استيفاء ما اقتضاه العقد إلا بالمهاياة، وهذا المعنى لا يوجد في
الشريك. أفاده الإتقاني: أي لان الشريك ينتفع به بلا مهايأة في المدة كلها بحكم العقد وبالملك بخلاف

49
غيره. قوله: (يقسم أولا) بخلاف الهبة، لان المانع فيها غرامة القسمة: أي أجرة القسام وهي فيما
يحتمل القسمة لا فيما لا يحتملها. معراج. قوله: (والصحيح أنه فاسد) وقيل: باطل لا يتعلق به
الضمان، وليس بصحيح لان الباطل منه ما لم يكن مالا أو لم يكن المقابل به مضمونا، وما نحن فيه
ليس كذلك بناء على أن القبض شرط تمام العقد لا شرط جوازه ا ه‍. عناية. وسيأتي آخر الرهن،
وسيأتي أيضا هناك أن كل حكم عرف في الرهن الصحيح فهو الحكم في الرهن الفاسد لكنه مقيد بما
إذا كان الرهن سابقا على الدين، ويأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قوله: (ما قبل البيع قبل الرهن) أي كل
ما يصح بيعه صح رهنه. قوله: (والمشغول) أي بحق الراهن كما قيده الشارح أول الرهن احترازا عن
المشغول بملك غير الراهن فلا يمنع كما في حاشية الحموي عن العمادية.
أقول: وكذا يمنع المشغول بالراهن نفسه لما في الهداية: ويمنع التسليم كون الراهن أو متاعه في
الدار المرهونة ا ه‍. قال في المعراج: فإذا خرج منها يحتاج إلى تسليم جديد لأنه شاغل لها كشغلها بالمتاع،
وكذا متاعه في الوعاء المرهون يمنع التسليم. والحيلة أن يودع أولا ما فيه عند المرتهن ثم يسلمه ما رهن ا
ه‍. قوله: (والمتصل بغيره) صفة لموصوف محذوف: أي والشاغل المتصل بغيره كالبناء وحده أو النخل أو
الثمر بدون الأرض أو الشجر كما سيذكره. واحترز به عن الشاغل المنفصل كما لو رهن ما في الدار أو
الوعاء بدونهما وسلم الكل فإنه يجوز كما في الهداية والخانية، فافهم. وأراد بالمتصل التابع لما في
الهداية: رهن سرجا على دابة أو لجاما في رأسها ودفع الدابة مع السرج واللجام لا يكون رهنا حتى ينزعه
منها ثم يسلمه إليه لأنه من توابع الدابة بمنزلة الثمرة للنخيل حتى قالوا: يدخل فيه من غير ذكر ا ه‍: يعني
لو رهن دابة عليها سرج أو لجام يدخل في الرهن. معراج. وبهذا ظهر أن تقييده المتصل فيما مر وفيما
يأتي بقوله خلقة غير ظاهر، فتدبر. قوله: (والمعلق عتقه بشرط قبل وجوده) كما إذا قال لعبده إن دخلت
هذه الدار فأنت حر فإنه يصح بيعه لا رهنه، ولعله لان حكم الرهن الحبس الدائم إلى الاستيفاء، وحبس
مثل هذا لا يدوم لأنه قد يدخل الدار فيعتق فلا يمكن منه الاستيفاء ا ه‍. ط
أقول: وما ذكره الشارح نقله البيري عن شرح الأقطع. ثم نقل عن روضة القضاة: لو علق
عتق عبد بصفة ثم رهنه جاز خلافا للشافعي ا ه‍. تأمل. قوله: (غير المدبر) شمل المطلق المقيد.
حموي: أي فكل منهما لا يجوز رهنه، وفيه نظر، فقد ذكر الشارح في بابه أن المقيد يباع ويوهب
ويرهن، وصرح به أيضا هناك الباقاني في شرح الملتقى، وهو من علق عتقه بموت سيده لا مطلقا بل
على صفة خاصة، كإن مت من مرضي هذا أو في سفري أو نحوه، ولينظر الفرق بين المعلق عتقه
بشرط غير الموت على ما ذكره. حيث لم يجز رهنه وبين المدبر المقيد حيث جاز. قوله: (فيجوز بيعها لا
رهنها) أي الأربعة المذكورة غير المدبر، فإن المطلق لا يجوز بيعه ولا رهنه، والمقيد يجوزان فيه. قوله:
(وفيها) أي في الأشباه من الفن الخامس في الحيل والمسألة مذكورة في حيل الولوالجية آخر الكتاب.
قوله: (أن يبيع منه) أي من المرتهن بثمن قدر الدين الذي يريد الرهن به. قوله: (ثم يفسخ البيع) أي
بحكم الخيار. قوله: (قال المصنف) أي في المنح آخر هذا الباب.

50
ونصه قلت: وعندي في صحة هذه الحيلة نظر ظاهر، لما تقرر سابقا من أن الصحيح أن الشيوع
الطارئ مفسد كالمقارن: ويمكن أن تكون مفرعة على القول المقابل للصحيح، وهو أن الشيوع
الطارئ غير مفسد وفيه نظر ا ه‍. والظاهر أنه أراد بالنظر الثاني ما ذكره الشارح بعد، فافهم. قوله:
(إما أن يبقى في ملكه) أي ملك البائع فيما إذا كان الخيار له، لان خياره يمنع من خروج المبيع عن
ملكه فيكون رهنه النصف في مدة الخيار رهنا لبعض ملكه وهو رهن المشاع ابتداء، فافهم. قوله: (أو
يعود لملكه) أي البائع فيما إذا كان الخيار للمشتري، لان المبيع يخرج به عن ملك البائع، ولا يملكه
المشتري عنده ويملكه عندهما، فعلى قولهما يكون رهن المشاع ابتداء من الشريك سواء فسخ البيع أو
أجازه، وعلى قوله: إن أجازه دخل في ملكه وإلا عاد إلى ملك البائع، وعلى كل فرهنه النصف في مدة
الخيار يكون رهن مشاع ابتداء من الأجنبي، وكان ينبغي للشارح أن يزيد أو يدخل في ملك المشتري
بعد قوله: أو يعود لملكه. قوله: (كما بسطه في تنوير البصائر) أي للشرف الغزي. محشي الأشباه.
وحاصله مع الايضاح ما قدمناه. قوله: (فتبقى في يده بمنزلة الرهن بالثمن) فإن أصابها عيب ذهب
من الدين بحسابه. منح عن حيل الخصاف.
وحاصله: أن هذا ليس رهنا حقيقة لا صحيحا ولا فاسدا، إذ لم يوجد عقده وإنما هو بمنزلته،
لان حبس الدار حتى يقبض الثمن، كما إذا فسخ الإجارة فإن له حبس المأجور حتى يقبض الأجرة،
ولما كان له في ذلك الحبس منفعة كان المحبوس مضمونا عليه بقيمته إذا هلك، بخلاف الأمانات فإنها
لا تضمن إلا بالاستهلاك، وبخلاف الرهن الحقيقي فإن مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين، فقد
ظهر بما قررناه وجه قوله: بمنزلة الرهن أي بمنزلته من حيث ثبوت حق الحبس فقط لا من حيث إنه
يضمن كضمان الرهن، والدليل على ذلك وعلى أنه ليس كسائر الأمانات ما في خيارات جامع
الفصولين: باع أرضا بخيار وتقابضا فنقضه البائع في المدة تبقى الأرض مضمونة بالقيمة على المشتري
وله حبسها بثمن دفعه إلى البائع ا ه‍. وعليه فلو هلكت وقيمتها مثل الثمن الذي قبضه البائع سقط،
ولو أقل سقط منه بحسابه، وهذا ما ظهر لي، فافهم. قوله: (وفيها الخ) تأمله مع المسألة الآتية في
المتن آخر هذا الباب. قوله: (ليس بأولى) أي بكونه رهنا. قوله: (أو بناء) كعمارة قائمة في أرض
وقف كما أفتى به في الحامدية أو في أرض سلطانية كما في التتارخانية. قوله: (بدونها) أي بدون
الأرض. قوله: (كرهن الشجر لا الثمر) أي كرهن الشجر بمواضعها أو تبعا للأرض مع التنصيص

51
على نفي الثمر ليكون الفساد من هذه الجهة، فلو لم ينص دخل الثمر تبعا تصحيحا للعقد، بخلاف
البيع لان بيعه بدون الثمر جائز، ولا ضرورة إلى إدخاله من غير ذكر، وبخلاف المتاع في الدار حيث
لا يدخل في رهن الدار من غير ذكر لأنه ليس بتابع بوجه، وكذا بدخل الزرع والرطبة والبناء والغرس
في رهن الأرض والدار والقرية لما ذكرنا كما في الهداية. قوله: (خلقة) المناسب حذفه كما فعل في
الهداية وغيرها ليشمل البناء والسرج واللجام كما قدمناه. قوله: (وعن الامام الخ) لان الشجر اسم
للنابت فيكون استثناء للأشجار بمواضعها، بخلاف رهن الدار دون البناء لان البناء اسم للمبنى فيصير
راهنا جميع الأرض وهي مشغولة بملك الراهن. هداية. قوله: (لأنه اتصال مجاورة) علة لجواز رهن
الشجر بمواضعها: أي لان اتصال الشجر ومواضعها القائمة فيها بباقي الأرض اتصال مجاورة لا اتصال
تبعية كالبناء وسرج الدابة، ولا اتصال خلقة كالثمر فهو كرهن متاع في وعاء فلا يضر. قوله: (صح
في العرصة) أي والسقف والحيطان الخاصة كما في القنية. قوله: (لكونه تبعا) مخالف لما قدمناه (1) عن
الهداية في رهن السرج على الدابة: من أنه لا يجوز حتى ينزعه لأنه من توابعها، فتأمل. قوله: (ولا
رهن الحر الخ) لأنه لا يتحقق الاستيفاء من هؤلاء لعدم المالية في الحر وقيام المانع في الباقين. هداية.
قوله: والمدبر أي المطلق كما قدمناه، وهو مستفاد من التعليل المذكور. قوله: (ولا بالأمانات) أي لا
يصح أخذ الرهن بها، لأن الضمان عبارة عن رد مثيل الهالك إن كان مثليا، أو قيمته إن كان قيميا،
فالأمانة إن هلكت فلا شئ في مقابلتها، وإن استهلكت لا تبقى أمانة بل تكون مغصوبة. حموي.
قوله: (كوديعة وأمانة) الأصوب وعارية وكذا مال مضاربة وشركة كما في الهداية، ومر في باب
التدبير أن شرط واقف الكتب أن لا تخرج إلا برهن شرط باطل لأنه أمانة، فإذا هلك لم يجب شئ.
ذكر في الأشباه في بحث الدين أن وجوب اتباع شرطه وحمل الرهن على المعنى اللغوي غير بعيد.
قوله: (ولا بالدرك) بالتحريك. قوله: (خوف استحقاق المبيع) تفسير الحاصل المعنى، لان الرهن إنما
هو بالثمن وذلك بأن يخاف المشتري استحقاق المبيع فيؤخذ من البائع رهنا بالثمن. قوله: (فالرهن به
باطل) فيكون أمانة كما يأتي. قوله: (بخلاف الكفالة) أي بالدرك فإنها جائزة. والفرق أن الرهن
للاستيفاء ولا استيفاء قبل الوجوب، لان ضمان الدرك هو الضمان عند استحقاق المبيع فلا يصح
مضافا إلى حال وجوب الدين، لان استيفاء معاوضة وإضافة التمليك إلى المستقبل لا تجوز. أما
الكفالة فهي الالتزام المطالبة لا لالتزام أصل الدين، ولذا لو كفل بما يذوب له على فلان يجوز، ولو



(1) قوله: (مخالف لما قدمناه) فيه نظر ظاهر، فإن وجوب النزع هناك يكون عقد الرهن ورد على السرج وهو متصل
فيجب النزع وفي مسألتنا العقد لم يرد على السقف قصدا بل تبعا للدار فلا يضره الاتصال بالتبعية، وكم من شئ يصح
ضمنا ولا يصح قصدا ا ه‍ تأمل.
52
رهن به لا يجوز. كفاية ملخصا. قوله: (كم مر) أي في كتاب الكفالة. قوله: (أي بغير مثل أو قيمة)
لأنهما بمنزلة العين كما يأتي بيانه. قوله: (مثل المبيع) بأنت اشترى عينا ولم يقبضها ثم أخذ بها رهنا من
البائع فالرهن باطل، لأنه لا يجب على البائع بهلاك المبيع شئ يستوفي من الرهن وإنما يبطل البيع
ويسقط الثمن وتمامه في الكفاية وغاية البيان والجوهرة والزيلعي.
هذا، وفي القهستاني: وقال شيخ الاسلام: إنه فاسد، لان الرهن مال والبيع متقوم والفاسد
يلحق بالصحيح في الاحكام كما في الكرماني. وذكر في المبسوط أنه جائز فيضمن بالأقل من قيمته
ومن قيمة العين. وبه أخذ الفقيه أبو سعيد البردعي وأبو الليث، وعليه الفتوى كما في الكرماني وغيره
ا ه‍. قوله: (ولا بالكفالة بالنفس) كأن كفل زيد بنفس عمرو على أنه إن لم يواف به إلى سنة فعليه
الألف الذي عليه ثم أعطاه عمرو بالمال رهنا إلى سنة فهو باطل لأنه لم يجب المال على عمرو بعد، وكذا
لو قال: إن مات عمرو ولم يؤدك فهو علي ثم أعطاه رهنا لم يجز. وتمامه في المنح عن الخانية.
قوله: (ولا بالقصاص) لتعذر استيفائه من المرهون. قوله: (بخلاف الجناية خطأ) وبخلاف الدية
وجراحة لا يستطاع فيها القصاص قضى بأرشها، فلو أخذ به رهنا جاز ا ه‍. در منتقى. قوله: (ولا
بالشفعة) أي لا يجوز أخذ الرهن من المشتري الذي وجب عليه تسليم المبيع من أجل الشفعة
لان المبيع غير مضمون عليه ط. قوله: (وبأجرة النائحة والمغنية) لبطلان الإجازة فلم يكن الرهن مضمونا إذ لا
يقابله شئ مضمون. قوله: (وبالعبد الجاني أو المديون) لان غير مضمون على المولى، لأنه لو هلك لا
يجب عليه شئ. منح. قوله: (قبل الطلب) مفهمومه الضمان بعده وبه صرح في جامع الفصولين حيث
قال: الرهن بأمانة كوديعة باطل يهلك أمانة لو هلك قبل حبسه وضمن لو بعده. قوله: (ولا رهن خمر
الخ) لان المسلم لا يملك الايفاء إذا كان هو الرهن، ولا الاستيفاء إذا كان هو المرتهن، وكذا الحكم
في الخنزير. إتقاني.
أقول: والكلام الآن فيما لا يجوز الرهن به، وما ذكره هنا بيان أن الخمر لا يجوز رهنه فهو ليس
مما نحن فيه فكان ينبغي تقديمه. تأمل.
وقد ذكر مسألة الرهن به في جامع الفصولين فقال: الرهن بخمر باطل فهو أمانة، وهذا في
مسلمين، وكذا لو كان المرتهن مسلما والراهن كافرا وصح بينهما لو كافرين ا ه‍. لكن في الجوهرة أن
الرهن بالخمر والخنزير فاسد يتعلق به الضمان ا ه‍. وقدمنا عن العناية أن الباطل ما لم يكن مالا أو لم
يكن المقابل به مضمونا، فتأمل. قوله: (ولا يضمن له) كما لا يضمنها بالغصب منه لأنها ليست بمال
في حق مسلم. منح. قوله: (وفي عكسه الضمان) أي إن كان الراهن ذميا والمرتهن مسلما يضمن

53
الخمر للذمي، كما إذا غصب. منح. وظاهره أنها تضمن بلا تعد ضمان الرهن، لان الرهن هنا مال
عند الذمي والمقابل به مضمون فهو رهن صحيح لا فاسد ولا باطل. تأمل. قوله: (أي بالمثل أو
بالقيمة) فسر النفس بهما باعتبار أنهما قائمان مقامهما، والمراد أنها مضمونة بالمثل لو مثلية، وبالقيمة لو
قيمية. قوله: (كالمغصوب الخ) أي كالعين المغصوبة أو المجعولة بدل خلع أو مهرا أو صلح لأن الضمان
متقرر، فإنها إن كانت قائمة وجب تسليمها، وإن هالكة وجب قيمتها فكان الرهن بها رهنا بما
هو مضمون فيصح كما في الهداية. قوله: (كالأمانات) أي ولا يصح الرهن بها، وقد قدمنا وجهه عن
الحموي. قوله: (وعين غير مضمونة) أي حقيقة، لأنها إذا هلكت يهلك ملك البائع فلا يجب عليه
شئ كما إذا هلكت الوديعة، وقوله: لكنها تشبه المضمونة باعتبار سقوط الثمن إن لم يقبض ورده إذا
قبض ولذا سميت فيما مر مضمونة بغيرها، وقدمنا أن الرهن بها باطل أو فاسد أو جائز. قوله: (فلو
دفع له البعض) أي بعض ما وعده به وامتنع عن دفع الباقي لا يجبر عليه، ولا يخفى أن هذا إن كان
الرهن باقيا وإلا فحكمه ما في المتن. قوله: (فإذا هلك) أي قبل الاقراض. بزازية. قوله: (للقيمة)
أي قيمة الرهن يوم القبض. قوله: (فإن لم يسمه بأن رهنه الخ) كذا في بعض النسخ، وفي بعضها:
فإن لم يسمه لم يكن مضمونا في الأصح كما مر في المقبوض على سوم الرهن بأن رهنه الخ. وعلى هذه
النسخة كان ينبغي إسقاط قوله: هل يضمن الخ لينتفي التكرار. قوله: (خلاف بين الامامين) أي في
الضمان وعدمه، وقدمناه أول كتاب الرهن عن القنية، وإن الامام وصاحبيه قالوا: يعطيه المرتهن ما
شاء، وعليه مشى الزيلعي معللا بأنه الهلاك صار مستوفيا شيئا فيكون بيانه إليه. والحاصل: أن
الرواية قد اختلفت، قوله: (والأصح أنه غير مضمون) أي الأصح من الروايتين كما قدمناه عن القنية.
قوله: (وقد تقدم) أي متنا أو الرهن، وهذا قد علم مما قبله، لكن أراد أن ينبه على أن ما تقدم هو
المراد هنا: أي أن المقبوض على سوم الرهن هو معنى الرهن بالدين الموعود، وإنما الاختلاف في
التعبير، ولذا قال في البزازية: والرهن بالدين الموعود مقبوض على سوم الرهن، فافهم.
تنبيه: الرهن الموعود لا يلزم الوفاء به، وسيأتي قريبا في قول المصنف: باع عبدا الخ. قوله:
(وصح برأس مال الخ) صورة هذه المسائل أن يسلم مائة بطعام مثلا أو يبيع دينارا بدرهم ثم

54
قبل القبض يدفع إلى المسلم إليه رهنا بالمائة أو يؤخذ رهنا بالدرهم أو بالطعام. وصور الأولى بعضهم
بأن يأخذ المسلم من المسلم رهنا برأس المال الذي دفعه إليه. ويظهر لي أن الصواب ما صورته،
لأنه إذا هلك الرهن في المجلس يصير المسلم مسترد الرأس المال فكيف يقال: إن العقد يتم بذلك،
وإن افترقا قبل الهلاك بطل تأمل. قوله: (فإن هلك الخ) بيان لفائدة ارهن بالأشياء المذكورة.
عيني. وأفاد القهستاني أن المراد هلك الرهن برأس المال أو بثمن الصرف دون المسلم فيه لمنافاته لقوله
بعده: وإن افترقا الخ لان المسلم فيه يصح مطلقا.
أقول: ولهذا ذكر في الدرر مسألة المسلم فيه مؤخرة وحدها. قوله: (وصار المرتهن مستوفيا) أي
لرأس المال أو ثمن الصرف أو المسلم فيه ا ه‍. ط عن الشمني. ومثله قول أبي السعود عن الحموي.
والمراد بالمرتهن هو المسلم إليه في الأولى وأحد عاقدي الصرف في الثانية ورب المال في الثالثة ا ه‍
ملخصا.
أقول: لا دخل للثالثة هنا كما علمت، ثم إن تفسير المرتهن بالمسلم إليه في الأولى مؤيد لما
صورناه به المسألة سابقا.
هذا، وأفاد القهستاني أن ما ذكر من أنه صار مستوفيا إنما هو لو كانت قيمة الرهن مساوية
لرأس المال وثم الصرف، فإن كانت أقل لم يصح إلا بقدره. قوله: (قبل نقد وهلاك) أي قبل نقد
المرهون به وقبل هلاك الرهن. قوله: (بطلا) لعدم القبض حقيقة ولا حكما. قال في الجوهرة: وعليه
رد الرهن، فإن هلك في يده قبل الرد هلك برأس المال لأنه صار مستوفيا لرأس المال بهلاك الرهن بعد
بطلان عقد السلم ولا ينقلب السلم جائزا. قوله: (فيصح مطلقا) أي ولو بعد الافتراق لان قبضه لا
يجب في المجلس. زيلعي. قوله: (وصار عوضا للمسلم فيه) أي صار مستوفيا للمسلم فيه ويكون في
الزيادة أمينا، وإن كانت قيمته أقل صار مستوفيا بقدرها. جوهرة. قوله: (ولو لم يهلك) معطوف على
قوله في الشرح: فإن هلك. قوله: (فقام مقامه) فصار كالمغصوب إذا هلك وبه رهن يكون رهنا
بقيمته. هداية. قوله: (هلك به) لان رهنه به، وإن كان محبوسا بغيره كمن باع عبدا وسلم المبيع وأخذ
بالثمن رهنا ثم تقابلا البيع له أن يحبسه لاخذ المبيع لأنه بدل الثمن، ولو هلك المرهون يهلك بالثمن
لأنه مرهون به. زيلعي. قوله: (فيلزم الخ) أي إذا هلك الرهن المسلم فيه في مسألتنا يجب على رب
السلم أن يدفع مثل المسلم فيه إلى المسلم إليه ويأخذ رأس المال لان الرهن مضمون به، وقد بقي حكم
الرهن إلى أن يهلك فصار رب السلم بهلاك الرهن مستوفيا للمسلم فيه، ولو استوفاه حقيقة ثم تقايلا
أو استوفاه بعد الإقالة لزمه رد المستوفي وارتداد رأس المال، فكذا هنا. زيلعي. قوله: (بدين) أي

55
لأجنبي. قوله: (عبدا) مفعول يرهن، وقوله: لطفله صفة له. قوله: (لهلاكه مضمونا) بيان
للأولوية، ولأن قيام المرتهن بحفظه أبلغ مخافة الغرامة. هداية. قوله: (والوديعة أمانة) مبتدأ وخبر: أي
وقد علم أن الأمانة غير مضمونة. قوله: (وقال أبو يوسف) أي وزفر، وقولهما قياس، والأول
الظاهر وهو الاستحسان. هداية وزيلعي. قوله: (ثم إذا هلك) أي بماء على ما في المتن. قوله: (لا
الفضل) أي لا الزائد على قدر الدين من قيمة الرهن لو كانت أكثر منه. قوله: (يضمن الوصي القيمة)
أي جميعها وإن زادت، وعليه اقتصر الشارح فيما يأتي في باب التصرف في الرهن. قوله: (وغيرها)
كالمغني والعناية والملتقى. قوله: (بالتسوية بينهما) هو القول الأول. قوله: (ويحبسه) أي يحبس الأب
عنده الرهن. قوله: (وكذا عكسه الخ) أي إذا كان للأب دين على ابنه الصغير فللأب الخ، وكذا لو
كان الدين لابن آخر له صغير أو عبد تاجر للأب فله أن يرهن متاع طفله المديون عند ابنه الآخر أو
عبده كما في الهداية والملتقى. قوله: (بخلاف الوصي) أي لو كان له على الصغير دين فليس له رهن
متاع الصغير من نفسه. قوله: (ولا بيع) هذا محمول على وصي القاضي.
قال المصنف في باب الوصي: وإن باع أو اشترى من نفسه. فإن كان وصي القاضي لا يجوز
مطلقا، وإن كان وصي الأب جاز بشرط منفعة ظاهرة للصغير، وبيع الأب مال الصغير من نفسه جائز
بمثل القيمة وبما يتغابن فيه ط. قوله: (وتمامه في الزيلعي) فقد أطال هنا في التعليل وتفريع المسائل
كالهداية والمنح.
وفي الملتقى: وإن استدان الوصي لليتيم في كسوته وطعامه ورهن به متاعه صح، وليس للطفل
إذا بلغ نقض الرهن في شئ من ذلك ما لم يقبض الدين. قوله: (وصح بثمن عبد الخ) أي فيضمن
ضمان الرهن، فإن هلك وقيمته مثل الدين أو أكثر يؤدي قدر الدين إلى الراهن، وإن كانت أقل منه
يؤدي القيمة إليه لأنه رهنه بدين واجب ظاهرا. ابن كمال. قوله: (إن أقر) أي المرتهن، وقوله (بعد
ذلك) أي بعد الرهن.
وصورتها: ادعى على آخر ألفا فأنكر فصالحه على خمسمائة وأعطاه رهنا يساوي خمسمائة فهلك
عند المرتهن، ثم تصادقا على أن لا دين فعلى المرتهن قيمة الرهن. معراج. قوله: (والأصل ما مر) أي
في أول الرهن. قوله: (يكفي لصحة الرهن والكفيل) كذا في المنح، ولم أره في غيرها. وعبارة النهاية

56
وغيرها: يكفي لصحة الرهن ولصيرورته مضمونا، ولعله أراد بالكفيل الكفيل بالغرامات، فإن الكفالة
بها صحيحة على ما جرى عليه المصنف في كتاب الكفالة، وأما حمله على الكفالة بثمن العبد وما بعده
فغير ظاهر، لما في كفالة الذخيرة عن المنتقى: لو أقام الكفيل البينة على إقرار الطالب بأن المال ثمن خمر
أو بيع فاسد تقبل ويبطل المال ا ه‍. فليتأمل. قوله: (وصح رهن الحجرين) أي الذهب والفضة. منح.
قوله: (بخلاف جنسه) كالثياب. قوله: (هلك بقيمته) أي إذا هلك الرهن المذكور من الحجرين
ونحوهما هلك بقيمته لا بالوزن أو الكيل، وعليه فتعتبر فيه الجودة لأنه مرهون، بخلاف جنسه وهو
الثياب مثلا. وإنما لا تعتبر الجودة عند المقابلة بالجنس كما يأتي، فافهم، قوله: (وإن بجنسه) كما إذا
رهن فضة بفضة أو ذهبا بذهب أو حنطة بحنطة، أو شعيرا بشعير. قوله: (وزنا أو كيلا) سواء قلت
القيمة من خلاف الجنس وتكون
رهنا مكانه، ويملك المرتهن الهالك بالضمان، عيني.
وتظهر ثمرة الخلاف إذا كانت القيمة أقل من الدين. أما لو كانت مثله أو أكثر فالجواب فيهما
بالاتفاق، لان الاستيفاء عنده بالوزن، وعندهما بالقيمة، وهي مثل الدين في الأول، وزائدة عليه في
الثاني فيصير بقدر الدين مستوفيا والباقي أمانة كما في الهداية. قوله: (ولا عبرة بالجودة الخ) لأنها لا
قيمة لها إذا قابلت الجنس لئلا يؤدي إلى الربا. قوله: (ثم إن تساويا) أي إن تساوى الرهن والمرهون به
كيلا أو وزنا فظاهر: أي إنه يسقط الدين بلا نظر إلى القيمة ولا إلى الجودة عنده، وهذا كله إذا هلك.
وأما إذا انتقص بأن كان إبريق فضة فانكسر ففيه كلام آخر.
وحاصل صورة هذه المسألة في الهلاك والنقصان تبلغ ستا وعشرين صورة مبسوطة في
المطولات، وقد أوضحها في التبيين وغاية البيان. قوله: (أو يعطي كفيلا) أي حاضرا في المجلس
فقبل، فلو لم يكن الرهن ولا الكفيل معينا أو كان الكفيل غائبا حتى افترقا فسد العقد، ولو حضر
الكفيل وقبل أو اتفقا على تعيين الرهن أو نقد المشتري الثمن حالا جاز البيع وبعد المجلس لا يجوز.
زيلعي ملخصا. قوله: (ولا يجبر المشتري) أي على دفع الرهن. وأما الكفيل فقد علمت أن الشرط
حضوره وقبوله في المجلس فلا يتأتى فيه الامتناع والاجبار. تأمل. قوله: (لما مر) أي أول الرهن أنه
غير لازم بمجرد الايجاب والقبول قبل القبض، حتى لو عقد الرهن لا يجبر على التسليم فلا يجبر
بمجرد الوعد بالأولى. قوله: (لفوات الوصف المرغوب) لان الثمن الذي به رهن أوثق مما لا رهن به
فصار الرهن صفة للثمن وهو صف مرغوب فله الخيار لفواته. وتمامه في غاية البيان. قوله: (لحصول
المقصود) فإن المقصود من الرهن قيمته لا عينه. قوله: (وقد أعطاه) الضمير المستتر للمشتري والبارز

57
للبائع. قوله: (شيئا غير مبيعه) الأولى حذفه ليحسن التعميم في قول المصنف الآتي (ولو كان المبيع)
فإن لو فيه وصيلة، ولا يجمع بين ما بعدها وبين نقضيه، فلا يقال: أكرمك إن جئتني ولو لم تجئني.
قوله: (لتلفظه بما يفيد الرهن) وهو الحبس إلى إيفاء الثمن. قوله: (والعبرة) أي في العقود للمعاني،
ولهذا كانت الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط عدم براءة الأصيل كفالة. إتقاني.
قوله: (خلافا للثاني وللثلاثة) لأنه يحتمل الرهن والايداع والثاني أقلهما فيقضي بثبوته، بخلاف ما إذ
قال: أمسكه بدينك أو بمالك، لان لما قابله بالدين فقد عين جهة الرهن. قلنا: لما مده إلى وقت الاعطاء
علم أن مراده الرهن. هداية. قوله: (ولو كان) لو هذه وصيلة كما قدمناه وما بعدها شرطية. قوله:
(لأنه حينئذ يصلح الخ) أي لتعين ملكه فيه، حتى لو هلك يهلك على المشتري ولا ينفسخ العقد ط.
قوله: (لأنه محبوس بالثمن) أي وضمانه يخالف ضمان الرهن فلا يكون مضمونا بضمانين مختلفين
لاستحالة اجتماعهما، حتى لو قال: أمسك المبيع حتى أعطيك الثمن قبل القبض فهلك انفسخ البيع.
زيلعي. قوله: (كما مر) أي عند قول المصنف: ولا بالمبيع في يد البائع. قوله: (بقي لو كان المبيع)
أي الذي جعله المشتري رهنا قبضه ط. وظاهره أنه بعد القبض ليس كذلك.
أقول: وتقدم في أول متفرقات البيوع: لو اشترى شيئا وغاب قبل القبض ونقد لثمن غيبة
معروفة فأقام بائعه بينة أنه باعه منه لم يبع في دينه، وإن جهل مكانه بيع: أي باعه القاضي. وقال في
النهر هناك: ينبغي أن يقال: إن خيف تلفه يجوز البيع علم مكانه أو لا ا ه‍. ولم يقيد بكونه جعله
رهنا. تأمل. قوله: (وجمد) بالتحريك: الثلج. قاموس. قوله: (جاز بيعه) ظاهر ما قدمناه أن الذي
يبيعه القاضي ويأتي التصريح به آخر الباب. قوله: (وشراؤه) أي وجاز للمشتري شراؤه مع علمه
بذلك. قوله: (تصدق به) أي بما زاد على الثمن الأول. قوله: لان فيه شبهة أي شبهة مال الغير
وهو المشتري الأول. قوله: (عند رجلين) أي وقبلا، فلو قبل أحدهما دون الآخر لا يصح، كما لو
قال: رهنت النصف من ذا والنصف من ذا. سائحاني عن المقدسي. قوله: (وكله رهن من كل منهما)
أي يصير كله محبوسا بدين كل واحد منهما، لا أن نصفه يكون رهنا من هذا ونصفه من ذاك. ابن
كمال، وهذا بخلاف الهبة لان موجبها ثبوت الملك والشئ الواحد لا يكون كله ملكا لكل واحد من
رجلين على الكمال في زمان واحد فدخله الشيوع ضرورة وحكم الرهن الحبس، ويجوز كون العين
الواحدة محبوسة بحق كل منهما على الكمال، وتمامه في الكفاية. قوله: (ولو غير شريكين) أي في
الدين، ولو كان من جنسين مختلفين بأن يكون دين أحدهما دراهم ودين الآخر دنانير. عناية. قوله:

58
(ضمن عنده) أي ضمن الدافع ضمان الغصب ط. قوله: (وأصله مسألة الوديعة) أي إذا أودع عند
رجلين شيئا يقبل القسمة فدفع أحدهما كله إلى الآخر فإن الدافع يضمن عنده خلافا لهما. زيلعي.
قوله: (ضمن كل حصته) كل فاعل ضمن وحصته مفعوله.
قال ط عن المكي: صورته كما في البناية أن يكون لأحدهما عشرة على الراهن وللآخر خمسة
عليه والرهن ثلاثون درهما فهلك عشرون من الرهن فتبقى العشرة في يدهما أثلاثا ويسقط من صاحب
العشرة ثلثاه ومن صاحب الخمسة ثلثاه، فيكون على الراهن لصاحب العشرة ثلث العشرة وهي ثلاثة
وثلث ولصاحب الخمسة وهو درهم وثلثا درهم ا ه‍. قوله: (لتجزئ الاستيفاء) أي لان
الاستيفاء يقبل التجزئ. قوله: (فإن قضى الخ) الأصوب تقديمه على قوله (ولو هلك الخ) كما فعل
ابن الكمال ليفيد أن كلا منهما يضمن حصته ولو قضى الراهن دين أحدهما، لما في النهاية عن
المبسوط: لو هلك الرهن في يد الثاني يسترد الراهن ما قضاه إلى الأول من الدين، لان ارتهان كل
منهما باق ما لم يصل الرهن إلى الراهن، لما مر أن كلا منهما في نوبته كالعدل في نوبة الآخر. قوله:
(لما مر) أي قريبا في قول المصنف: وكله رهن من كل منهما. قوله: (بلا تفرق) أي بلا تجزئ فلا
يكون له استرداد شئ منه ما دام شئ من الدين باقيا كما لو كان المرتهن واحدا. قوله: (رهنا واحدا)
يعني صفقة واحدة، لقول الكرخي وهو عبد أو عبدان فليس المراد توحد المرهون بل توحد الرهن:
أي العقد. قوله: (بدين عليهما) سواء كان في صفقة واحدة أو كان على كل واحد منهما دين على
حدة. إتقاني عن الكرخي. قوله: (ويمسكه الخ) أي فلو أدى أحدهما ما عليه لم يكن له أن يقبض من
الرهن شيئا لان فيه تفريق الصفقة على المرتهن في الامساك. إتقاني. قوله: (إذ لا شيوع) الظاهر أنه
علة لقوله: صح قال الإتقاني: وذلك لان رهن الاثنين من الواحد يحصل به القبض من غير إشاعة
فصار كرهن الواحد من الواحد. قوله: (لحبس الكل بكل الدين) فيكون محبوسا بكل جزء من أجزائه
مبالغة في حمله على قضاء الدين. هداية. إذ لو أمكن الراهن أخذ ما يحتاج إليه يتكاسل في قضاء
الباقي. قوله: (كالمبيع الخ) فإن المشتري إذا أدى حصة بعض المبيع من الثمن لا يتمكن من أخذه.
قوله: (فإن سمى الخ) بأن قال: رهنتك هذين العبدين كل واحد منهما بخمسمائة وسلمهما إليه ثم نقد
خمسمائة وقال: أديت عن هذا العبد وأراد أخذه في رواية الأصل ليس له ذلك، وفي رواية الزيادات له
ذلك. كفاية. فلو قال أحدهما: بعشرين والآخر بالباقي ولم يبين هذا من هذا لم يجز الرهن لأنها جهالة
تفضي إلى المنازعة عند هلاك أحدهما أو استرداده كما أفاده الإتقاني عن كافي الحاكم. قوله: (لتعدد
العقد لتفصيل الثمن) الأصوب إبدال الثمن بنحو البدل، لان المفصل هو الرهن هو الدين. قوله: (في

59
الرهن لا البيع) لان قبول العقد في أحد المرهونين لا يكون شرطا لصحة العقد في الآخر، حتى إذا
قبل في أحدهما صح فيه بخلاف البيع، لان العقد فيه لا يتعدد بتفصيل الثمن، ولهذا لو قيل: البيع في
أحدهما دون الآخر بطل البيع في الكل، لان البائع يتضرر بتفريق الصفقة عليه، لان العادة قد جرت
بضم الردئ إلى الجيد في البيع فيلحقه الضرر بالتفريق. زيلعي. قوله: (هو الأصح) أي الفرق بين ما
إذا سمى لكل من المرهونين شيئا وبين ما إذا لم يسم هو الأصح كما في التبيين والكفاية وهو روايات
الزيادات. قوله: (وبطل بينة كل منهما الخ) هذه مسألة مستقلة لا تعلق لها بما سبق. درر. فقوله في
العناية: إنها من شعب قوله هنا رجلا فيه نظر، لان الرجلين هنا يدعيان أنهما مرتهنان وأن الرجل
راهن، وبه صرح في المعراج بقوله: فالحاصل أن المرتهن اثنان والراهن واحدا ا ه‍. فتنبه.
ثم اعلم أن هذه المسألة على وجهين، لان الدعوى إما في حياة الراهن أو لا، والأول على ثلاثة
أوجه، لان الرهن إما في يد أحد المدعيين فيفضي به له وإن أرخ الآخر لان اليد لا تنقض بالتاريخ
لاحتمال سبقه على التاريخ إلا إذا أثبت الآخر أن عقده قبل قبضه، وإما أن يكون في أيديهما أو في يد
الراهن وفيهما إن أرخا وأحدهما أسبق يقضي له، وكذا إن أرخ أحدهما، وإن لم يؤرخا أو أرخا على
السواء بطل. والثاني على ثلاثة أوجه أيضا. وفيها كلها إن أرخا وأحدهما أسبق قضى له، وإن لم يؤرخا
أو أرخا على السواء، فإن كان الرهن في أيديهما أو في يد الراهن نصف بينهما استحسانا، وبه أخذ
أبو حنيفة ا ه‍. ملخصا من غاية البيان و التتارخانية. قوله: (أي أن كل واحد تبع فيه المصنف في
منحه). قال ح: صوابه رجوع ضمير أنه والمستتر في رهنه للرجل والبارز لكل واحد منهما ا ه‍: أي
لان الرجلين مرتهنان لا راهنان كما علمت.
وأقول: يوهم أن حل الشارح خطأ، وليس كذلك، نعم أو أرجع المستتر في رهنه لكل واحد
كان خطأ، أما ضمير أنه فلا فرق في صحة المعنى بين إرجاعه للرجل أو لكل واحد إلا أن الأول
أظهر، فتدبر. قوله: (رهنه هذا الشئ عنده) أقول: الصواب حذف الضمير أو حذف عنده لان فيه
الجمع بين تعديه رهن إلى مفعوله الآخر بنفسه وبالظرف معا، وقدمنا أنه يقال: رهنت الرجل شيئا
ورهنته عنده، فتنبه. قوله: (لاستحالة كون كله رهنا لهذا وكله رهنا لذاك) أي على الانفراد بعقدين،
بأن ينفرد كل منهما بحبسه ولا حق فيه لصاحبه، بخلاف المسألة السابقة في قوله: رهن عينا عند
رجلين واللام في قوله: لهذا ولذاك للتعليل. تأمل. قوله: (ولا يمكن تنصيفه الخ) وكذا لا يمكن
القضاء بكله لأحدهما بعينه لعدم الأولوية ولا يمكن أن يجعل كأنهما ارتهناه معا حين جهالة التاريخ لان
كلا منهما أثبت ببينته رهن الكل فيكون القضاء بخلاف الدعوى، أفاده في الهداية. قوله: (فتهاترتا)
أي تساقطت البينتان لتعذر العمل بهما، وهذا قياس، والاستحسان التنصيف بينهما، فهذه من المسائل
التي رجح فيها القياس على الاستحسان. قوله: (هذا إن لم يؤرخا) وكذا إن أرخا تاريخهما سواء.
إتقاني. قوله: (كان صاحب التاريخ الأقدم أولى) لأنه أثبت العقد في وقت لا ينازعه فيه صاحبه،
وكذلك إن أرخ أحدهما فقط لظهور العقد في حقه من وقت التاريخ وفي حق الآخر للحال. إتقاني.

60
قوله: (وكذا إذا كان الرهن في يد أحدهما) أفاد أن ما مر مفروض فيما إذا كان في يد الراهن أو في
أيديهما. قوله: (كان ذو اليد أحق) أي سواء أرخ الآخر أو لم يؤرخ كما قدمناه. قوله: (لقرينة سبقه)
أي لان تمكنه من القبض دليل سبق عقده فهو أولى. نهاية. قوله: (ولو مات راهنه) أفاد أن ما مر
مفروض فيما إذا كانت الدعوى في حياة الراهن. قوله: (أي راهن العبد مثلا) الأولى: أي راهن
الشئ لأنه المذكور في المتن. قوله: (زيلعي) حيث قال وقوله: أي قول الكنز والعبد في أيديهم وقع
اتفاقا، حتى لو لم يكن العبد في أيديهما وأثبت كل واحد فيه الرهن والقبض كان الحكم كذلك، ولهذا
لم يذكر اليد في المسألة الأولى ا ه‍. وفيه نظر لأنه للاحتراز عما لو كان في يد أحدهما فإنه يقضي به
لذي اليد كما في حالة الحياة، كما نقله أبو السعود عن شرح بأكبر على الكنز وعن الشلبي ونقله ط
عن الكشف. قوله: (فبرهن كل الخ) أي ولم يؤرخا أو أرخا على السواء، أما لو أحدهما أسبق قضى
له كما قدمناه،. وبقي ما لو أرخ أحدهما وقياس ما مر أنه لو كان الآخر ذا يد وحده قضي له وإلا
فللمؤرخ، وهذا ما ظهر لي تأمل. قوله: (كما وصفنا) أي في صدر المسألة بأن برهن كل أن الرجل
رهنه هذا الشئ. قوله: (نصفه) اسم كان ورهنا خبرنا وفي يد متعلق به أو بمحذوف ورهنا تمييزه
تأمل. قوله: (لانقلابه الخ) بيان للفرق بين المسألتين حيث أخذ في الأولى بالقياس وفي هذه
الاستحسان، قال الزيلعي: وفي القياس هذا باطل وهو قول أبو يوسف. ووجه الاستحسان أن العقد
لا يراد لذاته بل لحكمه، وحكمه في حالة الحياة الحبس والشائع لا يقبله، وبعد الموت الاستيفاء بالبيع
من ثمنه والشائع يقبله ا ه‍ ملخصا. قوله: (قال) أي في العمادية. قوله: (وهذا) أي قوله (تهلك هلاك المرهون). قوله: (ظاهر إذا رضي) ويؤيد هذا ما في الخلاصة عن فتاوى النسفي: هذا مستقيم
إذا أمكنه استردادها فتركها، أما إذا تركها لعجزه ففيه نظر ا ه‍. والظاهر أنه محمل ما في البزازية عن
العتابي: تقاضى دينه فلم يقضه فرفع العمامة عن رأسه رهنا وأعطاه منديلا يلفه على رأسه فالعمامة
رهن لان الغريم بتركها عنده رضي بكونها رهنا ا ه‍. قوله: (ومفاده الخ) تطويل من غير فائدة، ولو
قال: ومفاده أنه لو لم يرض بذلك يهلك هلاك الغصب لكان أوضح ط. قوله: (وعليه) أي على ما
استفيد من قوله: وإلا لا وهو أن يهلك هلاك الغصب يحمل إطلاق السراجية، ونصها: إذا أخذ
عمامة المديون بغير رضاه لتكون رهنا عنده لم تكن رهنا بل غصبا ا ه‍. فقوله: بل غصبا دل على أنه
تركها بلا رضاه. قوله: (لرب المال مسك مال المديون) عبارة المجتبى أن يمسك، وهي أولى إلا أن

61
يثبت مجئ الفعل مجردا متعديا بنفسه، وفي القاموس: مسك به وأمسك وتماسك وتمسك واستمسك:
احتبس، واعتصم به وأمسكه: حبسه وعن الكلام سكن ا ه‍. تأمل. قوله: (رهنا بلا إذنه) ظاهره أنه
يهلك هلاك الرهن، وفيه نظر، إذ شرط الرهن كونه على وجه التبرع كما قدمناه. وفي البزازية:
صاحب الدين ظفر بغير جنس حقه من مال مديونه لا يحبسه رهنا إلا برضا مديونه ا ه‍. فتأمل.
فرع: رجل دخل خانا فقال له صاحب الخان: لا أدعك تنزل ما لم تعطني رهنا فدفع إليه ثيابه
فهلكت عنده: إن رهنها بأجر البيت فالرهن بما فيه، وإن أخذ منه لأجل أنه سارق أو خفي عليه فإنه
يضمن. قال أبو الليث: وعندي لا ضمان في الوجهين لأنه غير مكره على الدفع. خلاصة. قوله:
(وقيل إذا أيس الخ) كذا عبر في المنح. وظاهره أنه من غير جنس حقه، وإلا فلو من جنسه فله أخذ
قدر حقه منه بلا كلام ولا وجه لحكايته بقيل. على أنا قدمنا في كتاب الحجر عن المقدسي عن بعضهم
أن الفتوى اليوم على جواز الاخذ مطلقا. قوله: (وأقره المصنف) فيه أن ما ذكره المصنف من التوفيق
يفيد اشتراط الرضا فلم يكن معرجا على ما في المجتبى. قوله: (لم يكن واحد منهما رهنا) فلا يذهب
شئ من الدين بمنزلة رجل عليه عشرون درهما فدفع إلى الطالب مائة وقال: خذ منها عشرين فضاعت
قبل الاخذ فإنها من مال الدافع والدين على حاله. تتارخانية عن المنتقى عن محمد. زاد في الخانية: لو
دفع إليه ثوبي وقال: خذ أحدهما رهنا بدينك فأخذهما وقيمتهما على السواء. قال محمد: يذهب نصف
قيمة كل واحد منهما بالدين إن كان مثل الدين ا ه‍. وهذا موافق لما قدمه الشارح أول الباب عن
الزواهر، وقال: إن الشيوع الثابت ضرورة لا يضر ولينظر وجه الفرق بين المسألتين، ولعلة هو أن في
الأولى إنما جعل الرهن ما تقع عليه مشيئة المرتهن، فإذا اختار أحد الثوبين فقد تعين، وقبل ذلك لم
يصر أحدهما رهنا، فيبقى كل منهما عنده أمانة، وأما في الثانية فقد جعل أحدهما رهنا في الحال بلا
خيار لكنه أبهمه وليس أحدهما أولى من الآخر فصار نصف كل منهما رهنا، هذا ما ظهر لي والله تعالى
أعلم، لكن قال في الخانية بعد صفحة: رجل رهن عند رجل ثوبين على عشرة دراهم وقال أحدهما
رهن لك بعشرتك أو قال: خذ أيهما شئت رهنا بدينك. قال أبو يوسف: هو باطل، فإن صاعا جميعا لم
يكن عليه شئ ودينه على حاله ا ه‍. ومثله في الظهيرية. فعند أبي يوسف لا فرق بين المسألتين،
والتفرقة بينهما قول محمد. قوله: (قبل أن يختار أحدهما) لأنه إنما يصير رهنا إذا اختاره، أما قبله فلا.
الولوالجية. وهو مؤيد لما قدمناه من الفرق، فإذا اختار أحدهما صار مضمونا عليه دون الآخر. قوله:
(غصب الرهن) أي إذا غصبه أحد من المرتهن كان كهلاكه فيضمن بالأقل، ولا يخفى أنه لو غصبه
المرتهن بأن ركب الدابة أو استخدم العبد أو لبس الثوب بلا إذن فهلك كان مستهلكا فيضمن قيمته بالغة
ما بلغت. قوله: (إلا إذا غصب الخ) لأنه في حال الانتفاع مستعير فبطل حكم الرهن، فإذا غصب منه
أو هلك في تلك الحالة لم يسقط شئ من الدين، فإذا فرغ من الانتفاع عاد رهنا مضمونا كما قدمناه
سابقا، ويأتي في باب التصرف في الرهن. قوله: (أمره) أي أمر الراهن المرتهن. قوله: (لم يضمن) أي

62
المرتهن لأنه هلك في يد الراهن حكما. قوله: (ضمن ضمان الرهن) لان قبضه مضمون بخلاف
المودع، وقوله لا الزيادة) لأنه غير متعد لجريان العادة بأن الحمامي يحفظ في صندوقه ويضع قصعة الماء
عليه، بخلاف ما لو تعدى بأن أراقه قصدا فيضمن الزيادة. قوله: (والمودع لا يضمن شيئا) لما قلنا.
قوله: (الاجل في الرهن يفسده) لان حكمه الحبس الدائم والتأجيل ينافيه، بخلاف تأجيل دين الرهن.
حموي عن القنية: فإذا هلك يضمن ضمان الرهن لان الفاسد منه كالصحيح على ما يأتي بيانه إن شاء الله
تعالى. قوله: (سلطه ببيع الرهن) الأولى على بيعه كأنه ضمنه معنى أمر فعداه بالباء. قوله: (للمرتهن
بيعه) فليس للوارث نقض البيع لأنه تعلق به حق المرتهن فلا يقال إنه وكالة تبطل بالموت. ويأتي تمامه
في الباب بعده. قوله: (ينبغي أن يجوز) كذا في العمادية، ثم قال: وهذه المسألة كانت واقعة الفتوى ا
ه‍. وجزم في الأشباه بعدم الجواز، واستدرك عليه البيري في البزازية عن المنية: للمرتهن بيع الرهن
بإجازة الحاكم وأخذ دينه إذا كان الراهن غائبا لا يعرف موته ولا حياته اه‍.
أقول: يمكن حمل ما في الأشباه على ما إذا لم تكن الغيبة منقطعة وإن كان أطلق الغيبة. تأمل.
بقي ما إذا كان حاضرا وامتنع عن بيعه.
وفي الولوالجية: يجبر على بيعه، فإذا امتنع باعه القاضي أو أمينه للمرتهن وأوفاه حقه والعهدة
على الراهن اه‍ ملخصا. وبه أفتى في الحامدية. وحرر في الخيرية أنه يجبره على بيعه وإن كان دارا
ليس له غيرها يسكنها لتعلق حق المرتهن بها، بخلاف المفلس. قوله: (ليس للمرتهن بيع ثمرة الرهن
الخ) أي إذا لم يبحها له الراهن. وفي البيري عن الولوالجية: ويبيع ما خاف عليه الفساد بإذن الحاكم
ويكون رهنا في يده لان إمساكه ليس من الهلاك، وإن باعه بغير أمره ضمن لان ولاية البيع نظرا
للمالك لا تثبت إلا للحاكم اه‍.
قال البيري: أقول: يؤخذ من هذا جواز بيع الدار المرهونة إذا تداعت للخراب وكانت واقعة
الفتوى. اه‍. والله تعالى أعلم.
باب الرهن يوضع على يد عدل
لما أنهى القول في الاحكام الراجعة إلى نفس الراهن والمرتهن ذكر ما يرجع إلى نائبهما وهو العدل

63
والنائب بعد الأصل، والمراد به هنا من رضيا بوضع الرهن في يده سواء رضيا ببيعه أم لا كما أفاده
سعدي فافهم، وباب خبر مبتدأ محذوف: أي هذا، وآل في الرهن للجنس، والجملة بعده صفة أو
حال لصحة الاستغناء عن المضاف، والعامل فيها المبتدأ لما فيه من معنى أشير. قوله: (على يد عدل)
بأن شرط في عقد الرهن ذلك خانية. قوله: (صح ويتم بقبضه) أي صح الرهن ويتم ويلزم بقبض
العدل، لان يده في حق المالية يد المرتهن، ولذا لو هلك كان في ضمان المرتهن كما يأتي وفي الخانية:
لو سلط العدل على بيعه إذا حل الاجل فلم يقبض العدل الرهن حتى حل الدين فالرهن باطل والوكالة
بالبيع باقية اه‍ قوله: (ولا يأخذه أحدهما) ولو لم يشترط الوضع فوضع جاز أخذه كما أشير إليه في
الاختيار. قهستاني. قوله: (وضمن الخ) لم يوجد متنا في شرح المصنف وإنما ذكره شرحا بعد قوله
(وإذا هلك الخ) قوله: (لتعلق حقهما به) فحق الراهن بالعين والمرتهن بالمالية، فهو مودع لهما
وأحدهما أجنبي عن الآخر فليس له أخذه ولا للعدل دفعه إليه، فإن المودع يضمن بالدفع إلى الأجنبي.
قوله: (وأخذا منه قيمته الخ) فإن تعذر اجتماعهما يرفع أحدهما الامر إلى القاضي ليفعل ذلك.
زيلعي. قوله: (لئلا يصير قاضيا ومقضيا) الذي في الهداية والمنح ومقتضيا لأنه يقال قضاه الدين
وأعطاه واقتضى دينه وتقاضاه: قبضه.
وحاصله: أن القيمة وجبت في ذمته، فلو جعلها رهنا في يد نفسه صار قاضيا ما وجب عليه
ومقتضيا له وبينهما تناف. قوله: (مبسوط في المطولات) أي جوابه مبسوط فيها كالزيلعي وشروح
الهداية.
بيانه: أنه إذا جعلت القيمة رهنا برأيهما أو برأي القاضي عند العدل الأول أو عند غيره ثم
قضى الراهن الدين: فإن كان العدل ضمن القيمة بسبب دفعه المرهون إلى الراهن فالقيمة للعدل يأخذها
ممن هي عنده لوصول المرهون إلى الرهن إليه، ولو كانت القيمة للراهن بالتسليم الأول إليه ووصول الدين إلى المرتهن بدفع الراهن
إليه، ولو كانت القيمة للراهن لزم اجتماع البدل والمبدل منه في ملك واحد، وإن كان العدل ضمن
بسبب الدفع إلى المرتهن فالقيمة للراهن يأخذها ممن هي عنده لقيامها مقام العين المرهونة، ولا جمع فيه
بين البدلين في ملك واحد لان العين لن تصل إلى يد الراهن، وقد ملكها العدل بالضمان، ثم إذا ضمن
العدل بالدفع إلى المرتهن هل يرجع العدل على المرتهن؟ ينظر إن دفع العين إليه عارية أو وديعة لا يرجع
إلا إذا استهلكها المرتهن لان العدل ملكها بأداء الضمان وتبين أنه أعار أو أودع ملك نفسه، ولا يضمن
المودع أو المستعير إلا بالتعدي، وإن دفعها إليه رهنا بحقه بأن قال: خذه بحقك أو احبسه به رجع العدل
عليه سواء هلك أو استهلكه لدفعه عن وجه الضمان. قوله: (وإذا هلك) أي في يد العدل أو يد
امرأته أو ولده أو خادمه أو أجيره. قهستاني. قوله: (عند حلول الاجل) أو مطلقا كما في القهستاني
والدر المنتقى. وفي الخانية: فلو لم يقل عند حلول الاجل فللعدل بيعه قبله. قوله: (صح توكيله) أي

64
ولو لم يقبض العدل الرهن حتى حل الاجل وإن بطل الرهن كما مر قوله فإن شرطت الوكالة أفاد أن
الرضا ببيعه ليس بلازم في العدل كما قدمناه عن سعدي. قوله: (لم ينعزل بعزله) أي بعزل الراهن إلا
إذا رضي المرتهن بذلك. إتقاني. وأطلق في العزل فشمل ما لو وكله بالبيع مطلقا ثم نهاه عن البيع
بالنسيئة لم يعمل نهيه لأنه لازم بأصله فكذا بوصفه كما في الهداية. قوله: (ولا بموت الراهن) أي لا
ينعزل بالعزل الحكمي كموت الموكل وارتداده ولحوقه بدار الحرب، لان الرهن لا يبطل بموته لتقدم
حق المرتهن على حق الورثة. زيلعي. قوله: (ولا المرتهن) إلا أن يكون وكيلا ط. وسيأتي في قوله
(وتبطل بموت الوكيل مطلقا). قوله: (للزومها بلزوم العقد) لأنها لما شرطت في ضمن عقد الرهن
صارت وصفا من أوصافه وحقا من حقوقه، ألا ترى أن عقد الوكالة لزيادة الوثيقة فليزم بلزوم أصله.
وتمامه في الهداية. قوله: (فهي تخالف الوكالة المفردة) أي التي لم تذكر في ضمن عقد الرهن. ويستثنى
الوكالة بالخصومة بطلب المدعي إذا غاب الموكل، وكذا لو خاف من له الخيار أن يغيب الآخر فيأخذ
وكيلا ليرد عليه فلا ينعزل بعزله. أفاده الرحمتي. وكذا الوكيل بالامر باليد كما مر في باب عزل
الوكيل. قوله: (من وجوده) ذكر منها هنا خمسة. ومنها ما في النهاية أن العدل إذا ارتد والعياذ بالله تعالى
وحكم بلحاقه ثم عاد مسلما يعود وكيلا، بخلاف المفرد على قول أبي يوسف حيث لا يعود. قوله: (يجبر
على البيع الخ) أي لو غاب الراهن وحل الاجل وامتنع الوكيل عن البيع يجبر، ويأتي بيانه قريبا. قوله:
(وكذا لو شرطت الخ) عبارة الزيلعي في شرح قوله: إن باعه العدل فتكون الوكالة غير المشروطة في
العقد كالمشروطة فيه في حق جميع ما ذكرنا من الاحكام. قوله: (زيلعي) أي صرح بالتصحيح الزيلعي
في شرح قوله: فإن حل الاجل، وكذا صرح به في الملتقى، وكذا في الهداية وقال فيها: ويؤيده إطلاق
الجواب في الجامع الصغير وفي الأصل اه‍. وأقره الشراح. قوله: (وإن صححها قاضيخان) أنث
الضمير مع أنه عائد إلى ظاهر الروايات لاكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه، ثم إن نسبة ذلك إلى
قاضيخان عجيبة، ولعله سبق قلم من القهستاني ومن تبعه، فإن الذي في الخانية هكذا: ولو لم يكن البيع
شرطا في عقد الرهن ثم سلط المرتهن أو العدل على البيع صح التوكيل، وللراهن أن يفسخ هذه الوكالة
ويمنعه عن البيع، ولو مات الراهن تبطل الوكالة وليس للمرتهن أن يطالب العدل بالبيع في هذا الوجه،
وعن أبي يوسف: أن الوكالة لا تبطل كالمشروطة في العقد وهو الصحيح اه‍.
وفي الخانية أيضا: رجل رهن شيئا ووضعه على يدي عدل وسلط العدل على البيع ثم غاب
الراهن فالعدل يجبر على البيع، قيل: هذا إذا كان البيع مشروطا في عقد الرهن، وقيل: بأنه يجبر على كل
حال وهو الصحيح اه‍ بحروفه. وكذا صحح الجبر على كل حال في شرحه على الجامع الصغير كما
في النهاية، ولم أرى من صحح خلاف هذه الرواية. وفي المعراج: وقال شيخ الاسلام وفخر الاسلام
وقاضيخان: هذه الرواية أصح. قوله: (إنه يملك بيع الولد والأرش) أي ولد المرهون وأرشه فيما لو

65
جنى عليه أحد فدفع أرش الجناية عروضا مثلا فللوكيل هنا بيع ذلك لما سيذكره المصنف في فصل
المتفرقات: أي نماء الرهن للراهن وأنه رهن مع الأصل، والوكيل المفرد لا يملك ذلك. قوله: (كان
له أن يصرفه إلى جنسه) لأنه مأمور بقضاء الدين وجعل الثمن من جنس الدين من ضروراته، بخلاف
الوكيل المفرد فإنه كما باع انتهت وكالته. إتقاني. قوله: (إذا كان) أي المرهون. قوله: (فدفع) أي العبد
القاتل. قوله: (كان له بيعه) لأنه صار هو الرهن لقيامه. قوله: (وله بيعه) أي للوكيل المذكور سواء
كان المرتهن أو العدل أو غيرهما بيع الرهن بغيبة الورثة لأنه لم ينعزل بموت الراهن كما مر. قال ط:
وكذا بغيبة ورثة المرتهن اه‍: أي لو كان الوكيل غيره. بقي ما إذا لم يكن وكيل بالبيع ومات الراهن
وسيذكره المصنف آخر الباب الآتي. قوله: (وتبطل الوكالة بموت الوكيل) يعني والرهن باق، لان
الرهن لو كان في يد المرتهن فمات لم يبطل العقد به فلان لا يبطل بموت العبد أولى، عناية. ولم يذكر
ما يفعل به بعد موت العدل وبطلان وكالته.
وفي الولوالجية والظهيرية وغيرهما: ولو مات العدل يوضع على يد عدل آخر عن تراض، فإن
اختلفا وضعه القاضي على يد عدل آخر، وليس للعدل الثاني أن يبيع الرهن وإن كان الأول مسلطا على
البيع إلا أن يموت الراهن لان القاضي يتولى قضاء ديونه اه‍. قوله: (مطلقا) أي سواء أكان مرتهنا أو
عدلا أو غيرهما، ولا يقوم وارثه ولا وصيه مقامه لان الوكالة لا يجري فيها الإرث ولأن الموكل رضي
برأيه لا أرى غيره. درر. قوله: (وعن الثاني الخ) لو أخره بعد قوله: ولو أوصى إلى آخر ببيعه لم
يصح لكان أنسب ط. قوله: (لكنه خلاف جواب الأصل) كذا ذكره القهستاني. والمراد بالأصل
مبسوط الإمام محمد، وظاهره أن الامام محمدا ذكر في أصله جواب أبي يوسف كقولهما د. قوله:
(إلا إذا كان مشروطا له) بأن قال له في أصل الوكالة وكلتك ببيعه وأجزت لك ما صنعت به من شئ
فحينئذ لوصيه بيعه، ولا يجوز لوصيه أن يوصي به إلى ثالث. إتقاني.
فرع: وكل العدل وكيلا فباعه، إن بحضرة العدل جاز، وإلا فلا إلا أن يجيزه، ولو باع العدل
بعض الرهن بطل في الباقي. هندية: أي فسد للشيوع الطارئ. قوله: (ولا يملك الخ) أي بعد
موت العدل كما رأيته بخط بعض العلماء وهو مقتضى السياق لكنه ليس للاحتراز. قوله: (فإن حل
الاجل الخ) تقدمت هذه المسألة قريبا. قوله: (وغاب الراهن) أي أو وارثه بعد موته وأبى الوكيل أن
يبيعه أجبر بالاتفاق، وفيه رمز إلى أنه لو حضر الراهن لم يجبر الوكيل بل أجبر الراهن، فإن أبى باعه
القاضي عندهما ولم يبع عنده قهستاني: قال الرملي: وهذا فرع الحجر على الحر، وتقدم في الحجر أن
قولهما به يفتى اه‍.

66
قلت: وفي البزازية: وقيل هذا قول الكل لتقدم الرضا منه على البيع وهو الصحيح. قوله:
(أجبر) لتعلق حق المرتهن به. قوله: (كما هو الحكم في الوكيل بالخصومة) يعني بطلب المدعي. قال
الإتقاني: المدعي إذا طالب عند القاضي بوكيل فنصب له وكيلا لم يجز للموكل عزله، لان حق
الخصم تعلق بهذه الوكالة حين ثبتت بمطالبته، ولو كان وكله ابتداء من غير مطالبة جاز عزله. قوله:
(بأن يحبسه) تصوير لقوله: أجبر الوكيل. وفي بعض النسخ: وكيفية الاجبار بأن يحبسه. قوله: (فإن
لج) بالجيم. قال في المصباح: لج في الامر لججا من باب تعب ولجاجا فهو لجاجة ولجوجة
مبالغة: إذا لازم الشئ وواظبه ومن باب ضرب اه‍ ط. قوله: (وإن باعه العدل) أي المسلط على بيعه
في عقد الرهن أو بعده. البزازية بزازية. قوله: (فالثمن رهن) أي وإن لم يقبضه لقيامه مقام ما كان مقبوضا.
هداية. فلو هلك في يد العدل سقط الدين، كما إذا هلك عند المرتهن، وكذا إذا هلك الثمن بالتوي
على المشتري فالتوي على المرتهن ويسقط الدين، ولا يعتبر فيه قيمة الرهن وإنما يعتبر الثمن. بزازية.
ولا يقال: كيف يكون مضمونا ولم يقبضه لأنه ثبت في ذمة المشتري بحق المرتهن فكأنه في يد المرتهن
أو في يد البائع. إتقاني. وإذا أقر العدل أنه قبض الثمن وسلمه إلى المرتهن وأنكر المرتهن فالقول للعدل
لأنه أمين وبطل دين المرتهن. ولواجية وجوهرة. قوله: (وضمن) بالبناء للمجهول لا للفاعل كما ظن،
ونائب الفاعل ضمير الرهن: أي طلب ضمانة والطالب هو المستحق، وإنما أتى بهذا الفعل ليكون ما
بعده تفصيلا لمذكور، فلله دره ما أخفى دقائقه، فافهم. قوله: (ضمن المستحق الراهن) أي ضمنه قيمة
الرهن فالمفعول الثاني محذوف، وكذا يقال فيما بعده. قوله: (لأنه غاصب) حيث أخذ العين وسلمها
بغير إذن مالكها ط. قوله: (والقبض) أي قبض المرتهن الثمن اه‍ ح. قوله: لتملكه بضمانه أي
لان الراهن ملكه بأداء الضمان فتبين أنه أمره ببيع ملك نفسه. هداية. قوله: (لتعديه بالبيع) يعني مع
التسليم وكان ينبغي ذكره كما في الهداية. قوله: (يضمن الراهن) أي القيمة لأنه وكيل من جهته عامل
له فيرجع عليه بما لحقه من العهدة. هداية. قوله: (وصحا أيضا) أي البيع والقبض إن نفذ البيع، لان
الراهن لما كان قرار الضمان ملكه كما مر وصح قبض المرتهن الثمن فلا يرجع بشئ من
دينه على الراهن كما في العناية وغيرها، وقول المنح كالدرر على العدل سبق قلم. قوله: (أو ضمن)
الأولى يضمن، لأنه معطوف على يضمن الذي قبله والفاعل فيهما ضمير العدل. قوله: (الذي أداه
إليه) أي إلى المرتهن لأنه تبين بالاستحقاق أنه أخذ الثمن بغير حق، لان العدل ملكه بالضمان. درر.
قوله: (لأنه بدل ملكه) فإنه لما أدى ضمانه استقر ملكه فيه ولم يضمن العدل الراهن حتى ينتقل إلى
الراهن.

67
بقي هنا شئ، وهو أن المستحق إذا ضمن العدل القيمة فقد تكون القيمة أكثر من الثمن الذي
أخذه العدل من المرتهن فمن يضمن تلك الزيادة؟ ورأيت الشرنبلالي ذكر بحثا أنه ينبغي أن يرجع بالزيادة
على الراهن اه‍. وذكر الشرنبلالي بحثا آخر، وهو أن المصنف لم يذكر رجوع المشتري في هذا الشق. بل
سيذكره فيما لو كان الراهن قائما، فينبغي أنه إن سلم الثمن إلى المرتهن أن يرجع به عليه أو إلى العدل
يرجع به عليه، ثم العدل يرجع على المرتهن، صم المرتهن يرجع بدينه على الراهن الخ ما ذكره.
وأقول: لم يظهر لي وجه صحته لان المشتري لم يغرم شيئا فكيف يرجع بثمن ما هلك في يده؟
نعم لو ذكروا أن المستحق يرجع بالقيمة على المشتري لأنه غاصب أيضا بالقبض وقد هلك المغصوب
في يده ينبغي أن يقال: يرجع المشتري بالثمن الذي أداه إلى العدل أو المرتهن ويرجع المرتهن به على
العدل والعدل على الراهن، ولينظر ما وجه عدم ذكرهم ذلك بل اقتصروا على رجوع المستحق على
الراهن أو العدل مع أنه ينبغي ذكره أيضا.
ثم رأيت في الحواشي السعدية قال ما نصه: والظاهر أن يكون للمستحق خيار تضمين المشتري
أيضا لأنه متعد بالأخذ والتسليم لكن لم يذكر اه‍. قوله: (ورجع هو على العدل بثمنه) يعني فيما إذا
سلم المشتري الثمن بنفسه إلى العدل، ولو أنه سلمه إلى المرتهن لم يرجع على العدل به لان العدل في
البيع عامل للراهن، وإنما يرجع عليه إذا قبض ولم يقبض منه شيئا فبقي ضمان الثمن على المرتهن
والدين على الراهن. شرنبلالي عن الزيلعي. قوله:
(لأنه العاقد) فتتعلق به حقوق العقد، درر. قوله: (ثم هو على الراهن) لأنه هو الذي أدخله في العهدة فيجب عليه تخليصه. هداية. قوله: (به) أي
بثمنه. وقع في الهداية وتبعه الزيلعي التعبير بالقيمة، وذكر الشارحون أن المراد بها الثمن. قوله: (صح
القبض) أي قبض المرتهن الثمن. قوله: (وسلم الثمن للمرتهن) ذكره في الهداية تعليلا وهو الأحسن.
قوله: (أو رجع العدل على المرتهن بثمنه) لأنه إذا انتقض العقد بطل الثمن وقد قبضه ثمنا فيجب نقض
قبضه ضرورة. هداية. قوله: (ثم رجع الخ) لأنه لما انتقض قبضه عاد حقه في الدين كما كان. قوله:
(أي بدينه) كان على المصنف التصريح به لئلا يعود الضمير على غير مذكور في كلامه مع الايهام. أفاده
ط. قوله: (وإن شرطت الوكالة الخ) يعني أن التفصيل المار إنما هو فيما إذا شرطت في العقد لأنه
تعلق بها حق المرتهن، بخلاف المشروطة بعده لأنه لم يتعلق بها حقه فلا يرجع العدل عليه. قال
الزيلعي: وهذا يؤيد قول من لا يرى جبر هذا الوكيل على البيع، وقال السرخسي: هو ظاهر الرواية.
إلا أن فخر الاسلام وشيخ الاسلام قالا: الأصح جبره لاطلاق محمد في الجامع والأصل فتكون
الوكالة عير المشروطة في العقد كالمشروطة فيه في حق جميع ما ذكرنا من الاحكام هناك اه‍ ملخصا.
قوله: (فقط) أي ليس له الرجوع على المرتهن. قوله: (أولا) بأن ضاع الثمن في يد العدل بلا تعديه.
درر. قوله: (وضمن الراهن) بالرفع على أن الفعل من الثلاثي المجرد، أو بالنصب على أنه من المزيد،
والفاعل ضمير المستحق المعلوم من المقام، وكذا ما بعده.

68
والحاصل: أن له تضمين الراهن لتعديه بالتسليم أو المرتهن لتعديه بالقبض. قوله: (هلك الرهن
بدينه) أي بمقابلته. قال الزيلعي: وإن ضمن الراهن صار المرتهن مستوفيا لدينه بهلاك الرهن، لان
الراهن ملكه بأداء الضمان مستندا إلى ما قبل التسليم، فتبين أنه رهن ملك ثم صار المرتهن مستوفيا
بهلاكه. قوله: (لضرره) الأولى لغرره بالغين المعجمة. قال في الدرر: أما القيمة فلانه مغرور من جهة
الراهن بالتسليم اه‍. ونحوه في الزيلعي وغيره ط. قوله: (لانتقاض قبضه) أي قبض المرتهن الرهن
بتضمينه فيعود حقه كما كان، لان الرهن لم يكن ملك الراهن حتى يكون بهلاكه مستوفيا. عناية. وهنا
إشكال وجواب مذكوران في الهداية والتبيين. قوله: (ذهبت عين دابة المرتهن) الإضافة إلى المرتهن
لأدنى ملابسة. والأصوب إبداله بالرهن.
وعبارة الولوالجية: ولو ذهبت عين دابة الرهن سقط ربع الدين لان العين من الدابة التي يستعمل
عليها ربعها فقد فات ربعها فيسقط ربع الدين اه‍. وهو مفروض فيما إذا كانت قيمتها مثل الدين كما
قيده في المبسوط، واحترز بقوله التي يستعمل عليها كالبقرة والفرس عن نحو الشاة فإنه يضمن
النقصان. قوله: (وسيجئ) أي في باب جناية البهيمة أن إقامة العمل بها إنما تمكن بأربع أعين عيناها
وعينا مستعملها اه‍.
خاتمة: المولى لا يصلح عدلا في رهن مأذونه لو مديونا حتى لو شرط لم يجز الرهن وصح
عكسه، والمكاتب يصلح عدلا في رهن ملاوه كعكسه، والمكفول عنه لا يصلح عدلا في رهن الكفيل
كعكسه، وكذا رب المال في رهن المضارب كعكسه، وكذا أحد شريكي المفاوضة أو العنان إلا فيما
كان من غير التجارة، لان كلا منهما أجنبي عن صاحبه فيه، وكذا الراهن لا يصلح عدلا في الرهن
ويفسد العقد، إلا إن كان قبضه المرتهن ثم وضعه على يده جاز بيعه اه‍. ط عن الهندية ملخصا.
باب التصرف في الرهن والجناية عليه وجنايته على غيره
لما ذكر الرهن وأحكامه ذكر ما يعترض عليه إذا عارضه بعده وجوده، معراج. قوله: (توقف بيع
الراهن الخ) وكذا توقف على إجازة الراهن بيع المرتهن، فإن أجازه جاز وإلا فلا، وله أن يبطله
ويعيده رهنا، ولو هلك في يد المشتري قبل الإجازة لم تجز الإجازة بعده، وللراهن أن يضمن أيهما
شاء. قهستاني عن شرح الطحاوي. وما ذكره المصنف هو الصحيح وظاهر الرواية، وقيل: ينفذ. وتمامه
في الزيلعي.
فرع: قال المرتهن للراهن بع الرهن من فلان فباعه من غيره لم يجز، ولو قال المستأجر للمؤجر
ذلك جاز بيعه من غيره. جامع الفصولين. قوله: (على إجازة مرتهنه الخ) أو إبرائه الراهن عن الدين.
حموي. قوله: (نفذ) لزوال المانع، وهو تعلق حق المرتهن به وعدم القدرة على تسليمه. زيلعي. قوله:

69
(وصار ثمنه رهنا) أي سواء قبض الثمن من المشتري أو لا لقيامه مقام العين والثمن، وإن كان دينا لا
يصح رهنه ابتداء لكنه يصح رهنه بقاء كالعبد المرهون إذا قتل تكون قيمته رهنا بقاء، حتى لو توى
الثمن على المشتري يكون من المرتهن يسقط به دينه كما لو كان في يده. بزازية. ولبعض محشي الأشباه
هنا كلام منشؤه عدم التأمل والمراجعة، وما ذكر المصنف هو الصحيح وظاهر الرواية، وقيل: إن المرتهن
إن شرط أن يكون الثمن رهنا عند الإجازة كان رهنا وإلا فلا. تمامه في الزيلعي. قوله: (في
الأصح) لان امتناع النفاذ لحقه وهو الحبس والتوقف لا يفوته. وعن محمد: ينفسخ بفسخه، حتى لو
أفتكه الراهن لا سبيل للمشتري عليه بعده. زيلعي ملخصا. قوله: (أو رفع الامر إلى القاضي) لان
هذا الفسخ لقطع المنازعة وهو إلى القاضي. عناية. قوله: (وهذا الخ) أي ثبوت الخيار للمشتري، لكن
عدم الفرق هو الأصح. رملي عن منية المفتي. وهو المختار للفتوى. حموي وغيره إلى التجنيس. وفي
جامع الفصولين: يتخير مشتري مرهون ومأجور ولو عالما به عندهما. وعند أبي يوسف يتخير جاهلا
لا عالما، وظاهر الرواية قولهما اه‍. قال الرملي في حاشيته عليه: وهو الصحيح، وعليه الفتوى كما
في الولوالجية. قوله: (من رجل آخر) سيأتي تقييده بغير المرتهن. قوله: (فأيهما أجاز لزم) فلو قضى
الراهن الدين هل ينفذ الأول أو الثاني؟ يحرر، والظاهر الأول ط.
قلت: يؤيده ما نذكره قريبا عن الكفاية. تأمل. وما ذكره المصنف يخالف الإجارة، فلو تكرر
بيع المؤجر فأجاز المستأجر الثاني نفذ الأول ويأتي وجهه. قوله: (ثم أجره الخ) أي قبل نقض القاضي
البيع. إتقاني، قوله: (أو رهنه أو وهبه) أي مع التسليم، إذ لا عبرة لهذين العقدين بدونه. إتقاني عن
أبي المعين. قوله: (جاز البيع الأول) سماه أولا وإن لم يكن بيعان بالنسبة إلى هذه العقود، لان هذه
العقود متأخرة عن البيع، ويجوز أن يكون باعه من واحد ثم من آخر ثم باشر هذه العقود فأجازها
المرتهن نفذ البيع الأول دون الثاني لرجحان الأول بالسبق. كفاية. قوله: (لحصول النفع الخ) بيان للفرق
بين المسألتين حيث جاز البيع الثاني بالإجازة في الأولى ولم تجز التصرفات المذكورة بعد البيع في الثانية
مع وجود الإجازة للكل. قال في الكفاية: والأصل فيه أن تصرف الراهن إذا كان يبطل حق المرتهن لا
ينفذ إلا بإجازة المرتهن، فإذا أجازه: فإن كان تصرفا يصلح حقا للمرتهن ينفذ ما لحقته الإجازة، وإن يصلح فبالإجازة، وإن لم
يصلح فبالإجازة يبطل حق المرتهن وينفذ السابق من تصرفات الراهن وإن كان المرتهن أجاز اللاحق.
فإذا ثبت هذا فتقول: المرتهن ذو حظ من البيع الثاني لأنه يتحول حقه إلى الثمن ولا حق له في
هذه العقود، إذ لا بدل في الهبة والرهن والبدل في الإجازة في مقابلة المنفعة وحقه في مالية العين لا
في المنفعة فكانت إجازته إسقاطا لحقه فزال المانع مع النفاذ فينفذ البيع السابق، كما لو باع المؤجر العين

70
من اثنين وأجاز المستأجر البيع الثاني نفد الأول لأنه لا حق له في الثمن فكانت الإجازة إسقاطا اه‍
ملخصا. قوله: (وفي الأشباه الخ) هذا كالاستدراك على قول المصنف سابقا (فالثاني موقوف) كأنه
يقول محل توقف الثاني كالأول وإذا كان البيع الثاني من غير المرتهن، أما إذا كان منه فلا يتوقف وإنما
يبطل البيع الأول، ووجهه أنه طرأ ملك بات على ملك موقوف فأبطله، ط عن أبي السعود. قوله:
(وصح إعتاقه الخ) ما تقدم كان في تصرفات تقبل الفسخ كالبيع والإجارة والكتابة والهبة والصدقة
والاقرار، فلم تجز في حق المرتهن ولم يبطل حقه في الحبس إلا بعد قضاء الدين، وما هنا في
تصرفات لا تقبل الفسخ فتنفذ ويبطل الرهن. أفاده القهستاني: أي سواء كان موسرا أو معسرا لصدوره
من أهله في محله وهو ملكه فلا يلغو تصرفه بعدم إذن المرتهن وامتناع النفاذ في البيع والهبة لانعدام
القدرة على التسليم. وتمامه في الهداية. ومثل الاعتاق الوقف.
وفي الاسعاف وغيره: لو وقف المرهون بعد تسليمه أجبره القاضي على دفع ما عليه إن كان
موسرا، فإن كان معسرا أبطل الوقف وباعه فيما عليه اه‍. قوله: (أي نفذ) أشار به إلى أن التعبير به
أولى، لان التصرفات السابقة صحيحة غير نافذة والتعبير بيصح يوهم أنها غير صحيحة ط. وقوله
: إعتاق الراهن أي وما بعده، وأشار إلى أن المصدر مضاف إلى فاعله قوله: رهنه بالنصب مفعوله.
قوله: (للرهن) أي للارتهان، وقوله: بدله أي بدل الرهن بمعنى المرهون. تأمل.
والحاصل: أنه يأخذ قيمته وتجعل رهنا مكانه. قوله: (ورد الفضل) أي إن كان فضل ويرجع
بالزيادة إن نقصت عن دينه ط. قوله: (ففي العتق) أي الذي بغير إذن المرتهن. جوهرة. فلو بإذنه فلا
سعاية على العبد. أبو السعود. قوله: (سعى العبد الخ) لأنه لما تعذر للمرتهن استيفاء حقه من الراهن
يأخذه ممن ينتفع بالعتق، والعبد إنما ينتفع بمقدار ماليته فلا يسعى فيما زاد على قيمته من الدين. ابن
كمال. قوله: (في الأقل من قيمته ومن الدين) وكيفيته أن ينظر إلى قيمة العبد يوم العتق ويوم الرهن
وإلى الدين، فيسعى في الأقل منهما. زيلعي. ويقضي الدين بالكسب إلا إذا كان من خلاف جنس
حق المرتهن فيبدل بجنسه ويقضي به دينه. عناية. قوله: (ويرجع على سيده غنيا) أي إذا أيسر لأنه
قضى دينه وهو مضطر بحكم الشرع فيرجع عليه بما تحمل عنه، ابن كمال. قوله: (سعى كل) أي من
المدبر والمستولدة. قوله: (في كل الدين) أي ولو زائدا على القيمة لما ذكره الشارح. قوله: (لان كسب
المدبر الخ) تعليل لقوله: في كل الدين ولقوله: بلا رجوع. قوله: (كما مر) أي من أنه لو كان الدين

71
حالا أخذ منه كله، وإلا أخذ القيمة لتكون رهنا إلى حلول الاجل. قوله: (فالمرتهن يضمنه) أشار إلى
أن المرتهن هو الخصم في تضمينه كما في الهداية. قوله: (قيمته يوم هلك) فلو كانت قيمته يومه
خمسمائة وقد كانت يوم الرهن ألفا كالدين ضمن خمسمائة وصارت رهنا وسقط من الدين خمسمائة
كأنها هلكت بآفة كما في الهداية. قوله: (وأما ضمانه على المرتهن) بيان لوجه ضمان المرتهن الزيادة
حيث سقط مثلها من الدين. قال الإتقاني: لان ضمان الرهن يعتبر فيه القيمة يوم القبض وحينئذ كانت
ألفا فيضمن الزيادة على ما غرم الأجنبي اه‍. قال في الكفاية: ولا يقال الرهن لو كان باقيا كما كان
وقد تراجع السعر وانتقصت قيمته فإنه لا يسقط من الدين شئ. قلنا: لان صمة العين باق كما كان،
وإنما يحصل التغير بسبب التراجع والعين بحال يمكن أن تصير ماليته بالتراجع كما كان يوم القبض فلم
يعتبر التغير وها هنا التغير الحاصل بالتراجع استقر بالهلاك ولم يبق على حال تعود ماليته كما كان اه‍.
بقي ما إذا أتلفه المرتهن فيغرم القيمة وتكون رهنا في يده، فإذا حل الاجل والدين من جنس
القيمة استوفى منها ولو فيها فضل رده، وإن نقصت القيمة قبل الاتلاف بتراجع السعر إلى خمسمائة
وكانت ألفا وجب بالاستهلاك خمسمائة وسقط من الدين خمسمائة لان ما انتقص كالهالك وسقط من
الدين بقدره، وتعتبر قيمة الرهن يوم القبض السابق لا بتراجع السعر ووجب عليه الباقي بالاتلاف
وهو قيمته يوم أتلف. هداية ملخصا. ويجعله مضمونا بالقبض السابق لا بتراجع السعر اندفع
استشكال الزيلعي بأن تراجع السعر غير مضمون.
وبيان الجواب ما في غاية البيان عن القدوري أن نقصان السعر لا يضمن مع بقاء العين، أما إذا
تلفت فالضمان بالقبض، وضمان الاتلاف من غير جنس ضمان الرهن فلذا وجبت قيمته يوم الاتلاف
ووجب الفضل بالقبض السابق على ضمان الرهن اه‍ ملخصا. ومثله ما مر عن الكفاية. قوله: (مجاز)
جعله شراح الهداية تسامحا، قالوا: لان الإعارة تمليك المنافع بلا عوض والمرتهن لم يملكها فكيف
يملكها غيره، لكن لما عومل ذلك معاملة الإعارة من عدم الضمان ومن التمكن من الاسترداد أطلق
عليه اسم الإعارة اه‍.
وفسر بعض المحققين التسامح بأنه استعمال اللفظ في غير حقيقته بلا قصد علامة معتبرة ولا
نصب قرينة اعتمادا على ظهوره من المقام اه‍. فهو له حقيقة ولا مجازا، وجعل المصنف في المنح لفظ
الإعارة هنا استعارة تصريحية علاقتها المشابهة والقرينة إسناد الإعارة إلى المرتهن لان إسنادها حقيقة
للمالك. قال: وحيث وجدت القرينة والجامع فالقول بأنه مجاز سائغ اه‍. تأمل. قوله: (هلك مجانا)
أي بلا سقوط شئ من الدين لارتفاع القبض المضمون. قوله: (حتى لو كان) أي الراهن أعطى
المرتهن بالرهن المعار كفيلا: أي أعطاه كفيلا بتسليمه لا بعينه لقوله في كتاب الكفالة: ولا تصح بمبيع
قبل قبضه ومرهون وأمانة بأعيانها، فلو بتسليمها صح اه‍. تأمل. قوله: (لخروجه من الرهن) أي من

72
حكم الرهن وهو الضمان وإلا فالعقد باق. قوله: (جاز ضمان الكفيل) أي إلزامه بتسليمه لما قدمناه.
قوله: (عاد ضمانه) لان عقد الرهن باق إلا في حكم الضمان. منح. قوله: (من سائر الغرماء) أي
غرماء الراهن فلا يشاركون المرتهن فيه. قوله: (لبقاء حكم الرهن) الأصوب أي يقال لبقاء عقد الرهن
إلا أن يراد بالحكم هنا يد الاستيفاء لا الضمان. تأمل. قوله: (ولو أعاره الخ) جملة هذه التصرفات
ستة: العارية والوديعة والرهن والإجارة والبيع والهبة. فالعارية توجب سقوط الضمان سواء كان
المستعير هو الراهن أو المرتهن إذا هلك حالة الاستعمال أو أجنبيا ولا ترفع عقد الرهن، وحكم الوديعة
كحكم العارية. والرهن يبطل عقد الرهن. وأما الإجارة فالمستأجر إن كان هو الراهن فهي باطلة
وكانت بمنزلة ما إذا أعار منه أو أودعه، وإن كان هو المرتهن وجدد القبض للإجارة أو أجنبيا بمباشرة
أحدهما العقد بإذن الآخر بطل الرهن والأجرة للراهن وولاية القبض للعاقد ولا يعود رهنا إلا
بالاستئناف. وأما البيع والهبة فإن العقد يبطل بهما إذا كانا من المرتهن أو من أجنبي بمباشرة أحدهما
بإذن الآخر، وأما من الرهن فلا يتصور اه‍. عناية. وفي حاشيتها لسعدي أفندي: إذا كان الايداع من
أجنبي ينبغي أن لا يسقط الضمان لأنه العدل اه‍.
أقول: وهو بحث وجيه ثم رأيته منصوصا في الخانية قال فيها: إذا أجاز الراهن للمرتهن أن
يودعه إنسانا أو يعير، فإن أودع فهو رهن على حاله، إن هلك في يد المودع سقط الدين، وإن أعاره
خرج من ضمان الرهن وللمرتهن أن يعيده اه‍. فقد فرق بين العارية والوديعة على خلاف ما ذكره في
العناية وتبعه فيه الشارح، فتنبه. قوله: (بخلاف الإجارة الخ) حال من قوله: ولكل واحد منهما أن
يعيده رهنا ويشترط في الإجارة تجديد القبض كما علمت آنفا، وفي البزازية: وإن استأجرها المرتهن
فاسدا ووصل إليها ومضى زمان بمقدار ما يجب فيه شئ من الأجرة بطل الرهن اه‍، وفيها: وإن
أخذ المرتهن الأرض مزارعة بطل الرهن لو البذر منه، ولو من الراهن فلا اه‍. أي: لما قدمناه في كتاب
المزارعة أن الأصل أن رب البذر هو المستأجر، فإن كان هو العامل كان مستأجرا للأرض، وإن كان
هو رب الأرض كان مستأجرا للعامل، قوله: (والرهن) أي وبخلاف رهن الرهن ويأتي الكلام فيه
قريبا. قوله: (من المرتهن الخ) من هذه صلة لما قبلها لا للابتداء، تقول: أجرت منه الدار وكذا بعتها
أو وهبتها منه إذا كان هو القابل للعقد وأنت المباشر فالمرتهن أو الأجنبي هنا هو القابل والمباشر: أي
العاقل مع المرتهن هو الراهن ومع الأجنبي أحدهما، لكن في هذا التعميم بالنسبة إلى الرهن نظر لان
رهنه من المرتهن لا يفيد فالظاهر أنه خاص فيما إذا رهنه أحدهما من أجنبي.
قال في التتارخانية عن شرح الطحاوي: ليس للمرتهن أن يرهن الرهن، فإن رهن بلا إذن
الراهن: فإن هلك في يد الثاني قبل الإعادة إلى يد الأول فللراهن أن يضمن المرتهن الأول ويصير
ضمانه رهنا ويملكه المرتهن الثاني بالدين أو يضمن المرتهن الثاني ويكون الضمان رهنا عند المرتهن الأول
وبطل رهن الثاني ويرجع الثاني على الأول بما ضمن وبدينه، وإن رهن بإذن الراهن صح الثاني وبطل

73
الأول اه‍. قوله: (حيث يخرج عن الرهن) بين لجهة المخالفة بين الوديعة وهذه العقود، لكن في
صور البيع يتحول حق المرتهن إلى الثمن سواء قبضه أو لا حتى لو هلك عند المشتري سقط الدين
بخلاف بدل الإجارة وتقدم الفرق بينهما، نص على ذلك في المعراج. قوله: (لأنها عقود لازمة) ولذا
لا يمكنه فسخها. قوله: (وبخلاف بيع المرتهن من الراهن) وكذا إجارته وهبته وهذا محترز قول المصنف
: من المرتهن. قوله: (لعدم لزومها) أي لزوم العارية والبيع والأولى لزومهما بالتثنية. أي لعدم لزومهما
في حق الراهن لان ملكه باق في المرهون فيبطل العقد. قوله: (بقي لو مات الخ) مرتبط بقول المصنف
: بخلاف الإجارة الخ. قوله: (فالمرتهن أسوة الغرماء) أي مساو لهم في المرهون لبطلان عقد الرهن
بهذه العقود. معراج. قوله: (ولو أذن الراهن للمرتهن باستعماله الخ) فإن لم يأذن له وخالف ثم عاد
فهو رهن على حاله. جامع الفصولين. قوله: (ولو هلك في حالة العمل) راجع إلى قوله (أو إعارته)
وقوله: والاستعمال راجع إلى قوله: في استعماله فهو لف ونشر مشوش. قوله: (لثبوت يد العارية)
وهي مخالفة ليد الراهن فانتفى الضمان. منح. قوله: (لأنه منكر) أي منكر لموجب الضمان. قال ط:
ولا حاجة إليه لان التعليل الآتي للمسألتين. قوله: (وقال الراهن في غيره) كذا في الخانية وغيرها
فيشمل ما إذا قال قبل العمل أو بعده. قوله: (لأنهما اتفقا على زوال يد المرتهن) أي زوال القبض
الموجب لاعترافهما بوجود العمل المزيل للضمان. قوله: (في عوده) أي عود
الرهن: أي عود يده في بعض النسخ في حقه وفي بعضها في دعواه، وعبارة البزازية: في العود. قوله: (ما لبسته)
بفتح تاء المخاطب. قوله: (فالقول للراهن) لأنه منكر لوجود العمل فلم يتفقا على زوال اليد. قوله:
(فالقول للمرتهن الخ) عبارة البزازية. فالقول للمرتهن أنه أصابه في اللبس لاتفاقهما على خروجه من
الضمان فكان القول للمرتهن في قدر ما عاد الضمان إليه، بخلاف أول المسألة لعدم الاتفاق ثمة على
الخروج من الضمان اه‍.
وحاصله: أنهما لما اتفقا على خروجه من الضمان كان القول للمرتهن في أنه لم يعد مضمونا عليه
ضمان الرهن بعد خروجه من الضمان إلا ذلك الثوب المتخرق: أي فإذا هلك بعد ذلك يضمن قيمته

74
متخرقا. قوله: (بخلاف الوصي) قدم في باب ما يجوز ارتهانه أن ذلك قول الإمام التمرتاشي، وأنه
جزم في الذخيرة وغيرها بالتسوية بين الأب والوصي، وبه جزم المصنف هناك كالعناية والملتقى وقدمنا
وجهه. قوله: (ليس للابن أخذه الخ) لان تصرف الأب نافذ لازم. قوله: (ويرجع الابن) أي إذا قضى
دين الأب وافتك الرهن. قوله: (إن كان) أي الأب رهنه لنفسه: أي لأجل دين عليه، وكذا لو رهن
بدين على نفسه وبدين على الصغير فحكمه في حصة دين الأب كحكمه فيما لو كان كله رهنا بدين
الأب كما في المنح. قوله: (لأنه) أي الابن مضطر في قضاء الدين لافتكاك الرهن فلم يكن متبرعا نظير
معير ارهن الآتي بيانه. قوله: (ثم أقر بالرهن الخ) أي أقر بأن ذلك المرهون ملك لزيد مثلا لا يصدق في
حق المرتهن، حتى أنه لا ينزع من يده بمجرد ذلك الاقرار بدون برهان من المقر له، بل يؤاخذ المقر في
حق نفسه، حتى أنه يؤمر بقضاء الدين إلى المرتهن ورد المرهون إلى المقر له، وهل يؤمر بقضائه حالا لو
كان مؤجلا أو يؤمر بدفع قيمته للمرتهن ثم تسليم الرهن للمقر له أو ينظر إلى حلول الاجل، فليراجع.
قوله: (جاز) ويكون بمنزلة ما لو أعارها ليرهنها ط. قوله: (أولى) أي من بينة المرتهن لأنها تثبت زيادة
ضمان، لو لم يقيما البينة فالقول قول المرتهن. كذا يفاد من الهندية ط. قوله: (وزوائد الرهن الخ) ستأتي
هذه المسألة مفصلة كالمسألة التي بعدها ولذا لم توجد في بعض النسخ ط. قوله: (وصح استعارة شئ
ليرهنه) لان المالك رضي بتعلق دين المستعير بماله وهو يملك ذلك كما يملك تعلقه بذمته بالكفالة ط.
قوله: (فيرهن بما شاء) أي بأي جنس أو قدر، وكذا عند أي مرتهن وفي أي بلد شاء كما في القهستاني.
قوله: إذا أطلق أي المعير. لان الاطلاق واجب الاعتبار خصوصا في الإعارة لان الجهالة فيها لا
تفضي إلى المنازعة. هداية لان مبناها على المسامحة. معراج. قوله: (تقيد به) فليس له أن يزيد عليه ولا
ينقص أما الزيادة فلانه ربما احتاج إلى فكاك الرهن فيؤدي قدر الدين وما رضي بأداء القدر الزائد أو لأنه
يتعسر عليه ذلك فيتضرر به، وأما النقصان فلان الزائد على الدين يكون أمانة وما رضي إلا أن يكون
مضمونا كله فكان التعيين مفيدا، وكذلك التقييد بالحبس وبالمرتهن وبالبلد، لان كل ذلك مفيد لتيسر
البعض بالإضافة إلى البعض وتفاوت الاشخاص في الأمانة والحفظ اه‍ من الهداية والاختيار.

75
تنبيه: أفتى في الحامدية فيما لو قيد العارية بمدة معلومة ومضت المدة بأن للمعير أخذها من
المستعير، قال: وبه أفتى في الخيرية والإسماعيلية، ومثله في فتاوى ابن نجيم قائلا: وليس له مطالبته
بالرهن قبل مضي المدة، فإذا مضت وامتنع من خلاصه من المرتهن أجبر عليه اه‍.
أقول: ولا يخالفه ما في الذخيرة استعارة ليرهنه بدينه فرهنه بمائة إلى سنة فللمعير طلبه منه وإن
أعلمه أنه يرهنه إلى سنة اه‍. لان الرهن هنا فاسد لتأجيله كما مر وكلامنا في تأجيل العارية. تأمل.
قوله: (ضمن المعير المستعير أو المرتهن الخ) أي يضمنه قيمة الرهن إن هلك في يد المرتهن لأنه تصرف
في ملكه على وجه لم يؤذن له فيه فصار غاصبا، وللمعير أن يأخذه من المرتهن ويفسخ الرهن.
جوهرة. قوله: (فرهنه بأقل من ذلك) أي بأقل مما عين له لكن بشرط أن لا ينقص عن قيمة الرهن،
بل إما بمثلها أو بأكثر مما أفاده الزيلعي.
وفي الذخيرة وغيرها: لو سمى له شيئا فرهنه بأقل أو بأكثر فهو على ثلاث أوجه: الأول: أن
تكون قيمة الثوب مثل الدين المسمى. الثاني: أن تكون أكثر منه، وفيها إذا رهن بأكثر من الدين أو
بأقل يضمن قيمته. الثالث: أن تكون أقل منه. فإن زاد على المسمى ضمن القيمة، وإن نقص فإن كان
النقصان إلى تمام قيمة الثوب لا يضمن، وإن إلى أقل ضمن قيمته اه‍ ملخصا. ونقله في النهاية.
ثم قال: وبه يعلم أن المعير لا يضمن المستعير أكثر من القيمة في صورة من الصور، وكذا لا
يضمنه جميع قيمة الثوب إذا كانت أكثر من الدين وإنما يضمنه قدر الدين والزائد يهلك أمانة اه‍.
قوله: (لتملكه بالضمان) فتبين أنه رهنه ملك نفسه اه‍. تبيين. قال: قارئ الهداية: ولي فيه نظر لان
الملك فيه لم يستند إلى وقت القبض، إذ القبض بإذن المالك، وإنما يستند إلى وقت المخالفة وهو التسليم
إلى المرتهن وعقد الرهن كان قبله فيقتصر ملكه على وقت التسليم فلم يتبين أنه رهن ملكه، لان ملكه
بعد عقد الرهن اه‍. أبو السعود و ط عن الشلبي.
أقول: قد يجاب بأن الرهن لا يلزم إلا بالتسليم ولذا كان للمرتهن الرجوع عنه قبله كما مر أول
الرهن، فإذا توقف العقد على التسليم لم يعتبر سابقا عليه فكأنهما وجدا معا عند التسليم الذي هو وقت
المخالفة فلم يكن ملكه بعد عقد الرهن، هذا ما ظهر لي من فيض الفتاح العليم فاغتنمه. قوله: (وإن
ضمن المرتهن) لأنه متعد بقبض مال غيره بلا إذنه فهو كغاصب الغاصب. قوله: (كما مر في
الاستحقاق) أي قبيل هذا الباب. قوله: (صار المرتهن مستوفيا لدينه) أي إن كانت قيمة الرهن مثل الدين
أو أكثر، وإن كانت أقل صار مستوفيا لقدره ويرجع بالفضل على الراهن اه‍. مسكين. قوله: (أي مثل
الدين) كذا في الدرر، والأصوب أن يقال: أي مثل الرهن: أي صورة ومعنى إن كان مثليا، ومعنى فقط
وهو قيمته إن كان قيميا لئلا يلزم تشتيت الضمائر بعده، رحمتي ملخصا. ومثله في شرح الطوري.
قوله: (لقضاء دينه به) أي لان الراهن صار قاضيا دينه بمال المعير وهو الرهن. قوله: (إن كان كله) أي

76
الرهن مضمونا بأن كان مثل الدين أو أقل. قوله: (وإلا الخ) أي يأن كان أكثر من الدين. قوله:
(بحسابه) أي بقدر حصة العيب. إتقاني. قوله: (ويجب مثله) أي ويجب للمعير على المستعير مثل ما ذهب
من الدين بالعيب. قوله: (لتخليص ملكه) أي لأنه يريد بذلك تخليص ملكه فهو مضطر إليه. قوله:
(بخلاف الأجنبي) أي إذا قضى الدين لأنه متبرع إذ هو لا يسعى في تخليص ملكه ولا في تفريغ ذمته
فكان للطالب أن لا يقبل. هداية. قوله: (وإن أقل فلا جبر) أي لا يجبر المرتهن على تسليم الرهن. درر
عن تاج الشريعة، لان الزيادة أمانة من جانب الراهن، كذا قيل، ولم نجد ذلك في كلام الشراح، وعزوه
إلى تاج الشريعة فرية بلا مرية كذا. أفاده عزمي زاده. قوله: (لكن استشكله الزيلعي وغيره) أي استشكل
كون الزائد تبرعا حيث قال: وهذا مشكل، لان تخليص الرهن لا يحصل بإيفاء البعض فكان مضطرا،
وهذا لان غرضه تخليصه لينتفع به، ولا يحصل ذلك إلا بأداء الدين كله. إذ للمرتهن أن يحبسه حتى
يستوفي الكل اه‍. والاشكال ذكره جميع شراح الهداية مع جوابه بأن الضمان إنما وجب على المستعير
باعتبار إيفاء الدين من ملكه، فكان الرجوع عليه بقدر ما تحقق الايفاء. اه‍. ونقلوه عن الايضاح والخانية
وغيرهما، وكأن الزيلعي لم يرتض بهذا الجواب فلم يذكره ولذا قال في السعدية: إن للكلام فيه مجالا.
قوله: (فلذا لم يعرج عليه الخ) أقول: يجب اتباع المنقول وإن لم يظهر للعقول، مع أن الجواب لائح وهو
تقصير المعير عن التقييد بالرهن بالقيمة من أول الامر، فإذا ترك ما يدفع الاضرار كان في دفع الزائد
مختارا بهذا الاعتبار فكن من ذوي الابصار اه‍. سائحاني. قوله: (مع متابعته للدرر) أي إن عادته ذلك
غالبا، وقد نص في الدرر على أن الزائد تبرع فدل عدم متابعته له أنه أقر الزيلعي على الاستشكال. قوله:
(لم يضمن) لأنه لم يصر قاضيا دينه به. قوله: (وإن استخدمه أو ركبه الخ) إن هذه وصيلة: أي بأن كان
عبدا فاستخدمه أو دابة فركبها قبل أن يرهنهما ثم رهنهما بمال مثل قيمتهما ثم قضى المال فلم يقبضهما
حتى هلكا عند المرتهن فلا ضمان على الراهن. هداية: أي ضمان التعدي لا ضمان قضاء الدين، لان
الراهن بعد ما قضى الدين يرجع بما أدى، لان الرهن لما هلك في يد المرتهن صار مستوفيا حقه من مالية
الرهن فيرجع المعير على الراهن بما وقع به الايفاء اه‍. كفاية ملخصا. قوله: (ونحو ذلك) كأن لبس
الثوب. قوله: (من قبل) أي من قبل الرهن، وكذا إن افتكه ثم استعمله فلم يعطب ثم عطب بعده من
غير صنعه لا يضمن لأنه بعد الفكاك بمنزلة المودع لا بمنزلة المستعير لانتهاء حكم الاستعارة بالفكاك،
وقد عاد إلى الوفاق فيبرأ عن الضمان. هداية. قوله: (لكن في الشرنبلالية) الخ هذا في المستأجر أو

77
المستعير لشئ ينتفع به وكلامنا في مستعير شئ ليرهنه وهو بمنزلة المودع لا المستعير كما مر آنفا والمودع
يبرأ بالعود إلى الوفاق. وفرق بينهما في الهداية وشروحها بأن يد المستعير يد نفسه فلا يصير بالعود رادا
على المالك لا حقيقة ولا حكما، بخلاف المودع لان يده كيد المالك فبالعود إلى الوفاق يصير رادا عليه
حكما.
قلت: وكذا المستأجر يده يد نفسه لأنه يمسك العين لنفسه لا لصاحبها. قوله: (إذا خالفا)
الأولى إفراد الضمير لان العطف بأو، وليوافق ما بعده ط وقد وجد كذلك في كثير من النسخ. قوله:
(بقي لو اختلفا) أي في زمن الهلاك فقال: المعير هلك عند المرتهن وقال: المستعير: قبل الرهن أو بعد
الافتكاك. عناية. قوله: (فالقول للراهن) أي مع يمينه. معارج، والبينة للمعير لأنه يدعي عليه
الضمان. عناية. قوله: (لأنه ينكر الخ) أي لان الراهن ينكر الايفاء بمال المعير. قوله: (لو اختلفا
في قدر ما أمره بالرهن به) بأن قال المعير أمرتك أن ترهنه بخمسة وقال المستعير بعشرة فالقول للمعير،
لأنه لو أنكر الامر أصلا كان القول له، فكذا إذا أنكر وصفا فيه، والبينة للمستعير لأنه المثبت. إتقاني.
قوله: (اختلفا في الدين والقيمة الخ) صورة المسألة ما في الخانية وغيرها: لو كان الراهن يدعي الرهن
بألف المرتهن بخمسمائة: فإن كان الرهن قائما يساوي ألفا تحالفا وترادا، ولو هالكا فالقول للمرتهن
لأنه ينكر زيادة سقوط الدين اه‍. زاد الإتقاني: ولو اتفقا على أنه بألف وقال المرتهن قيمته خمسمائة
وقال الراهن ألف فالقول للمرتهن إلا أن يبرهن الراهن لأنه ادعى زيادة الضمان اه‍ ملخصا. وبه
يظهر ما في العبارة من الايجاز الشبيه بالألغاز. قوله: (مديونا) زاده لأنه لا يلزم من الافلاس الدين،
لكن إن قرئ قول المصنف مفلسا بتشديد اللام من المضاعف استغنى عنه لان معناه حكم القاضي
بإفلاسه. تأمل. قوله: (باق على حاله) أي محبوسا عند المرتهن. قوله: (وأبى الراهن) كذا ي المنح،
وصوابه المرتهن كما نبه عليه الرملي، لان فرض المسألة أن الراهن وهو المستعير قد مات. قوله: (بيع
بغير رضاه الخ) لان حقه في الاستيفاء وقد حصل. زيلعي. قوله: (وإلا) أي وإن لم يكن فيه وفاء لا
يباع إلا برضاه، لان له في الحبس منفعة، فلعل المعير قد يحتاج إلى الرهن فيخلصه بالايفاء، أو تزاد
قيمته بتغير السعر فيستوفي منه حقه. زيلعي. قوله: (أمر الراهن بقضاء دين نفسه) أي يجبر على ذلك،
وانظر لو كان الدين مؤجلا هل يجبر أو ينظر. قوله: (بعد قضاء دينه) أي دين الراهن. قوله:

78
(كمورث) أي كمورثهم لقيامهم مقامه. قوله: (من ورثته) أي ورثة المعير. قوله: (كما مر لما مر) أي
في مسألة موت المستعير، وسقط قوله: لما مر أي في مسألة موت المستعير، وسقط قوله: لما مر من بعض النسخ وهو الأصوب، لأنه لم يذكر التعليل
سابقا وهو قولنا لان له في الحبس منفعة الخ. قوله: (كلا أو بعضا) منصوبان على التمييز: أي من
جهة الكلية أو البعضية. تأمل. قوله: (مضمونة الخ) لان الحق كل منهما محترم فيجب عليه ضمان ما
أتلف على صاحبه وجعل المالك كالأجنبي في حق الضمان. تمامه في المنح. قوله: (عليه) أي على
الرهن: أي المرهون. قوله: (وإذا لزمه وقد حل الدين الخ) أفاد أنه إذا كان مؤجلا لا يحكم بالسقوط
بمجرد اللزوم، بل ما لزمه بالدين إلى حلول الاجل، فإذا حل أخذه بدينه إن كان من جنسه،
وإلا فحتى يستوفي دينه. شرنبلالية. وقد قدمنا تمام الكلام عند قوله في هذا الباب: وأما ضمانه على
المرتهن. قوله: (سقط يقدره) أي سقط من الضمان بقدر الدين. قوله: (ولزمه الباقي) أي من الضمان
إذا زاد الضمان على الدين. قوله: (بالاتلاف) الزائد كان أمانة فهو كالوديعة إذا أتلفها المودع.
قوله: (لا بالرهن) أي لا بعقده حتى يشكل عليه ضمان ذلك الزائد. قوله: (من جنس الضمان) بأن
كان الدين دراهم أو دنانير. كفاية. قوله: (والجناية على المرتهن الخ) معطوف على قوله (لم يسقط).
وحاصله: أن الدين لو مكيلا أو موزونا فالجناية واجبة على المرتهن والدين باق على الراهن فلكل
منهما أخذ حقه من صاحبه. قوله: (لكم لو أعور عينه) أقول: عبارة الخلاصة والبزازية: ولو أعور
العبد الرهن الخ.
وفي التتارخانية عن المحيط: رهن من آخر عبدا يساوي مائتين مثلا بمائة فاعور العبد، قال أبو
حنيفة وزفر: ذهب نصف المائة، وهو قول أبي يوسف أولا، ثم رجع وقال: يقوم العبد صحيحا
وأعور، فيذهب من الدين بحساب النقصان اه‍ ملخصا. وبه ظهر أن أعور هنا مشدد الراء من
الاعورار وما بعده فاعله، وإسناده إلى العين لا يوجب تأنيثه لأنها ظاهر مجازي التأنيث فيجوز فيه
الوجهان كما قرر في محله، وليس من باب الافعال متعديا والفاعل مستتر عائد على المرتهن وعينه
مفعوله، لان الواجب حينئذ لزوم دية العين بالغة ما بلغت كما تفهمه عبارة المصنف لا سقوط نصف
الدين. وأيضا لو كان كذلك لما تأتى الخلاف السابق، وحينئذ فلا وجه لذكر هذه المسألة في هذا المحل
ولا للاستدراك بها على ما قبلها، إذ ليست من الجناية على الرهن بل من تعيبه وليس الكلام فيه، فافهم
واغنم. قوله: (هدر) أما على الراهن فلكونها جناية الملوك على مالكه وهي فيما يوجب المال هدر لأنه
المستحق، وأما على المرتهن فلانا لو اعتبرناها لوجب عليه التخلص منه لأنها حصلت في ضمانه. درر
ملخصا. وهذا عنده. وقالا: جنايته على المرتهن معتبرة.

79
ثم اعلم أن جنايته على مال المرتهن هدر اتفاقا إن كانت قيمته والدين سواء، وإن كانت القيمة
أكثر فعن أبي حنيفة أنها معتبرة بقدر الأمانة. وعنه أنها هدر كالمضمون. هداية.
وفي المعراج عن المبسوط: لو كان قيمته ألفان والدين ألف فجنى على المرتهن أو رقيقه قيل
للراهن: ادفعه أو افده، أما على قولهما فغير مشكل، وأما على قوله فجنايته ها هنا معتبرة في ظاهر
الرواية، وروى عنه أنها لا تعتبر. وجه الظاهر أن النصف منه أمانة هنا وجناية الوديعة على المودع
معتبرة فيقال للراهن: ادفعه أو افده، فإن دفعه وقبل المرتهن صار عبدا للمرتهن فيسقط الدين لأنه يكون
كالهالك في يده في حكم سقوط الدين كما لو جنى على أجنبي ودفعاه به، وإن فداه كان على الراهن
نصف الفداء حصة الأمانة وعلى المرتهن نصف الفداء حصة المضمون فتسقط حصته لأنه لا يستوجب
على نفسه دينا ويستوفي من الراهن حصته من الفداء ويكون الفداء رهنا على حاله اه‍. ملخصا. قوله:
(غير موجبة للقصاص) بأن كانت خطأ في النفس أو فيما دونها. در. قوله: (في النفس دون الأطراف
الخ) المناسب ذكره بعد قوله: وإن كانت موجبة للقصاص لان غير الموجبة للقصاص في النفس أو
الأطراف هدر، وأما الموجبة له فمعتبرة إن أوجبته في النفس دون الأطراف فيفهم أنها في الأطراف
هدر. تأمل. قوله: (ويبطل الدين) يعني إن كان العبد مثل الدين أو أكثر وقدمنا وجهه آنفا عن
المعراج، فلو أقل سقط من الدين بقدره كما هو الحكم في هلاك الرهن. أفاده ح. وقال: فقد ظهر
وجه التعبير بالدين، كما أن التعبير بالرهن له وجه أيضا كما لا يخفى اه‍: أي لأنه يلزم من بطلان
الدين بطلان الرهن. قال ط: وانظر ما إذا عفا عنه ولي الدم، والظاهر أنه يبقى على رهينته. قوله:
(وإن كانت على المال فيباع) أي إن لم يفده الراهن أو المرتهن.
وفي البزازية: أتلف المرهون مال إنسان مستغرقا قيمته، فإن فداه المرتهن فالرهن والدين بحاله،
وإن أبى قيل للراهن افده فإن فداه بطل الدين والرهن لأنه استحق بأمر عند المرتهن فكان عليه، فإن
لم يفده الراهن أيضا يباع فيأخذ دائن العبد دينه وبطل مقداره من دين المرتهن إن دينه أقل وما بقي من
ثمن العبد للراهن، وإن كان دين المرتهن أكثر من دين العبد استوفى المرتهن الباقي إن حل دينه، وإلا
كان رهنا عنده إلى أن يحل فيأخذه قصاصا اه‍. قوله: (إذ هو) أي الابن أجنبي عن أبيه: أي في حق
الملك، وهذا تعليل لكون جناية المرهون على ابن الراهن أو ابن المرتهن معتبرة.
تتمة: في جناية الرهن بعضه على بعض كما لو كان عبدين فجنى أحدهما على الآخر، فإن كان
الكل منكل منهما مضمونا فالجناية هدر كالآفة السماوية، وإلا تحول إلى الجاني من حصة المجني عليه
من الدين نصف ما سقط، لان الجناية أربعة: جناية مشغول على مشغول، أو على فارغ، وجناية فارغ
على فارغ، أو على مشغول، وكلها هدر، إلا الرابع، فإذا كانا رهنا بألف وقيمة كل ألف فالمقتول
نصفه فارغ فيهدر.
بقي النصف المشغول متلفا بفارغ ومشغول فيهدر نصف هذا النصف لتلفه بمشغول، ويعتبر نصفه

80
الآخر لتلفه بفارغ فالهدر يسقط ما بإزائه من الدين والمعتبر يتحول إلى الجاني وذلك مائتان وخمسون فصار
الجاني رهنا بسبعمائة وخمسين. وتمامه في الولوالجية ومتفرقات التتارخانية. وسيأتي قريبا ما لو كان الرهن
عبدا ودابة. قوله: (فرجعت قيمته) أي بنقصان السعر. قوله: (والأصل الخ) لا يقال: هذا الأصل
مناف لقوله: ولا يرجع على الراهن بشئ، فإنه قد اعتبر فيه نقصان السعر، لأنا نقول: عدم اعتباره إنما
هو إذا كانت العين باقية حتى كان للمرتهن مطالبة الراهن بجميع الدين عند ردها ناقصة بالسعر. أما إذا
تلفت فالضمان بالقبض السابق لان بده يد استيفاء من الابتداء وبالهلاك يتقرر فيصير مستويا للكل من
الابتداء، فعلم أن هذا الأصل ليس على إطلاقه، هكذا ظهر لي في هذا المحل أخذا من صريح كلام
شرح الهداية المار أو هذا الباب. ثم رأيت الطوري وغيره صرح هنا بذلك، ولله تعالى الحمد، قوله:
(بخلاف نقصان العين) فإنه يذهب قسطه من الدين. إتقاني. قوله: (فإذا كان الخ) تفريع بمنزلة التعليل
لقوله: بخلاف نقصان العين. قوله: (بأمر الراهن) المراد أمره بالبيع غير متقيد بمائة فالمائة غير مأمور
بها. شرنبلالية. قوله: (لأنه لما كان الدين باقيا الخ) يوجد في بعض النسخ قبل هذا التعليل تعليل آخر
هو بمعناه.
والحاصل: أنه هنا لا يسقط من الدين شئ يتراجع السعر لبقاء العين وانتقاض يد الاستيفاء،
لأنه لما أمره الراهن ببيعه فكأنه استرده منه وباعه بنفسه. قوله: (ولو قتله) أي العبد المذكور في المتن.
قوله: (لحما ودما) يعني صورة ومعنى. أما صورة فظاهر، وأما معنى فلان القاتل كالمقتول في الآدمية
والشرع اعتبره جزءا من حيث الآدمية. عناية. قوله: (أو تركه على المرتهن) لأنه تغير في ضمان
المرتهن. هداية. قوله: (فداء المرتهن) أي ويبقى الدين على حاله. هداية. قوله: (لأنه ملكه) غير
ظاهر. وعبارة الشراح: لان الجناية حصلت في ضمانه. قوله: (بشئ) أي من الفداء. هداية. قوله:
(فإن أبى الخ) إنما بدئ بالمرتهن لأنا لو خاطبنا الراهن فمن الجائز أن يختار الدفع فيمنعه المرتهن لان له
أن يقول أنا أفدي حتى أصلح رهني. معراج. قوله: (ويسقط الدين بكل منهما) أما بالدفع فلان العبد
استحق لمعنى في ضمان المرتهن فصار كالهلاك وأما بالفداء فلانه كالحاصل له بعوض كان على المرتهن.
هداية. قوله: (فداه المرتهن) أي ودينه على حاله. زيلعي. قوله: (فإن أبى الخ) أي إن أبى المرتهن أن

81
يؤدي عنه قيل للراهن: بعه في الدين. قوله: (باعه الراهن أو فداه) فإن فداه بطل دين المرتهن، وإن
باعه أخذ غريم العبد دينه، فإن فضل شئ من ثمن العبد ودين الغريم مثل دين المرتهن أو أكثر
فالفضل للراهن وبطل دين المرتهن، ولو أقل سقط من دين المرتهن بقدر دين العبد والفضل من الثمن
عن دين العبد يبقى رهنا كما كان فإن حل دين المرتهن أخذه بدينه لأنه من جنسه وإلا أمسكه حتى
يحل، وإن لم يف الثمن بدين الغريم أخذ الغريم الثمن ورجع بالباقي على العبد بعد عتقه، ولا يرجع
العبد على أحد. وتمامه في الهداية. قوله: (دفعه الراهن الخ) أشار إلى أن المرتهن هنا لا يؤمر بشئ
لان الولد غير مضمون عليه لأنه لا يسقط بهلاكه شئ من دينه كما ذكره الإتقاني،
قال ط عن الحموي: ولو قال المرتهن: أنا أفدي قبل لأنه محبوس بدينه وله غرض صحيح بزيادة
الاستيثاق ولا ضرر للراهن ا ه‍. قوله: (وخرج عن الرهن) أي ولم يسقط شئ من الدين كما لو
هلك ابتداء. زيلعي. قوله: (ويصير كأنه) أي المجني عليه. قوله: (وتمامه في الخانية) حيث ذكر
حاصل ما قدمناه في الصفحة السابقة من جناية أحد عبدي الرهن على الآخر. ثم قال: ولو رهن عبدا
ودابة فجناية الدابة على العبد هدر، وبالعكس معتبرة كجناية العبد على عبد آخر اه‍ ملخصا. قوله:
(لقيامه) أي الوصي مقام الراهن. قوله: (فلو كبارا الخ) هذا ظاهر إذا كانوا حاضرين، فلو كانوا
غائبين، ففي العمادية من الفضل الخامس عن فتاوى رشيد الدين القاضي: نصب الوصي إذا كان
الوارث غائبا ويكتب في نسخة الوصايا أنه جعله وصيا ووراث الميت غائب مدة السفر اه‍. قوله:
(توقف على رضا البقية) أي بقية الغرماء. قوله: (ولهم رده) لأنه إيثار لبعض الغرماء بالايفاء الحكمي
فأشبه الحقيقي. هداية. قوله: (نفذ) لزوال المانع لوصول حقهم إليهم. هداية. قوله: (وإذا ارتهن) أي
أخذ الوصي رهنا. قوله: (جاز) لأنه استيفاء حكما وهو يملكه. درر. قوله: (عند الورثة) أي أو
الوصي المختار أو المنصوب وورثة الراهن يقومون مقامه كما سبق ط.

82
خاتمة: المرتهن بفسخ الرهن والراهن لا ينفرد به، حتى لو قال المرتهن فسخت الرهن ولم يرض
الراهن وهلك لا يسقط شئ من الدنيا، وفي العكس يسقط يقدره كما في القنية وغيرها.
فصل في مسائل متفرقة
قوله: (رهن عصيرا الخ) اعلم أن العصير المرهون إذا تخمر، فإما أن يكون الراهن والمرتهن
مسلمين أو كافرين أو الراهن وحده مسلما أو بالعكس، فلو كافرين فالرهن بحاله تخلل أولا، وفي
الأقسام الباقية إن تخلل فكذلك، وإلا فهل للمرتهن أن يخلله فيه تفصيل، فلو مسلمين أو الراهن فقط
جاز تخليله لان المالية وإن تلفت بالتخمر لكن إعادتها ممكنة بالتخليل فصار كتخليص الرهن من الجناية،
وإذا جاز ذلك في المسلمين والخمر ليست بمحل بالنسبة إليهم فلان يجوز في المرتهن الكافر بالأولى
لأنها محل. وأما لو الراهن كافرا فله أخذ الرهن والدين على حاله لان الخمرية لا تعدم المالية في حقه
فليس للمرتهن المسلم تخليلها، فإن خللها ضمن قيمتها يوم خللها، كما لو غصب خمر ذمي فخللها
والخل له، وتقع المقاصة لو دينه من جنس القيمة ويرجع بالزيادة إن نقصت قيمتها يوم التخليل من
دينه. عناية ملخصا. قوله: (فهو رهن بعشرة) أي يبقى رهنا بها، وإنما لم يبطل لأنه بصدد أن يعود
بالتخلل، ولهذا إذا اشترى عصيرا فتخمر قبل القبض لا يبطل البيع لاحتمال صيرورته خلا. درر.
قوله: (ثم المعتبر الخ) يشير إلى ما قاله شراح الهداية وغيرهم من أن ما ذكر المصنف كالهداية وغيرها
مقيد بما إذا لم ينتقص شئ من كيله وأن قوله: وهو يساوي العشرة وقع اتفاقا، فإنه إذا بقي كيله على
حاله وانتقصت قيمته لا يسقط شئ من الدين، لان الفائت مجرد وصف وبفواته في المكيلات
والموزونات لا يسقط شئ من الدين ولكن الراهن يتخير كما إذا انكسر القلب إن شاء افتكه ناقصا
بجميع الدين، وإن شاء ضمنه وتكون قيمته رهنا عندهما. وعند محمد: يفتكه ناقصا أو يجعله بالدين.
كذا في شرح الكافي. وإن لم تنتقص قيمته لا يخير فيبقى رهنا كما كان. إتقاني وعناية. قوله: (وإلا
فلا) إذ لا اعتبار بنقصان السعر كما مر. قوله: (هذا) أي ما يفهم من مساواة القيمة للدين. قوله:
(لأنه لو كان قيمتها أكثر من الدين) كما إذا كان الذين عشرة والشاة بعشرين والجلد بدرهم فالجلد
رهن بنصف درهم، لان بإزاء كل درهم من الشاة نصف درهم من الدين فيكون الجلد رهنا بنصف
درهم ويسقط بإزاء اللحم تسعة ونصف، وإن كان قيمتها أقل من الدين بأن كانت بخمسة والجلد
بدرهم فالجلد رهن بستة، وإذا هلك الجلد بعد ذلك هلك بدرهم واحد فيرجع على الراهن بالخمسة
الباقية من الدين. وتمام بيانه في الكفاية وغيرها. قوله: (بلا ذبح) أما إذا ذبحت كانت بتمامها
مضمونة ط. قوله: (بما لا قيمة له) بأن تربه أو شمسه. معراج. قوله: (وهل يبطل الرهن قولان)

83
أحدهما يبطل ويصير الجلد رهنا بقيمة ما زاد الدباغ فيه، حتى لو أداها الراهن أخذ الجلد لأنه صار
مرهونا بالدين الثاني حكما. ثانيهما لا يبطل لان الشئ يبطل بما هو مثله أو فوقه لا بما دونه.
والرهن الثاني هنا دون الأول لأنه إنما استحق حبس الجلد بالمالية التي انصلت بالجلد بحكم الدبغ
وهي تبع للجلد، والرهن الأول بما هو أصل بنفسه وهو الدين فيكون أقوى فلم يرتفع بالثاني، ويثبت
الثاني أيضا لأنه لا يمكن رده. كفاية ملخصا. قوله: (وهو يساوي درهما) يعني يوم الرهن. وأما إذا
كانت قيمته درهمين فهو رهن بدرهمين، ويعرف ذلك بأن ينظر إلى قيمة الشاة حية ومسلوخة: فإن
كانت قيمتها حية عشرة ومسلوخة تسعة كانت القيمة الجلد يوم الارتهان درهما، وإن كانت قيمتها
مسلوخة ثمانية كانت درهمين. عناية. قوله) (على المشهور) وهو قول العامة، ومن المشايخ من قال
بعود البيع كالرهن. إتقاني. قوله: (يتقرر بالهلاك) لان المرتهن صار مستوفيا بالهلاك فيتأكد عقد
الرهن، فإذا عادت المالية بالدبغ صادفت عقدا قائما فيثبت فيه حكمه بقسطه. إتقاني. قوله: (ويفسخ
به) أي ينتقض بالهلاك ولا عود بعد انتقاض. قوله: (وجعل العبد) بالبناء للمفعول: أي جعل
الراهن أو القاضي العبد بمقابلة دين المرتهن ط. قوله: (يعود الدين) أي إلا بقدر نقصان عيب الإباق
كما يأتي له ط. وفي بعض النسخ: يعود الرهن، وفي بعضها: يعود الدين في الرهن. قوله: (وهو
رهن من الأصل) فيكون للراهن حبسه وينقسم الدين عليهما على قدر قيمتهما بشرط بقاء النماء إلى
وقت الفكاك، وإن هلك قبل ذلك لم يسقط بمقابلته شئ ويجعل كأنه لم يكن كما سيوضحه. قوله:
(الأصل أن كل ما يتولد من عين الرهن) أي أو يكون بدلا عن جزء من أجزاء عين الرهن كالأرش
والعقر. هندية. قوله: (هلك مجانا) أي إلا الأرش، فإنه إذا هلك سقط من الدين ما بإزائه لأنه بدل
جزئه فقام مقام المبدل. كذا في القهستاني ح. قوله: (أي ولو حكما الخ) هذا التعميم هو ما سيصرح
به المصنف في قوله الآتي: وإن لم يفتك الرهن الخ. قوله: (كما إذا هلك الأصل بعد الاكل) الظاهر
أنه أراد بقوله أولا: بأن أكل بالاذن عكس هذا، وهو ما إذا أكل بعد هلاك الأصل، بأن هلك وبقي
نماؤه كالثمرة ثم أكله، وإلا لزم تشبيه الشئ بنفسه. وعبارة القهستاني: وإن هلك الأصل وبقي النماء
ولو حكما، كما إذا أكل الرهن أو المرتهن أو أجنبي من النماء بالاذن فإنه لم يسقط حصة ما أكل منه
فيرجع به على الراهن، وكما إذا هلك الأصل بعد الاكل فإنه يقسم الدين على قيمتهما ويرجع على

84
الراهن بقيمة ما أكل. الكل في شرح الطحاوي اه‍. قوله: (كما ذكره بقوله) انظر ما مرجع الضمير
المنصوب. قوله: (فك) أي النماء بحصته، فلو هلك أيضا بعد هلاك الأصل ذهب بلا شئ كأنه لم
يكن وذهب كل الدين بهلاك الأصل. وتمامه في غرر الأفكار. قوله: (والتبع يقابله شئ إذا كان
مقصودا) كولد المبيع فإنه يصير مبيعا تبعا ولا يصير له حصة من الثمن إلا إذا صار مقصودا بالقبض
عندنا. معراج. قوله: (يوم الفكاك) لأنه إنما صار مضمونا بالفكاك، إذ لو هلك قبله يهلك مجانا.
عناية. قوله: (يوم القبض) لأنه مضمون بالقبض كما تقدم. عناية. قوله: (فيسقط) أي بسبب هلاك
الأصل. قوله: (وبه أفتى المصنف) حيث سئل عمن رهن نخلا وأباح للمرتهن ثمارها هل يملك أن
يبيعها ويتمولها أو يملك الاكل بنفسه فقط؟ فأجاب ظاهر كلامهم أن له التصرف مطلقا، إذ الظاهر أن
المراد من قولهم فأكلها: أكلها أو أكل ثمنها، إلا أن يوجد نقل صريح بتخصيص الاكل دون غيره ا
ه‍. من حاشية الحموي ملخصا. وأورد عليه أن المعنى الحقيقي هو الظاهر ومدعي الأعمية محتاج إلى
الدليل.
قلت: وسيذكر الشارح عن الجواهر: ولو أباح له نفعه ليس له أن يؤجره. تأمل.
وقال السائحاني: أقول: ظاهره أن أكل الزوائد المأكولة إنما هو أكل نفسها لا أكل بدلها، وهذا
أمر مكشوف لكل أحد بالبديهة اه‍. نعم يظهر ذلك إذا كانت مما لا يؤكل كما ذكره الرحمتي. قوله:
(لأنه أتلفه بإذن المالك) فيه إشارة إلى أنه لو أتلفه بغير إذنه ضمن وكانت القيمة رهنا مع الشاة، وكذا
لو فعل الراهن ذلك بدون إجازة المرتهن عناية. قوله: (والاطلاق) أي الإباحة اه‍ ح. قوله: (يجوز
تعليقه) لأنه ليس بتمليك. إتقاني. قوله: (بالشرط) وهو قوله هنا: مهما زاد فكله. قوله: (والخطر)
بالخاء المعجمة والطاء المهملة: الاشراف على الهلاك كما في القاموس والمغرب، والمراد به هنا ما
احتمل الوجود والعدم فهو بمعنى الشرط. تأمل. قوله: (وعليه يحمل ألح) بأن يراد من نفي الحل

85
الكراهة. قوله: (ما عن محمد بن أسلم) الذي في المنح أول كتاب الرهن عبد الله بن محمد بن مسلم
اه‍. ح.
أقول: ما قدمناه عن المنح هناك ومثله في غيرها موافق لما هنا، ولعل النسخ مختلفة. قوله:
(قلت الخ) ظاهره تسليم القول بالكراهة مع الاذن وأنه ربا، ومقتضاه أنه مضمون، لكن قدمنا عن
المنح أول الرهن أنه مخالف لعامة المعتبرات، وتقدم بيان ذلك كله مستوفي، فراجعه. قوله: (وما
أصاب الزيادة) كثلث العشرة في مثاله السابق. قوله: (كإتلاف الراهن بنفسه) فلا يسقط ما يقابله من
الدين لكونه غير مضمون على المرتهن، بخلاف الهالك في يده. قوله: (قال له الخ) في التتارخانية:
آجر المرتهن الرهن من أجنبي بلا إذن فالغلة له، ويتصدق بها عند أبي حنيفة ومحمد، وله أن يعيده في
الرهن. قوله: (وبطل الرهن) حتى لا يسقط دين المرتهن بهلاكه عند المستأجر ط. ولا يعود رهنا إلا
بتجديد. تتارخانية. وكذا لو آجر الراهن المرتهن على ما مر في الباب السابق. قوله: (وتسلمه المرتهن)
أما إذا لم يتسلمه لا يتم الرهن أو لا يصح على الخلاف السابق ط. قوله: (ثم باع) أي الراهن. قوله:
(فقبض المرتهن الثمن) لأنه إذا جاز البيع يصير الثمن رهنا، لكن القبض غير شرط فإنه يصير رهنا وإن
لم يقبض كما قدمناه أول الباب السابق. قوله: (وإلا يكون رهنا) أي مع ثمن المبيع الذي قبضه ط.
قوله: (كما مر) أي قريبا في قوله: حتى لو أراد منعه كان له ذلك. قوله: (لو من قناة مملوكة) هذا
خلاف المفتى به من أنه لا يضمن إلا ما ملكه بالاحراز كما مر في كتاب الشرب وماء القناة غير محرز.
قوله: (ينبغي أن تبقى رهنا الخ) جزم به في الخانية فقال: زرع أو سكن بإذن المرتهن لا يبطل الرهن

86
وله أن يسترده، وما دام في يد الراهن لا يضمنه المرتهن. قوله: (بقي فيما بقي) لأنه يمكن رهن ذلك
الباقي ابتداء لعدم الشيوع. قوله: (لكن هلكه بحصته) أي وإن كان من قيمته وفاء بجميع الدين كما
في الخانية، قوله: (ثم رهنها منه) أي من المستأجر. قوله: (وبطلت الإجارة) ظاهره أنها تبطل بمجرد
عقد الرهن، وليس كذلك بل لا بد من القبض كما في القنية. وأما عكسه وهو ما إذا آجر الراهن
الرهن من المرتهن ينفسخ بمجرد عقد الإجارة ولا يحتاج إلى تجديد قبض كما يفيد كلام البزازية، لكن
في العمادية أنه لا بد منه، حتى لو هلك قبل أن يجدد قبضا للإجارة يهلك هلاك الراهن اه‍. وهذا
مشكل لأنه قرر في العمادية أن قبض المضمون بغيره ينوب عن قبض غير المضمون وتمامه في حاشية
الأشباه للشرف الغزي، وقدمنا في الفصل السابق عن العناية اشتراط تجديد القبض. قوله: (فالإجارة
باطلة) وتكون كما لو أعاره أو أودعه منه فلا تبطل عقد الرهن.
تنبيه: قال في النهاية: سئل الإمام أبو الحسن الماتريدي عمن باع داره من آخر بثمن معلوم بيع
وفاء وتقابضا ثم استأجرها من المشتري مع شرائط صحة الإجارة وقبضها ومضت مدة هل تلزمه
الأجرة؟ قال: لا، فإنه عندنا رهن، والراهن إذا استأجر الرهن من المرتهن لا تجب الأجرة اه‍. خيرية
ثم نقل فيها عن البزازية ما يوافقه، وأفتى به غير مرة، والكل في فتاواه المشهورة. حامدية. فليحفظ
فإنه كثير الوقوع. قوله: (سقط بحساب نقصه) أي سقط من دين المرتهن ما نقصته قيمة الآبق بسبب
إباقه ط. وهذا إذا كان أول إباق كما يشعر به التعليل، فإن كان أبق قبل ذلك لا يسقط شئ. بزازية.
قوله: (ثم لما فرغ من الزيادة الضمنية)، وهي نماء الرهن، ومراده بالضمنية ما لم يقع عليه الرهن قصدا
ط. قوله: (والزيادة في الرهن تصح) مثل أن يرهن ثوبا بعشرة يساوي عشرة ثم يزيد الراهن ثوبا آخر
ليكون مع الأصل رهنا بالعشرة. عناية. قوله: (يوم القبض أيضا) أي يوم قبض الزيادة كما تعتبر قيمة
الأصل يوم قبضه. قوله: (وفي الدين لا تصح) المراد أن لا يكون بها مضمونا، فأما الزيادة في
نفسها فجائزة.
وصورة المسألة: أن يرهن عنده عبدا يساوي ألفين بألف ثم استقرض منه ألفا أخرى على أن
يكون العبد رهنا بهما جميعا، فلو هلك يهلك بالألف الأولى لا بالألفين، ولو قضاه ألفا وقال إنما
قضيتها عن الأولى له أن يسترد العبد، إتقاني. قوله: (في معقود به) كالثمن أو عليه كالمبيع ط. قوله:
(والزيادة في الدين ليست منهما) بل أصل الدين ليس منهما. قال في العناية: أما إنه غير معقود عليه
فظاهر، وأما أنه ليس بمعقود به فلوجوبه بسببه قبل عقد الرهن، بخلاف الرهن، فإنه معقود عليه لأنه
لم يكن محبوسا قبل عقد الرهن ولا يبقى بعده.

87
تتمة: قال في الذخيرة: وفي العيون عن محمد: رهن غلامين بألف ثم قال المرتهن: احتجت إلى
أحدهما فرده علي ففعل، فإن الباقي رهن بنصف الألف فلو هلك يهلك من الدين نصفه ولكن لا يفتكه
إلا بجميع الألف اه‍. فليحفظ. قوله: (مع أنه) أي المصنف. قوله: (ليفيد أنها مسألة مستقلة) وهي
بيان حكم تبديل الرهن الأول برهن آخر. قوله: (وقيمة كل من العبدين ألف كذا قيد في الهداية،
وهو قيد اتفاقي لما في التتارخانية عن التجريد. وإن كانت قيمة الأول خمسمائة والثاني ألفا والدين
كذلك فهلك يهلك بألف، وكذا إذا كانت قيمة الثاني خمسمائة والأول ألفا فهلك الثاني في يده هلك
بخمسمائة اه‍. ولذا ترك القيد في الخانية. قوله (حتى يجعل مكان الأول) لان الأول إنما دخل في
ضمانه بالقبض والدين وهم باقيان فلا يخرج عن الضمان إلا بنقض القبض ما دام الدين باقيا، وإذا
بقي الأول في ضمانه لا يدخل الثاني في ضمانه لأنهما رضيا بدخول أحدهما فيه لا بدخولهما، فإذا رد
الأول دخل الثاني في ضمانه، ثم قيل: يشترط تجديد القبض لان بد المرتهن على الثاني يد أمانة ويد
الراهن يد استيفاء وضمان فلا ينوب عنه، وقيل: لا يشترط. وتمامه في الهداية. وذكر القهستاني أن
الأول هو المختار عند قاضيخان. وأفاد بعض الفضلاء أن عادة صاحب الهداية اختيار الأخير عكس
عادة قاضيخان ومقتضاه ترجيح الأول. تأمل. قوله: (إلا إذا منعه من صاحبه) أي عند طلبه منه ثم
هلك بعده. قوله: (أو اشترى المرتهن) أي من الراهن. قوله: (لأنه) أي لان كل واحد من الشراء
والصلح على عين استيفاء. عناية. أي إذا كان عن قرار فهو استيفاء لأنه يجب على الدائن مثله بالشراء
والصلح عنه. كفاية: أي فيسقط بطريق المقاصة. قوله: (على آخر) أي سواء كان للراهن عليه دين أو
لا، وفيه إشعار بأن للراهن أخذ الرهن من المرتهن بعد الحوالة كما في موضع من الزيادات وفي
موضع آخر ليس له. قهستاني. قوله: (هلك بالدين) والفرق أنص الابراء يسقط به الدين أصلا كما قدمه
وبالاستيفاء لا يسقط، لما تقرر أن الديون تقضي بأمثالها لا أنفسها، لان الدين وصف في الذمة لا
يمكن أداؤه، لكن إذا أدى المديون وجب له على الدائن مثله فتسقط لعدم الفائدة، فإذا هلك
الرهن بعده تقرر الاستيفاء الأول الحكمي وانتقض الثاني لئلا يصير مستوفيا مرتين. قوله: (أو متطوع)
ويعود إلى ملك المتطوع لا المتطوع عنه. خانية. قوله: (أو شراء أو صلح) كذا في المنح والدرر، ولي
فيه نظر: فإن الذي قبضه المرتهن في صورتي الشراء وأصلح هو العين المبيعة والمصالح عليها، وقد
صرح في النهاية والعناية وغاية البيان أنه إذا هلك الرهن في هاتين الصورتين يجب على المرتهن رد

88
قيمته، ولم يقولوا يجب رد العين فاقتضى ذلك أنه لا ينتقض الشراء والصلح، وقد رأيت التصريح
بذلك في الحواشي السعدية ووجهه ظاهر لان ذلك عقد معاوضة فما وجه بطلانه بهلاك الرهن،
بخلاف الاستيفاء بالأداء والحوالة، هذا ما ظهر لي من فيض الفتاح العليم. قوله: (وهلك الرهن
بالدين) أعاده ليبني عليه التعليل. قوله: (لأنه) أي لان عقد الحوالة في معنى الابراء بطريق الأداء دون
الاسقاط. وفي بعض نسخ الهداية في معنى البراءة وهي أظهر.
والحاصل كما في الكافية: أن الحوالة لا تسقط الدين ولكن ذمة المحتال عليه تقوم مقام ذمة
المحيل، ولهذا يعود الدين إلى ذمة المحيل إذا مات المحتال عليه مفلسا. قوله: (ومفاده) أي مفاد تقييد
المصنف البطلان بالحوالة. قوله: (عدم بطلان الصلح) قدمنا التصريح به عن السعدية وأنه مقتضى
كلام شراح الهداية وإن اقتضى كلامه السابق خلافه، والشراء مثل الصلح، فافهم. قوله: (وأن ما
الدين الخ) هذا إنما يؤخذ من التعليل الذي ذكره القهستاني. وعبارته: تبطل الحوالة بالهلاك لحصول
الاستيفاء كما في النظم وغيره، وفيه إشعار بأن الدين ليس بأكثر من قيمة الرهن، وإلا فينبغي أن لا
تبطل الحوالة فيما زاد عليها، لان الاستيفاء التام لم يتحقق وإلى أن الصلح لم يبطل اه‍. ط
أقول: قدم الشارح أول كتاب الإجارة أن المصنف اعتمد أنه إذا فسد العقد في البعض فسد في
الكل. تأمل. قوله: (ثم هلك الرهن بالدين) الأولى إسقاط قوله: بالدين لان قوله (يهلك به) مغن
عنه. قوله: (لتوهم وجوب الدين الخ) لان الرهن مضمون بالدين عند توهم الوجود كما في الدين
الموعود، وقد بقيت الجهة لاحتمال أن يتصادقا على قيام الدين بعد تصادقهما على عدمه، بخلاف
الابراء لأنه سقط به. درر. لكن في التبيين وغيره عن مبسوط شمس الأئمة: لو تصادفا قبل هلاك
الرهن ثم هلك يهلك أمانة لأنه بتصادفهما ينتفي الدين من الأصل وضمان الرهن لا يبقى بدون
الدين، وذكر الأسبيجابي أنه الصواب اه‍. واختار صاحب الهداية هلاكه مضمونا في الصورتين.
سعدية. قوله: (فهو الحكم في الرهن الفاسد) أي في حال الحياة والممات، فلو نقض الراهن العقد
بحكم الفساد وأراد استرداد المرهون كان للمرتهن حبسه حتى يؤدي إليه الراهن ما قبض، وإذا مات
الراهن وعليه ديون كثيرة فالمرتهن أولى من سائر الغرماء. وهذا كله إذا كان الرهن الفاسد سابقا على
الدين، فلو كان بدين على الراهن قبل ذلك لم يكن له حبسه لأنه ما استفاد تلك اليد بمقابلة هذا المال،
ويكون بعد الموت أسوة للغرماء لأنه ليس له على المحل يد مستحقة، بخلاف الرهن الصحيح تقدم أو
تأخر. وتمامه في العمادية والذخيرة والبزازية. قوله: (يتعلق به الضمان) صوابه: لا يتعلق لان المنقول
عن الكرخي في العمادية وغيرها أنه يهلك أمانة.

89
وفي الذخيرة: وروى ابن سماعة عن محمد أنه ليس للمرتهن حبسه لأنه إصرار على المعصية،
ولكن ما في ظاهر الرواية أصح، لان الراهن لما نقض فقد ارتفعت المعصية وحبس المرتهن المرهون
ليصل إلى حقه لا يكون إصرا لان الراهن يجبر على تسليم ما قبض، فإذا امتنع فهو المصر، ألا ترى أن
في الشراء الفاسد للمشتري الحبس إلى استيفاء الثمن اه‍ ملخصا. قوله: (أي لم يكن مالا) كالمدبر وأم
الولد، فإن للراهن أخذهما لان رهنهما باطل. منح. قوله: (ولم يكن المقابل به مضمونا) كما لو رهن
عينا بخمر مسلم فله أخذها منه، والواو بمعنى أو. قال في جامع الفصولين: فلو فقد أحدهما لم ينعقد
أصلا. قوله: (بخلاف لفاسد) مستغنى عنه بقول المصنف: كل حكم الخ ط. قوله: (رهن الرهن
باطل) أي إذا رهنه الراهن أو لمرتهن بلا إذن، فلو بإذن صح الثاني وبطل الأول، وقدمنا بيانه في باب
التصرف في الرهن. قوله: (كما حررناه في العارية) حيث قال فيها. وأما الرهن فكالوديعة. وقال
المصنف في العارية: ولا تؤجر ولا ترهن كالوديعة اه‍ ط. قوله: (ومجنيه الخ) خبر مبتدأ محذوف
تقديره: أي جان، وضمير يشطر يعود إلى الواجب بالجناية ط. قال ح: يعني: أي جان إذا مات
من جنى عليه يجب شطر الدية وإن عاش تجب الدية كاملة. الجواب: ختان قطع الحشفة إن مات
الصبي وجب عليه نصف الدية، وإن عاش وجبت كاملة، وكذلك في العبد يجب نصف القيمة وتمامها
لأنه حصل التلف بمأذون فيه وهو قطع القلفة، وغير مأذون فيه وهو قطع الحشفة اه‍. وتقدمت
المسألة في باب ضمان الأجير، وستأتي أيضا قبيل باب القسامة. قوله: (هذا التفسير) في بعض النسخ
تفسير بدون أل وهو الأوضح، والإشارة إلى قوله: وأي رهين الخ أي هذا تفسير وبيان قوله تعالى
: * (كل نفس) * (هود: 83) الآية، والله تعالى أعلم.

90
كتاب الجنايات
قوله: (وحكم الجناية) هو القصاص أو الدية والكفارة وحرمان الإرث ط. قوله: (والمال
وسيلة) جواب عما يقال: كان الأولى تقديم الجنايات لأهميتها بتعلقها بالأنفس ط. قلت: وما مر من
مناسبة الرهن لما قبله تغني عن هذا. قوله: (اسم لما يكتسب) وهي في الأصل مصدر ثم أريد به اسم
المفعول. قوله: (والجناية بما حل بنفس وأطراف) أي في هذا الكتاب، وإلا فجنايات الحج لم تتعلق
بنفس الآدمي ولا طرف من إطلاق الفقهاء عليها الجناية. شرنبلالية. قوله: (وإلا) أي وإن لم يرد
بالقتل هنا القتل المذكور لم يصح الحصر في الخمسة.
والحاصل: أن المراد هنا قتل محرم، فلا يشمل القتل المأذون به شرعا كقصاص ورجم. قوله:
(أن يتعمد ضربه) أي ضرب المقتول، فيخرج العمد فيما دون النفس، سعدي. ولم يقل أن يتعمد قتله
لما سيذكره الشارح قريبا أنه لو أراد يد رجل فأصاب عنقه فهو عمد، ولو عنق غيره فخطأ، ولذا قال
في المجتبى: إن قصد القتل ليس بشرط لكونه عمدا وإليه أشار الشارح بقوله: في أي موضع من
جسده واحترز بالتعمد عن الخطأ وبقوله: بآلة الخ عن الباقي. قوله: (بآلة تفرق الاجزاء) إنما
شرط فيها ذلك لان العمد هو القصد ولا يوقف عليه إلا بدليله، ودليله استعمال القاتل آلته، فأقيم
الدليل مقام المدلول لان الدلائل تقوم مقام مدلولاتها في المعارف الظنية الشرعية. منح، وهو صريح
في أنه يجب القصاص وإن لم يذكر الشهود العمد، وبه صرح الإتقاني. وفي أنه لا يقبل قول القاتل لم
أقصد قتله، بخلاف ما لو أقر وقال أردت غيره فيحمل على الأدنى وهو الخطأ. وتمامه في حاشية
الرملي. وسنذكره إن شاء الله تعالى في باب الشهادة على القتل. قوله: (جوهرة) عبارتها: العمد ما
تعمد قتله بالحديد كالسيف والسكين والرمح والخنجر والنشابة والإبرة والإشفي وجميع ما كان من
الحديد، سواء كان يقطع أو يبضع كالسيف ومطرقة الحداد والزبرة وغير ذلك، سواء كان الغالب منه
الهلاك أم لا. ولا يشترط الجرح في الحديد في ظاهر الرواية لأنه وضع للقتل، قال تعالى: * (وأنزلنا
الحديد فيه بأس شديد) * (الحديد: 52) وكذا كل مل يشبه الحديد كالصفر والرصاص والذهب والفضة،
سوء كان يبضع أو يرض، حتى لو قتله بالمثقل منها يجب عليه القصاص، كما إذا ضربه بعمود من
صفر أو رصاص. اه‍. وروى الطحاوي عن الامام اعتبار الجرح في الحديد ونحوه. قال الصدر
الشهيد: وهو الأصح، ورجحه في الهداية وغيرها كما سيأتي في الفصل الآتي في مسألة المر.
قلت: وعلى كل فالقتل بالبندقة الرصاص عند لأنها من جنس الحديد وتجرح فيقتص به، لكن

91
إذا لم تجرح لا يقتص به على رواية الطحاوي كما أفاده ط عن الشلبي. والإشفي بالشين المعجمة: ما
يخرز به كما في القاموس. قوله: (ومحدد من خشب) أي بأن نحت حتى صار له حدة يقطع بها،
وليس المراد ما يكون في طرفه حديد كما وهم لأنه مسألة المر الآتية، وفيها تفصيل وخلاف. قوله:
(وإبرة في مقتل) قال في الاختيار: روى أبو يوسف عن أبي حنيفة فيمن ضرب رجلا بإبرة وما يشبهها
عمدا فمات لا قود فيه، وفي المسلة ونحوها القود، لان الإبرة لا يقصد بها القتل عادة ويقصد
بالمسلة. وفي رواية أخرى: إن غرز بالإبرة في المقتل قتل، وإلا فلا اه‍.
وقال في البزازية: غرزه بإبرة حتى مات يقتص به لان العبرة للحديد. وقال في موضع آخر:
لا قصاص إلا إذا غرزه في المقتل، وكذا لو عضه اه‍. وفي شرح الوهبانية: في الإبرة القود في ظاهر
الرواية اه‍. وفي القهستاني: وعليه الفتوى اه‍. وجزم بعدمه في الخانية. أقول: يمكن أن يكون
التقييد بالمقتل توفيقا. فتأمل. قوله: (وليطة) بكسر اللام: قشر القصب اللازق به ط عن الحموي.
قوله: (عطف على محدد) أي لا على خشب لأنها ليست من المحدد. قال سعدي: وينبغي أن يكون
من قبيل الرجز:
علفتها تبنا وماء باردا
إذ الواقع في صورة النار هو الالقاء فيها لا الضرب بها اه‍. قوله: (لأنها تشق الجلد الخ) بيان
لكونها من العمد. قوله: (كما في الكفاية) قال ط: ونحوه في الخزانة والنهاية. حموي عن المقدسي
اه‍. قوله: (وفي البرهان الخ) ذكر هذه النقول الثلاثة نقضا لعكس الكلية وهو قوله (وإلا فلا)، وهو
ظاهر لا المشروط في الذكاة فري الأوداج وإنهار الدم، وذلك لا يحصل بالسنجة والتنور المحمى
والإبرة ولذا أعاد مسألة الإبرة وإن كان ذكرها آنفا، فافهم. قوله: (غير محدد) أي لا حد له. قوله:
(كالسنجة) في القاموس: سنجة الميزان مفتوحة وبالسين أفصح من الصاد اه‍. وذكر في فصل الصاد:
الصنج شئ يتخذ من صفر يضرب أحدهما بالآخر، وآلة بأوتار يضرب بها اه‍. زاد في المغرب.
ويقال لما يجعل في إطار الدف من الهنات المدورة صنوج أيضا. قوله: (أظهرهما أنها عمد) بناء على
عدم اشتراط الجرح في الحديد ونحوه. قوله: (وإن لم يكن فيه نار) أي على الصحيح. قهستاني. وفيه:
لو قيد بحبل ثم ألقي في قدر ماء مغلي جدا فمات من ساعته أو فيه ماء حار فأنضج جسده،
ومكث ساعة ثم مات قتل به كما في الظهيرية. قوله: (بما لا تطيقه البنية) أي البدن. في القاموس:
البنية بالضم والكسر: ما بنيته. وبنى الطعام بدله: سمنه، ولحمه: أنبته. قوله: (فإن حرمته) الأولى

92
وحرمته ط. قوله: أشد من إجراء كلمة الكفر أي أشد من الكفر الصوري، فإنه إذا أكره عليه
بملجئ يرخص مع اطمئنان القلب إحياء لنفسه، ولو أكره بالقتل على قتل غيره لا يرخص أصلا
لاستواء النفسين، واحترز به عن الكفر القلبي فإنه أشد ولا يرخص بحال.
وفي الجوهرة: واعلم أن قتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر بعد الكفر بالله تعالى وتقبل
التوبة منه، فإن قتل مسلما ثم مات قبل التوبة منه لا يتحتم دخوله النار، بل هو في مشيئة الله تعالى
كسائر أصحاب الكبائر، فإن دخلها لم يخلد فيها اه‍. وأما الآية فمؤولة بقتله لايمانه أو بالاستحلال أو
بأن يراد بالخلود المكث الطويل، وسيذكر الشارح في آخر الفصل الآتي عن الوهبانية أنه لا تصح توبة
القاتل ما لم يسلم نفسه للقود. قوله: (وموجبه القود) بفتح الواو: أي القصاص، وسمي قودا لأنهم
يقودون الجاني بحبل وغيره. قاله الأزهري اه‍. سعدي. ثم إنما يجب القود بشرط في القاتل والمقتول
يذكر في الفصل الآتي. قوله: (فلا يصير مالا الخ) تفريع على قوله: عينا أي ليس لولي الجناية
العدول إلى أخذ الدية إلا برضا القاتل. وهو أحد قولي الشافعي، وفي قوله الآخر: الواجب أحدهما لا
بعينه ويتعين باختياره، والأدلة في المطولات. قوله: (فيصح صلحا) أي إذا كان القود عندنا هو
الواجب في العمد فلا ينقلب مالا إلا من جهة الصلح. قوله: (ولو بمثل الدية أو أكثر) أطلقه فشمل
ما لو كان من جنسها أو من غيره حالا أو مؤجلا كما في الجوهرة، وأشار إلى خلاف الشافعي، فإنه
على قوله الثاني: لو صالح على أكثر من الدية من جنسها لا يصح لأنه يصير ربا، ويصح على قوله
الأول، وتمامه في الكفاية. قوله: (لأنه كبيرة محضة) وذلك بنص الحديث الصحيح وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم:
(أكبر الكبائر الاشراك بالله تعالى، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور، أو قال: شهادة
الزور. رواه البخاري. قوله: (وفي الكفارة معنى العبادة) بدليل أن للصوم والاعتاق فيها مدخلا فهي
دائرة بين العبادة والعقوبة، فلا بد أن يكون سببها أيضا دائرا بين الحظر والإباحة لتعلق العبادة بالمباح
والعقوبة بالمحظور كالخطأ، فإن فيه معنى الإباحة. أما العمد فهو كبيرة محضة كالزنا، والسرقة والربا،
ولا يقاس على الخطأ لان الكفارة من المقدرات فلا تثبت بالقياس ولأن الخطأ دونه في الاثم، وتمامه
في المطولات. قوله: (لكن في الخانية الخ) أي في آخر فصل المعاقل.
أقول: لكنه مخالف لما في الشروح كالنهاية والعناية والمعراج من أنه لا كفارة في العمد وجب
فيه القصاص أولا، كالأب إذا قتل ابنه عمدا والمسلم إذا قتل من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا
عمدا اه‍. قوله: (والثاني شبهه) بفتحتين أو بكسر فسكون: أي نظير العمد ويقال له: شبه
الخطأ، لان فيه معنى العمدية باعتبار قصد الفاعل إلى الضرب، ومعنى الخطأ باعتبار عدم قصده إلى
القتل إذ ليست الآلة آلة قتل اه‍. من الدرر والقهستاني. وزاد الإتقاني أنه يسمى خطأ العمد. قوله:

93
(كبيرين) فلو صغيرين فهو شبه عمد اتفاقا. قوله: خلافا لغيره أي للإمامين، والأئمة الثلاثة فإنه
عمد عندهم لما من تعريفه عندهم.
قال القهستاني: واعلم أن ما ذكره من أحكام الاثم والقود والكفارة كما لزم في العمد وشبهه
عنده لزم عندهما، إلا في العمد عندهما ضربه قصدا بما يقتل غالبا، وشبه العمد لما لا يقتل غالبا،
فلو غرق في الماء القليل ومات ليس بعمد ولا شبه عمد عندهم، ولو ألقي في بئر أو من سطح أو
جبل ولا يرجى منه النجاة كان شبه عمد عنده وعمدا عندهما، ويفتى بقوله كما في التتمة اه‍. وتمام
هذه المسائل يذكر في الفصل الآتي. وفي المعراج عن المجتبى: يشترط عند أبي حنيفة: أي في شبه
العمد أن يقصد التأديب دون الاتلاف. قوله: (وموجبه الاثم) أي إثم القتل لتعمد الضرب اه‍. مكي
عن البرهان.
والذي يفيده كلام الزيلعي أي إثم الضرب لا القتل حيث قال: أثم إثم الضرب لأنه قصده
لا إثم القتل لأنه لم يقصده، وهذه الكفارة تجب بالقتل وهو فيه مخطئ ولا تجب بالضرب اه‍. ويدل
على ذلك تعليل البرهان بقوله لتعمد الضرب، فتعليله ينافي مدعاه، ولو قيل بإناطة الاثم بالقصد: فإن
قصد أثم إثمه، وإن قصد الضرب أثم إثمه لكن له وجه اه‍. ط. قوله: (ودية مغلظة) أي من
مائة إبل، فلو قضى بالدية في غير الإبل لم تتغلظ. قهستاني، وتأخذ أرباعا من بنت مخاض وبنت لبون
وحقة وجذعة كما يأتي. قوله: (على العاقلة) أي الناصرة للقاتل. قهستاني. والأصل أن كل دية
وجبت بالقتل ابتداء لا بمعنى يحدث من بعد فهي على العاقلة اعتبارا بالخطإ وتجب في ثلاث سنين.
هداية. واحترز بقوله ابتداء عن دية وجبت بالصلح في القتل العمد أو على الوالد بقتل ولده عمدا.
كفاية.
والحاصل أن شبه العمد كالخطأ إلا في حق الاثم، وصفة التغليظ في الدية. زيلعي.
واعلم أن المال الواجب بالعمد المحض يجب في مال القاتل فيما دون النفس، وفي النفس وفي
الخطأ فيهما على العاقلة وفي شبه العمد لو نفسا على العاقلة، وفيما دونها وإن بلغ الدية على القاتل ا
ه‍. بزازية. قوله: (سيجئ تفسير ذلك) أي تفسير الكفارة والدية والمغلظ منها في كتاب الديات
وتفسير العاقلة في كتاب المعاقل. قوله: (إلا أن يتكرر منه) ظاهره ولو مرتين، ويدل عليه ما نذكره
بعد في الفصل الآتي. قوله: (فليس فيما دون النفس شبه عمد) لأنه لا يختص بآلة دون آلة، فلا
يتصور فيه شبه العمد، بخلاف النفس. وتمامه في الزيلعي. قوله: (والثالث خطأ) قال ابن الكمال:
ولو على عبد، إنما قال ذلك لان المتبادر إلى الوهم من كون العبد مالا أن يكون ما ذكر من قبيل
ضمان الأموال فلا يكون على العاقلة اه‍. قوله: (وهو نوعان) لان الرمي إلى شئ مثلا مشتمل على
فعل القلب وهو القصد وعلى الجارحة وهو الرمي، فإن اتصل الخطأ بالأول فهو الأول، وإن اتصل
بالثاني فهو الثاني. عناية. قوله: (ظنه صيدا) انظر هل يعتبر ادعاء الظن أو لا بد من تحققه أولا بأن

94
يشهد عليه؟. ثم نقل ما لا يتم منه المراد، وسنوضح ذلك في باب الشهادة على القتل إن شاء الله
تعالى. قوله: (غرضا) بمعجمتين بينهما راء متحركة وهو الهدف الذي يرمى إليه، قوله: (فأصاب
رجلا) مرتب على قوله: ثم رجع أو تجاوز. قوله: (ورجوعه بسبب آخر) وهو إصابة الحائط المسببة
عن الرمي. قوله: (فكلام صدر الشريعة فيه ما فيه) فإنه شرط في الخطأ في الفعل أن لا يصدر عنه
الفعل الذي قصده بل يصدر فعل آخر.
ويرد عليه ما مر من أنه إذا رمى غرضا فأصابه ثم رجع عنه أو تجاوز عنه فأصاب رجلا يتحقق
الخطأ في الفعل والشرط مفقود في الصورتين، وإذا سقط من يده خشبة أو لبنة فقتل رجلا يتحقق
الخطأ في الفعل ولا قصد فيه. أفاده ابن الكمال. قال ط: لكن سيأتي قريبا أنه مما جرى مجرى الخطأ.
قوله: (إن أصاب خلافه) أي شخصا غيره. قوله: (والقتل فيه معذر) أي القصاص فيه ممتنع. قوله:
(حالة النوم) أي نوم الشخص. قوله: (إن أبقى دما) أي تركه ينهر: أي يسيل منه، والذي في
الوهبانية: يقطر، وانظر ما وجه التقييد بحالة النوم، وقد مر أن الإبرة إذا أصابت المقتل ففيه القود،
ولعل وجهه أن محل القصد غير مقتل وإذا كان غير نائم وترك دم نفسه يسيل يكون موته منسوبا
إليه. فليتأمل. قوله: (والرابع ما جرى مجراه الخ) فحكمه حكم الخطأ في الشرع، لكنه دون الخطأ
حقيقة، فإن النائم ليس من أهل القصد أصلا، وأنما وجبت الكفارة لترك التحرز عن نومه في موضع
يتوهم أن يصير قاتلا، والكفارة في قتل الخطأ إنما تجب لترك التحرز أيضا، حرمان الميراث لمباشرة
القتل وتوهم أن يكون متناعسا لم يكن نائما قصدا منه إلى استعجال الإرث، والذي سقط من سطح
فوقع على إنسان فقتله أو كان في يده لبنة أو خشبة فسقطت من يده على إنسان أو كان على دابة
فأوطأت إنسانا فقتله مثل النائم لكونه قتلا للمعصوم من غير قصد. كفاية. قوله: (لترك العزيمة)
وهي هنا المبالغة في التثبت. قال في الكفاية: وهذا الاثم إثم القتل، لان نفس ترك المبالغة في التثبت
ليس بإثم، وإنما يصير به آثما إذا اتصل به القتل فتصير الكفارة لذنب القتل وإن لم يكن فيه إثم قصد

95
القتل اه‍. تأمل. قوله: (وواضع حجر) أي إذا لم ينحه غيره، فإن نحاه فعطب به رجل ضمن المنحى
كما سيذكره المصنف في باب ما يحدثه الرجل في الطريق. قوله: (في غير ملكه) قيد للحفر والوضع.
درر، فلو في ملكه فلا تعدي فلا دية. ولا كفارة ط. قوله: (من السلطان) الظاهر أن المراد ما يعم نائبه
ط. قوله: (ونحو ذلك الخ) أي نحو الخشبة كقشور بطيخ فيضمن ما تلف به كما أفتى به قارئ
الهداية، وكذا إذا رش الطريق، قال في الذخيرة: كذا أطلقه في الكتاب، قالوا: إنما يضمن الراش
إذا مر على الرش ولم يعلم به بأن كان ليلا أو المار أعمى، وكذا المرور عل الخشبة أو الحجر، ومن
المشايخ من فصل بوجه آخر وقال: إن رش بعض الطريق حتى أمكنه المرور في الجاف لا ضمان، وإن
رش فناء حانوت بإذن صاحبه فالضمان على الآمر استحسانا، وتمامه في التتارخانية.
فرع: تعقل بحجر فسقط في بئر حفرها رجل فالضمان على واضع الحجر، فلو لم يضعه أحد
فعلى الحافر، وكذا لو زلق بماء صبه رجل فوقع في البئر فالضمان على الصاب، ولو بماء مطر فعلى
الحافر. تتارخانية. وفي الجوهرة: القول قول الحافر أنه أسقط نفسه استحسانا. قوله: (وكل ذلك) أي
ما تقدم من أقسام القتل الغير المأذون فيه ط. قوله: (لو الجاني مكلفا) فلو صبيا أو مجنونا يرث كما في
شرح السراجية للسيد ط. قوله: (لعدم قتله) أي مباشرة، وإنما ألحق بالمباشر في إيجاب الضمان صيانة
للدم عن الهدر على خلاف الأصل فبقي في الكفارة، وحرمان الميراث على الأصل. كفاية. والله
أعلم.
فصل فيما يوجب القود وما لا يوجبه
قوله: (محقون الدم) الحقن هو المنع: قال في المغرب: حقن دمه إذا منعه أن يسفك. واحترز به
عن مباح الدم كالزاني المحصن والحربي والمرتد، والمراد الحقن الكامل، فكن أسلم في دار الحرب فقد
صار محقون الدم على التأبيد، ولا يقتص من قاتله هناك لان كمال الحقن بالعصمة المقومة والمؤثمة،
وبالاسلام حصلت المؤتمة دون المقومة لأنها تحصل بدار الاسلام. أفاده في الكفاية. قوله: (بالنظر
لقاتله) أي لا مطلقا، فإنه لو قتل القاتل عمدا أجنبي عن المقتول يقتص من الأجنبي للقاتل إن قتله
الأجنبي عمدا. قال الواني: والظاهر أن هذا أعم من أن يكون قبل الحكم أو بعده لاحتمال عفو
الأولياء بعد الحكم اه‍ ط. قوله: (على التأبيد) احترز به عن المستأمن.
ولا يشكل على هذا الحد قتل المسلم ابنه المسلم عمدا حيث لا يقتص منه، لان القصاص واجب
في الأصل، لكن انقلب مالا بشبهة الأبوة وذلك عارض، والكلام في الأصل ولهذا كان الابن شهيدا

96
بهذا القتل فلا يغسل، وكذا قتل عبد الوقف عمدا فإنه لا يجب القود كما يأتي، لان القود هو الموجب
الأصلي وانقلب مالا لعارض مراعاة نفع الوقف اه‍. ط عن المكي ملخصا. قوله: (لما تقرر الخ)
سيأتي تقريره قبيل فصل الجنين. قوله: (انقلب دية) أي ولا قصاص عليه استحسانا. ولو جن بعد
الدفع له قتله لان شرط وجوب القصاص عليه كونه مخاطبا حالة الوجوب وذلك بالقضاء ويتم
بالدفع، فإذا جن قبل الدفع تمكن الخلل في الوجوب فصار كما لو جن قبل القضاء والوالجية. قوله:
(من يجن) بالبناء للمفعول ويفيق من أفاق ط. ومن مبتدأ، وقتل الأول مبني للفاعل حال أو شرط
لأداة شرط محذوفة، وقتل الثاني مبني للمفعول خبر بمعنى يحكم بقتله. قوله: (فإن جن بعده) أي بعد
ما قتل في إفاقته، والظاهر أن يقيد بما إذا كان جنونه قبل القضاء والدفع أخذا مما قبله. فليتأمل.
قوله: (إن مطبقا) بأن كان شهرا أو سنة على اختلافهم فيه. ولوالجية. قوله: (سقط) أي القصاص.
قوله: (وإن غير مطبق قتل) يعني بعد الإفاقة كما في الوالجية وغيرها. قوله: (وقال أبو جعفر يقتل)
وهذا تقدم صريحا عند قول المتن: وجنايته على الراهن والمرتهن معتبرة وقال الحموي: لان القصاص
من جهة الآدمية وهو فيها أجنبي عن المولى. سائحاني. قوله: (لا قود فيه) بل ينقلب مالا لكونه أنفع
للوقف كما تقدم عن المكي. وفي الشرنبلالية: لعل وجهه اشتباه من له حق القصاص، لان الوقف
حبس العين على ملك الواقف عند الامام، وعندهما على حكم ملك الله تعالى، ولم يتعرض لما يلزم
القاتل ولعله القيمة فلينظر اه‍.
أقول: قال في وقف البحر: ولا يخفى أنه تجب قيمته كما لو قتل خطأ، ويشتري بها المتولي عبدا
ويصير وقفا، كما لو قتل المدبر خطأ وأخذ المولى قيمته فإنه يشتري بها عبدا ويصير مدبرا، وقد صرح
به في الذخيرة اه‍. قوله: (قتل ختنه) الختن: هو كل من كان من قبل المرأة مثل الأب والأخ، هكذا
عند العرب، وعند العامة: زوج ابنته. مغرب. والمراد هنا الثاني. قوله: (سقط القود) لأنها ورثت
قصاصا على أبيها اه‍ ح.
أقول: بل قد ثبت لها ابتداء لا إرثا كما أورده الشارح على صدر الشريعة فيما سيأتي عند قول
المصنف: يسقط قود ورثه على أبيه. قوله: (أو أعم كقوله اقتلني) هذا سقط من بعض النسخ
، وفي بعضها: أو أمر بدل قوله: أو أعم، وهو أولى، وسيأتي آخر الفصل أنه تجب الدية في ماله
في الصحيح. قوله: (كما سيجئ) أي من المسائل الثلاث في هذا الفصل متنا. قوله: (خلافا

97
للشافعي) فعنده لا يقتل الحر بالعبد قوله: (أن النفس) بفتح الهمزة لأنه معمول لقوله تعالى:
* (وكتبنا عليهم فيها) * (المائدة: 54). قوله: (على أنه تخصيص بالذكر الخ) الاقتصار في الآية على الحر
وهو بعض ما شمله قوله تعالى: * (أن النفس بالنفس) * (المائدة: 54) لا يقتضي نفي الحكم عن العبد فهو
كالمقابلة في قوله تعالى: * (والأنثى بالأنثى) *. ولم يمنع قتل الذكر بالأنثى. قال الزيلعي: وفي مقابلة
الأنثى بالأنثى دليل على جريان القصاص بين الحرة والأمة. قوله: (قيل ولا الحر بالعبد) صوابه ولا
العبد بالحر كما في المنح اه‍ ح، يعني أنه قيل في الايراد على الشافعي: لو دل قوله تعالى: * (الحر
بالحر والعبد بالعبد) * (البقرة: 871) على أن الحر لا يقتل بالعبد للتخصيص بالذكر لوجب أن لا يقتل
العبد بالحر قوله: (ورد) أي هذا القيل لأنه إذا قتل الحر بالحر بعبارة النص يقتل العبد به بدلالة الأولى
لأنه دونه كما دلت حرمة التأفيف على حرمة الضرب، وأصل الايراد لصدر الشريعة والراد عليه منلا
خسرو وابن الكمال. قوله: (ولأبي الفتح الخ) ساقط من بعض النسخ. قوله: (خذوا بدمي الخ) لا
يخفى ما فيه من عدم صدق المحبة. قوله: (ولا تقتلوه الخ) فيه منافاة لما قبله، فإن الاخذ بالدم يقتضي
القتل ولا يصح أن يحمل على الدية، لان العبد لا تحب ديته على مولاه ط. قوله: (ولم أر حرا قط يقتل
بالعبد) وفي بعض النسخ وفي مذهبي لا يقتل الحر بالعبد. قوله: (ليعلم الخ) فيه أن الحر لا يقتل
بعبد نفسه، فإن أراد عبد غيره لا يناسبه قوله (وإن كنت عبده) اه‍ ح.
أقول: المراد إظهار الحكم بأسلوب لطيف، فلا يدقق عليه بمثل ذلك، وإلا لزم أن يعترض بأنه
قال: من رام ولم يصرح بالقتل، وبأن القتل بمجرد اللحظ لا يقاد به إذ لا يصدق عليه تعريف العمد،
وقد نظمت ذلك خاليا عن الطعن مع الأدب، ومراعاة ما للحبيب على من أحب فقلت:
دعوا من برمح القد قد قد مهجتي * وصارم لحظ سله لي على عمد
فلا قود في قتل مولى لعبده * وإن كان شرعا يقتل الحر بالعبد
قوله: (والمسلم بالذمي) لاطلاق الكتاب والسنة وحديث ابن السلماني ومحمد بن المنكدر (أن
رسول الله صلى الله عليه وآله أتي برجل من المسلمين قد قتل معاهدا من أهل الذمة فأمر به فضرب عنقه وقال: أنا
أولى من وفى بذمته. وقال علي رضي الله عنه: إنما بدلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم

98
كأموالنا، ولهذا يقطع المسلم بسرقة مال الذمي مع أن أمر المال أهون من النفس. ومعنى قوله عليه
الصلاة والسلام: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده ولا يقتل مؤمن ولا ذمي بكافر
حربي، فقوله: ولا ذو عهد أي ذمي عطف على مؤمن. ولئن صح أنه روى ذي عهد بالجر فعلى
الجوار توفيقا بين الروايتين. وتمامه في الزيلعي. قوله: (خلافا له) أي لسيدنا الإمام الشافعي. قوله:
(لا هما بمستأمن) أي لا يقتل المسلم والذمي بمستأمن، فإنه غير محقوق الدم على التأبيد، فإنه على عزم
العود والمحاربة. اختيار. قوله: (للمساواة) أي بين المستأمنين من حيث حقن الدم. قوله: (لقيام
المبيح) وهو عزمه على المحاربة بالعود. قوله: (وينبغي أن يعول على الاستحسان) يؤيده ما في الهندية
عن المحيط أنه ظاهر الرواية ط. قوله: (ويعضده) أي القياس. قوله: (عامة المتون) كالوقاية والاصلاح
والغرر، ولم يذكر المسألة في الكنز والمجمع والمواهب ودرر البحار. وأما في الهداية فقال: ويقتل
المستأمن بالمستأمن قياسا، ولا يقتل استحسانا، ومثله في التبيين والجوهرة. نعم قال في الاختيار:
وقيل: لا يقتل، وهو الاستحسان. قوله: (والبالغ بالصبي) قتل صبيا خرج رأسه واستهل فعليه الدية،
ولو خرج نصفه مع الرأس أو الأكثر مع القدمين ففيه القود، وكذا الحكم في قطع عضو من أعضائه.
مجتبى وتتارخانية عن المنتقى. قوله: (والصحيح) عبر ابن الكمال بالسالم، ثم قال: لم يقل والصحيح
لان المفقود في الأعمى هو السلامة دون الصحة، ولذا احتيج إلى ذكر سلامة العينين بعد ذكر الصحة
في باب الجمعة. قوله: (والزمن) هو من طال مرضه زمانا. مغرب. قوله: (وناقص الأطراف) لما
تقدم من العمومات ولانا لو اعتبرنا التفاوت فيما وراء العصمة من الأطراف والأوصاف، امتنع
القصاص وأدى ذلك إلى التقاتل والتغابن. اختيار. حتى لو قتل رجلا مقطوع اليدين والرجلين
والأذنين والمذاكير ومفقود العينين يجب القصاص إذا كان عمدا. جوهرة عن الخجندي. قوله: (لا
بعكسه) الأصوب حذف الباء. قوله: (أي لا يقتص الخ) تفسير لقوله: لا بعكسه. قوله: (ولو إناثا
من قبل الام) تفسير للاطلاق، فلا يقتل الجد لأب أو أم وإن علا وكذا الجدات. قوله: (بفروعهم)
متعلق بقوله: لا يقتص. قوله: (فلا يكون سببا لافنائهم) أي كلا أو جزءا ليدخل الأطراف،

99
فافهم. قوله: (وفي الملتقى الخ) قال في الجوهرة: ولو اشترك رجلان في قتل إنسان أحدهما يجب عليه
القصاص لو انفرد والآخر لا يجب عليه القصاص كالأجنبي والأب والخاطئ والعامد، أو أحدهما
بالسيف والآخر بالعصا فإنه لا يجب عليهما القصاص وتجب الدية، والذي لا يجب عليه القصاص لو
انفرد تجب الدية على عاقلته كالخاطئ، والذي يجب عليه القصاص لو انفرد تجب الدية في ماله، وهذا
في غير شريك الأب، فأما الأب والأجنبي إذا اشتركا تجب الدية في مالهما، لان الأب لو انفرد تجب
الدية في ماله اه‍. وسيأتي تمامه آخر الباب الآتي. قوله: (لا سيد بعبده الخ) لان عبده ماله، فلا
يستحق المطالبة على نفسه، والمدبر مملوك، والمكاتب رقيق ما بقي عليه درهم، وعبد ولده في حكم
ملكه لحديث: أنت ومالك لأبيك لكن عليه الكفارة في الكل كما في الجوهرة. قوله: (هذا) أي قوله
: وعبد ولده وأراد به بيان العلة. قوله: (كما سيجئ) أي قريبا. قوله: (ولا بعبد الرهن) أي ولا
يقتل قاتل عبد الرهن حتى يجتمع الراهن والمرتهن، لان المرتهن لا ملك له فلا يلي القصاص، والراهن
لو تولاه لبطل حق المرتهن في الرهن، فيشترط اجتماعهما ليسقط حق المرتهن برضاه اه‍. درر.
وفيه أن استيفاء المرتهن قد تم بهلاك الرهن فما الداعي لرضاه بعد سقوط حقه. وأجيب بأن
الاستيفاء غير متقرر لاحتمال عدم القود إما بالصلح أو بدعوى الشبهة بالقتل فيصير خطأ اه‍ ط.
قوله: (وعليه) أي على قول محمد: يحمل ما في الدرر من أنه لا قود وإن اجتمعا. قوله: (إنه) أي ما
في الدرر أقرب إلى الفقه لاشتباه من له الطلب كمكاتب ترك وفاء ووارثا، لكن قال الزيلعي: والفرق
بينهما ظاهر، لان المرتهن لا يستحق القصاص لأنه لا ملك له ولا ولاء فلم يشبه من له لحق، بخلاف
المكاتب كما يأتي. قوله: (بقي لو اختلفا) أي طلب أحدهما القصاص والآخر الدية، وهذا محترز قوله:
حتى يجتمع العاقدان. قوله: (فالقود للمؤجر) لأنه المالك ولم يبق للمستأجر حق فيه ولا في بدله.
قوله: (فإن أجاز المشتري البيع) أي أمضاه على حاله ولم يختر فسخه والرجوع بالثمن على البائع لأنه لم
يكن موقوفا وإلا لما صحت الإجازة بعد هلاكه. تأمل. قوله: (فالقود له) أي للمشتري لأنه المالك.
زيلعي. قوله: (وإن رده) أي فسخ البيع ورجع بالثمن. قوله: (فللبائع القود) لان البيع ارتفع وظهر
أنه المالك. زيلعي. قوله: (وقيل القيمة) هو قول [صحه] أبي يوسف لأنه لم يثبت له القصاص عند الجراحة

100
لان الملك كان للمشتري. جوهرة. قوله: (وكذا ابنه وعبده) الضمير للمكاتب. قوله: (عن وفاء) أي
عن مال يفي ببدل كتابته. قوله: (فاشتبه الولي) فإن قلنا: مات حرا فالولي وارثه أو رقيقا فسيده.
قوله: (لتعينه) أي تعين الولي في الثلاث وهو السيد. قوله: (وفي أولى الصور الأربع) سبق قلم تبع
فيه. ابن كمال: قال ح: وصوابه ثانية الصور الأربع، وهي ما إذا لم يدع وارثا غير سيد وترك وفاء،
لان خلاف محمد فيها كما في الهداية اه‍.
له أنه اشتبه سبب الاستيفاء، فإن الولاء له مات حرا والملك إن مات عبدا. ولهما أن الاستيفاء
للمولى بيقين على التقديرين.
ثم اعلم أن القود في الرابعة وهي: ما إذا ترك وارثا ولا وفاء له قيده شيخ الاسلام كما في
الكفاية بما إذا لم يكن في قيمته وفاء بالمكاتبة أيضا، فإن كان فيها وفاء لا قصاص وتجب القيمة على
القاتل في ماله، لان موجب العمد وإن كان هو القصاص إلا أنه يجوز العدول إلى المال بغير رضا
القاتل مراعاة لحق من له القصاص، كما إذا كانت يد القاطع شلاء كان للمقطوع يده العدول إلى المال
بلا رضاه مراعاة لحقه لما لم يجب مثل حقه بكماله، فكذا هنا لان القيمة أنفع له لأنه يحكم بحريته
وحرية أولاده إذا أدى البدل منها وبالقصاص بموت عبد أو لا ينتفع به، فكان القول بوجوب القيمة
أولى اه‍. وأقره في الدر المنتقى والقهستاني. قوله: (ورثه على أبيه) أي استحقه. قهستاني. فيشمل
ثبوته ابتداء، ويوافقه قول الشارح قبله: ومن ملك قصاصا الخ وبه يندفع الايراد الآتي، لكن فيه أن
صورة ثبوت القود للفرع على أصله ابتداء تقدمت في قوله: لا بعكسه فلذا عبر هنا بالإرث، فتدبر.
قوله: (أي أصله) لما في الخانية: لو كان في ورثة المقتول ولد القاتل أو ولد ولده وإن سفل بطل
القصاص وتجب الدية اه‍. قوله: (مثلا) أي أو أخاها أو ابنها من غيره. قوله: (ثم ماتت المرأة) كذا
أطلقوه، وينبغي أن يكون موتها بعد ما أبانها زوجها القاتل حتى يظهر كون العلة هي إرث ابنه قصاصا
عليه، وإلا كان وارثا منها جزءا من القصاص فيسقط عنه القصاص بذلك أيضا.
قال في التتارخانية: ثلاثة أخوة قتل أحدهم أباهم عمدا فللباقين قتله، فإن مات أحدهما لم يكن
للثالث قتله، لان القاتل ورث جزءا من نصيب الميت من القصاص فسقط عنه وانقلب نصيب الآخر
مالا فعليه للآخر ثلاثة أرباع الدين في ماله في ثلاث سنين اه‍. ملخصا.
وفي القهستاني: قتل أحد الأخوين لأب وأم أباهما عمدا والآخر أمهما، فللأول قتل الثاني بالام
ويسقط القود عن الأول لأنه ورث من الام الثمن من دم نفسه فسقط عنه ذلك القدر وانقلب الباقي
مالا فيغرم لورثة الثاني سبعة أثمان الدية اه‍. وتمامه فيه. قوله: (وأما تصوير صدر الشريعة) حيث

101
قال: أي إذا قتل الأب شخصا وولى القصاص ابن القاتل يسقط اه‍. وصورة ذلك، أن يقتل أم ابنه
عمدا أو أخا ولده من أمه. جوهرة. قوله: (فثبوته فيه للابن ابتداء لا إرثا) بدليل أنه يصح عفو
الوارث قبل موت المورث، والمورث يملك القصاص بعد الموت وهو ليس بأهل للتمليك في ذلك
الوقت فيثبت للوارث ابتداء اه‍. جوهرة، ثم أجاب بأنه يثبت عند البعض بطريق الإرث. وأجاب
في المجتبى بأن المستحق للقصاص أولا هو المقتول، ثم يثبت للوارث بطريق الخلافة والوراثة، بدليل
أن المجروح إذا عفا سقط القصاص، ولو لم يثبت له أولا لم سقط بعفوه اه‍. تأمل. قوله: (لو عفا
المجروح الخ) أراد به الحر، إذ العبد لا يصح عفوه لان القصاص لمولاه لا له. شرنبلالية عن البدائع.
ثم إنه لم يبين هل العفو عن الجراحة أو عن الجراحة وما يحدث منها أو عن الجناية؟ وهل ذلك في
العمد أو الخطأ؟ وهل تجب الدية في مال الجاني أو على العاقلة أو تسقط؟ وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء
الله تعالى في فصل في الفعلين. قوله: (لانعقاد السبب لهما) أي للمجروح أصالة وللوارث نيابة قبل
موت المجروح. تأمل وارجع إلى ما في المنح عن الجوهرة. قوله: (لما مر) أي في قوله (كأن يرمي
شخصا ظنه صيدا أو حربيا). قوله: (ليبين موجبه) فيه أنه بين موجب الخطأ فيم تقدم فهو تكرار اه‍
. قوله: (قلت الخ) هو من كلام الزاهدي في المجتبى وإن أوهم كلام المصنف في المنح خلافه.
تنبيه: قال في المعراج: علم مسلما بعينه قد جاء به العدو مكرها فعمده بالرمي وهو يعلم حاله
يجب القود قياسا ولا يجب استحسانا، لان كونه في موضع إباحة القتل يصير شبهة في إسقاط
القصاص، وعليه الدية في ماله ولا كفارة. ولو قال وليه قصدته برميك بعد علمك أنه مكره وقال
الرامي بل قصدت المشركين فالقول للرامي لتمسكه بالأصل وهو إباحة الرمي إلى صفهم اه‍. وتمامه
فيه. قوله: (فينبغي الاقدام على قتله) أي ينبغي جواز الاقدام عليه، والأولى حذف الفاء لأنه جواب
لو.
وفي الأشباه من أحكام الجان: لا يجوز قتل الجني بغير حق كالإنسي. قال الزيلعي: قالوا:
ينبغي أن لا تقتل الحية البيضاء التي تمشي مستوية لأنها من الجان، لقوله عليه الصلاة والسلام (اقتلوا
ذا الطفيتين والأبتر، وإياكم والحية والبيضاء فإنها من الجن وقال الطحاوي: لا بأس بقتل الكل (لأنه
عليه الصلاة والسلام عاهد الجن أن لا يدخلوا بيوت أمته ولا يظهروا أنفسهم، فإذا خالفوا فقد نقضوا
العهد فلا حرمة لهم والأولى هو الانذار والاعذار، فيقال لها: ارجعي بإذن الله أو خلي طريق
المسلمين، فإن أبت قتلها، والانذار إنما يكون خارج الصلاة اه‍. وتمامه هناك. قوله: (خلافا

102
للشافعي) حيث أبت قتلها، والانذار إنما يكون خارج الصلاة اه‍. وتمامه هناك. قوله: (خلافا للشافعي) حيث قال: يقتل بمثل ما قتل به، إلا إذا قتل باللواطة أو إيجار الخمر فيقتل بالسيف.
قوله: (أو بنوع آخر) أي من غير السلاح كأن ساق عليه دابته أو ألقاه في نار. هو الناقص العقل من غير
جنون. منح. قوله: (ولأبي المعتوه القود) لأنه من الولاية على النفس لأنه شرع للتشفي فيليه الأب
كالانكاح، ولكن كل من ملك الانكاح لا يملك القود، فإن الأخ يملك الانكاح ولا يملك القود لأنه
شرع للتشفي الصدر، وللأب سفقة كاملة يعد ضرر الولد نفسه، فلذا جعل التشفي للأب
كالحاصل للابن بخلاف الأخ، كذا في شروح الهداية.
واعترضهم الإتقاني بأن الأخ يملكه أيضا إذا لم يكن ثمة أقرب منه، فإن كان ثمة أقرب منه لم
يملك الانكاح أيضا، لان من يستحق الدم هو الذي يستحق مال المقتول على فرائض الله تعالى، الذكر
والأنثى في ذلك سواء حتى الزوج والزوجة، وبه صرح الكرخي اه‍. وفيه نظر، لأنه إذا قتل ابن
المعتوه مثلا كان هو المستحق لدمه لأنه المستحق لماله. وإذا كان للمعتوه أخ أو عم ولا أب له كيف
يقال إن الأخ أو العلم يستحق دم ابن المعتوه في حياة المعتوه مع أنه لا ولاية له على المعتوه أصلا؟ على
أن وصي المعتوه الذي له الولاية عليه ليس له القود فكيف الأخ الذي لا ولاية له، نعم لو كان المقتول
هو المعتوه نفسه صح ما قاله وكأنه اشتبه عليه الحال، ولهذا قال في السعدية: إن الكلام فيما إذا قتل
ولي المعتوه كابنه وأبو المعتوه حي لا فيما إذا قتل المعتوه اه‍. قوله: (ملك الصلح بالأولى) لأنه أنظر
في حق المعتوه. هداية قوله: (بقطع يده وقتل وليه) تنازعه كل من القود والصلح والعفو. قوله:
(وقتل وليه) أي ولي المعتوه كابنه وأمه منح. وفي بعض النسخ: وقتل قريبه وهو أظهر، وبه فسر الولي
في النهاية ثم قال: يعني إذا كان للمعتوه ابن فقتل ابنه فلأبي المعتوه وهو جد المقتول ولاية استيفاء
القصاص وولاية الصلح اه‍. قوله: (لأنه إبطال حقه) علة لقوله: لا العفو مجانا. قوله: (وتقيد
صلحه) أي صلح الأب. قوله: (وإن وقع بأقل منه لم يصح الصلح) اعترضه الإتقاني بأن محمدا لم يقيده
بقدر الدية بل أطلق.
وفي مختصر الكرخي: إذا وجب لرجل على رجل قصاص في نفس أو فيما دونها فصالحه على
مال جاز قليلا كان أو كثيرا. ونقل الشلبي عن قارئ الهداية أن هذا الاعتراض وهم. قال أبو
السعود: كيف يكون وهما مع ما صرح به الكرخي اه‍.
أقول: عبر في النهاية وغيرها من شروح الهداية بدل قوله: لم يصح الصلح بقوله: لم يجز
الحط وإن قل يجب كمال الدية اه‍. فأفاد أن الصلح صحيح دون الحط ولذا وجب كمال الدية وإلا

103
كان الواجب القود، وبه يحصل التوفيق بين كلامهم، فما صرح به الكرخي وأفاده كلام الإمام محمد
من صحة الصلح المراد به صحته بإلزام تمام الدية، وهو مراد من قال: لم يجز الحط، وقول الشارح هنا
تبعا للمنح: لم يصح الصلح مراده لم يلزم بذلك القدر الناقص، ولو عبر بما قاله شراح الهداية لكان
أنسب، وبه ظهر أن اعتراض الامام الإتقاني في غير محله، فاغتنم هذا التحرير. قوله: (لأنه أنظر
للمعتوه) الواقع في كلامهم ذكر هذا التعليل عند قوله: ملك الصلح كما قدمناه، والظاهر التعليل
هنا بأن فيه إبطال حقه نظير ما قبله. قوله: (والصلح) ينبغي على قياس ما تقدم في الأب أن يتقيد
صلحه بقدر الدية أو أكثر ط: أي فلا يجوز الحط بالأولى. قوله: (والوصي كالأخ يصالح) الوصي
مبتدأ وجمل يصالح خبر وكالأخ حال والكاف فيه للتنظير، والصواب إسقاطه، لكن قال الرحمتي: أي
في كونه لا يملك القود لا في أن الأخ يصالح لأنه لا ولاية له على التصرف في مال أخيه اه‍. وهو
بعيد. قوله: (يصالح عن القتل فقط) أي ليس له العفو لما مر، ولا القود لأنه ليس له ولاية على
نفسه، وهذا من قبيله. ابن كمال. وكان الأولى إسقاط قوله: عن القتل فإن له الصلح عن الطرف
أيضا. نعم في صلحه عن القتل اختلاف الرواية.
والحاصل كما في غاية البيان عن البرذوي: أن الروايات اتفقت في أن الأب له استيفاء
القصاص في النفس وما دونها، وأن له الصلح فيهما جميعا لا العفو، وفي أن الوصي لا يملك استيفاء
النفس ويملك ما دونها، ويملك الصلح فيما دونها ولا يملك العفو.
واختلفت الروايات في صلح الوصي في النفس على مال. ففي الجامع الصغير هنا يصح، وفي
كتاب الصلح لا يصح اه‍ ملخصا. وذكر الرملي ترجيح الرواية الأولى. قوله: (استحسانا) وفي
القياس لا يملكه، لان المقصود متحد وهو التشفي. هداية. قوله: (لأنه يسلك بها مسلك الأموال)
ولهذا جوز أبو حنيفة القضاء بالنكول في الطرف. إتقاني. قوله: (والصبي كالمعتوه) أي إذا قتل قريب
الصبي فلأبيه ووصيه ما يكون لأبي المعتوه ووصيه، فلأبيه القود والصلح لا العفو وللوصي الصلح
فقط، وليس للأخ ونحوه شئ من ذلك، إذ لا ولاية له عليه كما قررناه في المعتوه. وفي الهندية عن
المحيط: أجمعوا على أن القصاص إذا كان كله للصغير ليس للأخ الكبير ولاية الاستيفاء، ويأتي تمامه
قريبا.
تتمة: أفتى الحانوتي بصحة صلح وصي الصغير على أقل من قدر الدية إذا كان القاتل منكرا ولم
يقدر الوصي على إثبات القتل قياسا على المال، لما في العمادية من أن الوصي إذا صالح على حق الميت
أو عن حق الصغير على رجل: فإن كان مقرا بالمال أو عليه بينة أو قضى عليه به لا يجوز الصلح على
أقل من الحق، وإن لم يكن كذلك يجوز اه‍. قوله: (وللكبار القود الخ) أي إذا قتل رجل له ولي كبير
وصغير كان للكبير أن يقتل قاتله عنده لأنه حق مشترك. وفي الأصل: إن كان الكبير أبا استوفى القود
بالاجماع وإن كان أجنبيا بأن قتل عبد مشترك بين أجنبيين وصغير وكبير ليس له ذلك. وفي الكلام

104
إشارة إلى أنه لو كان الكل صغارا ليس للأخ والعلم أن يستوفيه كما في جامع الصغار، فقيل ينتظر
بلوغ أحدهم، وقيل: يستوفي السلطان كما في الاختيار والقاضي كالسلطان، وإلى أنه لو كان الكل كبارا
ليس للبعض أن يقتص دون البعض ولا أن يوكل باستيفائه، لان في غيبة الموكل احتمال العفو،
فالقصاص يستحقه من يستحق ماله على فرائض الله تعالى، ويدخل فيه الزوج والزوجة كما في
الخلاصة، وإلى أنه لا يشترط القاضي كما في الخزانة، وإلى أنه لو كان القتل خطأ لم يكن للكبير إلا
استيفاء حصة نفسه كما في الجامع. قهستاني. وقوله: لا يشترط القاضي: أي قضاؤه، فمن له
القصاص له أن يقتص سواء قضى به أو لا كما في البزازية. قوله: (خلافا لهما) فعندهما: ليس لهم
ذلك إلا أن يكون الشريك الكبير أبا للصغير، نهاية. وقاساه على ما إذا كان مشتركا بين كبيرين
وأحدهما غائب. قوله: (والأصل الخ) استدلال لقول الامام، قال في الهداية: وله أنه حق لا يتجزى
لثبوته بسبب لا يتجزى وهو القرابة واحتمال العفو من الصغير منقطع: أي في الحال، فيثبت لكل
واحد كملا كما في ولاية الانكاح، بخلاف الكبيرين لان احتمال العفو من الغائب ثابت اه‍.
واعترض سعدي كون السبب هو القرابة بأنه يثبت للزوج والزوجة ولا قرابة. وأجاب الطوري
بأنه على التغليب، أو بأن المراد بها الاتصال الموجب للإرث. قوله: (وأمان) أي أمان المسلم الحربي.
قوله: (إلا إذا كان الكبير أجنبيا عن الصغير) قال في النهاية: بأن كان العبد مشتركا بين صغير وأجنبي
فقتل عمدا ليس للأجنبي أن يستوفي القصاص قبل بلوغه بالاجماع، إلا أن يكون للصغير أب
فيستوفيانه حينئذ اه‍. ثم قال ناقلا عن المبسوط: لان السبب الملك وهو غير متكامل لكل واحد
منهما، فإن ملك الرقبة يحتمل التجزي، بخلاف ما نحن فيه فإن السبب فيه القرابة وهو مما لا يحتمل
التجزي، وتمامه فيه.
مبحث شريف
وظاهر هذا التصوير والتعليل، ومثله ما قدمناه آنفا عن القهستاني عن الأصل أن المراد بالأجنبي
من كان شريكا في الملك لا في القرابة، فلو قتل رجل وله ابن عمة كبير وابن خالة صغير وهما أجنبيان
فللكبير القصاص، لان السبب القرابة للمقتول وهو مما لا يتجزى، وكذا لو قتل عن زوجة وابن صغير
من غيرها فللزوجة القصاص لان مرادهم بالقرابة ما يشمل الزوجية كما مر. وبه أفتى العلامة ابن
الشلبي في فتاواه المشهورة فيمن قتل امرأة عمدا ولها زوج وابن صغير من غيره فأجاب للزوج
القصاص قبل بلوغ الولد، ولكن يخالفه في فتاوى العلامة الحانوتي حيث أفتى فيمن قتل عمدا وله
بنت بالغة وابن صغير وأربع زوجات بأنه ينتظر بلوغ الابن لكون بعض الزوجات أجنبيات عنه أخذا
من عبارة الزيلعي اه‍. فليتأمل في ذلك. قوله: (كما مر) أي أول الفصل. قوله: (ولو قال الخ) أفاد
أن ولي القصاص له استيفاؤه بنفسه وأمر غيره به كما صرح به في البزازية، لكن ليس للغير استيفاؤه

105
بغيبة الموكل كما قدمناه عن القهستاني. قوله: (أي بعد قتل الأجنبي) مصدر مضاف إلى فاعله. قوله:
(كنت أمرته) أي أمرت الأجنبي. قوله: (لا يصدق) لان فيه إسقاط حق غيره وهو ولي القاتل الأول.
قوله: (يعني الخ) أفاده المصنف في المنح، وبه علل في الظهيرية حيث قال: لأنه أجبر عما يملك.
قوله: (كما هو القاعدة) وهي أن من حكى أمرا إن ملك استئنافه للحال صدق وإلا فلا، كما لو أخبر
وهي في العدة أنه راجعها صدق، ولو بعدها فلا إن كذبته إلا ببرهان، وهنا يملك استئناف الاذن
بالحفر ولا يملك الاذن بالقتل لفوات محله وهو المقتول. قوله: (وظاهره الخ) أي ظاهر قول المتن:
لو قتل القاتل أجنبي وجب القصاص الخ أن ولي المقتول الأول يسقط حقه رأسا أي يسقط من
الدية كما سقط من القصاص، مثل لو مات القاتل بلا قتل أحد.
ووجه الظهور أن المصنف لم يتعرض لشئ من ذلك وهو ظاهر، لما تقدم من أن موجب العمد
القود عينا فلا يصير مالا بالتراضي ولم يوجد هنا، ثم رأيته في التتارخانية حيث قال في هذه
المسألة: وإذا قتل القاتل بحق أو بغير حق سقط عنه القصاص بغير مال، وكذا إذا مات. قوله: (ولو
استوفاه) الخ أي استوفى القصاص الواجب لجماعة، وكان ينبغي ذكر هذه المسألة قبل قوله (ولو قتل
القاتل أجنبي) فإنها من متعلقات ما قبلها، وقد ذكرها الشراح تأييدا لأصل الامام أن القصاص يثبت
لكل على الكمال فقالوا: والدليل عليه لو استوفى أحدهم لا يضمن للباقين شيئا ولا للقاتل، ولو لم
يكن جميع القصاص واجبا له لكان ضامنا باستيفاء الكل. قوله: (دم بين اثنين) أي وجب لهما على
آخر. وعبارة الدرر من هنا إلى قوله وإلا فلا. وأما عبارة المجتبى فنصها: ولو كان الدم بين اثنين
فعفا أحدهما وقتله الآخر، فإن لم يعلم بعفو شريكه يقتل قياسا لا استحسانا وإن علم بعفوه، فإن لم
يعلم بحرمته وقال: ظننت أنه يحل لي قتله لا يقتل والدية في ماله، وإن علم بالحرمة يقتل سواء قضى
القاضي بسقوط القصاص في نصيب الساكت أو لم يقض، وهذا كمن أمسك رجلا حتى قتله الآخر
عمدا فقتل ولي القتيل الممسك فعليه القصاص قضى القاضي بسقوط القصاص على الممسك أو لم
يقض اه‍. قوله: (بخلاف) مرتبط بقوله وإلا فلا والممسك والنصب مفعول قتل، وفي تعبيره نوع
خفاء ومؤداه ما قدمناه. قوله: (مما لا يشكل على الناس) أي لا يخفى عليهم أن الممسك لا يحل قتله،
بخلاف ما عفا عنه أحد أولياء القتيل فإنه يخفى أنه يسقط حق الباقي أو لا، بل في الدرر على المحيط أنه

106
مجتهد فيه، فعند البعض لا يسقط القصاص بعفو أحدهما فصار ظنه شبهة. قوله: (فبينة ولي المقتول
أولى) هذا موافق لما ذكره صاحب القنية في باب البينتين المتضادتين. وعلله بعضهم بأنه بينة الأولياء
مثبتة وبينة الضارب نافية، لكنه مخالف لما ذكره صاحب الخلاصة في آخر كتاب الدعوى بقوله: رجل
ادعى على آخر أنه ضرب بطن أمته وماتت بضربه فقال المدعى عليه في الدفع: إنها خرجت بعد
الضرب إلى السوق لا يصح الدفع، ولو أقام البينة أنها صحت بعد الضرب تصح، ولو أقاما البينة هذا
على الصحة والآخر على الموت بالضرب فبينة الصحة أولى. كذا في البزازية ومشتمل الاحكام. وبه
أفتى الفاضل أبو السعود اه‍. كذا في تعارض البينة للشيخ غانم البغدادي وما ذكره المصنف هنا
مشى عليه أيضا في كتاب الشهادات قبيل باب الاختلاف في الشهادة تبعا للبحر، فتأمل. قوله: (فبينة
زيد أولى) لأنها قامت على قول صاحب الحق لا على النفي ط. قوله: (ليس لورثته الدعوى) لان
الوارث يدعي الحق للميت أولا ثم ينتقل إليه بالإرث، والمورث لو كان حيا لا تقبل دعواه لأنه
متناقض، فكذا لا تصح دعوى من يدعي له. والوالجية. وقيد ذلك في كتاب القول لمن بقوله قال
صاحب المحيط: هذا إذا كان الجارح أجنبيا، فإن كان وارثا لا يصح اه‍.
أقول: الظاهر أن ما نقله عن المحيط فيما إذا كانت الجراحة خطأ لأنه يكون في المعنى إبراء
لوارثه عن المال، وقيد ط كلام المصنف بقوله مقيد بالقتل العمد، وأما إذا كان خطأ والمسألة بحالها
فإنها تقبل البينة ويسقط من الدية ثلثها، وبعد قوله: لم يجرحني إسقاطا للمال فلا ينفذ إلا من الثلث اه‍.
ولم يعزه لاحد. قوله: (وفي الدرر عن المسعودية الخ) تكرار مع ما تقدم قبيل قوله (لا قود بقتل
مسلم مسلما) اه‍ ح. قوله: (على آخر) أي على رجل آخر أجنبي عن المورث بقرينة ما بعده. قوله:
(وقد أكذبهم) أي أكذب الشهود كما في حاشية الأشباه عن مجموع النوازل. قوله: (فبرهن ابنه على
ابن آخر) عبارة الأشباه: فبرهن ابنه أن فلانا آخر جرحه، والصواب ما هنا ولذا قال البيري: إن ما في
الأشباه خلاف المنقول، فتنبه. قوله: (لقيامها على حرمانه الإرث) بيان للفرق بين ما إذا أقيمت البينة
على أجنبي فلا تقبل كما تقدم وبين ما إذا أقيمت على ابن المجروح. قال في الظهيرية: ووجهه أن
البينة قامت على حرمان الولد الإرث، فلما أجزنا ذلك في الميراث جعلنا الدية على عاقلته اه‍. قوله:
(ولم يعلم به) وكذا إذا علم بالأولى ط. قوله: (لا قصاص ولا دية) ويرث منه هندية ط. قوله: (حتى

107
أكله) أي باختياره، والأولى حتى شربه. قوله: (ولو أوجره الخ) أي صبه في حلقه على كره، وكذا لو
ناوله وأكرهه على شربه حتى شرب فلا قصاص وعلى عاقلته الدية. تتارخانية. ثم قال: وفي الذخيرة
ذكر المسألة في الأصل مطلقا بلا خلاف ولم يفصل. ولا يشكل على قول أبي حنيفة لان القتل حصل
بما لا يجرح فكان خطأ العمد على مذهبه. وأما على قولهما، فمنهم من قال: عندهما على التفصيل إن
كان ما أوجر من السم مقدارا يقتل مثله غالبا فهو عمد وإلا فخطأ العمد، ومنهم من قال: إنه على
قولهم جميعا خطأ العمد مطلقا اه‍. ملخصا. ذكر السائحاني أن شيخه أبا السعود ذكر في باب قطع
الطريق أنه لو قتل بالسم قيل: يجب القصاص لأنه يعمل عمل النار والسكين، ورجحه السمرقندي
اه‍. أي إذا أوجره أو أكرهه على شربه كما لا يخفى. قوله: (فلا يلزم إلا التعزير والاستغفار) أي
لارتكابه معصية بتسببه لقتل النفس.
تنبيه: أقر أنه أهلك فلانا بالدعاء أو بالسهام الباطنة أو بقراءة الأنفال لا يلزمه شئ لأنه كذب
محض، لأنه يؤدي إلى ادعاء علم الغيب المنفي بقوله تعالى: * (لا يعلم الغيب إلا الله) * (1) (النمل: 56)
ولم يوجد نص بإهلاكه بهذه الأشياء، وبإقرار كاذبا لا يلزمه شئ، كما لو أقر ببنوة رجل هو أكبر
من المقر سنا. ولو أقر أنه أهلك فلانا بقراءة أسماء الله تعالى القهرية اختلف المشايخ فيه لوقوعها،
والأصح أنه لا يلزمه شئ لان الشرع لم يجعله من آلة القتل وسببه اه‍. بيري عن حاوي القنية. ولم
يذكر ما إذا أقر أنه قتله بالإصابة بالعين، فتأمل. قوله: (ما يعمل به في الطين) قال العيني: المر بفتح
الميم وتشديد الراء: وهو خشبة طويلة في رأسها حديدة عريضة من فوقها خشبة عريضة يضع الرجل
عليها ويحفر بها الأرض. قوله: (بل قتله بظهره الخ) وإن أصابه بالعود فهي مسألة القتل بالمثقل،
وقد مرت أول الكتاب. معراج: أي يكون شبه عمد وتقدم الكلام فيه. قوله: (أن الأصح اعتبار
الجرح الخ) صرح بذلك في الهداية أيضا، ولم يتعقبه الشراح فكان النقل عنها أولى لأنها أقوى. قوله:
(فلا قود عند أبي حنيفة) لأنه لم يقصد ضربه بآلة جارحة: والوالجية.
أقول: وهذا موافق لما تقدم من تعريف العمد بأن يتعمد ضربه بآلة تفرق الاجزاء. ويؤخذ منه أنه
لو قصد ضربه بالسيف في هذه الصورة يلزمه القود لحصول الجرح بآلة القتل مع قصد الضرب. وأما ما
قدمناه عن المجتبى أول الكتاب من أنه لا يشترط في العمد قصد القتل فمعناه أنه بعد قصد ضربه



(1) قوله: (لا يعلم الغيب إلا الله) كذا بالأصل المقابل على خط المؤلف، والتلاوة (لا يعلم من في السماوات والأرض
للغيب إلا الله) اه‍ مصححه.
108
المحدد لا يشترط قصد القتل، فالشرط هو قصد الضرب دون القتل، ثم لا يلزم من وجود القتل بالمحدد
كونه عمدا لأنه قد لا يكون خطأ فلذا شرط قصد الضرب به، وهنا إذا لم يقصد ضربه بالسيف لم يكن
عمدا وإن حصل القتل به. قوله: (كالخنق) متصل بقوله: وإلا لا والخنق بكسر النون. قال الفارابي:
ولا يقال بالسكون وهو مصدر خنقه: إذا عصر حلقه، والخناق فاعله، والخناق بالكسر والتخفيف: ما
يخنق به من حبل أو وتر. اه‍. مغرب. قوله: (خلافا لهما) فعندهما فيه القود. وفي الولوالجية: هذا إذا دام
على الخنق حتى مات أما إذا تركه قبل الموت، ينظر: إن دام على الخنق بمقدار ما يموت منه الانسان
غالبا يجب القصاص عندهما ولا فلا إجماعا اه‍. وكذا في التغريق يشترط أن يكون الماء عظيما بحيث
لا تمكنه النجاة ليكون عندهما عمدا موجبا للقصاص، فلو قليلا لا يقتل غالبا، أو عظيما تمكن النجاة منه
بالسباحة بأن كان غير مشدود وهو يحسن السباحة فهو شبه عمد. أفاده في التتارخانية وغيرها. قوله:
(ولو أدخله بيتا) كذا أطلقه في التتارخانية عن المحيط. وفيها عن الظهيرية: ولو قيده وحبسه في بيت
الخ. والظاهر أن المعتبر عدم القدرة على الخروج سواء قيده أو لا. قوله: (وقالا: تجب الدية) في
التتارخانية عن المحيط: والكبرى تجب عليه الدية. وفيها عن الخانية والظهيرية: تجب على عاقلته،
فالظاهر أن الأول على حذف مضاف. تأمل. وفي الظهيرية: والفتوى على قول أبي حنيفة أنه لا شئ
عليه. وقال ط أول الكتاب: وفي شرح الحموي عن خزانة المفتين: لو طرحه في بئر أو من ظهر جبل
أو سطح لم يقتل به، ولو طين على إنسان بيتا حتى مات جوعا أو عطشا لم يضمن، وقالا: عليه الدية لأنه
سبب يؤدي إلى التلف فيجب الضمان، وهو المختار في زماننا لمنع الظلمة من الظلم اه‍. قوله: (عن
محمد يقاد) بناء على أنه يجب عنده في شبه العمد القود كما نقله في المعراج أو على أن هذا عمد. ففي
التتارخانية يقاد فيه لأنه قتله عمدا، وهذا قول محمد، والفتوى أنه على عاقلته الدية اه‍.
والفرق بينه وبين ما إذا حبسه حتى مات جوعا حيث كان الفتوى على أنه لا شئ عليه كما مر،
هو أن الجوع والعطش من لوازم الانسان، أما هنا فد مات غما وذلك ليس من لوازمه، فيضاف
للفاعل كما أفاده في الظهيرية (بخلاف قتله الخ) فإنه لا قود فيه. قال الإتقاني: إذا والى
الضربات بالسوط الصغير والعصا الصغيرة لا يجب به القصاص. وقال الشافعي: يجب إذا والى على
وجه لا تحتمله النفس عادة اه‍. ونقل قبله أنه شبه مد عن أبي حنيفة، وعندهما عمد. قوله: (كما
سيجئ) لم أره. قوله: (لو اعتد الخنق الخ) في الخانية: ولو خنق رجلا لا يقتل إلا إذا كان خناقا
معروفا خنق غير واحد فيقتل سياسة اه‍. وعبارة الشارح قبيل كتاب الجهاد: وإلا بأن خنق مرة لا
يقتل ذكره بعد قول المصنف هناك، ومن تكرر الخنق منه في المصر قتل به، ومفاده أن التكرار يحصل
بمرتين، ثم هذا غير خاص بالخنق لما قدمه في شبه العمد أنه لا قود فيه إلا أن يتكرر منه فللامام قتله
سياسة. قوله: (ولو بعد مسكه) أي بعد ما وقع في يد الامام، وإن تاب قبله قبلت، مجتبى. قوله: (فلا
قود فيه ولا دية) وكذا لو أدخله في بيت وأدخل معه سبعا وأغلق عليه الباب فقتله السبع، وكذا لو

109
نهشته حية أو لسعته عقرب، وإن فعل ذلك بصبي فعليه الدية. تتارخانية. ونقل ط مثله عن الهندية،
وقوله فعليه الدية: أي على عاقلته على حذف مضاف بدليل ما يأتي إذ لا يصدق عليه قتل العمد على
قول الإمام. تأمل. وانظر ما الفرق بين الصبي والرجل، وسيذكر المصنف قبيل باب القسامة: لو
غصب صبيا حرا فمات بصاعقة أو نهش حية فديته على عاقلة الغاصب، وعلله الشارح هناك بأنه
متسبب، وذكر أنه لو نقل الحر الكبير مقيدا ولم يمكنه التحرز ولم يمكنه التحرز عنه ضمن الخ، ومقتضاه عدم الفرق بين
الكبير والصغير، وهذا موافق للرواية التي ذكرها هنا عن البزازية. وسيأتي تمام الكلام على ذلك هناك
إن شاء الله تعالى. قوله: (ولو قمط صبيا الخ) ذكره في التتارخانية، وذكر قبله. ولو أن رجلا قمط
صبيا أو رجلا ثم وضعه في الشمس فعليه الدية. اه‍: أي على عاقلته كما قدمنا. تأمل. ولينظر ما
الفرق بين الشمس وبين السبع فإنه لا حكم لفعل كل منهما، وفي كل متسبب بالقتل، والظاهر أنه
مفرع على تلك الرواية. قوله: (فرسب) قال فيف المغرب: رسب في الماء رسوبا: سفل من باب طلب.
قوله: (وغرق الخ) أي وعلم موته منه. قال في التتارخانية: ولو أنه حين طرح رسب في الماء ولا
يدري مات أو خرج ولو ير له أثر لا شئ عليه ما لم يعلم أنه قد مات. قوله: (فعلى عاقلته الدية) أي
مغلظة. تتارخانية. قوله: (ولو سبح ساعة الخ) وكذا لو كان جيد بالسباحة. تتارخانية. قوله: (لأنه في
حكم الميت) فلو مات ابنه وهو على تلك الحالة ورثه ابنه ولم يرث هو من ابنه. ذخيرة ط. قوله: (إلا
إذا كان يعلم الخ) تبع فيه المصنف في المنح، وصوابه أن يقول: وإن كان يعلم القاتل أنه لا يعيش به
فإنه الذي رأيته في الخانية والخلاصة والتتارخانية والبزازية. قوله: (شق بطنه الخ) في التتارخانية: شق
بطنه وأخرج أمعاءه ثم ضرب رجل عنقه بالسيف عمدا فالقاتل هو الثاني، وإن كان خطأ تجب الدية،
وعلى الشاق ثلث الدية، وإن نفذت إلى جانب آخر فثلثاها، هذا إذا كان مما يعيش بعد الشق يوما أو
بعض يوم، وإن كان بحال لا يتوهم معه وجود الحياة ولم يبق معه إلا اضطراب الموت، فالقاتل هو
الأول فيقتص بالعمد وتجب الدية بالخطإ اه‍ ملخصا. ولعل الفرق بينه وبين من هو من النزاع أن النزاع
غير متحقق، فإن المريض قد يصل إلى حالة شبه النزاع، بل قد يظن أنه قد مات ويفعل به كالموتى ثم
يعيش بعده طويلا، بخلاف من شق بطنه وأخرج أمعاؤه فإنه يتحقق موته، لكن إذا كان فيه من الحياة
ما يعيش معها يوما فإنها حياة معتبرة شرعا كما مر في الذبائح فلذا كان القاتل هو الثاني، وأما لو كان

110
يضطرب اضطراب الموت من الشق فالحياة فيه غير معتبرة أصلا فهو ميت حكما فلذا كان القاتل هو
الأول، هذا ما ظهر لي، فتأمل. قوله: (إلا إذا وجد ما يقطعه الخ) قال في المنح: لان الجرح سبب
ظاهر لموته فيحال الموت عليه ما لم يوجد ما يقطعه كحز الرقبة والبرء منه اه‍. والحز بالمهملة
فالمعجمة: القطع، والضمير في منه للجرح. قوله: (وقدمنا الخ) أي في هذا الفصل، وأشار به إلى
قاطع آخر. قوله: (ضمن زيد ثلث الدية في ماله) لان العاقلة لا تتحمل لعمد وإنما لم يقتص لما مر،
ويأتي من أنه لا قصاص على شريك من قصاص بقتله لعدم تجزيه. قوله: (فصارت ثلاثة أجناس) فكأن
النفس تلفت بثلاثة أفعال، فالتلف بفعل كل واحد ثلثه فيجب عليه ثلث الدية. هداية قوله: (ومفاده)
أي مفاد التعليل. قوله: (ليكون فعله الخ) إذ لو كان غير مكلف لهدر في الدارين كفعل الأسد،
فيكون على زيد نصف الدية. قوله: (وأن لا يزيد على الثلث لو تعدد قاتله) بأن كان مع زيد غيره
فيشترك هو وغيره في الثلث.
أقول: ذكر في متفرقات التتارخانية: لو جرحه رجل جراحة وجرحه آخر جراحة ثم انضم إليه
ما هو هدر فعلى كل واحد منهما ثلث الدية وثلثها هدر اه‍. ومثله في الجوهرة قبيل جناية المملوك.
وفي تكملة الطوري: ولو قطع رجل يده وجرحه آخر وجرح هو أيضا نفسه وافترسه سبع ضمن
القاطع ربع الدية والجارح ربعها لان النفس تلفت بجنايات أربعة ثنتان منها معتبرتان اه‍. ومثله يأتي
متنا آخر باب ما يحدثه في الطريق: لو استأجر أربعة لحفر بئر فوقعت فمات أحدهم سقط الربع
ووجب على كل واحد الربع فظهر أن المنقول خلاف ما ذكره، فتنبه.
أقول: يؤخذ من ذلك جواب حادثة الفتوى في زماننا فيمن جرح صبيا بسكين في بطنه،
فظهر بعض أمعائه فجئ له بمن يخيط الجرح ويرد الأمعاء فلم يمكنه ذلك إلا بتوسيع الجرح، فأذن
له أبو الصبي بذلك ففعل ثم مات تلك الليلة، فينبغي أن يجب نصف الدية على الجارح في ماله لان
الفعل الآخر مأذون به فكان هدرا كما سيأتي. قوله: (ويجب قتل من شهر سيفا) شهر سيفه كمنع
وشهره: انتضاه فرفعه على الناس. قاموس. قوله: (على المسلمين) تنازعه كل من يجب وشهر.
وعبارة الجامع الصغير: شهر على المسلمين سيفا، قال: حق على المسلمين أن يقتلوه ولا شئ عليهم
اه‍. وذكر أبو السعود عن الشيخ عبد الحي بحثا أن أهل الذمة كالمسلمين. قوله: (يعني في الحال)
أي حال شهره السيف عليهم قاصدا ضربهم لا بعد انصرافه عنهم فإنه لا يجوز قتله كما يأتي.
قوله: (كما نص عليه ابن الكمال) أي على كونه حالا، والأولى أن يقول كما أشار إليه، لأنه لم

111
ينص عليه وإنما أخذ بطريق الإشارة من قوله: دفع فإن الدفع لا بطء فيه ط. قوله: (وصرح به
في الكفاية) ليس هذا في عبارة ابن الكمال. وعبارة الكفاية: أي إنما يجب القتل لان دفع والضرر
واجب اه‍. وفي المعراج: معنى الوجوب وجوب دفع الضرر لا أن يكون عين القتل واجبا. قوله:
(ويأتي ما يؤيده) أي يؤيد أن المراد له قتله إذا لم يمكن دفع ضرره إلا به وذلك في عبارة صدر
الشريعة الآتية قريبا وعبارة المتن بعدها. قوله: (ولا شئ بقتله) أي إذا كان مكلفا كما يعلم من قوله
الآتي: وإن شهر المجنون الخ ولما لم يكن عين القتل واجبا كان محتملا أن يكون القتل موجبا
للضمان فصرح بعدمه. أفاده ابن الكمال. قوله: (ولا يقتل) معطوف على قوله: (لا شئ بقتله).
قوله: (على رجل) أي قاصدا قتله بدلالة الحال لا مزاحا ولعبا أفاده الزيلعي في الطلاق وأفاد بهذه
المسألة أن الواحد كالمسلمين. قوله: (ليلا أو نهارا الخ) لان السلاح لا يلبث فيحتاج إلى دفعه بالقتل.
هداية: أي ليس فيه مهلة للدفع بغير القتل. قوله: (أو شهر عليه عصا الخ) لان العصا الصغيرة وإن
كانت تلبث ولكن في الليل لما يلحقه الغوث، فيضطر إلى دفعه بالقتل، وكذا في النهار في غير المصر
في الطريق لا يحلقه الغوث، قالوا: فإن كان عصا لا يلبث يحتمل أن يكون مثل السلاح عندهما.
هداية. قوله: (فقتله المشهور عليه) أي أو غيره دفعا عنه. زيلعي. وفي الكفاية: ولو ترك المشهور
عليه قتله يأثم. قوله: (عمدا) أي بمحدد ونحوه، وكذا شبه العمد بالأولى. قوله: (تجب الدية) أي
لا القصاص لوجود المبيح وهو دفع الشر. وتمامه في الهداية. قوله: (ومثله الصبي والدابة) أي مثل
المجنون في وجوب الضمان، لكن الواجب في الصبي الدية أيضا. وفي الدابة القيمة. وذكر الرملي
أنه لو كان المجنون أو الصبي عبدا فالواجب القيمة كالدابة المملوكة. تأمل. اه‍.
أقول: وفي النهاية ما نصه: وأجمعوا على أنه لو كان الصائل عبدا أو صيد الحرم لا يضمن. كذا
ذكره الامام التمرتاشي اه‍. ومثله في المعراج. وذكر الفرق بينهما وبين الدابة العلامة الإتقاني في غاية
البيان عن شرح الطحاوي فراجعه. قوله: (أو غيره الخ) لا حاجة إليه، وليس بمحل وهم حتى يقويه
بالنقل، فتدبر ط. قوله: (عادت عصمته) فإذا قتله بعد ذلك فقد قتل شخصا معصوما مظلوما فيجب
عليه القصاص. زيلعي. قوله: (ما دام شاهرا السيف) أي مع قصد الضرب. قوله: (ليلا) مفهومه أنه

112
لو نهارا ليس له قتله لأنه يلحقه الغوث بالصراخ. قوله: (دون مالك) أي لأجل مالك. عناية وغيرها.
قول: (وكذا لو قتله قبل الاخذ الخ قال في الخانية: رأى رجلا يسرق ماله فصاح به ولم يهرب أو
رأى رجلا يثقب حائطه أو حائط غيره وهو معروف بالسرقة فصاح به ولم يهرب حل له قتله ولا
قصاص عليه اه‍. قوله: (وفي الصغرى الخ) يريد به تقييد ما أطلقه المتون والشروح مع أنها لا تقيد
بما في الفتاوى. قال الماتن في آخر قطع الطريق: ويجوز أن يقاتل دون ماله وإن لم يبلغ نصابا، ويقتل
من يقاتله عليه.
وقال في المنح عن البحر: استقبله اللصوص ومعه مال لا يساوي عشرة حل له أن يقاتلهم،
لقوله عليه الصلاة والسلام: قاتل دون مالك واسم المال يقع على القليل والكثير اه‍. سائحاني.
قوله: (بزازية) ونصها قبيل كتاب الوصايا قتله صاحب الدار وبرهن على أنه كابره فدمه هدر، وإن لم
تكن له بينة إن لم تكن له بينة إن لم يكن المقتول معروفا بالشر والسرقة قتل صاحب الدار قصاصا، وإن متهما به في
القياس يقتص. وفي الاستحسان: تجب الدية في ماله لورثة المقتول لان دلالة الحال أورثت شبهة في
القصاص لا المال اه‍. قوله: (مع ذلك) لا حاجة إليه ط. قوله: (لقدرته على دفعه الخ) أنظر ما إذا لم
يقدر المسلمون والقاضي كما هو مشاهد، في زماننا، والظاهر أنه يجوز له قتله لعموم الحديث ط.
قوله: (مباح الدم) بأن قتل أو زنى، ومثله ما لو شرب الخمر أو فعل غيره مما يوجب الحد كما ذكره
العلامة السندي في المنسك المتوسط، وصرح بأن المرتد كذلك، لكن قدمنا آخر كتاب الحج عن المنتقى
بالنون أنه يعرض عليه الاسلام، فإن أسلم سلم وإلا قتل. ونقله القاري في شرح المنسك عن النتف،
وذكر أنه مخالف لاطلاقهم، إلا ن يقال: إباء المرتد عن الاسلام جناية في الحرم وهو الظاهر. ثم ذكر
عن البدائع أن الحربي لو التجأ إلى الحرم لا يقتل فيه ولا يخرج عندهما. وقال أبو يوسف: يباح
إخراجه منه. قوله: (فيخرج من الحرم) أي يخرج هو بنفسه. قوله: (فيقتص منه) وكذا يحد. ففي
الخانية عن أبي حنيفة: لا تقطع يد السارق في الحرم خلافا لهما. وإن فعل شيئا من ذلك في الحرم
يقام عليه الحد فيه. قوله: (ولو قتل في البيت الخ) ومثله سائر المساجد لان المسجد يصان عن مثل

113
ذلك اه‍. رحمتي. قوله: (بسيف) قيد به لقوله: وتجب الدية في ماله فلو قتله بمثقل فالدية على
العاقلة ط. قوله: (وفي الصحيح) وبه جزم في عمدة المفتي، بل في مختصر المحيط أنه بالاتفاق كما في
شرح الوهبانية. قوله: (وسقوط القود) كالاستدراك على قوله (لان الإباحة لا تجري في النفس) فإن
المتبادر منه القصاص ط. قوله: (وكذا لو قال) أي وكان هو الوارث. قوله: (لو ابنه صغيرا يقتص)
أي قياسا، والظاهر أن الصغير غير قيد ومثله الأخ.
وعبارة البزازية: وفى الواقعات أقتل ابني وهو صغير فقتله يقتص. ولو قال: أقطع يده فقطعها
عليه القصاص. ولو قال: أقتل أخي فقتله وهو وارثه ففي رواية عن الثاني وهو القياس يجب
القصاص. وعن محمد عن الامام: الدية، وسوى في الكفاية بين الابن والأخ. وقال في القياس:
يجب القصاص في الكل. وفى الاستحسان: تجب الدية. وفى الايضاح ذكر قريبا منه اه‍. قوله:
(فقتله يقتص) لأنه بيع باطل وهو ليس بأذن بالقتل فليس كقوله: اقتلني ط. قوله: (وفى إقطع يده
يقتص) لان ولاية الاستيفاء ليست له بل للأب فلم يكن أمره مسقطا للقصاص. رحمتي. تأمل. قوله:
(وفي شج ابني الخ) هذه المسألة لم أرها في الخانية بل هي مذكورة في المجتبى. ونصه: ولو أمره أن
يشجه فشجه فلا شئ عليه، فإن مات منها كان عليه الدية اه‍. والضمير في شجه يحتمل عوده على
الامر أو على الابن المذكور في المجتبى قبله. والثاني هو ما فهمه الشارح، لكن فيه أنه لا يظهر الفرق
بين القطع والشجة، فليتأمل. قوله: (وقيل لا الخ) مقابل قوله: (وتجب الدية في ماله) في الصحيح.
قوله: (وإن سرى لنفسه ومات) عزا في التتارخانية إلى شيخ الاسلام. وفيها عن شرح الطحاوي: قال
لاخر: إقطع يدي، فإن كان بعلاج كما إذا وقعت في يده أكلة فلا بأس به، وإن من غير علاج لا
يحل، ولو قطع في الحالين فسرى إلى النفس لا يضمن اه‍. قوله: (ولو قال لقطعه) أي الطرف المفهوم
من الأطراف. قوله: (وبطل الصلح) أي ما رضي به بدلا عن الأرش.
تنبيه: قال في الفصل 33 من جامع الفصولين: وقد وقعت في بخارى واقعة، وهي رجل قال
لاخر: إرم السهم إلي حتى آخذه فرمى إليه فأصاب عينه فذهب. قال ح: لم يضمن كما لو قال له:
اجن علي فجنى، وهكذا أفتى بعض المشايخ به، وقاسوه على ما لو قال: إقطع يدي. وقال صاحب
المحيط: الكلام في وجوب القود، ولا شك أنه تجب الدية في ماله لأنه ذكر في الكتاب: لو تضاربا

114
بالوكز فذهبت عين أحدهما يقاد لو أمكن لأنه عمد، وإن قال كل منهما للاخر: ده ده، وكذا لو بارزا
على وجه الملاعبة أو التعليم فأصابت الخشبة عينه فذهبت يقاد إن أمكن اه‍.
وقال العلامة الرملي في حاشيته عليه: أقول: في المسألة قولان: قال في مجمع الفتاوى: ولو
قال كل واحد لصاحبه: ده ووكز كل منهما صاحبه وكسر سنه فلا شئ عليه بمنزلة ما لو قال:
اقطع يدي فقطعها. كذا في الخانية اه‍. والذي ظهر في وجه ما في الكتاب أنه ليس لازم قوله:
ده ده إباحة عينه لاحتمال السلامة مع المضاربة بالوكزة كاحتمالها مع رمي السهم فلم يكن قوله: ارم
السهم إلى قوله: ده ده صريحا في إتلاف عضوه، بخلاف قوله: اقطع يدي أو اجن علي فلم
يصح قياس الواقعة عليه، والمصرح به أن الأطراف كالأموال يصح الامر فيها. تأمل. اه‍. قوله: (لغير
القاتل) وكذا للقاتل لوجود العلة فيه. أفاده الحموي. وانظر هل يسقط القصاص في الصورتين؟ ط.
والظاهر أنه لا يتوقف في عدم السقوط، إذ لا معنى لعدم جوازه إلا ذلك. قوله: (عفو الولي عن
القاتل أفضل) ويبرأ القاتل في الدنيا عن الدية والقود لأنهما حق الوارث. بيري. قوله: (لا تصح توبة
القاتل حتى يسلم نفسه للقود) أي لا تكفيه التوبة وحدها.
قال في تبيين المحارم: واعلم أن توبة القاتل لا تكون بالاستغفار والندامة فقد بل يتوقف على
إرضاء أولياء المقتول، فإن كان القتل عمدا لا بد أن يمكنهم من القصاص منه، فإن شاؤوا قتلوه، وإن
شاؤوا عفوا عنه مجانا، فإن عفوا عنه كفته التوبة اه‍ ملخصا. وقدمنا آنفا أنه بالعفو عنه يبرأ في
الدنيا، وهل يبرأ فيما بينه وبين الله تعالى؟ هو بمنزلة الدين على رجل فمات الطالب وأبرأته الورثة يبرأ
فيما بقي، أما في ظلمة المتقدم لا يبرأ، فكذا القاتل لا يبرأ عن ظلمة ويبرأ عن القصاص والدية.
تتارخانية.
أقول: والظاهر أن الظلم المتقدم لا يسقط بالتوبة لتعلق حق المقتول به، وأما ظلمه على نفسه
بإقدامه على المعصية فيسقط بها. تأمل.
وفي الحامدية عن فتاوى الامام النووي مسألة فيمن قتل مظلوما فاقتص وارثه أو عفا عن الدية
أو مجانا هل على القاتل بعد ذلك مطالبة في الآخرة؟ الجواب: ظواهر الشرع تقتضي سقوط المطالبة
في الآخرة اه‍. وكذا قال في تبيين المحارم: ظاهر بعض الأحاديث يدل على أنه لا يطالب. وقال في
مختار الفتاوى: القصاص مخلص من حق الأولياء، وأما المقتول فيخاصمه يوم القيامة، فإن بالقصاص
ما حصل فائدة للمقتول وحقه باق عليه اه‍. وهو مؤيد لما استظهرته. قوله: (وفرق الفقهاء) أي بين
القصاص والحدود فيشترط الامام لاستيفاء الحدود دون القصاص. حموي. قال في الهندية: وإذا قتل
الرجل عمدا وله ولي واحد فله أن يقتله قصاصا، قضى القاضي به أو لم يقض اه‍. قوله: (يجوز

115
القضاء بعلمه في القصاص) مبني على أن القاضي يقضي بعلمه في غير الحدود. والفتوى اليوم على
عدم جواز القضاء بعلمه مطلقا. حموي اه‍ ط. وسيذكر الشارح في أول جنايات المملوك. قوله:
(القصاص يورث) سيأتي بيانه في أول باب الشهادة في القتل. قوله: (لا الحد) شمل حد القذف،
وهو محمول على ما بعد المرافعة. أما قبلها فهو جائز. وفي الحاوي: إذا ثبت الحد لم يجز الاسقاط،
وإذا عفا المقذوف عن القاذف فعفوه باطل، وله أن يطالب بالحد اه‍. إلا إذا قال لم يقذفني أو كذب
شهودي فإنه يصح كما في البحر عن الشامل، والمراد من بطلان العفو أنه إذا عاد وطلبه حد لان العفو
كان لغوا فكأنه لم يخاصم إلى الآن، وليس المراد أن الامام له أن يقيمه بعد ذهاب المقذوف وعفوه،
أفاده أبو السعود في حاشية الأشباه ط. قوله: (بخلاف الحد) فإن التقادم يمنعه والتقادم في الشرب
بذهاب الريح، وفي حد غيره بمضي شهر وقد مضى في الحدود ط. قوله: (لا الحد) فلا تجوز الشفاعة فيه بعد الوصول للحاكم، أما قبل الوصول إليه والثبوت عنده فتجوز الشفاعة عند الرافع له
إلى الحاكم ليطلقه، لان الحد لم يثبت كما في البحر. وفي البيري قال الاكمال في حديث: (اشفعوا
تؤجروا) ولا يتناول الحديث الحدود فتبقى الشفاعة لأرباب الحوائج المباحة كدفع الظلم أو تخليص
خطأ وأمثالهما، وكذا العفو عن ذنب ليس فيه حد إذا لم يكن المذنب مصرا، فإن كان مصرا لا يجوز
حتى يرتدع عن الذنب والاصرار اه‍. ومثله في حاشية الحموي عن شرح مسلم للامام النووي.
قوله: (السابعة الخ) قال في الأشباه: تسمع الشهادة بدون الدعوى في الحد الخالص والوقف وعتق
الأمة وحريتها الأصلية، وفيما تمحض لله تعالى كرمضان، وفي الطلاق والايلاء والظهار اه‍. قوله:
(سوى حد القذف) وكذا حد السرقة لما تقدم في محله أن طلب المسروق منه المال شرط القطع، فلو أقر
أنه سرق مال الغائب توقف على حضوره ومخاصمته.
تنبيه: زاد الحموي ثامنة، وهي اشتراط الامام لاستيفاء الحدود دون القصاص. قال أبو
السعود: ويزاد تاسعة، وهي جواز الاعتياض في القصاص بخلاف حد القذف، حتى لو دفع القاذف
مالا للمقذوف ليسقط حقه فإنه يرجع به اه‍. أقول: ويزاد عاشرة، وهي صحة رجوعه عن الاقرار
في الحد. قوله: (لا يضمن إجماعا) لأنه شغل ملكه، كما لو قصد أخذ ثيابه فدفعه حتى قتله لم
يضمن. منح عن القنية.

116
وفي معراج الدراية: ومن نظر في بيت إنسان من ثقب أو شق باب أو نحوه فطعنه صاحب
الدار بخشبة أو رماه بحصاة ففقأ عينه يضمن عندنا. وعند الشافعي: لا يضمن، لما روى أبو هريرة
رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: (لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة
وفقأت عينه لم يكن عليك جناح).
ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: في العين نصف الدية وهو عام، ولأن مجرد النظر إليه لا يبيح
الجناية عليه، كما لو نظر من الباب المفتوح وكما لو دخل بيته ونظر فيه أو نال من امرأته ما دون
الفرج لم يجز قلع عينه، لان قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يحل دم امرئ مسلم) الحديث يقتضي
عدم سقوط عصمته، والمراد بما روى أبو هريرة المبالغة في الرجز عن ذلك اه‍. ومثله في ط عن
الشمني. وقوله: وكما لو دخل بيته الخ مخالف لما ذكره الشارح، ألا أن يحمل ما ذكره على ما إذا لم
يمكن تنحيته بغير ذلك، وما هنا على ما إذا أمكن، فليتأمل. والله تعالى أعلم.
باب القود فيما دون النفس
لما فرغ من بيان القصاص في النفس أتبعه بما هو بمنزلة التبع وهو القصاص في الأطراف.
عناية. ثم اعلم أنه لا يقاد جرح إلا بعد برئه خلافا للشافعي كما سيأتي آخر الشجاج. قوله: (رعاية
حفظ المماثلة) الأولى الاقتصار على المتن، فإن الرعاية الحفظ ط. قوله: (فيقاد الخ) أي سواء حصل
الضرب بسلاح أو غيره، لما قدمه أنه ليس فيما دون النفس شبه عمد. قوله: (من المفصل) وزان
مسجد: أحد مفاصل الأعضاء. مصباح. قوله: (من نصف ساعد الخ) المراد به ما لا يكون من
المفصل. قوله: (أو من قصبة أنف) أتى بمن عطفا على من الأولى لا على ساعد، لأنه لا قصاص بقطع
القصبة كلها أو نصفها لأنها عظم كما في الجوهرة. قوله: (لامتناع حفظ المماثلة) لأنه قد يكسر زيادة
من عضو الجاني أو يقع خلل فيه زائد ط. قوله: (وإن كانت يده أكبر منها) أي من المقطوعة، وهذا
بخلاف ما إذا شجه موضحة فأخذت الشجة ما بين قرني المشجوج ولا تأخذ ما بين قرني الشاج لكبر
رأسه حيث اعتبر الكبر، وخير المشجوج بين الاقتصاص بمقدار شجته وبين أخذ أرض الموضحة، لان
المعتبر في ذلك الشين، وبالاقتصاص بمقدارها يكون الشين في الثانية أقل، وبأخذه ما بين قرني الشاج
زيادة على حقه فانتفت المماثلة صور ومعنى، فإن شاء استوفاها معنى وهو بمقدار شجته ويترك
الصورة، وإن شاء أخذ أرشها. أما اليد الكبيرة والصغيرة فمنفعتها لا تختلف. عناية وغيرها. وقيد
بالكبر لأنه لا تقطع الصحيحة بالشلاء ولا اليمنى باليسرى وعكسه كما في الجوهرة. ويأتي تمامه.
قوله: (والمارن) هو ما لان من الانف، واحترز به عن القصبة كما مر. قال ط: وإذا قطع بعضه لا
يجب. ذخيرة. وفي الأرنبة حكومة عدل على الصحيح. خزانة المفتين. وإن كان أنف القاطع أصغر
خير المقطوع أنفه الكبير إن شاء قطع وإن شاء أخذ الأرش. محيط. وكذا إذا كان قاطع الانف أخشم
لا يجد الريح، أو أصرم الانف أو بأنفه نقصان من شئ أصابه، فإن المقطوع مخير بين القطع وبين أخذ

117
دية أنفه. ظهيرية اه‍. قوله: (والاذن) أي كلها، وكذا بعضها إن كان للقطع حد يعرف تمكن فيه
المماثلة وإلا سقط القصاص. إتقاني. ولو كانت أذن القاطع صغيرة، أو خرقاء أو مشقوقة والمقطوعة
كبيرة أو سالمة خير المجني عليه: إن شاء قطع، وإن شاء ضمن نصف الدية، وإن كانت المقطوعة
ناقصة كان له حكومة عدل. تتارخانية. قوله: (وكذا عين الخ) ولو كبيرة بصغيرة وعكسه، وكذا
يقتص من اليمنى باليسرى لا بالعكس، بل فيه الدية خلافا للخانية. ولو ذهب بياضها ثم أبصر فلا
شئ عليه: أي إن عاد كما كان، فلو دونه فحكومة كما لو ابيضت مثلا كما في القهستاني عن
الذخيرة. در منتقى.
أقول: قوله وكذا يقتص الخ في القهستاني خلافه. والذي في الخانية هو ما يذكره عن المجتبى
قريبا. وفي الجوهرة: أجمع المسلمون على أنه لا تؤخذ العين اليمنى باليسرى ولا اليسرى باليمنى ا
ه‍. ويأتي تمامه قريبا فتنبه. قوله: (فزال ضوءها) قال بعضهم: يعرف ذلك إذا أخبر رجلان من أهل
العلم به. وقال ابن مقاتل بأن لا تدمع إذا قوبلت مفتوحة للشمس. قوله: (فيجعل الخ) هذه الحادثة
وقعت في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، فشاور الصحابة فلم يجيبوه حتى جاء علي وقضى
بالقصاص وبين هكذا ولم ينكر عليه فاتفقوا عليه. معراج. قوله: (بمرآة) بكسر الميم ومد الهمزة: آلة
الرؤية. ورأيت بخط بعض العلماء أن المراد بها هنا: فولاذ صقيل يرى به الوجه لا المرآة المعروفة من
الزجاج. قوله: (وعن الثاني الخ) عبارة المجتبى: ولو فقأ عينا حولاء والحول لا يضر ببصره يقتص
منه، وإلا ففيه حكومة عدل. عن أبي يوسف: لا قصاص في فق ء العين الحولاء مطلقا اه‍. وظاهره
ترجيح الأول، وعليه اقتصر في الخانية نقلا عن أبي الحسن، لكن قال قبله بورقة: ولا قصاص في
عين الأحول، وظاهره الاطلاق، وعادته تقديم ما هو الأشهر فلذا اقتصر عليه الشارح، وكذا ظاهر
كلام الشرنبلالية الميل إليه، فافهم.
تنبيه: ضرب عين إنسان فابيضت بحيث لا يبصر بها لا قصاص فيه عند عامة العلماء لتعذر
المماثلة فقأ عين رجل وفي عين الفاقئ بياض ينقصها فللرجل أن يفقأ البيضاء أو أن يأخذ أرش عينه.
على جنى على عين فيها بياض يبصر بها وعين الجاني كذلك فلا قصاص بينهما. وفي العين القائمة الذاهب
نورها حكومة عدل، وكذا لو ضربها فابيض بعد الناظر أو أصابها قرحة أو ريح أو سبل أو شئ مما
يهيج بالعين فنقص من ذلك. تتارخانية. قوله: (كموضحة) هي التي توضح العظم: أي تظهره، وكذا
يجب القصاص فيما دونها في ظاهر الرواية كما سيأتي في الشجاج. قوله: (إلا السن استثناء متصل أو
منقطع، فإن الأطباء اختلفوا فقيل: إنه عصب يابس، لأنه يحدث وينمو بعد تمام الخلقة؟ وقيل: عظم،
وكأنه وقع عند صاحب الهداية أنه عظم حتى قال، والمراد منه غير السن، وعليه فالاستثناء متصل.

118
والفرق بينه وبين غيره إمكان المساواة بأن يبرد بالمبرد. معراج وعناية. قوله: (لما مر) أي من اتحاد المنفعة
وفيه إشارة إلى أنها أصلية سليمة. ففي القهستاني: أل للعهد: أي سن أصلية فلا قصاص في السن
الزائدة اه‍: أي بل فيها حكومة عدل كما في التتارخانية. وفيها أيضا: وسن الجاني سوداء أو صفراء
أو حمراء أو خضراء، إن شاء المجني عليه اقتص أو ضمنه أرش سنه خمسمائة، ولو المعيب سن المجني
عليه فله الأرض حكومة عدل ولا قصاص. قوله: (موضع أصل السن) بدل مما قبله ط. قوله:
(ويسقط ما سواه) أي ما كان داخلا في اللحم. قوله: (إذ لا بما تفسد لهاته) أي لو قلع، والتعبير باللهاة
وقع في النهاية، وتبعه الزيلعي والمصنف والشارح، والصواب لثاته كما وقع في الكفاية. قال في
المغرب: اللهاة: لحمة مشرفة على الحلق، وقوله: من تسحر بسويق لا بد أن يبقى بين أسنانه ولهاته
شئ كأنه تصحيف لثاته وهي لحمات أصول الأسنان اه‍. قوله: (وبه أخذ صاحب الكافي) أي
بالقول بالبرد، وعليه مشى شراح الهداية، وعزوه إلى الذخيرة والمبسوط، وتبعهم في الجوهرة والتبيين،
ولم يتعرضوا للقول بالقلع أصلا، بل قالوا: لا تقلع وإنما تبرد، مع أنه في الهداية قال: ولو قلع من
أصله يقلع الثاني فيتماثلان، وكأن الشراح لم يرتضوا به لكن مشى عليه في مختصر الوقاية والملتقى
والاختيار والدرر وغيرها. ونقل الطوري عن المحيط أن في المسألة روايتين. ونقل بعضهم عن المقدسي
أنه قال: ينبغي اختيار البرد خصوصا عند تعذر القلع، كما لو كانت أسنانه غير مفلجة بحيث يخاف من
قلع واحد أن يتبعه غيره أو أن تفسد اللثة اه‍.
قلت: يؤيده ما في شرح مسكين عن الخلاصة: النزع مشروع، والاخذ بالمبرد احتياط اه‍.
قوله: (قال المصنف الخ) لم أره في المنح ولا في المجتبى. قوله: (كما تبرد إلى أن يتساويا إن كسرت)
هذا إذا لم يسود الباقي، وإن اسود لا يجب القصاص، فإن طلب المجني عليه استيفاء قد المكسورة
وترك ما اسود لا يكون له ذلك. وفي ظاهر الرواية: إذا كسر السن لا قصاص فيه. خانية. وسيأتي
في كتاب الديات. وفي البزازية قال القاضي الامام: وفي كسر بعض السن إنما يبرد بالمبرد إذا كسر
عن عرض، أما لو عن طول ففيه الحكومة اه‍. شرنبلالية. وفي التتارخانية: إن كسر مستويا يمكن
استيفاء القصاص منه اقتص، وألا فعليه أرض ذلك، في كل سن خمس من الإبل أو البقر اه‍. فعلم
تقييده أيضا بما إذا أمكن فيه المساواة.
وفي الخانية: ضرب سم رجل فاسود فنزعها آخر فعلى الأول أرش تام خمسمائة، وعلى الثاني
حكومة عدل اه‍. وفيها: كسر ربع سم رجل وربع سن الكاسر (1) مثل سن المكسور: ذكر ابن رستم
أن يكسر من الكاسر، ولا يعتبر فيه الصغر والكبر بل يكون على قدر ما كسر، وكذا لو قطع أذن
إنسان أو يده وأذن القاطع أو يده أطول اه‍.
تنبيه: قال في الخلاصة: ولو كسر بعض السن فسقط الباقي لا يجب القصاص في المشهور من



(1) قوه: (وربع سن الكاسر) أقول: الظاهر أن لفظة ربع زائدة اه‍ مؤلفه.
119
الرواية، ولو ضربها فتحركت ولم تتغير فقلعها آخر فعلى كل حكومة عدل اه‍. قوله: (فإن لم تثبت
يقتص) أي فيما إذا قلعت. وذكر في المجتبى أيضا أنه إذا كسر بعضها ينتظر حولا، فإذا لم تتغير تبرد،
وكذا ذكر فيما إذا تحركت ينتظر حولا، فإن احمرت أو اخضرت أو اسودت تجب ديتها في ماله. قال:
وفي الاصفرار اختلاف المشايخ. قوله: (وقيل: يؤجل الصبي) عبارة المجتبى: والأصل عندنا أنه يستأني
في الجنايات كلها عمدا كان أو خطأ، ومحمد ذكر الاستيناء في التحريك دون القلع.
واختلف في القلع. قال القدوري: يستأني الصبي دون البالغ، وقيل: يستأني فيهما اه‍. ونقل
ط عن الظهيرية: إن ضرب سن رجل فسقطت ينتظر حتى يبرأ موضع السن، ولا ينتظر حولا إلا في
رواية المجرد، والصحيح هو الأول، لان نبات سن
البالغ نادر اه‍. وسينقله الشارح في الشجاج عن
الخلاصة والنهاية، ويأتي تحقيقه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: (فلو مات الصبي في الحول برئ) أي
لو مات الصبي قبل تمام السنة فلا شئ على الجاني عند أبي حنيفة. مجتبى. قوله: (وكذا الخلاف الخ)
قال في المجتبى: إذا استأنى في التحريك فلم يسقط فلا شئ عليه. وقال أبو يوسف: تجب حكومة
عدل الألم: أي أجر القلاع والطبيب، وإن سقط يجب القصاص في العمد، والدية في الخطأ، فإن قال
الضارب سقط لا بضربتي فالقول للمضروب استحسانا اه‍. زاد في التتارخانية: وليس هذا في
شئ من الجنايات إلا في السن للأثر، فإن جاء بعد السنة والسن ساقط فقال الضارب سقط في السنة
فالقول للمضروب أنها سقطت من ضربه، وإن قال بعد السنة فللضارب. قوله: (حكومة عدل الألم)
حكومة العدل بمعنى الأرش فكأنه قال: أرش الألم اه‍ ح، أو يقال: الإضافة بيانية: أي حكومة هي
عدل الألم: أي ما يعادله من الدراهم. تأمل. قوله: (أي أجر القلاع) الذي رأيته في التتارخانية (أجر
العلاج. قوله: (وسنحققه) أي في أثناء فصل الشجاج وفي آخره. قوله: (والحاصل الخ) أفاد أن
ذلك ليس خاصا في السن بل غيرها كذلك.
قال في الجوهرة: أجمع المسلمون على أنه لا تؤخذ العين اليمنى باليسرى ولا اليسرى باليمنى،
وكذا اليدان والرجلان وكذا أصبعهما، ويؤخذ إبهام اليمنى باليمنى والسبابة بالسبابة والوسطى
بالوسطى، ولا يؤخذ شئ من أعضاء اليمنى إلا باليمنى ولا اليسرى إلا باليسرى اه‍. قوله: (ولا
قود عندنا الخ) فيجب الأرش في ماله حالا. جوهرة. قوله: (في طرفي رجل وامرأة) عبارة
القدوري: ولا قصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس الخ. ومفاده أن المراد بالطرف ما دون
النفس فيشمل السن والعين والأنف، ونحوها، وهو مفاد الدليل الآتي.
وفي الكفاية: فإن قيل قوله تعالى: * (والعين بالعين والأنف بالأنف والاذن بالاذن) * (المائدة: 54)

120
مطلق يتناول مواضع النزاع. قلنا: قد خص منه الحربي المستأمن والعام إذا خص يجوز تخصيصه بخبر
الواحد اه‍.
وفي الشرنبلالية عن المحيط: قيل: لا يجري القصاص في الشجاج بين الرجل والمرأة، لان مبناه
على المساواة في المنفعة والقيمة ولم توجد. وقيل: يجري، ونص عليه محمد في المبسوط، لان في قطع
الأطراف تفويت المنعة وإلحاق الشين وقد تفاوتا، وليس في هذه الشجاج تفويت منفعة، وإنما هو
إلحاق الشين وقد تساويا فيه اه‍. واقتصر في الاختيار على الثاني، فتأمل. قوله: (بدليل الخ) قال
الزيلعي: ولنا أن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال لأنها وقاية الأنفس كالأموال، ولا مماثلة بين
طرفي الذكر والأنثى للتفاوت بينهما في القيمة بتقويم الشارع، ولا بين الحر والعبد ولا بين العبدين
للتفاوت في القيمة، وإن تساويا فيها فذلك بالحرز والظن وليس بيقين فصار شبهة فامتنع القصاص،
بخلاف طرفي الحرين لان استواءهما متيقن بتقويم الشرع، وبخلاف الأنفس لان القصاص فيها يتعلق
بإزهاق الروح ولا تفاوت فيه اه‍. وبه يحصل الجواب عن قول الإمام الشافعي الآتي حيث ألحق
الأطراف بالأنفس. قوله: (قلت: هذا هو المشهور) وهو المذكور في الشروح والمستفاد من إطلاق المتون
فكان هو المعتمد.
وقد ذكر في الكفاية الفرق بين عدم جواز استيفاء الناقص بالكامل هنا وبين جوازه فيما يأتي
إذا كان القاطع أشل أو ناقص الأصابع بما حاصله لان النقصان هنا أصلي فيمنع القصاص لفوات
محله، وفيما يأتي كان التساوي ثابتا في الأصل والتفاوت بأمر عارض. قوله: (ولا بين عبدين)
فلصاحب العبد الاعلى اختيار الاستيفاء من الأدنى ط. قوله: (وطرف المسلم والكافر) أي وطرف
الكافر: أي الذمي سيان: أي متساويان فيجري فيهما القصاص، وكذا بين المرأتين المسلمة والكتابية،
وكذا بين الكتابيتين. جوهرة. قوله: (ولا في قطع يد الخ) أي بل فيه حكومة عدل. إتقاني. قوله:
(لما مر) أي من امتناع رعاية المماثلة ط. قوله: (ولا في جائفة برئت) لان البر نادر فيفضي الثاني إلى
الهلاك ظاهرا. هداية. والجائفة: هي التي تصل إلى البطن من الصدر أو الظهر أو البطن فلا قصاص
لانتفاء شرطه، بل يجب ثلث الدية، ولا تكون الجائفة في الرقبة والحلق واليدين والرجلين، ولو في
الأنثيين والدبر فهي جائفة. إتقاني. قوله: (فإن سارية) بأن مات منها. والأخصر أن يقال: فلو لم تبر
ينتظر البرء أو السراية فيقتص. قوله: (به يفتى) وهو الصحيح. قهستاني عن المضمرات. وهو مفاد
إطلاق المتون ولا سيما والاستثناء من أدوات العموم وهو قولهم إلا أن يقطع الحشفة، فيفيد أن لا

121
قصاص في قطع غيرها أصلا. قوله: (لكن جزم قاضيخان بلزوم القصاص) يعني في الذكر وحده إذا
قطع من أصله لا في اللسان، فإن قال في الخانية: رجل قطع لسان إنسان: ذكر في الأصل أنه لا
قصاص فيه. قال أبو يوسف: لا قصاص في بعض اللسان اه‍.
ثم قال في الخانية: وفي قطع الذكر من الأصل عمدا قصاص، وإن قطع من وسطه فلا قصاص
فيه، وهذا في ذكر الفحل، فأما في ذكر الخصي والعنين حكومة عدل. وفي ذكر المولود: إن تحرك
يجب القصاص إن كان عمدا، والدية إن كان خطأ، وإن لم يتحرك كأم فيه حكومة عدل. ولا قصاص
في قطع السان اه‍. فقد فرق بين اللسان والذكر كما ترى، ولعله لعسر استقصاء اللسان من أصله،
بخلاف الذكر، لكن قاضيخان نفسه حكى في شرحه على الجامع الصغير رواية أبي يوسف في الذكر
واللسان، وصحح قول الإمام، فإنه قال فيما إذا قطع ذكر مولود بدا صلاحه بالتحريك، وإن قطع
الذكر من أصله عمدا اختلفت الروايات فيه: روى بشر عن أبي يوسف أنه يجب في القصاص. وروى
محمد عن أبي حنيفة عدمه اه‍ ملخصا. ثم قال: وإن قطع لسان صبي قد استهل ففيه حكومة عدل
لأنه لم يعرف صلاحه بالدليل، وإن تكلم ففيه دية كاملة، ولم يذكر فيه القود فدل على أنه لا يجب
القصاص في اللسان قطع كله أو بعضه، وهكذا روي عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف: إذا قطع الكل
يجب القصاص. والصحيح قول أبي حنيفة اه‍. وقد علمت أن قول الإمام هو ظاهر إطلاق المتون.
وفي القهستاني أنه ظاهر الرواية. وفي تصحيح العلامة قاسم: والصحيح ظاهر الرواية. قوله: (إن
قطع الذكر ذكره من أصله) كذا في عامة النسخ، ولفظ الذكر ساقط من عبارة الشرنبلالية، والمراد به
الرجل وهو فاعل قطع في ذكره مفعوله: أي ذكر رجل آخر، واحترز بذلك عما لو كان القاطع أو
المقطوع امرأة فإنه لا قصاص كما لا يخفى. قوله: (وأقره في الشرنبلالية) لكن قال الشرنبلالي في
شرحه على الوهبانية: والفتوى على أنه لا قصاص في اللسان والذكر، وهو قول الجمهور كما في
الهداية وغيرها اه‍. قوله: (وسيجئ) أي أول كتاب الديات. قوله: (فإن كان القاطع أشل) أي
في حال القطع، أما إذا كانت يد القاطع صحيحة ثم شلت بعد القطع فلا حق للمقطوع في الأرش،
لان حق المقطوع متقررا في اليد فيسقط بقدر هلاك المحل اه‍ ط عن الولوالجية. قوله: (أو كان
رأس الشاج أكبر) بأن كانت الشجة تستوعب ما بين قرني المشجوج دون الشاج، وفي عكسه يخير أيضا
لأنه يتعذر الاستيفاء كملا للتعدي إلى غير حقه، وكذا إذا كانت الشجة في طول الرأس وهي تأخذ من
جبهته إلى قفاه ولا تبلغ إلى قفا الشاج فهو بالخيار. هداية. قوله: (خير المجني عليه الخ) لان استيفاء
الحق كملا متعذر، فله أن يتجوز بدون حقه، وله أن يعدل إلى العوض.

122
ولو سقطت: أي يد الجاني الآفة قبل اختيار المجني عليه أو قطعت ظلما فلا شئ عندنا لان
حقه متعين في القصاص، وإنما ينتقل إلى المال باختياره فيسقط بفواته، بخلاف ما إذا قطعت بحق عليه
من قصاص أو سرقة حيث يجب عليه الأرش، لأنه: أي الجاني أوفى به حقا مستحقا فصارت سالمة له،
هداية. قال الزيلعي: بخلاف النفس إذا وجب على القاتل القصاص لغيره فقتل به حيث لا يضمن
لأنها ليست بمعنى المال فلم تسلم له. قوله: (مجتبى) نقله عنه في المعراج وأقره، وذكره في التتارخانية
أيضا: قوله: (لا تقطع الصحيحة بالشلاء) هذا نظير ما قدمه من أنه لا تقاد العين الصحيحة بالحولاء.
وفي التتارخانية: إذا كان باليد المقطوعة جراحة لا توجب نقصان دية اليد بأن كان نقصانا، لا
يوهن في البطش فإنه لا يمنع وجوب القصاص، وإن كان يوهن حتى يجب بقطعه حكومة عدل لا
نصف الدية كان بمنزلة اليد الشلاء، ولا تقطع الصحيحة بالشلاء اه‍. ملخصا. قوله: (ويسقط القود
بموت القاتل) ولا يجب للولي شئ من التركة. قهستاني. وكذا يسقط فيما دون النفس كما هو
ظاهر. أفاده الرملي. وقدمنا آنفا أنه يسقط أيا لو تلفت يد القاطع لآفة أو ظلما لا لو بحق. قوله:
(ولو قليلا) بخلاف الخطأ فإن الدية مقدرة شرعا والصلح على أكثر منها ربا. وأما القصاص فليس
بمال فكان التقويم بالعقد فيقوم بقدر ما أوجبه الصلح قل أو كثر. معراج. وبه ظهر أن الظاهر أن
يقول ولو كثيرا، ليكون إشارة إلى الفرق بين الخطأ والعمد. تدبر. قوله: (ويجب حالا عند الاطلاق)
لأنه ثبت بعقد، والأصل في مثله الحلول كثمن ومهر. حموي. وأشار بقوله عند الاطلاق إلى أنه لا
يتأجل إلا بالشرط. أفاده البدر العيني آخر فصل الشجاج ط. قوله: (وقيل على العاقلة) جرى عليه في
الاختيار وشرح المجمع، ورده محشيه العلامة قاسم بما في الأصل والجامع الصغير والمبسوط والمحيط
والهداية والكافي وسائر الكتب أنه على القاتل في ماله. قال: وهو الثابت في رواية ودراية. وتمامه في
ط. وكذا رده في تصحيحه بأنه ليس قولا لاحد مطلقا. قوله: (بالصلح) متعلق بأمر. قوله: (إن
جرح كل واحد جرحا مهلكا) أي معا لا متعاقبا كما يعلم من قوله قبل هذا الباب: قطع عنقه وبقي
من الحلقوم قليل الخ.
وفي الجوهرة: إذا جرحه جراحة لا يعيش معها وجرحه آخر أخرى فالقاتل هو الأول وهذا إذا

123
كانت الجراحتان على التعاقب، فلو معا فهما قاتلان اه‍. زاد في الخلاصة: وكذا لو جرحه رجل عشر
جراحات والآخر واحدة فكلاهما قاتلان، لان المرء قد يموت بواحدة ويسلم من الكثير.
وفي القهستاني عن الخانية: لو قتلا رجلا أحدهما بعصا والآخر بحديد عمدا لا قصاص،
وعليهما الدية مناصفة.
وفي حاشية أبو السعود: ولو جرح جراحات متعاقبة ومات ولم يعلم المثخن منها وغير المثخن
ويقتص من الجميع لتعذر الوقوف على المثخن وغيره كما في فتاوى أبي السعود: أي مفتي الروم، وأما
إذا وقف على المثخن وغيره لا يكون إلا قبل موته فالقصاص على الذي جرح جرحا مهلكا كما في
الخلاصة والبزازية اه‍. قوله: (لأنه غير متجزئ) واشترك الجماعة فيما لا يتجزأ يوجب التكامل في
حق كل واحد منهم، فيضاف إلى كل واحد منهم كملا كأنه ليس معه غيره كولاية الانكاح. زيلعي.
وذكر أنه ثبت بإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قوله: (بخلاف الأطراف) فإن القطع فيها يتجزأ
فلا تقطع الجماعة بقطع الواحد كما سيجئ قريبا. قوله: (وإلا لا) شامل لما إذا جرح البعض جرحا
مهلكا والبعض جرحا غير مهلك ومات، فالقود على ذي الجرح المهلك وعلى الباقين التعزير، وهل
يجب عليهم شئ غير التعزير؟ يحرر. وشامل لما إذا جرح كل جرحا غير مهلك. أفاده ط. وأقول:
الظاهر في الثانية وجوب الدية عليهم لو عمدا، أو على عاقلتهم لو غير عمد. تأمل. قوله: (نظارة)
بفتح النون وتشديد الظاء المعجمة. قال في القاموس: القوم ينظرون إلى الشئ. قوله: (أو مغرين)
من الاغراء: أي حاملين له على قتله. قوله: (فلا قود عليهم) أي ولا دية ط. بخلاف ما إذا قطع
الطريق واحد واستعد الباقون لمعاونته حيث يجري حد قطاع الطريق على جميعهم. أبو السعود عن
الشيخ حميد الدين. قوله: (بلام العهد) أي الجمع المعهود في ذهن الفقيه، وهو الجمع الذي لم يكن
معه من لا يجب عليه القود كما مر بيانه ويأتي قريبا.
تتمة: عفا الولي عن أحد القاتلين أو صالحه لم يكن له أن يقتص غيره كما في جواهر الفقه
وغيره، لكن في قاضيخان وغيره أن له اقتصاصه. قهستاني.
قلت: وبالثاني أفتى الرملي كما أو الجنايات من فتاواه. قوله: (خلافا للشافعي) حيث
قال: يقتل بالأول منهم إن قتلهم على التعاقب، ويقضي بالدية لمن بعده في تركته، وإن قتلهم جميعا
معا أو لم يعرف الأول منهم يقرع بينهم ويقضي بالقود لمن خرجت له القرعة وبالدية للباقين، وقيل
لهم جميعا معا وتقسم الديات بينهم. منح. قوله: (كما مر) أي قريبا. قوله: (بأن أخذ الخ) قيد به، لأنه

124
لو أمر أحدهما السكين من جانب والآخر من جانب آخر حتى التقى السكينان في الوسط وبانت اليد
لا يجب القود على واحد منهما اتفاقا، إذ لم يوجد من كل منهما إمرار السلاح إلا على بعض العضو.
زيلعي. قوله: عندنا وعند الشافعي: تقطع يداهما اعتبارا بالأنفس. قوله: (لانعدام المماثلة الخ) بيانه
أن كل واحد منهما قاطع للبعض، لان ما قطع بقوة أحدهما لم ينقطع بقوة الآخر فلا يجوز أن يقطع
الكل بالبعض ولا الثنتان بالواحدة لانعدام المساواة، فصار كما إذا أمر كل واحد من جانب. زيلعي.
وانظر ما في المنح. قوله: (والقيمة) أي الدية. قوله: (بخلاف النفس الخ) ولهذا لا تقطع الصحيحة
بالشلاء، ولا يد الحر بعبد أو امرأة، وتقتل النفس السالمة عن العيوب بقتل المعيبة، وكذا الاثنان
بالواحد فلا يصح القياس على النفس. قوله: (يميني رجلين) قيد به، لأنه إذا قطع يمين رجل ويسار
آخر تقطع يداه لهما جميعا، وكذلك لو قطعهما من رجل واحد لعدم التضايق ووجود المماثلة. إتقاني.
قوله: (فلهما قطع يمينه الخ) سواء قطعهما معا أو على التعاقب. وقال الشافعي: في التعاقب يقطع
بالأول، وفي القران يقرع. هداية. قوله: (أي على القاطع) أي قاطع الرجلين. قوله: (نصف الدية)
خمسة آلاف درهم وهي دية اليد الواحدة. إتقاني. فالمراد نصف دية النفس. قوله: (لما مر الخ) أي
قريبا، وأراد بيان الفرق بين الأطراف وبين النفس، فإنه لو قتل لمن حضر سقط حق من غاب، وذلك
أن الأطراف في حكم الأموال والقود ثابت لكل على الكمال، فإذا استوفى أحدهما تمام حقه بقي حق
الآخر في تمام دية اليد الواحدة، وإنما كان للحاضر الاستيفاء لثبوت حقه بيقين وحق الآخر متردد
لاحتمال أن لا يطلب أو يعفو مجانا أو صلحا كما في الدرر. قوله: (ولو قضى بالقصاص بينهما) أي
وبدية اليد. قوله: (وعند محمد له الأرش) أي دية يد كلها وللعافي نصفها. مجمع. قال شارحه: لان
القصاص والأرش كان مشتركا بينهما بالقضاء، فلما أسقط أحدهما حقه في نصف القصاص بالعفو
انقلب نصيب الآخر مالا، فيستوفي العافي نصف الأرش الذي كان مشتركا بينهما وغير العافي تمام
الأرش، نصفه من المشترك ونصفه من المنقلب مالا اه‍ قال: وذكر في البرهان أنه الاستحسان
وجعل قولهما قياسا، وظاهره أن المعتمد قول محمد اه‍.
قلت: وظاهر الشروح ترجيح قولهما، وعليه اقتصر الإتقاني نقلا عن شرح الكافي ومختصر
الكرخي معللا بأن حق كل ثبت في جميع اليد، وإنما ينتقص بالمزاحمة، فإذا زالت بالعفو بقي حق
الآخر بحاله كالغريمين والشفيعين. قوله: (ويقاد عبد أقر بقتل عمد) لأنه غير متهم فيه لأنه مضر به
فيقبل، لأنه مبقي على أصل الحرية في حق الدم عملا بالآدمية، حتى لا يصح إقرار المولى عليه
بالحدود والقصاص وبطلان حق المولى بطريق الضمن فلا يبالي به. هداية. قوله: (وظاهر كلام

125
الزيلعي) حيث قال: بخلاف الاقرار بالمال لأنه إقرار على المولى بإبطال حقه قصدا، لان موجبه بيع
العبد أو الاستسعاء، وكذا إقراره بالقتل خطأ لان موجبه دفع العبد أو الفداء على المولى، ولا يجب على
العبد شئ ولا يصح سواء كان محجورا عليه أو مأذونا له في التجارة لأنه ليس من باب التجارة
فيكون باطلا اه‍. قوله: (يعني لا في حقه الخ) الأولى حذف لا في الموضعين ط. قوله: (معللا)
أي الزيلعي لا صاحب الأشباه فإنه لم يذكر تعليلا. لأنه قال: وكذا إقراره بجناية موجبة للدفع أو
الفداء غير صحيح بخلافه بحد أو قود اه‍. اللهم إلا أن يقال: وصفه الجناية بقوله: (موجبه الخ) في
معنى التعليل. قوله: (فتأمله) يشير إلى أن ما فهمه المصنف من كلام الزيلعي غير ظاهر، لان مفاد
التعليل بطلان الاقرار بطلان الاقرار في حالة الرقية، إذ لا يتأتى إلزام المولى بالدفع أو الفداء بعد العتق، فيطالب به
العبد إذا عتق لعدم وجود العلة، فافهم. ويدل على ذلك تعليل الزيلعي أيضا لبطلان الاقرار بالمال بأنه
إقرار على المولى ولا يكون ذلك بعد العتق. ولا شبهة أن إقرار العبد المحجور بالمال مؤخر إلى ما بعد
العتق، إذ لا ضرر بالمولى بعده، ولذا قال العلامة الرملي: إن ما في الجوهرة هو محمل كلام الزيلعي
والأشباه بلا اشتباه اه‍.
قلت: لكن سيذكر الشارح في باب جناية الملوك نقلا عن البدائع أن الخطأ إنما يثبت بالبينة
وإقرار المولى لا بإقراره أصلا، وقدمنا في كتاب الحجر عن الجوهرة قولين في المسألة، ويأتي تمام بيانه
إن شاء الله تعالى فتنبه. قوله: (لكن علله القهستاني الخ) أي علل عدم جواز إقراره العبد بالخطأ،
والمراد بالعاقلة المولى لأنهم يطلقون عليه أنه عاقلة عبده، وحيث أطلق عليه عاقلة فلا يصح إقرار العبد
عليه، ثم إن كلام القهستاني لا يفيد أن العبد لا يؤخذ بذلك بعد عتقه، خلافا لما أفاده كلام الزيلعي
بناء على ما فهمه المصنف من أن إقراره باطل أصلا، وبه ظهر وجه الاستدراك، فافهم. قوله: (فتدبره)
أي فإنه تعليل صحيح موافق للحديث المجمع على العمل بمقتضاه، فإن العواقل إذا كانت لا تعقل
عبدا ولا اعترافا لم يجز إقرار العبد هنا ما لم يصدقه المولى، إذ لو جاز إقراره لزم عقل العبد
والاعتراف، وهذا ما ظهر لي في تقرير هذا المحل، فتأمل. وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب المعاقل
بيان معنى الحديث. قوله: (لأنه خطأ) لأنه لم يقصده بالرمي حيث قصد غيره ولكنه أصابه بالنفاذ من
الأول، وهو أحد نوعي الخطأ وهو الخطأ في القصد، فصار كمن قصد صيدا فأصاب آدميا فوجبت
الدية على عاقلته، إتقاني. ومفاده أنه لو قصدهما معا كان الثاني عمدا أيضا، وهو ظاهر. قوله: (بحضرة

126
جماعة) منهم الثوري وابن أبي ليلى وشريك بن عبد الله. منح. قوله: (لو كثروا) أي الدافعون. قوله:
(فعلى الدافع الدية) أي على الدافع الأخير الدية. قال الرملي: وتتحملها العاقلة كما هو ظاهر. تأمل ا
ه‍. قوله: (وهذه من مناقبه) فإن فقهاء زمانه أخطأوا فيها. منح. قوله: (فلدغت رجلا) بالمهملة
فالمعجمة، يقال لدغته العقرب والحبة كمنح لدغا وتلداغا، ويقال لذعته النار بالذال المعجمة والعين
المهملة كما في القاموس، وأما بالمعجمتين كما في بعض النسخ فلم أره. قوله: (ضمن) مقتضى جواب
أبي حنيفة في المسألة السابقة أن تقيد هذه باللدغ فورا، أما إذا مكثت ساعة بعد الالقاء ثم لسعت لا
يضمن، فتدبره ط.
قلت: وهو المستفاد من قولهم: فلدغت حيث عبروا بالفاء، ولكن هذا ظاهر فيما لو ألقاها
على رجل، فلو في الطريق فقد قال في الخانية: أي ألقى حية في الطريق فهو ضامن لما أصابت حتى
تزول عن ذلك المكان اه‍. قوله: (فديته على رب السيف) أي على عاقلته كحافر البئر. تأمل. قوله:
(وقيمته على العائر) زاد في التتارخانية بعده فقال: وإن عثر بالسيف ثم وقع عليه فانكسر ومات الرجل
ضمن صاحب السيف دية العائر، ولا يضمن العائر شيئا اه‍. وفيها: عثر ماش بنائم في الطريق
فانكسر أصابعهما فماتا فعلى عاقلة كل ما أصاب الآخر. قوله: (إن أشهد عليه ضمن) والواجب في
الدماء على العاقلة، وفي الأموال على المالك خاصة كما سيأتي في الحائط المائل. رملي. قوله: (وقال
في البدائع الخ) قال في المنح بعده: قلت: وبه جزم في البزازية، ولم يحك خلافا ولا أشعر به اه‍.
أقول: الذي في البزازية: له كلب عقور كلما مر عليه مار عضه لأهل القرية أن يقتلوه، وإن
عض إنسانا فقتله: فإن قبل التقدم إليه فلا ضمان، وإن بعده عليه الضمان كالحائط قبل الاشهاد
وبعده، وفي المنية في مسألة نطح الثور: يضمن بعد الاشهاد النفس والمال اه‍. فأين الجزم به. وقال
في البزازية قبل هذا أدخل بقرا نطوحا في سرح إنسان فنطح جحشا لا يضمن اه‍. فإن كان توهم
من هذا الجزم فهو توهم ساقط، لان وضعه فيما لم يشهد عليه كما هو ظاهر. رملي. وسيأتي تمام ذلك
في آخر جناية البهيمة إن شاء الله تعالى، ومحل ذكره هذه المسألة هناك. قوله: (وله منها ولد) أي فإن

127
القصاص يسقط عن الوالد كما قدمه المصنف في قوله ويسقط قود ورثه على أبيه فلذا سقط عن
الشريك. قوله: (وكعامد مع مخطئ) أو مع من كان فعله شبه عمد كضرب بعصا كما سبق. قوله:
(فرأى رجلا مع امرأته) أو امرأة رجل أخر يزني بها. خانية. قوله: (حل له) قيده في الخانية بما إذا
كان محصنا وبما إذا صاح فلم يمتنع عن الزنا، وفي القيد الأول كلام، فقد رده ابن وهبان بأن ذلك
ليس من الحد بل من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال في النهر: وهو حسن، فإن هذا المنكر
حيث تعين القتل طريقا في إزالته فلا معنى لاشتراط الاحصان فيه، ولذا أطلقه البزازي اه‍. قوله:
(وقد حققناه في باب التعزير) أي في أوله. وذكر فيه أيضا أن المرأة لو كانت مطاوعة قتلهما، وأنه لو
أكرهها فلها قتله ودمه هدر، وكذا الغلام اه‍. أي إن لم يمكن التخلص منه بدون قتله. قوله: (وكذا
لو أعطى صبيا عصا أو سلاحا) أي ليمسكه له ولم يأمره بشئ فعطب الصبي بذلك منح، قال في
التتارخانية: لم يرد بقوله عطب أنه قتل نفسه فإنه لا ضمان على المعطي، وإنما أراد أنه سقط من يده على
بعض بدنه فعطب به اه‍. وفي الخلاصة: دفع السلاح إلى الصبي فقتل نفسه أو غيره لا يضمن الدافع
بالاجماع. قوله: (فمات) أي في هذا العمل. وفي الخلاصة: ولو أمر عبد الغير بكسر الحطب أو
بعمل آخر ضمن ما تولد منه ط. قوله: (فقولان) والمختار الضمان أيضا. تتارخانية. قوله: (صبي
على حائط الخ) قيد بالصبي لان الكبير إذا صاح به شخص لا يضمن كما يفيده كلامهم هنا وفي
مواضع أخر، لكن في التتارخانية صاح على آخر فجأة فمات من صيحته تجب فيه الدية اه‍. فيحمل
الأول على ما إذا لم يكن فجأة أو اختلاف الرواية. وفي مجمع الفتاوى: لو غير صورته وخوف صبيا
فجن يضمن اه‍. رملي ملخصا. قوله: (ضمن) كما لو قال: الق نفسك في الماء أو في النار وفعل
فهناك يضمن، وكذا هنا. تتارخانية، والله تعالى أعلم.
فصل في الفعلين
أخره لأنه بمنزلة المركب من المفرد. قوله: (ولو كانا عمدين) الصواب إسقاط الواو لتكون (لو)

128
شرطية لأنها مع الواو تكون وصيلة فتفيد أنه يؤخذ بالامرين في جميع الصور فيناقض قوله: إلا في
الخطأين تأمل. قوله: (فيؤخذ بالامرين في الكل) قال في الكفاية: اعلم أنه لا يخلو القطع والقتل
من أن يتخلل بينهما برء أو لا، فإن تخلل يعتبر كل فعلا، ويؤخذ بموجبهما، لان الموجب الأول تقرر
بالبرء فلا يدخل أحدهما في الآخر حتى لو كانا عمدين فللولي القطع والقتل، ولو خطأين يجب دية
ونصف دية، ولو القطع عمدا والقتل خطأ ففي اليد القود وفي النفس الدية، ولو بالعكس ففي اليد
نصف الدية وفي النفس القود، وإن لم يتخلل برء فلو أحدهما عمدا والآخر خطأ اعتبر كل على حدة،
ففي الخطأ الدية، وفي العمد القود، ولو خطأين فالكل جناية واحدة اتفاقا فتجب دية واحدة، ولو
عمدين، فعندهما: يقتل ولا يقطع. وعنده: إن شاء الولي قطع وقتل، وإن شاء قتل، ولا يعتبر اتحاد
المجلس وهو الظاهر. وروي عن نصر بن سلام أنه كان يقول: الخلاف فيما إذا قطع يده في مجلس
وقتله في آخر، فلو في مجلس واحد يقتل ولا يقطع عندهم اه‍ ملخصا. قوله: (إلا في الخطأين)
استثناء من قوله أخذ بالامرين. طوري. قوله: (فتجب فيهما دية واحدة) أي دية القتل، لان دية
القطع إنما تجب عند استحكام أثر الفعل وهو أن يعلم عدم السراية. وتمامه في ابن كمال. قوله:
(صار ثمانية) وكل منها إما من شخص واحد أو من شخصين صار ستة عشر، فإن كانا من شخصين
يفعل بكل واحد منهما موجب فعله من القصاص وأخذ الأرش مطلقا، لان التداخل إنما يكون عند
اتحاد المحلل لا غير. عناية. قوله: (فبرئ من تسعين الخ) هذا إذا شرب عشرة في موضع وتسعين في
موضع آخر فبرئ التسعين وسرى موضع العشرة، وإلا لا يمكن الفرق بين سراية العشرة وبرء
التسعين. معراج. قوله: (وعن أبي يوسف في مثله حكومة عدل) أي مع الدية. رملي. قوله: (وتجب
حكومة عدل) تفسيرها أنه لو كان عبدا مجروحا بهذا كما قيمته وبدون الجراحة كم قيمته، فيضمن
التفاوت الذي بينهما في الحر من الدية وفي العبد من القيمة. كفاية. قوله: (مع دية النفس) فيه أن
المسألة معروضة فيما إذا بقي أثر الجراحة ولا يكون ذلك إلا بعد البرء، ولذا قيد المسألة في الملتقى
بقوله: ولم يمت. قوله: (فعجز المجروح عن الكسب) أي مدة الجرح. وانظر ما لو عجز عن الكسب

129
أصلا. والظاهر أنه بعد الحكم بموجبه من الأرش أو حكومة العدل لا يجب شئ ط. قوله: (جاء
بعوان) المراد به الواحد من أتباع الظلمة، والأولى التعبير بالعون فإنه كما في القاموس الظهير للواحد
والجمع والمؤنث ويكسر أعوانا اه‍. لأنه يظاهر الظالم ويعينه. وفي البزازية: أفتوا بأن قتل الأعونة
والسعاة جائز في أيام الفتنة. ط ملخصا. قوله: (والظاهر أنه) أي أن ما في جواهر الفتاوى مفرع على
قول محمد: أي على ما روي عن محمد، كما تقدم من أن الجراحة التي لم يبق لها أثر تجب فيها أجرة
الطبيب وثمن الأدوية، أفاده الرملي، فافهم.
هذا، وفي الفتاوى النعمية لشيخ مشايخنا السائحاني: إذا ضرب يد غيره فكسرها وعجز عن
الكسب فعلى الضارب المداواة والنفقة إلى أن يبرأ، وإذا برئ وتعطلت يده وشلت وجبت ديتها،
والظاهر أنه يحسب المصروف من الدية اه‍.
وفيها: المجروح إذا صح وزال الأثر فعلى الجارح ما لحقه من أجرة الطبيب وثمن الأدوية، وهو
قولهما والاستحسان. ذكره الصدر اه‍ ملخصا. تأمل. ويأتي تمامه في الشجاج إن شاء الله تعالى.
قوله: (وقدمنا) أي في الباب السابق. قوله: (نحوه) أي نحو ما عن محمد. قوله: (وسنحققه في
الشجاج) أي في آخر بابها، وحاصله أن قول أبي يوسف: عليه أرش الألم، هو المراد من قول محمد
المتقدم. قوله: (ومن قطع الخ) بالبناء للمجهول.
وحاصله: أن العفو إما عن عمد أو خطأ، وعلى كل فإما عن القطع وحده أو عن الجناية أو عن
القطع وما يحدث منه: فإن كانت الجناية عمدا وعفا عن القطع لا يكون عفوا عن السراية خلافا لهما،
وإن عفا عن الجناية أو عن القطع وما يحدث منه يبرأ عن القطع والسراية، وإذا كانت خطأ فعفا عن
القطع ثم سرى فعلى الخلاف، ول عفا عن القطع وما يحدث منه أو عن الجناية صح عن الكل،
والعمد من جميع المال، والخطأ من الثلث. قوله: (بدليل ما يأتي) حيث فصل في المسألة الآتية بين
العمد والخطأ وأطلق هنا. قوله: (لكن في القهستاني الخ) استدراك على الاطلاق، فإنه يفيد اشتراك
العمد والخطأ في جميع أحكام القطع مع أنه سيأتي أن الدية تجب في مال القاطع فيتعين كون المراد
العمد فقط، لان الصواب أن الدية في الخطأ على العاقلة. وأجاب في الكفاية بأن قوله: في ماله، بيان
لاحد النوعين: أي عليه الدية في ماله إن كان عمدا اه‍. ولكن المصنف لم يقيد بقوله في ماله، فلا
يرد عليه ذلك. قوله: (وكذا لو شج) مستغنى عنه بقول المصنف الآتي والشجة مثله ط. قوله:
(فعفا عن قطعه الخ) أي ولم يقل وما يحدث منه ولم يقل عن الجناية. قوله: (ضمن قاطعه) وكذا شاجه
أو جارحه. قوله: (في ماله) لان العاقلة لا تتحمل العمد. قوله: (خلافا لهما) حيث قالا: هو عفو

130
عن النفس أيضا لأنه يراد به العفو عن موجبه. قوله: (وهو غير القتل) وكان ينبغي أن يجب القصاص
وهو القياس لأنه هو الموجب للعمد، إلا أن في الاستحسان: تجب الدية لان صورة العفو أورثت شبهة
وهي دارئة للقود. هداية. قوله: (ولو عفا عن الجناية) أي الواقعة عمدا أو خطأ، سواء ذكر معها ما
يحدث منها أو لم يذكر. قهستاني. قوله: (فهو عفو عن النفس) لان الجناية تشمل الساري منها وغيره،
وعفوه عن القطع وما يحدث منه صريح في ذلك، بخلاف القطع وحده فإنه غير القتل كما قدمه فلا
يشمل الساري. قوله: (فلا يضمن شيئا) أي من الدية. وهذا ظاهر في العمد، وكذا في الخطأ لو خرج
من الثلث، وإلا فعلى عاقلته بقدره كما أفاده في الشرنبلالية، قوله: (فالخطأ الخ) أي العفو في الخطأ
يعتبر من الثلث، قال في المحيط: ويكون هذا وصية للعاقلة سواء كان القاتل واحدا منهم أو لا، لان
الوصية للقاتل إذا لم تصح للقاتل تصح للعاقلة كمن أوصى لحي وميت فالوصية كلها للحي اه‍. وبه
ظهر فساد ما اعترض من أن الوصية للقاتل لا تصح وبأنه كواحد من العاقلة فكيف جازت بجميع
الثلث، فتأمل. طوري. قوله: (من ثلث ماله) لان الخطأ موجبه المال ويتعلق به حق الورثة فيعتبر من
الثلث. هداية. قوله: (وإلا فعلى العاقلة ثلثا الدية) أي إن لم يكن للعافي مال غيرها، فإن كان
فبحسابه، فلو قال: وإلا فعلى العاقلة بقدره لكان أخصر وأظهر. قوله: (ومفاده) أي مفاد اعتبار العفو
من الثلث أن العافي لو كان صحيحا: أي في حكم الصحيح بأن لم يصر صاحب فراش، وفسره في
التتارخانية بأن كان يخرج ويجئ ويذهب بعد الجناية لا يعتبر من الثلث بل يعتبر من جميع المال، وهذا
قول بعض المشايخ. قال في التتارخانية: وذكر في المنتقى أنه من الثلث. قوله: (والعمد من كله)
اعترض بأن الموجب هنا هو القود وهو ليس بمال، فلا وجه للقول بأنه من كل المال اه‍.
وقد يجاب بأن القود هنا سقط بالعفو، لكن لما كان للعافي أن يصالح على الدية كان مظنة أن
يتوهم أن في عفوه إبطالا لحق الورثة فيها فقال: إنه من جميع المال، لان الموجب الأصلي هو القود،
وحقهم إنما يتعلق بالمال، تأمل. قوله: (والشجة مثله) وكذا الجراحة كما قدمه، فالعفو عن الشجة أو
الجراحة كالعفو عن القطع في ضمان الدية بالسراية خلافا لهما، والعفو عنهما مع ما يحدث منهما
كالعفو عن القطع وما يحدث منه. قوله: (قطعت امرأة الخ) هذه المسألة مفرعة على المسألة السابقة كما
في التتارخانية. قوله: (لما يأتي) أي من بيان حكم العمد والخطأ. قوله: (فلو أطلق) أي لم يقيد بالعمد
كما فعل في المسألة السابقة. قوله: (على يده) أي موجب يده. معراج. قوله: (من السراية) أي سراية
القطع إلى الهلاك، وقيد به ليشمل ما إذا لم يمت أصلا أو مات من غيره. قوله: (فمهرها الأرش)

131
وهو خمسة آلاف درهم. كفاية. قوله: (ولو عمدا) وسواء تزوجها على القطع أو على القطع وما يحدث
منه أو على الجناية لأنه لما برئ تبين أن موجبها الأرش دون القصاص، لان القصاص لا يجري في
الأطراف بين الرجل والمرأة والأرش يصلح صداقا. كفاية. قوله: (عند أبي حنيفة) أصله ما مر في
المسألة المتقدمة أن العفو عن القتل أو الشجة أو اليد إذا سرى إلى النفس ليس بعفو عن النفس عنده،
وعندهما عفو عنها. إتقاني. فعندهما الحكم هنا كالحكم الآتي فيما إذا نكحها على اليد وما يحدث منها.
قوله: (إن تعمدت) قيد لقوله: والدية في مالها أما وجوب مهر المثل فهو مطلق، لان القطع إن كان
عمدا يكون تزوجا على القصاص في الطرف وهو ليس بمال فلا يصلح مهرا فيجب لها مهر المثل.
لا يقال: القصاص لا يجري بين الرجل والمرأة في الطرف فكيف يكون تزوجا عليه؟ لأنا
نقول (1): الموجب الأصلي للعمد القصاص، وإنما سقط للتعذر، ثم عليها الدية في مالها لان التزوج
وإن كان يتضمن العفو لكن عن القصاص في الطرف، وإذا سرى يتبين أنه قتل النفس ولم يتناوله العفو
فتجب الدية في مالها لأنه عمد، وإن كان القطع خطأ يكون هذا تزوجا على أرش اليد، وإذا سرى إلى
النفس تبين أن لا أرش لليد وأن المسمى معدوم فيجب مهر المثل. ابن كمال. قوله: (وإلا ترادا
الفضل) أي إن كان في الدية فضل تدره على الورثة، وإن كان في المهر فضل يرده الورثة عليها. ابن
كمال. قوله: (والدية على العاقلة في الخطأ) أي والمهر للمرأة، وإنما تكون المقاصة إذا اتحدت الذمة في
الوجوب لها وعليها كما في العمد. إتقاني. قوله: (لكنه الخ) هو للشرنبلالي في حاشية الدرر.
وحاصله: أن وجوب الدية على القاتل في الخطأ إنما هو في العجم: أي من لا عاقلة له، فلا
تجب على القاتل مطلقا، وهذا مراد صاحب الدرر، وإنما لم يقيد بالعجم إحالة إلى محله: أي اعتمادا
على ذكره في محله.
وأقول: فيه نظر، بل مراد صاحب الدرر أنها على القاتل مطلقا، يوضحه ما في الكفاية حيث
قال:
مطلب الصحيح أن الوجوب على القاتل ثم تتحمله العاقلة
لا يقال: إن الصحيح أنه يجب على القاتل ثم تتحمل العاقلة فيكون أصل الوجوب على



(1) قوه: (لأنا نقول الخ) مقتضى هذا التعليل وجوب مهر المثل إذا لم يمت، وقد ذكر الشارح أن مهرها الأرش.
فالصواب أن يقال، لأنه بالسراية تين أن موجب هذا القطع القصاص في النفس وهو يجري بينهما فقد سمي ما ليس
بمال فيصار إلى مهر المثل اه‍.
132
القاتل، واعتبار هذا يوجب جواز المقاصة. لأنا نقول: عند البعض يجب على العاقلة ابتداء وعند
بعضهم تتحمله العاقلة عن القاتل بطريق الحوالة والحوالة توجب البراءة فلا تقع المقاصة ا ه‍. تأمل.
قوله: (ثم مات منه) أي من القطع. قوله: (مهر المثل) لأنه نكاح على القصاص لما قدمناه أنه الموجب
الأصلي في العمد، والقصاص ليس بمال فيجب مهر المثل كما إذ نكحها على خمر أو خنزير. قوله:
(لرضاه بالسقوط) لأنه لما جعل القصاص مهرا فقد رضي بسقوطه لجهة المهر فيسقط أصلا. ابن كمال.
قوله: (ولو خطأ رفع عن العاقلة مهر مثلها الخ) لان التزوج على اليد وما يحدث منها أو على الجناية
تزوج على موجبها، وموجبها الدية هنا وهي تصلح مهرا فصحت التسمية، إلا أن قدر مهر مثلها يعتبر
من جميع المال لأنه ليس فيه محاباة، والمريض لا يحجر عليه في التزوج لأنه من الحوائج الأصلية فيسقط
قدر مهر المثل من جميع المال، وما زاد على ذلك من الثلث لأنه تبرع، والدية تجب على عاقلتها وقد
صارت مهرا فسقط كلها عنهم إن كان مهر مثلها مثل الدية أو أكثر، ولا ترجع عليهم بشئ لأنهم
كانوا يتحملون عنها بسبب جنايتها، فإذا صار ذلك ملكا لها سقط عنهم قدر مهر مثلها لما ذكرناه، وما
زاد على ذلك ينظر، فإن خرج من الثلث سقط عنهم قدر الثلث وأدوا الزيادة إلى الولي، لان الوصية لا
نفاذ لها إلا من الثلث اه‍. زيلعي.
قلت: ووجه كونه وصية للعاقلة أنه قد أسقط الدية بمقابلة المهر والدية في الخطأ على العاقلة
فيكون قد أسقط لهم ما زاد على المهر تبرعا، فافهم. قوله: (لسرايته) أي لسراية القطع الأول إلى
القتل، واستيفاء القطع لا يسقط القود كمن له القود في النفس إذا قطع يد القاتل. قوله: (لأنه لما أقدم
الخ) جوابه: إنه إنما أقدم على القطع ظنا منه أن حقه فيه، وبعد السراية تبين أن حقه في القود فلم
يكن مبرئا عنه بدون العلم به كما في الهداية. واستشكله ابن الكمال بما حاصله أنهم في المسألة المارة وهي ما إذا قطع فعفا عن القطع فمات
عللوا سقوط القصاص بأن صورة العفو تكفي في سقوطه لأنها تورث شبهة، ولم يلتفتوا إلى أنه لا
يكون مبرئا عنه بدون العلم به فأوجبوا الدية. قال الرحمتي: ويجاب بالفرق بأن العافي عن القطع ظهر
منه الميل إلى العفو، بخلاف هذا فإنه استوفى ما ظهر له أنه واجب له فلم توجد منه صورة العفو.
قوله: (يفيد تقوية قول أبي يوسف) فيه أنه لا يعارض ما عليه المتون والشروح ط. على أنك سمعت
الجواب عنه. قوله: (ولو مات المقتص منه) مقابل قوله: فمات المقطوع الأول. قوله: (فديته على
عاقلة المقتص له) لان حقه في القطع وقد قتل. قال الإتقاني: ولكن الدية على العاقلة لأنه في معنى
الخطأ، لأنه أراد استيفاء حقه من القطع ولم يرد القتل. قوله: (خلافا لهما) فعندهما: لا يضمن شيئا

133
لأنه استوفى حقه وهو القطع، ولا يمكن التقييد بوصف السلامة لما فيه من سد باب القصاص، إذ
الاحتراز عن السراية ليس في وسعه. ابن كمال. قوله: (بلا حكم الحاكم) ظاهره أنه لو استوفاه بنفسه
بعد حكم الحاكم لا يضمن. فتأمل. قوله: (وأما الحاكم الخ) أي إذا قطع يد السارق فمات: وهذه
المسائل استشهد بها الامامان لقولهما: فإنه لا ضمان فيها، فنبه الشارح على الفرق بأن إقامة الحدود
واجبة على الامام، وكذا فعل الحجام ونحوه واجب بالعقد، فلا يتقيد بالسلامة، وفي مسألتنا الولي
مخير بل العفو مندوب إليه فيتقيد بها للأصل المذكور. قوله: (والبزاغ) أي البيطار. قوله: (والمباح يتقيد
به) استثنى منه ما إذا وطئ زوجته فأفضاها أو ماتت، فلا ضمان عليه مع كونه مباحا لكون الوطئ
أخذ موجبه وهو المهر، فلا يجب به آخر: أي ضمان آخر. أشباه ط. ويأتي تمامه. قوله: (ومنه) أي
من المباح، وهذا على قول الإمام. ويأتي تمامه قريبا. قوله: (ومن الأول) أي الواجب قال الشارح في
باب التعزير: وفي القنية له إكراه طفله على تعلم قرآن وأدب وعلم لفرضيته على الوالدين، وله ضرب
اليتيم فيما يضرب ولده اه‍. وأفاد أن الام كالأب في التعليم بخلاف التأديب كما يأتي. قوله: (بإذن
الأب) أي أو بإذن الوصي ولو ضرب بغير إذنهما يضمن كما يأتي ط: (تعليما) علة لقوله
: ضرب. قوله: (مقيد) أي بوصف السلامة. قوله: (ومحله في الضرب المعتاد) أي كما وكيفا ومحلا،
فلو ضربه على الوجه أو على المذاكير، يجب الضمان بلا خوف ولو سوطا واحدا لأنه إتلاف. أبو
السعود عن تلخيص الكبرى ط. قوله: (من ضرب أبيه أو وصيه) قيد بهما، لان الام إذا ضربت
للتأديب تضمن اتفاقا، وبقوله: تأديبا إذ لو ضربه كل منهما للتعليم لا يضمن اتفاقا اه‍. غرر
الأفكار. قوله: (وإن الضرب بإذنهما) أي إذن الأب والمولى، وكذا الوصي، ومفاده أنهما لو ضرباه
بنفسهما لا ضمان أيضا اتفاقا، وقدمناه آنفا. لكن في الخانية: ضرب ولده الصغير في تعليم القرآن
ومات، قال أبو حنيفة: يضمن الدية، ولا يرثه، وقال أبو يوسف: يرثه ولا يضمن، وإن ضربه المعلم
بإذن الوالد لا يضمن المعلم اه‍. وفي الولوالجية: ضرب ابنه في أدب أو الوصي ضرب اليتيم فمات
يضمن عنده، وكذا إن ضربه المعلم بلا إذنهم ضمن، وإن بإذن فلا، لان الأب والوصي مأذونان في
التأديب بشرط السلامة لأنهما يملكان التصرف في نفسه وماله لو خبرا له أما المعلم إنما أدبه بإذنهم

134
والاذن منهم، وجد مطلقا لا مقيدا اه‍، وظاهره أنه لا فرق عند أبي حنيفة في ضمان الأب في التأديب
والتعليم، والظاهر أنه رواية أخرى. تأمل. قوله: (قيل هذا) أي قول الإمام بعدم ضمان المعلم بالاذن
من الأب، وفيه أن الخلاف في ضرب التأديب، والكلام هنا في شرب التعليم، وهو واجب لا يتقيد
بالسلامة، ولا خلاف فيه. أفاده ط.
أقول: وفي حاشية الشرف الغزي عن الصغرى: قال أبو سليمان: إذا ضرب ابنه على تعليم القرآن
أو الأدب فمات ضمن عنده لا عند أبي يوسف اه‍. وقدمنا آنفا عن الخانية مثله، وعليه يظهر الرجوع
ولا يحتاج إلى الفرق الذي ذكرناه عن الولوالجية، وتقدم في كتاب الاجارات عند قوله (وضمن بضربها
وكبحها) عن غاية البيان أن الأصح رجوعه إلى قولهما، وكذا نقله البيري عن كفاية المجيب، فتدبر.
قوله: (لان تأديبها للولي) هذا التعليل غير ظاهر، لان مفاده أن الولي لا يضمن مع أن الأب يضمن
يضرب ابنه تأديبا على ما مر، والأظهر قول البيري: لأنه لنفع نفسه، بخلاف تعزير القاضي فإنه لنفع
المضروب اه‍. وتقدم في باب التعزير ما للزوج ضربها عليه. قوله: (وهو) أي ما في المتن مذكور في
الأشباه وغيرها مطلقا، وقوله: كما قدمناه أي ضمن قوله. وتمامه في الأشباه. وإلا لم يقدمه
صريحا، والمراد أنه مذكور في الأشباه وغيرها مطلقا عن ذكر الخلاف كما قدمناه في المتن، فإن عبارة
المتن تفيد أن الزوج يضمن اتفاقا، وبه صرح ابن ملك وغيره، وعليه فقوله: (وفي ديات المجتبى الخ)
كالاستدراك عليه، تأمل. قوله: (وتمامه ثمة) قال فيه: ولو ضرب ابنه الصغير تأديبا إن ضربه حيث لا
يضرب للتأديب، أو فوق ما يضرب للتأديب فعطب فعليه الدية والكفارة، وإذا ضربه حيث يضرب
للتأديب، ومثل ما يضرب فكذلك عند أبي حنيفة، وقالا: لا شئ عليه، وقيل: رجع إلى قولهما،
وعلى هذا التفصيل، والخلاف الوصي والزوج إذا ضرب اليتيم أو زوجته تأديبا، وكذا المعلم إذا ضرب
الصبي بإذن الأب أو الوصي لتعليم القرآن أو عمل آخر مثل ما يضرب فيه لا يضمن هو ولا الأب
ولا الوصي بالاجماع. فأبو حنيفة أوجب الدية والكفارة على الأب، ولم يوجبها على المعلم إذا كان
بإذنه، وقيل: هذا رجوع من أبي حنيفة إلى قولهما في حق الأب، ولو ضرب المعلم بدون إذنه فمات
يضمن، والوالدة إذا ضربت ولدها تأديبا لا شك أنها تضمن على قوله وعلى قولهما اختلاف المشايخ ا
ه‍. منح. قوله: (ضرب امرأة فأفضاها) أي جعل مسلك بولها وحيضها أو حيضها وغائطها واحدا
والوطئ كالضرب كما يأتي، المراد بها الأجنبية، أما الزوجة إذا وطئها فأفضاها فلا شئ عليه، وإن لم
يستمسك بولها عندهما، وعند أبي يوسف كالأجنبية. واعتمده ابن وهبان بتصريحهم بأن عشرة أشياء
تجب بها الدية كاملة منها سلس البول، ورده الشرنبلالي بأنه في غير هذه المسألة لنص الإمام محمد،
على أن لا شئ هنا: أي لأنه بفعل مأذون فيه، وقد قولهما بما إذا كانت بالغة مختارة مطيقة لوطئه ولم
تمت منه، فلو صغيرة أو مكرهة أو لا تطيق تلزم ديتها اتفاقا بالموت والافضاء وأطال في ذلك جدا
فراجعه. قوله: (ففيه ثلث الدية) لأنها جائفة ط. قوله: (وإلا فكل الدية) أي دية المرأة لأنه فوت جنس

135
المنفعة على الكمال. قوله: حدا أي حد كل منهما ولا غرم: أي لا شئ عليه في الافضاء لرضاها به
ولا مهر لها لوجوب الحد، ولو ادعى شبهة فلا حد ولا شئ في الافضاء ويجب العقر. قوله: (فعليه
الحد) أي دونها لاكراهها. قوله: (وأرش الافضاء) أي ثلث الدية إن استمسكت، وإلا فكلها، وقوله:
لا العقر لأنه لا يجتمع مع الحد، وتمامه في ط.
تتمة: لو زنى بأمه فقتلها به عليه الحد بالزنا والقيمة بالقتل، ولو أذهب عينها لزمه قيمتها وسقط
الحد لتملكه الجثة العمياء فأورث شبهة، وتفصيل ما لو أفضاها في الشرج، كذا ذكره الشارح في
كتاب الحدود قبيل باب الشهادة على الزنا. قوله: (فعليه نصف الدية) أي نصف دية العين. أبو
السعود لأنه وقع بفعل مأذون ط.
أقول: يظهر لي أن المراد نصف دية النفس التي هي دية العين، ثم رأيت الرحمتي فسرها كذلك،
ويدل عليه مسألة الختان الآتية قبيل القسامة، فإنه إذا أمر ليختن صبيا فقطع الحشفة، ولم يمت الصبي
فعلية دية الحشفة كاملة، وهي دية النفس. تأمل. قوله: (سئل محمد) لفظة محمد زائدة على ما في القنية.
قوله: (فانفتح) الذي في القنية فانتفخ بالتاء قبل الفاء والخاء المعجمة. قوله: (مليا) أي ساعة طويلة.
قوله: (ثم قال لا الخ) لا ينافي مسألة العين المارة آنفا لأنه هنا لم يجاوز ما أمر به. قوله: (إذا كان الشق بإذن) فلو بدونه فالظاهر القصاص ويحرر ط. قوله: (ولم يكن فاحشا) تفسير لما قبله ط. قوله:
(خارج الرسم) أي العادة ط. قوله: (قلت الخ) قائله المصنف في المنح، واعترضه الرملي بأنه بعيد عن
اصطلاح الفقهاء لعدم ما يطلق عليه اسم الأمانة، إذ هي المال القابل لاثبات اليد عليه، واستظهر أن
العلة كونه غير مقدور عليه كما هو شرط المكفول به، والله تعالى أعلم.
باب الشهادة في القتل واعتبار حالته
أي باب الشهادة الواقعة في شأن القتل وباب اعتبار حالة القتل: أي حالة إيقاع سببه، لان
المعتبر حالة الرمي لا الوصول كما يأتي، ولما كان القتل بعد تحققه ربما يجحد، فيحتاج من له القصاص
إلى إثباته بالبينة وحالة الشئ صفة له تابعة، ذكر ذلك بعد بيان حكمه.
قال ط: واعلم أنه تقبل شهادة النساء مع الرجال في القتل الخطأ والقتل الذي لا يوجب القود،

136
وكذا الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي، لان موجبها المال، ولو شهد عليه عدل بقتل
يحبس، فإن جاء بشاهد آخر وإلا خلي سبيله، وكذا لو شهد مستوران بقتل عمد يحبس حتى تظهر
عدالة الشهود لأنه صار متهما، وكذا في الخطأ على الأظهر اه‍. قوله: (القود يثبت للورثة) قال في
الخانية: يستحق القصاص من يستحق ميراثه على فرائض الله تعالى يدخل فيه الزوج والزوجة اه‍.
قوله: (من غير سبق ملك المورث) أشار إلى أن المراد بالخلافة هنا ما قابل الوراثة، وإلا فالوراثة خلافة
أيضا كما صرحوا به، لكنها تستدعي سبق ملك المورث، ولا يرد صحة عفو المورث لان السبب انعقد
له، ولهذا قال الإتقاني: إنه حق الورثة ابتداء عند الامام من حيث إنه شرع للتشفي ودرك الثأر، لان
الميت لا ينتفع به، وحق الميت من حيث إنه بدل النفس، ولذا إذا انقلب مالا تقضى منه ديونه وتنفذ
منه وصاياه. وتمامه فيه. فعلم أن الفروع الآتية وتفسير الخلافة بما ذكر باعتبار الحيثية الأولى، وصحة
عفو المورث باعتبار الثانية فقد راعي الامام الحيثيتين احتيالا للدرء كما حققه الطوري. قوله: (نص
فيه) فإن اللام للتمليك، فقد ملك تعالى التسلط للولي بعد القتل، وفيه أن التسلط قد يكون لثبوت
الحق له ابتداء، وقد يكون الحق انتقل له من مورثه فلا تكون الآية نصا اه‍. قوله: (كما لو انقلب
مالا) أي بنحو صلح أو عفو بعد الورثة. قوله: (فأحدهم خصم عن الباقين) لأنه يثبت جميع الحق
لغيره، وهو الميت فيثبت للبقية، بخلاف ما ذكر بعده، فإنه إنما يثبت حقا لنفسه لا حق غيره ط.
قوله: (لا يقيد) بضم الياء من أقاد، الأمير القاتل قتله به قودا، وفيه إشارة إلى أن البينة تقبل إلا أنه لا
يقضي بالقصاص إجماعا ما لم يحضر الغائب، لان المقصود من القضاء الاستيفاء، والحاضر لا يتمكن
منه بالاجماع كما في الكفاية. قوله: (وفي الخطأ) أي في قتل أبيه خطأ وفي الدين لأبيه على آخر، لو
أقام الحاضر حجة على ذلك لا يعيدها الغائب إذا حضر، لان المال يثبت للورثة إرثا عند الكل وفيه
إيماء إلى أنه اتحد القاضي للحاضر والغائب، فلو أثبت قدر تصيبه منه أو كان القاضي متعددا أعاد
الحجة وإنما خص الدين، لان في إعادة الحجة للعقار اختلافا وإن كان الأصح أنه لا يعيدها كما في
العمادية. قهستاني. قوله: (لما مر) أي من الأصل. قوله: (فالحاضر خصم) لأنه ادعى حقا على
الحاضر، وهو سقوط حقه في القصاص وانقلابه مالا ولا يتمكن من إثباته لا بإثبات عفو الغائب
فانتصب خصما عنه، فإذا قضى عليه صار الغائب مقضيا عليه تبعا. زيلعي. قوله: (وسقط القود) أي

137
وإن جاء الغائب وأنكر العفو ويصير حقه نصف الدية. قوله: (فهو على التفصيل السابق) فلا تقبل بينة
أقامها الحاضر من غير إعادة بعد عود الغائب، ولو أقام القاتل بينة أن الغائب قد عفا فالشاهد خصم
ويسقط القصاص.
فحاصله: أن هذه المسألة مثل الأولى في جميع ما ذكرنا، إلا أنه إذا كان القتل عمدا أو خطأ لا
يكون الحاضر خصما عن الغائب بالاجماع، والفرق لهما في الكل، ولأبي حنيفة في الخطأ أن أحد
الورثة خصم عن الباقين ولا كذلك أحد الموليين. زيلعي. قوله: (ولو أخبر الخ) عبر بالاخبار لأنه
ينتظم الأوجه الأربعة، بخلاف الشهادة فإنها لم توجد حقيقة إلا في الوجه الثالث كما أفاده ابن كمال.
قوله: (عفو للقصاص منهما) قيد بالقصاص لأنه لا يكون عفوا منهما للمال إلا في بعض الأوجه
كما تعرفه. قوله: (عملا بزعمهما) لأنهما زعما عفو الثالث وبعفو البعض يسقط القصاص. قوله:
(وهي رباعية) أي أوجهها أربعة. قوله: (ولهما ثلثا الدية) لان نصيبهما صار مالا. درر. قوله:
(والثاني إن كذبهما) قال الرملي: كذا بخط المصنف متنا وشرحا، والصواب كذباهما. قوله: (فلا
شئ للمخبرين) لأنهما بإخبارهما أسقطا حقهما في القصاص فانقلب مالا، ولا مال لهما لتكذيب
القاتل والشرك. درر. قوله: (ولأخيهما ثلث الدية) لان دعواهما العفو، وهو ينكر بمنزلة ابتداء العفو
منهما في حقه فينقلب نصيبه مالا. ابن كمال. قوله: (وحده): أي دون الأخ الشريك. قوله: (فلكل
منهم ثلثها) لان القاتل لما صدقهما أقر لهما بثلثي الدية، فلزم وادعى بطلان حق الثالث بالعفو، ولم
يصدقه فتحول مالا فيدفعه إليه. درر. قوله: (إن صدقهما الأخ فقط) أي وكذبهما القاتل. قوله:
(لان إقراره الخ) أي فلا يقال: إنه قد أقر أنه لا يستحق على القاتل شيئا إقراره له بالعفو فكيف
يجب له الثلث. قوله: (فوجب له ثلث الدية) وسقط الثلثان لتكذيب القاتل إياهما، ولا يتأتى
القصاص مع إقرار الثالث بعفوه ط. قوله: (ولكنه يصرف ذلك إلى المخبرين) لان الأخ زعم العفو
بتصديقه المخبرين، وأنه لا شئ له على القاتل، وإنما على القاتل ثلثا الدية لهما، وما في يده مال
القاتل وهو من جنس حقهما، فيصرف إليهما، والقياس أن لا يلزمه شئ، لأنهما ادعيا المال على
القاتل والقاتل منكر فلم يثبت، وما أقر به القاتل للأخ قد بطل بإقرار الأخ بالعفو لكونه تكذيبا
للقاتل. وجه الاستحسان أن القاتل بتكذيبه المخبرين أقر للأخ بثلث الدية لزعمه أن القصاص سقط
بإخبارهما بالعفو كابتداء العفو منهما، والمقر له ما كذب القاتل حقيقة بل أضاف الوجوب إلى غيره،
وفي مثله لا يرتد الاقرار كمن قال لفلان علي مائة فقال المقر له ليس لي ولكنها لفلان، فالمال
للمقر له الثاني، وكذا هنا. درر موضحا. قوله: (وهو الأصح زيلعي) عبارته: وفي الجامع الصغير
كان هذا الثلث للشاهدين، لا للمشهود عليه، وهو الأصح الخ، وظاهره أن مقابل الأصح كونه

138
للأخ المشهود عليه. قوله: (يقتص) لا يقال: الضرب بسلاح قد يكون خطأ فكيف يجب القود؟ لأنا
نقول: لما شهدوا بالضرب بالسلاح ثبت العمد لا محالة، لأنه لو كان خطأ لقالوا إنه قصد غيره
فأصابه.
وقال في شرح الكافي: ولا ينبغي أن يسأل الشهود أنه مات بذلك أم لا، وكذلك إذا شهدوا
أنه ضرب بالسيف حتى مات وإن لم يذكروا العمد لان العمد هو القصد بالقلب، وهو أمر باطن لا
يوقف عليه، ولكن يعرف بدليله وهو الضرب بآلة قاتلة عادة، ولو شهدوا أنه قتله عمدا وأنه مات
فهو أحوط اه‍. إتقاني.
قال الرملي: أول الجنايات هذا صريح في أنه بعد ثبوت القتل بالآلة الجارحة بالبينة لا يقبل
قول القاتل لم أقصده، بخلاف ما لو أقر وقال: أردت غيره، لأنه ثبت من جهته مطلقا عن قيد
العمدية والخطيئة فيقبل منه ما أقر به، ويحمل على الأدنى.
قال في التتارخانية: وفي المجرد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: لو أقر أنه قتل فلانا
بحديدة أو سيف ثم قال: أردت غيره فقتلته لم يقبل منه ذلك ويقتل، وعن أبي يوسف: إذا قال:
ضربت فلانا بالسيف فقتلته، قال هذا خطأ حتى يقول عمدا اه‍ ملخصا.
أقول: التفرقة بين الشهادة والاقرار إنما تظهر على الرواية الثانية دون الأولى. تأمل. قوله: (ولا
يحتاج الشاهد الخ) لان الموت متى وجد عقيب سبب صالح يضاف إليه لا إلى شئ آخر إذا لم يكن
في الظاهر سبب آخر، وإن احتمل لان احتمال حلاف الظاهر لا يعتبر في الاحكام. إتقاني. قوله:
(أو في المكان) أي المتباعد، فإن كان متقاربا كبيت شهد أحدهما أني رأيته قتله في هذا الجانب، وشهد
الآخر أني رأيته قتله في هذا الجانب فتقبل. ولوالجية. قوله: (أو في آلته) بأن قال أحدهما قتله بعصا
والآخر قتله بالسيف. قال في الخزانة: ولو شهد أحدهما بالقتل بالسيف والآخر بالسكين لم يجز، ولو
كانت الشهادتان بإقراره جاز اه‍. ومنه يظهر أن وجه بطلان الشهادة مجرد الاختلاف، لا كون موجب
شهادة أحدهما العمد والآخر الخطأ، عزمية. قوله: (لان القتل لا يتكرر) هذا إنما يظهر في الاختلاف
في الزمان أو المكان أو الآلة، فإن في كل من الثلاثة أحد الشاهدين شهد فيه يقتل، والآخر بآخر
ويلزم منه اختلافهما في المشهود به. وأما في الصورة الرابعة فالعلة أن أحدهما شهد بشبه العمد،
والآخر بقتل مطلق يحتمل العمد، وشبه العمد والخطأ فلم يثبت اتفاقهما في المشهود به، وكذا في
الخامسة لشهادة أحدهما على الفعل والآخر على القول فلو قال لاختلاف المشهود به لشمل الكل.
قوله: (وكذا تبطل الشهادة الخ) ظاهره بطلانها في الصور الخمس، مع أن الزيلعي إنما ذكر ذلك بعد
الثلاثة الأول فقط، وبه تظهر العلة التي ذكرها، لان كل فريق شهد بقتل آخر، والقتل لا يتكرر فيتيقن
بكذب أحد الفريقين، أما في الرابعة والخامسة فلا يظهر، فتدبر. قوله: (ولا أولوية) أي ليس إحدى

139
الشهادتين أولى بالقبول من الأخرى، وظاهر أن هذا إذا تعارضتا قبل الحكم بإحداهما وإلا فلا تسمع
الثانية. تأمل، لان كل بينتين متعارضتين إذا سبق الحكم بإحداهما لغت الأخرى. قوله: (ولو كمل
أحد الفريقين) أي تم نصاب الشهادة في جانب دون آخر. قوله: (استحسانا) والقياس أن لا تقبل،
لان الفعل يخلف باختلاف الآلة فجهل المشهود به. هداية. قوله: (حملا على الأدنى) لأنهم شهدوا
بقتل مطلق والمطلق ليس بمجمل، فيجب أقل موجبيه وهو الدية، ولا يحمل قولهما لا ندري على
الغفلة، بل يحمل على أنهما سعيا للدرء المندوب إليه في العقوبات إحسانا للظن بهما. عيني. قوله:
(لغت) إلا إذا صدق الولي إحدى البينتين كما يأتي ط: أي في قول المصنف: كما لو قال ذلك لاحد
المشهود عليهما أي قال له: أنت قتلته. قوله: (لان التكذيب تفسيق) لان قوله: (قتلتماه) تكذيب
للشهود في بعض المشهود به، حيث ادعى اشتراكهما في القتل، فكأنه قال: لم ينفرد بقتله، بل شاركه
آخر، وهذا القدر من التكذيب يمنع قبول الشهادة لادعائه فسقهم به دون الاقرار. زيلعي. قوله:
(ليس له أن يقتل واحدا منهما) وليس له دية أيضا لما ذكره اه‍ ط. قوله: (إقرار بأن الآخر لم يقتله)
فكان مكذبا لهما في إخبارهما بالقتل ط. قوله: (بلا تصديق) أي في الانفراد، فإن كلا منهما أقر
بانفراده بكل القتل وبالقصاص عليه والمقر له صدقه في وجوب القتل عليه أيضا لكنه كذبه في انفراده
بالقتل وتكذيب المقر في بعض ما أقر به لا يضر كما مر. قوله: (ولو أقر رجل الخ) صورته: ادعى
الولي على رجلين بالقتل وجاء ببينة فشهدت البينة على أحدهما أقر الآخر. تأمل. قوله: (لان فيه) أي
في قوله: قتله كلاهما. قوله: (لبعض موجبه) أي موجب ما شهدا به، لأنهما أثبتا انفراد المشهود
عليه بالقتل. والمدعي يقول: لا بل قتله هو والآخر. قوله: (كما مر) أي من أن التكذيب تفسيق.
قوله: (كما لو قال ذلك) أي أنت قتلته وحدك. قوله: (شهدا على رجلين بقتله خطأ) أي بأنه قتل آخر
خطأ.
واعلم أن هذه المسائل من هنا إلى قوله: والمعتبر حالة الرمي ذكرها صاحب الدرر، وأصلها

140
مذكور في الفصل الرابع والعشرين من التتارخانية عن محمد في الجامع الكبير. قوله: (ضمن العاقلة
الولي) ولا يرجع الولي على أحد. تتارخانية. قوله: (أو الشهود) لان المال تلف بشهادتهم. درر. قوله:
(لتملكهم المضمون الخ) عبارة الدرر: لأنهم ملكوا المضمون، وهو ما في يد الولي كالغاصب مع
غاصب الغاصب. قوله: (والشهادة على القتل العمد الخ) أي إذا شهدوا بالقتل عمدا واقتص من
القاتل ثم جاء المشهود بقتله حيا لا قصاص على واحد منهم، ولمن ورثة القاتل بالخيار: فإن ضمنوا
الولي لا يرجع على أخد، وإن ضمنوا الشهود لا يرجعون بذلك على الولي عنده، وعندهما: يرجعون.
تتارخانية. قوله: (أي إقرار القاتل بالخطأ أو العمد) أي وقضى عليه بالدية في ماله في صورة الخطأ
، لان العاقلة لا تعقل الاقرار، والقصاص في صورة العمد. تأمل. قوله: (في الخطأ) قيد به لان
الشهادة لا تقبل في القود كالحد كما صرحوا به، فافهم. قوله: (ثم جاء) أي المشهود على
الاقرار بقتله. قوله: (إذا لم يظهر كذبهما) لأنهما لم يشهدا بقتله بل شهدا على إقرار القاتل به، فالظاهر
أنه أقر كاذبا وفي الثانية شهدا على شهادة الأصول لا على نفس القتل. قوله: (وضمن الولي الدية في
الصورتين) أي في الشهادة على إقراره وفي الشهادة على الشهادة فيرد الولي ما قبضه، لكن في
الشهادة على الاقرار بالقتل عمدا لم يقبض شيئا لان موجبها القود، ولعل المراد أن الولي إذا اقتص من
المقر يضمن ديته لأوليائه لظهور أن لا حق له في القصاص بعد مجئ المقتص لأجله حيا. تأمل.
قوله: (للعاقلة) كذا في الدرر، وفيه نظر لان العاقلة لا تعقل إقرارا ولا عمدا، بل ضمانة للعاقلة
مقصور على الصورة الثانية، لان الدية قضى بها عليهم كما مر. وعبارة التتارخانية عن الجامع لا غبار
عليها، حيث قال: ولو كانت الشهادة في الخطأ أو في العمد على إقرار القاتل والمسألة بحالها، فلا
ضمان على الشهود، وأنما الضمان على الولي في الفصلين جميعا، وكذا لو شهدا على شهادة شاهدين
على قتل الخطأ وقضى القاضي بالدية على العاقلة وباقي المسألة بحالها لا ضمان على الفروع، ولكن يرد
الولي الدية على العاقلة اه‍. وأراد بباقي المسألة أن المشهود بقتله جاء حيا. قوله: (والمعتبر حالة
الرمي) لأن الضمان بفعله وهو الرمي، إذ لا فعل منه بعده فتعتبر حالة الرمي والمرمى إليه فيها متقوم.
هداية. قوله: (في حق الحل والضمان) أراد بالحل الخروج عن إحرام الحج كما تجئ مسألته. عزمية.
قوله: (للشبهة) أي شبهة سقوط العصمة حال الوصول. قوله: (بردة المرمى إليه) أي فيما إذا رمى
مسلما فارتد المرمى إليه والعياذ بالله تعالى، ثم وقع به السهم. قوله: (وقالا: لا شئ عليه) لان التلف
حصل في محل لا عصمة له. منح. قوله: (وتجب القيمة بعتقه الخ) والقياس القصاص لكن سقط

141
للشبهة، فإنه يجب للمولى لو اعتبر الرمي، وللعبد، ثم ينتقل إلى وارثه لو اعتبر الوصول، فأورث
شبهة دارئة للقصاص. شرح المجمع لمصنفه. فتقييد القهستاني القتل هنا بالخطإ محل نظر. أفاده أبو
السعود. قوله: (فوصل) أي السهم المرمي. قوله: (ولا يضمن الخ) لأنه حال الرمي مباح الدم، وإنما
الضمان على الراجع، فيضمن الربع لو واحدا، ولو كلهم فكل الدية. أبو السعود. قوله: (فرجع
شاهده) الإضافة للجنس، لأنها تأتي لما تأتي له الألف واللام فيشمل رجوع واحد من الأربعة أو الكل.
قوله: (أي جان الخ) يأتي بيانه قبيل القسامة. قوله: (بإذن أبيه) متعلق بختان لا بقطع إذ لا يعتبر إذنه
في قطع الحشفة لأنه لا يملكه. رحمتي. قوله: (جنين خرج رأسه) أي فقطعه كما هو موجود في
بعض النسخ ففيه الغرة أي خمسمائة درهم نصف عشر الدية، وعبارة الأشباه: خرج رأسه فقطع أذنه
ولم يمت ففيه نصف الدية، وإن قطع رأسه ففيه الغرة اه‍.
واعلم أن هذا كله إذا استهل ولم يخرج نصفه مع الرأس أو الأكثر مع القدمين، فإن استهل
وخرج منه ذلك ففيه القود في القتل والقطع كما قدمناه أول الجنايات عن المجتبى والتتارخانية. قوله:
(فقل دية الأسنان) سيأتي بيانه قريبا، وهذا من لطافاته حيث يدخل على كل كتاب بمسألة تناسبه غالبا
، والله تعالى أعلم.

142
كتاب الديات
قدم القصاص لأنه الأصل وصيانة الحياة والأنفس فيه أقوى، والدية كالخلف له ولهذا تجب
بالعوارض كالخطأ وما في معناه. معارج. قوله: (الدية في الشرع الخ) وفي اللغة مصدر ودي القاتل
المقتول: إذا أعطى وليه المال الذي هو بدل النفس، والتاء في آخرها عوض عن الواو في أولها
كالعدة. قوله: (الذي هو بدل النفس) زاد الإتقاني: أو الطرف. قوله: (لا تسمية للمفعول الخ) كذا
قال ابن الكمال رادا على الزيلعي وغيره.
والحاصل: أنه مجاز في اللغة حقيقة في العرف كما قال النحويون في إطلاق اللفظ على الملفوظ،
والمقصود بيان المعنى العرفي الحقيقي، والحقائق لا يطلب لها أصل، وبيان أنه تسمية للمفعول بالمصدر
يؤذن ببيان المعنى اللغوي المجازي. فتأمل. قوله: (والأرش اسم للواجب فيما دون النفس) وقد يطلق
على بدل النفس وحكومة العدل. قهستاني. قوله: (أرباعا) حال من مائة أو من الإبل: أي مقسمة من
كل نوع من الأنواع الآتية ربع المائة. قوله: (من بنت مخاض) هي التي طعنت في السنة الثانية وبنت
لبون في الثالثة والحقة في الرابعة والجذعة في الخامسة. قوله: (وهي الدية المغلظة لا غير) اعلم أن
عبارات المتون هنا مختلفة المفهوم، فظاهر الهداية والاختيار والكنز والملتقى أن الدية في شبه العمد لا
تكون من غير الإبل، وهو ظاهر عبارة المصنف هنا أيضا، وعليه فالتغليظ ظاهر لعدم التخيير، وظاهر
الوقاية والاصلاح والغرر وغيرها أنها تكون من غير الإبل، وبه صرح في متن القدوري حيث قال:
ولا يثبت التغليظ إلا في الإبل خاصة، فإن قضى من غير الإبل لم تتغلظ اه‍. وعليه فمعنى التغليظ
فيها: أنها إذا دفعت من الإبل تدفع أرباعا، بخلاف دية الخطأ فإنها أخماس. وفي المجمع: تتغلظ دية
شبه العمد في الإبل. قال شارحه: حتى لو قضى بالدية من غير الإبل لم تغلظ، وكذا في درر البحار
وشرحه وغرر الأفكار وفي جنايات غاية البيان، وتغلظ الدية في شبه العمد في الإبل إذا فرضت الدية
فيها، فأما غير الإبل فلا يغلظ فيها. وفي الجوهرة: حتى أنه لا يزاد في الفضة على عشرة آلاف ولا
في الذهب على ألف دينار. وفي درر البحار: اتفق الأئمة على أن الدية من الذهب في الخطأ وشبه
العمد ألف دينار، فهذه العبارات صريحة في أن دية شبه العمد لا تختص بالإبل.
قال ط: والذي قدمه الزيلعي أول الكتاب أن الدية في شبه العمد لا تكون إلا من الإبل مغلظة
على العاقلة في ثلاث سنين يؤخذ في كل سنة ثلث المائة من الإبل، ورجحه في الشرنبلالية بأنه لو كان
الواجب ما هو أعم من الإبل لم يكن للتغليظ فائدة، لأنه يختار الأخف فتفوت حكمة التغليظ اه‍.
أقول: ما نقله عن الزيلعي لم أره في نسختي فليراجع، وعلى ثبوته فالظاهر أن في المسألة
روايتين. والله تعالى أعلم. قوله: (أخماسا منها ومن ابن مخاض) أي تؤخذ المائة من الأربعة المارة ومن

143
ابن مخاض أخمسا من كل نوع عشرون. قوله: (وقالا منها) أي من الثلاثة الماضية: وهي الإبل،
والدنانير والدراهم، ومن البقر الخ، فتجوز عندهما من ستة أنواع، وعند الامام من الثلاثة الأول
فقط.
قال في الدر المنتقى: ويؤخذ البقر من أهل البقر والحلل من أهلها، وكذا الغنم، وقيمة كل بقرة
أو حلة خمسون درهما، وقيمة كل شاة خمسة دراهم كما في الشرنبلالية عن البرهان. زاد القهستاني:
والشياه ثنايا، وقيل: كالضحايا، وعن الامام كقولهما. وثمرة الخلاف أنه لو صالح على أكثر من مائتي
بقرة لم يجز عندهما، وجاز عنده لأنه صالح على ما ليس من جنس الدية، وقد مر، والصحيح ما ذهب
إليه الامام كما في المضمرات، وأفاد أن كل الأنواع أصول وعليه أصحابنا، وأن التعيين بالرضا أو
القضاء وعليه عمل القضاة، وقيل للقاتل. ذكره القهستاني اه‍. وتمامه في المنح. قوله: (هو المختار)
أي تفسير الحلة بذلك، وقيل: في ديارنا قميص وسراويل. نهاية. قوله: (عتق قن) أي كامل فيكفي
الأعور لا الأعمى. در منتقى. قوله: (مؤمن) بخلاف سائر الكفارات لورود النص به، والنص وإن
ورد في الخطأ لكن لما كان شبه العمد فيه معنى الخطأ ثبت فيه حكم الخطاء إتقاني. قوله: (فإن عجز
عنه) أي وقت الأداء لا الوجوب. قهستاني. قوله: (ولاء) أي متتابعين. قوله: (ولا إطعام فيهما)
بخلاف غيرهما من الكفارات. قوله: (وصح إعتاق رضيع) أي إن عاش بعده حتى ظهرت سلامة
أعضائه وأطرافه، فلو مات قبل ذلك لم تتأذ به الكفارة. إتقاني. قوله: (لا الجنين) لأنه لم تعرف حياته
، ولا سلامته، ولأنه عضو من وجه فلا يدخل تحت مطلق النص. زيلعي. قوله: (ودية المرأة الخ) ففي
قتل المرأة خطأ خمسة آلاف، وفي قطع يدها ألفان وخمسمائة، وهذا فيما فيه دية مقدرة، وأما فيما فيه
الحكومة فقيل: كالمقدرة، وقيل: يسوي بينهما كما في الظهيرية، ولا يرد جنين فيه غرة لأنه مستثنى كما
يأتي. در منتقى. وفي التتارخانية عن شرح الطواويسي: ما ليس له بذر مقدر يستوي فيه الرجل والمرأة
عند أصحابنا.
تنبيه: في أحكام الخنثى من الأشباه لا قصاص على قاطع يده ولو عمدا ولو كان القاطع امرأة،
ولا تقطع يده إذا قطع يد غيره عمدا، وعلى عاقلته أرشها، وإذا قتل خطأ وجبت دية المرأة ويوقف
الباقي إلى التبين، وكذا فيما دون النفس، ويصح إعتاقه عن الكفارة. قوله: (خلافا للشافعي) حيث
قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم. هداية. قوله:
(وصحح في الجوهرة الخ) حيث قال نقلا عن النهاية: ولا دية للمستأمن هو الصحيح اه‍. واعترض
بأن الذي في النهاية هو التصريح بالتسوية في الدية والتفرقة في القصاص اه‍.

144
قلت: وهكذا رأيت في النهاية وغاية البيان. قوله: (وأقره في الشرنبلالية) غير مسلم، لأنه نقل
تصحيح الجوهرة المذكور، ونقل بعده ما نصه: وقال الزيلعي: والمستأمن ديته مثل دية الذمي في
الصحيح لما روينا، فقد اختلف التصحيح اه‍ ط.
أقول: واستظهر الرملي ما صححه الزيلعي وغيره، واختلاف التصحيح إنما هو بعد ثبوت ما
نقله في الجوهرة عن النهاية. والله تعالى أعلم. قوله: (وفي النفس) في للسببية، ولا حاجة لذكر
النفس لعلم حكمها مما تقدم ط. قوله: (والأنف الخ) الأصل في قطع طرف من أطراف الآدمي أنه إن
فوت جنس منفعة على الكمال أو أزال جمالا مقصودا على الكمال ففيه كل الدية، لأنه إتلاف للنفس
من وجه لقضاء رسول الله صلى الله عليه وآله بالدية في اللسان والأنف فقسنا ما في معناه عليه. إتقاني.
واعلم أن ما لا ثاني بدله في بدن الانسان من الأعضاء أو المعاني المقصودة فيه كمال الدية،
والأعضاء أربعة أنواع أفراد وهي ثلاثة: الانف واللسان والذكر والمعاني التي هي أفراد في البدن:
العقل والنفس والشم والذوق، وأما الأعضاء التي هي أزواج: فالعينان والأذنان الشاخصتان
والحاجبان والشفتان واليدان وثديا المرأة والأنثيان والرجلان ففيهما الدية، وفي أحدهما نصفها، والتي
هي أرباع أشفار العين وفي كل شفر ربع الدية والتي هي أعشار أصابع اليدين وأصابع الرجلين ففي
العشرة الدية وفي الواحدة عشرها، والتي تزيد على ذلك الأسنان وفي كل منها عشر الدية، ويأتي بيان
ذلك. قوله: (ومارنه) هو ما لان من الانف وأرنبته طرف الانف، لأنه فوت الجمال على الكمال،
وكذا المنفعة لان المارن لاشتمام الروائح في الانف لتعلو منه إلى الدماغ، وذلك يفوت بقطع المارن،
لو قطع المارن مع القصبة لا يزاد على دية واحدة لأنه عضو واحد، ولو قطع أنفه فذهب شمه فعليه
ديتان لان الشم في غير الانف، فلا تدخل دية أحدهما في الآخر كالسمع مع الاذن. معراج. قوله:
(وقيل الخ) حكاه القهستاني وجزم في الهداية وغيرها بالأول قوله: (والذكر والحشفة) لأنه يفوت
بالذكر منفعة الوطئ والايلاد واستمساك البول والرمي به ودفع الماء والايلاج الذي هو طريق الاعلاق
عادة، والحشفة أصل في منفعة الايلاج والدفق والقصبة كالتابع له. هداية. وقدم المصنف وجوب
القصاص في قطع الحشفة عمدا، وفي الذكر خلاف قدمناه. قوله: (والعقل) لان به نفع المعاش
والمعاد. وفي الخيرية: سئل في رجل طرح آخر على الأرض وضربه فصار يصرع فماذا عليه؟ أجاب:
إن ثبت زوال عقله بما ذكر ففيه دية كاملة، وإن زال بعضه فبقدره إن انضبط بزمان أو غيره، وإلا
فحكومة عدل، وللقاضي أن يقدرها باجتهاده، وهذا قلته تفقها أخذا من كلامهم، وقد صرح بعض
العلماء بأن الاصراع ضرب من الجنون اه‍. قوله: (والشم والذوق والسمع والبصر) لان لكل واحد
منها منفعة مقصودة، وقد روي أن عمر رضي الله تعالى عنه قضى بأربع ديات في ضربة واحدة ذهب
بها العقل والكلام والسمع والبصر. هداية. ويعرف تلفها بتصديق الجاني أو نكوله أو الخطاب مع
الغفلة وتقريب الكريه وإطعام الشئ المر. قهستاني. قوله: (أفاد أن في لسان الأخرس حكومة عدل)
أي إذا لم يذهب به ذوقه، لان المقصود منه الكلام، ولا كلام فيه فصار كاليد الشلاء وآلة الخصي

145
والعنين والرجل العرجاء والعين القائمة العوراء والسن السوداء اه‍. معراج: أي فإن في الكل حكومة
عدل، لأنه لم يفوت منفعة، ولا فوت جمالا على الكمال. عناية بخلاف ما إذا ذهب به ذوقه. قوله:
(وهذا) أي قوله: إن منع النطق. قوله: (وإلا قسمت الدية الخ) أي إن لم يمنع أداء أكثر الحروف بأن
قدر عليه قسمت الدية الخ، لكن قال القهستاني: فإن تكلم بالأكثر فالحكومة، وقيل: يقسم على عدد
الحروف، فما تكلم به منها حط من الدية بحصته، سواء كان نصفا أو ربعا أو غيره وهو الأصح،
وقيل: على حروف اللسان، وهو الصحيح كما في الكرماني اه‍ ملخصا.
وبه علم أن الأقوال ثلاثة، وبها صرح في الهداية وغيرها، وعلى الأول مشى في الملتقى والدرر
وشرح المجمع والاختيار وغرر الأفكار والاصلاح وغيرها، وصرح في الجوهرة بتصحيح الأخيرين
كالقهستاني، والأول مصحح أيضا لما علمته، وظاهر كلام الشارح (1) إن الأخيرين تفسير للحكومة التي
أوجبها القول الأول، فلا منافاة بينه وبينهما، وهو حسن لكنه خلاف المفهوم من كلامهم، فتأمل.
قوله: (الستة عشر) وهي التاء والثاء والجيم والدال والذال والراء والزاي والسين والشين والصاد
والضاد والطاء والظاء واللام والنون والياء. زيلعي. وعدها في الجوهرة ثمانية عشر بزيادة القاف
والكاف. قال ابن الشحنة: وأفاد المصنف أنه قول النحاة والقراء، وعدها الخاصي أربعة عشر، لكن
بلا حصر لأنه أتى بكاف التشبيه اه‍. قوله: (وتمامه في شرح الوهبانية) حيث أفاد أنه على كونها ستة
عشر يكون في كل حرف ستمائة وخمسة وعشرون درهما، ومن الذهب اثنان وستون ونصف، وعلى
كونها ثمانية عشر ففي الحرف من الذهب خمسة وخمسون وخمسة أتساع، ومن الدراهم خمسمائة وخمسة
وخمسون وخمسة أتساع اه‍.
تنبيه: قال في المعراج: ولو ذهب بجنايته على الحلق أو الشفة بعض الحروف الحلقية أو
الشفوية، ينبغي أن يجب بقدره من الثمانية والعشرين، ولو بدل حرفا مكان حرف فقال في الدرهم
دلهم فعليه ضمان الحرف لتلفه، وما يبدله لا يقوم مقامه اه‍. قوله: (ولحية حلقت) وكذا لو نتفت.
قهستاني. لأنه أزال الجمال على الجمال ولحية المرأة لا شئ فيها لأنها نقص كما في الجوهرة. قوله:
(فإن مات فيها برئ) أي لا شئ عليه، وقالا: حكومة عدل. كفاية. قوله: (وفي نصفها نصف
الدية) وقال بعض أصحابنا: كمال الدية لفوات الجمال بحلق البعض. معراج. وفي غاية البيان: ولو
حلق بعض اللحية ولم تنبت، قال بعضهم: تجب فيه حكومة عدل. قال في شرح الكافي: والصحيح



(1) قوله: (وظاهر كلام الشارح الخ) أنت خبير بأن القهستاني إنما حكى القول بالحكومة في فوات الأقل والقولين بعده
في فوات البعض مطلقا فكيف يصح التفسير وتنعدم المنافاة.
وحاصل ما استفيد من تقرير مولانا أنه إذا فات بعض الحروف قيل إن كان الفائت الأكثر ففيه الدية وهذا ما في
المصنف، وأن الأقل فالحكومة وهذا ما في القهستاني وقيل بفوات البعض أيا كان تقسم الدية على عدد الحروف
اللسانية أو حروف الهجاء قولان اه‍ وبهذا تعلم ما في المحشي تأمل.
146
كل الدية لأنه في الشين فوق من لا لحية له أصلا. قوله: (في الصحيح) لان الشارب تابع للحية
فصار كبعض أطرافها، والمقصود في العبد المنفعة بالاستعمال دون الجمال، بخلاف الحر. هداية.
قلت: ومفاده أنه لو حلق الشارب مع اللحية يدخل في ضمانها لأنه تابع، ونقل السائحاني عن
المقدسي أنه لا يدخل، وفي خزانة المفتين: يدخل. قوله: (ولا شئ في لحية كوسج) بالفتح وبضم.
قاموس. لأنها تشينه ولا تزينه. قوله: (فحكومة عدل) لان فيه بعض الجمال. هداية. قوله: (فكل
الدية) لأنه ليس بكوسج وفيه معنى الجمال. هداية. قوله: (وشعر الرأس كذلك) سواء كان شعر
رجل أو امرأة أو كبيرا أو صغير. معراج. قوله: (أي إذا حلق ولم ينبت) أي على وجه يظهر فيه القرع،
فإنه يعد عيبا عظيما، ولهذا يتكلف الأقرع في ستر رأسه كما يتكلف ستر سائر عيوبه. إتقاني. وهذا
كله إذا فسد المنبت، فإن نبت حتى استوى كما كان لا يجب شئ لأنه لم يبق أثر الجناية ويؤدب على
ارتكابه ما لا يحل. هداية وإن نبت أبيض فإن في أوانه لا يجب شئ، وإلا فالصحيح أن فيه حكومة
عدل. إتقاني. وإن كان عبدا ففيه أرش النقصان. جوهرة. قوله: (فيهما) أي في اللحية وشعر
الرأس. قوله: (مطلقا) أي ولو عمدا في اللحية وشعر الرأس، وكذا شعر الحاجب. معراج. لان
القصاص عقوبة، فلا يثبت قياسا وإنما يثبت نصا أو دلالة، والنص إنما ورد في النفس والجراحات،
وهذا ليس في معناهما لأنه لم يتألم به، ولا يتوهم فيه السراية. زيلعي والعمد في ماله والخطأ على
عاقلته كما في القتل. أفاده الإتقاني. وفي المعراج: ثم قيل: صورة الخطأ في حلق الشعر أن يظنه
مباح الدم ثم يتبين أنه غير مباح الدم. قوله: (فلا شئ عليه) أي عنده، وقالا: تجب حكومة عدل.
معراج. ومر نظيره في اللحية. قوله: (والعينين الخ) لان في تفويت ا لاثنين من هذه الأشياء تفويت
جنس المنفعة أو كمال الجمال فيجب كمال الدية، وفي تفويت أحدها تفويت النصف فيجب نصف
الدية. هداية. قوله: (والأنثيين) لتفويت منفعة الامناء والنسل. زيلعي.
تنبيه: في التتارخانية عن التحفة: إذا قطعهما مع الذكر معا فعليه ديتان، وكذا لو قطع الذكر
أولا فإن بقطعه منفعة الأنثيين وهي إمساك المني قائمة، وأما عكسه ففيه دية للأنثيين وحكومة للذكر اه‍
ملخصا: أي لفوات منفعة الذكر قبل قطعه، وفيها قطع إحدى أنثييه فانقطع ماؤه فدية ونصف. قوله:
(وثديي المرأة وحلمتيهما) لتفويت منفعة الارضاع. زيلعي. والصغيرة والكبيرة سواء. إتقاني. وهل في
الثديين القصاص حالة العمد؟ لا ذكر له في الكتب الظاهرة، وكذا الأنثيان. تتارخانية. قوله: (وكذا
فرج المرأة) قال في الخلاصة: ولو قطع فرج المرأة وصارت بحال لا تستمسك البول ففيه الدية اه‍.
وفي التتارخانية: ولو صارت بحال لا يمكن جماعها ففيه الدية. قوله: (وفي ثدي الرجل حكومة
عدل) لأنه ليس فيه تفويت المنفعة، ولا الجمال على الكمال. زيلعي. وفي حلمة ثديه حكومة عدل

147
دون ذلك. خلاصة. قوله: (جمع شفرة) كذا في المنح بالتاء، ولم أره لغيره، المذكور في كلامهم شفر
بلا تاء. قوله: (الجفن) أي طرفه. قال القهستاني: جمع شفر بالضم وهو حرف ما غطى العين من
الجفن لا ما عليه من الشعر وهو الهدب، ويجوز أن يراد مجازا اه‍. وفي المغرب: شفر كل شئ
حرفه، وشفر العين: منبت الأهداب. قال الزيلعي: وأيهما أريد كان مستقيما، لان في كل واحد من
الشفر ومنابته دية كاملة كقطعهما معا لأنهما كشئ واحد كالمارن مع القصبة اه‍. قوله: (ولم تنبت)
بضم حرف المضارعة من الانبات إن أريد بها المعنى الحقيقي وهو الأجفان، وبالفتح إن أريد بها
الأهداب. قال في الشرنبلالية: ولم يذكر التأجيل ولعله كاللحية. قوله: (وفي أحدها ربعها) لأنه
يتعلق بها الجمال على الكمال، ويتعلق بها دفع الأذى والقذى عن العين، وتفويت ذلك ينقص البصر،
ويورث العمى، فإذا وجب في الكل الدية وهي أربعة، ففي الواحد ربع الدية، وفي الاثنين نصفها،
وفي الثلاثة ثلاثة أرباعها. زيلعي. ويجب في المرأة مثل نصف ما يجب في الرجل. إتقاني. قوله: (ولو
قطع جفون أشفارها) كذا في المنح، والأوضح الجفون بأشفارها. قال في التبيين: ولو قطع الجفون
بأهدابها تجب دية واحدة، لان الأشفار مع الجفون كشئ واحد كالمارن مع القصبة والموضحة مع الشعر
اه‍. ولو قلع العين بأجفانها تحب ديتان: دية العين، ودية أجفانها، لأنهما جنسان كاليدين والرجلين.
جوهرة ط. قوله: (وفي جفن لا شعر عليه حكومة عدل) كذا في غاية البيان عن التحفة، نقله ط عن
الهندية عن المحيط. قوله: (لكن المعتمد الخ) لم أر من ذكر هذا ط. والظاهر أنه استدراك على المسألة
الثانية فقط.
أما قوله: (ولو قطع جفون أشفارها) فقد اقتصر عليه في الهداية والتبيين وغيرهما من الشراح.
وحاصل كلامه: أن في كل من الجفن الذي لا شعر عليه أو الشعر وحده إذا قطعه بانفراده دية
كاملة، ويوافقه ما في الاختيار حيث قال: فإن قطع الأشفار وحدها وليس فيها أهداب ففيها الدية،
وكذلك الأهداب، وإن قطعهما معا فدية واحدة اه‍. قوله: (جفنا أو شعرا) أي سواء كان جفنا أو
شعر الجفن فهو خبر لكان المحذوفة، وفي نسخة شفره بالفاء ط. قوله: (كالابهام) الكاف استقصائية
ط. قوله: (وفي كل سن) السن اسم جنس يدخل تحته اثنان وثلاثون: أربع منها ثنايا وهي الأسنان
المتقدمة اثنان فوق واثنان أسفل، ومثلها رباعيات وهي ما يلي الثنايا، ومثلها أنياب تلي الرباعيات،
ومثلها ضواحك تلي الأنياب، واثنا عشر سنا تسمى بالطواحن من كل جانب ثلاث فوق وثلاث
أسفل، وبعدها سن وهي آخر الأسنان يسمى ضرس الحلم، لأنه ينبت بعد البلوغ وقت كمال العقل.
عناية. قوله: (نصف دية الرجل) أي نصف دية سنة. قوله: (خمس من الإبل) قيمة كل بعير مائة
درهم. إتقاني. قوله: (يعني الخ) أي المراد فيما ذكر الحر أما العبد فإن ديته قيمته فيجب نصف

148
عشرها. قوله: (بثلاثة أخماسها) أي بناء على الغالب من أن الأسنان اثنان وثلاثون، فيجب فيها ستة
عشر ألف درهم، وذلك دية النفس وثلاثة أخماسها. قوله: (ولا بأس فيه) أي وإن خالف القياس، إذ
لا قياس مع النص. قوله: (كما في الغاية) أي غاية البيان للامام قوام الدين الإتقاني. قوله: (وقد
توجد نواجذ أربعة) النواجذ: أضراس الحلم. مغرب. قوله: (فللكوسج الخ) أي إذا نزعت أسنانه
كلها فله دية وخمسا دية، وذلك أربعة عشر ألف درهم لان أسنانه ثمانية وعشرون. حكي أن امرأة
قالت لزوجها: يا كوسج، فقال: إن كنت فأنت طالق، فسئل أبو حنيفة فقال: تعد أسنانه إن كانت
ثمانية وعشرين فهو كوسج. معراج. قوله: (ولغيره الخ) أي غير الكوسج، لان غيره إما له ثلاثون
سنا فله دية ونصف وذلك خمسة عشر ألفا، أو له اثنان وثلاثون فله دية وثلاثة أخماسها وذلك ستة
عشر ألفا، أو له ستة وثلاثون فله دية وأربعة أخماسها وذلك ثمانية عشر ألفا.
تنبيه: قال في الخلاصة: ضرب سن رجل حتى تحركت وسقطت: إن كان خطأ يجب خمسمائة
على العاقلة، وإن كان عمدا يقتص اه‍.
واعلم أن الدية وثلاثة أخماسها وهي ستة عشر ألفا تجب في ثلاث سنين، لكن قال في الجوهرة
وغيرها: إنه يجب في السنة الأولى ثلثا دية: ثلث من الدية الكاملة، وثلث من ثلاثة أخماسها، وفي
السنة الثانية ثلث الدية، وما بقي من الثلاثة الأخماس، وفي السنة الثالثة ثلث الدية، وهو ما بقي من
الدية الكاملة اه‍. وذلك لان الدية في ثلاث سنين في كل سنة ثلثها، ويجب ثلاثة أخماسها وهي ستة
آلاف في سنتين: في الأولى منها ثلث الدية، والباقي في السنة الثانية. إتقاني عن شرح الطحاوي.
قلت: وعليه ففي السنة الأولى ستة آلاف وستمائة (1) وستة وستون وثلثا، وفي الثانية ستة
آلاف، وفي الثالثة ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، لكن في المجتبى والتتارخانية وغيرهما
عن المحيط أنه في السنة الثانية ستة آلاف وستمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، وفي السنة الثالثة ثلاثة آلاف
اه‍. ومثله في المنح والظاهر أنهما روايتان. تأمل. قوله: (وتجب دية كاملة) أي دية ذلك العضو.
رملي. فإن في اليد أو العين لا تجب دية النفس، لان دية النفس تجب في عشرة أشياء، وهي كما في
المنح عن المجتبى: العقل وشعر الرأس والأنف واللسان واللحية والصلب إذا كسره وإذا انقطع ماؤه
إذا سلس بوله والدبر إذا طعنه فلا يمسك الطعام والذكر اه‍. وتمامه فيها. قوله: (أو أحدبه) لان فيه
تفويت منفعة الجمال على الكمال، لان جمال الآدمي في كونه منتصب القامة، وقيل هو المراد بقوله



(1) قوله: (ستة آلاف وستمائة الخ) لعل صوابه ثلاثمائة تأمل اه‍.
149
تعالى: * (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم) * (التين: 4) زيلعي. قوله: (فلا شئ عليه) وقالا: عليه
أجرة الطبيب. ط عن الهندية. قوله: (أو أرشه) عطف على حكومة، والأرش في المثال الآتي نصف
الدية. قوله: (كالاذن الشاخصة) هي المرتفعة من شخص بالفتح ارتفع. معراج وعزمية. والتقييد به
لدفع توهم أن يراد بها السمع. عناية. لان الكلام فيما فيه تفويت الجمال وذهاب السمع فيه تفويت
جنس المنفعة وفيه الدية كاملة. قوله: (هو الطرش) لم أره لغيره، ولم أدر من أين أخذه. قوله:
(وسيجئ ما لو ألصقه) أي الاذن، وذكر ضميرها باعتبار العضو، والذي يجئ هو وجوب الأرش لو
ألصقها فالتحمت إذ لا تعود كما كانت. قوله: (في أواخر هذا الفصل) أي الذي أراد الشروع فيه،
والله تعالى أعلم.
فصل في الشجاج
هي جمع شجة. ولما كانت نوعا من أنواع ما دون النفس وتكاثرت مسائله، ذكره في فصل على
حدة منح. قوله: (وتختص الشجة الخ) قال في الهداية: والحكم مرتب على الحقيقة: أي حكم
الشجاج يثبت في الوجه والرأس على ما هو حقيقة اللغة لان الشجة لغة: ما كان فيهما لا غير، وفي
غيرهما: لا يجب المقدر فيهما بل يجب حكومة عدل. إتقاني فلو تحققت الموضحة مثلا في نحو الساق
واليد لا يجب الأرش المقدر لها، لأنها جراحة لا موضحة، ولا شئ من الجراح له أرش معلوم إلا
الجائفة كما في الظهيرية واللحيان عندنا من الوجه، حتى لو وجدت فيهما الموضحة والهاشمة والمنقلة
كان لها أرش مقدر كما في الهداية، وليس في الشجاج أرش مقدر إلا في الموضحة والهاشمة والمنقلة
والآمة كما سيتضح. قوله: (وفيها حكومة عدل) لان التقدير بالتوقيف، وهذا إنما ورد فيما يختص
بالوجه والرأس. هداية. ولا تلحق الجراحة بالشجة دلالة أو قياسا. إذ ليست في معناها، إذ الوجه
والرأس يظهران غالبا فالشين فيهما أعظم. أفاده الزيلعي وغيره. قوله: (أي تخدشه) من باب ضرب.
مختار. قال ابن الشحنة عن قاضيخان: هي التي تخدش البشرة ولا يخرج منها دم تسمى خادشة.
قوله: (التي تبضع الجلد) كذا فسرها الزيلعي وغيره، ورده الطوري بأن الزيلعي نفسه صرح بتحقق
قطع الجلد في الأنواع العشرة، فالظاهر في تفسيرها ما في المحيط والبدائع أنها التي تبضع اللحم،
ومثله في كتب اللغة، وعلى هذا فيزاد في المتلاحمة قيد آخر فيقال كما في البدائع وغيرها: هي التي
تذهب في اللحم أكثر مما تذهب الباضعة. قوله: (التي تأخذ في اللحم) قال في المغرب: هي التي

150
تشق اللحم دون العظم، ثم تتلاحم بعد شقها وتتلاصق. قال الأزهري: والوجه أن يقال اللاحمة: أي
القاطعة اللحم، وإنما سميت بذلك على ما تؤول إليه أو على التفاؤل اه‍. قوله: (والسمحاق)
كقرطاس. قاموس. قوله: (والموضحة) بفتح الضاد المعجمة. قهستاني. وظاهر كلام الشارح وغيره
أنها بالكسر. قوله: (التي تهشم) من باب ضرب. مغرب. قوله: (والمنقلة) بتشديد القاف مفتوحة أو
مكسورة. شرح وهبانية. قوله: (والآمة) بالمد والتشديد وتسمى مأمونة أيضا، والدماغ ككتاب: مخ
الرأس. قاموس. قوله: (تخرج الدماغ) أي تقطع الجلد وتظهر الدماغ. قوله: (ولم يذكرها محمد) وكذا
لم يذكر الحارصة لأنها لا يبقى لها أثر في الغالب، وما لا أثر لها لا حكم لها. إتقاني. ولذا قال في
غرر الأفكار: كان على المصنف أن لا يذكرها، لكنه تأسى بما في غالب الكتب. قوله: (للموت
بعدها عادة) فإن عاش ففيها ثلث الدية. غرر الأفكار. قوله: (نصف عشر الدية) إن كانت خطأ، فلو
عمدا فالقصاص كما يأتي. وفي الكافي من المتفرقات: شجه عشرين موضحة إن لم يتخلل البرء تجب
دية كاملة في ثلاث سنين، وإن تخلل البرء يجب كمال الدية في سنة واحدة ط. قوله: (أي لو غير
أصلع) قال في الهندية: رجل أصلع ذهب شعره من كبر فشجه موضحة إنسان متعمدا، قال محمد: لا
يقتص وعليه الأرش، وإن قال الشاج رضيت أن يقتص مني لي له ذلك، وإن كان الشاج أيضا
أصلع فعليه القصاص. كذا في محيط السرخسي. وفي واقعات الناطفي: موضحة الأصلع أنقص من
موضحة غيره، فكان الأرش أنقص أيضا. وفي الهاشمة: يستويان. وفي المنتقى: شج رجلا أصلع
موضحة خطأ فعليه أرش دون الموضحة في ماله، وإن شجه هاشمة ففيها أرش دون أرش الهاشمة على
عاقلته. كذا في المحيط اه‍ ط. قوله: (والجائفة) قالوا: الجائفة تختص بالجوف، جوف الرأس أو
جوف البطن. هداية. وعليه فذكرها مع الشجاج له وجه من حيث إنها قد تكون في الرأس، لكن نظر
فيه الإتقاني بما في مختصر الكرخي من أنها لا تكون في الرقبة ولا في الحق، ولا تكون إلا فيما يصل
إلى الجوف من الصدر والظهر والبطن والجنبين، وبما ذكره في الأصل من أنها لا تكون فوق الذقن ولا
تحت العانة اه‍. قال العيني: ولا تدخل الجائفة في العشرة إذ لا يطلق عليها الشجة، وإنما ذكرت مع
الأمة لاستوائهما في الحكم. قوله: (فيجب في كل ثلثها) أي ثلث الدية.
تنبيه: قال الإتقاني: ينبغي لك أن تعرف أن ما كان أرشه نصف عشر الدية إلى ثلثها في الرجل
والمرأة في الخطأ فهو على العاقلة في سنة، لان عمر رضي الله تعالى عنه قضى بالدية على العاقلة في
ثلاث سنين، فكل ما وجب به ثلثها فهو في سنة، وإن زاد فالزيادة في سنة أخرى، لان الزيادة على

151
الثلث من جملة ما يلزم العاقلة في السنة الثانية، وكذلك إن انفردت، ما زاد على الثلثين فالثلثان إلى
سنتين والزائد في الثالثة، وما كان دون نصف عشر الدية أو كان عمدا فهو في مال الجاني اه‍ ملخصا:
أي لما سيأتي في كتاب المعاقل أن العاقلة لا تعقل العمد، ولا ما دون أرش الموضحة. قوله: (حكومة
عدل) أي في الخطأ، كذا في العمد إن لم نقل القصاص على ما يأتي قريبا. قوله: (من جهة السمع)
أي الدليل السمعي لما مر أن التقدير بالتوقيف. قوله: (من الموضحة) خصها لأنها أقل الشجاج
الأربعة التي لها أرش مقدر، وهي المرادة من قول المحيط: من أقل شجة لها أرش مقدر، فافهم.
قوله: (فيجب بقدر ذلك من نصف عشر الدية) أي الذي هو أرش الموضحة.
بيانه: أن الشجة لو كانت باضعة مثلا فإنه ينظر كم مقدار الباضعة من الموضحة، فإن كان ثلث
الموضحة وجب ثلث أرش الموضحة، وإن كان ربع الموضحة يجب ربع أرش الموضحة. عناية. قوله:
(وصححه شيخ الاسلام) لحديث علي رضي الله عنه. فإنه اعتبر حكومة العدل في الذي قطع طرف
لسانه بهذا الاعتبار، ولم يعتبر بالعبد، ولأن موضحة الحر الصغيرة والكبيرة سواء، وفي العبد يجب في
الصغيرة أقل مما يجب في الكبيرة. معراج. قوله: (في الحر) أي هو في شجة الحر، وهو متعلق
بمحذوف حال، وقوله: من الدية أي يؤخذ منها، وهو خبر المبتدأ، فافهم. قوله: (وفي العبد من
القيمة) أي وقدر التفاوت في شجة العبد يؤخذ من قيمته لان قيمته ديته. قوله: (فإن نقص الخ)
مثاله: إذا كانت قيمته من غير جراحة تبلغ ألفا ومع الجراحة تبلغ تسعمائة علم أن الجراحة أوجبت
نقصان عشر الدية لان قيمة الحر ديته. عناية. قوله: (به يفتى) وبه أخذ الحلواني،
وبه قال الأئمة الثلاثة. قال ابن المنذر: وهو قول كل من يحفظ عنه العلم. معراج. وقوله: (لو الجناية
في وجه ورأس) لأنهما موضع الموضحة. جوهرة. قوله: (أو تعسر على المفتي) أي ما اعتبره الكرخي.
قوله: (مطلقا) أي في الوجه والرأس أو غيرهما، وهذا الاطلاق بالنظر إلى قوله: (أو تعسر). قوله:
(وقيل الخ) في موضع جر بإضافة زيادة إليه. قال القهستاني بعده: وهذا كله إذا بقي للجراحة أثر،
وإلا فعندهما لا شئ عليه، وعند محمد: يلزمه قدر ما أنفق إلى أن يبرأ، وعن أبي يوسف: حكومة
العدل في الألم اه‍. ويأتي تمامه آخر الفصل. قوله: (ولا قصاص في جميع الشجاج) أي ما فوق

152
الموضحة إجماعا وما دونها على الخلاف ط. قوله: (إلا في الموضحة عمدا) أي إذا لم يختل به عضو
آخر، فلو شج موضحة عمدا فذهبت عيناه فلا قصاص عنده فتجب الدية فيهما، وقالا: في الموضحة
قصاص وفي البصر دية، شرح المجمع عن الكافي. قوله: (وجوب القصاص) أي في العمد. قوله:
(وهو الأصح) وفي الكافي: هو الصحيح لظاهر قوله تعالى: * (والجروح قصاص) * (المائدة: 54) ويمكن
اعتبار المساواة. معراج. وبه أخذ عامة المشايخ. تتارخانية. قوله: (بأن يسبر غورها) السبر: امتحان
غور الجرح وغيره كالاستبار والغور القعر من كل شئ، والسبار ككتاب، والمسبار ما يسبر به الجرح.
قاموس. قوله: (واستثنى في الشرنبلالية السمحاق) حيث قال: إلا السمحاق فإنه لا قصاص فيه
إجماعا لعدم المماثلة لأنه لا يقدر أن يشق حتى ينتهي إلى جلدة رقيقة فوق العظم اه‍.
أقول: لكنه مخالف لما ذكره عامة شراح الهداية وغيرهم، فإنهم صرحوا بأن ظاهر الرواية وجوب
القصاص فيما قبل الموضحة وهو ستة من الحارصة إلى السمحاق اه‍. قوله: (كالهاشمة والمنقلة) لان
فيهما كسر عظم فلا تمكن المساواة، وكذا الأمة لغلبة الهلاك فيها، ولا يخفى أن هذا عند عدم السراية.
قوله: (وعزاه للجوهرة) وعزاه ط للبحر الزاخر. قوله: (ولا قود في جلد رأس) لعله على غير ظاهر
الرواية، وكذا يقال في لحم الخد ويحمل في الرأس على السمحاق، وأما جلد البدن ولحم البطن
والظهر فقال في الهندية: والجراحات التي هي في غير الوجه والرأس فيها حكومة عدل إذا أوضحت
العظم وكسرته إذ بقي لها أثر، وإلا فعندهما لا شئ عليه. وعند محمد: يلزمه قيمة ما أنفق إلى أن
يبرأ. كذا في محيط السرخسي اه‍ ط. قوله: (ولا في لطمة) اللطم: ضرب الخد وصفحة الجسد
بالكف مفتوحة، والوكز؟ الدفع والضرب بجمع الكف. قاموس. والوجء: الضرب باليد وبالسكين.
قاموس. قال ط: والمراد ضربه باليد لان الوج ء بالسكين داخل في الجراحات، فالثلاثة راجعة إلى
الضرب باليد، وما ذكره لا ينافي ثبوت التعزير. قوله: (وفي سلخ جلد الوجه كمال الدية) لان فيه
تفويت الجمال على الكمال. قوله: (نصف دية للكف) أي مع الأصابع. قوله: (وفيها أصبع) غير
مقيد، لأنه إذا لم يبق مع الإصبع إلا مفصل واحد ففي ظاهر الرواية عند أبي حنيفة: يجب فيه أرش
ذلك المفصل ويجعل الكف تبعا له، لان أرش ذلك المفصل مقدر، وما بقي شئ من الأصل، وإن قل
فلا حكم للتبع.
ثم اعلم أنه إذا قطع الكف ولا أصابع فيها، قال أبو يوسف: فيها حكومة العدل، ولا يبلغ بها

153
أرش أصبع، لان الإصبع الواحدة تتبعها الكف على قول أبي حنيفة فلا تبلغ قيمة التبع قيمة المتبوع.
كفاية. قوله: (عند أبي حنيفة) وعندهما ينظر إلى أرش الكف والإصبع فيكون عليه الأكثر، ويدخل
القليل في الكثير. هداية. قوله: (فإن لا شئ في الكف) بل عليه للأصابع ثلاثة أعشار الدية. قوله:
(إذ للأكثر حكم الكل) أي في تبعية الكف للأصابع، فكما يتبع الخمسة وهي الكل يتبع الثلاثة، فلا
يجب إلا دية الأصابع الثلاثة، ولا شئ في الكف لتبعيته لها، وهذا التعليل في الحقيقة إنما هو
لقولهما أما عنده فالكف يتبع الأقل أيضا كما مر. قوله: (فبقدر النقصان) أي من قيمته لو فرض عبدا
مع هذا العيب وبدونه على قياس ما مر. تأمل. قوله: (فشل الباقي) أي من تلك الإصبع. قوله: (لزم
دية المقطوع فقط) يعني دية الإصبع بتمامها في المسألة الأولى، ودية الأصابع كلها في الثانية، ولا شئ
في الكف لأنه تبع كما مر، وهذا معنى قوله: فقط وليس المراد بالمقطوع في الأولى المفصل فقط كما
قد يتوهم لما ذكره العلامة الواني عن الطحاوي والجامع الصغير البرهاني والقاضيخان أن يجب دية
الإصبع إذا شل الباقي من الإصبع ودية اليد إذا شلت اليد اه‍.
وفي النهاية: إذا قطع من أصبع مفصل واحد فشل الباقي من الإصبع أو الكف لا يجب
القصاص، ولكن تجب الدية فيما شل منه، إن كان أصبعا فدية الإصبع، وإن كان كفا فدية الكف،
وهذا بالاجماع اه‍ ونحوه في غاية البيان. وهذا إذا لم ينتفع بما بقي، وإلا ففيه حكومة عدل. قال
الزيلعي: قطع الإصبع من المفصل الاعلى فشل ما بقي منها يكتفي بأرش واحد إن لم ينتفع بما بقي،
وإن كان ينتفع به تجب دية المقطوع وتجب حكومة عدل في الباقي بالاجماع، وكذا إذا كسر نصف السن
واسود ما بقي أو اصفر أو احمر تجب دية السن اه‍. وذكر الشرنبلالي: أن المراد بقول الزيلعي يكتفي
بأرش واحد: أرش أصبع بدليل قوله: وكذا إذا كسر السن الخ. قوله: (وإن خالف الدرر) حيث
قال: تجب دية المفصل فقط إن لم ينتفع بما بقي، والحكومة فيما بقي إن انتفع به اه‍. والصواب أن
يقول: دية الإصبع، وكأنه أوهمته عبارة الزيلعي المارة وقد علمت المراد بها. فافهم. قوله: (وسيجئ)
أي بعد أسطر. قوله: (وفي الإصبع الزائدة الخ) خبر المبتدأ الآتي وهو قوله (حكومة عدل) وإنما لم
تجب الدية في الأولى لعدم تعلق الجمال بها وفي البواقي، لان المقصود منها منافعها، فإذا جهل وجود
المنفعة لا تجب الدية الكاملة بالشك. قال الزيلعي: ولا يجب القصاص وإن كان للقاطع أصبع زائدة،
وتمامه فيه. قوله: (وحركة) أي للبول. قهستاني. قوله: (وكلام في اللسان) والاستهلال ليس بكلام
وإنما هو مجرد صوت، ومعرفة الصحة فيه بالكلام. هداية وغيرها. وفي القهستاني: لو استهل ففيه
الدية. وقال محمد: إن فيه الحكومة كما في الذخيرة. قوله: (فكبالغ) وكذا في غير ما ذكر من الانف

154
واليد والرجل وغيرها كالبالغ في القود بالعمد والدية بالخطأ. قهستاني. قوله: (أو شعر رأسه) يعني
جميعه، أما إذا تناثر بعضه أو شئ يسير منه فعليه أرش الموضحة ودخل فيه الشعر، وذلك أن ينظر إلى
أرض الموضحة وإلى الحكومة في الشعر، فإن كانا سواء يجب أرش الموضحة، وإن كان أحدهما أكثر من
الآخر دخل الأقل في الأكثر، وهذا إذا لم ينبت شعره، أما إذا نبت ورجع كما كان لم يلزمه شئ.
جوهرة. قوله: (لدخول الجزء في الكل) لان بفوات العقل تبطل منفعة جميع الأعضاء، فصار كما إذا
أوضحه ومات، وأرش الموضحة يجب بفوات جزء من الشعر حتى لو نبت سقط. هداية. ولم يدخل
أرش الموضحة في غير هذين. جوهرة. قوله: (كمن قطع أصبعا الخ) فإن دية الإصبع تدخل في دية
اليد. قوله: (لا تدخل) فعليه أرش الموضحة مع الدية، وهذا إذا لم يحصل من الجناية موت، أما إذا
حصل سقط الأرش ووجبت الدية في ثلاث سنين في ماله لو عمدا، وعلى العاقلة لو خطأ كما في
الجوهرة. قوله: (لأنه كأعضاء مختلفة) أفرد الضمير للعطف بأو، وفي بعض النسخ (لأنها). قوله:
(ولا قود) أي في الشجة بأن شجه فذهبت عيناه بل الدية فيهما مع أرش الشجة. قوله: (خلافا لهما)
فعندهما: في الموضحة القصاص وفي العينين الدية. منح. قوله: (ولا يقطع أصبع شل جاره) بل يجب
أرش كل واحد منهما كاملا. منح. والإصبع قد يذكر. قاموس. قوله: (خلافا لهما) فعندهما عليه
القصاص في الأولى وفي الأخرى. جوهرة. ولو قال المصنف: ولا قود إن ذهب عيناه أو قطع
أصبعا فشل جاره بل الدية فيهما خلافا لهما لكان أظهر. قوله: (من الأصابع) الأظهر قول الهداية
من الإصبع. قوله: (بل دية المفصل والحكومة فيما بقي) كذا في الهداية والكافي والملتقى، وهو محمول
على ما إذا كان ينتفع بما بقي كما قدمناه عن الزيلعي، فلا ينافي ما قدمناه عن شروح الهداية وغيرها
من وجوب دية الإصبع، لكن حمله في العزمية على أنه قول آخر، واستبعد التوفيق بالانتفاع وعدمه بأن
الشلل لا يفارقه عدم الانتفاع به لا محالة. تأمل. وأما عبارة الدرر فهي سهو كما تقدم التنبيه عليه،
فافهم. ولم يتعرض لذكر الخلاف هنا إشارة إلى أنهما لا يقولان بالقصاص هنا، بخلاف ما مر لما في
التتارخانية أن أصحابنا اتفقوا في العضو الواحد إذا طع بعضه فشل باقيه أو شل ما هو تبع للمقطوع:
أي كالكف أنه لا قصاص. واختلفوا في عضوين ليس أحدهما تبعا للآخر اه‍: أي كالإصبع وجاره
فإنه لا قصاص في أو صبع عنده خلافا لهما كما مر، والمراد عضوان غير متباينين، وإلا فأرش أحدهما
لا يمنع قود الآخر عنده أيضا كما يأتي قريبا. قول: (أو أصفر أو أحمر) أي أو دخله عيب بوجه ما.
مكي عن الكافي ط. وما ذكره في الاصفرار هو المختار كما في الدرر. وبه جزم في التبيين أولا،
لكن ذكر بعده بنحو ورقة فيما لو اصفرت بالضرب وجوب الحكومة، لان الصفرة لا توجب تفويت
الجمال ولا المنفعة، إلا أن كمال الجمال في البياض اه‍. ولعلهم فرقوا بين الاصفرار بالكسر
والاصفرار بالضرب. تأمل. قوله: (وإلا فلو مما يرى الخ) عبارة الإمام محمد مطلقة قال في الكفاية

155
وغيرها: ويجب أن يكون الجواب فيها على التفصيل الخ. قوله: (فالدية أيضا) لأنه فوت جمالا ظاهرا
على الكمال. كفاية. قوله: (فيه ما فيه) أجيب عنه بأن المعنى فلا شئ فيه مقدر فلا ينافي وجوب
حكومة العدل ط. قوله: (متباينين حقيقة) كيد ورجل ط. قوله: (على محل) كموضحة أزالت عقله أو
سمعه أو بصره أو نطقه، وسواء كان المحل عضوا واحدا أو عضوين غير متباينين كإصبع شل جاره
خلافا لهما في العضوين كما مر. قوله: (ويجب الأرش) أي خمسمائة درهم. هداية. قوله: (أقاد
سنه) يقال أقال القاتل بالقتيل إذا قتله به كما في المغرب والقاموس، فيتعدى إلى الأول بالهمزة وإلى
الثاني بالباء، وعليه فحقه أقاد بسنه. تأمل. قوله: (ثم نبت) أي كله غير معوج كما سيأتي. قوله:
(بعد مضي حول) أفاد أنه ليس له القود قبله كما يصرح به قوله بعد ذلك: أي بعد الإقادة. قوله:
(لتبين الخطأ) أي في القصاص، لان الموجب له فساد المنبت ولم يفسد حيث نبت مكانها أخرى،
فانعدمت الجناية. هداية. قوله: (للشبهة) أي شبهة وجوب القصاص قبل النبات ط. قوله: (ويستأني)
بسكون الهمزة وتخفيف النون: أي ينتظر، وينبغي للقاضي أن يأخذ من القالع ضمنيا كما في الكفاية.
قوله: وكذا أي يستأني حولا. قوله: (لكن في الخلاصة) حيث قال: قلع سن بالغ لا يؤجل سنة
إنما ذلك الصبي، ولكن ينتظر حتى يبرأ موضع السن، أما إذا ضربه فتحرك ينتظر حولا، وفي
نسخة السرخسي: يستأني حولا في الكبير الذي لا يرجى نباته في الكسر والقلع، وبالأول يفتى اه‍
ملخصا. قوله: (وقد يوفق الخ) أي بحمل ما في الملتقى على الصغير وما في الخلاصة على الكبير كما
هو صريح عبارتها. قوله: (أو قلعها فردت) أي قبل القود ط. قوله: (لعدم عود العروق) علة
لوجوب الأرش ط. ووجوبه هنا على الجاني. قوله: (إن عادت) أي إن تصور عودها. قوله: (لأنها لا
تعود) الظاهر جريان ما قاله شيخ الاسلام هنا أيضا. تأمل. قوله: (فإنه يسقط الأرش) أي عن الجاني
لانعدام الجناية معنى. قوله: (كسن صغير) فإنه لا يجب الأرش بالاجماع إذا نبتت، لأنه لم تفت عليه
منفعة ولا زينة. هداية. قوله: (خلافا لهما) حيث قالا: عليه الأرش كاملا لتحقق الجناية والحادث
نعمة مبتدأة من الله تعالى. هداية. قوله: (فحكومة عدل) أي عند أبي حنيفة. زيلعي. ولو نبتت سوداء

156
جعل كأنها لم تنبت. تتارخانية. قوله: (ولا شئ في ظفر الخ) فهو كالسن. بقي ما إذا لم ينبت، قال
في الاختيار: وفي قلع الأظفار فلم تنبت حكومة عدل لأنه لم يرد فيها أرش مقدر ا ه‍. وإن نبت
الظفر على عيب فحكومة دون الأولى. ظهيرية. قوله: (ولم يبق له أثر) فإن بقي له أثر: فإن شجه لها
أرش مقدر لزم، وإلا فحكومة. قوله: فإنه لا شئ فيه أي عند الامام كنبات السن. وفي البرجندي
عن الخزانة والمختار قول أبي حنيفة. در منتقى. وعليه اعتمد المحبوبي والنسفي وغيرهما، لكن قال في
العيون: لا يجب عليه شئ قياسا، وقالا: يستحسن أن تجب حكومة عدل مثل أجرة الطبيب، وهكذا
كل جراحة برئت اه‍ ملخصا من تصحيح العلامة قاسم.
قال السائحاني: ويظهر لي رجحان الاستحسان، لان حق الآدمي مبني على المشاححة اه‍، وفي
البزازية: لا شئ عليه عند محمد، وهذا قياس قول الإمام أيضا، وفي الاستحسان الحكومة وهو قول
الثاني. قال الفقيه: الفتوى على قول محمد إنه لا شئ عليه إلا ثمن الأدوية. قال القاضي: أنا لا أترك
قولهما: وإن بقي أثر يجب أرش ذلك الأثر إن منقلة مثلا فإرش المنقلة اه‍. قال الرملي: وتأمل ما بينه
وبين ما هنا من سوق الخلاف، وما هنا هو المذكور في الزيلعي والعيني وغالب الشروح.
قوله: (وهي حكومة عدل) أنث الضمير مراعاة للخبر. قوله: (قاله المصنف) وغيره كالزيلعي. قوله:
(وقد قدمنا) أي في باب القود فيما دون النفس نحوه: أي نحو ما ذكره الطحاوي. قوله: (وذكر هنا)
أي صاحب المجتبى في شرح هذه المسألة عنه: أي عن أبي يوسف روايتين حيث قال: وقال أبو
يوسف: عليه أرش الألم. وقال محمد: عليه أجرة الطبيب وثمن الأدوية وهو رواية عن أبي يوسف
زجرا للسفيه وجبرا للضرر. وإنما أوجب أبو يوسف أرش الألم وأراد به حكومة عدل، وهو أن يقوم
عبدا صحيحا ويقوم بهذا الألم.
ثم قال: قلت: فسر حكومة العدل عند أبي يوسف بأجرة الطبيب، وهكذا رأيته في غير موضع
أنه أراد أجرة الطبيب وثمن الأودية. وقال القدوري: إن أجرة الطبيب قول محمد. قوله: (فتنبه) أشار
به إلى أن تفسير الطحاوي إنما يتأتى على إحدى روايتين عن أبي يوسف ط. قوله: (ولا يقاد جرح إلا
بعد برئه) لما روي: أنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه رواه أحمد
والدارقطني، ولأن الجراحات يعتبر فيها مآلها لاحتمال أن تسري إلى النفس فيظهر أنه قتل فلا يعلم أنه
جرح إلا بالبرء فيستقر به. زيلعي. قوله: (خطأ) أي في حكم الخطأ في وجوب المال. قوله:
(بخلاف السكران والمغمى عليه) كذا في القهستاني، والظاهر أن المراد السكران بغير مباح زجرا له،
وإلا فالعمد لا بد فيه من القصد، والسكران بمباح لا قصد له ولا زجر عليه، تأمل. وكذا يقال في
المغمى، فإنه لا قصد له كالنائم بل هو أشد، وأيضا فالصبي له قصد بالجملة، وقد جعل عمده خطأ

157
فهذا أولى، فتأمل وراجع. وفي الأشباه: السكران من محرم مكلف، وإن من مباح فلا فهو كالمغمى
عليه. قوله: (وعلى عاقلته) الأولى عاقلتهما. قوله: (إن بلغ) الأولى بلغت. قوله: (نصف العشر) هو
خمسمائة في الرجل ومائتان وخمسون في المرأة. قهستاني. قوله: (وإلا ففي ماله) أي بأن لم تبلغ نصف
العشر، فإنه يسلك فيه مسلك الأموال، زيلعي. أو كان من العجم فإن المختار فيهم أنه لا عاقلة لهم
كما سيأتي. قوله: (ولا كفارة) لأنهما لا ذنب لهما تستره، وحرمان الإرث عقوبة وليسا من أهلها،
وأما حرمان الصبي المرتد من ميراث أبيه فلاختلاف الدين لا جزاء للردة. قوله: (وتمامه فيما علقته
على الملتقى) حيث قال: وفيه إشعار بأنه لو جن بعد ما قتل قتل، وهذا لو الجنون غير مطبق، وإلا
فيسقط القود. كذا ذكره شيخ الاسلام. وعنهما: لا يقتل مطلقا إلا إذا قضى عليه بالقود. وفي
المنتقى: لو جن قبل الدفع إلى ولي القتيل لم يقتل، كما لو عته بعد القتل وفي الدية في ماله. قهستاني
عن الظهيرية اه‍. وتقدمت المسألة في فصل ما يوجب القود. قوله: (ينتظر بلوغ المضروب) الذي
تحرر مما قدمناه في هذا الفصل أن المضروب لو كان بالغا يؤجل حتى يبرأ، ولو كان صبيا يؤجل
حولا، وأما تأجيله إلى البلوغ فالظاهر أنه قول آخر، أو أنه خاص بما إذا كان الضارب صبيا
كالمضروب، ولكنه يحتاج إلى الفرق بينه وبين ما إذا كان الضارب بالغا، فليتأمل. قوله: (ولم ينبت) أما
إذا نبت فلا شئ عليه كما تقدم ط. قوله: (وسنحققه في المعاقل) أي نحقق أن الدية في العجم من
مال الجاني ط. قوله: (مطلقا) أي وإن كانت أكثر من أرش الموضحة ط. قوله: (كما في تنوير
البصائر) عبارته مهمة: حكومة العدل إن كانت دون أرش الموضحة أو مثل أرش الموضحة لا تتحمله
العاقلة، وإن كانت أكثر من ذلك بيقين فلا، رواية عن أصحابنا رحمهم الله تعالى، وقد اختلف فيه
المتأخرون، قال شيخ الاسلام: الصحيح أنه لا تتحمله العاقلة. كذا في التتارخانية اه‍ ط. والله تعالى
أعلم.
فصل في الجنين
لما أنهى الكلام على أحكام الاجزاء الحقيقية عقبه بأحكام الجزء الحكمي وهو الجنين لكونه في
حكم الجزء من الام، وهو فعيل بمعنى مفعول من جنة: إذا ستره من باب طلب، وهو الولد ما دام
في الرحم ط ملخصا. ويكفي استنابة بعض خلقه كظفر وشعر كما سيأتي متنا. قوله: (ضرب بطن
امرأة) وكذا لو ضرب ظهرها أو جنبها أو رأسها أو عضوا من أعضائها، فتأمل. رملي. ونحوه في أبي

158
السعود عن التحريري. وقال السائحاني: يؤخذ مما يأتي من قوله: أسقطته بدواء أو فعل أن البطن
والضرب ليسا بقيد، حتى لو ضرب رأسها أو عالجت فرجها ففيه الضمان كما صرحوا به اه‍.
وقال في الخيرية: وقد أفتى والد شيخنا أمين الدين بن عبد العال: إذا صاح على امرأة فألقت
جنينا لا يضمن، وإذا خوفها بالضرب يضمن.
وأقول: وجه الفرق أن في موتها بالتخويف وهو فعل صادر منه نسب إليه، وبالصياح موتها
بالخوف الصادر منها، وصرحوا أنه لو صاح على كبير فمات لا يضمن، وأنه لو صاح عليه فجأة فمات
منها تجب الدية.
وأقول: لا مخالفة لأنه في الأول مات بالخوف المنسوب إليه، وفي الثاني بالصيحة فجأة المنسوبة
إلى الصائح، والقول للفاعل أنه مات من الخوف، وعلى الأولياء البينة أنه من التخويف. وعلى هذا فلو
صاح على المرأة فجأة فألقت من صيحته يضمن، ولو ألقت امرأة غيرها لا يضمن لعدم تعديه عليها،
فتأمله فإنه تحرير جيد اه‍ ملخصا. قوله: (خرج الأمة والبهيمة) فيه نشر مشوش. قوله: (وسيجئ
حكمهما) أي في هذا الفصل. قوله: (أو من المغرور) كما لو تزوجها على أنها حرة أو شراها
فاستحقت وقد علقت منه. قوله: (فالعجب من المصنف كيف لم يذكره) أي مع شدة متابعته للدرر،
فكان عليه أن يسقط التقييد بالحرية أولا ويذكره بعد قوله: فألقت جنينا ميتا كما فعل الشارح، أو
يقول: ضرب بطن امرأة حامل. بحر لئلا يوهم أن حرية الام شرط. قوله: (غرة الشهر أوله الخ)
بيان لوجه التسمية. قوله: (وهذه أول مقادير الدية) فإن أقل أرش مقدر نصف العشر كما مر في
الشجاج. قوله: (أي دية الرجل الخ) يعني أن المراد من الدية في كلام المصنف دية الرجل، ونصف
عشرها هو خمسمائة درهم هو غرة الجنين ذكرا أو أنثى، لان غرة الجنين الأنثى عشر دية المرأة
وذلك خمسمائة أيضا، لان دية المرأة نصف دية الرجل.
وحاصله: أنه لا فرق بين غرة الذكر والأنثى، ولهذا لم يبين المصنف أنه ذكر أو أنثى. قوله:
(في سنة) أي على العاقلة كما سيصرح به وهذا في جنين الحرة، أما الأمة ففي مال الضارب حالا كما
سيأتي قوله: (ولنا فعله عليه الصلاة والسلام) وهو ما روي عن محمد بن الحسن أنه قال: بلغنا أن رسول
الله صلى الله عليه وآله قضى بالغرة على العاقلة في سنة) زيلعي.
واعلم أن وجوب الغرة مخالف للقياس. روي أن سائلا قال لزفر: لا يخلو من أنه مات بالضرب
ففيه دية كاملة، أو لم ينفخ فيه الروح فلا شئ فيه، فسكت زفر، فقال له السائل: أعتقتك سائبة،
فجاء زفر إلى أبي يوسف فقال: التعبد التعبد: أي ثابت بالسنة من غير أن يدرك بالعقل. عناية

159
ملخصا. قوله: (فإن ألقته حيا) تثبت حياته بكل ما يدل على الحياة من الاستهلال، والرضاع،
والنفس، والعطاس وغير ذلك، أما لو تحرك عضو منه فلا، لأنه قد يكون من اختلاج أو من خروج
من ضيق اه‍ ط عن المكي. قوله: (فدية كاملة) أي وكفارة كما في الاختيار وسيأتي لأنه شبه عمد أو
خطأ، والدية على العاقلة هنا أيضا، وبه صرح في الجوهرة والاختيار، فقول المصنف في المنح على
الضارب على حذف مضاف، أو مبني على الصحيح من أن الوجوب على الضارب أولا، ثم تتحمله
عنه العاقلة كما قدمناه في فصل الفعلين، ولذا لم يقل في ماله. تأمل. قوله: وإن ألقته ميتا فماتت
الام الخ بيان لموت كل منهما وهو أربع صور، لان خروجه إما في حال حياة الام أو حال
موتهما أو موتها فقط أو حياتهما. قوله: (لما تقرر الخ) كما إذا رمى فأصاب شخصا ونفذ منه إلى آخر
فقتله فإنه يجب عليه ديتان إن كانا خطأ، وإن كان الأول عمدا يجب القصاص والدية. زيلعي. قوله:
(وظاهره تعدد الدية) أي لو ألقتهما حيين فماتا. قوله: (ولم أره فليراجع) أقول: صرح به في الجوهرة
والدرر. وقال الرملي: وفي شرح الطحاوي: لو ألقت جنينين تجب غرتان وإن أحدهما حيا فمات
والآخر ميتا فغرة ودية، وإن ماتت الام ثم خرجا ميتين تجب دية الام وحدها إلا إذا خرجا حيين فماتا
فثلاث ديات، وعلى هذا يقاس، وإن خرج أحدهما قبل موت الام والآخر بعد موتها وهما ميتان ففي
الذي خرج قبل الغرة ولا شئ في الذي خرج بعد، والذي خرج قبل موت أمه لا يرث من دية أمه
شيئا وترث الام منه، والآخر لا يرث من أحد، ولا يورث عنه إلا إذا خرج حيا ثم مات ففيه الدية
كاملة، ويرثها ورثته. كذا في التتارخانية مختصرا اه‍. قوله: (فدية فقط) لان موت الام سبب لموته
ظاهرا، إذا حياته بحياتها وتنفسه بتنفسها فيتحقق موته بموتها، فلا يكون في معنى ما ورد به النص، إذ
الاحتمال فيه أقل فلا يضمن بالشك. زيلعي. قوله: (ولا يرث ضاربه منها) أي ولا من غيرها لأنه
قاتل مباشرة. قوله: (وفي جنين الأمة) أي الذي ألقته ميتا كما هو موضوع المسألة. قوله (لو حيا)
راجع إلى قيمته: أي قيمته لو فرض حيا: أما لو ألقته حيا ثم مات من ضربه ففيه القيمة بتمامها كما
سيشير إليه الشارح. قوله: الرقيق احترز عما إذا كان من مولاها أو من المغرور، فإنه حر، وفيه الغرة
على العاقلة كما قدمه، وقوله: لو أنثى مقابل قوله: الذكر لا قوله: لو حيا. قوله: (ولا يلزم زيادة
الأنثى) أي فيما إذا كانت قيمتها أكثر من قيمة الغلام لأنه نادر، والغالب زيادة قيمة الذكر.
أقول: وفيه نظر. وقد يقال: لا محذور في اللزوم المذكور، لان اعتبار زيادة الذكر على الأنثى
إنما هو في الأحرار لشرف الحرية، لا في الأرقاء لأنهم كالمتاع ولذا لم تقدر لهم دية. قوله: (فلا شئ

160
عليه) تبع في القهستاني. والذي في الكفاية والعناية وغيرهما أنه يؤخذ بالمتيقن كقتل عبد خنثى خطأ،
ولو ضاع الجنين ووقع النزاع في قيمته باعتبار لونه وهيئته على تقدير حياته فالقول للضارب لانكاره
الزيادة. قوله، (كما إذا ألقى بلا رأس) تنظير لا تمثيل.
أقول: وسيأتي أن ما استبان بعض خلقه كتام الخلقة، ولعل المراد بعد استبانة الرأس إذ لا حياة
بدونه، بخلاف غيره من الأعضاء. تأمل. قوله: (في مال الضارب) لان العاقلة لا تعقل الرقيق.
اختيار. تأمل. وقوله: للأمة كذا في بعض النسخ وهو متعلق بالضرب. قال ط: وهذا حكم
الجنين، وأما إذا ماتت الام: قال في الهندية عن الذخيرة: قال أبو حنيفة: على الضارب قيمة الام في
ثلاث سنين اه‍ فليتأمل اه‍.
أقول: والحاصل أن الجنين كعضو منها، وسيأتي آخر المعاقل أن الحر إذا جنى على نفس عبد
خطأ فهي على عاقلته إذا قتله، لان العاقلة لا تتحمل أطراف العبد. قوله: (به) أي بنقصان الولادة.
قوله: (وإلا) بأن انتقصت عشرة مثلا وقيمة الجنين خمسة فعليه عشرة. قوله: (وقال أبو يوسف الخ)
هذا غير ظاهر الرواية عن أبي يوسف. قال في المبسوط: ثم وجوب البدل في جنين الأمة قول أبي
حنيفة ومحمد، وهو الظاهر من قول أبي يوسف. وعنه في رواية أنه لا يجب إلا نقصان الام إن تمكن
فيها نقص، وإن لم يتمكن لا يجب شئ. عناية. قوله: (بعد ضربه) فلو حرره قبله وله أب حر ففيه
الغرة للأب دون المولى. تتارخانية. قوله: (ضرب بطن الأمة) بدل من قوله: ضربه وأشار إلى أن
المصدر مضاف لمفعوله، ويجوز عود الضمير إلى الجنين، فيتحد مرجع الضمائر. تأمل. قوله: (للمولى)
قال أبو الليث: لم يذكر محمد أنها للمولى أو لورثة الجنين،، فيجوز أن يقال أنها للمولى لاستناد الضمائر
إلى الضرب ووقت الضرب كان مملوكا. إتقاني ملخصا. وذكر في التتارخانية اختلاف المشايخ فيه: فقيل: لورثته، وقيل: للجنين. قوله: (لان المعتبر حالة الضرب) لأنه قتله بالضرب السابق وقد كان في
حالة الرق، فلهذا تجب القيمة دون الدية، وتجب القيمة دون الدية وتجب قيمته حيا لأنه صار قاتلا إياه وهو حي، فنظرنا إلى
حالتي السبب والتلف. هداية يعني أوجبنا القيمة دون الدية اعتبارا بحالة الضرب، وأوجبنا قيمته
حيا لا مشكوكا في حياته باعتبار حالة التلف، إذ لو اعتبر حالة الضرب فقد جاز أن لا يكون حيا فلا
تجب قيمته بل تجب الغرة. كفاية ملخصا. قوله: (ففيه الكفارة) لأنه أتلف آدميا خطأ أو شبه عمد.
قوله: (كذا صرح به في الحاوي القدسي) أقول: وكذا صرح به في الاختيار كما قدمناه عنه، وسيذكره

161
الشارح عن الواقعات. قوله: (وهو مفهوم الخ) فيه اعتذر عن عدم التصريح بالتفصيل في كثير من
الكتب حيث أطلقوا قولهم: ولا كفارة في الجنين. قوله: (وما استبان بعض خلقه الخ) تقدم في باب
الحيض أنه لا يستبين خلقه إلا بعد مائة وعشرين يوما، وظاهر ما قدمه عن الذخيرة أنه لا بد من
وجود الرأس. وفي الشمني: ولو ألقت مضغة ولم يتبين شئ من خلقه فشهدت ثقات من القوابل أنه
مبدي خلق آدمي ولو بقي لتصور فلا غرة فيه، وتجب فيه عندنا حكومة اه‍. قوله: (وعدة ونفاس) أي
تنقضي به العدة وتصير به أمة نفساء: قوله: (ففي مالها) أي في رواية، وعلى عاقلتها في رواية وهو
المختار. جامع الفصولين: أي لما سيأتي آخر المعاقل أن من لا عاقلة له فالدية في بيت المال في ظاهر
الرواية، وعليه الفتوى، وإن رواية وجوبها في ماله شاذة، ويأتي تمامه هناك إن شاء الله تعالى. قوله:
(ولا تأثم) الأنسب في التعبير وأثمت لان الكلام عند وجوب الغرة وهي لا تجب إلا باستبانة بعض
الخلق، ثم يقول: ولو لم يستبن بعض خلقه فلا إثم ط.
1 وفي الخانية قالوا: إن لم يستبن شئ من خلقه لا تأثم. قال رضي الله عنه: ولا أقول به إذ
المحرم إذا كسر بيض الصيد يضمن لأنه أصل الصيد، فلما كان مؤخذا بالجزاء ثمة فلا أقل من أن
يلحقها إثم هنا إذا أسقطت بلا عذر إلا أنها لا تأثم إثم القتل اه‍. ولا يخفى أنها تأثم إثم القتل لو
استبان خلقه ومات بفعلها. قوله: (أسقطته عمدا) كذا قيد به في الكفاية وغيرها. قال في
الشرنبلالية: وإلا فلا شئ عليها، وفي حق غيرها: لا يشترط قصد إسقاط الولد كما في الخانية اه‍.
قوله: (كضربها بطنها) وكما إذا عالجت فرجها حتى أسقطت. كفاية أو حملت حملا ثقيلا. تتارخانية:
أي على قصد إسقاطه كما علم مما مر. قوله: (فإن أذن لا) ذكره الزيلعي وصاحب الكافي وغيرهما.
وقال في الشرنبلالية: أقول: وهذا يتمشى على الرواية الضعيفة لا على الصحيح لما قال في
الكافي: قال لغيره: اقتلني فقتله تجب الدية في ماله في الصحيح، لان الإباحة لا تجري في النفوس،
سقط القصاص للشبهة. وفي رواية لا يجب شئ لأنه نفسه حقه، وقد أذن بإتلاف حقه انتهى. فكذا
الغرة أو دية الجنين، حقه غير إن الإباحة منتفية، فلا تسقط الغرة عن عاقلة المرأة بمجرد أمر زوجها
بإتلاف الجنين، لان أمرها لا ينزل عن فعله، فإنه إذا ضرب امرأته فألقت جنينا لزم عاقلته الغرة ولا
يرث منها، فلو نظرنا لكون الغرة حقه لك يجب بضرب شئ، لكن لما كان الآدمي لا يملك أحد إهدار
آدميته لزم ما قدره الشارع بإتلاف، واستحقه غير الجاني اه‍ ملخصا.
أقول: وفيه نظر، لما صرحوا به من أن الجنين لم يعتبر نفسا عندنا لعدم تحقق آدميته، وأنه اعتبر
جزءا من أمه من وجه ولذا لا تجب فيه القيمة أو الدية كاملة ولا الكفارة ما لم تتحقق حياته، وقدمنا أن
وجوب الغرة تعبدي، فلا يصح إلحاقه بالنفس المحققة حتى يقال: إن الإباحة لا تجري في النفوس،
فلا يلزم من تصحيح الضمان في الفرع المار تصحيحه في هذا، وتقدم أول الجنايات أنه لو قال: اقطع

162
يدي أو رجلي لا شئ فيه وإن سرى لنفسه، لان الأطراف كالأموال فصح الامر، فإلحاقه بهذا الفرع
أولى، لأنه إذا لم يكن هو الضارب فالحق له وقد رضي بإتلاف حقه، بخلاف ما إذا كان هو الضارب
فإنها حق غيره ولذا لا يرث منها، وهذا ما ظهر لفهمي القاصر فتأمله. قوله: (ولو أمرت امرأة) أي
أمرت الزوجة غيرها، والظاهر أن عدم الضمان بعد أن أذن لها زوجها في الاسقاط على ما يدل عليه
سوق كلام صاحب الخلاصة، وإلا فمجرد أمر الام لا يكون سببا لسقوط حق الأب، وهو ظاهر ا
ه‍. واني. لكن ذكر عزمي أن نفي الضمان عن المأمورة لا يلزم منه نفيه عن الآمرة إذا لم يأذن لها
زوجها، وقد اعترض الشرنبلالي هنا بنظير ما مر وعلمت ما فيه، فتدبر. قوله: (لاستحالة الدين) أي
لاستحالة وجوب دين وهو الغرة للمولى على مملوكه ط. قوله: (مكا لم تستحق الخ) قال في الزيادات:
اشترى أمه وقبضها وحبلت منه ثم ضربت بطنها عمدا فأسقطته ميتا، ثم استحقها رجل بالبينة وقضى
له بها أو بعقرها على المشتري يقال للمستحق إنها قتلت ولدها الحر، لان ولد المغرور حر بالقيمة
والجنين الحر مضمون بالغرة فادفع أمتك أو افدها بغرته. تتارخانية.
ثم قال في جامع الفصولين: أقول: إذا أخذ الغرة ينبغي أن يجوز للمستحق أن يطالبه بقيمة
الجنين، إذ قيام البدل كقيام المبدل اه‍. لكن سلم له الغرة فيغرم بحسابها. وتمامه في ط عن الهندية.
قوله: (للمولى) أي المستولد. قوله: (فعليها الدية والكفارة) أي ولو بإذن الزوج لتحقق الجناية على
نفس حية فلا تجري فيها الإباحة، بخلاف ما إذا ألقته ميتا فتسقط الغرة عنها لو بإذنه كما مر. تأمل.
قوله: (ويجب في جنين البهيمة الخ) هذا إذا ألقته ميتا، أما إذا ألقته حيا فمات من الضرب تجب قيمته
في ماله حالة، ولا يجبر بها نقصان الام كما يجبر نقصان الأمة بقيمة جنينها، لأنه مال أتلفه فيضمنه مع
نقصان الام. تأمل. رملي. قوله: (ووقع أحد الولدين حيا الخ) أي ثم مات. قوله: (وماتت أيضا)
أي ثم ماتت الام أيضا كما عبر في التتارخانية فأفاد أن موتها بعد موت الذي وقع حيا إذ لو ماتت قبله
لورث القصاص على أبيه فيسقط كما قاله المحشي الحلبي. قوله: (وتجب غرة الولد الميت) لو أسقط
تجب وعطف الغرة على الدية لكان أولى، ليفيد أنها على العاقلة أيضا، وإنما لم تجب فيه الدية أيضا لعدم
التحقق بحياته كما مر. قوله: (لأنه لما ضرب الخ) تعليل لوجوب الدية على عاقلته لا في ماله، إذ لو
كان الضرب بالنسبة للولد عمدا لم تجب على العاقلة، ومقتضاه لو علم بالولدين وقصد ضربهما أيضا

163
أنه تجب دية الحي في ماله في ثلاث سنين لسقوط القصاص بشبهة الأبوة، أما لو علم بهما ولم يقصد
ضربهما بل قصد ضرب الام فقط لا تجب دية الحي في ماله، كمن قصد رمي شخص فنفذ منه السهم
إلى آخر، تأمل. والله تعالى أعلم.
باب ما يحدثه الرجل في الطريق وغيره
قوله: (إلى طريق العامة) أي النافذة الواقعة في الأمصار، والقرى دون الطريق في المفاوز
والصحارى لأنه يمكن العدول عنها غالبا كما في الزاهدي، وطريق العامة ما لا يحصى قومه، أو ما
تركه للمرور قوم بنوا دورا في أرض غير مملوكة فهي باقية على ملك العامة، وهذا مختار شيخ الاسلام
والأول مختار الامام الحلواني كما في العمادي. قهستاني. قوله: (أو جرصنا) بضم الجيم وسكون الراء
وضم الصاد المهملة، وهو دخيل: أي ليس بعربي أصلي، فقد اختلف فيه: فقيل: البرج، وقيل: مجرى
ماء يركب في الحائط. وعن الامام البزدوي: جذع يخرجه لانسان من الحائط ليبني عليه. مغرب. قال
العيني: وقيل: هو الممر على العلو وهو مثل الرف، وقيل هو الخشبة الموضوعة على جدار السطحين
ليتمكن من المرور، وقيل: هو الذي يعمل قدام الطاقة لتوضع عليه كيزان ونحوها اه‍. قوله: (كبرج
الخ) حكاية الأقوال المارة في تفسير الجرصن. قوله: (ونحوها) هو في عبارة العيني بمعنى نحو
الكيزان. قوله: (أو دكانا) هو المرضع المرتفع مثل المصطبة. عيني. قوله: (فإن ضر لم يحل) كان عليه
أن يقول: فإن ضر أو منع لم يحل اه‍. وفي القهستاني: ويحل له الانتفاع بها وإن منع عنه كما في
الكرماني. وقال الطحاوي: إنه لو منع عنه لا يباح له الاحداث ويأثم بالانتفاع والترك كما في الذخيرة. قوله: (من أهل الخصومة) هو الحر البالغ العاقل، بخلاف العبيد والصبيان المحجورين
. وأفاد في الدر المنتقى أن لهم ذلك بالاذن. قوله: (ولو ذميا) لان له حقا في الطريق. كفاية. وعبارة
التتارخانية: ويدخل فيه الكافر خصوصا إذا كان ذميا اه‍. فتنبه. قوله: (سواء كان فيه ضررا أو لا)
هذا هو الصحيح من مذهب الامام. وقال محمد: له المنع لا الرفع. وقال أبو يوسف: لا ولا، وهذا
إذا علم بإحداثه، فلو لم يعلم جعل حديثا فللامام نقضه. وعن أبي يوسف: إنما ينقضه إن ضر بهم.
در منتقى. قوله: (وقيل الخ) قائله إسماعيل الصفار كما في الزيلعي. قوله: (وإلا كان تعنتا) لأنه لو
أراد إزالة الضرر عن الناس لبدأ بنفسه. كفاية. قوله: (بغير إذن الإمام) فإن أذن فليس لأحد أن يلزمه
وأن ينازعه، لكن لا ينبغي للامام أن يأذن به إذا ضر بالناس بأن كان الطريق ضيقا، ولو رأى المصلحة
مع ذلك وأذن جاز اه‍. حموي عن مسكين. وفي الشمني أنه مع الضرر لا يجوز بلا خلاف، أذن
الامام أو لم يأذن اه‍ ط. ولعل المراد بأثم به. وإن لم يكن لاحد منازعته، لان منازعة ما يوضع بإذن
الامام افتيات على الامام، فلا يخالف ما قبله. تأمل. قوله: (زاد الصفار الخ) هو القيل المتقدم المفصل

164
فلا وجه لإعادته، وظاهر كلامهم اعتماد الاطلاق لحكايتهم، هذا القول منسوبا إلى الصفار بعد حكاية
الحكم أولا مطلقا، فكأنه قول الجميع، والوجه: أن النهي عن المنكر لا يتقيد بكون الناهي متباعدا عن
هذا المنكر كما سبق في الحظر ط.
أقول: هذا الوجه إنما يظهر لو كان فيه ضرر لأنه حينئذ منكر، فتدبر. قوله: (وإن بنى
للمسلمين) أي ولم يضر بهم كما في الكفاية والقهستاني. قوله: (أو بنى بإذن الامام) ظاهره أنه لو بنى
بإذنه فليس لأحد منازعته وإن ضر وقدمناه صريحا عن مسكين، ويدل عليه ما سيأتي من عدم الضمان
لو بإذن الامام، وفي الكفاية وغيرها: قال أبو حنيفة: لكل أحد من عرض الناس أن يمنعه من
الوضع، وأن يكلفه الرفع بعد الوضع، سواء كان فيه ضرر أو لا إذا وضع بغير إذن الإمام، لان
التدبير فيما يكون للعامة إلى الامام لتسكين الفتنة، فالذي وضع بغير إذنه يفتات على رأي الامام فيه
فلكل أحد أن ينكره عليه اه‍. والافتيات السبق. صحاح. فافهم. قوله: (وإن كان يضر) مقابل قوله
جاز إن لم يضر. قوله: (لا ضرر ولا ضرار) أي لا يضر الرجل أخاه ابتداء ولا جزاء، لان الضرر
بمعنى الضر ويكون من واحد، والضرار من اثنين بمعنى المضارة، وهو أن تضر من ضرك. مغرب.
والضرر في الجزاء هو أن يتعدى المجازي عن قدر حقه في القصاص وغيره. كفاية. قوله: (والقعود)
وكذا الغرس. قهستاني. قوله: (يجوز إن لم يضر بأحد) الأنسب في التعبير أن يضع هذه الجملة بعد
قوله: على هذا التفصيل ط. قوله: (وفي غير النافذ الخ) المراد بغير النافذة المملوكة، وليس ذلك بعلة
الملك فقد تنفذ، وهي مملوكة وقد يسد منفذها، وهي للعامة لكن ذلك دليل على الملك غالبا فأقيم
مقامه ووجب العمل به حتى يدل الدليل على خلافه. كفاية عن الجامع الصغير لفخر الاسلام. قوله:
(لا يجوز أن يتصرف بإحداث) أقول في الخانية: قال أبو حنيفة: الطريق لو كان غير نافذ فلأصحابه أن
يضعوا فيه الخشبة، ويربطوا فيه الدواب، ويتوضؤوا فيه، فلو عطب أحد لا يضمن، وإن بنى أو حفر
بئرا ضمن اه‍.
وفي جامع الفصولين: أراد أن يتخذ طينا فيه، فلو ترك من الطريق قدر المرور، ويتخذ في
الأحايين مرة ويرفعه سريعا فله ذلك، ولكل إمساك الدواب على باب داره، لان السكة التي لا تنفذ
كدار مشتركة، ولكل من الشركاء أن يسكن في بعض الدار لا أن يبني فيها، وإمساك الدواب في
بلادنا من السكنى اه‍.
وفي التتارخانية: إن فعل في غير النافذة ما ليس من جملة السكنى لا يضمن حصة نفسه ويضمن
حصة شركائه، وإن من جملة السكنى فالقياس كذلك، والاستحسان لا يضمن شيئا اه‍. ومثله في
الكفاية.
أقول: وبه ظهر أن المراد لا يجوز إحداث شئ مما مر كالميزاب والدكان ونحو ذلك مما يبقى كما
أفاده السائحاني. قوله: (إلا بإذنهم) أي كلهم حتى المشتري من أحدهم بعد الاذن لما في الخانية رجل
أحدث بناء أو غرفة على سكة غير نافذة ورضي بها أهل السكة فجاء رجل من غير أهلها واشترى دارا

165
منها كان للمشتري أن يأمر صاحب الغرفة برفعها اه‍. سائحاني. قوله: (لأنه كالملك) الأولى لأنه
ملك بر تشبيه كما فعل في الهداية، ودل عليه ما قدمناه عن الجامع. قوله: (ثم الأصل الخ) فائدته
أن الحديث للامام نقضه والقديم لا ينقضه أحد كما في القهستاني. قال السائحاني: فإن برهنا فبينة
القدم في البناء تقدم، وفي الكافي بينة الحدوث فعلها في غير البناء كمسيل واستطراق، وقال الشيخ
خير الدين عن الصغرى: يجعل أقصى الوقت الذي تحفظه الناس حد القديم، وهذا في غاية الحسن ا
ه‍. قوله: (فديته على عاقلته) وكذا لو جرحه إن بلغ أرشه أرش الموضحة، وإن كان دونه ففي ماله
كفاية، وأشعر بأنه لا تجب الكفارة، ولا يحرم من الميراث كما في الذخيرة. قهستاني. قوله: (ملتقى)
زاد في الشرح: وكذا كل ما فعل في طريق العامة اه‍.
وفي الملتقى أيضا: ويضمن من صب الماء في الطريق ما عطب به، وكذا إن رشه بحيث يزلق أو
توضأ به، وإن فعل شيئا من ذلك في سكة غير نافذة وهو من أهلها أو قعد فيها أو وضع متاعه لا
يضمن، وكذا إن رش ما لا يزلق عادة أو رش بعض الطريق فتعمد المار المرور عليه لا يضمن الراش،
ووضع الخشبة كالمرور في استيعاب الطريق وعدمه، وإن رش فناء حانوت بإذن صاحبه فالضمان على
الامر استحسانا اه‍. قوله: (في ماله) لان العاقلة تتحمل النفس دون المال. هداية. قوله: (إن لم
يأذن به) أي بما ذكر من إحداث الكنيف والجرصن والدكان، ووضع الحجر وحفر البئر في الطريق.
أفاده القهستاني. قوله: (الامام) أي السلطان. قهستاني. قوله: (فإن أذن الخ) لأنه غير متعد حينئذ،
فإن الامام ولاية عامة على الطريق إذ ناب عن العامة، فكان كمن فعله في ملكه. قهستاني. قال في
الدر المنتقى: لكن إنما يجوز الاذن إذا لم يضر بالعامة وتمامه فيه. فتنبه. قوله: (جوعا أو عطشا)
لأنه مات بمعنى في نفسه، والضمان إنما يجب إذا مات من الوقوع. زيلعي. قوله: (أو غما) أي
انخناقا بالعفونة. قال في الصحاح: يوم غم إذا كان يأخذ النفس من شدة الحر عناية، وضبطه في
الشرنبلالية بالضم، ثم نقل عن شرح المجمع الفتح. قوله: (خلافا لمحمد) فأوجب الضمان في
الكل، ووافق أبو يوسف الامام في الجوع لا الغم ط. قوله: (أو وسطه) المراد وسطه الذي هو
خارج عن ملك الوضع، لان العلة في الضمان هي التعدي بشغل هواء الطريق كما ذكره الزيلعي،
وهو بهذا المعنى يشمله لفظ الخارج فلا حاجة إليه، ولعله أراد بالخارج الطرف الأخير، فصح له ذكر
الوسط، ومحل الضمان فيه وفيما قبله إذا لم يأذن الامام أو أرباب المحلة كما تقدم، ويدل عليه
التعليل بالتعدي اه‍. قوله: (فالضمان على واضعه) أي على عاقلته، وكذا يقال فيما بعد لأنه تسبب

166
ط. قوله: (كما بسطه الزيلعي) حيث قال: ولو أشرع جناحا إلى الطريق أو وضع فيه خشبة ثم باع
الكل وتركه المشتري حتى عطب به إنسان فالضمان على البائع لان فعله لم ينتسخ بزوال ملكه،
بخلاف الحائط المائل إذا باعه بعد الاشهاد عليه، حيث لا يضمن المشتري لأنه لم يشهد عليه، ولا
البائع ون الملك شرط لصحة الاشهاد، فيبطل بالبيع لأنه لا يتمكن من نقض ملك الغير، وهنا
الضمان بإشغال هواء الطريق لا باعتبار الملك، والاشغار باق فيضمن، كما لو حصل من مستأجر
أو مستعير أو غاصب، وفي الحائط لا يضمن غير المالك اه‍ ملخصا. قوله: (استحسانا) لأنه في
حال يضمن الكل وفي حال لا يضمن شيئا فيضمن النصف، والقياس أن لا يضمن شيئا للشك،
وتمامه في الزيلعي. قوله: (ومن نحى حجرا) أي حوله عن موضعه إلى موضع آخر. قوله: (فسقط
منه على آخر) وكذا إذا سقط فتعثر به إنسان. هداية. لان حمل المتاع في الطريق على رأسه أو على
ظهره مباح له، لكنه مقيد بشرط السلامة بمنزلة الرمي إلى الهدف أو الصيد. زيلعي. قوله: (أو
دخل بحصير أو قنديل أو حصاة الخ) أي فسقط الحصير أو القنديل على أحد أو سقط الظرف الذي
فيه الحصاة على أحد. منح.
أقول: عبارة الهداية: وإذا كان المسجد للعشيرة فعلق رجل منهم فيه قنديلا أو جعل فيه
بواري أو حصاة الخ، والظاهر منها أن حصاة فعل ماض مشدد الصاد معطوف على جعل، ويدل على
ذلك تفسير ابن كمال، وأما جعله مفردا بتاء الوحدة فهو بعيد، وكذا إرادة الظرف أبعد. وفي منهوات
ابن كمال: ومن وهم أن المراد الظرف الذي فيه الحصاة فقد وهم اه‍.
وقيد الشرنبلالي الخلاف في الضمان بما إذا فعل ذلك بلا إذن أهل المسجد، فلو بإذنهم فلا
ضمان اتفاقا، كما لو كان من أهل المحلة وعلق القنديل للإضاءة، فلو للحفظ ضمن اتفاقا كما في
شرح المجمع اه‍. وجعل في البزازية إذن القاضي كإذن أهل المحلة. قوله: (في مسجد غيره) أي
مسجد غير حية ويأتي مفهومه، والظاهر أن مسجد الجماعة حكمه في ذلك حكم مسجد حيه فلا
يضمن بما ذكر ط. قوله: (ولو لقرآن أو تعليم) لان المسجد بني للصلاة وغيرها تبع لها، بدليل أنه
إذا ضاق فللمصلي إزعاج القاعد للذكر أو القراءة أو التدريس ليصلي موضعه دون العكس. قوله: (لا
يضمن من سقط منه رداء ألبسه) أي سقط على إنسان فعطب به وأو سقط فتعثر به، أشار إليه في الهداية
ثم قال: والفرق: أي بين المحمول والملبوس، أن حامل الشئ قاصد حفظه فلا حرج في التقييد
بوصف السلامة. واللابس لا يقصد حفظا ما يلبسه فيتحرج بالسلامة، فجعل مباحا مطلقا.

167
وعن محمد أنه إذا لبس ما لا يلبسه فهو كالحامل، لان الحاجة لا تدعو إلى لبسه اه‍. وكالرداء السيف
والطيلسان ونحوهما كما في الغاية. قوله: (عليه) متعلق بقوله: لبسه ولا يصح تعلقه بسقط لفساد
المعنى، فالفهم. قوله: (ففعل الغير مباح) يفيد أن فعل الأهل واجب مثلا، وليس كذلك بل كلاهما
مباح، غير أن فعل لأهل مباح مطلق غير مقيد بالسلامة، وفعل غير مباح مقيد بها ط. قوله:
(الحاصل أن الجالس للصلاة الخ) ذكر شمس الأئمة أن الصحيح من مذهب أبي حنيفة: أن الجالس
لانتظار الصلاة لا يضمن، وإنما الخلاف في عمل لا يكون له اختصاص بالمسجد كقراءة القرآن ودرس
الفقه والحديث، وذكر في الذخيرة أنه إذا قعد فيه لحديث أو نام فيه لغير صلاة أو مر فيه مار ضمن
عنده، وقالا: لا يضمن، وإن قعد للعباد كانتظار الصلاة أو الاعتكاف أو قراءة القرآن أو للتدريس أو
للذكر، اختلف المتأخرون فيه على قولين بالضمان وعدمه. زيلعي ملخصا. قوله: (مطلقا) أي في
مسجد حية أو غيره، قوله: (معزيا للزيلعي) فإنه نقل عن الحلواني أن أكثر المشايخ أخذوا بقولهما،
وعليه الفتوى اه‍. ونقل عن صدر الاسلام أن الأظهر ما قالاه، لان الجلوس من ضرورات
الصلاة، فيكون ملحقا بها، وفي العيني بقولهما قالت الثلاثة، وبه يفتى اه‍ ط. قوله: (وقد حققته
في شرح الملتقى) حاصله ما قدمناه. وذكر أيضا أن الجلوس للكلام المحظور فيه الضمان اتفاقا، وعليه
يحمل ما أطلقه فخر الاسلام. قوله: (وفيه لو استأجره الخ) ذكر الزيلعي وغيره ما حاصله أنه لو
استأجره ليشرع له جناحا في فناء داره وقال له إنه ملكي أو لي فيه حق الاشراع من القديم ولم
يعلم الأجير فظهر بخلافه فسقط على إنسان قبل الفراغ أو بعده، فالضمان على الأجير، ويرجع على
الآمر قياسا واستحسانا، وإن أخبره بأن لا حق له في الاشراع أو لم يخبره حتى بنى فسقط فأتلف:
إن قبل الفراغ ضمن ولا يرجع، وإن بعده فكذلك قياسا بفساد الامر، كما لو أمره بالبناء في الطريق.
وفي الاستحسان: يضمن الآمر لصحة الآمر، لان فناءه مملوك له من حيث إن له الانتفاع بشرط
السلامة، وغير مملوك له من حيث إنه لا يجوز له بيعه، فمن حيث الصحة يكون قرار الضمان على
الآمر بعد الفراغ، ومن حيث الفساد يكون على العامل قبل الفراغ، وإن استأجره ليحفر له في غير
فنائه ضمن الآمر دون العامل، إذا لم يعلم أنه غير فنائه لصحة الامر حينئذ، فنقل فعله إلى الآمر لأنه
غره فإن علم بذلك ضمن إذ لا غرور، فبقي الفعل مضافا إليه. ولو قال إنه فنائي وليس لي فيه حق
الحفر يضمن العامل قياسا إذ لا غرور، وفي الاستحسان: يضمن الآمر اه‍ زاد في البزازية: إن كان
بعد الفراغ اه‍.
فقد أفاد أن التفصيل قبل الفراغ أو بعده جار في الحفر أيضا كما ذكره الشارح، فافهم، ووجه
الفرق بين الحفر والاشراع، فإن الأجير في الاشراع إذا لم يعلم ضمن ورجع على الآمر، وفي الحفر لم

168
يضمن أصلا هو أن الآمر متسبب ومشرع الجناح مباشر، بخلاف الحافر فإنه متسبب أيضا، والمتسبب
يضمن إذا كان متعديا، والمتعدي هنا هو الآمر فقط. إتقاني ملخصا. وفي المغرب: الفناء سعة أمام
البيوت، وقيل: ما امتد من جوانبها. قوله: (فما أغره) كذا وقع له في شرح الملتقى، والفعل متعد
بنفسه من غير همز، قال في القاموس: غره: خدعه اه‍ ط. قوله: (وظاهره) أي التقديم المأخوذ من
قدم ترجيحه على الاستحسان أو هذا وإن ظهر في عبارة الملتقى لا يظهر في عبارة غيره خصوصا
صاحب الهداية فإنهما يؤخران دليل المعتمد، وقد أخر الاستحسان مع دليله. أفاده ط. قوله: (أو في
ملكه) وكذا إذا حفر في فناء له في حق التصرف بأن لم يكن للعامة ولا مشتركا لأهل سكة غير نافذة.
ملتقى. قوله: (وكذا كل ما فعل في طريق العامة) أي من إخراج الكنيف والميزاب والجرصن وبناء
الدكان وإشراع الروشن وحفر البئر وبناء الظلة وغرس الشجر ورمي الثلج والجلوس للبيع: إن فعله
بأمر من له ولاية الامر لم يضمن، وإلا ضمن. أفاده في العناية. قوله: (فتعمد الخ) تفريع على قوله
: أو وضع خشبة الخ قال الرملي: ويتعين حذفه لأن الضمان منتف بالتعمد المذكور، وإن كان الوضع
بإذن الامام اه‍. لكنه يعلم بالأولى، على أن هذا إنما يتأتى في قوله بلا إذن الإمام، أما قوله (فتعمد)
فإنه يفسد المعنى بحذفه. تأمل. قوله: (لان الإضافة الخ) تعليل للمسألتين الأخيرتين، وعلة الأوليين
عدم التعدي كما في التبيين. قوله: (من الفيافي) قال في القاموس: الفيف: المكان المستوي، أو المفاز
لا ماء فيها كالفيفاة والفيفاء ويقصر، جمعه أفياف وفيوف وفياف اه‍. قوله: (لم يضمن) لأنه غير متعد
فيه لأنه يملك الارتفاق بهذا الموضع نزولا وربطا للدابة وضربا للفسطاط من غير شرط السلامة لأنه
ليس فيه إبطال حق المرور على الناس، فكان له حق الارتفاق من حيث الحفر للطبخ أو الاستقاء فلا
يكون متعديا. بزازية. قوله: (قلت الخ) من كلام المجتبي، وقد نقل في المجتبى عن بعض الكتب
تقييد الحفر في الفيافي بما إذا كان في غير ممر الناس، ثم نقل عن كتاب آخر بدون هذا القيد، ثم
قال: قلت: وبهذا عرف الخ، فالإشارة إلى ما نقله ثانيا، وهو ما اقتصر عليه الشارح.
وحاصله: أنه على الأول يضمن لو حفر في محجة الطريق بحيث يمر الناس والدواب عليها، لا
إن حفر يمنة أو يسرة بحيث لا يمر عليها، وهو ما في البزازية عن المحيط. وعلى الثاني: لا يضمن
مطلقا لامكان العدول من المار عن مكان الحفر. قال ط: ولكنه لا يظهر في نحو الظلمة والبهائم المارة

169
فيحمل المطلق على المقيد، والله تعالى أعلم بالصواب. قوله: (من حفرهم) ومثله: ما لو كانوا أعوانا
له، وأما لو كان الحافر واحدا فانهارت عليه من حفره فدمه هدر، ط عن الهندية عن المبسوط. قوله:
(خانية) عبارتها: لان البئر وقع بفعلهم، وكانوا مباشرين والميت مباشر أيضا الخ. قوله: (فينبغي أن لا
يجب شئ الخ) قد علمت التصريح بأن ذلك قتل مباشرة، فيستوي فيه الملك وعدمه، فهو بحث
مخالف للمنقول. قوله: (قلت الخ) هو للمصنف في المنح. قوله: (له كرم) الكرم: العنب. قاموس.
قوله: (وأرضه تارة تكون مملوكة الخ) المراد أن أرضه لا تخلو عن أحد هذه الأشياء، وليس المعنى أن
هذه الأشياء تداولت على أرض واحدة ط. قوله: (كأراضي بيت المال) الكاف للتمثيل إن أريد بقوله
: مملوكة أي لعامة المسلمين، أو للتنظير إن أريد به ملكها لمن هي في يده: أي عليها الخراج نظير
أراضي بيت المال فإن أغلبها خراجية. تأمل. قوله: (وتارة تكون في يده الخ) الذي رأيته في المنح.
وتارة تكون للوقف وتكون في يده مدة طويلة الخ، وهذه أولى، لان ما تكون في يده كذلك هي
أراضي بيت المال أو الوقف. قوله: (يؤدي خراجها) المناسب أجرتها، ولو قلنا: إنها لبيت المال لما في
فتح القدير: إن المأخوذ الآن من أراضي مصر أجرة لا خراج، ألا ترى أنها ليست مملوكة للزراع كأنه
لموت المالكين شيئا فشيئا بلا وارث فصارت لبيت المال اه‍. قوله: (على الاجراء) بمد آخره جمع أجير،
وفي بعض النسخ الآجر بمد أوله، وهو الأجير لأنه أجر نفسه، والأولى أولى. قوله: (كما يفيده
كلام الجوهرة) أي السابق وهو قوله: لان الفعل مباح فما يحدث غير مضمون. قوله: ويحمل إطلاق
الفتاوى أي إطلاق الخانية وغيرها الضمان على ما وقع مقيدا في عبارة الجوهرة بقوله: وهذا لو البئر
في الطريق، لوجود الشرط الذي ذكره الأصوليون في حمل المطلق على المقيد، وهو اتحاد الحكم
والحادثة، والحكم هنا هو الضمان والحادثة هي الحفر في الطريق، ونظيره صوم كفارة اليمين فإنه في
الآية مطلق، وقيد بالتتابع في قراءة ابن مسعود فيحمل المطلق على المقيد لاتحاد الحكم وهو الصوم
، والحادثة وهي كفارة اليمين ضرورة تعذر الجمع، وفي هذا الكلام نظر، فإنه لا نص هنا، وتقييد
الجوهرة الضمان بما إذا كان في الطريق ينافيه تصريحهم له بضمان المباشر ولو في الملك، ولذا قال

170
الرملي: الظاهر أنه قاله بحثا لا نقلا، ولا يخفى فساده لتصريحهم بأنه مباشرة لا تسبب، وفي المباشرة
لا ينظر إلى كون الفعل في ملكه أولى، كمن رمى سهما في ملكه فأصاب شخصا، فإنه يضمن، وإذا
فقد عرفت أن الحكم في الحادثة التي تكرر وقوعها وجوب الضمان على الكيفية المذكورة على الاجراء ا
ه‍ ملخصا. قوله: (فروع الخ) ساقط من بعض النسخ، وقدمنا الكلام عليه، والله تعالى أعلم.
فصل في الحائط المائل
قوله: (مال حائط) أي عما هو أصله من الاستقامة وغيرها فيشمل المتصدع والواهي. قهستاني.
وكذا العلو إذا انصدع فأشهد أهل السفل على أهل العلو، وكذا الحائط أعلاه لرجل وأسفله لآخر نص
عليه في التتارخانية نقلا عن النوازل. رملي. قوله: (إلى طريق العامة) أي والخاصة فهو من قبيل
الاكتفاء. قهستاني. لكن بينهما فرق في بعض الأحكام كما يأتي. قوله: (أو مال) أي غير الحيوان
لدخوله تحت النفس، ولو أراد بالنفس الكاملة: وهي نفس الانسان، وبالمال ما يعم الحيوان لوافق قوله
الآتي: ثم ما تلف به من النفوس فعلى العاقلة فإن الحيوان غير مضمون عليهم بل هو في ماله.
رحمتي. قوله: (إن طالب ربه) بنصب ربه مفعول طالب، وفاعله قول المصنف الآتي (مكلف) والمطالبة
أن يقول له: إن حائطك هذا مخوف، أو يقول مائل فانقضه أو أهدمه حتى لا يسقط ولا يتلف شيئا،
ولو قال: ينبغي أن تهدمه فذلك مشورة. عناية. قوله: (أو حكما) من حيث قدرته على رفع هذا
الضرر. قوله: (فتضمن عاقلة الواقف) أي في الصورتين، لان القيم نائب عنه فيكون الاشهاد على
القيم إشهادا على الواقف، كما أن الاشهاد على الولي إشهاد على من تحت ولايته من صغير ومجنون.
قال الرملي: ويؤخذ من عاقلة الواقف إن كان له عاقلة فيما تتحمله وإن لم تكن له عاقلة، أو كان مما لا
تتحمله، فلا يؤخذ من القيم ولا يرجع في الوقف لان الوقف لا ذمة له. قوله: (وكالقيم الولي) أي
من له ولاية من أب أو جد أو وصي، وزاد في الهداية الام، ثم قال: لان فعل هؤلاء كفعله اه‍:
أي فعل الوصي والأب والام كفعل الصبي والتقدم إليهم كالتقدم إلى الصبي بعد بلوغه. عناية. تأمل.
وفي الدر المنتقى: فلو سقط حائط الصغير بعد الطلب من وليه كان الضمان في مال الصبي،
فلو بلغ أو مات الولي بعد الطلب فلا يضمن بالتلف بعده كما في العمادية وغيرها اه‍. قوله:
(والرهن) فإنه مالك لا المرتهن والراهن قادر على الهدم: يعني بفك العين وإعادتها إلى يده وكذا
التقدم إلى المؤجر لان الإجارة تفسخ بالأعذار وهذا عذر اه‍ ط. عن الجوهرة قوله: (والمكاتب) لملكه
نقضه، فإن تلف به آدمي سعى في أقل من قيمته ودية المقتول، أو مال سعى في قيمته بالغة ما بلغت

171
اعتبارا بالجناية الحقيقة كما في القهستاني عن الكرماني، وهذا لو التلف حال بقاء الكتابة، فلو بعد
عتقه فعلى عاقلة المولى، ولو بعد العجز لا يجب شئ على أحد، ويهدر الدم لعدم قدرة المكاتب، وعدم
الاشهاد على المولى كما في المنح وغيرها، وفي البرجندي عن قاضيخان: فإن أشهد على المولى صح
الاشهاد أيضا. در منتقى. قوله: (والعبد التاجر) فإن له ولاية نقضه مديونا أو لا، فإن تلف به آدمي
فعلى عاقلة أو مال ففي رقبته حتى يباع فيه. در منتقى. قوله: (وكذا أحد الشركاء) أي بالنسبة
إليه فيضمن بقدر حصته فقط كما سيأتي متنا. قوله: (استحسانا) لتمكنه منه بمباشرة طريقه وهو
المرافعة إلى القاضي بمطالبة شركائه، فصار مفرطا فيضمن بقسطه وفي القياس: لا يضمن لعدم تمكنه
من النقض وحده. إتقاني. قوله: (نعم في الظهيرية الخ) قيل هو استدراك على قوله (طالب به)
واعترض بأنه داخل تحت قوله: أو حكما لان الدار للميت ولذا تقضي بها ديونه والوارث خليفته
ولذا له أخذها وقضاء الدين من ماله، وقد يقال: هو استدراك على قوله: أحد الشركاء فإن التقييد
بقوله: عن ابن فقط يفهم أنه لو تعددت الورثة لا يصح الاشهاد. تأمل. ولعل القيد اتفاقي. قوله:
(صح الاشهاد) أي والدية على عاقلة الأب لا الابن كما في المنح. قوله: (بنقضه) متعلق بطالب
ومكلف فاعله. قوله: (يعني من أهل الطلب) أشار إلى أن المراد بالمكلف من له حق الطلب ولو صبيا
لا من كان بالغا، لكن في الزيلعي أن العبيد والصبيان بالاذن التحقوا بالحر البالغ. تأمل. قوله: (وإن
لم يشهد) أي على طلب النقض. قال الزيلعي: وإنما ذكر الاشهاد ليتمكن من إثباته عند جحوده أو
عاقلته فكان من باب الاحتياط لا على سبيل الشرط اه‍. قوله: (ولا يصح الخ) سيأتي متنا.
قوله: (والحال الخ) صاحب الحال فاعل ضمن أو مفعول طالب. قوله: (وهو يملك نقضه) مستغنى
عنه بما بعد وبقوله: ولو تقدم الخ. قوله: (في مدة يقدر على نقضه فيها) فلو ذهب بعد الطلب
لطلب من يهدمه، وكان في ذلك حتى سقط الحائط، لن يضمن، لان مدة التمكن من إحضار الاجراء
مستثنى في الشرع. قهستاني. قوله: (لان دفع الضرر العام واجب) علة لقول المصنف سابقا ضمن
ربه أي فإنا لو لم نوجب عليه الضمان يمتنع من التفريغ، وكم من ضرر خاص يجب تحمله لدفع
الضرر العام. قوله: (من النفوس) أي الأحرار بقرينة قوله: لان العاقلة لا تعقل الأموال ط. وأراد
بالنفوس ما قابل الأموال فخرج الحيوان ودخل ما دون النفس. قوله: (فعلى العاقلة) أي عاقلة رب
الحائط. قوله: (ولا ضمان الخ) أي على العاقلة، فلو أنكرت العاقلة واحدا من الثلاثة وأقر بها رب
الدار، لزمه في ماله، طوري ملخصا. قوله: (على التقدم إليه) أي على طلب النقض ممن يملكه.
قوله: (عليه) أي على لهالك. قوله: (وعلى كون الجدار ملكا له) لان كون الدار في يده ظاهر،

172
والظاهر لا يستحق به حق على الغير. غاية. قوله: (ولذا) أي لاشتراط كون الدار ملكا له الخ ط.
قوله: (ولا مالك) لعدم الاشهاد عليه ط. قوله: (عن ملكه) أي عن ولايته ليشمل قوله: وكذا لو
جن تأمل. قوله: (كهبة) الظاهر أنه لا بد فيها من التسليم، حتى يبطل الاشهاد، إذ لا حكم لها قبل
التسليم ط. قوله: (وكذا لو جن) أي بعد الاشهاد. قوله: (مطبقا) قيد به لاخراج المقطع، وظاهره أنه
لا يبطل الاشهاد، فإذا أتلف بعده وبعد الاشهاد شيئا يكون مضمونا ط. قوله: (ثم عاد) أي مسلما
وردت عليه الدار. خانية. أو أفاق: أي من جنونه، ففيه لف ونشر مشوش: أي فلا يضمن إلا
بإشهاد مستقبل. قوله: (ولو قبل القبض) أي قبض المشتري المبيع، فلا يشترط القبض كما في عامة
الكتب، وما في الهداية من التقييد به اتفاقي. أفاده القهستاني. قوله: (لزوال ولايته) أي عن ملك
النقض، وهو علة لعدم الضمان المفهوم من قوله: كما خرج عن ملكه وما بعده. قوله: (ونحوه)
أي من الهبة والجنون والارتداد، فافهم. قوله: (وإن عاد ملكه) أي ولايته بعوده مسلما أو إفاقته،
وكذا في البيع.
قال القهستاني: وإطلاق البيع يدل على أنه لو رد على البائع أو غيره أو بخيار شرط أو
رؤية للمشتري لم يضمن إلا إذا طولب بعد الرد اه‍. وإذا كان الخيار للبائع فإن نقض البيع ثم سقط
الحائط وأتلف شيئا كان ضامنا، لان خيار البائع لا يبطل ولاية الاصلاح فلا يبطل الاشهاد، ولو
أسقط البائع خياره بطل الاشهاد، لأنه أزال الحائط عن ملكه. منح. قوله: (بخلاف الجناح) فلا يزول
الضمان بزوال ملكه عنه، لان الجناية فيه بنفس الوضع وهو باق، وفي الحائط بترك النقض ولا قدرة
له عليه بعد زوال الملك فزالت الجناية. قوله: (فالإضافة لأدنى ملابسة) أي أدنى تعلق وارتباط،
ككوكب الخرقاء في قول الشاعر:
إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة * سهيل أذاعت غزلها في الأقارب
قوله: (فالطلب إليه) الأولى له: أي للمالك أو الساكن، ولو مال إلى سكة غير نافذة فالخصومة
لواحد من أهلها. إتقاني. قوله: (وإن مال إلى الطريق الخ) ظاهر التعليل الآتي أن المراد بها العامة،
والظاهر أن الخاصة كذلك فلا بد من تأجيل كل أهلها أو إبرائهم. تأمل. قوله: (ولو مال الخ) قال

173
في الخانية: حائط لرجل بعضه مائل إلى الطريق وبعضه مائل إلى دار قوم، وأشهد عليه أهل الدار،
فسقط ما مال إليها ضمن، لان الحائط واحد فصح الاشهاد من أهل الدار فيما مال إليهم، وفيما مال
إلى الطريق، فإن أهل الدار من جملة العاملة، وإن كان المشهد من غيرهم صح فيما مال إلى الطريق،
وإذا صح الاشهاد في البعض صح في الكل اه‍ ملخصا. قوله: (أي خمس ما تلف به) تعميم للمتن،
لكن كان على الشارح إسقاط قوله: عاقلته اه‍ ح: أي لان ضمان الأموال في ماله كما سلف ط.
قوله: (بمرافعته للحكام) مصدر مضاف إلى فاعله: أي بمرافعة المشهد عليه بقية شركائه بمطالبة
نقضه، والذكور وجه الاستحسان، وفي القياس: لا يضمن أحد كما قدمناه. قوله: (حفر أحدهم)
أي بلا إذن البقية. قوله: (ضمن ثلثي الدية) أي على عاقلته، ويضمن ثلثي المال في ماله كما مر.
قوله: (بعلة واحدة) وهي الثقل المقدر في الحائط والعمق المقدر في البئر، لان القليل من الثقل والعمق
ليس بمهلك حتى يعتبر كل جزء علة فيجتمع العلل، إذا كان كذلك يضاف إلى العلة الواحدة، ثم
يقسم على أربابها بقدر الملك. وتمامه في العناية. قوله: (وقالا أنصافا) أي في هذه المسألة والتي قبلها،
لان التلف بنصيب المشهد عليه معتبر، وبنصيب غير هدر، وفي الحفر والبناء باعتبار ملكه غير متعد،
وباعتبار ملك شريكه متعد، فكانا قسمين فانقسم عليهما نصفين. ابن كمال. قوله: (إشهاد على
النقض) لان المقصود إزالة الشغل. منح. قوله: (مات بسقوطها) صفة قتيل، وتأنيث الضمير يحتاج إلى
نقل في أن الحائط قد يؤنث ولم أره، فليراجع. قوله: (لبقاء جنايته) لان إشراع الجناح في نفسه
جناية، وهو فعله فصار كأنه ألقاه بيده عليه، فكان حصول القتيل في الطريق كحصول نقض الجناح
في الطريق، ومن ألقى شيئا في الطريق كان ضامنا لما عطب به وإن لم يملك تفريغ الطريق عنه،
بخلاف مسألة الحائط فإن البناء ليس بجناية وبعد ذلك لم يوجد منه فعل يصير به جانيا لكن جعل
كالفاعل بترك النقض في الطريق مع القدرة على التفريغ، والترك مع القدرة وجد في حق النقض لا
في حق القتيل، فلذلك جعل فاعلا في حق القتيل الأول لا في حق القتيل الثاني. عناية. قوله:
(يؤيده) أي يؤيد أن الجناية باقية في الجناح دون الحائط. قوله: (قبل أن يهي) يقال: وهي الحائط يهي

174
وهيا: إذا ضعف وهم بالسقوط صحاح. قوله: (لا في الصحيح) أي لا يصح الاشهاد في البعض
الصحيح فلا يضمن ما أصابه كما لو كانا حائطين حقيقة. قوله: (على من بناه) أي إن كان حيا، وتقدم
أن القيم كالواقف فالاشهاد عليه عند عدمه. تأمل. قوله: (والدية على عاقلة من بناه) وأما جنايات
الأموال، فليست على العاقلة، فالظاهر أنها في مال الباني والواقف فيحرر ط. وقدمنا عن الرملي: أنه لا
يؤخذ من مال الوقف لأنه لا ذمة له. قوله: (على عاقلة الواقف) أي تجب الدية فيه عليهم. قوله: (على
عاقلة مولاه) وأما المال ففي رقبته كما قدمناه، وقدمنا أيضا حكم المكاتب. قوله: (قال ولي القتيل الخ)
المسألة بتمامها في المنح. قوله: (لأنه تمليك) أي وهو لا تصح إضافته، وهو مخالف لما قدمه في الفروع
قبيل باب القود فيما دون النفس من أن القصاص لا يجري فيه التمليك. تأمل. قوله: (دل عليه الخ) أي
على أن العفو تمليك للقصاص، ولم يظهر لي وجه الدلالة، لان غاية ما أفاد أن الأمة صارت ملكه فلا يدل
على أنه تمليك لا تصح إضافته، على أن كونها صارت ملكه له مشكل.
وقال بعض المحشين: عبارة الولوالجية: ولو قتلت أمة رجلا عمدا فزنى بها الولي عمدا، لم يحد،
وإن لم يدع الشبهة لان من العلماء من قال: للولي، ورية تملكها من غير رضا مولاها إن شاء، وإن شاء
قتلها فصار ذلك شبهة في درء الحد اه‍. فقد جعل علة الدرء أن له ولاية تملكها على قول البعض، لا
أنها صارت مملوكة له، وفرق بين العبارتين اه‍ ملخصا. قوله: (جارية) بدل من مسألة الأصل، وقوله
: قبل أن يقتص تصريح بمعلوم ط. والله تعالى أعلم.
باب جناية البهيمة والجناية عليها
ذكره عقيب جناية الانسان، والجناية عليه مما لا يحتاج إلى بيان ذلك، ولكن لما كانت البهيمة
ملحقة بالجمادات من حيث عدم العقل، ذكره بعد ما يحدثه الرجل في الطريق قبل جناية الرقيق،
ونسبة الجناية إليها المشاكلة الجناية عليها. قوله: (الأصل) أي في مسائل هذا الباب، وكذا الأصل أيضا

175
أن المتسبب ضامن إذا كان متعديا، وإلا لا يضمن، والمباشر يضمن مطلقا كما يظهر من الفروع.
رحمتي. قوله: (بشرط السلامة الخ) لأنه يتصرف في حقه من وجه، وفي حق غيره من وجه، لكونه
مشتركا بين كل الناس، فقلنا بالإباحة مقيدا بالسلامة ليعتدل النظر من الجانبين فيما يمكن الاحتراز عنه
لا فيما لا يمكن، لان يؤدي إلى المنع من التصرف. زيلعي ملخصا. قوله: (ما وطئت دابته) أي من
نفس أو مال، در منتقى فتجب الدية عليه وعلى عاقلته، وإن كان العاطب عبدا وجبت قيمته على
العاقلة أيضا لان ديته قيمته، وإن مالا وجبت قيمته في ماله، وإن ما دون النفس: فما أرشه أقل من
نصف عشر الدية ففي ماله، وأن نصف العشر فصاعدا فهو على العاقلة. جوهرة ملخصا. قوله: (وما
أصابت بيدها أو رجلها) أي في غير حالة الوطئ كأن أتلفت في حال رفعها أو قتل وضعها ط. قوله:
(أو كدمت الخ) الكدم: العض بمقدم الأسنان كما يكدم الحمار، والخبط: الضرب باليد، والصدم:
الدفع وأن تضرب الشئ بجسدك مغرب. قوله: (في ملكه) أي الخاص أو المشترك، لان لكل واحد
من الشركاء السير والايقاف فيه. زيلعي، قوله: (لم يضمن) لأنه متسبب لا مباشر، وليس بمتعد
بتسيير الدابة في ملكه. قوله: (لأنه مباشرة) فيضمن وإن لم يتعد. قوله: (فيحرم من الميراث) لأنه
قاتل حقيقة وعليه الكفارة كما سيصرح به. قوله: (ولو حدثت) أي المذكورات. قوله: (فلا يضمن)
أي إلا في الوطئ وهو راكبها. قوله: (كما إذا لم يكن صاحبها معها) سواء دخلت بنفسها أو أدخلها
بالاذن. قوله: (ضمن) أي الراكب ما تلف مطلقا: أي سواء وطئت أو خبطت أو صدمت واقفة أو
سائرة، وكالراكب السائق والقائد كما يأتي متنا، وقد ظهر أن الكلام فيما إذا لم تدخل بنفسها.
قال في العناية: وإن كانت الجناية في ملك غير صاحبها: فإما أن أدخلها صاحبها فيه أو لا،
فإن كان الثاني فلا ضمان عليه على كل حال لأنه ليس بمباشر ولا متسبب، وإن كان الأول فعليه
الضمان على كل حال، سواء كان معها سائقها أو قائدها أو راكبها أو لا، واقفة أو سائرة، لأنه إما
مباشر أو متسبب متعد، إذ ليس له إيقاف الدابة وتسييرها في ملك الغير اه‍. قوله: (لا يضمن
الراكب) أي في طريق العامة أو غيرها. قوله: (لا ما نفحت الخ) بالحاء المهملة، يقال نفحت الدابة:
أي ضربت بحد حافرها. مغرب. فقوله: برجلها من استعمال المقيد في المطلق كما ذكره القهستاني
وغيره، لكن في الصحاح: أي ضربت برجلها، فلم يقيد بالحافر فتبقى دعوى المجاز بالنسبة إلى قوله
: أو ذنبها. تأمل، قوله: (سائرة) قيد لعدم الضمان بالنفحة، فإن الاحتراز عن النفحة مع السير غير
ممكن، لأنها من ضروراته، فلو أوقفها في الطريق ضمن النفحة أيضا، لان صيانة الدواب عن الوقوف
ممكنة، وإن كانت غير ممكنة عن النفحة فصار الايقاف تعديا أو مباحا مقيدا بشرط السلامة. إتقاني.
قوله: (أو عطب) عطف على نفخت، وفيه ركاكة، وعبارة الملتقى: ولا ما عطب بروثها أو بولها.

176
قوله: (أو واقفة) أي بإيقافه أو لا. بزازية. قوله: (لأجل ذلك) أي لأجل الروث أو البول، وهو علة
لقوله أو واقفة. قوله: (لان بعض الدواب الخ) علة لعدم الضمان. قال فخر الاسلام: لان
الاحتراز عن البول والروث غير ممكن فجعل عفوا أيضا. والوقوف من ضروراته لان الدابة لا تروث، ولا
تبول غالبا إلا بعد الوقوف فجعل ذلك عفوا أيضا. إتقاني. قوله: (فلو أوقفها) في المغرب، ولا يقال
: أوقفه في لغة رديئة اه‍. كفاية. قوله: (لتعديه بإيقافه) أي إيقافه الدابة فالمصدر مضاف إلى فاعله:
أي فهو متسبب متعد، إذ ليس له شغل طريق المسلمين بإيقافها فيه كما في العناية. قال الرحمتي: فلو
أوقفها للازدحام أو لضرورة أخرى: ينبغي أنه إن أمكنه العود أو التخلص يضمن، وإلا فلا. قوله:
(إلا في موضع إذن الإمام بإيقافها) وكذا إذا أوقفها في المفاوز في غير المحجة فإنه لا يضمن ولو بغير
إذنه لأنه لا يضر الناس، بخلاف المحجة كما في الاختيار. قهستاني. والمحجة: الطريق. مغرب.
قوله: (إلا إذا أعد الامام لها) أي للدواب أو لوقوفها موضعا عند باب المسجد، فلا ضمان فيما حدث
من الوقوف فيه ط. وقيد بالوقوف لأنه لو كان سائرا في هذه المواضع التي أذن فيها الامام بالوقوف،
أو قائدا أو سائقا فهو ضامن، ولا يزيل ذلك عنه إذن الإمام وإنما يسقط ما حدث من وقوف دابته في
هذا الموضع راكبا، ولا دون السير والسوق والقود. إتقاني. قوله: (لم يضمن) محل إذا لم ينخسها
ولم ينفرها، أما لو نخسها أو نفرها فأثارت غبارا أو حصاة فأتلفت شيئا ضمنه. أفاده المكي ط. وعبارة
القهستاني: وقيل لو عنف الدابة في هذه الصور ضمن كما في الذخيرة. قوله: (لامكانه) أي لامكان
الاحتراز عنه، فالظاهر أنه من عنفه في السوق، فيوصف بالتعدي فيؤخذ به، إتقاني. قوله: (ما ضمنه
الراكب) أي أنهم في الضمان سواء، وكذا المرتدف. إتقاني. فيضمنون ما حدث في الطريق العام إلا
النفح، ولا يضمنون ما حدث في ملكهم، أو في ملك غيرهم بأذنه إلا في الوطئ إلى آخر ما تقدم.
قوله: (إنه مطرد ومنعكس) الاطراد: التلازم في الثبوت، والانعكاس: التلازم في النفي: أي كل ما
يضمن فيه الراكب يضمن فيه السائق والقائد، وما لا فلا، وخالف القدوري في السائق، فذكر أنه
يضمن النفحة بالرجل، لأنه بمرأى عينه فيمكنه الاحتراز، وعليه بعض المشايخ، وأكثرهم على أنه لا
يضمن إذ ليس فيها ما يمنعها عن النفحة فلا يمكنه الاحتراز، بخلاف الكدم لأنه يمكنه كبحها
بلجامها كما في شرح المجمع، وما صححه في الدرر هو قول الأكثر، وصححه في الهداية والملتقى
وغيرهما. قوله: (والراكب عليه الكفارة على الوطئ) أي لو وطئت إنسانا وهو راكبها، وكذا الرديف
فإنهما مباشران للقتل حقيقة بثقلهما فيلزمها الكفارة، ويحرمان من الميراث كالنائم إذا انقلب على
إنسان. إتقاني. قوله: (كما مر) لم يمر ذلك في كلامه، والأظهر لما مر باللام إشارة إلى قوله المار لأنه
مباشر الخ. قوله: (لا عليهما) لأنهما متسببان، بمعنى أنه لولا السوق أو القود لم يوجد الوطئ،
والكفارة جزاء المباشرة إتقاني. قوله: (أي لا سائق وقائد) زاد القهستاني: المرتدف، وهو غير

177
ظاهر ومخالف لما سمعته آنفا. قوله: (لم يضمن السائق على الصحيح) اعلم أن الزيلعي قال: قيل: لا
يضمن السائق ما وطئت الدابة، لان الراكب مباشر والسائق متسبب، والإضافة إلى المباشر أولى، وقيل
: الضمان عليهما لان كل ذلك سبب الضمان، ألا ترى أن محمدا ذكر في الأصل أن الراكب إذا أمر
إنسانا فنخس المأمور الدابة فوطئت إنسانا كان الضمان عليهما فاشتركا في الضمان، فالناخس ساق،
والآمر راكب، فتبين بهذا إنما يستويان، والصحيح الأول لما ذكرنا.
والجواب عما ذكر في الأصل أن المتسبب إنما لا يضمن مع المباشر إذا كان السبب شيئا لا يعمل
بانفراده في الاتلاف كما في الحفر مع الالقاء، فإن الحفر لا يعمل بانفراده شيئا بدون الالقاء، وأما إذا
كان السبب يعمل بانفراده فيشتركان وهذا منه، فإن السوق متلف وإن لم يكن على الدابة راكب،
بخلاف الحفر فإنه ليس بمتلف بلا إلقاء، وعند الالقاء وجد التلف بهما فأضيف إلى آخرهما اه‍. ونقله
المصنف في المنح، وكتب بخطه في الهامش: هذا الكلام يحتاج إلى مزيد تحرير اه‍.
وذكر في السعدية: أن ما ذكره الزيلعي في معرض الجواب بمعزل عن هذا التقرير، ولا يصلح
جوابا عما في الأصل، بل هو تحقيق وتفصيل له، واللازم منه وجوب الضمان على السائق، وهو قد
صحح عدم الوجوب، وهذا من مثله غريب اه‍.
وذكر الرملي عن الحلبي عن قارئ الهداية ما صورته: ينبغي أن يقال: وهو الصحيح، والجواب
عن الأول اه‍. فيكون التصحيح للقول الثاني والجواب عن القول الأول، ويؤيده قول النهاية: أما
الجواب عن الأول الخ، وكذا قول الولوالجية: الراكب والسائق والقائد والرديف في الضمان سواء
حالة الانفراد والاجتماع هو الصحيح، وإن كان الراكب مباشرا، لان السبب هنا يعمل في الاتلاف
فلا يلغى، فكان التلف مضافا إليهما، بخلاف الحفر اه‍ ملخصا.
وبه علم أن الصحيح ما جزم به القهستاني، وقد أخره في الهداية فأشعر بترجيحه كعادته،
وقدمه في المواهب والملتقى وعبرا عن مقابله بقيل. فتنبه. قوله: (كما مر) أي في باب ما يحدثه الرجل
في الطريق. قوله: (كما هنا) أي في السائق وقد علمت أنه كالناخس يعمل بانفراده إتلافا، وأن الذي
لا يعمل كحفر البئر. قوله: (بإذن راكبها) فلو بدونه ضمن الناخس فقط كما سيأتي. قوله: (أو
راجل) أشار إلى أن التقييد بالفارس اتفاقي، وإنما لم يذكر المصنف الراجل لأنه ليس من هذا الباب
لعدم تعلقه بالبهيمة. أفاده سعدي. قوله: (وإن اصطدما) أي تضاربا بالجسد اه‍. در منتقى. وهذا
ليس على إطلاقه، بل محمول على ما إذا تقابلا، لما في الاختيار: سار رجل على دابة فجاء راكب من
خلفه فصدمه فعطب المؤخر لا ضمان على المقدم، وإن عطب المقدم فالضمان على المؤخر، كذا في
سفينتين اه‍ ط، عن أبي السعود. قوله: (يهدر دمهما) لان جنابة كل من العبدين تعلقت برقبته دفعا

178
وفداء، وقد فاتت لا إلى خلف من غير فعل يصير به المولى مختارا للفداء. منح. وأما إذا وقع الحران على وجوههما فلان موت كل بقوة نفسه. قوله: (وإن كانا عامدين) أي الحرام أو العبدان كما يعلم
من الهداية، وفيه مخالفة لما قدمه عن الشرنبلالية. فتأمل. قوله: (فعلى كل نصف الدية) الذي في
الزيلعي يجب على عاقلة كل نصف الدية. قال الشلبي في حاشيته: لان العمد هنا بمنزلة الخطأ لأنه
شبه عمد، إذ هو تعمد الاصطدام ولم يقصد القتل، ولذا وجب على العاقلة اه‍ ط ح: وإنما نصفت
الدية في العمد لا في الخطأ لان في الخطأ فعل كل منهما مباح وهو المشي في الطريق، فلا يعتبر في
حق الضمان بالنسبة إلى نفسه، كالواقع في بئر في الطريق فإنه لولا مشيه ما وقع، ويعتبر بالنسبة إلى
غيره لتقيده بشرط السلامة، أما العمد فليس بمباح، فيضاف إليه ما وقع في حق نفسه فصار هالكا
بفعله وفعل غيره، فيهدر ما كان بفعله، ويجب ما كان بفعل غيره. وتمامه في الولوالجية. قوله: (فعلى
عاقلة الحر قيمة العبد في الخطأ ونصفها ثم العمد) أي ويأخذها ورثة الحر المقتول لان كلا منهما صار
قاتلا لصاحبه، فعلى عاقلة الحر قيمة العبد أو نصفها، ثم العبد الجاني قد تلف وأخلف هذا البدل،
فيأخذه ورثة الحر المجني عليه بجهة كونه مقتولا لا قاتلا، ويبطل حقهم فيما زاد عليه لعدم الخلف،
ولا يرد ما إذا قطعت المرأة يد رجل فتزوجها على اليد فإن عاقلتها يسقط عنهم الضمان، لأنهم كانوا
يتحملون عنها، فإذا تزوجها المقطوع لو لم يسقط الضمان عن العاقلة لكان الضمان عليهم واجبا لها،
فلا يصح أن يتحملوا عنها ضامنين لها، أما هنا فالعاقلة تجملوا عن الحر باعتبار كونه قاتلا ثم تأخذه
الورثة بجهة كونه مقتولا اه‍. من الكفاية مع غيرها. واعترض الواني هذه المسألة بأن العاقلة لا تعقل
عمدا ولا عبدا كما في الحديث.
وأقول: قد علمت أن العمد هنا بمنزلة الخطأ لأنه شبه عمد، وسيأتي أن الحديث محمول على ما
جناه العبد لا ما جنى، فتدبر. قوله: (كما لو تجاذب رجلان الخ) تشبيه في الهدر المفهوم من قول المصنف: يهدر دمهما وهذه المسألة في الحكم على عكس مسألة المصادمة ط. قوله: (فإن وقعا على
الوجه الخ) قيل لمحمد: إن وقعا على وجههما إذا قطع الحبل، قال محمد: لا يكون هذا من قطع
الحبل. إتقاني.
أقول: يحتمل أن يراد بذلك نفي التصور أو نفي الضمان. تأمل. قوله: (فديتهما على عاقلة
القاطع) كذا في الملتقى والاختيار والخانية، وفيها أيضا في موضع آخر: لا قصاص عليه ولا دية اه‍.
ولعله رواية أخرى، أو المراد: لا دية في ماله. قوله: (وعلى سائق دابة) خبر مبتدؤه قوله الآتي
: الدية وإنما وجبت عليه لأنه متعد في التسبب، لان الوقوع بتقصير منه، وهو ترك الشد والاحكام

179
فيه فصار كأنه ألقاه بيده كما في الدرر ط. فهو كوقوع ما حمله على عاتقه، بخلاف الرداء الملبوس إذا
سقط وكان مما يلبسه الانسان عادة لأنه لا يمكن الاحتراز عنه إذ لا بد منه، كما مر في باب ما يحدثه
الرجل في الطريق. إتقاني. قوله: (وقائد قطار) إنما ضمن لأنه بيده يسير بسوقه، ويقف بإيقافه
فيضاف إليه ما حدث منه لتسببه، فيصير في الحكم كأنه قتله خطأ فتجب على عاقلته ديته.
قال الفقيه أبو الليث في شرح الجامع لو قاد أعمى فوطئ الأعمى إنسانا فقتله ينبغي أن لا
يضمن القائد لان الأعمى من أهل الضمان، ففعله ينسب إليه، وفعل العجماء جبار لا عبرة له في
حكم نفسه فينسب إلى القائد، إتقاني ملخصا. قوله: (قطار الإبل) قال في المغرب: القطار الإبل تقطر
على نسق واحد، والجمع قطر اه‍: أي ككتب. قوله: (الدية) أي إذا كان المتلف غير مال وكان
الموجب كأرش الموضحة فما فوقها كما مر مرارا. مكي اه‍ ط. قوله: (هذا لو السائق من جانب من
الإبل) أي في الوسط يمشي في جانب من القطار لا يتقدم ولا يتأخر ولا يأخذ بزمام بعير. معراج.
وقال الإتقاني: وهذا: أي وجوب الضمان على السائق والقائد جميعا فيما إذا كان السائق يسوق
الإبل غير آخذ بزمام بعير، أما إذا أخذ الزمام فالضمان عليه فيما هلك خلفه، لا على القائد المتقدم، لأنه لما انقطع الزمام عن القطار لم يكن القائد المقدم قائدا لما خلف السائق، وأما فيما هلك قدام السائق
فيضمنه السائق والقائد جميعا لاشتراكهما في سبب وجوب الضمان، لان كل واحد منهما مقرب إلى
الجناية، هذا بسوقه وذاك بقوده. قوله: (وراكب وسطها يضمنه) أي لو كان رجل راكبا على بعير
وسط القطار، ولا يسوق شيئا منها يضمن ما ركبه: أي ما أصابه بعيره بالايطاء لأنه جعل فيه مباشرا،
أما ما أصابه بعير الايطاء فهو عليه وعلى قائد. أفاده الزيلعي.
قلت: وهو مبني على ما صححه سابقا، وقد علمت ما فيه. وجعل في النهاية والكفاية الضمان
عليهما بلا تفصيل، وهو مؤيد لما قدمناه من الكلام على التصحيح. قوله: (فقط) أي لا يضمن ما
قدامه لأنه غير سائق له، ولا ما خلفه لأنه غير قائد إلا إذا أخذ بزمام ما خلفه، زيلعي. وهذا قول
بعض المتأخرين، وأما غيره فاكتفى بكون زمام ما خلفه مربوطا ببعيره كما بسطه في النهاية وغيرها.
قوله: (بلا علم قائده) متعلق بربط، وقيد به ليبني عليه قوله: ورجعوا بها الخ لأنه إذا علم لا رجوع
لهم. كفاية. قوله: (ضمن عاقلة القائد الدية) لأنه متسبب متعد بترك صون قطاره عن الربط،
ورجعوا على عاقلة الرابط لأنه أوقعهم فيه. قوله: (كما توهمه صدر الشريعة) حيث قال: ينبغي أن
يكون في مال الرابط، لان الرابط أوقعهم في خسران المال، وهذا مما لا تتحمله العاقلة اه‍ ح. قوله:
(والقطار واقف) محترز قوله (سائر). قوله: (لقوده بلا إذن) أي بلا إذن الرابط، أما في الأولى فإنه لما

180
ربطه والقطار سائر وجد من الرابط الاذن دلالة بقود المربوط، فلذا رجعوا على عاقلته لأنه صار سببا.
كفاية. قوله: (ومن أرسل بهيمة الخ) اعلم أولا أن بين إرسال الكلب وغيره فرقا، وهو أنه إذا أرسل
الكلب ولم يكن سائقا له لا يضمن وإن أصاب في فوره لأنه ليس بمتعد إذ لا يمكنه اتباعه،
والمتسبب لا يضمن إلا إذا تعدى، ولو أرسل دابة يضمن ما أصابت في فورها، سواء ساقها أو لا،
لأنه متعد بإرسالها في الطريق مع إمكان اتباعها. أفاده القهستاني: وعن أبي
يوسف أنه يضمن بكل حال، وبه أخذ عامة المشايخ، وعليه الفتوى اه‍.
فعلى قول أبي يوسف: لا فرق بين الدابة والكلب، وعلى الأول لا يضمن ما أصابه الكلب في
فوره، إلا إذا ساقه، وما أصابته الدابة في فورها يضمنه مطلقا، وبه ظهر أن كلام المصنف جار على
القول الأول لأنه اشترط في الضمان السوق، ولا يشترط ذلك إلا في الكلب. ولذا فسر الزيلعي
وغيره البهيمة بالكلب، وتبعه الشارح أخيرا، لكن قوله: أو كلبا لا يناسبه خصوصا مع قوله الآتي
: المارد بالدابة الكلب. قوله: (فسائق حكما) لان سيرها مضاف إليه ما دامت تسير على سننها، ولو
انعطفت يمنة أو يسرة انقطع حكم الارسال إلا إذا لم يكن طريق آخر سواه، وكذا إذا وقفت ثم
سارت. وتمامه في الهداية. وإن ردها راد ضمن ما أصابت في فعلها ذلك لأنه سائق لها، ولا يرجع
على سائقها إلا إذا كان بأمره. إتقاني. قوله: (فالمراد بالسوق الخ) تفريع على قوله: وكان خلفها سائقا
لها والمتبادر من عبارتهم أنه المشي خلفها، وإن لم يطردها، ونقل المكي عن ملا علي تقييده بطرده
إياها ط. ملخصا.
قلت: وفي غاية البيان عن الأسبيجابي: يريد به إذا أرسله وضربه أو زجره عند ذلك حتى صار
له سائقا. قوله: (والمراد بالدابة) الأولى البهيمة لأنه المذكور في المتن والزيلعي، وقد علمت وجه هذا
التفسير وما فيه. قوله: (ساقه أو لا) لان بدنه لا يحتمل السوق فلو يعتبر، بخلاف البهيمة. قوله: (أو
دابة أو كلبا ولم يكن سائقا له) أطلقه فشمل ما إذا أصاب الكلب شيئا في فوره فلا يضمنه المرسل،
بخلاف الدابة. نهاية. وقدمنا وجه الفرق وأن المفتى به الضمان مطلقا، وعليه فالصواب إسقاط
الشارح قوله: أو دابة. قوله: (أو انفلتت دابة) ولو في الطريق أو ملك غيره. إتقاني. قوله: (أو ليلا)
وقال الشافعي: إن ذهبت ليلا ضمن، لان العادة حفظها فيه فهو مفرط. وتمامه في المعراج. قوله:
(العجماء جبار) أي فعلها إذا كانت منفلتة، وفي رواية الصحيحين والامام مالك وأحمد وأصحاب
السنن العجماء جرحها جبار ط. والعجماء غلب على البهيمة. مغرب. قوله: (أي المنفلتة) تقييد
للعجماء لا تفسير لها كما لا يخفى اه‍ ح.
قال الزيلعي بعد نقله ذلك عن محمد: وهذا صحيح ظاهر لان المسوقة والمركوبة والمقودة في

181
الطريق أو في ملك الغير أو المرسلة في الطريق فعلها معتبر على ما بينا. قوله: (عمادية) لم يذكر فيها
قوله: حتى لو أتلفت إنسانا الخ وإنما ذكر المصنف أنه أفتى به المولى أبو السعود العمادي مفتي الروم،
لكنه لما كان مفهوما من كلام الفصول العمادية عزاه إليها هذا، وذكر الرملي أنهما لو اختلفا في عدم
القدرة على ردها فالقول للخصم والبينة على مدعي العجز، لان إنكاره لأصل الضمان في ضمن
الدعوى لا يفيد بعد تحقق سببه. تأمل اه‍ ملخصا. قوله: (أو ضربت بيدها) أو كيفما أصابت اه‍.
خلاصة. فدخل ما إذا وطئت. قال في الهداية: ولو وثبت بنخسته على رجل أو أوطأته فقتلته كان
ذلك على الناخس دون الراكب والواقف في ملكه والذي يسير فيه سواء اه‍: أي بخلاف الواقف
في الطريق لتعديه. كفاية. وسيأتي. قوله: (فصدمته) أي الاخر وقتلته وفي التتارخانية: هذا إذا كانت
النفخة والضربة والوثب في فور النخس، وإلا فلا ضمان عليه. قوله: (لا الراكب) لأنه غير متعد
فترجح جانب الناخس في التغريم للتعدي، وتمامه في الهداية. قوله: (وقال أبو يوسف) هو رواية عنه
كما في القهستاني وغيره. قوله: (كما لو كان موقفا دابته على الطريق) أي فنخسها رجل فقتلت آخر
يضمنان تصفين لأنه متعد بالايقاف. منح وغيرها.
قال الرملي: أقول: ظاهره ولو كان بغير إذنه، إذ هو موضوع مسألة المتن التي الكلام عليها،
والمصرح به في الخلاصة والبزازية خلافه.
قال في الخلاصة: وإن كان بإذنه فالضمان عليهما إلا في النفخة بالرجل والذنب فإنها جبار، إلا
إذا كان الراكب واقفا في غير ملكه فأمر رجلا فنخسها فنفحت رجلا فالضمان عليهما، وإن كان بغير
إذن فالضمان كله على الناخس اه‍.
ونقل ط عن المنتقى بالنون: رجل واقف على دابته في الطريق، فأمر رجلا فنخسها فقتلت رجلا
والآمر فدية الأجنبي عليهما ودم الآمر هدر، ولو سارت عن موضعها ثم نفحت من فور النخسة
فالضمان على الناخس فقط، وإن لم تسر فنفحت الناخس وآخر فدية الأجنبي عليهما، ونصف دية
الناخس على الراكب اه‍ ملخصا.
وبه علم أن ضمانهما مقيد أيضا بما إذا لم تسر من موضعها، وإلا ضمن الناخس فقط كما لو
نخس بلا إذن الراكب. قوله: (لتعديه في الايقاف) فلو حرنت ووقفت فنخسها هو أو غيره لتسير فلا
شئ عليهما. نقله ط. قوله: (أيضا) أي كتعدي الناخس بالنخس ط. قوله: (ووطئت) أي في
سيرها. هداية. والتقييد بالوطئ لاخراج نحو النفحة فلا يضمنها الناخس بالاذن كما مر، وفي
الخانية: ولا يضمن الناخس ها هنا ما لا يضمنه الراكب من نفحة الرجل والذنب وغير ذلك اه‍.
قوله: (فدمه عليهما) لان سيرها حينئذ مضاف إليهما، ثم هل يرجع الناخس على الراكب بما ضمن
في الايطاء لأنه فعله بأمره؟ قيل: نعم، وقيل: لا، وصححه في الهداية. قوله: (فديته على عاقلة

182
الناخس) أي لو بغير إذنه، فلو به لا يضمن، خلاصة. قوله: (لو الوطئ فور النخس) وكذا النفحة
والضربة والوثبة كما قدمناه.
تتمة: اقتصر على ذكر الناخس مع الراكب. قال في متن الملتقى: وكذا الحكم في نخسها ومعها
سائق أو قائد، وإن نخسها شئ منصوب في الطريق فالضمان على من نصبه، ولا فرق بين كون
الناخس صبيا أو بالغا، وإن كان عبدا فالضمان في رقبته، وجميع هذا الفصل والذي قبله إن كان
الهالك آدميا فالدية على العاقلة، وإن غيره كدواب فالضمان في مال الجاني اه‍.
وأما قول الهداية: ولو الناخس صبيا ففي ماله، قال العلامة النسفي في الكافي: يحتمل أن يراد
به إذا كانت الجناية على المال، أو فيما دون أرش الموضحة.
قلت: ويحتمل أن يراد به الصبي إذا كان من العجم، لأنه لا عاقلة لهم. كفاية. وفي الدر
المنتقى: وإنما خص النخس لأنه لو وضع يده على ظهر فرس عادته النفحة فنفح فأتلف لم يضمن،
بخلاف النخس، لان الاضطراب لازم له دون وضع اليد كما في البرجندي عن القنية اه‍.
وفي التتارخانية: وضع شيئا في الطريق فنفرت منه دابة فقتلت رجلا لا شئ على الواضع إذا لم
يصب ذلك الشئ اه‍. لكن في ط عن المحيط السرخسي: لو نفرت من حجر وضعه رجل على
الطريق فالواضع بمنزلة النخاس اه‍. قوله: (وفي فق ء عين دجاجة) مثلها الحمامة وغيرها من الطيور،
وكذا الكلب والنسور كما في الذخيرة. قهستاني. قوله: (أو غيره) ولذا ترك ابن الكمال الإضافة إلى
القصاب وقال: لما فيها من مظنة الاختصاص خصوصا عند ملاحظة التعليل الآتي ذكره اه‍. قوله:
(ما نقصها) فتقوم صحيحة العين ومفقوء، فيضمن الفضل. قهستاني. والنقصان شامل للحاصل
بالهزال من فق ء العين. ط عن الواني. قوله: (لأنها اللحم) فلا يعتبر فيها إلا النقصان ابن كمال.
أقول: لا يشمل نحو الكلب والسنور، لكن ضمان النقصان في ذلك جار على الأصل في
ضمان المتلفات، أما ضمان ربع القيمة فيما يأتي فخلاف القياس عملا بالنص. قوله: (وفي عينيها
الخ) هذا ذكره الزيلعي في البقرة ونحوها. وعلله بأن المعمول به النص، وهو ورد في عين واحدة
فيقتصر عليه اه‍. تأمل. قوله: (أي إبله) قال في القاموس: الإبل واحد يقع على الجمع ليس بجمع
ولا اسم جمع، وجمعة الإبل اه‍. فافهم. قوله: (فائدة الإضافة الخ) أي لئلا يتوهم أنهما لكونهما
معدين للحم يكون حكمهما الشاة، بل سواء كانا معدين له أو للحرث أو الركوب ففيه ربع
القيمة، كما في الذي لا يؤكل لحمه. منح. قوله: (وحمار) في الخلاصة عن المنتقى: ما لا يحمل عليه
لصغره كالفصيل والجحش ففي عينه ربع قيمته اه‍.
قلت: والذي نقله القهستاني عن المنتقى: إن في نحو الفصيل النقصان. تأمل. ثم رأيت في

183
جامع الفصولين عن المنتقى كما في الخلاصة. قوله: (والفرق ما قدمناه) أي في قوله: لان إقامة
العمل. قال في الهداية: ولما ما روي: أن النبي صلى الله عليه وآله قضى في عين الدابة بربع القيمة وهكذا قضى
عمر رضي الله تعالى عنه، لان فيها مقاصد سوى اللحم كالركوب والزينة والحمل والعمل، فمن هذا
الوجه تشبه الادمي، وقد تمسك للاكل ومن هذا الوجه تشبه المأكولات، فعملنا بالشبهين بشبه الادمي
في إيجاب الربع وبالشبه الاخر في نفي النصف، ولأنه إنما يمكن إقامة العمل لها بأربعة أعين الخ.
قوله: (لكن يرد عليه) أي على الفرق المذكور. قال فخر الاسلام: والمعتمد هو التعليل الأول: أي
الذي قدمناه عن الهداية، لان العينين لا يضمنان القيمة. إتقاني: أي وأما التعليل بأنها صارت
كذات أربعة أعين فإنه يلزم منه ضمان العينين بنصف القيمة. قوله: (إنه
يضمن) بدل من قوله: أنه لو فقأ والمصدر فاعل لفعل محذوف، هو جواب لو تقديره: يلزم أنه يضمن. تأمل. قوله: (وليس
كذلك) أي لا يضمن النصف كما صرح به شراح الهداية، لكن نقل القهستاني القول بضمان النصف
عن فخر القضاة. قوله: (كما مر) أي عن الزيلعي، وقدمنا أنه علله بأن المعمول به النص وهو ورد
في عين واحدة، فيقتصر عليه.
وحاصله: أن ضمان العين بالربع مخالف للقياس فلا يقاس عليه، بل يقتصر على النص، ولذا
قال: فالأولى التمسك بما روي الخ. قوله: (والتقييد بالعين) أي تقييد المصنف بقوله: وفي عين
بقرة. قوله: (وقيل: جميع القيمة) أي لفوات الاعتلاف، وفي تحفة الاقران والقنية جزم بهذا، وحكى
الاخر بقيل اه‍. سائحان. قوله: (أي لو غير مأكول) لان ذلك استهلاك له من كل وجه. هداية.
قوله: (وإن مأكولا خير) أي بين تركها على القاطع وتضمينه قيمتها، وبين إمساكها وتضمينه النقصان.
قال في غصب الهداية: وهذا ظاهر الرواية عن أبي حنيفة. وعنه: لو شاء أخذها ولا شئ له،
والأول أصح اه‍. وعليه المتون والشروح، وقدمنا الكلام نعليه في الغصب. قوله: (لكن في العيون
إن أمسكه لا يضمنه شيئا الخ) أي ليس له أن يمسك المأكول ويضمن النقصان، وعليه فلا فرق بين
المأكول وغيره، وقد علمت أن هذا رواية عن أبي حنيفة، وظاهر الرواية التخيير في المأكول، وهو
الأصح كما مر، وبه يفتى كما في جامع الفصولين حين قال: وعن أبي جعفر لو أخذ الشاة فلا شئ
له، ويفتى بظاهر الرواية، لكن نقل بعده أن ما يؤكل وغيره سواء في ظاهر الرواية، فلو أمسكه فلا
شئ له. قال: وهذا يؤيد ما حكي عن أبي جعفر اه‍.
أقول: وحيث اختلف النقل عن ظاهر الرواية والافتاء فالعمل على ما عليه المتون والشروح،
وصححه في الهداية. والله تعالى أعلم. قوله: (وعرجها كقطعها) قال في جامع الفصولين: ولو

184
ضرب دابة فصارت عرجاء فهو كالقطع اه‍. قوله: (فيحصل التوفيق) كأنه فهم من كلام الدرر أنه لا
يضمن في الكلب غير الآدمي، وهذا غير مراد، وإنما معنى كلامه أن ما يخاف منه تلف الآدمي
فالاشهاد فيه موجب للضمان إذا أعقبه تلف، سواء كان المتلف مالا أو آدميا، وما لا يخاف منه تلف
الآدمي بل يخاف منه تلف المال فقط كعنب الكروم، فلا يفيد فيه الاشهاد، ويدل على تشبيهه بالحائط
المائل، فإن الاشهاد فيه موجب لضمان المال والنفس ا ه‍. رملي. وهو كلام حسن دافع للمخالفة من
أصلها، فيحمل كلام الزيلعي على الاتلاف مطلقا، لان المراد بالكلب الواقع في كلامه الكلب العقور
كما صرح به، فهو مما يخاف منه تلف الآدمي كالحائط المائل والثور النطوح، بخلاف كلب العنب.
قلت: وهذا كله مخالف لما قدمه الشارح في أواخر باب القود فيما دون النفس عن القاضي بديع
أن الاشهاد لا يكون إلا في الحائط لا في الحيوان اه‍.
وقد أفتى في الخيرية بالضمان بعد الاشهاد في حصان اعتاد الكلام وكذا في ثور نطوح. قال:
وفي البزازية عن المنية في نطح الثور: يضمن بعد الاشهاد النفس والمال اه‍. وفي المسألة خلاف،
والأكثر على الضمان كالحائط المائل. اه‍. وأفتى به في الحامدية أيضا. قوله: (قلت الخ) من مقول
المصنف أيضا في المنح. قوله: (أخذا من مسألة الكلب) أي كلب العنب، فإنه ليس مما يخاف منه تلف
الآدمي. قوله: (بل أولى) لأنه طير، وقد تقدم أنه لا يضمن إذا أرسل طيرا ساقه أو لا، بخلاف الدابة
والكلب، وهنا لم يرسله ولم يسقه أصلا فعدم الضمان فيه أولى، ولأن النحل مأذونة من الله تعالى بقوله
تعالى: * (ثم كلي من كل الثمرات) * (النحل: 96). قوله: (في معينه) أي في كتابه المسمى معين المفتي.
قوله: (فراجعه عند التقوى) قد علمت الموافق للمنقول صريحا ودلالة هو الأول فعليه المعول.
قوله: (على ما هو ظاهر المذهب) وهو ما قدمه آخر كتاب القسمة من أن له التصرف في ملكه وإن
تضرر جاره. قوله: (وأما جواب المشايخ) من أنه يمنع إذا كان الضرر بينا. قوله: (على ما عليه

185
الفتوى) الأوضح وهو ما عليه الفتوى ط. قوله: (حمار يأكل حنطة إنسان الخ) ظاهره: ولو كان
الحمار لغير الرائي، وهو المستفاد من كلامه في كتاب اللقطة، والذي في القنية وغيرها: رأى حماره
الخ بالإضافة إلى ضمير الرائي ح. تأمل.
ثم رأيت في حاشية الرملي على جامع الفصولين في أحكام السكوت ما نصه. أقول: فلو رأى
حمار غيره يأكل حنطة الغير فلم يمنعه صارت واقعة الفتوى فأجبت بأنه لا يضمن، والفرق ظاهر
وهو أن فعل حماره ينسب إليه مع رجوع المنفعة له، وإمكان دفعة فقويت علة الضمان، بخلاف حمار
الغير، تأمل. قوله: (وقيل: يضمن) أي وإن لم يسقها قياسا على ما إذا كان في داره بعير فأدخل عليه
آخر بعيرا مغتلما أو لا فقتل بعيره، إن بلا إذن صاحبها يضمن كما في البزازية. والمغتلم: الهائج.
أقول: ويظهر أرجحية هذا القول لموافقته لما مر أول الباب من أنه يضمن ما أحدثته الدابة مطلقا
إذا أدخلها في ملك غيره بلا إذنه لتعديه، وإما إذا لم يدخلها ففي الهداية: ولو أرسل بهيمة فأفسدت زرعا على فورها ضمن المرسل وإن مالت يمينا أو شمالا وله طريق آخر لا يصمن لما مر اه‍. قوله:
(وتمامه في البزازية) من ذلك ما قدمناه آنفا، ومنه قوله: سائق حمار الحطب إذا لم يقل إليك، إنما
يضمن إذا مشى الحمار إلى جانب صاحب الثوب، لا في عكسه وهو يراه ولم يتباعد عنه ووجد فرصة
الفرار.
وجد في زرعه دابة فأخرجها فهلكت: فالمختار إن ساقها بعد الاخراج يضمن، وإلا لا، والدار
كالزرع، لأنها تضره، بخلاف المربط لأنه محلها.
ربط حماره في سارية فربط آخر حماره فعض حمار الأول: إن في موضع لهما ولاية الربط لا
يضمن، وإلا ضمن اه‍. ملخصا. والله تعالى أعلم.
باب جناية المملوك والجناية عليه
لما فرغ من جناية المالك وهو الحر، شرع في جناية المملوك، ولما كانت جناية البهيمة باعتبار
الراكب وأخويه وهم ملاك قدمها. قوله: (لا توجب إلا دفعا واحدا) أي وإن كانت كثيرة في أشخاص
متعددة. قوله: (لو محلا) أي للدفع بأن كان قنا لم ينعقد له شئ من أسباب الحرية كالتدبير والاستيلاد
والكتابة. زيلعي. قوله: (وإلا فقيمة واحدة) أي إن لم يكن محلا لدفع بأن انعقد له شئ مما ذكرنا
توجب جنايته قيمة واحدة، ولا يزيد عليها وإن تكررت الجناية. زيلعي. قوله: (فكالأول) أي يخير
بين الدفع والفداء. قوله: (وأختيه) أي أم الولد والمكاتب. قوله (إنما يفيد) أي يفيد التخيير الآتي.

186
قوله: (في النفس) أي نفس الآدمي وفي 9 من التتارخانية فرق بين الجناية على الآدمي أو على المال،
ففي الأول خير المولى بين الدفع والفداء، وفي الثانية بين الدفع والبيع اه‍.
وفي القنية عن خواهر زاده: محجور جنى على مال فباعه المولى بعد علمه بالجناية فهو في رقبته
يباع فيها من اشتراه، بخلاف الجناية على النفس اه‍. وقدمنا تمام الكلام عليه في أول كتاب
الحجر. قوله: (لان بعمده) حذف اسم أن والأولى ذكره ويكون الضمير للشأن ط. قوله: (فيما
دونها) أي دون النفس فإنه يجب المال في الحالين، إذ القصاص يجري بين العبيد والعبيد، ولا بين
العبيد والأحرار فيما دون النفس. عناية. قوله: (لا باقراره أصلا) أي ولو بعد العتق.
قال في الشرنبلالية عن البدائع: وإذا لم يصح إقراره لا يؤاخذ به لا في الحال ولا بعد العتق،
وكذا لو أقر بعد العتاق أنه كان جنى في حال الرق لا شئ عليه اه‍. وشمل المحجور والمأذون، وهو
ما جرى عليه في الولوالجية، والذي قدمه الشارح في باب القود فيما دون النفس عن الجوهرة أنه
يؤاخذ به بعد العتق.
أقول: وفي الحجر الجوهرة: لو أقر العبد بقتل الخطأ لم يلزم المولى شئ، وكان في ذمة العبد
يؤخذ به بعد الحرية. كذا في الخجندي. وفي الكرخي أنه باطل، ولو أعتق بعده لا يتبع بشئ من
الجناية، أما المحجور فلانه إقرار بمال، فلا ينقلب حكمه كإقراره بالدين، وأما المأذون فإقراره جائز
بالديون التي لزمته بسبب التجارة، لأنها هي المأذون فيها، بخلاف الجناية فهو كالمحجور فيها اه‍.
قوله: (وتقدم) أي قبيل متفرقات القضاء. قوله: (دفعه مولاه إن شاء الخ) أي إنه يخير تخفيفا له، إذ لا
عاقلة لمملوكه إلا هو غرر الأفكار. قوله: (حالا) أي كائنا كل من الدفع والفداء على الحلول، لان
التأجيل في الأعيان باطل والفداء بدله فله حكمه، ومفاده أن الخيار للمولى، ولو مفلسا فإذا اختار
المفلس الفداء يؤديه متى وجد، ولا يجبر على دفع العبد عنده، خلافا لهما كما في المجمع. در منتقى.
قوله: (لكن الواجب الأصلي الخ) جواب عما يقال لو وجبت الجناية في ذمة المولى، حتى وجب
التخيير لما سقط بموت العبد كما في الحر الجاني إذا مات فإن العقل لا يسقط عن عاقلته.
ووجهه: أن الواجب الأصلي هو الدفع، وإن كان له حق النقل إلى الفداء كما في مال الزكاة،
فإن الموجب الأصلي فيه جزء من النصاب، وللمالك أن ينتقل إلى القيمة. عناية. قوله: (على
الصحيح) كذا في الهداية والزيلعي، وأقره غيره من الشراح. قوله: (ولذا سقط الواجب بموته) أي
قبل اختيار الفداء، وأما بعده فلا لانتقاله إلى ذمة المولى. غرر الأفكار. وأطلق المولى فشمل ما إذا كان
بآفة سماوية أو بعثه المولى في حاجته أو استخدامه، لان له حق الاستخدام في العبد الجاني، ما لم يدفعه
فلا يكون تعديا، معراج عن المبسوط. أما لو قتله صار مختارا للأرش، ولو قتله أجنبي فإن عمدا

187
بطلت الجناية وللمولى أن يقتص، وإن خطأ أخد المولى القيمة ودفعها إلى ولي الجناية، ولا يخير حتى لو
تصرف في تلك القيمة لا يصير للأرش. جوهرة. قوله: (لكن في الشرنبلالية الخ) هذا غير
المشهور. ففي العناية وغيرها عن الاسرار: أن الرواية بخلافه في غير موضع، وقد نص محمد بن
الحسن أن الواجب هو العبد. قوله: (والجوهرة) عطف على السراج وقوله: عن البزدوي متعلق بكل
من السراج والجوهرة كما يعلم من الشرنبلالية اه‍ ح. قوله: (وعلله الزيلعي الخ) أي علل الحكم
وهو صحة الاختيار وإن لم يكن قادرا كما يفهم من عبارته. قوله: (أصل حقهم) أي حق أولياء
الجناية. قوله: (ومفاده) أي مفاد تعليل الزيلعي بما ذكر، فهو مبني على التصحيح الثاني، لكن الزيلعي
صرح أولا بتصحيح الأول كالهداية وغيرها وهو المنصوص عن محمد كما علمت. قوله: (وأفاد الخ)
هذا قول ثالث: وفي الشرنبلالية عن البدائع: ولو كان الواجب الأصلي التخيير لتعيين الفداء عند هلاك
العبد، ولم يبطل حق المجني عليه على ما هو الأصل في المخير بين شيئين إذا هلك أحدهما أنه يتعين
عليه الآخر، فليس هذا القول بسديد اه‍. قوله: (وأنه الخ) معطوف على أن الدفع والمراد بالكتاب
متن المجمع. ورد شارحه بهذا على مصنفه في ادعائه أن في لفظ متنه ما يفيده ط ملخصا. قوله:
(فإن فداه) قيد به، لأنه إذا لم يفده فجنى أخرى كان عين المسألة الثانية وهي قوله: فإن جني جنايتين
الخ كفاية. قوله: (فهي كالأولى) لأنه لما ظهر عن الجناية بالفداء جعل كأن لم تكن وهذا ابتداء جناية.
هداية. قوله: (دفعه بهما الخ) فيقتسمانه على قدر أرش جنايتهما، وإن كانوا جماعة يقتسمونه على قدر
حصصهم، وإن فداه فداه بجميع أروشهم، ولو قتل واحدا وفقأ عين آخر يقتسمانه أثلاثا، لان أرش
العين على النصف من أرش النفس، وعلى هذا حكم الشجات، وللمولى أن يفدي من بعضهم ويدفع
إلى بعضهم مقدار ما تعلق به حقه من العبد، وتمامه في الهداية. قوله: (وإن وهبه الخ) الأصل أنه متى
أحدث فيه تصرفا يعجزه عن الدفع عالما بالجناية يصير مختارا للفداء، وإلا فلا، فمثال الأول ما ذكره
ومثال الثاني وطئ الثيب من غير إعلاق لأنه لا ينقص، وكذا التزويج والاستخدام، وكذا الإجارة
والرهن على الأظهر لان الإجارة تنقض بالأعذار، وقيام حق ولي الجناية فيه عذر، ولتمكن الراهن من
قضاء الدين فلم يعجز، وكذا الاذن بالتجارة، وإن ركبه دين لان الاذن لا يفوت الدفع ولا ينقص
الرقبة، إلا أن لولي الجناية أن يمتنع من قبوله لان الدين من حقه من جهة المولى فيلزم المولى قيمته اه‍.
من الهداية والعناية. قوله: (أو باعه) أي بيعا صحيحا، ولو بخيار للمشتري لا لو فاسدا إلا إذا
سلمه، لان الملك لا يزول إلا به، ولا لو الخيار للبائع ثم نقضه. أفاده الزيلعي وغيره. قوله: (ضمن
الأقل الخ) لأنه فوت حقه، فيضمنه وحقه في أقلهما، ولا يصير مختارا للفداء، لأنه لا اختيار بدون

188
العلم. هداية. والدليل على أن حقه أقلهما أنه ليس له المطالبة بالأكثر. كفاية. قوله: (كبيعه) يجب
إسقاطه لأنه تشبيه الشئ بنفس اه‍ ح.
قلت: ويمكن أن يراد بيعه للمجني عليه، فيكون فيه نوع مغايرة لما قبله. قال في الاختيار: وكذا
لو باعه من المجني عليه كان اختيارا، لا لو وهبه لان للمستحق أخذه بغير عوض وقد وجد في الهبة
دون البيع اه‍. قوله: (وكتعليق عتقه) لان تعليق عتقه مع علمه بأنه يعتق عند القتل دليل اختياره
فلزمه الدية. منح. قوله: (بقتل زيد الخ) أي بجناية توجب الدية، فلو علقه بعير جناية كأن دخلت
الدار ثم دخل، أو بجناية توجب القصاص كأن ضربته بالسيف فأنت حر فلا شئ على المولى
اتفاقا لعدم علمه بالجناية عند التعليق بغيرها، ولأن ما يوجب القصاص فهو على العبد، وذلك لا
يختلف بالرق والحرية، فلم يفوت المولى على ولي الجناية بتعليقه شيئا. عناية ملخصا. قوله: (كما يصير
فارا) أي من إرث زوجته لأنه يصير مطلقا بعد وجود المرض. قوله: (لان عتقه دليل وتصحيح الصلح)
لان العاقل يقصد تصحيح تصرفه، ولا صحة له إلا بالصلح عن الجناية وما يحدث منها. زيلعي.
قوله: (فيقتل أو يعفى) بالبناء للمجهول والضميران للعبد وصلة يعفى مقدرة. قوله: (لبطلان الصلح)
لأنه وقع على المال وهو العبد عن دية اليد، إذ القصاص لا يجري بين الحر والعبد في الأطراف،
وبالسراية ظهر أن دية اليد غير واجبة، وأن الواجب هو القود، فصار الصلح باطلا لان الصلح لا بد
له من مصالح عنه والمصالح عنه المال ولم يوجد. زيلعي.
قال ط: وظاهر هذا التعليل أن رد العبد واجب على ولي الدم رفعا للعقد الباطل اه‍. وفي
العناية صلحا بناء على ما اختاره بعض المشايخ أن الموجب الأصلي هو الفداء. قوله: (فأعتقه
سيده) أما إذا لم يعتقه فهو مخير. قال في العناية: والأصل أن العبد إذا جنى عليه دين يخير المولى بين
الدفع والفداء، فإن دفع بيع في دين الغرماء، فإن فضل شئ كان لأصحاب الجناية لأنه بيع على
ملكهم، وإن لم يف بالدين تأخر إلى حال الحرية كما لو بيع على ملك المولى الأول اه‍ ملخصا. قوله:
(بلا علم) قيد به لأنه لو علم كان مختارا للفداء دية الجناية لوليها وقيمة العبد لرب الدين.
قوله: (الأقل من قيمته الخ) وأما قول الهداية وغيرها: عليه قيمتان: قيمة لرب الدين وقيمة ولولي
الجناية، فالمراد إذا كانت القيمة أقل من الأرش كما صرح به في العناية. قوله: (أي
العبد الجاني) أي المأذون الذي تقدم ذكره ا ه‍. قوله: (فقيمة واحد لمولاه) أي ويدفعهما للغرماء لأنها مالية العبد،
والغريم مقدم في المالية على ولي الجناية. وتمامه في الزيلعي. وإنما لزم الأجنبي قيمة واحدة دون المولى

189
لأنه لم يكن مأخوذا بالدفع ولا بقضاء الدين، فلا يجب عليه أكثر مما أتلفه، أما المولى فهو مطالب
بذلك. إتقاني. قوله: (بخلاف أكسابها) فإنها يتعلق بحق الغرماء قبل الدين وبعده، لان لها يدا
معتبرة في الكسب. منح. قوله: (لم يدفع الولد له الخ) قال في العناية: إن الفرق بين ولادة الأمة بعد
استدانتها وبين ولادتها بعد جنايتها في أن الولد يباع معها في الأولى دون الثانية أن الدين وصف
حكمي فيها واجب في ذمتها متعلق برقبتها استيفاء، حتى صار المولى ممنوعا من التصرف في رقبتها
ببيع ألا هبة أو غيرهما، فكانت: أي الاستدانة من الأوصاف الشرعية، فتسري إلى الولد كالكتابة
والتدبير والرهن، وأما موجب الجناية فالدافع أو الفداء وذلك في ذمة المولى لا في ذمتها، حتى لم يصر
المولى ممنوعا من التصرف في رقبتها ببيع أو هبة أو استخدام، وإنما يلاقيها أثر الفعل الحقيقي الحسي
وهو الدفع، فلا يسري لكونه وصفا غير قار حصل عند الدفع، والسراية في الأوصاف الشرعية دون
الأوصاف الحقيقية اه‍. قوله: (زعم رجل) أي أقر. قوله: (فقتل) ذكر الاقرار بالحرية قبل الجناية،
وفي المبسوط بعدها: ولا تفاوت بينهما. عناية. قوله: (المعتق) أي في زعمه. قوله: (فلا شئ للحر)
أي الزاعم. قوله: (عليه) الأولى حذفه لأنه لا شئ على العاقلة ط. قوله: (لأنه بزعمه الخ) عبارة
الهداية: لأنه لما زعم أن مولاه أعتقه فقد ادعى الدية على العاقلة وأبرأ العبد والمولى، إلا أنه لا يصدق
على العاقلة من غير حجة ا ه‍. وإنما كان إبراء للمولى، لأنه لم يدع على المولى بعد الجناية إعتاقا، حتى
يصير المولى به مختارا للفداء مستهلكا حق المجني عليه بالاعتاق. كفاية. قوله: (لا يستحق العبد) أي
دفعه أو فداءه. قوله: (بل الدية) لأنه موجب جناية الأحرار. قوله: (على العاقلة) وهم قبيلة السيد
المعتق كما سيأتي. فافهم. قوله: (يخاطب به مولاه الخ) تبع فيه المصنف وهو غير لازم.
وعبارة الملتقى والدرر: قال معتق قتلت أخا زيد، ونحوه في الهداية وغيرها، والخطب سهل،
إذ لا فرق يظهر بين المولى والأجنبي، لان قول المولى: بل قتلته بعد العتق يريد به إلزام الدية على عاقلة
القاتل، وهم قبيلة المولى لأنها عاقلة المعتق لا على نفسه فقط. فافهم. قوله: (لأنه منكر للضمان) لأنه
أسنده إلى حالة معهودة منافية للضمان، إذ الكلام فيما إذا عرف رقه، فصار كما إذا قال البالغ العاقل
طلقت امرأتي وأنا صبي أو مجنون وكان جنونه معروفا كان القول له. هداية. قوله: (فلا يكون القول
له) وهذا لأنه ما أسنده إلى حالة منافية للضمان، لأنه يضمن يدها لو قطعها وهي مديونة. هداية.
قوله: (من المال) أي مال لم يكن غلة كمال وهب لها أو أوصى لها به ط. قوله: (إلا الجماع والغلة)

190
أي إذا قال جامعتها قبل الاعتاق أو أخذت الغلة قبله لا يكون القول قولها، لان وطئ المولى أمته
المديونة لا يوجب العقر، وكذا أخذه من غلتها، وإن كانت مديونة لا يوجب الضمان عليه، فحصل
الاسناد إلى حالة معهودة منافية بالضمان. ابن كمال. واستثنى في الشرنبلالية عن المواهب والزيلعي ما
كان قائما بعينه في يد المقرد لأنه متى أقر أنه أخذه منها فقد أقر بيدها، ثم ادعى التملك عليها وهي
تنكر، فكان القول للمنكر فلذا أمر بالرد اه‍. قوله: (عبد محجور) قيد بالعبد، لأنه لو كان الآمر حرا
بالغا ترجع عاقلة الصبي على عاقلة الآمر بالمحجور، لأنه لو كان الآمر مكاتبا بالغا ترجع عاقلة الصبي
عليه بأقل من قيمته ومن الدية، بخلاف ما إذا كان الآمر عبدا مأذونا حيث لا يرجعون عليه إلا بعد
العتق. كفاية. قوله: (ورجعوا على العبد بعد عنقه) لان عدم اعتبار قوله كان الحق المولى لا لنقصان
الأهلية، وقد زال حق المولى بالاعتاق. زيلعي. وهذا ما ذكره الصدر الشهيد وقاضيخان في
شرحيهما، وفيه نظر لأنه خلاف الرواية في الزيادات. إتقاني. قوله: (وقيل: لا) هذه هي رواية
الزيادات. قال الزيلعي: لان هذا ضمان جناية وهو على المولى لا على العبد، وقد تعذر إيجابه على
المولى لمكان الحجر، وهذا أوفق للقواعد اه‍. وتمامه فيه. قوله: (أبدا) أي وإن بلغ. قوله: (عبدا
مثله) لم يقيد بكونه محجورا أيضا لأنه يكتفي بكون الآمر محجورا، فإذا أمر العبد المحجور العبد
المأذون، فالحكم كذلك، أما لو كان الآمر عبدا مأذونا والمأمور عبدا محجورا، أو مأذونا يرجع مولى
العبد القاتل بعد الدفع، أو الفداء على رقبة العبد الآمر في الحال بقيمة عبده، لان الآمر بأمره صار
غاصب للمأمور. وتمامه في الكفاية. لو كان المأمور حرا بالغا عاقلا فالدية على عاقلته ولا ترجع
العاقلة على الآمر لان أمره لم يصح. زيلعي. قوله: (ويرجع بعد العنق الخ) على قياس القيل المار لا
يجب شئ. أفاده الزيلعي. قوله: (وقيمة العبد) أي القاتل. قوله: (لأنه مختار الخ) أي إذا دفع الفداء
وكان أزيد من قيمة العبد مثلا لا يرجع إلا بالقيمة لأنه غير مضطر، فإنه لو دفع العبد أجبر ولي الجناية
على قبوله. قوله: (فأعتقه) قيد به لان محل الوهم، فإنه إذا لم يعتقه يكون الحكم كذلك.
وفي الهندية: وأجمعوا أن حافر البئر إذا كان عبدا قنا فدفع المولى العبد إلى ولي القتيل ثم وقع
فيها آخر ومات فإن الثاني لا يتبع المولى بشئ سواء دفع المولى إلى الأول بقضاء أو بغير قضاء. وتمامه
فيها ط. قوله: (ثم وقع فيها إنسان) فلو الوقوع قبل العتق وجبت الدية، فإن وقع آخر يشارك ولي
الأولى، لكن يضرب الأول بقدر الدية، والثاني بقدر القيمة. مقدسي: أي لان اختيار الفداء بالعتق
وقع في الأولى فوجبت الدية، ولم يقع في الثانية فلم تجب إلا بالقيمة، وهذا لو العتق بعد العلم، وإلا
لم تلزمه إلا القيمة، ويشارك ولي الثانية فيها ولي الأولى كما أفاده بعد اه‍. سائحاني. قوله: (ويجب

191
على المولى قيمة واحدة) اعتبارا لابتداء حال الجناية فإنه كان رقيقه ط. قوله: (إلى الحرين) عبارة المتن
في المنح: إلى الآخرين، وكذا في الكنز والملتقى. قوله: (أو يدفع نصفه لهما) أو بمعنى (إلا)
والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة لئلا يتكرر مع المتن. تأمل. قوله: (عولا عنده) تفسير العول:
هو أن تضرب كل واحد منهما بجميع حصته أحدهما بنصف المال والآخر بكله. كفاية. فثلثاه لولي
الخطأ لأنهما يدعيان الكل، وثلثه للساكت من ولي العمد لأنه يدعي النصف، فيضرب هذان بالكل
وذلك بالنصف، قوله: (وأرباعا منازعة عندهما) أي ثلاثة أرباعه لولي الخطأ وربعه لولي العمد بطريق
المنازعة، فيسلم النصف لولي الخطأ بلا منازعة ومنازعة الفريقين في النصف الآخر فينصف، فلهذا
يقسم أرباعا. منح.
وبيانه: أن الأصل المتفق عليه أن قسمة العين إذا وجبت بسبب دين في الذمة كالغريمين في
التركة ونحوها فالقسمة بالعول، والمضاربة لعدم التضايق في الذمة فيثبت حق كل منهما كملا فيضرب
بجميع حقه، وإن وجبت لا بسبب دين في الذمة كبيع الفضولي بأن باع عبد إنسان كله وآخر باع
نصفه وأجازهما المالك، فالعبد بين المشتريين أرباعا بطريق المنازعة، لان العين الواحدة تضيق عن الحقين
على وجه الكمال، وإذا ثبت هذا فقالا في هذه المسألة ثلاثة أرباع العبد المدفوع لولي الخطأ وربعه
للساكت من ولي العمد، لان حق ولي العمد كان في جميع الرقبة، فإذا عفا أحدهما بطل حقه، وفرغ
النصف فيتعلق حق ولي الخطأ بهذا النصف، بلا منازعة، بقي النصف الآخر واستوت فيه منازعة ولي
الخطأ والساكت فنصف بينهم، ولأبي حنيفة أن أصل حقهما ح ليس في عين العبد بل في الأرش الذي هو
بدل المتلف، والقسمة في غي العين بطريق العول، وهذا لان حق ولي الخطأ في عشرة آلاف وحق
العافي في خمسة، فيضرب كل منهما بحصة، كمن عليه ألفان لرجل وألف لآخر ومات عن ألف
فهو بين الرجلين أثلاثا، بخلاف بيع الفضولي، لان الملك يثبت للمشتري ابتداء. عناية ملخصا. قوله: (فإن
قتل عبدهما قريبهما) أي قتل عبد لرجلين قريبا لهما. قوله: (وقالا يدفع الخ) لان نصيب من لم يعف
لما انقلب مالا بعفو صاحبه صار نصفه في ملكه ونصفه في ملك صاحبه، فما أصاب ملك صاحبه لم
يسقط وهو الربع، وما أصا ب ملك نفسه سقط. كفاية. قوله: (ووجهه) أي وجه
الامام: أي وجه قوله قال في الكفاية: له أن القصاص وجاب لكل منهما في النصف من غير تعيين، فإذا انقلب مالا
احتمل الوجوب من كل وجه بأن يعتبر
متعلقا بنصيب صاحبه، واحتمل السقوط من كل وجه بأن يعتبر متعلقا بنصيب نفسه، واحتمل التنصيف بأن يعتبر متعلقا بهما شائعا فلا يجب المال بالشك. قوله: (فلا

192
تخلفه الورثة فيه) الواجب إسقاطه لان المنقول ليس مولى للقاتل. نعم يظهر هذا في مسألة أخرى ذكرت
هنا في بعض نسخ الهداية والزيلعي حكمهما حكم هذه المسألة، وهي: ما لو قتل عبد مولاه وله ابنان
فعفا أحدهما بطل كله، خلافا لأبي يوسف لان الدية حق المقتول ثم الورثة تخلفه، والمولى لا يجب له على
عبده دين فلا تخلفه الوراثة فيه اه‍. والذي أوقع الشارح صاحب الدرر. والله سبحانه أعلم.
فصل في الجناية على العبد
قوله: (فإن بلغت هي) أي قيمته. قوله: (بأثر ابن مسعود) وهو لا يبلغ بقيمة العبد دية الحر
وينقص منه عشرة دراهم، هذا كالمروي عن النبي صلى الله عليه وآله، لان المقادير لا تعرف بالقياس وإنما طريق
معرفتها السماع من صاحب الوحي. كفاية. قوله: (وعنه) أي عن أبي حنيفة وهي رواية الحسن عنه
وهو القياس، والأول ظاهر الرواية. إتقاني. قوله: (من الأمة) أي ينقص من ديتها لا مطلقا كما ظن
فإنه سهو. در منتقى. قوله: (ويكون حينئذ على العاقلة الخ) أي يكون ما ذكر من دية العبد والأمة:
أي دية النفس، لان العاقلة لا تتحمل أطراف العبد كما سيأتي آخر المعاقل. قوله: (خلافا لأبي
يوسف) حيث قال: تجب قيمته بالغة ما بلغت في ماله في رواية، وعلى عاقلته في أخرى وفي
الجوهرة. وقال أبو يوسف: في مال القاتل لقول عمر: لا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا.
قلنا: هو محمول على ما جناه العبد لا على ما جنى عليه، لان ما جناه العبد لا تتحمله العاقلة،
لان المولى أقرب إليه منهم ا ه‍. قوله: (وما قدر) أي ما جعل مقدرا من دية الحر: أي من أرشه في
الجناية على أطرافه جعل مقدرا من قيمة العبد كذلك، وقوله: ففي يده نصف قيمته تفريع عليه، لان
الواجب في يد الحر مقدر من الدية بالنصف، فيقدر في يد العبد بنصف قيمته، وكذلك يجب في
موضحته نصف عشر قيمته، لان في موضحة الحر نصف عشر الدية كما ذكره في العناية.
قلت: ويستثنى من ذلك حلق اللحية ونحوه ففيه حكومة كما يأتي، وكذا فق ء العينين، فإن
مولاه مخير كما يأتي أيضا. تأمل. وكذا ما في الخانية: لو قطع رجل عبد مقطوع اليد: فإن من جانب
اليد فعليه ما انتقص من قيمته مقطوع اليد، لأنه إتلاف ولا يجب الأرش المقدر للرجل، وإن قطع لا
من جانبها فنصف قيمته مقطوع اليد. وتمامه فيها. هذا، وفي الجوهرة: الجناية على العبد فيما دون
النفس لا تتحملها العاقلة لأنه أجري مجرى ضمان الأموال اه‍: أي فهو في مال الجاني حالا كضمان
الغصب والاستهلاك كما في منية المفتي. قوله: (في الصحيح) وهو ظاهر الرواية، إلا أن محمدا قال
في بعض الروايات: القول بهذا يؤدي إلى أن يجب بقطع طرفه فوق ما يجب بقتله كما لو قطع يد عبد

193
يساوي ثلاثين ألفا يضمن خمسة عشر ألفا. كذا في النهاية وغيرها من الشروح. قوله: (وجزم به في
الملتقى) وهو الذي في عامة الكتب كالهداية والخلاصة ومجمع البحرين وشرحيه والاختيار وفتاوى
الولوالجي والملتقى. وفي المجتبى عن المحيط: نقصان الخمسة هنا باتفاق الروايات، بخلاف فصل
الأمة. سلبي اه‍ ط. ويوافقه ما في الظهيرية وجامع المحبوبي: موضحة لعبد مثل موضحة الحر تقضي
بخمسمائة درهم إلا نصف درهم، ولو قطع أصبع عبد عمدا أو خطأ وقيمته عشرة آلاف أو أكثر فعليه
عشر الدية إلا درهم. معراج. قوله: (وتجب حكومة عدل في لحيته) أي إذا لم تنبت. قال في
البزازية: وفي العيون عن الامام رحمه الله في قطع أذنه أو أنفه أو حلق لحيته إذا لم تنبت قيمته تامة إن
دفع العبد إليه. وحكى القدوري في شعره ولحيته الحكومة.
قال القاضي: الفتوى في قطع أذنه وأنفه وحلق لحيته إذا لم تنبت على لزوم نقصان قيمته كما
قالا.
والحاصل: أن الجناية على العبد إن مستهلكة بأن كانت توجب في الحر كمال الدية ففيه كمال
القيمة، وإن غير مستهلكة بأن أوجبت فيه نصف الدية ففيه نصف قيمته. الأول: كقطع اليدين
وأمثاله، وقطع يد ورجل من جانب واحد. والثاني: كقطع يد أو رجل أو قطع يد ورجل من خلاف
وقطع الاذنين وحلق الحاجبين إذا لم ينبت في رواية من قبيل الأول، وفي أخرى من قبيل الثاني اه‍.
فتأمل. قوله: (في الصحيح) لان المقصود من العبد الخدمة لا الجمال. منح. قوله: (لاشتباه من له
الحق) لان القصاص يجب عند الموت مستندا إلى وقت الجرح، فعلى اعتبار حالة الجرح يكون الحق
للمولى، وعلى اعتبار الحالة الثانية يكون للورثة فتحقق الاشتباه. منح. قوله: (خلافا لمحمد) فعنده لا
قصاص في ذلك، وعلى القاطع أرش اليد وما نقصه ذلك إلى أن أعتقه، لان سبب الولاية قد اختلف،
لأنه الملك على اعتبار حالة الجرح والوراثة بالولاء على اعتبار الأخرى، فنزل منزلة اختلاف المستحق،
ولهما أنا تيقنا بثبوت الولاية للمولى، ولا معتبر باختلاف السبب: وتمامه في الهداية. قوله: (لان
البيان كالانشاء) أي إنه إنشاء من وجه حتى يشترط صلاحية المحل للانشاء، فلو مات أحدهما فبين
العتق فيه لا يصح، وإظهار من وجه حتى يجبر عليه، ولو كان إظهارا من (1) كل وجه لما أجبر، لان
المرء لا يجبر على إنشاء العتق والعبد بعد الشجة محل للبيان فاعتبر إنشاء. عناية. قوله: (فدية حر وقيمة
عبد) لان العبد لم يبق محلا بعد الموت، فاعتبرناه إظهارا محضا وأحدهما حر بيقين فوجب ما ذكر،
وينصف بين المولى والورثة (2) لعدم الأولوية. زيلعي. قوله: (لو القاتل واحدا معا) أي لو قتلهما معا:



(1) قوله: (ولو كان إظهار الخ) لعل صوابه انشاء وكذا قوله: فاعتبر انشاء قال مولانا لم يظهر في وجه جعله انشاء من
حيث استحقاق المولى لجميع الأرشين بدون مراعاة جهة الاظهار ا ه‍.
(2) قوله: (ويتصف بين المولى والورثة) انظر ما وجه هذا التصنيف مع العلم بان استحقاق المولى ليس الا
القيمة للجزم بحرية أحدهما ولعدم صحة اعطاء الورثة شيئا من التهمة بل مقتضى القياس ان يأخذ المولى القيمة
وتقسم الدية بين ورثة العبدين فيقال لورثة كل يحتمل موت مورثكم رقيقا فلا شئ لكم ونحتمل موته حرا فلكم
نصف الدية ا ه‍. وأقره شيخنا الا أن تحمل عبارة الزيلعي على حالة استواء القيمة والدية تأمل ثم نقل مولانا عن العناية
أن القيمة للمولى والدية للورثة وهو عين ما قلناه فلله الحمد ا ه‍.
194
فلو القاتل اثنين فيجئ، ولو واحدا وقتلهما على التعاقب فعليه قيمة الأول للمولى ودية الاخر لورثته،
لأنه بقتل أحدهما تعين الآخر للعتق، فتبين أنه قتله وهو حر. كفاية. قوله: (وقيمتهما سواء) فلو
اختلفت فعليه نصف قيمة كل واحد منهما ودية حر، فيقسم مثل الأول. زيلعي. قوله: (ولم يدر
الأول) فلو علم فعلى قاتله القيمة لمولاه، وعلى قاتل الثاني ديته لورثته لتعينه للعتق بعد موت الأول.
زيلعي. قوله: (فقيمة العبدين) لأنا لم نتيقن إن كلا من القاتلين قتل حرا وكل منهما منكر ذلك، ولأن
القياس يأبى ثبوت العتق في المجهول، فتجب القيمة فيما فتكون نصفين. بين المولى والورثة، لان
موجب العتق ثابت في أحدهما في حق المولى فلا يستحق بدله. أفاده الزيلعي. قوله: (فقأ رجل عيني
عبد) وكذا إذا قطع يديه أو رجليه. يقال: فقأ عينه إذا قلعها واستخرجها. إتقاني. قوله: (وقال
الشافعي الخ) هو يجعل الضمان في مقابلة الفائت، فبقي الباقي على ملكه كما إذا فقأ إحدى عينيه،
ولهما أن المالية معتبرة في حق الأطراف، وإنما تسقط في حق الذات فقط، وحكم الأموال ما ذكر
كما في الخرق الفاحش، وله أن المالية وإن كانت معتبرة فالآدمية غير مهدرة، والعمل بالشبهين أوجب
ما ذكر. ابن كمال. قوله: (ولو جنى مدبر أو أم ولد) أي على النفس خطأ أو على ما دونها. جوهرة.
فلو جنى على مال لزمه أن يسعى في قيمة ذلك المال لمالكه بالغة ما بلغت، ولا شئ على المولى. ط
عن المكي. وأما جناية المكاتب فهي في نفسه دون سيده ودون العاقلة لان أكسابه لنفسه فيحكم عليه
بالأقل من قيمته ومن أرش جنايته. وتمام تفاريعه في غاية البيان.
قوله: (ضمن السيد) أي فيما له دون عاقلته حالة. جوهرة. وإنما ضمن لأنه صار مانعا تسليمه
في الجناية من غير أن يصير مختارا للفداء لعدم علمه بما يحدث، فصار كما إذا فعل ذلك بعد الجناية
وهو لا يعلم. زيلعي. قوله: (الأقل من القيمة) أي قيمة كل منهما بوصف التدبير والاستيلاد يوم
الجناية. وتمامه في الكفاية در منتقى: أي لا يوم المطالبة ولا يوم التدبير، وقيمة أم الولد ثلث قيمتها
والمدبر ثلثاها. جوهرة. قوله: (لقيام قيمتها) عبارة الزيلعي: لأنه لا حق لولي الجناية في أكثر من
الأرش، ولا منع من المولى في أكثر من العين، وقيمتها تقوم مقامها. قوله: (يشارك الثاني الأول الخ)
أي في القيمة ويعتبر فيها تفاوت الأحوال فلو قتل حرا خطأ وقيمته ألف ثم آخر وقيمته ألفان ثم آخر
وقيمته خمسمائة ضمن سيده ألفين باعتبار الأوسط، يأخذ وليه ألفا واحدة إذ لا تعلق فيها للأول، لان

195
حال جنايته قيمة العبد ألف وقد أبقيناها، ولا تعلق للأخير في أكثر من خمسمائة، فنصف الألف
الباقية بين الأول، والأوسط يضرب فيها الأول بديته عشرة آلاف، والأوسط بالباقي له وهو تسعة
آلاف، صم الخمسمائة الباقية بين الثلاثة، فيضرب الثالث بكل الدية وكل من الباقين بغير ما أخذ اه‍.
ملخصا من الزيلعي وغيره. قوله: (إلا قيمة واحدة) لأنه لا منع من السيد إلا في رقبة واحدة.
زيلعي. قوله: (لأنه مجبور على الدفع) أي بسبب القضاء به عليه. قوله: (أتبع السيد) لدفعه حقه بلا
إذنه. قوله: (ورجع) أي السيد بها على ولي الجناية الأولى لأنه ظهر أنه استوفى منه زيادة على قدر حقه.
عناية. قوله: (أو اتبع ولي الجناية الأولى) لقبض حقه ظلما، وإنما خير في التضمين لان الثانية مقارنة
من وجه حتى يشاركه ومتأخرة من وجه حتى تعتبر قيمته يوم الجناية الثانية في حقها فتعتبر مقارنة في
حق التضمين أيضا. أفاده في الكفاية. قوله: (وقالا لا شئ على المولى) لأنه فعل عين ما يفعله
القاضي. قوله: (لان حق الولي) أل للجنس: أي حق أولياء الجنايات ط. قوله: (لم يتعلق بالعبد)
أي بل بقيمته، إذ لا يمكن دفعه والقيمة تقوم مقام العين كما مر. قوله: (فلم يكن مفوتا) يحتمل أن يكون
الضمير في يكن للعبد ومفوتا بصيغة اسم المفعول، وأن يكون ضميره إلى المولى ومفوتا بصيغة اسم
الفاعل ط. قوله: (فيما مر) وهو قوله: وإن أعتق المدبر أما الذي قبله فقد صرح المصنف بهما ط.
قوله: (بجناية توجب المال) المراد به جناية الخطأ. إتقاني عن الكرخي. قوله: (لم يجز إقراره) ولا يلزمه
شئ في الحال ولا بعد عتقه. ملتقى. قوله: (لأنه إقرار على المولى) لان موجب جنايته على المولى لا
على نفسه. زيلعي. قوله: (ولو جنى المدبر) مثله أم الولد ط. قوله: (لم تسقط قيمته عن مولاه) لأنها
ثبتت عليه بسبب تدبيره، وبالموت لا يسقط ذلك. درر. قوله: (سعى في قيمته) لان التدبير وصية برقبته وقد سلمت له لأنه عتق بموت سيده، ولا وصية
للقاتل فوجب عليه رد رقبته، وقد عجز عنه فعليه رد بدلها وهو القيمة. درر. وذكر السائحاني أنه في الخطأ يسعى في قيمتين لما في شرح
المقدسي. أعتق في مرض موته عبده، فقتله العبد خطأ سعى في قيمتين عند الامام إحداهما النقض
الوصية، لان الاعتاق في مرض الموت وصية، وهي للقاتل باطلة إلا أن العتق لا ينقض بعد وقوعه،
فتجب قيمته، ثم عليه قيمة أخرى بقتل مولاه، لان المستسعى كالمكاتب عنده، والمكاتب إذا قتل
مولاه فعليه أقل من قيمته، ومن الدية والقيمة هنا أقل. وقالا: يسعى في قيمة واحدة لرد
الوصية،
وعلى عاقلته الدية لأنه حر مديون اه‍. قوله: (قتله الوارث أو استسعاه الخ) أما الأول فظاهر، وأما
الثاني فلما ذكر من أن التدبير وصية الخ. درر. والله تعالى أعلم.

196
فصل في غصب القن وغيره
المراد بالغير: المدبر والصبي، والمراد حكم جنايتهم حالة الغصب. قال الإتقاني: لما ذكر جناية
العبد والمدبر ذكر جنايتهما مع غصبهما، لان المفرد قبل المركب، ثم جر كلامه إلى بيان غصب الصبي ا
ه‍. قوله: (قطع يد عبده الخ) فلو القاطع أجنبيا: فإن شاء اقتص منه، وإن شاء ضمن الغاصب قيمته
مقطوعا، ولو خطأ، فإن شاء أخذ قيمته صحيحا من عاقلة القاطع ورجعت العاقلة على الغاصب
بقيمته مقطوعا، أو ضمن الغاصب قيمته مقطوعا، واتبع غيره في الباقي. كذا يستفاد من فروع في
المقدسي. سائحاني. قوله: (ضمن الغاصب قيمته أقطع) لأنه لما قطعه المولى في يده نقصت قيمته
بالقطع. زيلعي. قوله: (فيصير مستردا) لاستيلاء يده عليه، وبرئ الغاصب من ضمانه لوصول ملكه
إلى يده. زيلعي. قوله: (مؤاخذ بأفعاله) أي في حال رقه. عناية. حتى لو ثبت الغصب بالبينة يباع
فيه. درر. قوله: (لا بأقواله الخ) أي فيما يجب به المال فلا يؤاخذ به في رقه وإنما يؤاخذ به بعد
الحرية، وأما فيما يوجب الحدود والقصاص فيؤاخذ به في الحال كالأفعال. أفاد في العناية. أما
المأذون فإنه يؤاخذ بالأقوال أيضا عندنا. معراج. قوله: (ضمن السيد قيمته لهما) لان موجب جناية
المدبر وإن كثرت قيمته واحدة، فيجب ذلك على المولى لأنه هو الذي أعجز نفسه عن الدفع بالتدبير
السابق من غير أن يصير مختارا للفداء. زيلعي. وينبغي أن يكون وجوب القيمة فيما إذا كانت أقل من
الأرش، لان حكم جناية المدبر أن يلزم الأقل منهما على المولى. إتقاني. قوله: (ورجع المولى بنصف
قيمته على الغاصب) لأنه ضمن القيمة بالجنايتين: نصفها بسبب كان عند الغاصب، والنصف الاخر
بسبب وجده عنده، فيرجع عليه بسبب لحقه من جهة الغاصب، فصار كأنه لم يرد نصف العبد.
زيلعي. قوله: (أي دفع المولى نصف قيمته) أي النصف المأخوذ من الغاصب، وهذا الدفع الثاني عندهما
خلافا لمحمد. قوله: (لان حقه لم يجب الخ) حق التعبير أن يقول دون الثاني، لان حقه الخ كما عبر
ابن كمال: أي ولي الجناية الثاني.
قال في العناية: ولهما أن حق الأول في جميع القيمة، لأنه حين جنى في حقه لا يزاحمه أحد،
وإنما انتقص حقه بمزاحمة الثاني، فإذا وجد شيئا من بدل العبد في يد المالك فارغا أخذه إتماما لحقه ا
ه‍.
وأورد أن هذا يناقض ما تقدم: إن جنابة المدبر لا توجب إلا قيمة واحدة، وهنا أوجبت قيمة
ونصفا وأجيب أن ذاك فيما إذا تعددت الجناية في يد شخص واحد، بخلافه هنا. تأمل. قوله: (ثم

197
رجع المولى به) أي بنصف القيمة ولا يدفعه إلى أحد، لأنه وصل إلى الوليين تمام حقهما. إتقاني. قوله:
(لان الجناية الأولى كانت في يده مالكه) أي وما دفعه المالك ثانيا إنما كان بسببها فلا يرجع به على
أحد، بخلاف المسألة الأولى لأنه كان بسبب عند الغاصب فيرجع عليه، أفاده الزيلعي. قوله: (والقن
في الفصلين) أي في المسألتين كالمدبر: أي أن التصوير السابق بالمدبر ليس احترازيا عن القن، ويأتي أن
أم الولد كذلك. قوله: (يدفع العبد نفسه) لامكان نقله من ملك إلى ملك، بخلاف المدبر. والظاهر أن
المراد أنه يخير بين الفداء والدفع إلى الوليين. تأمل. ثم إذا دفعه (1) يرجع بنصف قيمته على الغاصب إلى
آخر ما مر. قوله: (فغصب ثانيا) أي فغصبه الغاصب الأول غصبا ثانيا. وفي بعض النسخ (فغصبه)
بالضمير وهي أظهر. قوله: (كان على سيده قيمته لهما) أي للوليين لأنه متعه بالتدبير كما مر. قوله:
(لكونهما) أي الجنايتين عنده: أي الغاصب، بخلاف ما مر، لان إحداهما عنده فلذا رجع بالنصف.
قوله: (ورجع المولى بذلك النصف) أي الذي دفعه ثانيا إلى ولي الجناية الأولى. قوله: (وأم الولد في
كلها) أي كل الأحكام المذكورة كمدبر لاشتراكهما في كون المانع من الدفع للجناية من قبل المولى.
درر. قوله: (لا يعبر عن نفسه) لأنه لو كان يعبر يعارضه بلسانه فلا تثبت يده حكما. كذا في
الشرنبلالية عن البرهان، ومثله في الكفاية والقهستاني وغيرهما. قال في المعراج: لكن الفرق الآتي بين
المكاتب والصبي يشير إلى أن المراد مطلق الصبي، فإن الصبي الذي يزوجه وليه عير مقيد بذلك. ذكره
في الكافي اه‍ ملخصا. قوله: (والمراد بغصبه الخ) فيكون ذكر الغصب بطريق المشاكلة، وهو أن يذكر
الشئ بلفظ غيره لوقوعه في صحبته. عناية. قوله: (فجأة) بالضم والمد أو بالفتح، وسكون الجيم بلا
مد. قهستاني. قوله: (بصاعقة) أي نار تسقط من السماء أو كل عذاب مهلك كما في القاموس،
فيشمل الحر الشديد والبرد الشديد والغرق في الماء والتردي من مكان عال كما في الخانية وغيرها.
قهستاني. قوله: لم يضمن لان ذلك لا يختلف باختلاف الأماكن، هداية. قوله: (استحسانا)
والقياس عدم الضمان مطلقا، لان غصب الحر لا يتحقق، ألا ترى أنه لو كان مكاتبا صغيرا لا يضمن
مع أنه حر يدا، فهذا أولى.
والجواب ما أشار إليه: هو أن الضمان لا بالغصب بل بالاتلاف تسببا، وقد أزال حفظ المولى



(1) قوله: (ثم إذا دفعه الخ) هذا هو محل الاتحاد بينه وبين المعبر أما إذا اختار المولى الفداء فيدفع لولي كل من الخنايتين
موجبا على الكمال ا ه‍. تأمل.
198
فيضاف الاتلاف إليه. أما المكاتب فهو في يد نفسه ولو صغيرا ولذا لا يزوجه أحد، فهو كالحر
الكبير. أما الصبي فإنه في يد وليه ولذا يزوجه اه‍. من الهداية والكفاية. قوله: (لموضع يغلب فيه
الحمى والأمراض) أي بأن كان المكان مخصوصا بذلك فيضمن، لا بسبب العدوى لان القول به باطل،
بل لان الهواء بخلق الله تعالى مؤثر في بني آدم وغيره كالغذاء. بزازية. قوله: (لهذه الأماكن) أي
الغالب فيها الهلاك، واللام بمعنى إلى. قوله: (ضمن) لان المغصوب عجز عن حفظ نفسه بما صنع
فيه. عناية. وكذا يضمن لو صنع بالمكاتب كذلك كما ذكره الزيلعي. قوله: (فحكم صغير ككبير
مقيد) الأولى في التعبير أن يقال: فحكم كبير مقيد كصغير. لان مسألة الصغير منصوصة في المتون،
ومسألة الكبير ذكرها الشارح عن الامام المحبوبي.
وفي حاشية أبي السعود: استشكل هذا العلامة المقدسي بقولهم: لو كتف شخصا وقيده وألقاه
فأكله السبع لا قصاص ولا دية، ولكن يعزز ويحبس حتى يموت. وعن الامام: إن عليه الدية. ولو
قمط صبيا وألقه في الشمس أو البرد حتى مات فعلى عاقلته الدية. كذا في الحافظية، فليتأمل. ولعل
القول بالضمان في الحر الكبير المقيد محمول على تلك الرواية اه‍. ومثله في حاشية الرملي. وأصل
الاستشكال لصاحب المعراج حيث قال: ويشكل على هذا ما لو حبس إنسانا فمات منه من الجوع، لا
يضمن مع أنه عجز عن حفظ نفسه بما صنع حابسه اه‍.
أقول: قد علمت أن مسألة الصبي على استحسان، وألحقوا به الكبير فهو استحسان أيضا، وما
أورد عليه مفرع على القياس، والاستحسان راجع عليه، وتلك الرواية موافقة للاستحسان، فقد يدعي
ترجيحه بذلك، وأما لو حبسه فمات جوعا فعدم ضمانة قول الإمام، وقدمنا أول الجنايات أن عليه
الفتوى، وأن الفرق هو أن الجوع والعطش من لوازم الانسان فلا يضاف للجاني، بخلاف هذه الأفعال
فلا تشكل على مسألتنا، وأنت على علم بأن العمل على ما في المتون والشروح، فاغتنم هذا التحرير.
قوله: (حتى وقعت الفرقة بينهما) أي بالأبدان. رحمتي: أي بحيث لا يعلم الزوج مكانها، ومثله
أقاربها فيما يظهر ط. قوله: (أو تموت) أي أو يعلم موتها كما في المسألة السابقة، وفي نسخة (أو يموت) أي إلى أن يموت ط. قوله: (فعلى عاقلة الختان نصف ديته الخ) أي لو حرا ولو عبدا يجب
نصف القيمة أو تمامها، لان الموت حصل بفعلين أحدهما مأذون فيه وهو قطع القلفة، والآخر غير
مأذون فيه وهو قطع الحشفة، فيجب نصف الضمان. أما إذا برئ جعل قطع الجلدة وهو مأذون فيه
كأن لم يكن، وقطع الحشفة غير مأذون فيه، فوجب ضمان الحشفة كاملا وهو الدية. منح وعزا المسألة

199
إلى الخانية والسراجية، وذكر نظمها للعلامة الطرسوسي سؤالا وجوابا. قوله: (فما عليه الخ) ما
الأولى موصولة، والثانية نافية، خلاف ما هو الشائع من زيادتها بعد إذا، والمعنى: إن الذي يجب عليه
وقت عدم الموت يشطر: أي ينصف بالموت. قوله: (ولم يكن منه تسيير) أما لو سيرها وهو بحيث
يصرفها انقطع التسبب بهذه المباشرة الحادثة. جامع الفصولين. قوله: (وتمامه في الخانية) ذكر عبارتها
في المنح. قوله: (كصبي أودع عبدا) بالبناء للمجهول. قوله: (فقتله) أما لو جنى عليه فيما دون
النفس كان أرشه في مال الصبي بالاجماع. إتقاني. قوله: (ضمن عاقلة الصبي قيمته) تصريح بما أفادته
كاف التشبيه، لكن المضمون في المشبه الدية وهنا القيمة، وعبر الهداية هنا بالدية أيضا اعتمادا على
ما مر أن دية العبد قيمته. قوله: (فإن أودع طعاما) أي مثلا. در منتقى. قوله: (بلا إذن وليه الخ)
سيذكر محترزه. قوله: (لأنه سلطه عليه) أي وله تمكين غيره من استهلاكه لان عصمته حق مالكه،
بخلاف الآدمي المملوك فعصمته لحق نفسه لا لحق مولاه، ولهذا بقي على أصل الحرية في حق الدم،
وليس لمولاه ولاية استهلاكه، فلا ينلك تمكين غيره منه. أفاده في الشرنبلالية. قوله: (يضمن) أي في
الحال. قوله: (وكذا لو أودع عبد محجور مالا) أي وقبل الوديعة بلا إذن مولاه. أما لو كان مأذونا أو
محجورا ولكن قبلها بإذنه فاستهلكها لا يضمن في الحال، بل بعد العتق لو بالغا عاقلا عندهما. وعند
أبي يوسف: يضمن في الحال. ولو كانت الوديعة عبدا فجنى عليه في النفس، أو فيما دونها أمر مولاه
بالدفع أو الفداء إجماعا. إتقاني. قوله: (وكذا الخلاف الخ) قال فخر الاسلام: والاختلاف في الايداع
والإعارة والقرض والبيع، وكل وجه من وجوه التسليم إليه واحد. إتقاني. قوله: (لو كان بإذن) أي
لو كان أودع الطعام بإذن وليه أو كان مأذونا له في التجارة ضمن: أي في الحال، وهذا محترز قوله
المار: بلا إذن وليه الخ. قوله: (بلا وديعة) أي ونحوها مما فيه تسليم. قوله: (ضمنه للحال) لأنه
مؤاخذ بأفعاله. درر. قوله: (على خلاف ما في المنتقى الخ) أي من أن الصبي الذي لا يعقل يضمن
بالاجماع، وذكر في العناية وغيرها أنه مذهب فخر الاسلام، ذكره في شرح الجامع وأن غيره من شراح
الجامع ذكروا أنه لا يضمن بالاجماع. قال ط: فتحصل أنهما طريقتان لأهل المذهب اه‍.
تتمة: صبي سقط من سطح أو في ماء فمات: فلو كان ممن يحفظ نفسه لا شئ على الأبوين،

200
وإلا فعليهما الكفارة لو في حجرهما وعلى أحدهما لو في حجره. كذا عن نصير. وعن أبي القاسم: لا
شئ عليهما إلا التوبة والاستغفار، واختيار أبي الليث أنه لا كفارة على أحدهما إلا أن يسقط من يده،
وعليه الفتوى. ظهيرية. والله تعالى أعلم.
باب القسامة
لما كان أمر القتيل في بعض الأحوال يؤول إلى القسامة، ذكرها في آخر الديات في باب على
حدة: عناية. قوله: (وهي لغة بمعنى القسم) قال العلامة نوح: اختلف أهل اللغة في القسامة. قال
بعضهم: إنها مصدر، واختاره ابن الأثير في نهايته حيث قال: القسامة بالفتح اليمين كالقسم، ثم
قال: وقد أقسم قسما وقسامة: إذا حلف. وقال بعضهم: إنها اسم مصدر، واختاره المطرزي في
المغرب حيث قال: القسم اليمين، يقال أقسم بالله إقساما، وقولهم حكم القاضي بالقسامة اسم منه
وضع موضع الأقسام، واختار العيني في شرح الكنز الأول، واختار منلا مسكين الثاني اه‍ ط.
قوله: (بسبب مخصوص) وهو وجود القتيل في المحلة أو ما في معناها مما هو ملك لاحد أو في يد
أحد. قوله: (وعدد مخصوص) وهو خمسون يمينا. قوله: (على شخص مخصوص) أي مخصوص
النوع، وهو الرجل البالغ العاقل أو المالك المكلف، ولو امرأة الحر، ولو يدا كمكاتب إذا وجد
القتيل في محل مملوك له، وهذه إشارة إلى بعض الشروط. قوله: (على وجه مخصوص) إشارة إلى باقي
الشروط، منها كون العدد خمسين، وتكرار اليمين إن لم يتم العدد، وقولهم فيها: بالله ما قتلناه ولا
علمنا له قاتلا، وكونها بعد الدعوى والانكار، وبعد طلبها، إذ لا تجب اليمين بدون ذلك، وكون
الميت من بني آدم ووجود أثر القتل فيه، وأن لا يعلم قاتله، فقد تضمن ما ذكره بيان معنى القسامة
وسببها وشرطها.
قال في المنح: وركنها: إجراء اليمين المذكورة على لسانه. وحكمها: القضاء بوجوب الدية إن
حلفوا والحبس إلى الحلف إن أبوا إن ادعى الولي العمد، بالدية عند النكول إن ادعى خطأ، ومحاسنها
حظر الدماء وصيانتها عن الاهدار، وخلا ص المتهم بالقتل عن القصاص، ودليل شرعيتها الأحاديث
الواردة في الباب المذكورة في الهداية وشروحها. قوله: (ميت) أي ولو حكما بأن وجد جريح في
محله، فنقل منها وبقي ذا فراش حتى مات من الجراحة، فإن القسامة والدية على أهلها كما سيأتي متنا.
قوله: (حر) أما العبد ففيه القسامة والقيمة إذا وجد في غير ملك سيده، وكذا المدبر وأم الولد
والمكاتب والمأذون والمديون، ولو في ملكه فهدر، إلا في المكاتب والمأذون المديون ففيهما القيمة على
المولى لا على عاقلته حالة للغرماء في المأذون، وفي ثلاث سنين في المكاتب كما في الشرنبلالية عن
البدائع، وسيأتي في الفروع آخر الباب. قوله: (ولو ذميا أو مجنونا) دخل فيه الذكر والأنثى والكبير
والصغير، وخرج البهائم، فلا شئ فيها كما سيأتي. قوله: (به جرح الخ) سيأتي محترزاته متنا. قوله:
(في محلة) بالفتح: المكان الذي ينزله القوم. ط عن المصباح. قوله: (أو نصفه مع رأسه) ولو مشقوقا

201
بالطول. منح: أي ومعه الرأس، وأما إذا شق طولا بدونه أو شق الرأس معه فلا قسامة، وهو الذي
ذكره المصنف بعد في متنه ط. قوله: (حتى لو وجد الخ) والأصل أن الموجود إن كان بحال لو وجد
الباقي تجري فيه القسامة لا تجب في الموجود، وإن كان بحال لو وجد الباقي لا تجب فيه القسامة تجب،
وصلاة ا لجنازة في هذا الباب تنسحب على الأصل. هداية. قوله: (لئلا يؤدي لتكرار القسامة الخ) أي
والدية بأن وجد الأقل من بدنه مع رأسه في محل والباقي في محل آخر، فإنه إذا وجبت القسامة والدية
في الأقل لزم وجوبهما في الأكثر أيضا. قوله: (إذ لو علم) أي بالبينة أو الاقرار. قهستاني: أي إقرار
القاتل، ولا بد أن تكون البينة من غير أهل المحلة كما سيأتي متنا، ويأتي تمام الكلام عليه. قوله:
(وادعى وليه الخ) أشار إلى من شروطها الدعوى من أولياء القتيل، إذ اليمين لا تجب بدونها كما في
الطوري وقدمناه، وانظر ما الحكم إذا لم يكن له ولي وهل يدعيها الامام أم لا؟ ثم رأيت منقولا عن
شرح الحموي أنه توقف في التخير الآتي، حيث لا ولي، هل يتخير الامام الخمسين أم لا؟ وقال:
فليراجع (1). قوله: (أو ادعى على بعضهم) ولو معينا بخلاف ما لو ادعى على واحد من غيرهم، فأنها
تسقط عنهم كما يأتي متنا. قوله: (حلف خمسون رجلا منهم الخ) خرج الصبي والمرأة والعبد كما مر
ويأتي، وهذا إن طلب الولي التحليف كما قدمناه فله تركه، وبه صرح الرملي، وإذا تركه فهل يقضي له
بالدية أم لا؟ لأنه لو حلفهم أمكن ظهور القاتل، لم أره فليراجع. وقال الزيلعي: (وقوله يختارهم الولي)
نص على أن الخيار للولي لان اليمين حقه، والظاهر أنه يختار من يتهمه بالقتل أو أهل الخبرة بذلك أو
صالحي أهل المحلة لما أن تحرزهم عن اليمين الكاذبة أبلغ فيظهر القاتل، ولو اختار أعمى أو محدودا في
قذف جاز لأنهما يمين وليست بشهادة اه‍. قوله: (بأن يحلف الخ) فهو من قبيل تقابل الجمع بالجمع.
قهستاني فيحلف كل واحد على نفي قتله، نفي علمه لاحتمال أنه قتله وحده، فيتجرأ على يمينه بالله
ما قتلناه: يعني جميعا، ولا يعكس لأنه إذا قتله مع غيره كان قاتلا. وفائدته قوله: (ولا علمنا له قاتلا)
مع أن شهادة أهل المحلة بالقتل على واحد منهم أو على غيرهم مردودة أن يقر الحالف على عبده فيقبل
إقراره أو يقر على غيره من غير أهل المحلة فيصدقه ولي المقتول فيسقط الحكم على أهل المحلة. منح
ملخصا. وسيأتي أنه لو كان أحدهم قال قتله زيد يقول في حلفه لا علمت له قاتلا غير زيد. قوله:
(وقال الشافعي الخ) اللوث: أن يكون علامة القتل على واحد بعينه، أو ظاهر يشهد للمدعي من عداوة
ظاهرة، أو يشهد عدل أو جماعة غير عدول أن أهل المحلة قتلوه.
وحاصل مذهبه: أنه إن وجد ظاهر يشهد للمدعي: فإن حلف أنهم قتلوه خطى فله الدية عليهم،



(1) قوله: (وقال فليراجع) نقل مولانا على الحانوتي ما يفيد أن للامام الدعوى والتخيير مستدلا عليه بملكه القصاص في
قتل من لأولي له عمدا قال فإن من ملك القصاص ملك القسامة بالأولى، لكونه أنزل منه وأيضا من لا ولي له يكون
ميراثه لبيت المال فالامام يكون مدعيا ملا لبيت المال وله لك جزما اه‍.
202
أو عمدا فالقصاص في قول والدية في قول، فإن نكل عن اليمين حلفوا، فإن حلفوا لا شئ عليهم،
وإلا فعليهم القصاص في قول والدية في قول وإن لم يكن الظاهر شاهد للمدعي حلف أهل المحلة
على ما قلنا، فحيث لا لوث فقوله كقولنا. والاختلاف في موضعين: أحدهما: أن المدعي لا يحلف
عندنا، وعنده يحلف. والثاني: براءة أهل المحلة من اليمين اه‍ من الكفاية وغيرها، وبيان الأدلة في
المطولات، واللوث بفتح اللام وسكون الواو والثاء المثلثة كما ضبطه ابن الملقن في لغات المنهاج.
قوله: (وقضى مالك بالقود) أي على واحد يختاره المدعي للقتل من بين المدعى عليهم. غرر الأفكار.
قوله: (كما في شرح المجمع) وكذا في غرر الأفكار والشرنبلالية عن البرهان معزيا للذخيرة والخانية
أيضا. قوله: (ونقل ابن الكمال الخ) استدراك على ما تقدم، فإن ابن الكمال لم يفصل بين العمد
والخطأ، بل قال: ثم قضى على أهلها بديته وتتحملها العاقلة، لأنه ذكر في المبسوط الخ. ثم فرق ابن
الكمال بين العمد والخطأ في المسألة الآتية كما سيذكره الشارح عنه، فدل على أنه أراد الاطلاق هنا،
وكذا أطلق شراح الهداية وجوبها على العاقلة.
وقال في النهاية وغيرها: وفي المبسوط: ثم يقضي بالدية على عاقلة أهل المحلة في ثلاث سنين،
لان حالهم هنا دون حال من باشر القتل خطأ، وإذا كانت الدية هناك على عاقلته في ثلاث سنين
فهاهنا أولى. وفي ظاهر الرواية القسامة على أهل المحلة والدية على عواقلهم، وعلى قول زفر كلاهما
على العاقلة اه‍ ملخصا.
قلت: ووجه الأولوية أن الموجود هنا مجرد دعوى إذ لم يثبت أن أهل المحلة قتلوه، فهو أدنى
حالا من حال من باشر القتل الخطأ عيانا فتتحمله العاقلة بالأولى، وإن كان الدعوى بقتل العمد لما
قلنا من عدم الثبوت، فلا ينافي أن العواقل لا تعقل العمد، هذا ما ظهر لفهمي القاصر، هذا،
وعبارات المتون مطلقة في أن القسامة والدية على أهل المحلة، فلا بد من تخصيصها بدعوى العمد كما
فعل المصنف، أو تقدير مضاف: أي على عاقلتهم كما فعل شراح الهداية، ولا يخفى أن القاتل كواحد
من العاقلة، فيحتمل معهم كما سيأتي في محله، فكذا هنا، ولذا قال في البزازية عن شيخ الاسلام: إن
القسامة عليهم والدية على عاقلتهم وعليهم، لان أهل المحلة قتلوا حكما فيكون كما لو قتلوا حقيقة.
قوله: (أي في ثلاث سنين) أتى بلفظ أي لان ابن الكمال لم يذكره، لكنه مذكور في المبسوط.
قوله: (وكذا قيمة القن) أي إذا وجد في غير ملك سيده كما قدمناه ويأتي. قوله: (وإن أراد الولي
تكراره) أي على بعضهم كأن اختار الصلحاء منهم مثلا ولا يتمون خمسين لا يكرر عليهم، بل يختار
تمام الخمسين من الباقين. أفاده الإتقاني. قوله: (حتى يحلف) أي أو يقر فيلزمه ما أقر به، وإنما لم

203
يحكم بمجرد النكول، لان اليمين هنا نفس الحق تعظيما لأمر الدم لا بدل عن الدية ولذا يجمع بينهما،
بخلاف اليمين في دعوى المال لأنها بدل عنه ولذا تسقط بالأداء. إتقاني ملخصا. وهذا إذا لم يدع على
معين من غير أهل المحلة وإلا فسيأتي حكمه. قوله: (على الوجه المذكور هنا) وهو بالله ما قتله الخ.
قوله: (هذا) أي الحبس بالنكول. قوله: (أما في الخطأ الخ) أي لان موجبه المال، فيقضي به عند
النكول وهذا مخالف لمقتضى التعليل الذي ذكرناه قريبا، تأمل. قوله: (معزيا للخانية) أقول: هذا
مذكور في الذخيرة وذكر عبارتها في المنح وعزاه القهستاني إلى المجتبى والكرماني وغيرهما. وأما الذي
رأيته في الخانية فهو قوله: فإن امتنعوا عن اليمين حبسوا حتى يحلفوا اه‍. ولم يفرق بين العمد والخطأ
وهو ظاهر المتون. قوله: (أو عبده) أي في الخطأ. أما العمد الموجب للقصاص قد تقدم عدم قبوله
على عبده. سائحاني. قوله: (ولو على غيره) أي وليس في محلته كما قدمناه عن المنح ويعلم مما يأتي.
قوله: (سقط التحليف الخ) وكذا في إقراره على نفسه أو عبده، فلو قال: ولو أقر على نفسه أو عبده أو
غيره من غير محلته وصدقه وليه سقط التحليف عن أهل محلته لكان أحسن. قوله: (ولا قسامة على
صبي الخ) لأنهم ليسوا من أهل النصرة وإنما هم أتباع، والنصرة لا تكون بالاتباع واليمين على أهل
النصرة، لان الصبي والمجنون ليسا من أهل القول الصحيح واليمين قول اه‍. زيلعي.
أقول: والمراد أنهم لا يدخلون مع أهل المحلة في قسامة قتيلها، فلا ينافي ما سيأتي متنا من
وجوب القسامة على المرأة لو وجد القتيل في قرية لها، ولا ما ذكره الطوري عن البدائع من وجوبها
على مكاتب وجد القتيل في داره، وإن حلف يجب الأقل من قيمته ومن الدية اه‍. وإما لو وجد في
دار المأذون ففي الولوالجية: أن الاستحسان أن تجب القسامة على المولى، ويخير بين الدفع والفداء لان
العبد لو أقر بالجناية الخطأ لا يصح إقراره فلا يحلف اه‍. قوله: (وأنه مات حتف أنفه) الواو للحال
فالهمزة مكسورة والضمير للميت الذي لا أثر به اه‍ ح. قوله: (والغرامة) أي الدية تتبع فعل العبد:
أي ولم يوجد فعله، وكذا القسامة إنما تجب على أهل المحلة لاحتمال القتل منهم ولم يحتمل لعدم أثره
فلا تجب. إتقاني. قوله: (أو يسيل دم) عطف على لا أثر به اه‍ ح. قوله: (من فمه) كذا في الهداية
وغيرها، وذكر في
الذخيرة: إن هذا إذا نزل من الرأس، فإن علا من الجوف فقتيل. قهستاني وإتقاني
عن فخر الاسلام. قوله: (بلا فعل أحد) فإنه قد يخرج من الفم أو الانف لرعاف، ومن الدبر لعلة في
الباطن أو أكل ما لا يوافق، ومن الإحليل لعرق انفجر في الباطن، أو ضعف الكلى أو الكبد، أو شدة
الخوف. أفاده الإتقاني. وعلم منه أنه بالأولى: لو علم موته بحرق أو سقوط من سطح أو في ماء بلا
فعل أحد فلا قسامة ولا دية، لان الشرط أن لا يحال القتل على سبب ظاهر قوي يمنع وجوبهما كما
في الخيرية. قوله: (بخلاف الاذن والعين) فإنه دلالة القتل ظاهرا، لأنه لا يخرج منهما عادة إلا بفعل

204
حادث. إتقاني. قوله: (أو نصف منه) بالجر عطفا على ميت كما أشار إليه الشارح. أفاده ح. قوله:
(ولو معه) أي مع الأقل. قوله: (لما مر) من قوله: لئلا يؤدي لتكرار القسامة في قتيل واحد. قوله:
(وجبت القسامة والدية) أي على أهل المحلة، لان الظاهر أن تام الخلق ينفصل حيا، وإن كان ناقص
الخلق فلا شئ عليهم لأنه ينفصل ميتا. هداية. قوله، (وفي الظهيرية) ما يخالفه ونصها: والجنين إذا
وجد قتيلا في المحلة فلا قسامة ولا دية اه‍. أقول: والأول هو المذكور في الشروح والهداية والملتقى والوقاية والدرر وغيرها. قوله: (كان
إبراء منه لأهل المحلة) لأنهم لا يغرمون بمجرد ظهور القتيل فيهم، بل بدعوى الولي، فإذا ادعى على
غيرهم امتنع دعواه عليهم لفقد شرطه اه‍. ط عن الشمني. وكالمحلة الملك كما سنذكره عن
التتارخانية. قوله: (وسقطت القسامة عنهم) وكذا لو ادعى أحد الأولياء ذلك وباقيهم حاضر ساكت،
ولو غائبا لا ما لم يكن المدعي وكيلا عنه فيها، ولو قال أحدهم قتله زيد وآخر عمرو وآخر قال لا
أعرفه، فلا تكاذب وسقطت سائحاني عن الزاهدي. ولم يذكر حكم المدعى عليه وبيانه ما ذكره الإتقاني
أنه إن برهن الولي فيها وإلا استحلف المدعى عليه يمينا واحدة، فإن حلف برئ، وإلا فإن كانت
الدعوى في المال: أي القتل خطأ ثبت، وإن في القصاص حبس حتى يقر أو يحلف أو يموت جوعا
عنده وقالا: يلزمه الأرش اه‍، ملخصا. وتمامه فيه. قوله: (لا تسقط) أي في ظاهر الرواية، مواهب،
لان الشارع أوجبها ابتداء على أهل المحلة، فتعيينه واحدا منهم لا ينافي ما شرعه الشارع، فتثبت
القسامة والدية على أهل المحلة. كفاية. قوله: (وقيل: تسقط) وهو رواية عن أبي يوسف في غير رواية
الأصول: أن القسامة والدية تسقط عن الباقين من أهل المحلة، ويقال: للولي ألك بينة، فإن قال لا،
يستحلف المدعى عليه يمينا واحدة. وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة مثله. زيلعي. قوله: (فديته على
عاقلته) أي تجب القسامة، فإذا حلف فالدية على عاقلته. ثم من المشايخ من قال: إن هذا أعم من أن
يكون للدابة مالك معروف أو لم يكن منه إطلاق الكتاب. ومنهم من قال: إن كان لها مالك فعليه
القسامة والدية. قهستاني. وعلى الأول مشى المصنف حيث قال: وإن لم تكن ملكا لهم، وحينئذ
فالفرق بين الدابة والدار حيث تجب الدية على مالكها دون ساكنها، كما سيأتي أن الدار لا تنقطع يد
ملكها عنها في الرأي والتدبير وإن أجرها، بخلاف الدابة فإن التصرف فيها لذي اليد. قوله: (لأنه في
يده) الضمير الأول للقتيل والثاني للسائق، وكذا قوله: قصار كأنه في داره. قوله: (فالدية عليهم
جميعا) أي على عواقلهم والقسامة عليهم. عناية. قوله: (وإن لم تكن ملكا لهم) إن وصيلة: أي سواء
كانت ملكا لهم أو لا، ولينظر فيما لو كان المالك أحدهم بأن كان هو السائق مثلا والقائد أو الراكب

205
أجنبي أو بالعكس، والاطلاق يشمل هذه الصورة، ويدل عليه ما ذكره الإتقاني: لو وجد القتيل في
سفينة فالدية على من فيها من مالك وراكب لأنها تنقل وتحول فالضمان فيها بثبوت اليد لا بالنصرة
كالدابة اه‍ أفاده سعدي. قوله: (عملا بيدهم) إشارة إلى الفرق المار بين الدابة والدار. قوله: (وقيل
: لا يجب على السائق الخ) هذا لا يخص السائق، فينبغي أن يكون القائد والراكب مثله، ويشير إليه ما
في الحموي عن الرمز: حملوا جنازة ظاهرة فإذا هو قتيل لا شئ فيه، أبو السعود. قوله: (وبه جزم في
الجوهرة) لكن في الكفاية أنه رواية عن أبي يوسف في غير رواية الأصول. قوله: (وإن مرت دابة)
أي ولم يكن معها أحد مسكين، إذ لو معها سائق أو نحوه فقد مر آنفا. قوله: (أو قبيلتين) أو سكتين
أو محلتين. قهستاني. قوله: (فعلى أقربهما) أي من القتيل، وهذا إذا كان في موضع لا يكون مملوكا
لاحد، وإلا فعلى مالكه. قهستاني ويأتي قريبا. وقال: وفيه إشعار بأنه لو وجد بين أرض قرية وبيوت
قرية فعلى الأقرب. قوله: (ولو استويا فعليهما) فلو كان في إحدى القريتين ألف رجل وفي الأخرى
أقل، فالدية على القريتين نصفان بلا خلاف. ط عن الهندية.
أقول: وقد علمت أن من الشروط الدعوى من الولي، فإذا ادعى على إحداهما دون الأخرى
كيف الحكم؟ والذي يظهر لي بحثا أنه لو ادعى على إحدى المستويتين لا تسقط القسامة عن الأخرى
لان الوجوب عليها، فهو كما لو ادعى على معين من أهل محله، وأما لو ادعى على البعدي فهو إبراء
منه للقربى، لان أصل الوجوب عليها وحدها، كما لو ادعى على واحد من غير أهل المحلة،
ليراجع. قوله: (وقيد الدابة اتفاقي) فالحكم كذلك لو وجد طريحا بينهما ط. قوله: (بشرط سماع
الصوت منهم) عبر عنه الزيلعي وصاحب الهداية بقيل، لكن جزم به في الخانية والولوالجية وتبعهما
ابن كمال وصاحب الدرر، وجعله متنا كالمصنف، وكذا في المواهب ووجهه ظاهر، ومفاد أنه إن لم
يسمع منه الصوت فدمه هدر، لكن هذا إذا لم يكن المكان مملوكا أو عليه يد خاصة أو عامة كما يأتي
تقريره. قوله: (هكذا عبارة الزيلعي) أي على ما في بعض النسخ، وفي بعضها مثل ما في الدرر،
ويمكن إرجاع الكل إلى معنى واحد، فقوله: منهم صلة سماع، وقوله: منه حال من الصوت، وهو
معنى ما في الكافي، على أن الغالب أنه إذا كان بحيث يسمعون صوته فهو يسمع صوتهم، لكن لما
كان مدار الضمان على نسبة التقصير إليهم بعدم إغاثته كان الملحوظ سماعهم
صوته لا بالعكس، فأورد
الشارح عبارة الدرر وغيرها لبيان المراد في كلام المصنف، فتدبر. قوله: (لا يسمعون) كذا فيما رأيت

206
من النسخ، والصواب إسقاط لا ليناسب التعليل. قوله: (وكذا لو موقوفا على أرباب معلومين) أي
تجب القسامة والدية عليهم كما سيأتي. قوله: (على أرباب معلومين) خرج به غير المعلومين كالموقوف
على الفقراء والمساكين، فالدية في بيت المال كما سيأتي عن المصنف بحثا. قوله: (لان العبرة للملك
والولاية) فيه أن الولاية في الوقت لواقفه أو لمن جعلها له لا للموقوف عليهم. قوله: (وحينئذ) أي
حين إذا كانت الدية في المملوك والموقوف الخاص على أربابه، فلا عبرة للقرب المشروط بسماع الصوت
إلا في مباح لا ملك عليه لاحد ولا يد: أي يد خصوص، ودخل تحت ذلك المباح شيئان. المفازة التي
لا ينتفع بها أحد، والفلاة المنتفع بها التي في أدي المسلمين، ففيهما يعتبر للقرب بأن ينظر إلى أقرب
موضع يسمع منه الصوت فتجب القسامة على أهله، فإن لم يسمع منه الصوت: فإن كان في أيدي
المسلمين فالدية في بيت المال كما يذكره المصنف قريبا، وإلا فهدر كما فهم من قول المصنف بشرط
سماع الصوت كما قررناه، وهذا ما نقله ط عن الهندية عن المحيط من أن القتيل إذا وجد في فلاة:
فإن مملوكة فالقسامة والدية على المالك وقبيلته، وإلا فإن كان يسمع من الصوت من مصر: أي مثلا
فعليهم القسامة، وإلا فإن للمسلمين فيه منفعة الاحتطاب والاحتشاش والكلأ فالدية في بيت المال،
وإلا فدمه هدر ا ه‍ ملخصا.
وعلى هذا فقول الخانية: ولو في موضع مباح إلا في أيدي المسلمين فالدية في بيت المال
محمول على ما إذا لم يكن بقربه مصر أو قرية يستمع منه الصوت، بدليل أنه في الخانية جزم باشتراط
السماع أولا كما قدمناه عنه.
والحاصل: أن المعتبر أولا هو الملك واليد الخاصة، ثم القرب، ثم اليد العامة.
تنبيه: قال في التتارخانية: وإن لم تكن الأرض ملكا وكان يسمع منه الصوت فعلى أقرب القبائل
من المصر إلى ذلك الموضع اه‍. فأفاد أن القسامة ليست على جميع أهل المصر بل على أقرب قبيلة منها
إلى ذلك الموضع، فليحفظ. قوله: (ولو الجماعة يحصون) أي لو كان لواحد أو لجماعة يحصون
كالموقوف على معلومين. قوله: (لكن سيجئ) أي في المتن قريبا. قوله: (فتأمل) أشار به إلى إمكان
الجمع بأن يحمل قول البدائع: ولا دية على أحد: أي من الناس اه‍ ح: أي فلا ينافي في وجوبها في
بيت المال. ولكن هذا حيث لا قرب، وإلا فالوجوب على من يسمع الصوت كما علمت. قوله:
(فليحرر) أقول: تحريره أن فيه خلافا، فإن ما عزاه القهستاني إلى الكرماني من أنه ليس على الغاصب
دية هو المذكور في شروح الهداية عند قوله الآتي: وإن بيعت ولم نقبض وقال الزيلعي هناك: بخلاف

207
ما إذا كانت الدار وديعة: أي حيث يضمن المالك، لان هذا الضمان ضمان ترك الحفظ، وهو إنما
يجب على من كان قادرا على الحفظ، وهو من له أصالة لا يد نيابة، ويد المودع يد نيابة، وكذا
المستعير والمرتهن، وكذا الغاصب لان يده يد أمانة لان العقار لا يضمن بالغصب عندنا. ذكره في
النهاية. وذكر في الهداية ما يدل على أن الضمان على الغاصب اه‍: أي بناء على القول بأن الغصب
يتحقق في العقار، ورجحه غير واحد من أئمتنا. منح. قوله: (وإن مباحا الخ) أي ولا يسمع منه
الصوت كما قدمناه. قوله: (لما ذكرنا الخ) هذا ذكره الولوالجي تعليلا لقوله قبله: وإنما تجب الدية
والقسامة على أقرب القريتين إذا كان يحال يسمع منه الصوت لكنه فصل بين التعليل والمعلل بما ذكره
المصنف متنا من قوله: ويراعي حال المكان الخ فظن الشارح أنه تعليل لذلك، وليس كذلك لما علمت
من أن محل الوجوب هنا على بيت المال إذا كان بعيدا عن العمران لا يسمع منه الصوت. قوله: (ليس
بصاحب الأرض منها) مفهومه أنه لو كان منها دخلوا معه إذا كانوا عاقلته. تأمل. قوله: (فهذا صريح
الخ) لا حاجة إليه مع ما قدمه من قوله: وحينئذ فلا عبرة للقرب ط. قوله: (لان تدبيره الخ) علة
لمحذوف تقديره: وإلا فعلى المالك وذي الولاية لان الخ ط. قوله: (فعليه القسامة) فتكرر عليه
الايمان. ولوالجية. ولو الدار مغلقة لا أحد فيها. طوري. وهذا إذا ادعى ولي القتيل القتل على
صاحب الدار فلو ادعى على آخر فلا قسامة ولا دية على رب الدار. تتارخانية. قوله: (ولو عاقلته
حضورا) أيس في بلده كما في الشرنبلالية عن البرهان. قوله: (خلافا لأبي يوسف) حيث قال: لا
يدخلون معه لأنه لا ولاية لغيره على داره، ولهما: أنه لما اجتمعوا للحفظ والتناصر ثبت لهم ولاية
حفظ الدار بحفظ صاحبها، بخلاف ما إذا كانوا غيبا. ولوالجية. قوله: (أي الدية والقسامة) الأولى الاقتصار على القسامة مراعاة لافراد الضمير، لان الدية على عاقلة أهل الخطة كما في العناية وغيرها.
وفي الشرنبلالية: ينبغي التفصيل كما تقدم في المحلة فتجب الدية في دعوى العمد عليهم وفي
الخطى على عاقلتهم اه‍. واعترضه أبو السعود بأن التفصيل خلاف ظاهر الرواية كما مر. قوله: (على
أهل الخطة) بالكسر هي ما أخطه الامام: أي أفرزه وميزه من أراض وأعطاه لاحد كما في الطلبة.
قهستاني. قوله: (دون السكان) كالمستأجرين والمستعيرين فالقسامة على أربابها وإن كانوا غيبا.
تتارخانية. وكالمشترين الذي يملكون بالهبة أو المهر أو الوصية، أو غيره من أسباب الملك وإن كانوا
يقبضونها. قهستاني. قوله: (فإن باع كلهم فعلى المشترين) أي دون السكان.

208
والحاصل: أنه إذا كان في محله أملاك قديمة وحديثة وسكان القسامة على القديمة دون أخويها،
لأنه إنما يكون ولاية تدبير المحلة إليهم، وإذا كان
فيها أملاك حديثة وسكان فعلى الحديثة، وإذا كان سكان فلا شئ عليهم، وهذا كله عندهما. وأما عند أبي يوسف: فالثلاثة
سواء في وجوب القسامة.
وتمامه في شرح الطحاوي. قيل: هذا في عرفهم، وأما في عرفنا فعلى المشترين لان التدبير إليهم كما
أشير إليه في الكرماني. قهستاني. وقيد بالمحلة لأنه لو وجد قتيل في دار بين مشتر وذي خطة فإنهما
متساويان في القسامة والدية والاجماع. وتمامه في العناية. قوله: (فهي في عدد الرؤوس) فإن كان
نصفها لزيد وعشرها لعمرو والباقي لبكر، فالقسامة عليهم والدية على عاقلتهم أثلاثا متساوية، لان
صاحب القليل والكثير سواء في الحفظ والتدبير، وكذا لو وجد في نهر مشترك. قهستاني. قوله:
(فعلى عاقلة البائع) أي فالدية على عاقلة البائع، هكذا قاله الشراح. وفي المنح: أي الدية والقسامة
اه‍.
أقول: الظاهر أنه يجري فيه التفصيل المار، وهو أن العاقلة إن كانوا حضورا دخلوا معه في
القسامة، وإلا فلا. تأمل. قوله: (خلافا لهما) حيث قالا: إن لم يكن فيه خيار فعلى عاقلة المشتري،
وإن كان فعلى عاقلة من يصير له سواء كان الخيار للبائع أو المشتري. ابن كمال.
فالحاصل: أنه اعتبر اليد وهما اعتبرا الملك إن وجد وإلا توقف على قرار الملك. كفاية. قوله:
(ولا تعقل عاقلة الخ) أي إذا أنكرت العاقلة كون الدار لذي اليد وقالوا أنها وديعة أو مستعارة أو
مستأجرة. عناية. قوله: (ولا يكفي مجرد اليد) لان الظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق ويصلح للدفع.
قوله: (حتى لو كان به) أي بمجرد اليد اه‍ ح. قوله: (ولا نفسه) بالرفع عطفا على عاقلته فافهم.
قوله: (درر الخ) عبارة الدرر: وتدي عاقلته إذا ثبت أنها له بالحجة، وهذا إذا كان له عاقلة، وإلا
فعليه كما مر مرارا لا بمجرد اليد، حتى لو كان به لا تدي عاقلته ولا نفسه اه‍. فقوله: ولا نفسه
معناه: ولا يدي هو حيث لا عاقلة له.
والحاصل: أنه إذا كانت دار في يد رجل ووجد فيها قتيل، سواء كان القتيل ذا اليد أو غيره فلا
تجب بمجرد اليد دية القتيل في الصورتين: لا على عاقلة ذي اليد إن كان له عاقلة، ولا على نفسه إن
لم يكن له عاقلة، وإنما تجب الدية إذا ثبت أنها لذي اليد، فإذا ثبت أنها له فإن كان القتيل غيره، فالدية
على عاقلة رب الدار أو على نفسه إن لم تكن له عاقلة، وإن كان القتيل هو رب الدار، فهي مسألة
خلافية سيذكرها المصنف بعد فعند الامام ديته على عاقلة ورثته، وعندهما: لا شئ فيه لأنه لا يمكن
الايجاب على الورثة للورثة. وللامام: أن الدية للمقتول والورثة يخلفونه، فالايجاب عليهم له لا لهم،
لكن يرد عليه أنه إذا لتكن له عاقلة ولا لورثته لا يدي هو لنفسه، فلا يدي له غيره فالأولى. هذا
تقرير مراد الشارح في هذا المحل، ولكن تعبيره عنه غير محرر، فتدبر. ويأتي تمام الكلام على المسألة

209
الخلافية في محله. قوله: (فالقسامة والدية الخ) الظاهر أن الدية (1) إنما وجبت أيضا عليهم لا على
عاقلتهم لعدم حضور العاقلة فلا يتأتى التفصيل المار في الدار. تأمل. قوله: (على من فيها الخ) يشمل
أربابها حتى تجب على الأرباب الذين فيها وعلى السكان، وكذا على من يمدها، والمالك في ذلك وغير
المالك سواء، هداية. قوله: (اتفاقا الخ) هذا على ما روي عن أبي يوسف ظاهر، لأنه يجعل السكان
والملاك في القتيل الموجود في المحلة سواء، فكذا هنا، وأما عندهما: ففي المحلة السكان لا يشاركون
الملاك، لان تدبير المحلة إلى الملاك دون السكان، وفي السفينة هم في تدبيرها سواء، لأنها تنقل
فالمعتبر فيها اليد دون الملك كالدابة وهم في اليد عليها سواء، بخلاف المحلة والدار لأنها لا تنقل.
كفاية. قوله: (وفي مسجد محلة) ومثله مسجد القبيلة. قال في التتارخانية عن المنتقى: إن كان في
مسجد لقبيلة فهو على عاقلة القبيلة، وإن كان لا يعلم لمن المسجد وإنما يصلي فيه غرباء: فإن كان يعلم
الذي اشتراه وبناه كان على عاقلته القسامة والدية، وإن كان لا يعرف الذي بناه على أقرب الدور
منه، وإن كان في درب غير نافذ ومصلاه واحد كان على عاقلة أصحاب الدور الذين في الدرب، وإذا
وجد القتيل في قبيلة فيها عدة مساجد فهو على القبيلة، وإن لم تكن قبيلة فهو على أصحاب المحلة
وأهل كل مسجد محلته اه‍. قوله: (الخاص بأهلها) وهو غير نافذ كما يعلم من قوله في (الشارع
أن الأعظم هو النافذ). قوله: (وقد حققه ابن كمال الخ) اعلم أن منلا خسرو رحمه الله تعالى قسم في
الدور الطريق إلى قسمين: خاص: وهو غير النافذ، وعام: وهو النافذ. وهو قسمان أيضا: شارع
المحلة، وهو ما يكون المرور فيه أكثريا لأهلها وقد يكون لغيرهم أيضا، وللشارع الأعظم: وهو ما
يكون مرور جميع الطوائف فيه على السوية، وأقره المصنف في المنح ونازعه ابن كمال وكذا الشرنبلالي
بأنه غير مسلم بل الحمل الصحيح أن يراد بشارع المحلة الخاص بأهلها، وهو ما ليس نافذ الآن لزوم
القسامة والدية باعتبار ترك التدبير والحفظ، ولا يكون إلا مع الخصوص بالتصرف في المحل، ولذا قال
في البدائع: ولا قسامة في قتيل يوجد في مسجد الجامع ولا في شوارع العامة وجسورها، لأنه لم
يوجد الملك ولا يد الخصوص اه‍. وبه تعلم ما في قول الشارح وقد حققه منلا خسرو. قوله:
(والجامع) هذا إذا لم يعرف بانيه وإلا فالقسامة عليه، والدية على عاقلته. قهستاني.
وفي التتارخانية عن المنتقى: وجد في المسجد الجامع ولا يدري قاتله، أو زحمة الناس يوم الجمعة
فقتلوه ولا يدري من هو، فعلى بيت المال، كما يكون على أهل المحلة لو وجد فيها، وكذلك لو قتله



(1) قوله: (الظاهر أن الدية) لعل صوابه القسامة بدليل التعليل فإن أحدا لم يشترط للايجاب على العاقلة حضورهم بل
الذي اشترط فيه الحضور إنما هو القسامة كما مر في مسألة الدار اه‍ تأمل.
210
رجل بالسيف ولا يدري من هو فعلى بيت المال. قوله: (لا قسامة) لان هذا أمر يقع في الليل عادة
ولا يكون هناك أحد يحفظه، والقسامة تجري في موضع يتوهم وجود من يعرف قاتله. أفاده الإتقاني.
قوله: (وإنما الدية على بيت المال) وتؤخذ في ثلاث سنين، لان حكم الدية التأجيل كما في العاقلة،
فكذلك غيرهم، ألا ترى أنها تؤخذ من مال المقر الخطأ في ثلاث سنين اه‍. اختيار. قوله: (لان
الغرم بالغنم) أي لما كان عامة المسلمين هم المنتفعون بالمسجد الجامع والسجن والشارع الأعظم كان
الغرم عليهم فيدفع من مالهم الموضوع لهم في بيته ط. قوله: (فيما ذكر) يشمل الشارع الأعظم
والسجن والجامع، والذي رأيته في شروح الهداية ذكر هذا القيد: أعني قوله: إذا كان نائيا في السوق
الغير المملوك، والظاهر الاطلاق لما تقدم من أنه لو وجد في فلاة غير مملوكة فالمعتبر القرب، لكن في
الطوري عن الملتقى ولو وجد القتيل في المسجد الحرام من غير زحام الناس، فالدية في بيت المال من
غير قسامة اه‍. فإن المسجد الحرام غير ناء عن المحلات، وكذا السجن عادة. فليتأمل. قوله: (بل
قريبا منها) الظاهر أن المعتبر في سماع الصوت. قوله: (وكذا في السوق النائي الخ) استثناء في المعنى
من قوله: إذا كان نائيا أي أن الدية على بيت المال في السوق النائي إلا إذا كان فيها من يسكنها ليلا
الخ، وأفاد أنه لا عبرة بسكنى النهار. تأمل. والسوق مؤنثة وتذكر كما في القاموس. قوله: (موجب
التقصير) بفتح الجيم هو القسامة والدية ط. قوله: (معزيا للنهاية) وعزاه فيها إلى مبسوط فخر
الاسلام، ومثله في الكفاية والمعراج، وعزاه الإتقاني إلى شرح الكافي. قوله: (قلت: وبه) أي بما في
المتن من الوجوب على أقرب المحلات.
أقول: وهو الموافق لما تقدم تقريره من أن المعتبر أولا الملك واليد الخاصة ثم القرب ثم اليد العامة.
قوله: (في برية) أي غير مملوكة ولا قريبة من قرية أو نحوها كما يعلم مما بعده وغير منتفع بها لعامة
المسلمين، وإلا فعلى بيت المال كما مر. قوله: (أو وسط الفرات) ليس بقيد، بل المراد مروره في نهر كبير
احترازا عن الصغير، وعما لو كان محتبسا في الشط أو مربوطا أو ملقى على الشط. أفاده ابن كمال
وغيره. ويعلم مما بعد. قوله: (ابن كمال) (1) وتمام عبارته بخلاف ما إذا كان موضع انبعاثه في دار



(1) قوله: (المحشي قوله وقد حققه ابن كمال) لعل صوابه كما أفاده ابن كمال إلخ إي كما يدل عليه كلامه آخر القولة
فليفهم.
211
الحرب، لأنه يحتمل أن يكون قتيل أهل الحرب اه‍. وعزاه إلى الكرخي جازما به، ولم يعبر عنه بقيل كما
فعل الشارح، وكذا جزم به القهستاني، وعزاه شرح الهداية إلى مبسوط شيخ الاسلام وغيره. لكن قال
العلامة الإتقاني: إنه ليس بشئ لأنه خلاف ما نص عليه محمد في الأصل والجامع الصغير والطحاوي
وغيره، حيث لم يعتبروا ذلك، ولأن الفرات ونحوه ليس في ولاية أحد، فلم يلزم حفظه على أحد، وإلا
لزم اعتبار ذلك في المفازة البعيدة أيضا، لأنه قتيل المسلمين لا محالة اه‍ ملخصا.
قلت: والمراد بموضع انبعاثه موضع انفجاره ونبعه. قوله: (على أهله) أي تجب القسامة والدية
عليهم. هداية: أي عاقلتهم. إتقاني. تأمل. قوله: (أو وقفا لاحد) أي لأرباب معلومين. قوله:
(فعلى أقرب المواضع الخ) عبارة الإمام محمد كما نقله الإتقاني: فعلى أقرب القبائل إلى ذلك الموضع من
المصر القسامة والدية اه‍. والظاهر أن القرية كذلك لو فيها قبائل، وإلا فأقرب البيوت.
وفي البزازية: سئل محمد فيما وجد بين قريتين، هل القرب معتبر بالحيطان أو الأراضي؟ قال:
الأراضي ليست في ملكهم، وإنما تنسب إليهم كما تنسب الصحارى فعلى أقربهما بيوتا اه‍. قوله:
(والأراضي) أي المملوكة، لان حكمها حكم البينان يجب على أهلها حفظها وحفظ ما قرب إليها.
رحمتي. قوله: (وإلا لا) أي وإن لم يصل الصوت لا يجب على أهل الأرض والقرى، بل ينظر: إن
وجد القتيل في موضع ينتفع به العامة ففي بيت المال، وإلا فهدر كما مر. قوله: (وإن التقى قوم
بالسيوف الخ) هذا إذا اقتتلوا عصبية، وإلا فلا شئ فيه كما يأتي آخر الباب مع الفرق بينهما. قوله:
(على أولئك) أي القوم، وكان التعبير به كما في الملتقى أظهر. قوله: (منهم) أي القوم. قوله: (حتى
يبرهن) أي بإقامة شاهدين من غير أهل المحلة لا منهم كما يأتي قريبا. قوله: (لان بمجرد الخ) علة
لقوله: ولا على أولئك. قوله:
(لان قوله حجة عليهم) لان دعواه تضمنت براءة أهل المحلة. قوله: (حلف بالله الخ) يعني لا يسقط اليمين عنه بقوله قتله فلان، غاية ما في الباب أنه استثنى عن يمينه،
وهذا لا ينافي أن يكون المقر شريكه في القتل، أو أن يكون غيره شريكا معه، فإذا كان كذلك يحلف
على أنه ما قتله ولا عرف به قاتلا غير فلان. عناية. قوله: (ولا يقبل الخ) أشار إلى أنه ليست قائدة
الاستثناء قبول قوله على زيد. قوله: (بطل الخ) أي إذا ادعى الولي على رجل من غير أهل المحلة

212
وشهد اثنان منهم عليه لم تقبل عنده، وقالا: تقبل لأنهم كانوا بعرضية أن يصيروا خصماء، وقد بطل
ذلك بدعواه على غيرهم كالوكيل بالخصومة إذا عزل قبلها، وله أنهم جعلوا خصماء تقديرا لانزالهم
قاتلين للتقصير الصادر منهم، وإن خرجوا من جملة الخصوم، فلا تقبل كالوصي إذا خرج من الوصاية
ببلوغ الغلام أو بالعزل. وتمامه في العناية وغيرها. وما لو ادعى الولي على واحد منهم بعينه، لم تقبل
شهادتهما عليه إجماعا كما في الملتقى، لا نص الخصومة قائمة مع الكل، لان القسامة لن تسقط عنهم. قال
في الخيرية: إلا في رواية ضعيفة عن أبي يوسف لا يعمل بها.
تنبيه: نقل الحموي عن المقدسي أنه قال: توقفت عن الفتوى بقول الامام، ومنعت من إشاعته
لما يترتب عليه من الضرر العام، فإن من عرفه من المتمردين يتجاسر على قتل الأنفس في المحلات
الخالية من غير أهلها معتمدا على عدم قبول شهادتهم عليه حتى قلت: ينبغي الفتوى على قولهما، لا
سيما والاحكام باختلاف الأيام، وقد خبر المفتي إذا كان الصاحبان متفقين. وتمامه في حاشية
الرحمتي، ونقله السائحاني.
أقول: لكن في تصحيح العلامة قاسم أن الصحيح قول الإمام، على أن الضرر المذكور موجود
في المسألة الثانية أيضا، وقد علمت الاتفاق فيها إلا في رواية ضعيفة. نعم القلب يميل إلى ما ذكر،
ولكن اتباع النقل أسلم. قوله: (ومن جرح في حي) يعني: ولم يعلم الجارح، وإلا فلا قسامة بل فيه
القصاص على الجارح أو الدية على عاقلته. عناية. قوله: (فبقي ذا فراش) أشار إلى أنه صار ذا فراش
حين جرح، فلو كان صحيحا بحيث يجئ ويذهب فلا ضمان فيه بالاتفاق كما في العناية. قوله:
(فالدية والقسامة على ذلك الحي) لان الجرح إذا اتصل به الموت صار قتلا، ولهذا وجب القصاص.
وتمامه في العناية. قوله: (خلافا لأبي يوسف) أي قال: لا ضمان ولا قسامة، لا نص ما حصل في ذلك
الحي ما دون النفس ولا قسامة فيه فصار كما إذا لم يكن ذا فراش. شرنبلالية. قوله: (فلو معه) أي مع
رجل. قوله: (به رمق) هو بقية الروح. إتقاني. فلو كان يذهب ويجئ فلا شئ فيه. كفاية. قوله:
(فحمله آخر) صوابه إسقاط لفظة (آخر) (1). وعبارة الملتقى: ولو مع الجريح رجل فحمل ومات في
أهله فلا ضمان على الرجل عند أبي يوسف، وفي قياس قول الإمام يضمن اه‍. وقد صرح في
الولوالجية بأن هذا بناء على ما إذا كان جريحا في قبيلة ثم مات في أهله اه‍. وبه علم أن الكلام في
الرجل الذي وجد في يده الجرح، فتدبر. قوله: (يضمن) لان يده يمنزلة المحلة فوجوده جريحا في يده
كوجوده فيها. هداية. فتجب القسامة عليه والدية على عاقلته، فكأنه حمله مقتولا. إتقاني. وقدم في



(1) قوله: (صوابه إسقاط لفظة آخره) لان المعنى عليه وقد وجد جريح في يد رجل به رمق فحمله رجل آخر ثم مات وإذا
كان كذلك لا يصح قوله وعلى قياس أبي حنيفة إلخ لان هذا الحامل الثاني بمنزلة الحامل من المحملة وهو لا يضمن.
نعم قال شيخنا: قد ذكرت العبارة في كثير من المعتبرات ويبعد خطؤهم فينبغي أن يراد بالحامل هو من وجد
الجريح في يده بدليل تعليل منلا خسرو بقوله لان بمنزلة المحلة والذي يقال فيه كذلك ليس إلا من وجد الجريح في
يده وهو يسمى حاملا أيضا ومثله تعليل الهداية فحيث أمكن حملها على وجه صحيح لا يكون التصويب محل اه‍.
213
الملتقى قول أبي يوسف كالشارح فظاهره اختياره. قوله: (وفي رجلين) أي كانا في بيت كما في
الهداية. قال الرملي: وفي امرأتين وامرأة ورجل كذلك، وإذا لم يكن معه أحد فالقسامة والدية على
عاقلة المالك اه‍. قوله: (بلا ثالث) إذ لو كان معهما ثالث يقع الشك في القاتل فلا يتعين واحد
منهما. كفاية. وقال الرملي: قيد به لأنه لو وجد ثالث كان كالدار اه‍، فتجب على المالك.
أقول: ومفاد (2) هذه المسألة تقييد ما مر من قوله: (وإذا وجد في دار إنسان فعليه القسامة الخ)
بما إذا لم يكن مع القتيل رجل آخر، وكذا قوله قبله: وإن وجد في مكان مملوك فعلى الملاك وإلا
فكان الظاهر هنا وجوب الضمان على صاحب البيت الذي في الرجلان، ولم أر من نبه على ذلك،
فليتأمل. ثم رأيت في الدر المنتقى بعد ذكره قول أبي يوسف وقول محمد قال: وفي قياس قول الإمام
تكون القسامة والدية على صاحب البيت اه‍. ومثله في القهستاني، وبه زال الاشكال، لكن بقي أنه
يقال: إنهم مشوا على قول الإمام في المسائل المارة حيث اعتبروا الملاك، فلم مشى هنا في الهداية
والملتقى وغيرهما على قول أبي يوسف، ولعله لعدم رواية عنه في هذه المسألة بدليل قوله: وفي قياس
قول الإمام، فتأمل. قوله: (خلافا لمحمد) حيث قال: لا يضمن لأنه يحتمل أنه قتل نفسه، ويحتمل أنه
قتله الآخر، فلا يضمن بالشك. هداية. قال الرملي: يعني فالقسامة والدية على مالك البيت: أعني
عاقلته تنبه اه‍. وقدمنا أن هذا في قيام قول الإمام، فتأمل. وقال الرملي أيضا: وعندي أن قول محمد
أقوى مدركا، إذ قد يقتله غير الثاني كثيرا ما وقع. قوله: (وفي قتيل قرية) الإضافة على معنى في.
قوله: (وتدي عاقلتها) أي أقرب القبائل إليها نسبا لا جوارا. إتقاني. قوله: (في هذه المسألة) قيد به
لأن المرأة لا تدخل في العواقل في تحمل الدية في صورة من الصور على ما يجئ في المعاقل، وتدخل
في هذه المسألة لأنا جعلناها قاتلة، والقاتلة تشارك العاقلة، لأنها لما وجبت على غير المباشر فعلى المباشر
أولى، وموضوع المسألة فيما إذا وجد قتيل في دار المرأة في مصر ليس فيه من عشيرتها أحد، أما إذا
كانت عشيرتها حضورا تدخل معها في القسامة اه‍. كفاية. قوله: (وإن وجد قتيل الخ) هذا في الحر،
أما المكاتب إذا وجد قتيلا في دار نفسه فهدر اتفاقا، لان حال ظهور قتله بقيت الدار على حكم ملكه،
لان الكتابة لا تنفسخ إذا مات عن وفاء لجعل كأنه قتل نفسه فيها فهدر دمه. عناية وغرر الأفكار. ثم



(2) قوله: (ومفاده الخ) لا يظهر التقييد إلا لو كان أبو حنيفة يوجب الدية في هذه المسألة على من مع القتيل، وسيصرح
في آخر عبارته بأنه لا رواية عن الامام فيها، وقياس قوله وجوب الدية على صاحب البيت فهذا صريح في أن وجوب
الدية على من مع القتيل ليس قول الإمام، فلا يصح أن يكون تقييدا لمذهبه، ولا يصح أيضا أن تكون المسألة مفرعة
على قول الثاني لما أنه يعتبر السكان قلوا أو كثروا فيضيع قوله بلا ثالث. وأصل الخلاف في اعتبار الساكن وقال أبو
حنيفة: لا يعتبر إلا المالك وقال الثاني: المعتبر الساكن نعم قال شيخنا هل الامام يعتبر المالك عند عدم التهمة
الظاهرة فإذا وجدت التهمة الظاهرة يعتبر الساكن وهي لا توجد إذا كان مع القتيل واحد فقط ولا يدل في هذا قول
المحشي وقياس قول أبي حنيفة إلخ تأمل اه‍.
214
هذا حيث لم يعلم أن اللصوص قتلته، لما في البدائع من باب الشهيد في الجنائز: لو نزل عليه اللصوص
ليلا في المصر فقتل بسلاح أو غير فهو شهيد، لان القتيل لم يخلف بدلا هو مال اه‍.
قال في البحر هناك: وبهذا يعلم أن من قتله اللصوص في بيته ولم يعلم له قاتل معين منهم لعدم
وجودهم فإنه لا قسامة ولا دية على أحد، لأنهما لا يجبان إلا إذا لم يعلم القاتل، وهنا قد علم أن قاتله
اللصوص، وإن لم يثبت عليهم لفرارهم، فليحفظ هذا فإن الناس عنه غافلون اه‍.
أقول: ويشمل أيضا من قتله اللصوص في غير بيته، فتأمل. قوله: (فالدية على عاقلة ورثته) وقيل
: على عاقلته إذا اختلفت عاقلته وعاقلة ورثته، والأول أصح كما في الكفاية عن المبسوط. قال في العناية:
ولم يذكر القسامة في الأصل، فمنهم من قال: لا تجب، ومنهم من قال: تجب، واختاره المصنف اه‍: أي
صاحب الهداية. قوله: (وعندهما الخ) هو رواية عن الامام أيضا. إتقاني. قوله: (تبعا لما رجحه صدر
الشريعة) حيث قال: والحق هذا لان الدار في يده حال ظهور القتل، فيجعل كأنه قتل نفسه فكان هدرا،
وإن كانت الدار للورثة فالعاقلة إنما يتحملون الخ. قال الرملي: وفي الحاوي القدسي: وبه: أي بقولهما
نأخذ اه‍. قوله: (وخالفهم ابن الكمال) حيث جزم في متنه بقول الامام، ولم يعرج على ما ذكره صدر
الشريعة بل رد ما استند إليه بقوله لا يقال المشعر بالسقوط رأسا وكذا تبع الهداية وشروحها في تأخير
دليل الامام المتضمن لنقض دليلهما مع دفع ما يرد عليه، وكيف لا والمتون على قوله؟ فافهم. قوله: (ولا
يمكن الايجاب على الورثة) أي نظرا إلى الأصل فإن ما لزم العاقلة ليس بطريق الايجاب عليهم ابتداء بل
بطريق التحمل وإنما أصل الايجاب على الورثة كما أفاده بقوله: إنما يتحملون الخ، وقيل: إنه على العاقلة
ابتداء وهو خلاف الصحيح كما قدمناه في الجنايات في فصل في الفعلين. قوله: (لان الايجاب ليس
للورثة الخ) جواب قوله: لا يقال وفي هذا جواب عما ذكره الشارح قبل ورقة بقوله: وقد يقال لما كان
هو لنفسه لا يدي فغيره بالأولى لقوة الشبهة اه‍. فيقال: إذا كان الايجاب لنفسه أصالة فكيف يدي
عنها؟ فلا شبهة أصلا. قوله: (حتى تقضي منه الخ) أي من الواجب المفهوم من الايجاب، وأجاب
الإتقاني أيضا بأن العاقلة أعم من أن تكون ورثة أو غير ورثة، فما وجب على غير الورثة من العاقلة يجب
للورثة منهم، وهذا لان عاقلة الرجل أهل ديوانه عندنا اه‍. قوله: (فتنبه) أي لوجه المخالفة. الصدر
الشريعة وغيره وهي ظاهرة. قوله: (على أربابها) الظاهر أن الدية تتحملها عنهم العاقلة. تأمل. قوله:
(فهو كما لو وجد فيه) فالموجود في وقف مسجد محله أو مسجد الجامع كالموجود فيهما، وحكمهما قد

215
تقدم. رملي. قوله: (قاله المصنف بحثا) وأقره الرملي وقال: وقد تقرر أن مفهوم التصانيف حجة. قوله:
(ولو وجد في معسكر في فلاة) أحسن من قول الهداية في معسكر: أقاموا في فلاة، لان المعسكر بفتح
الكاف منزل العسكر وهو الجند فكان حقه أن يقال: في عسكر كما قاله الإتقاني، أما هنا فيصح إرادة
المكان. قوله: (ففي الخيمة والفسطاط) أي فلو وجد القتيل في الخيمة والفسطاط وهو الخيمة العظيمة.
مغرب. قوله: (على من يسكنهما) أي القسامة والدية لأنهما في يده كما في الدار. زيلعي. قوله: (وفي
خارجهما الخ) عبارة الزيلعي: وإن كان خارجا منها ينظر، فإن كانوا نزلوا قبائل متفرقين فعلى القبيلة
التي وجد فيها القتيل الخ، فالمراد كون القتيل خارج الخيمة والفسطاط لا العسكر فابنه غير منظور إلى
كونهم في الخارج أو الداخل، فقول الشارح تبعا للمنح والدر أي ساكنو خارجها فيه نظر، فتدبر.
قوله: (فعلى قبيلة الخ) لأنهم لما نزلوا وقبائل قبائل في أماكن مختلفة صارت الأمكنة بمنزلة المحال المختلفة
في المصر. زيلعي. قوله: (كما مر بين القريتين) أي على أقربهما وإن استووا فعليهما. زيلعي. قوله:
(مختلفين) أي مختلطين. قوله: (فعلى كل العسكر) أي تجب غرامة ما وجد خارج الخيام عليهم كلهم.
زيلعي. قوله: (فلا قسامة ولا دية) لان الظاهر أن العدو قتله حملا للمسلمين على الصلاح، بخلاف
المسألة المارة، وهي ما إذا اقتتل المسلمون عصبية فأجلوا عن قتيل، فليس فيها جهة الحمل على الصلاح،
فبقي حال القتل مشكلا، فأوجبنا القسامة والدية على أهل ذلك المكان لورود النص بإضافة القتل إليهم
عند الاشكال، وكان العمل بما ورد فيه النص أولى عند الاحتمال. أفاده في العناية. قوله: (لكن في
الملتقى) استدراك على قوله: بالاجماع وفي الهداية كما في الملتقى، وهو المرافق لما مر عن أبي يوسف في
المحلة والدار من أن السكان يشاركون الملاك، وعلى ما في الدرر يحتاج أبو يوسف إلى الفرق، وقد ذكره
الزيلعي بأن نزول العسكر هنا، للارتحال، فلا يعتبر والنزول في الدار للقرار فيعتبر. قوله: (وفيها) انظر
ما مرجع الضمير فإني لم أر المسألة في الدرر ولا في الملتقى. قوله: (وهي على عاقلتهم) وكذا الدية وهو
ظاهر ط. قوله: (فعليه) أي القسامة والدية. ط عن الهندية.
والظاهر أن الدية تتحملها عنه عاقلته، وهل عليه الكل أو تقسم على الرؤوس كما مر في الدار
المشتركة؟ يحرر.

216
ثم رأيت في غاية البيان عن شرح الكافي أن القسامة على المدرك، وتكرر اليمين عليه لأنه من
أهل ذلك، وعلى أقرب القبائل منهم الدية في الوجهين، وتمامه فيها.. قوله: (ولو تعاقلوا) أي أهل
الذمة. قوله: (فلا شئ فيها) أي لا غرامة ولا قسامة لورود النص في الآدمي على خلاف القياس فلا
يقاس عليه غيره. قوله: (في دار مولاه) أما في غير ملك مولاه فتجب القسامة والدية. شرنبلالية.
وتؤخذ القيمة في ثلاث سنين كما قدمه الشارح. قوله: (فقيمته على مولاه الخ) أي في ماله، لان حق
الغرماء كان متعلقا بماليته وجعلناه كأنه أهلكه. ولوالجية. قوله: (على مولاه) أي دون العاقلة. خانية.
قوله: (مؤجلة) أي في ثلاث سنين تقضي منها كتابته ويحكم وما بقي يكون ميراثا عنه لورثته.
خانية. قوله: (فعلى عاقلة المولى) أي الدية والقسامة. ط عن الهندية. قوله: (فالقسامة والدية على
العاقلة) أي عاقلة رب الدار، وعبارة الخانية: ففي القسامة والدية على العاقلة، والظاهر أن قوله:
والدية على العاقلة جملة مستأنفة، وأن القسامة على رب الدار إلا أن يحمل على أن عاقلته حاضرون،
فتكون عليه وعليهم. وفي الولوالجية: وإذا وجد الرجل قتيلا في دار الأب أو الأخ فالدية على عاقلته
وإن كان هو الوارث اه‍ والله أعلم.

217
كتاب المعاقل
كذا ترجم في عامة المعتبرات، وفيه أنه إذا كانت جمع معلقة وهي الدية لزم التكرار، لان أقسام
الديات مر مستوفى، والمقصود هنا بيان من تجب عليهم الدية بأنواعهم وأحكامهم وهم العاقلة،
فالمناسب أن يترجم بالعواقل لأنه جمع عاقلة. طوري وشرنبلالية. قوله: (جمع معقلة) كمكارم جمع
مكرمة. قوله: (لأنها تعقل الدماء من أن تسفك) أو لان الإبل كانت تعقل بفناء ولي المقتول، ثم عم
هذا الاسم فسميت الدية معقلة، وإن كانت دراهم أو دنانير. إتقاني. قوله: (أي تمسكه) الأولى
تمسكها، وفي بعض النسخ بدون ضمير. قوله: (والعاقلة أهل الديوان) قال في المغرب: الديوان:
الجريدة من دون الكتب إذا جمعها، لأنها قطع من القراطيس مجموعة.
ويروى أن عمر أول من دون الدواوين: أي رتب الجرائد للولاة والقضاة، ويقال فلان من أهل
الديوان: أي ممن أثبت اسمه في الجريدة اه‍.
وفي غاية البيان عن كافي الحاكم: بلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه فرض
المعاقل على أهل الديوان، وذلك لأنه أول من فرض الديوان وجعل العقل فيه، وكان قبل ذلك على
عشيرة الرجل في أموالهم ولم يكن ذلك منه تغييرا لحكم الشرع بل تقريرا له، لأنه عرف أن عشيرته
كانوا يتحملون بطريق النصرة، فلما كان التناصر بالرايات جعل العقل عليهم، حتى لا يجب على
النسوان والصبيان لأنه لا يحصل بهم التناصر اه‍.
وفي المعراج طعن بعض الملحدين وقال: لا جناية من العاقلة، فتكون في مال القاتل لقوله تعالى
: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * (الاسراء: 15) قلنا: إيجابها عليهم مشهور ثبت بالأحاديث المشهورة،
وعليه عمل الصحابة والتابعين، فيزاد به على الكتاب، على أن العاقلة يتحملون باعتبار تقصيرهم
وتركهم حفظه ومراقبته، وخصوا بالضم لأنه إنما قصر لقوته بأنصاره فكانوا هم المقصرين، وكانوا قبل
الشرع يتحملون عنه تكرما واصطناعا بالمعروف، فالشرع قرر ذلك، وتوجد هذه العادة بين الناس،
فإن من لحقه خسران من سرقه أو حرق يجمعون له مالا لهذا المعنى اه‍ ملخصا. قوله: (وهم
العسكر) أي المراد بهم هنا العسكر، قال في الدر المنتقى: فالنساء والذرية ممن لخ حظ في الديوان،
كذا المجنون لا شئ عليهم من الدية. واختلف في دخولهم لو باشروا القتل مع العاقلة في الغرامة،
والصحيح أنهم يشاركون العاقلة كما في الشرنبلالية عن التبيين ا ه‍. قوله: (لمن هو منهم) أي يعقلون
لقاتل هو منهم. قال في غرر الأفكار: فإن كان غازيا فعاقلته من يرزق من ديوان الغزاة، وإن كان
كاتبا فعاقلته من يرزق من ديوان الكتاب اه‍. وقيده في الدر المنتقى كالقهستاني بكونه من أهل
مصرهم لا من مصر آخر، وقيل: مطلقا.
قلت: وفي الهداية: ولا يعقل أهل مصر لأهل مصر آخر إذا كان لأهل مصر ديوان على
وحدة وقال الإتقاني: وهذا إذا كان ديوان كل واحد من المصرين مختلفا لأنه لم يوجد التناصر بينهما

218
حينئذ، وأما إذا كان ديوانهما واحدا وكان الجاني من أهل ديوان ذلك المصر الآخر يعقل عنه أهل ذلك
المصر. قوله، (خرج ما انقلب مالا الخ) أي خرج القتل الذي انقلب موجبه إلى المال بعارض صلح أو
شبهة فإنه لم يجب بنفس القتل فلا تتحمله العاقلة كما يأتي. قوله: (فتؤخذ عن عطاياهم أو من
أرزاقهم) أي لا من أصول أموالهم.
قال في الهداية: ولو كانت عاقلة رجل أصحاب الرزق يقضي بالدية في أرزاقهم في ثلاث
سنين، لان الرزق في حقهم بمنزلة العطاء، ثم إن كانت تخرج أرزاقهم في كل سنة، فكلما خرج
رزق يؤخذ منه الثلث بمنزلة العطاء، أو في كل ستة أشهر يؤخذ منه سدس الدية، أو في كل شهر
يؤخذ بحصته من الشهر حتى يكون المستوفى في كل سنة مقدار الثلث، وإن كان لهم أرزاق في كل
شهر وأعطية في كل سنة فرضت في الأعطية لأنه أيسر، لان الأعطية أكثر والرزق لكفاية الوقت
فتعسر الأداء منه اه‍. قوله: (والفرق الخ) وقيل العطية: ما يفرض للمقاتل، والرزق: ما يجعل لفقراء
المسلمين إذا لم يكونوا مقاتلين، ونظر فيه الإتقاني. قوله: (في ثلاث سنين) اعلم أن الواجب إذا كان
ثلث الدية أو أقل يجب في سنة واحدة، وما زاد
على الثلث إلى تمام الثلثين في السنة الثانية، وما زاد على ذلك إلى تمام الدية في السنة الثالثة. هداية. وفيها: ولو قتل عشرة رجلا خطأ فعلى كل واحد عشر
الدية في ثلاث سنين اعتبار للجزء بالكل. قوله: (من وقت القضاء) أي بالدية لا من يوم القتل
والجناية كما قال الشافعي. غرر الأفكار. قوله: (فإن خرجت العطايا الخ) ذكر في المجمع ودرر
البحار أنها تؤخذ في ثلاث سنين، سواء خرجت في أقل أو أكثر. قال في غرر الأفكار: لكن في
الهداية وغيرها أنه إن أعطيت العطايا في ثلاث سنين مستقبلة بعد القضاء بالدية في سنة واحدة، أو
في أربع سنين تؤخذ الدية كلها منها في سنة واحدة أو أربع سنين، لان وجوبها في العطاء للتخفيف،
وذا حاصل في أي وقت أخذ، فعلى هذا كان المراد من ثلاث سنين أعطية، ولو اجتمعت عطايا
سنين ماضية قبل القضاء بالدية ثم خرجت بعد القضاء لا تؤخذ منها، لان الوجوب بالقضاء اه‍.
أقول: فعلى هذا يفرق بين العطاء والرزق، فإن الرزق إذا خرج في أقل من ثلاث سنين يؤخذ
بقدره كما قدمناه، فالسنين فيه على حقيقتها، بخلاف العطاء. تأمل. ثم رأيت التصريح بالفرق في
المجتبى معللا بأن الرزق لما كان مقدرا بالكفاية لزم الخرج بالأخذ منه في أقل من ثلاث سنين. قوله:
(وكل من يتناصر هو به) قال في الهداية والتبيين: ويعقل أهل كل مصر عن أهل سوادهم لأنهم أتباع
لأهل المصر، فإنهم إذا حزبهم أمر استنصروا بهم فيعقلونهم أهل المصر باعتبار معنى القرب والنصرة،
ومن كان منزله بالبصرة وديوانه بالكوفة عقل عنه أهل الكوفة، لأنه يستنصر بأهل ديوانه لا بجيرانه.

219
والحاصل: أن الاستنصار بالديوان أظهر، فلا يظهر معه حكم النصرة بالقرابة والنسب والولاء
وقرب السكنى، وبعد الديوان النصرة بالنسب، وعلى هذا يخرج كثير من مسائل المعاقل. منها: أخوان
ديوان أحدهما بالبصرة وديوان الآخر بالكوفة، لا يعقل أحدهما عن صاحبه، وإنما يعقل عنه أهل
ديوانه، ومن جنى جناية من أهل البصرة وليس له في أهل الديوان عطاء وأهل البادية أقرب إليه نسبا
ومسكنه المصر عقل عنه أهل الديوان من ذلك المصر، ولم يشترط أن يكون بينه وبين أهل الديوان
قرابة، لان أهل الديوان هم الذين يذبون عن أهل المصر ويقومون بنصرتهم. وقيل: إذا لم يكونوا قريبا
له لا يعقلونه، وإنما يعقلونه إذا كانوا قريبا له وله في البادية أقرب منهم نسبا، لان الوجوب بحكم
القرابة، وأهل المصر أقرب منهم مكانا فكانت القدرة على النصرة لهم، وصار نظير مسألة الغيبة
المنقطعة اه‍: أي أن للولي الأبعد أن يزوج إذا كان الأقرب غائبا. عناية. وذكر الإتقاني أن القول
الثاني أصح. قوله: (على الأصح) وقيل: يؤخذ من كل واحد في كل سنة ثلاثة دراهم أو أربعة كما في
الملتقى. قوله: (ثم السنين الخ) كان المناسب أن يذكره بالفاء عقب قوله: فإن خرجت العطايا الخ.
قوله: (فإن لم تسع القبيلة لذلك) أي بأن تكون قلائل فتصير الحصة أكثر من ثلاثة أو أربعة. در
منتقى. ثم عبارة الهداية وغيرها تتسع بتاءين في أوله، فكان على المصنف التعبير به أو حذف اللام
من قوله: لذلك والقبيلة غير قيد.
قال في الهداية: وعلى هذا حكم الرايات إذا لم تتسع لذلك أهل راية ضم إليهم أقرب الرايات:
يعني أقربهم نصرة إذا حز بهم أمر الأقرب فالأقرب، ويفوض ذلك إلى الامام لأنه هو العالم به اه‍.
قوله: (على ترتيب العصبات) فيقدم الاخوة ثم بنوهم ثم الأعمام ثم بنوهم. مثلا: إذا كان الجاني من
أولاد الحسين رضي الله عنه، ولم تسع حيه لذلك ضم إليه قبيلة الحسن رضي الله عنه ثم بنوهم، فإن
لم تتسع هاتان القبيلتان له ضم عقيل ثم بنوهم كما في الكرماني، وآباء القاتل وأبناء لا يدخلون في
العاقلة، وقيل: يدخلون، وليس أحد الزوجين عاقلا للآخر. وتمامه في القهستاني. قوله: (والقاتل
عندنا كأحدهم) يعني إذا كان من أهل العطاء، أما إذا لم يكن فلا شئ عليه من الدية عندنا أيضا.
ذكره في المبسوط. وعند الشافعي: لا شئ عليه مطلقا. معراج. قوله: (فيشاركهم على الصحيح)
تقدم في القسامة أنه اختيار المتأخرين، ومشى في الهداية هنا على عدم المشاركة. قال في الكفاية: وهو
اختيار الطحاوي وهو الأصح، وهو أصل رواية محمد اه‍. لكن ذكر في العناية أن ما تقدم إنما هو
فيما إذا وجد القتيل في دار امرأة فأدخلها المتأخرون مع العاقلة لتقديرها قاتلة بسبب وجوب القسامة،
أما ما هنا فهو فيما إذا كانت قاتلة حقيقة، الفرق أن القسامة تستلزم وجوب الدية على المقسم، إما
بالاستقلال أو بالدخول أو العاقلة عندنا بالاستقراء، وقد تحقق الملزوم لتحقق اللازم، بخلاف القتل
مباشرة فإنه قد لا يستلزم الدية اه‍ ملخصا. وعليه فليس في المسألة اختلاف تصحيح لاختلاف
الموضوع. فتأمل. قوله: (قبيلة سيده) أي مع سيده كما في الشرنبلالية عن البرهان. وعبارة الملتقى:

220
وعاقلة المعتق، ومولى الموالاة مولاه وعاقلته، وهي أخصر وأظهر. قوله: (جناية عبد) من إضافة
المصدر إلى فاعله، وأما إذا جنى حر على نفس عبد فسيأتي ط. قوله: (ولا عمد) أي في النفس أو
الطرف، فإن العمد لا يوجب التخفيف بتحمل العاقلة فوجب القود به. قهستاني.
تنبيه: قال في الأشباه: لا يعقل العاقلة العمد إلا في مسألة ما إذا عفا بعض الأولياء وصالح،
فإن نصيب الباقين ينقلب مالا وتتحمله العاقلة اه‍.
أقول: وقد قدمنا في باب القود فيما دون النفس عن العلامة قاسم أنه خلاف الرواية ولم يقل به
أحد، والذي في سائر الكتب أنه في مال القاتل، فتنبه. قوله: (أو قتله ابنه عمدا) الأولى كقتله كما
عبر به فيما مر آنفا ليكون تمثيلا للشبهة. ومنها: ما إذا قتلا رجلا وأحدهما صبي أو معتوه والآخر
عاقل بالغ أو أحدهما بحديد والآخر بعصا. قوله: (ولا ما لزم بصلح) أي عن دك عمد وخطأ اه‍
ط. فإنه على القاتل حالا إلا إذا أجل. قهستاني. قوله: (أو اعتراف) أي بقتل خطأ فإنه على المقر في
ثلاث سنين قهستاني. قوله: (ولا ما دون نصف عشر الدية) أي ما دون أرش الموضحة وهو
خمسمائة، وهذا خاص فيما دون النفس. أما بدل النفس فتحمله العاقلة وإن قل، كما لو قتل مائة
رجلا حرا فعلى عاقلة كل مائة درهم، أو قتل رجل عبدا قيمته مائة مثلا لزمت العاقلة، لان بدل
النفس ثبت بالنص وجوبه على العاقلة اه‍. ملخصا من العناية والكفاية.
تنبيه: قدم الشارح قبيل فصل الحنين أن الصحيح أن حكومة العدل لا تتحملها العاقلة مطلقا:
أي وإن بلغت أرش الموضحة، وذكر الإتقاني عن الكرخي: أن العاقلة لا تعقل جناية وقعت في دار
الحرب فالدية في مال الجاني. قوله: (لقوله عليه الصلاة والسلام الخ) ذكره فقهاؤنا في كتبهم عن ابن
عباس موقوفا ومرفوعا، لكن قيل إنه من كلام الشعبي. قال في القاموس: وقول الشعبي: لا تعقل
العاقلة عمدا ولا عبدا، وليس بحديث كما توهم الجوهري معناه، أن يجني الحر على عبد لا العبد على
حر كما توهم أبو حنيفة، لأنه لو كان المعنى على ما توهم لكان الكلام: لا تعقل العاقلة عن عبد، ولم
يكن ولا تعقل عبدا. قال الأصمعي: كلمت في ذلك أبا يوسف بحضرة الرشيد فلم يفرق بين عقلته
وعقلت عنه حتى فهمته اه‍. أي لأنه يقال عقلت القتيل: إذا أعطيت ديته وعقلت عن فلان: إذا
لزمته دية فأعطيتها عنه. وأجيب بأن عقلته يستعمل بمعنى عقلت عنه، ويدل عليه السياق، وهو قوله
: عمدا وكذا السياق، وهو: ولا صلحا ولا اعترافا لان معناه عن عمد، وعن صلح وعن اعتراف.
تأمل. والأحسن أن يجاب بأنه من الحذف والايصال، والأصل عن عبد.
وأقوى دليل على ذلك ما رواه الإمام محمد في موطئه بقوله: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد
عن أبيه عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لا تعقل العاقلة
عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما جنى المملوك اه‍. فقد جعل الجاني مملوكا. قوله: (بل الجاني)
ليس من لفظ الحديث، وإنما هو عطف على جملة قوله: (واعلم أنه لا تعقل عاقلة جناية عبد الخ) أي

221
بل يتحمل ذلك الجاني وحده: أي ولو حكما كمولى العبد كما أفاده القهستاني، أو هو عطف على قوله
: ولا ما لزم بصلح أو اعتراف وأتى به ليربط قول المصنف إلا أن يصدقوه بما قبله من المتن. قوله: (أو تقوم حجة) هذا إذا أقامها قبل أن يقضي بها القاضي: أي بالدية على المقر، أما لو قضي بها في
ماله ثم أقامها ليحولها إلى العاقلة لم يكن له ذلك، لان المال قد وجب عليه بقضاء القاضي فلا يكون له
أن يبطل قضاءه ببينته. صرح به في المبسوط اه‍. رملي. قوله: (بإقرار المدعى عليه) متعلق بثابت
وضمير وهو عائد على ما. قوله: (ولا عليه في ماله) معطوف على قوله: فلا شئ عليها، والضمير
للقاتل. قوله: (لان تصادقهما) علة للزوم القاتل حصة فقط، وأنما لم يلزم جميع الدية كما في المسألة
الأولى، لأنه لم يوجد التصديق من الولي بالقضاء بالدية على العاقلة في الأولى وقد وجد هنا فافترقا.
أفاده الزيلعي. قوله: (في ذلك) أي في دعوى القتل ط. قوله: (لان الحق عليه) أي وإنما يثبت على
العاقلة بطريق التحمل. خانية. قوله: (لا العاقلة) هذا ليس في عبارة الخانية، لكنه أخذه من مفهوم
الحصر في قوله: هو الجاني. قوله: (وهي غير متوجهة على العاقلة) بل على أبيه إن كان له أب،
وظاهره أنه لا يلزم شئ بتلك الدعوى ط. قوله: (وبقي هنا شئ الخ) تخريج للجواب من وجه آخر
محصله: أنا إذا قلنا بصحة إقرارهم يلزم جريان الحلف، لان القاعدة أن كل موضع لو أقر به لزمه،
فإذا أنكر يستحلف إلا في اثنتين وخمسين صورة تقدمت آخر الوقف ليست هذه منها، لكن أورد عليه
أن الخصم هو الجاني كما مر، ولا يستحلف من ليس بخصم، ومقتضاه أن لا يصح إقرارهم، ووجهه
أن الدية إنما تلزمهم بطريق التحمل عن القاتل، فإقرارهم في الحقيقة إقرار عليه، فإذا لم يصلح
إقرارهم عليه لم يلزمهم موجبه، إذ لا يمكن تحمل ما ليس بثابت، بخلاف ما إذا أقر بالقتل وصدقوه
فإنه يلزمهم كما مر، لان تصديقهم ألزمهم تحمل ما هو ثابت بإقراره هذا.
والذي حرره العلامة الرملي: لزوم التحليف على نفي العلم لما صرحوا به من أنه لو قال كفلت
بما لك على زيد وأقر الكفيل بأن له على زيد كذا وأنكره زيد ولا بينة لزم الكفيل دون الأصيل، فبه
علم أن الاقرار إذا وجد نفاذا على المقر لا يتوقف على الأصل، إذ هو حجة وإن كانت قاصرة،
ومسألتنا نظير هذه. قال: وقد ظفرت بالنقل، ففي الثالث من جامع الفصولين: دعوى القتل الخطأ
على القاتل تسمع، والبينة عليه تقبل بغيبة العاقلة، ودعوى الدية على العاقلة بغيبة القاتل هل يصح؟
فعلى قياس ما كتبناه عن بغ في آخر الفصل السادس ينبغي أن لا تصح دعواه كل الدية عليهم اه‍

222
ملخصا: أي فإن مفهومه أن تصح بقدر ما يخصهم من الدية. تأمل. قوله: (قاله المصنف) أي قال
: قلت يؤخذ إلى هنا. قوله: (يعني إذا قتله الخ) لا حاجة إليه مع قول المتن نفس عبد اه‍ ح. نعم
ذكر الزيلعي ذلك على عبارة الكنز، لأنه ليس فيها ذكر النفس، فكان المناسب للشارح أن يقول: قيد
بالنفس لان العاقلة الخ. قوله: (لا تتحمل أطراف العبد) لأنه يسلك بها مسلك الأموال، ولذا لا
يجري فيها القصاص بين الحر والعبد. إتقاني. قوله: (إذا لم يتناصروا) كذا فيما رأيت من النسخ،
وصوابه: إذا لم يباشروا لأنهم عللوا عدم دخولهم في العاقلة بأنهم ليسوا من أهل النصرة، ولهذا كان
أصل الرواية عدم دخولهم وإن باشروا كما قدمنا تقريره. قوله: (وإن اختلفت مللهم) قيده في الملتقى
بقوله: إن لم تكن العداوة بين الملتين ظاهرة كاليهود مع النصارى اه‍. وهو مستفاد من قول الشارح:
يعني إن تناصروا. قوله: (كالمسلم) عبارة الإتقاني وغيره: وإلا ففي ماله في ثلاث سنين من يوم
يقضي به كما في المسلم، وهذا في الذمي، أما المسلم ففي بيت المال. قوله: (كما بسطه في المجتبى)
حيث قال: لان الوجوب في الأصل على القاتل، وإنما يتحول على العاقلة بالقضاء، فإذا لم يوجد له
عاقلة بقيت الدية عليه، كتاجرين مسلمين في دار الحرب قتل أحدهما صاحبه فعقله في ماله اه‍.
قوله: (وحربي أسلم) أي ولم يوال أحدا. قوله: (فالدية في بيت المال) لان جماعة المسلمين هم أهل
نصرته، ولهذا إذا مات كان ميراثه لبيت المال، فكذا ما يلزمه من الغرامة يلزم بيت المال. زيلعي
وهداية. ومفاده أنه لو له وارث معروف لا يلزم بيت المال ويأتي التصريح به. قوله: (وجعل الزيلعي)
وكذا صاحب الهداية وغيره. قوله: (عن خوارزم) أي حاكيا عن حال أهل خوارزم اه‍ ح.
وعبارة المجتبى: قلت: وفي زماننا بخوارزم لا يكون إلا في مال الجاني، إلا إذا كان من أهل
قرية أو محلة يتناصرون، لان العشائر فيها قد وهت ورحمة التناصر من بينهم قد رفعت وبيت المال قد
انهدم. نعم أسامي أهلها مكتوبة في الديوان ألوفا ومئات لكن لا يتناصرون به فتعين أن يجب في ماله ا
ه‍. قوله: (يرجح وجوبها في ماله) خبر قوله: وظاهر قلت: ولا حاجة إلى جعله ترجيحا للرواية
والشاذة، بل يمكن ترجيح ما ذكر على ظاهر الرواية، فإن أصل الوجوب على القاتل، وحيث لا عاقلة
تتحمل عنه ولا بيت مال يدفع منه يؤخذ ذلك من ماله كما مر في الذمي، فظاهر الرواية مبني على
انتظام بيت المال، وإلا لزم إهدار دماء المسلمين، فتدبر، ثم رأيته كذلك في مختصر النقاية وشروحها
للقهستاني حيث قال: ومن لا عاقلة له: أي من العرب والعجم يعطي الدية من بيت المال إن كان

223
موجودا أو مضبوطا، وإلا: أي وإلا يكن كذلك فعلى الجاني. قوله: (فيؤدي في كل سنة الخ) فظاهره
عدم التقيد بثلاث سنين وإلا فعلى من يكون الباقي، على أنه مع هذا هو مشكل أيضا، لأنه إذا أدى في
كل سنة من عمره ثلاثة دراهم أو أربعة فمتى تنقضي الدية، وإذا مات فهل يسقط الباقي أو يؤخذ من
تركته أو من غيرها؟ لم تر من أوضح هذا المقام. قوله: (قال) أي صاحب المجتبى ونصه. قلت: وهذا
حسن لا بد من حفظه، فقد رأيت في كثير من المواضع أنه يجب الدية في ماله في ثلاث سنين اه‍.
أقول: وجوبها في ماله في ثلاث سنين هو الموافق لما ذكروه في الذمي، ولا إشكال فيه،
فليتأمل. فما ذكره في كثير من المواضع هو الأعدل فعنه لا يعدل. قوله: (وهذا) أي وجوبها في بيت
المال أو الخلاف في وجوبها في بيت المال أو في ماله. قوله: (فلو ذميا) أي لا عاقلة له. قوله: (ومن
له وارث معروف) هذا قيد آخر لقوله: وإن لم يكن للقاتل عاقلة فالدية في بيت المال كما نبه عليه
قاضيخان، حيث ذكر أن ما سبق محمول على ما إذا لم يكن للقاتل وارث معروف بأن كان لقيطا أو من
يشبهه اه‍.
وقدمنا أنه مفاد كلام الزيلعي والهداية، وبحث الرملي بأنه مخالف لاطلاق عامة الكتب وأطال
في ذلك، ولكن قاضيخان من أجل من يعتمد على تصحيحه لأنه فقيه النفس كما قال العلامة قاسم،
قوله: (أو محروما برق أو كفر) كمستأمن اشترى عبدا مسلما فأعتقه ثم رجع المستأمن إلى داره فاسترق
ثم جنى العتيق فهو في ماله، لان له وارثا معروفا وهو المعتق، مع أن ميراثه لو مات لبيت المال لان
معتقه رقيق في الحال أفاده في الخانية عن الأصل. وكذا لو كان المعتق ذميا يكون العقل في مال الجاني
أيضا لما مر أن الكافر لا يعقل السلم، فلا يرد ما مر من أن عاقلة العتيق قبيلة سيده. كذا ظهر لي.
قوله: (لا يعقله بيت المال) بل يكون في ماله، وإن كان له وارث مستحق كما يستفاد مما قررناه: فإنه
إذا ورثه بيت المال ولم يعقله، فإذا لم يرثه فعقله في ماله بالأولى، ولا شئ على الوارث لان فرض
المسألة فيمن لا عاقلة له. قوله: (ولا عاقلة للعجم) جمع عجمي وهو خلاف العربي وإن كان فصيحا.
مغرب. قوله: (وبه جزم في الدرر) وهو قول أبي بكر البلخي وأبي جعفر الهندواني، لان العجم لم
يحفظوا أنسابهم، ولا يتناصرون فيما بينهم، وليس لهم ديوان، وتحمل الجناية على الغير عرف، بخلاف

224
القياس في حق العرب، وبه أخذ الأستاذ ظهير الدين. خانية. قوله: (عاقلته) أي إذا كانوا يتناصرون
فيما بينهم ط. ولا تنس ما مر من أنه لا يؤخذ في كل سنة من كل واحد من العاقلة أكثر من درهم أو
درهم وثلث. قوله: (إذا حز به أمر) المغرب حز بهم أمر: أصابهم من باب طلب. قوله: (وتمامه
فيه) حيث قال: وإن كان له متناصرون من أهل الديوان والعشيرة والمحلة والسوق، والعاقلة أهل
الديوان ثم العشيرة ثم أهل المحلة، وبه قال الناطفي ط. قوله: (والحق الخ) قلت: المدار على التناصر
كما ذكروه، فمتى وجد بطائفة فهم عاقلته، وإلا فلا ط. قوله: (لكن حرر الخ) هو تأييد لما جزم به
في الدرر. قوله: (فالدية في ماله) أي عند عدم وجود بيت المال أو عدم انتظامه كما قدمناه، والله
تعالى أعلم.

225
كتاب الوصايا
يراده آخر الكتاب ظاهر المناسبة، لان آخر أحوال الآدمي في الدنيا الموت، والوصية معاملة
وقت الموت، وله زياد اختصاص بالجنايات والديات، لما أن الجناية قد تفضي إلى الموت الذي وقته
وقت الوصية. عناية. والمراد هنا أنه آخر نسبي. نعم على ما في الهداية هو حقيقي لأنه لم يذكر فيها
الفرائض، لكن فيه أنه ذكر في الهداية بعده كتاب الخنثى فهو نسبي أيضا كما أفاده الطوري. قوله:
(يعم الوصية والايصاء الخ) في المغرب: أوصى إلى زيد بكذا إيصاء ووصى به توصية، والوصية
والوصاة اسمان في معنى الصدر، ثم سمى الموصى به وصية، والوصاية بالكسر مصدر لوصي، وقيل
الايصاء: طلب الشئ من غيره ليفعله على غيب منه حال حياته وبعد وفاته.
وفي حديث الظهار: استوصى بابن عمك خيرا: أي اقبلي وصيتي فيه، وانتصاب خيرا على
المصدر: أي استيصاء خير اه‍. وفي المصباح: وصيت إلى فلان توصية وأوصيت إليه إيصاء، والاسم
الوصاية بالكسر والفتح لغة، وأوصيت إليه بمال: جعلته له اه‍. وفي القاموس: أوصاه ووصاه
توصية: عهد إليه، والاسم الوصاة والوصاية والوصية اه‍.
ونقل الامام النووي عن أهل اللغة: أنه يقال: أوصيته ووصيته بكذا وأوصيت ووصيت له
وأوصيت إليه: جعلته كوصيا.
قلت: وبه ظهر أنه لا فرق في اللغة بين المتعدي بنفسه أو باللام أو بإلى في كلا منها يستعمل
بمعنى جعلته وصيا، وإن التعدي بإلى يستعمل بمعنى تمليك المال، وإن كلا من الوصية والايصاء يأتي
لهما، وأن التفرقة بين المتعدي بالام والمتعدي بإلى اصطلاحية شرعية كما يفهم من الدرر، وبه صرح
الطوري عن بعض المتأخرين، وكأنهم نظروا في ذلك إلى أصل المعنى، فإن معنى أوصيت إليه: عهدت
إليه بأمر أولادي مثلا، ومعنى أوصيت له: ملكت له كذا، فعدوا كلا منهما بما يتعدى به ما تضمنا
معناه.
ثم اعلم: أن جمع وصية وصايا، وأصله وصايي، فقلبت الياء الأولى همزة لوقوعها بعد ألف
مفاعل. ثم أبدلت كسرتها فتحة فانقلبت الياء الأخيرة ألفا ثم أبدلت الهمزة ياء لكراهة وقوعها بين
ألفين. بقي أن عمومه للوصية والايصاء ليس على معنى أنه جمع لهما كما لا يخفى، بل على معنى أن
الوصية تأتي اسما من المتعدي بإلى والمتعدي باللام فجمعت على وصايا مرادا بها كما من المعنيين، فلا
يرد أن ذكر باب الوصي في هذا الكتاب على سبيل التطفل. فليتأمل. قوله: (فحينئذ) تفريع على قوله
: بمعنى ملكه بطريق الوصية والأوضح أن يقول: وهي تمليك بزيادة واو، ويرجع الضمير إلى الوصية
في كلامه ط. قوله: (عينا كان أو دينا) عبارة المنح وغيره: عينا أو منفعة ا ه‍ ح. قوله: (بطريق
التبرع) متعلق بتمليك اه‍ ح. وهذا القيد ذكره الزيلعي تبعا للنهاية. قوله: (ليخرج نحو الاقرار

226
بالدين) أي الاقرار به لأجنبي، وفيه أن القائلين من علمائنا بأن الاقرار إخبار لا تمليك استدلوا بهذه
المسألة، فإنه لو كان تمليكا لزم أن لا ينفذ من كل المال كما أوضحناه في كتاب الاقرار، فحينئذ لا
حاجة لاخراجه لأنه لم يدخل، والتحقيق أن قيد التبرع لاخراج التملك بعوض كالبيع والإجارة، وأنه
احترز بقوله: مضاف إلى ما بعد الموت عن نحو الهبة، فإنها تمليك تبرع للحال. قوله: (كما سيجئ)
أي في أول باب العتق في المرض. قوله: (ولا ينافيه الخ) جواب سؤال يرد على قوله: يعني بطريق
التبرع تقريره ظاهر، وأشار بقوله: فتأمله إلى دقة الجواب، وذلك لان الواجب لحقه تعالى لما سقط
بالموت أشبه التبرع ولم يكن كديون العباد اه‍ ح.
أقول: هذا مبني على أن التبرع: ما إن شاء فعله وإن شاء تركه، وعلى ما قدمناه يراد به ما
كان مجانا لا بمقابلة عوض، وبه يندفع السؤال. قوله: (وهي على ما في المجتبى) عبارته: والوصية
أربعة أقسام واجبة كالوصية برد الودائع والدين المجهولة. ومستحبة كالوصية بالكفارات وفدية الصلاة
والصيام ونحوها. ومباحة كالوصية للأغنياء من الأجانب والأقارب. ومكروهة كالوصية لأهل
الفسوق والمعاصي اه‍. وفيه تأمل لما قاله في البدائع: الوصية بما عليه من الفرائض والواجبات كالحج
والزكاة والكفارات واجبة اه‍. شرنبلالية. ومشى الزيلعي على ما في البدائع. وفي المواهب: تجب
على مديون بما عليه لله تعالى ألا للعباد، وهذا ما مشى عليه المصنف خلافا لما في المجتبى من التفرقة
بين حقوقه تعالى وحقوق العباد، وما مر من سقوط ما وجبت لحقه تعالى بالموت لا يدل على عدم
الوجوب، لان المراد سقوط أدائها، وإلا فهي في ذمته، فقول الشارح على ما في المجتبى: أي من
حيث التقسيم إلى الأربعة. تأمل. قوله: (ومباحة لغني) لعل المراد إذا لم يقصد القربة، أما لو أوصى
له لكونه من أهل العلم أو الصلاح إعانة له أو لكونه رحما كاشحا أو ذا عيال فينبغي ندبها. تأمل. قوله:
(ومكروهة لأهل فسوق) يرد عليه ما في صحيح البخاري: لعل الغني يعتبر فيتصدق، والسارق
يستغني بها عن السرقة، والزانية عن الزنا. وكان مراده ما إذا غلب على ظنه إنه يصرفها للفسوق
والفجور اه‍. رحمتي.
أقول: وظاهر ما مرص أنها صحيحة، لكن سيأتي آخر باب الوصية للأقارب تعليل القول ببطلان
الوصية ما مرص أنها صحيحة، لكن سيأتي تمامه هناك. قوله: (وإلا فمستحبة) أي إذا لم يعرض
لها ما يبطلها. قوله: (ولا تجب الخ) رد على من قال بوجوبها للوالدين والأقربين إذا كانوا ممن لا
يرثون لآية البقرة، وهي قوله تعالى: * (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت) * (البقرة: 180) الآية،
والمراد بآية النساء آية المواريث.
وأخرج البخاري في صحيحه عن عطاء وابن عباس رضي الله تعالى عنهم قال: كان المال للولد،
فكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله ذلك بأحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل
واحد منهما السدس، وروى في السنن مسندا إلى أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث. وأخرجه الترمذي وابن ماجة
وقال الترمذي: حسن. وهذا الحديث مشهور تلقته الأمة بالقبول، ونسخ الكتاب جائز عندنا بمثله.

227
إتقاني. قوله: (سببها ما هو سبب التبرعات) وهو تحصيل ذكر الخير في الدنيا ووصل الدرجات العالية
في العقبي. نهاية. وهذا في المستحبة، أما الواجبة فالظاهر أن سببها سبب الأداء، وهو خطاب الله
تعالى بأداء تلك الواجبات وقد قالوا: إن القضاء يجب بما يجب به الأداء، فتدبر. قوله: (أهلا
للتمليك) الأولى قول النهاية: أهلا للتبرع. قوله: (كما سيجئ) أي بعد نحو ورقة. قوله: (وعدم
استغراقه) أي الموصى به بالدين: أي إلا بإبراء الغرماء. قهستاني. قوله: (كما سيجئ) أي في المتن
قريبا. قوله: (وقتها) أقول في التتارخانية: الموصى له إذا كان معينا من أهل الاستحقاق يعتبر صحة
الايجاب يوم أوصى، ومتى كان غير معين يعتبر صحة الايجاب يوم موت الموصي، فلو أوصى بالثلث
لبني فلان ولم يسمهم ولم يشر إليهم فهي للموجودين عند موت الموصي، وإن سماهم أو أشار إليهم
فالوصية لهم، حتى لو ماتوا بطلت الوصية لان الموصى له معين، فتعتبر صحة الايجاب يوم الوصية ا
ه‍ ملخصا. قوله: (ليشمل الحمل) أي قبل أن تنفخ فيه الروح، إذ بعد النفخ يكون حيا حقيقة اه‍ ح.
قوله: (إيراد الشرنبلالية) حيث قال: يرد عليه الوصية للحمل إذ يشترط وجوده لا حياته، لان
نفخ الروح يكون بعد وجدانه وقتا غير حي اه‍ ح. قوله: (وكونه غير وارث) أي إن كان ثمة وارث
آخر وإلا تصح، كما لو أوصى أحد الزوجين للآخر ولا وارث غيره كما سيجئ قوله: (وقت الموت)
أي لا وقت الوصية، حتى لو أوصى لأخيه وهو وارث ثم ولد له ابن صحت الوصية للأخ، ولو
أوصى لأخيه وله ابن ثم مات الابن قبل موت الموصي بطلت الوصية: زيلعي. قوله: (ولا قاتل) أي
مباشرة كالخاطئ والعامد، بخلاف المتسبب لأنه غير قاتل حقيقة، وهذا إذا كان ثمة وارث، وإلا
صحت وكان القاتل مكلفا، وإلا فتصح للقاتل لو صبيا أو مجنونا كما سيأتي. قوله: (وهل يشترط
كونه) أي كون الموصى له معلوما: أي معينا شخصا كزيد أو نوعا كالمساكين، فلو قال: أوصيت بثلثي
لفلان أو فلان بطلت عنده للجهالة كما سيذكره قبيل وصايا الذمي. وفي الولوالجية: أوصت أن يعتق
عنها أمه بكذا ويعطي لها من الثلث كذا: فإن كانت الأمة معينة جازت الوصيتان، وإلا جازت الوصية
بالعتق دون المال إلا أن تفوض ذلك إلى الوصي وتقول أعطها إن أحببت، فإن محمدا ذكر فيمن أوصى
أن تباع أمته ممن أحببت تجبر الورثة على بيعها ممن أحبت، فإن أبى الرجل أن يأخذها بقيمتها يحط عنه
مقدار ثلث مال الموصي اه‍ ملخصا.
قلت: يؤخذ منه أن الوصية لمجهول تصح عند التخيير، ووجهه ظاهر، فإن هذه الجهالة لا
تفضي إلى المنازعة لا تفارعها بتعيين من له التخيير، بخلاف ما لو قال لرجل أو قال لزيد أو عمرو:
تأمل. قوله: (بعقد) متعلق بالتمليك. قوله: (مالا أو نفعا الخ) تعميم للموصى به. قوله: (أم
معدوما) أي وهو قابل للتمليك بعقد من العقود. قال في النهاية: ولهذا قلنا بأن الوصية بما تثمر

228
نخيلة العام أو أبدا تجوز، وإن كان الموصى به معدوما لأنه يقبل التمليك حال حياة الموصي بعقد
المعاملة، وقلنا بأن وصيته بما تلد أغنامه لا تجوز استحسانا، لأنه لا يقبل التمليك حال حياة الموصي
بعقد من العقود اه‍. وفي القهستاني: الموصى به إذا كان معينا أو غير معين وهو شائع في بعض المال
يشترط وجوده عند الوصية، وإن كان شائعا في كله يشترط عند الموت، كما إذا أوصى بمعز من
غنمي أو من مالي، فإنه يشترط وجود المعز في الأول عند الوصية، وفي الثاني عند الموت اه‍. ومثله في
التتارخانية. ويأتي تمامه في الباب الآتي. قوله: (وأن يكون بمقدار الثلث) أي إن كان ثمة وارث ولم
يجزها بالأكثر، وبما قررناه ظهر أن هذه الشروط بعضها شروط لزوم وهي ما توقفت لحق الغير
ونفذت بإجازته وبعضها شروط لزوم وهي ما توقفت لحق الغير ونفذت بإجازته وبعضها شروط صحة. قوله: (وما يجري مجراه الخ) في الخانية قال: أوصيت لفلان
بكذا ولفلان بكذا وجعلت ربع داري صدقة لفلان، قال محمد: أجيز هذا على الوصية: وقال أبو يوسف في سؤال عرض عليه، وأما قوله: جعلت هو وصية لا يشترط فيها القبض والافراز اه‍
ملخصا.
وفي النهاية: وأما بيان الألفاظ المستعملة فيها، ففي النوادر عن محمد: إذا قال اشهدوا أني
أوصيت لفلان بألف درهم وأوصيت أن لفلان في مالي ألف درهم، فالأولى وصية والأخرى إقرار،
وفي الأصل قوله: سدس داري لفلان وصية، وقوله لفلان سدس في داري إقرار، وعلى هذا قوله
: لفلان ألف درهم من مالي وصية استحسانا إذا كان في ذكر وصيته، وفي مالي إقرار، وإذا كتب وصيته
بيده ثم قال: اشهدوا علي في هذا الكتاب جاز استحسانا، وإن كتبها غيره لم يجز إه‍ ملخصا. قوله:
(وفي البدائع الخ) عبارتها على ما في الشرنبلالية. وأما ركن الوصية فقد اختلف فيه. قال أصحابنا
الثلاثة: أي الامام وصاحباه: هو الايجاب والقبول، والايجاب من الموصي والقبول من الموصى له، فما
لم يوجد جميعا لا يتم الركن. وإن شئت قلت: ركن لوصية الايجاب من الموصي، وعدم الرد من
الموصى له، وهو أن يقع اليأس عن رده، هذا أشمل لتخريج المسائل. وقال زفر: الركن هو الايجاب
من الموصي فقط اه‍. وكلام المصنف تبعا لشراح الهداية يشير إلى أن القبول شرط لا ركن، وما في
البدائع هو الموافق لما يذكرونه في سائر العقود كالبيع ونحوه من أن الركن كل منهما. قوله: (قلت
الخ) عزاه في الشرنبلالية إلى الخلاصة، والظاهر أن المراد بالقبول دلالة عدم الرد فهو بمعنى ما قدمناه
عن البدائع من قوله: وإن شئت قلت الخ، ثم المعتبر في القبول والرد ما بعد الموت لا ما قبله كما
سيأتي. قوله: (بأن يموت الخ) تصوير للدلالة، ومثله الوصية للحمل، وبقي لو الموصى له غير معين
كالفقراء، والظاهر أن القبول غير شرط أو هو موجود دلالة. تأمل. قوله: (كما سيجئ) أي في
الورقة الثانية. قوله: (وحكمها الخ) هذا في جانب الموصى له، أما في جانب الموصي فقد مر أنها
أربعة أقسام: أفاده في الشرنبلالية. قال ط: وفيه أن المراد بالحكم هنا الأثر المترتب على الشئ وفيما
مر ما يعبر عنه بالصفة. قوله: (عند عدم المانع) أي من قتل أو حرابة أو استغراق بالدين أو نحو

229
ذلك. قوله: (لا الزيادة عليه الخ) فإذا أوصى بما زاد على الثلث ولم يكن إلا وارث يرد عليه وأجازها
فالبقية له، وإن أجاز من لا يرد عليه ففرضه في البقية وباقيها لبيت المال، فلو أوصى بثلثي ماله
وأجازت الزوجة فلها ربع الثلث واحد من اثني عشر مخرج الثلثين وربع الباقي، ولبيت المال ثلاثة
ولزيد ثمانية. وتمامه في شرح السائحاني على منظومة ابن الشحنة في الفرائض. وإن لم تجز وأوصى لها
أيضا أو لا فقد أوضحه في الجوهرة، فراجعها. قوله: (إلا أن يجيز ورثته الخ) أي بعد العلم بما
أوصى به، أما إذا علموا أنه أوصى ولا يعلمون ما أوصى به فقالوا أجزنا ذلك لا تصح
إجازتهم. خانية عن المنتقى. ونقل السائحاني عن المقدسي: إذا جاز بعض الورثة جاز عليه بقدر
حصته لو أجازت كل الورثة، حتى لو أوصى لرجل بالنصف وأجاز أحد وارثين مستويين كان للمجيز
الربع ولرفيقه الثلث وللوصي له الثلث الأصلي ونصف السدس من قبل المجيز اه‍. ومثله في غاية
البيان.
تنبيه: إذا صحت الإجازة بعد الموت يتملكه المجاز له من قبل الموصي عندنا، وعند الشافعي من
قبل المجيز كما في الزيلعي، وسيجئ بيان ذلك آخر الباب الآتي. قوله: (ولا تعتبر الخ) أي لأنها قبل
ثبوت الحق لهم، لان ثبوته عند الموت فكان لهم أن يردوه بعد وفاته، بخلاف الإجازة بعد الموت لأنه
بعد ثبوت الحق، وتمامه في المنح. وفي البزازية: تعتبر الإجازة بعد الموت لا قبله، هذا في الوصية،
أما في التصرفات المفيدة لأحكامها كالاعتاق وغيره إذا صدر في مرض الموت وأجازه الوارث قبل
الموت لا رواية فيه عن أصحابنا. قال الامام علاء الدين السمرقندي: أعتق المريض عبده ورضي به
الورثة قبل الموت لا يسعى العبد في شئ. وقد نصوا على أن وارث المجروح إذا عفى عن الجارح
يصح ولا يملك المطالبة بعد موت المجروح اه‍. قوله: (وهم كبار) المراد أن يكونوا من أهل
التصرف. ويأتي تمامه. قوله: (يعني يعتبر الخ) الأنسب جعل هذه مسألة مستقلة فيعبر بالواو ط.
قلت: لعل الشارح يشير إلى أخذ ذلك من عبارة المصنف بجعل الظرف، وهو بعد موته مما
تنازع فيه قوله: تجيز وقوله: ورثته ولما كان فيه خفاء أتى بلفظة يعني تأمل. قوله: (وقت الموت لا
وقت الوصية) لأنها تمليك مضاف إلى من بعد الموت فيعتبر التمليك وقته. زيلعي. وقدمنا عنه التفريع
على ذلك. قوله: (على عكس إقرار المريض) فيعتبر كونه وارثا أو غير وارث عند الاقرار، حتى لو أقر
لغير وارث جاز وإن صار وارثا بعد ذلك، لكن بشرط أن يكون إرثه بسبب حادث بعد الاقرار، كما
لو أقر لأجنبية ثم تزوجها، بخلاف ما إذا كان السبب قائما لكن منه منه مانع ثم زال بعده، كما لو
أقر لابنه الكافر أو العبد ثم أسلم أو عتق فإنه يبطل الاقرار كالوصية والهبة كما سيأتي متنا، فما ذكره
الزيلعي وغيره تبعا للنهاية من أنه لو أقر لابنه العبد لا يبطل بالعتق، لان إرثه بسبب حادث بعد
الاقرار لأنه في المعنى إقرار لمولاه الأجنبي، فقد رده العلامة الإتقاني بأنه سهو لا يصح نقله، فقد
نص على خلافه في الجامع الصغير اه‍.

230
قلت: بل هو مخالف للمتون أيضا كما يأتي على أن كون الإرث فيه بسبب حادث محل نظر. نعم
ذكر في الهداية أنه لو غير مديون يصح وإلا فلا وسيأتي، فتدبر. قوله: (ولو عند غني ورثته الخ)
أشار بزيادة لو الوصيلة إلى أن الوصية بما دون الثلث عند عدم الغني أو الاستغناء مستحبة أيضا،
وهو كذلك لما قال في الهداية: ويستحب أن يوصي بدون الثلث سواء كانت الورثة أغنياء أو فقراء،
لان في التنقيص صلة القريب بترك ما له عليهم، بخلاف استكماله الثلث لأنه استيفاء تمام حقه فلا
صلة، ثم هل الوصية بأقل من الثلث أولى أم تركها؟ قالوا: إن كانت الورثة فقراء ولا يستغنون بما
يرثون فالترك أولى لما في من الصدقة على القريب، وقد قال عليه الصلاة والسلام: أفضل الصدقة على
ذي الرحم الكاشح ولأن فيه رعاية حق الفقر والقرابة جميعا، وإن كانوا أغنياء أو يستغنون بنصيبهم
فالوصية أولى، لأنه يكون صدقة على الأجنبي، والترك هبة من القريب، والأول أولى لأنه يبتغي بها
وجه الله تعالى، وقد قيل في هذا الوجه: يخير لاشتمال كل على فضيلة وهو الصدقة أو الصلة اه‍ كلام
الهداية.
وحاصله: أنه لا تنبغي الوصية بتمام الثلث، بل المستحب التنقيص عنه مطلقا لأنه عليه الصلاة
والسلام قد استكثر الثلث بقوله: والثلث كثير لكن التنقيص عند فقر الورثة وإن كان مستحبا إلا أن
ثمة ما هو أولى منه، وهو الترك أصلا، فإن المستحب تتفاوت درجاته، وكذا المسنون والمكروه
وغيرهما، وبهذا ظهر لك أن إتيان الشارح المحقق بلو الوصيلة موافق للهداية، فافهم. هذا، وفي
القهستاني: إذا كان المال قليلا لا ينبغي أن يوصي على ما قال أبو حنيفة: وهذا إذا كان الأولاد كبارا،
فلو صغارا فالترك أفضل مطلقا على ما روى عن الشيخين كما في قاضيخان إ ه‍. فالتفصيل إنما هو
في الكبار، أما الصغار فترك المال لهم أفضل ولو كانوا أغنياء.
تنبيه: قال في الحاوي القدسي: من لا وارث له ولا دين عليه فالأولى أن يوصي بجميع ماله
بعد التصدق بيده. قوله: (أو استغنائهم بحصتهم) أي صيرورتهم أغنياء بأن يرث كل منهم أربعة
آلاف درهم على ما روى عن الامام، أو يرث عشرة آلاف درهم على ما روى عن الفضلي. قهستاني
عن الظهيرية. واقتصر الإتقاني عن الأول، قوله: (أي غني واستغناء) عبر بالواو إشارة إلى أن المراد
بقوله: بلا إحداهما عدمهما معا، إذ لو وجد أحدهما دون الآخر كان المندوب الفعل لا الترك
فيناقض ما قبله، فتدبر، قوله: (لأنه) أي ترك الوصية. قوله: (كمستأمن) فإنه إذا أوصى بكل ماله
لمسلم أو ذمي جاز، لان المنع عن الوصية بالكل لحق الورثة، ولا حق للورثة في دار الحرب.
ولوالجية. وسيأتي تمامه في باب وصايا الذمي. قوله: (لعدم المزاحم) علة لقوله: وصحت وما بعده.
قوله: (وتكون وصية بالعتق) أي تكون هذه الوصية وصية للعبد بنفسه تصحيحا لها وبما زاد على
قيمته إلى تمام الثلث. قوله: (فإن خرج من الثلث الخ) فيه إجمال، وبيانه ما نقله ط عن الهندية عن
البدائع: إن كان المال دراهم ألا دنانير وقيمة ثلثي العبد مثل ما وجب له صار قصاصا، ولو في المال
زيادة دفعت إليه أو في ثلثي العبد زيادة دفعت إلى الورثة، وإن كان عروضا لا يصير قصاصا إلا

231
بالتراضي، لاختلاف الجنس، ويسعى في ثلثي قيمته وله ثلث سائر أمواله، وهذا عنده، وأما عندهما
فكله مدبر، فيعتق كله مقدما على سائر الوصايا، فإن زاد الثلث على قيمته دفع الورثة إليه، وإن قيمته
أكثر سعى في الفضل اه‍ ملخصا.
قلت: والخلاف مبني على تجزي الاعتاق وعدمه كما في شرح المجمع، وأشار بتقدم العتق على
سائر الوصايا إلى ثمرة الخلاف، وأوضحها في العزمية بما إذا أوصى بثلث ماله لقنه الذي قيمته ألف
درهم وأوصى بثلثي ألق درهم للفقراء ومات وترك العبد وألفي درهم عنق عنده ثلث العبد مجانا
والثلثان من قيمته بين العبد والفقراء سوية ويدفع العبد للفقراء ثلث قيمته، وعندهما: يعتق أولا كل
العبد مجانا ولا شئ للفقراء إ ه‍ فتأمل. ثم إن ظاهره أن كون هذه وصية بالعتق مبني على قولهما.
تأمل. قوله: (أو بدنانير الخ) لو صدر بلا فقال لا بدنانير لكان أوضح، والمراد بالمرسلة كما سيذكره
الشارح في الباب الآتي المطلقة غير المقيدة بثلث أو نصف أو نحوهما اه‍: أي كما إذا قال بمائة مثلا،
فافهم. قوله: (وصحت لمكاتب نفسه) إذا لم يعجز نفسه ولو بعد موت السيد، أما إذا عجز نفسه
فهل يكون في حكم الوصية للملوك؟ حرره نقلا اه‍. قوله: (أو لمدبره أو لام ولده) لان نفاذها
بعد موت السيد وهما حينئذ حران اه‍ ط. قوله: (لا لمكاتب وارثه) لأنه عند موت الموصي باق على
ملك الوارث، فتكون وصية للوارث. تأمل. وفي القهستاني: لا تصح لعبد وارثه ومدبره وأم ولده،
لأنه وصية للوارث حقيقة، بخلاف الوصية لابن وارثه كما في النظم اه‍. قوله: (وصحت للحمل)
لأنها استخلاف من وجه، لأنه يجعله خليفة في بعض ماله والجنين يصلح في خليفة في الإرث، فكذا في
الوصية ولا يقال: شرطها القبول والجنين ليس من أهله لأنها تشبه الهبة والميراث، فلشبهها بالهبة
يشترط القبول إذا أمكن، ولشبهها بالميراث يسقط إذا لم يمكن عملا بالشبهين، ولهذا يسقط بموت
الموصى له قبل القبول. زيلعي. قوله: (وبه) أي بالحمل لأنه يجري فيه الإرث، فتجري فيه الوصية
أيضا لأنها أخته. زيلعي. وهذا إذا لم يكن الحمل من المولى. إتقاني. وأشار إليه الشارح.
تنبيه: قدمنا في باب اللعان عن فتح القدير أن توريث الحمل والوصية به وله لا يثبتان إلا بعد
الانفصال، فيثبتان للولد لا للحمل اه‍.
أقول: والمراد ثبوت حكمهما، وإلا فهما ثابتان قبل ذلك فلا ينافي كلامهم هنا.
فرع: في الظهيرية: لو أعتق الورثة الحمل الموصى به حاز إعتاقهم ويضمنون قيمته يوم الولادة ا
ه‍.
أقول: ووجهه ما علمت أن الوصية به لا يثبت حكمها إلا بعد الولادة فهو قبلها على ملك
الورثة تبعا لامه، وبالولادة ثبت حق الموصى له وقد أتلفوه عليه فضمنوا قيمته وقتها. تأمل. قوله:
(لأقل من ستة أشهر) إذ لو ولد لستة أشهر أو لأكثر احتمل وجوده وعدمه فلا تصح. أفاده الإتقاني.
قوله: (ولو ميتا) مثل الموت الطلاق البائن ط.

232
أقول: ومثله لو أقر الموصي بأنها حامل فتثبت الوصية له إن وضعته ما بين سنتين من يوم
أوصى، لان وجوده في البطن عند الوصية ثبت بإقرار الموصي، فإنه غير متهم فيه لأنه موجب له ما
هو خالص حقه بناء على هذا الاقرار وهو الثلث، فيلحق بما لو صار معلوما يقينا بأن وضعته لأقل من
ستة أشهر اه‍. كذا نقله شيخ مشايخنا العلامة محمد التافلاتي الحنفي مفتي القدس الشريف عن مبسوط
السرخسي. قوله: (فلأقل من سنتين) أي من وقت الموت أو الطلاق ولو كان لأكثر من ستة أشهر من
وقت الوصية ط. قوله: (ولا فرق) أي في صحة الوصية للحمل أو به. قوله: (لينفق عليه) قيد به لما
سيأتي من قوله: أوصى بهذا التبن لدواب فلان فإن الوصية باطلة، ولو قال: يعلف بها دواب فلان جاز.
قوله: (صح) أي إذا قبل فلان. إتقاني. لأنها وصية له كما سيأتي. قوله: (ومدة الحمل) أي أقل مدته
وهو صريح ما في القهستاني ط. قوله: (وللفيل إحدى عشرة سنة) الذي رأيته في نسختي القهستاني
أحد عشر شهرا، فلتراجع نسخة أخرى. قوله: (وعليه المتون) أفاد بذلك اعتماده ط. قوله: (وفي
الكافي الخ) أقول: هذا الذي ينبغي اعتماده، فإن أصحاب المتون كما صرحوا بما مرص فقد صرحوا
أيضا في آخر باب الوصية بالخدمة بأنه لو أوصى بصوف غنمه وولدها: أي الحمل له الموجود عند
موته، وأقره الشارح فهو مخصص لاطلاقهم هنا، فافهم. قوله: (إن كان له) أي إن كان الايصاء
للحمل لما مر أن من الشرائط كون الموصى له موجود وقت الوصية، ولا يتيقن بوجوده إلا إذا ولد لأقل من ستة أشهر من وقتها. قوله: إن كان به لما قدمناه عن النهاية من أن الموصى به إن كان
معدوما لا بد من أن يكون قابلا للتمليك بعقد من العقود، ولذا لم تجز الوصية بما تلد أغنامه. قوله:
(لعدم قبضه) بيان للفرق بين الوصية والهبة، فإن الهبة تمليك محض، والملك بالهبة إنما يثبت بالقبض
والجنين غير صالح لذلك. أفاده في العناية. أما الوصية فهي تمليك من وجه واستخلاف من وجه كما
قدمنا. قوله: (لأنه لا ولاية للأب على الجنين) لان ثبوت الولاية لحاجة المولى عليه إلى النظر ولا حاجة
للجنين إلى ذلك، ولأن الجنين في حكم جزء من أجزاء الام، وكما لا يثبت للأب الولاية على الام
فكذلك على ما هو من أجزائها، وكذلك الام لو كانت هي التي صالحت لان الأبوة في الولاية أقوى،
فإذا كانت لا تثبت للأب فالأم أولى، والجنين وإن كان بمنزلة جزء منها من وجه فهو في الحقيقة نفس
مودعة فيها، فلاعتبار معنى النفسية صحت الوصية، والوصية للاجزاء لا تصح، ولا يمكن تصحيح
هذا الصلح من الام باعتبار الجزئية لهذا المعنى اه‍. تافلاتي عن المبسوط. قوله: (قلت وبه علم الخ)

233
هو للمصنف في المنح ط. وفي حاشية الأشباه للحموي في قاعدة التابع تابع: ينبغي أن يقال إن كان
شيئا يخشى عليه التلف فللمولى بيعه، وإلا فإن كان حيوانا فكذلك لان مؤنته تستغرقه بالنفقة، ولو
عقارا فلا، هذا ما ظهر لي تفقها والقواعد تقتضيه اه‍. قوله: (بل قالوا الخ) إضراب انتقالي، فإنه أفاد
أنه لا تثبت الولاية عليه أصلا فضلا عن صحة التصرف وعدمها، فافهم. قال الرملي: والنقل في عدم
ولاية الأب والوصي على الجنين متظاهر كثير اه‍.
تنبيه: أفتى في الحامدية أخذا مما هنا بأنه لا يصح نصب الأب وصيا على حمله، لكن في الأشباه
أول كتاب البيوع: ينبغي أن يصح الوقف عليه كالوصية. قال الحموي عليه. فأفاد أنه يصح
نصب وصي عليه وهو موافق لبحثه المار، وبه أفتى العلامة ابن الشلبي مستندا إلى قولهم: إن الوقف
على الحادثين من أولاده صحيح، وقولهم: إن الوقف أخو الوصية، فحيث دخلوا في الوقف دخلوا
فيها أيضا.
أقول: فيه نظر، فإن الظاهر أن مرادهم الوصية التي هي التمليك، فإن الوقف أخوها لأنه
تصدق بالمنفعة، والكلام في نصب الوصي على الحمل وذلك لا يشبه الوقف عليه كما لا يخفى، وبه
ظهر ما في كلام الحموي السابق، هذا ولمولانا الشيخ محمد التافلاتي رسالة في هذه المسألة وفق فيها
بأنه صحيح، ولكنه موقوف إلى الولادة أخذا مما قدمناه عن فتح القدير من أن توريثه والوصية به له
موقوفان إليها أيضا. والله تعالى أعلم. قوله: (وصحت بالأمة إلا حملها) يعني إذا قال: أوصيت بهذه
الأمة إلا حملها صحت الوصية والاستثناء أيضا، وهو منقطع بمعنى لكن لان الحمل لا يتناوله اسم
الأمة لفظا وإنما يستحق بالاطلاق تبعا. وتمامه في العناية. قوله: (صح استثناؤه منه) أي والحمل
يصح إفراده بالوصية، فكذا استثناؤه منها. زيلعي. قوله: (لا حربي في داره) أي وإن أجازت الورثة
لنهينا عن برهم بقوله تعالى: * (إنما ينهاكم الله) * (الممتحنة: 9) الآية فعدم الجواز لحق الشرع لا لحق
الورثة، بخلاف الوصية للوارث أو للأجنبي بما زاد على الثلث فإنه لحق الورثة، لان الحربي في داره
كالميت في حقنا والصية للميت باطلة. ونص محمد في الأصل على عدم جواز الوصية للحربي
صريحا، وكذا في الجامع الصغير، وذكر شراحه أن في السير الكبير ما يدل على الجواز، ورده العلامة
قاضي زاده بأن لفظ السير الكبير: لو أوصى مسلم لحربي والحربي في دار الحرب لا يجوز، واعترضه
في العزمية بأن ناقلي الجواز مؤتمنون في الاخذ والنقل. وذكر العلامة جوى زاده أن مرادهم بما يدل
على الجواز ما ذكره في شرح السير الكبير للسرخسي بقوله: لا بأس أن يصل الرجل المسلم المشرك
قريبا كان أو بعيدا محاربا كان أو ذميا، واستدل عليه بأحاديث منها: أنه بعث رسول الله صلى الله عليه وآله خمسمائة
دينار إلى مكة حين قحطوا وأمر بدفع ذلك إلى أبي سفيان بن حرب وصفوان ابن أمية ليفرقا على فقراء
أهل مكة، فقبل ذلك أبو سفيان وأبي صفوان. قال: وبه تأخذ، لان صلة الرحم محمودة عند كل
عاقل وفي كل دين والاهداء إلى الغير من مكارم الأخلاق، قال صلى الله عليه وآله: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)
فعرفنا أن ذلك حسن في حق المسلمين والمشركين جميعا اه‍.
فالخلاف في جواز صلة الحربي وعدمه لا في جواز الوصية وعدمه اه‍ ملخصا. وتمامه في
الشرنبلالية.

234
والحاصل: أن التعليل بأن الحربي كالميت اقتضى عدم جواز الوصية له، والتعليل بالنهي اقتضى
عدم جواز كل من الوصية والصلة، وما في السير دل على جواز الصلة دون الوصية خلافا لما فهمه
شراح الجامع، فصار الخلاف في جواز الصلة فقط.
أقول: وقد رأيت نص الإمام محمد على جواز الهدية حيث قال في موطئه في باب ما يكره من
لبس الحرير والديباج: ولا بأس أيضا بالهدية إلى المشرك المحارب ما لم يهد إليه سلاح أو درع، وهو
قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا اه‍. قوله: (لان المستأمن كالذمي) فإذا أوصى لمسلم أو ذمي بجميع
ماله جاز كما مر، ويأتي تمامه. قوله: (كما أفاده المنلا) في بعض النسخ المنلا خسرو. قوله: (ولا
لوارثه) أي الوارث وقت الموت كما مر بيانه. قال القهستاني: واعلم أن الناطفي ذكر عن بعض أشياخه
أن المريض إذا عين لواحد من الورثة شيئا كالدار على أن لا يكون له في سائر التركة حق يجوز. وقيل
هذا إذا رضي ذلك الوارث به بعد موته، فحينئذ يكون تعيين الميت كتعيين باقي الورثة معه كما في
الجواهر اه‍.
قلت: وحكى القولين في جامع الفصولين فقال: قيل جاز، وبه أفتى بعضهم وقيل: لا اه‍.
فرع: قال في البزازية وفي العتابي اجتمع قرابة المريض عنده يأكلون من ماله: إن كانوا ورثة لم
يجز إلا أن يحتاج المريض إليهم لتعاهده فيأكلون مع عياله بلا إسراف، وإن لم يكونوا ورثة جاز من ثلث
ماله لو بأمر المريض اه‍. قوله: (وقاتله مباشرة) لقوله عليه الصلاة والسلام: لا وصية لقاتل ولأنه
استعجل ما أخره الله فيحرم الوصية كالميراث، سواء أوصى له قبل القتل ثم قتله، أو أوصى له بعد
الجرح لاطلاق الحديث. زيلعي.
أقول: والمراد بالاستعجال ما يظهر من حال القاتل، وإلا فمذهب أهل الحق أن المقتول ميت بأجله. تأمل.
فرع: جرحه رجل وقتله آخر جازت للجارح، لأنه ليس بقاتل. ولولوالجية. قوله: (لا تسببا)
كحافر البئر وواضع الحجر في غير ملكه لأنه غير قاتل حقيقة. قوله: (كما مر) أي في كتاب
الجنايات. قوله: (إلا بإجازة ورثته) الاستثناء متعلق بالمسألتين. قال في البرهان: الوصية للقاتل تجوز
بإجازة الورثة عندهما، وقال أبو يوسف: لا تجوز، والخلاف في غير قتله عمدا بعد الوصية، فإنها
تكون ملغاة بالاتفاق. شرنبلالية. قوله: (وسنحققه) أي قريبا. قوله: (وإجازة المريض كابتداء وصية)
فإذا كان وارث الموصي مريضا فأجاز الوصية هو بالغ عاقل: إن برئ صحت إجازته وإن مات من
ذلك المرض، فإن كان الموصى له وارثه لا تجوز إجازته إلا أن تجيزه ورثة المريض بعد موته، وإن كان
أجنبيا تجوز إجازته ويعتبر ذلك من الثلث. منح. قوله: (جاز على المجيز الخ) بأن يقدر في حق المجيز
كأن كلهم أجازوا وفي حق غيره كأن كلهم لم يجيزوا، وقدمنا بيانه عن المقدسي. قوله: (أو يكون)

235
بالنصب عطفا على قوله بإجازة ورثته، لأنه في تأويل أن يجيز. قوله: (لأنهما ليسا أهلا للعقوبة) ولذا
لم يحرما الميراث، وهذا التعليل ذكره الشرنبلالي بحثا منه ولي فيه نظر، إذ لو كانت العلة في الكبير
العقوبة لم تجز الوصية بالإجازة كالميراث. نعم هو ظاهر على قول أبي يوسف بأنها لا تجوز للقاتل، وأن
أجازها الورثة، وعللوا له بأن جنايته باقي والامتناع لأجلها عقوبة له، وأما عندهما فهو لحق الورثة
دفعا للغيظ عنهم حتى لا يشاركهم في مال من سعى في قتله، وهذا ينعدم بإجازتهم والصبي بمعزل
من الغيظ، فلم يثبت في حقه ما ثبت في حق البالغ. كذا في الكفاية وغيرها. قوله: (أي سوى
الموصى له) تفسير للضمير في سواه وقوله: القاتل أو الوارث بدل من الموصى له. قوله: (حتى لو
أوصى الخ) تفريع على قوله: أو الوارث. وفي القهستاني: ولو أوصى لقتله ولا وارث له صحت
الوصية له، وهذا عند الطرفين. قوله: (فلها ربعهما) لان الإرث بعد الوصية ففرضها ربع الثلثين
الباقيين. قوله: (فله الثلث) وهو نصف الباقي.
فرع: ترك امرأة وأوصى لها بالنصف ولأجنبي بالنصف: يعطي للأجنبي أولا الثلث وللمرأة
ربع الباقي إرثا والباقي يقسم بينهما على قدر حقوقهما. تتارخانية. وفيها: تركت زوجها فقط وقد
كانت أوصت لأجنبي بالنصف فللموصى له نصف المال وللزوج الثلث والسدس لبيت المال اه‍. ولو
أوصى لكل منهما بالكل فقد أوضحه في الجوهرة. قوله: (إلا في تجهيزه وأمر دفنه) لكنه تراعى فيه
المصلحة لما قال في الخلاصة عن الروضة: لو أوصى بأن يكفن بألف دينار يكفن بكفن وسط، ولو
أوصى بأن يكفن في ثوبين لا يراعى شرائط الوصية، لو أوصى بأن يكفن في خمسة أثواب أو ستة
أثواب يراعي شرائطه، ولو أوصى بأن يدفن في مقبرة كذا بقرب فلان الزاهد تراعى شرائطه إن لم يلزم
في التركة مؤنة الحمل، ولو أوصى بأن يدفن مع فلان في قبر واحد لا يراعى شرطه اه‍. شرنبلالية.
أقول: وظاهر كلامه يوهم أن صاحب الخلاصة ذكر المسألة في وصية الصبي، وليس كذلك،
بل عبارة الخلاصة مطلقة ومثلها في البزازية. قوله: (وعليه تحمل إجازة عمر الخ) قال في العناية:
والأثر محمول على أنه كان قريب العهد بالحلم: يعني كان بالغا لم يمض على بلوغه زمان كثير ومثله
يسمى يافعا مجازا، أو كانت وصيته في تجهيزه وأمر دفنه، ورد بأنه صح في رواية الحديث أنه كان
غلاما لم يحتلم، وأنه أوصى لابنة عم له بمال فكيف يصح التأويل؟ قال الطحاوي: والاحتجاج بهذا

236
الأثر لا يصح من الشافعي لأنه مرسل، عندنا المرسل وإن كان حجة لكن هذا مخالف قوله عليه
الصلاة والسلام: رفع القلم عن ثلاث وفيه نظر، لان المراد بالقلم التكليف وما نحن فيه ليس منه.
وقال ابن حزم: وهو مخالف لقوله تعالى: * (وابتلوا اليتامى) * (النساء: 6)
الآية، فإنها تدل على أن الصبي
ممنوع من ماله اه‍ ملخصا.
أقول: قد يقال رفع التكليف دليل الحجر عن الأقوال والتصرفات فإن ذلك لازم له شرعا.
تأمل. قوله: (يعني المراهق) تفسير ليافع، والمراهق قارب البلوغ، وهذا التفسير موافق لما في
المغرب. قوله: (وقيل عندهما الخ) هذا الخلاف فيما إذا أوصى بثلث ماله مثلا، أما لو أوصى بعين من
ماله فلا تصح إجماعا، كما أنه يصح إجماعا إذا أضاف الوصية إلى ما يملكه بعد العتق، والدليل مذكور
في المطولات ط. قوله: (إلا إذا أضافها) بأن قال: إذا عتقت فثلث مالي وصية لفلان أو أوصيت بثلث
مالي له، حتى لو عتق قبل الموت بأداء بدل الكتابة أو غيره ثم مات، كان للموصى له ثلث ماله، وإن
لم يعتق حتى مات عن وفاء بطلت الوصية لان الملك له حقيقة لم يوجد. زيلعي. قوله: (وعبارة الدرر
أضافاها) كأن نسخته كذلك، وإلا فالذي رأيته فيها كعبارة المصنف. قوله: (لزوال المانع الخ) بيان
لوجه المخالفة بينهما وبين الصبي، فإن أهليتهما كاملة، وإنما منه لحق المولى فتصح إضافتهما إلى حال
سقوط حق المولى، أما الصبي فأهليته قاصرة، فليس بأهل لقول ملزم، فلا يملكه تنجيزا ولا تعليقا.
قوله: (بالإشارة) متعلق بتصح المقدر بعد أداة النفي. قوله: (وقيل: إن امتدت لموته جاز) قال في
الكفاية: وذكر الحاكم رواية عن أبي حنيفة: إن دامت العقلة إلى الموت يجوز إقراره بالإشارة والاشهاد
عليه، لأنه عجز عن النطق بمعنى لا يرجى زواله فكان كالأخرس قالوا: وعليه الفتوى. اه‍.
قال السائحاني: سواء طالت المدة أو قصرت، والقول الأول مشروط بالامتداد سنة وإن لم يتصل
بها الموت، وهذا ما يظهر من كلامهم. قوله: (درر) وبه جزم في متن المواهب. قوله: (وإنما تملك
بالقبول) دخول على المتن، فإن لم يقبل بعد الموت فهي موقوفة على قبوله، وليست في ملك الوارث
ولا في ملك الموصى له حتى يقبل أو يموت. إتقاني عن مختصر الكرخي. قوله: (ثم هو بل قبول)
أي ولا رد. قوله: (استحسانا) والقياس بطلانها لان تمامها موقوف على القبول، وقد فات وجه
الاستحسان أنها تمت من جهة الموصي تماما لا يلحقه الفسخ، ووقفت على خيار الموصى له فصار كالبيع

237
بالخيار للمشتري لو مات في الثلاث قبل الإجازة يتم والسلعة لورثته، فكذا هنا، فيكون موته بلا رد
كقبوله دلالة. إتقاني.
تنبيه: قال المقدسي: وإذا قبل الموصى له ملك الموصى به، وإلا فلا عند الجمهور إن كان معينا
يمكن قبوله. بخلاف نحو الفقراء وبني هاشم ومصلحة مسجد وحج وغزوة، وفي الظهيرية قال:
أعطوا بعد موتي ثلث مالي مساكين مكة كذا، فلم مات أتى الوصي بالمال إليهم فقالوا: لا نريده وليس
بنا حاجة إليه. قال أبو القاسم: يرد المال إلى الورثة، وإن رجعوا قبل رده للورثة لبطلان حقهم بالرد.
وفي الأشباه: وإذا قبلها ثم ردها على الورثة إن قبلوها انفسخ ملكه وإلا لم يجبروا اه‍، سائحاني.
قوله: (وله الرجوع عنها) لان تمامها بموت الموصي، ولأن القبول يتوقف على الموت، والايجاب المفرد
يجوز إبطاله في المعاوضات كالبيع، ففي التبرع أولى. عناية.
واعلم أن الرجوع في الوصية على أنواع: ما لا يحتمل الفسخ بالقول والفعل كالوصية بعين، وما
يحتمله إلا بالقول كالوصية بالثلث أو الربع، فإنه لو باع أو وهب لن تبطل وتنفذ الوصية من ثلث
الباقي وما لا يحتمله إلا بالفعل كالتدبير المقيد، فلو باعه صح، لكن لو اشتراه عاد لحاله الأول، وما
لا يحتمله بهما كالتدبير المطلق اه‍ ملخصا من الإتقاني والقهستاني. قوله: (أو فعل الخ) هذا رجوع
دلالة والأول صريح، وقد يثبت ضرورة بأن يتغير الموصى به ويتغير اسمه، كما إذا أوصى بعنب في
كرمه فصار زبيبا، أو ببيضة فحضنتها دجاجة حتى أفرخت قبل موت الموصي. وتمامه في الكفاية.
قوله: (بأن يزيل اسمه الخ) كما إذا اتخذ الحديد سيفا أو الصفر آنية، لأنه لما أثر في قطع ملك المالك
فلان يؤثر في المانع أولى. زيلعي. أي في المنع عن حصول الملك للموصى له، وإذا ذبح الشاة الموصى
بها كان مجرد الذبح رجوعا وكان ينبغي عدمه، لأنه نقصان كقطعة الثوب ولم يخطه، وهدم بناء الدار،
ولكن نقول الذبح دليل على استبقائه على ملكه فكان دليل الرجوع، لان اللحم قلما يبقى عادة إلى
وقت الموت. إتقاني. قوله: (كلت السويق الخ) وكالقطن يحشو به والبطانة يبطن بها والظهارة يظهر
بها، لأنه لا يمكن تسليمه بدون الزيادة، ولا يمكن نقضها لأنه حصل في ملك الموصي من جهته.
هداية. وكذا لو زرع فيها شجرا أو كرما لا لو زرع رطبة. خانية. قوله: (لأنه تصرف في التابع) وهو
البناء والتجصيص زينة. إتقاني. وانظر هل تطيين الدار وتكليسها كالبناء أو كالتجصيص؟
ثم رأيت في الخانية ما نصه: وإن طينها يكون رجوعا إذا كان كثيرا اه‍. وتمام ذلك في شرح
الوهبانية فراجعه. قوله: (عطف على بقول) فيه مسامحة لان العطف على المجرور بدون الجار. أفاده.
قوله: (فهو أصل ثالث الخ) يعني أنه قسم ثالث للفعل المفيد للرجوع، خلافا لم يفيده تعبير
المصنف من أنه مقابل للفعل، لكن قال ح: هذا إنما يظهر في عبارة الدرر حيث قال: أو يزيد، ولم

238
يذكر لفظة الصرف، وأما على ذكرها فلا، سواء كان بأو أو بالواو اه‍. قوله: (عاد لملكه ثانيا) أي
بالشراء أو بالرجوع عن الهبة، زيلعي. وهذا في غير المدبر المقيد كقوله: إن مت من مرضي هذا فأنت
حر، فإنه لو باعه ثم اشتراه عاد إلى الحال الأول، كما نقله الإتقاني وقدمناه. قوله: (وكذا إذا خلطه
بغيره بحيث لا يمكن تمييزه) أقول: وكذا إن أمكنه ولكن بعسر كشعير ببر، وكان عليه أن يذكر هذا
عند قول المتن: أو فعل لحق المالك سائحاني. قوله: (لأنه تصرف في التبع) كذا في بعض
النسخ، وفي بعضها: في النفع بالنون والفاء، وعلى كل فالمراد به إزالة الوسخ. وعبارة الهداية: لان
من أراد أن يعطي ثوبه غيره يغسله عادة فكان تقريرا اه‍: أي إبقاء للوصية لا رجوعا عنها. قوله: (لا
يضر أصلا) أي سواء كان قبل القبول أو بعده. زيلعي، لأنه حصل بعد تمامها، لان تمامها بالموت،
كفاية. قوله: (ولا بجحودها) لان الرجوع عن الشئ يقتضي سبق وجوده وجحود الشئ يقتضي
سيق عدمه، إذ الجحود نفي لأصل العقد، فلو كان الجحود رجوعا اقتضى وجود لوصية وعدمها فيما
سبق وهو محال، كفاية. قوله: (وأقره المصنف) قال في شرح الملتقى: ولكن المتون على الأول ولذا
قدمه المصنف على عادته اه‍.
أقول: وأخر في الهداية دليله فكان مختارا له. قال في النهاية: وجزم به في المواهب
والاصلاح. قال في قضاء الفوائت من البحر: وإذا اختلف التصحيح والافتاء فالعمل بما وافق المتون
أولى. قوله: (فحرام أو رياء الخ) لان الوصف يستدعي بقاء الأصل والتأخير ليس للسقوط كتأخير
الدين. زيلعي. قوله: (فكل ذلك رجوع) لان الترك إسقاط والباطل الذاهب المتلاشي، ولأن قوله
(الذي أوصيت به الخ) يدل على قطع الشوكة، بخلاف ما إذا أوصى به لرجل ثم أوصى به لآخر،
لان المحل يحتمل الشركة واللفظ صالح لها. زيلعي. قوله: (لبطلان الثانية) أي لان الأولى إنما تبطل
ضرورة كونها للثاني ولم تكن، فبقي لأول على حاله. زيلعي. قوله: (وتبطل هبة المريض ووصيته الخ)
لان الوصية إيجاب عند الموت وهي وارثة عند ذلك، ولا وصية للوارث، والهبة وإن كانت منجزة
صورة فهي كالمضاف إلى ما بعد الموت حكما، لان حكمها يتقرر عند الموت، إلا ترى أنها تبطل بالدين
المستغرق وعند عدم الدين تعتبر من الثلث. هداية. قوله: (بعدها) كذا في النسخ، والذي رأيته في
المنح بعدهما بضمير التثنية وهي الأنسب. قوله: (لجواز الوصية) أي إثباتا ونفيا. قوله: (وقت الموت

239
الخ) فتصح لو أوصى لزوجته ثم طلقها ثلاثا أو واحدة ومضت عدتها ثم مات الموصي. قهستاني.
قوله: (لأنه يعتبر الخ) لان الاقرار ملزم بنفسه فلا يتوقف إلى شرط زائد، كتوقف الوصية إلى الموت
فيصح إقراره بالدين لأنه حصل لأجنبية. إتقاني. قوله: (فلو أقر لها) أي للمرأة الأجنبية المفهومة من
الكلام، وهو تفريع على قوله: أو غير وارث يوم الاقرار أي جاز الاقرار لها لأنها غير وارثة وقته،
وإن صارت وارثة وقت الموت، وقدمنا أنه يشترط كون الإرث بسبب حادث بعد الاقرار كالتزويج
هنا، بخلاف ما لو كان بسبب قائم وقت الاقرار لكن منع منه مانع ثم زال عند الموت، كما أفاده
بقوله: ويبطل الخ ومثله ما لو أقر لزوجته الكتابية أو الأمة ثم أسلمت قبل موته أو أعتقت لا يصح
الاقرار لقيام السبب حال صدوره كما أفاده الزيلعي. قوله: (أو عبدا) قيد الزيلعي بما إذا كان عليه
دين، لان الاقرار وقع له، وهو وارث عند الموت فيبطل كالوصية، وإن لم يكن عليه دين صح الاقرار
لأنه وقع للمولى، إذ العبد لا يملك اه‍. وعزاه في الهداية إلى كتاب الاقرار، وظاهر ما قدمناه قبل
أوراق عن الزيلعي والنهاية عدم بطلان الاقرار بعتق الابن المقر به مطلقا وقدمنا ما فيه. فتنبه. قوله:
(لقيام النبوة وقت الاقرار) علة لبطلان الاقرار، وأما الوصية والهبة فلان المعتبر فيهما وقت الموت كما
قدمه، وقد صار الابن وارثا وقته فبطلا. قوله: (وهبة مقعد الخ) المقعد بضم ففتح: من لا يقدر على
القيام، والمفلوج: من ذهب نصفه وبطل عن الحس والحركة، والأشل: من شلت يده. عناية. قوله:
(به علة السل) هو أولى مما في النهاية عن المغرب من أن المسلول من سلت خصيتاه لما قال الإتقاني إنه
لا يناسب هنا، لأنه بعد تطاول الزمان لا يسمى مريضا أصلا. قوله: (إن طالت مدته سنة) هذا على
ما قاله أصحابنا، وبعضهم قالوا: إن عد في العرف تطاولا فتطاول، وإلا فلا. قهستاني. قوله: (ولم
يخف موته منه) هذه الجملة وقعت موضحة للجملة الشرطية. حموي عن المفتاح اه‍ ط. ثم المراد من
الخوف الغالب منه لا نفس الخوف. كفاية وفسر القهستاني عدم الخوف بأن لا يزداد ما به وقتا فوقتا ا
ه‍. لأنه إذا تقادم العهد صار طبعا من طباعه كالعمى والعرج، وهذا لان المانع من التصرف مرض
الموت، وهو ما يكون سببا للموت غالبا، وإنما يكون كذلك إذا كان بحيث يزداد حالا فحالا إلى أن
* ويمون آخره الموت، وأما إذا استحكم وصار بحيث لا يزداد ولا يخاف منه الموت لا يكون سببا ل
لموت، كالعمى ونحوه إذ لا يخاف منه، ولهذا لا يشتغل بالتداوي اه‍. زيلعي وغيره. قوله: (وإلا
تطل وخيف موته) عبارة القهستاني: وإلا يكن واحد منهما بأن لم تطل مدته بأن مات قبل سنة أو
خيف موته بأن يزداد ما به يوما فيوما اه‍. ومفهومه أنه إذا لم تطل ولم يخف موته فهو من الثلث،
ويخالفه عبارة الزيلعي ونصها: أي إن لم يتطاول يعتبر تصرفه من الثلث إذا كان صاحب فراش، ومات
منه في أيامه لأنه في ابتدائه يخاف منه الموت، ولهذا يتداوى فيكون مرض الموت، وإن صار صاحب
فراش بعد التطاول فهو كمرض حادث، حتى تعتبر تصرفاته من الثلث اه‍. وهو الموافق لكلام
الشارح. وبقي ما إذا طال وخيف موته، ومقتضى عبارة القهستاني أنه من الثلث أيضا، وهو المفهوم

240
من تقييد
المصنف ما يكون من كل المال بقوله: ولم يخف موته. قوله: (لأنها أمراض مزمنة) أي طويلة
الزمان وهو تعليل لقوله: من كل ماله فكان ينبغي ذكره قبل قوله: وإلا الخ قال في المنح: وفي
جامع الفصولين: وأما المقعد والمفلوج، قال في الكتاب: إن لم يكن قديما فهو بمنزلة المريض، وإن
كان قديما فهو بمنزلة الصحيح لان هذه علة مزمنة وليست بقاتلة اه‍. قوله: (وعليه اعتمد في
التجريد) وفي المعراج: وسئل صاحب المنظومة عن حد مرض الموت، فقال: كثرت فيه أقوال
المشايخ، واعتمادنا في ذلك على قول الفضل، وهو أن لا يقدر أن يذهب في حوائج نفسه خارج الدار
والمرأة لحاجتها داخل الدار لصعود السطح ونحوه. اه‍. وهذا الذي جرى عليه في باب طلاق المريض،
وصححه الزيلعي.
أقول: والظاهر أنه مقيد بغير الأمراض المزمنة التي طالت، ولم يخف منها الموت كالفالج ونحوه،
وإن صيرته ذا فراش ومنعته عن الذهاب في حوائجه، فلا يخالف ما جرى عليه أصحاب المتون
والشروح هنا. تأمل. قوله: (والمختار الخ) كذا اختياره صاحب الهداية في كتابه التجنيس.
تنبيه: تبرع الحامل حالة الطلق من الثلث، ولو اختلطت الطائفتان للقتال وكل منهما مكافئة
للأخرى أو مقهور فهو في حكم مرض الموت، وإن لم يختلطوا فلا. وراكب البحر إن كان ساكنا
فليس بمخوف، وإن هبت الريح أو اضطرب فهو مخوف. والمحبوس إذا كان من عادته القتل فهو
خائف، وإلا فلا. معراج ملخصا. وتأمله مع ما مر في باب طلاق المريض. قوله: (وإذا اجتمع
الوصايا الخ) اعلم أن الوصايا إما أن كون كلها لله تعالى، أو للعباد، أو يجمع بينهما، وإن اعتبار
التقديم مختص بحقوقه تعالى لكون صاحب الحق واحدا، وأما إذا تعدد فلا يعتبر، فما للعباد خاصة
لا يعتبر فيها التقديم، كما لو أوصى بثلثه لانسان ثم به لآخر، إلا أن ينص على التقديم، أو يكون
البعض عتقا أو محاباة على ما سيأتي، وما لله تعالى: فإن كان كله فرائض كالزكاة والحج، أو واجبات
كالكفارات والنذور وصدقة الفطر، أو تطوعات كالحج والتطوع والصدقة للفقراء يبد بما بدأ به
الميت، وإن اختلطت يبدأ بالفرائض قدمها الموصي أو أخرها، ثم بالواجبات، وما جمع فيه بين حقه
تعالى وحق العباد فإنه يقسم الثلث على جميعها، ويجعل كل جهة من جهات القرب مفردة بالضرب
ولا تجعل فإنه يقسم الثلث على جميعها، ويجعل المقصود بجميعها وجه الله تعالى، فكل واحدة منها في
نفسها مقصودة فتنفرد كوصايا الآدميين، ثم تجمع فيقدم فيها الأهم فالأهم، فلو قال ثلث مالي في
الحج والزكاة ولزيد والكفارات: قسم على أربعة أسهم، ولا يقدم الفرض على حق الآدمي لحاجته،
وإن كان الآدمي غير معين بأن أوصى بالصدقة على الفقراء فلا يقسم، بل يقدم الأقوى فالأقوى،
لان الكل يبقى حقا لله تعالى إذا لم يكن ثم مستحق معين، هذا إذا لم يكن في الوصية عتق منفذ في
المرض أو معلق بالموت كالتدبير ولا محاباة منجزة في المرض، فإن كان بدئ بهما على ما سيأتي
تفصيله في باب العتق في المرض، ثم يصرف الباقي إلى سائر الوصايا اه‍. ملخصا من العناية والنهاية
والتبيين. قوله: (قدم الفرض) كالحج والزكاة والكفارات، لان الفرض أهم من النفل، والظاهر منه
البداءة بالأهم. زيلعي. وأراد بالفرض ما يشمل الواجب بقرينة قوله: والكفارات، لكن الفرض

241
الحقيقي مقدم على الواجب كما مر. وفي القهستاني: فيبدأ بالفرض حق العبد ثم حق الله تعالى ثم
الواجب ثم النفل كما روي عنهم. قوله: (وإن تساوت قوة الخ) قال في الملتقى: وإن تساوت في
الفرضية وغيرها قدم ما قدمه. وقيل: تقدم الزكاة على الحج. وقيل: بالعكس الخ، ومثله في الاختيار
والقهستاني. فأشار إلى أنه لا يقدم بعض الفرائض على البعض بلا تقديم من الموصي إذا تساوت قوة:
أي بأن كانت كلها فرائض حقيقة احترازا عما لو كان فيها واجبات، وإن القول بتقديم بعض
الفرائض على بعض غير معتمد، والقائل بذلك الامام الطحاوي، وبالأول الامام الكرخي، وذكر أنه
قول الكل حيث قال في مختصره: قال هشام عن محمد عن أبي حنيفة وأبي يوسف وهو قول محمد:
كل شئ كان جميعه لله تعالى من الحج والصدقة والعتق وغيره فأوصى به رجل والثلث لا يبلغ ذلك:
فإن كان كله تطوعا بدا بالأول مما نطق به حتى يأتي على آخره أو ينتقص الثلث فيبطل ما بقي،
وكذلك لو كان كله فريضة بدئ بالأول فالأول حتى يكون النقصان على الآخر، وإن كان بعضه
تطوعا وبعضه فريضة أو أوجبه على نفسه بدئ بالفرض أو ما أوجبه على نفسه وإن أخره في نطقه.
قال هشام: إلى هنا قولهم جميعا. وتمامه في غاية البيان. قوله: (قال الزيلعي الخ) أقول: قال الزيلعي
بعد قول الكنز وإن تساوت في
القوة الخ: لان الظاهر من حال المرء أن - يبدأ بما هو الأهم عنده،
والثابت بالظاهر كالثابت نصا، فكأنه نص على تقديمه فتقدم الزكاة على الحج لتعلق حق العبد بها،
وهما على الكفارة لرجحانهما عليها، لأنه جاء من الوعيد فيهما ما لم يأت في غيرهما، وكفارة القتل
والظهار واليمين مقدمة على الفطرة الخ. ومثله في النهاية.
أقول: صدر تقريره موافق لقول الكرخي وآخره لقول الطحاوي، فقد جمع بين القولين مفرعا
أحدهما على الآخر، وقد علمت من عبارة الملتقى تخالفهما، وأن الثاني منهما ضعيف. فتدبر. ولم أر
من أوضح هذا المحل، فتأمل، ثم رأيت الإتقاني قال في غاية البيان: وقال بعضهم: إن كفارة القتل
تقدم على كفارة اليمين لقوتها بشرط الاسلام فيها، ثم كفارة اليمين على كفارة الظهار لوجوبها بهتك
حرمة اسم الله تعالى، والثانية بإيجاب حرمة على نفسه، ولنا فيه نظر لأنه خلاف المنصوص من
الرواية، لأنه لا تقدم الفرائض بعضها على بعض، وكذلك التطوع بل يبدأ بما بدأ به الموصي، وقد
مر نص الكرخي على ذلك، والمعنى في تقديم الزكاة والحج على الكفارات ذكرناه وهو الوعيد، ومثل
هذا لم يوجد في شئ من الكفارات اه‍. وأراد بالبعض صاحب النهاية.
أقول: وتقديم الحج والزكاة على الكفارات ظاهر، لان الكفارات واجبة كما مر لكن الإتقاني
نفسه ذكر أنه تقدم الكفارات على الفطرة والفطرة على الأضحية كما فعل الزيلعي والشارح، ولعله بناه
على قول الطحاوي، وعليه لا مانع من تقديم بعض الكفارات على بعض إذا وجد المرجح، كما فعله
صاحب النهاية وتبعه الزيلعي وبه يسقط النظر، فتدبر. قوله: (يبدأ بكفارة قتل ثم يمين ثم ظهار)
تقدم وجه ترتيبها. قوله: (ثم إفطار الخ) مخالف لما في النهاية من تقديم الفطرة لوجوبها بالاجماع
وبأخبار مستفيضة على كفارة الافطار لثبوتها بخبر الواحد وعلى النذر، لأنها بإيجاب الله تعالى، فتقدم

242
على ما يجب بإيجاب العبد والنذر على الأضحية للاختلاف في وجوبها دون وجوبه. قوله: (وقدم
العشر) لعله لاشتماله على حق الله تعالى والعباد، بخلاف الخراج فإنه قصر على الثاني ط. قوله: (إن
حج النفل أفضل من الصدقة) يشير إلى تقديمه عليها وإن أخره الموصي، لكن في العناية والنهاية أن ما
ليس بواجب قدم فيه ما قدمه كحج تطوع وعتق نسمة غير معينة وصدقة على الفقراء، وهو ظاهر
الرواية. وروى الحسن عن أصحابنا أنه يبدأ بالأفضل فالأفضل، يبدأ بالصدقة ثم الحج ثم العتق اه‍.
وقوله: يبدأ بالصدقة ثم الحج مبني على ما كان يقوله الامام أولا، ولما شاهد مشقة الحج رجع، فإن حج
بمقدار ما يريد إنفاقه كان أفضل. قوله: (أحج عنه) بالبناء للمفعول. قوله: (راكبا) لأنه لا يلزم أن
يحج ماشيا فوجب عليه الاحجاج على الوجه الذي لزمه. زيلعي. قوله: (فلو لم تبلغ النفقة الخ) ومثله
بالأولى ما في القهستاني أيضا: لو كان في المال المدفوع وفاء بالركوب فمشى واستبقى النفقة لنفسه فهو
مخالف ضامن للنفقة لأنه لم يحصل ثوابها له اه‍. قوله: (أنا أحج عنه) أي من بلده. قوله: (وإن مات
حاج في طريقه الخ) قدم الشارح في باب الحج عن عن الغير أنه إنما تجب الوصية به إذا أخره بعد
وجوبه، أما إذا حج من عامة فلا. قوله: (من بلده) لان الواجب عليه أن يحج من بلده والوصية لأداء
ما هو الواجب عليه. زيلعي. فإن أحج الوصي من غير بلده يضمن، إلا أن يكون ذلك المكان بحيث
يبلغ إليه ويرجع إلى الوطن قبل الليل اه‍. مناسك السندي. وفيها: لو وصى أن يحج من غير بلده
يحج عنه كما أوصى قرب من مكة أو بعد اه‍.
قلت: والظاهر أن الموصي يأثم بذلك لتركه الواجب عليه، ومثله لو أوصى بما لا يكفي
للاحجاج من بلده. تأمل. قوله: (عليه المتون) وهو الصحيح، واختاره المحبوبي والنسفي وصدر
الشريعة وغيرهم اه‍ قاسم. قوله: (فافهم) يشير إلى أنه مما خرج من قاعدة تقديم الاستحسان على
القياس. قوله: (ومن لا وطن له الخ) ولو له أوطان فمن أقربها إلى مكة، وإن مكيا فمات بخراسان
فمن مكة، إلا أن يوصي بالقران فمن خراسان. جوهرة.
فرع: قال أحجوا عني بثلث مالي أو بألف وهو يبلغ حججا: فإن صرح بواحدة اتبع ورد الفضل
إلى الورثة، وإلا حج عنه حججا في سنة واحدة وهو الأفضل، أو في كل سنة اه‍ سندي. قوله:

243
(بطلت الوصية) لان العبد المشتري بالكل مغاير لما اشترى بالثلث. درر. ونظيره يقال فيما بعد ط.
قوله: (فصار معتوها الخ) عبارة الخانية: فصار معتوها فمكس كذلك زمانا ثم مات بعد ذلك، قال
محمد: وصيته باطلة اه‍. وانظر هل تعتبر فيه المدة المعتبرة في الجون والظاهر نعم إذ لا فرق بينهما،
ولأن الزمان منكرا ستة أشهر. تأمل. قوله: (في قول أبي حنيفة) الاقتصار عليه يدل على اعتماده ط.
وفي الظهيرية: قال أوصيت بثلث مالي لله تعالى فالوصية باطلة في قول أبي حنيفة، وقال محمد:
جائزة، ويصرف إلى وجوده البر، وبه يفتى اه‍. قوله: (فإن الوصية باطلة) لأنها ليست من أهل الملك
نظرا إلى لفظ الموصي لا إلى قصده ونظيره ما في المعراج: أوصى بشئ لمسجد الحرام لم يجز، ألا أن
يقول ينفق على المسجد، لأنه ليس من أهل الملك، وذكر النفقة بمنزلة النص على مصالحة، وعند
محمد: يصح ويصرف إلى مصالحه تصحيحا لكلامه اه‍. قوله: (جاز) أي وتكون وصية لصاحب
الفرس. خانية.
أقول: ويؤخذ منه مما ذكره الإتقاني من أنه أوصى بالثلث لما في بطن دابة فلان لينفق عليها
جاز إذا قبل صاحبها اه‍. أن له أن يصرفها في مصالحه، وأنه يشترط أن يكون ممن تصح وصيته له،
وأنها تبطل برده وبموته قبل الموصي. تأمل. قوله: (وتبطل ببيعها) وكذا بموتها خانية والظاهر أنه
راجع للمسألتين، ولعل وجهه أنها وإن كانت وصية لصاحبها إلا أنها معلقة في المعنى على وجودها
في ملكه. تأمل. ثم رأيت في الولوالجية قال بعد قوله: فإذا بيع الفرس بطل ما نصه: لان هذه وصية
لصاحب الفرس ونظيره ما لو قال: والله لا أكلم عبد فلان أو لا أركب دابة فلان اه‍. أي فإن
اليمين تبطل بزوال الإضافة بأن باع العبد أو الدابة مثلا، لان العبد أو الدابة لا يهجر لذاته بل لأجل
صاحبه كما قرره في محله، فهنا تبقى الوصية ما دامت الإضافة موجودة، وتبطل بزوالها. لكن في
الولوالجية أيضا قبيل هذا الفرع: لو أوصى لمملوك فلان بأن ينفح ق عليه كل شهر عشرة دراهم،
فالوصية جائزة وتدور مع العبد حيثما دار ببيع أو عتق. وعبارة الظهيرية: قال أبو يوسف ومحمد:
كانت الوصية للعبد، وتدور معه حيثما دار بيع أو عتق، وإن صالح مولاه عن ذلك وأجاز العبد
جاز، وإن عتق ثم أجاز فإجازته باطلة اه‍. وتأمله مع ما قدمناه من أن الوصية لعبد الوارث لا تجوز،
لأنها وصية للوارث حقيقة. قوله: (وله سكناها) أي بالمهايأة مع الوارث زمانا. قوله: (وليس للوارث
بيع ثلثيها) لثبوت حق الموصى له في سكنى كلها بظهور مال آخر أو بخراب ما في يده، فحينئذ
يزاحمهم في باقيها. قوله: (له ذلك) أي للوارث بيع ثلثيها. قوله: (وله أن يقاسم الورثة) معطوف
على قوله: وله سكناها والضمير للرجل: أي للموصى له المقاسمة في عين الدار بالاجزاء إن

244
احتملت القسمة، وهذا أعدل من المهايأة لما فيه من التسوية بينهما زمانا وذاتا كما في الهداية، والمسألة
ستأتي في باب الوصية بالخدمة والسكنى. قوله: (وعلى الموصى لهما أن يدوس ويسلخ الشاة) كان
عليه أن يقول: أن يدوسا ويسلخا الشاة بألف التثنية إه‍ ح.
قلت: وأن يزيد ويحلجا القطن كما في الظهيرية، وهذا لان المقصود إخراج كل منهما عن
صاحبه، بخلاف ما إذا أوصى بدهن هذا السمسم لرجل وبكسبه لآخر، وبما في اللبن من الزبد
لرجل وبالمخيض لآخر، فالنفقة على صاحب الدهن والزبد، لان المقصود إخراجهما فقط، وبه يعتبر
ما لشريكه عن حاله فعليه تخليصه. ولو كانت الشاة حية فأجر الذبح عن صاحب اللحم خاصة، لان
التذكية لأجل اللحم لا الجلد كما في الولوالجية. قوله: (في رمضان) لعله إنما خصه لزيادة ذلك فيه،
وإلا فغير رمضان مثله، وانظر هل ذلك مقيد بقدر الحاجة؟ ثم رأيت في البزازية: لو قال ثلث مالي
في سبيل الله فهو للغزو، فإن أعطوا حاجا منقطعا جاز. وفي النوازل: لو صرف إلى سراج المسجد
يجوز، لكن إلى سراج واحد في رمضان وغيره اه‍. وهذا يستأنس به في تعيين قدر الحاجة ا ه‍ ط.
قوله: (وتصرف لفقراء الكعبة) الذي في الولوالجية وغيرها لمساكين مكة. قوله: (وكذا للمسجد
وللقدس) أقول: الذي في المنح عن المجتبى: وبيت المقدس. والحاصل أن في الايصاء للمسجد
قولين: قول بعدم الصحة، وقول بالصحة كما سيأتي قبيل فصل وصايا الذمي، ثم على الصحة هل
تصرف على منافعه، أو على فقرائه؟ قال محمد بالأول على ما هو كالصريح في كلامهم، وأما الثاني
فصرح به في المجتبى على ما ترى، والقائل بعدم الصحة هو الشيخان إلا أن يقول: ينفق على المسجد
فيجوز اتفاقا، وأجازه محمد مطلقا حملا على إرادة مصالحة تصحيحا للكلام لا على إرادة عينه، لأنه لا
يملك سواء عين المسجد أو لا، وبه أفتى صاحب البحر كما سيأتي. وأما بيت المقدس فلا يتوهم أنه
يفترق عن المسجد، حتى أن البزازية عزا ما في المتن لمحمد فافهم ولا تتعسف. وينبغي الافتاء بأن
الوصية للمسجد وصية لفقرائه في مثل الأزهر، وكذا حرر هذا المحل السائحاني رحمه الله تعالى، وانظر
ما في شرح الوهبانية. قوله: (جاز لغيرهم) قال في الخرصة: الأفضل أن يصرف إليهم، وإن أعطى
غيرهم جاز، وهذا قول أبي يوسف وبه يفتى. وقال محمد: لا يجوز اه‍.
قلت: والأول موافق لقولهم في النذر بإلغاء تعيين الزمان والمكان والدرهم والفقير. قوله:
(لوارث الموصي) لان الرقبة على ملكه. ولولوالجية. وهل نفقته في وقف المسجد، كما لو أوصى

245
لزيد فإن نفقته عليه كما سيأتي؟ لم أره. قوله: (لأعمال البر) قال في الظهيرية: وكل ما ليس
فيه تمليك فهو من أعمال البر حتى يجوز صرفه إلى عمارة الوقف وسراج المسجد دون تزيينه لأنه
إسراف اه‍. قوله: (فالوصية باطلة) هو الأصح كما في جامع الفتاوى. قوله: (ويطعم) أي بأن
يطعم. تأمل. قوله: (ويحل لمن طال مقامه ومسافته) ويستوي فيه الغني والفقير. خانية. وتفسير طول
المسافة أن لا يبيتوا في منازلهم. ظهيرية. والمراد أن لا يمكنهم المبيت فيها لو أرادوا الرجوع إليها في
ذلك اليوم. قوله: (يضمن) الظاهر أن هذا لم مقدارا معلوما. قوله: (وحمل المصنف
الأول) أي ما في المتن من البطلان. قوله: (بقيد ثلاثة أيام) الباء للسببية، وعبارة المصنف وما ذكر عن
أبي بكر البلخي مقيد بثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث تجتمع النائحات فتكون وصية لهن فبطلت اه‍.
والظاهر أنه في عرفهم كذلك، وكأنه أخذه مما في الخانية عن أبي القاسم أن حمل الطعام إلى أهل
المصيبة في الابتداء غير مكروه لاشتغالهم بتجهيز الميت ونحوه، وإما في اليوم الثالث فلا يستحب،
لان فيه تجتمع النائحات فيكون إعانة على المعصية.
أقول: وعلل السائحاني للبطلان بأنها وصية للناس، وهم لا يحصون كما لو قال أوصيت
للمسلمين، وليس في اللفظ ما يدل على الحجة فوقعت تمليكا من مجهول فلم تصح اه‍. قوله:
(والثاني) وهو القول بالجواز.
أقول: قدمنا أن القول الأول هو الأصح، وظاهره الاطلاق، ويؤيده ما في آخر الجنائز من
فتح القدير حيث قال: ويكره اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت، لأنه شرع في السرور لا في
الشرور وهي بدعة مستقبحة. روى الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله قال: كنا نعد الاجتماع إلى
أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة، ويستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد، تهيئة طعام لهم
يشبعهم يومهم وليلتهم، لقوله صلى الله عليه وآله: اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاء ما يشغلهم حسنه الترمذي
وصححه الحاكم. قوله: (أوصى بأن يصلي عليه فلام) لعل وجه البطلان أن فيها إبطال حق الولي في
الصلاة عليه. قوله: (أو يكفن في ثوب كذا) انظر ما قدمناه عند قول المصنف ولا من صبي مميز إلا
في تجهيزه. قوله: (وسنحققه) أي قبيل فصل الوصية بالخدمة بأن المختار أنه لا يكره تطيين القبول
ولا القراءة عندها، وينبغي أن القول ببطلان الوصية مبني على الظهيرية بكراهة ذلك، وسيأتي ما فيه.

246
قوله: (وقال محمد تصرف لوجوه البر) قدمنا عن الظهيرية أنه المفتى به: أي لأنه وإن كان كل شئ
لله تعالى لكن المراد التصدق لوجهه تعالى تصحيحا لكلامه بقرينة الحال. قوله: (قال أوصيت الخ)
وكذا أوصيت بثلث مالي وهو ألف، فله الثلث بالغا ما بلغ، لان قوله وهو ألف غير محتاج إليه،
ولولوالجية. وكذا أوصيت بنصيبي من هذه الدار وهو الثلث فإذا تصيبه النصف فهو له، أو بجميع ما
في هذا البيت وهو كر طعام فإذا فيه أكثر أو كر حنطة أو شعير. والحاصل أنه إذا أوصى بمشار إليه
ثم قدره صح وافق المقدار أو لا، وعلله في المحيط بأنه أضاف الايجاب والتمليك إلى الثلث مطلقا،
وإلى جميع ما في الكيس فصحت الإضافة، إلا أنه غلط في الحساب، فلا يقدح في الايجاب، بخلاف
البيع فإنه لا يصح إلا إذا كان المبيع مقدارا معلوما فانصرف إلى المقدار المذكور. وتمامه في شرح
الوهبانية. فارجعه. قوله: (إذا مت) بضم التاء. قوله: (صحت وصيته) أي لان تعليق الوصية
بالشرط جائز كما في القنية هذا، والذي رأيته في القنية صح وصية فوصية بالتنوين منصوب عل
التمييز: أي أنه ليس بإبراء بل هو وصية لتعليقه على موت نفسه. قوله: (ولو قال إن مت الخ) عزاه
في مختصر القنية لبعض الكتب، ثم ذكر أنه ينبغي أن يكون عدم البراءة إذا فتح التاء أخذا مما في
الفصول وغيره، لو قال لمديونه: إن مت بفتح التاء فأنت برئ لا تصح لأنه تعليق بخطر اه‍: أي
والابراء لا يصح تعليقه، بخلاف الوصية كما مر، وبه ظهر الفرق بين الضم والفتح والمراد بالخطر
هنا التعليق على معدوم مترقب الوقوع، وإن كان لا بد من وقوعه كالموت ومجئ الغد، واحترز به
عما لو علق الابراء بشرط كائن كقول لمديونه إن كان لي عليك دين فقد أبرأتك عنه فإنه يصح كما
مر في آخر كتاب الهبة. ومر تمامه هناك فراجعه. قوله: (في بلاد خوارزم) وكذا الإقليم الشامي
والمصري. سائحاني. ولعله لان أهل الكلام في خوارزم لا يتبعون الشبه بل يتعلمون، ويعلمون ما
يجب اعتقاده، وفي البلاد الأخرى يذكرون شبه الفلاسفة الملبسة على المسلمين عقائدهم بلا تعرض
لردها وحث عن تجنبها، ولا شك أنهم إذا كانوا بهذه الصفة فهم ضالون مضلون ليس لهم من العلم
الإلهي نصيب ط. قوله: (فتنبه) كذا في النسخ، وصوابه قنية فإن العبارة لها كما في المنح، وإلا
أوهمت أنها عبارة السراج ط. قوله: (بمنزلة الوديعة) فلا ضمان على الموصي أو ورثته إذا هلكت في
أيديهم من غير تعد، أما إذا استهلكت: فإن وقع من الموصي فهو رجوع، وإن من الورثة قبل القبول
أو بعده يكون ضمانة عليه ط. وعبارة السارج ذكرها في المنح عند قول المتن: وإنما يصح قبولها بعد
موته فراجعها، والله تعالى أعلم.

247
باب الوصية بثلث المال
في بعض النسخ بثلث ماله. قوله: (ولم تجز) أي لم تجز الورثة الوصيتين، فإن أجازت فظاهر.
قوله: (فالثلث بينهما أثلاثا) أي يقتسمانه على قدر حقهما لصاحب السدس سهم، ولصاحب الثلث
سهمان، لان كلا منهما يستحق بسبب صحيح.
والحاصل: أن كل واحدة من الوصايا إذا لم تزد على الثلث كثلث لواحد وسدس لآخر وربع
لآخر ولم تجز الورثة يضرب في الثلث، ولا يقسم الثلث سوية بينهم اتفاقا ما لم يستويا في سبب
الاستحقاق كما في مسألة المتن الأولى. وتمام ذلك في التتارخانية. قوله: (ولم تجز الورثة ذلك) فإن
أجازوا فعندها يقسم الكل أرباعا ولا نص فيه عنه، فقال أبو يوسف: قياس قوله: أن يسدس بطريق
المنازعة لان الثلثين لصاحب الكل، فكان نزاعهما في الثلث فنصف، فالنصف الذي هو السدس
لصاحب الثلث، والباقي للآخر. وقال الحسن: إن هذا تخريج قبيح لاستواء منهم صاحب الثلث في
حال الإجازة وعدمها وهو السدس، والصحيح أن يربع بطريق المنازعة بأن يقسم الثلث أولا وهو أربعة
من اثني عشر بينهما نصفين، لان إجازتهم غير مؤثرة في قدر الثلث وبقي الثلثان ثمانية أسهم
يدعيهما صاحب الكل، سهمين منها صاحب الثلث ليتم له الثلث، فتسلم الستة لصاحب الكل
ويتنازعان في السهمين بنصفين، فتحصل ثلاثة أسهم لصاحب الثلث، والباقي للآخر كما في الحقائق
وغيره. قهستاني.
قلت: وعلى قولهما يلزم استواء حالتي الإجازة وعدمها. قوله: (لان الوصية بأكثر من الثلث
الخ) أشار إلى أن قوله: بجميع ماله غير قيد، وأن المراد ما زاد على الثلث ولذا عبر في الملتقى
بقوله: ولو لأحدهما بثلثه وللآخر بثلثيه أو بنصفه أو بكله ينصف الثلث بينهما عنده، وعندهما يثلث
في الأول ويخمس خمسين وثلاثة أخماس في الثاني ويربع في الثلث اه‍. فالحكم عنده وهو التصنيف
متحد في جميع صور الزائد على الثلث كلا أو غيره، والأصل الذي بنيت عليه هذه المسائل هو قول
المصنف: ولا يضرب الخ. قوله: (إذا لم تجز) بالبناء للمجهول. قوله: (تقع باطلة) ليس المراد بطلانها
من أصلها وإلا لما استحق شيئا، وإنما المراد بطلان الزائد. بيان ذلك أن الموصي قصد شيئين
الاستحقاق على الورثة فيما زاد على الثلث، وتفضيل بعض أهل الوصايا على بعض. والثاني يثبت في
ضمن الأول، ولما بطل الأول لحق الورثة وعدم إجازتهم بطل ما في ضمنه وهو التفضيل، فصار كأنه
أوصى لكل منهما بالثلث، فينصف الثلث بينهما، كما لو أوصى لكل منهما به حقيقة اه‍ من العناية
موضحا. قوله: (وقالا أرباعا) أي يقسم الثلث بينهما أرباعا. قوله: (لان الباطل ما زاد على الثلث)
يعني أن الباطل هو أحد الشيئين اللذين قصدهما الموصي، وهو استحقاق الزائد على الثلث فإنه بطل
لحق الورثة، وأما الشئ الآخر وهو قصد الموصي تفضيل أحدهما على الآخر فلا مانع منه، فقد جعل

248
لصاحب الكل ثلاثة أمثال ما جعله لصاحب الثلث، فيأخذ من ثلث المال بحصة ذلك الزائد بأن يقسم
أرباعا ثلاثة منها لصاحب الكل وواحد للآخر. قوله: (فاضرب الكل في الثلثين) صوابه: في الثلث
كما في بعض النسخ: أي اضرب كل حظ في ثلث المال بأن تضرب ثلاثة أسهم حظ صاحب الكل
في الثلث وسهما واحدا لآخر الثلث يحصل أربعة أسهم تجعل ثلث المال يعطي للأول ثلاثة أرباع
الثلث وللثاني ربعه، وسيتضح. ثم الصحيح قول الإمام كما في تصحيح العلامة قاسم والدر المنتقى
عن المضمرات وغيره. قوله: (المراد بالضرب المصطلح بين الحساب) وهو تحصيل عدد نسبته إلى أحد
المضروبين كنسبة الآخر إلى الواحد، وقوله: لا يضرب بالبناء للمعلوم مسندا مجازا إلى الموصى له والباء
صلة الموصى له، وصلة يضرب مع مفعوله محذوف تقديره لا يضرب الموصى له بأكثر من الثلث عددا
في عدد، فلا يضرب ثلاثة أرباع في الثلث في هذه الصورة. وتمامه في القهستاني.
وأقول: ضرب الكسور في مصطلح الحساب على معنى خذ، فإذا قيل: اضرب ربعا في ثلث
فمعناه خذ ربع الثلث وهو واحد من اثني عشر، فالمعنى هنا: لا يضرب الموصى له بأكثر من الثلث:
أي لا يؤخذ له من الثلث بحكم الوصية له بأكثر من الثلث لما مر من بطلان التفضيل، فلا تجعل سهام
الوصية أربعة كما جعلها الامامان، وأنما يؤخذ له من الثلث بحكم الوصية للثلث فقط بأن يجعل كأنه
أوصى لكل الثلث، فيقسم الثلث بينهما نصفين، وعلى هذا فالباء صلة يضرب ولا حذف، فتدبر، ثم
رأيت في غرر الأفكار التصريح بما ذكرته في معنى الضرب ويوافقه ما يأتي. قوله: (فعنده سهام
الوصية اثنان) فلكل واحد النصف وهو سهم واحد. قوله: (فاضرب نصف كل) أي اضرب نصيب
كل منهما وهو النصف في الثلث يكن سدسا، لأنه الحاصل من ضرب نصف في ثلث على معنى
الاخذ كما قدمناه. قوله: (وعندهما أربعة) بناء على أنه يضرب له عندهما بحكم الزائد، فتجعل سهام
الوصية أربعة كما قررناه سابقا، لأحدهما الربع وللآخر ثلاثة أرباع. قال صدر الشريعة وابن الكمال:
فيضرب الربع في ثلث المال والربع في الثلث يكون ربع الثلث، ثم لصاحب الكل ثلاثة من الأربعة
وهي ثلاثة أرباع، فيضرب ثلاثة الأرباع في الثلث بمعنى ثلاث أرباع الثلث. وهذا معنى الضرب وقد
تحير فيه كثير من العلماء اه‍.
تنبيه: على هذا الخلاف: لو أوصى لرجل بعبد قيمته مثل ثلث ماله ولآخر بعبد قيمته مثل نصف
ماله مثلا. وتمامه في التتارخانية من الخامس. ولو أوصى لرجل بسيف قيمته مثل سدس ماله ولآخر
بسدس ماله وماله سوى السيف خمسمائة، فللثاني سدسها وللأول خمسة أسداس السيف وسدس
السيف بينهما، لان منازعتهما في سدس السيف فقد فينتصف بينهما، وهذا عند الامام، وتمام الكلام
في المجمع وشروحه. قوله: (إلا في ثلاث مسائل) استثناء من قوله: ولا يضرب الخ. قوله:
(المحاباة) من الحباء: أي العطاء. مغرب. وفسرها القهستاني بالنقصان عن قيمة المثل في الوصية بالبيع
والزيادة على قيمته في الشراء.

249
وصورتها: أن يكون لرجل عبدان قيمة أحدهما ثلاثون والآخر ستون فأوصى بأن يباع الأول من
زيد بعشرة والآخر من عمرو بعشرين ولا مال له سواهما، فالوصية في حق زيد بعشرين وفي حق
عمرو بأربعين، فيقسم الثلث بينهما أثلاثا، فيباع الأول من زيد بعشرين والعشرة وصية له، ويباع
الثاني من عمرو بأربعين والعشرون وصية له وإن كانت زائدة على الثلث ابن كمال. قوله: (والسعاية)
صورتها: أعتق عبدين قيمتهما ما ذكر ولا مال له سواهما، فالوصية للأول بثلث المال وللثاني بثلث
المال، فسهام الوصية بينهما أثلاث واحد للأول واثنان للثاني، فيقسم الثلث بينهما، وكذلك فيعتق من
الأول ثلثه وهو عشرة ويسعى في عشرين، ويعتق من الثاني: ثلث وهو عشرون ويسعى في أربعين،
فيضرب كل بقدر وصيته وإن كان زائدا على الثلث. ابن كمال. قوله: (والدراهم المرسلة)، صورتها:
أوصى لزيد بثلاثين درهما ولآخر بستين درهما وماله تسعون، ويضرب كل بقدر وصيته، فيضرب الأول
والثلث في ثلث المال والثاني الثلثين في ثلث المال. وإنما فرق أبو حنيفة بين هذه الصور وبين غيرها،
لان الوصية إذا كانت مقدرة بما زاد على الثلث صريحا كالنصف والثلثين وغيرهما، والشرع أبطل
الوصية في الزائد يكون ذكره لغوا فلا تعتبر في حق الضرب، بخلاف ما إذا لم تكن مقدرة بأنه: أي
شئ من المال كما في الصور المذكورة فإنه ليس في العبارة ما يكون مبطلا للوصية، كما إذا أوصى
بخمسين درهما واتفق أن ماله مائة درهم فإن الوصية لا تكون باطلة بالكلية، لامكان أن يظهر له مال
فوق المائة، وإذا لم تكن باطلة بالكلية تكون معتبرة في حق الضرب، وهذا فرق دقيق أنيق. ابن
كمال. قوله: (ومن صور ذلك الخ) أفاد به أنه لا يشترط أن تكون محاباة أو سعاية أو عتقا من جهتي
الموصى لهما، بل كفي وجود ذلك من طرف، ويكون بقدر ثلثي المال والموصي للطرف الآخر بثلث
المال. فليتأمل ط.
أقول: لكن هذا التصوير مشكل لما صرحوا به من أن العتق المنفذ في المرض والمحاباة المنجزة فيه
مقدمان على سائر الوصايا كما مر، ويأتي في الباب الآتي. قوله: (أو يجابيه) أي في مرض الموت ح.
وقوله (بألف درهم) متعلق بيحابيه. قوله: (وهي ثلثا ماله) أي الألف درهم في المسائل الثلاث ح.
وذلك بأن يكون ماله ألفا وخمسمائة فأوصى بألف منها لفلان، أو يكون له ثوب مثلا قيمته ذلك
فأوصى بأن يحابي بألف وذلك بأن يباع بخمسمائة. ومسألة العتق ظاهرة. قوله: (ولآخر بثلث ماله)
متعلق بالمسائل الثلاث ح. قوله: (فالثلث بينهما أثلاثا إجماعا) تقريره ظاهر مما قدمناه. قوله:
(وبنصيب ابنه لا) أي لان نصيبه ثبت بنص القرآن، فإذا أوصى به لرجل آخر فقد أراد تغيير ما فرض
الله تعالى فلا يصح. منح. ولا يلتفت إلى إجازة الورثة لان الوصية لم تقع في ملكه، وإنما أضافها إلى
ملك غيره، فصار كمن أوصى لرجل بملك زيد ثم مات فأجازه زيد فإن ذلك لا يجوز. كذا هنا اه‍.
مكي عن السراج ط. قوله: (وصار) أي قوله: بمثل نصيب ابنه ح أو قوله: بنصيب ابنه حيث لم

250
يكن له ابن. قوله: (ونقل المصنف الخ) حيث قال: ولو أوصى بمثل نصيب ابن لو كان أعطى ثلث
المال، لأنه أوصى له بمثل نصيب ابن معدوم فلا بد من أن يقدر نصيب ذلك الابن بسهم ومثله سهم
أيضا، فقد أوصى له بسهم من ثلاثة في الحاصل، بخلاف الأولى فإنه هناك أوصى بنصيب ابن لو
كان، ولم يقل بمثل نصيب ابن لو كان، كذا في السراج الوهاج اه‍. ومثله في الجوهرة، وكذا في
غاية البيان عن شرح الطحاوي.
وأما ما في المجتبى فلم يعزه إلى أحد، وهو وإن كان وجهه ظاهرا إذ لا يظهر فرق بينه وبين ما
إذا أوصى بمثل نصيب ابن موجود لكنه لا يعارض ما هنا ما لم يؤيد بنقل، لان المجتبى للزاهدي،
وقد قالوا: لا يلتفت إلى ما قاله الزاهدي مخالفا للقواعد ما لم يؤيد بنقل تأمل. قوله: (وله في الصورة
الأولى) أي من صورتي المتن ثلث إن أوصى مع ابنين، والقياس أن يكون له النصف عند إجازة الورثة
لأنه أوصى بمثل نصيب ابنه، ونصيب كل واحد منهما النصف، وجه الأول أنه قصد أن يجعله مثل
ابنه لا أن يزيد نصيبه على نصيب ابنه، وذلك بأن يجعل الموصى له كأحدهم. زيلعي. قوله: (إن
أجاز) أي أجاز الزيادة وإلا فالثلث فقط. قوله: (ومثلهم البنات) أي إن أوصى بمثل نصيب بنته وله
بنت واحدة فله النصف إن أجازت وإلا فالثلث، ومع البنتين له الثلث كما في المنح. ولو كان مع
ثلاث بنات هل له الثلث أيضا باعتبار أن فرض البنتين الثلثان أو الربع؟ والظاهر الثاني، وإلا لم يكن له
مثل نصيب بنت اه‍ ح. ويؤيده ما ذكره الشارح عن المجتبى من الأصل ط. قوله: (يزاد مثله الخ)
حتى لو كان له ابن وبنت وأوصى بمثل نصيب البنت فله الربع، ولو كان لها زوج وثلاث أخوات
متفرقات، وأوصت بمثل نصيب الأخت لام فله العشر. مجتبى. (1) قال في الهندية: والوجه في ذلك
أن تبين الفريضة أولا، ثم يزاد مثل نصيب من ذكره على نخرج الفريضة فلو ترك أما وابنا وأوصى
بمثل نصيب بنت فالوصية من سبعة عشر سهما: للموصى له خمسة، وللابن عشرة، وللأم سهمان،
لان أصلها من ستة للابن خمسة فللبنت اثنان ونصف، فيزاد على أصل الفريضة ويضعف للكسر،
فبلغت سبعة عشر للموصى له خمسة، بقي اثنا عشر يعطي للام سدسها اثنان والباقي للابن اه‍: أي
لان الإرث بعد الوصية. وفيها أيضا: لو له بنت وأخت عصبية وأوصى لرجل بمثل نصيب البنت فله
ثلث المال أجازتا أو لا اه‍. وهذه فائدة معتبرة بنى عليها السائحاني في فتاواه النعمية عدة صور سئل
عن بعضها، فلتحفظ. قوله: (ويجزء الخ) مثله الحظ والشقص والنصيب والبعض. جوهرة. قوله:
(فالبيان إلى الورثة الخ) لأنه مجهول يتناول القليل والكثير، والوصية لا تمنع بالجهالة والورثة قائمون



(1) قوله: (فله العشر مجتبى) صوابه التسع وذلك لان أصل المسألة من ستة وتعول إلى ثمانية للزوج نصف الستة ثلاثة
وللشقيقة النصف ثلاثة أيضا ويعال بسدس لذات الأب تكملة الثلثين وبسدس أيضا لذات الام فتكون ثمانية وإذا فرض
الموصى له ذات أم يعال له بتسع تأمل اه‍.
251
مقام الموصي فكان إليهم بيانه. زيلعي. قوله: (عرفنا) أي عرف العجم. در منتقى. قوله: (وأما أصل
الرواية فبخلافه) وهي أن السهم السدس في رواية الجامع الصغير فإنه قال فيه: له أخس سهام الورثة،
إلا أن ينقص من السدس فيتمم له السدس، ولا يزاد له، فكان حاصله أن له السدس. وعلى رواية
كتاب الوصايا أخس سهام الورثة ما لم يزد على السدس. وقالا: له الأخس إلا أن يزيد على الثلث
فيكون له الثلث اه‍. اختيار. فالسدس على الرواية الأولى لمنع النقصان ولا يمنع الزيادة، وعلى الثانية
بالعكس. وذكر في الهداية ما يمنع الزيادة والنقصان. زيلعي. فأما أن صاحب الهداية اطلع على رواية
غيرهما أو جمع بينهما عناية. وتمام ذلك في المطولات.
تنبيه: هذا كله إذا كان له ورثة. ففي الاختيار والجوهرة: لو أوصى لرجل بسهم من ماله ولا
وارث له فله النصف، لان بيت المال بمنزلة ابن فصار كأن له ابنان ولا مانع من الزيادة على
الثلث فصح اه‍. وانظر على القول بالتسوية بين الجزء والسهم، هل يعطى النصف أيضا، أم يقال
لوكيل بيت المال: أعطه ما شئت؟ وحرره نقلا. قوله: (وبهذا اندفع سؤال صدر الشريعة) حاصل سؤاله
أن قول الموصي ثلث مالي له لا يصلح إخبارا لأنه كذب فتعين الانشاء، فينبغي أن يكون له النصف،
وتقرير الدفع سلمنا أن قوله ذلك إنشاء، إلا بعد قوله سدس مالي له محتمل لان يكون أراد به زيادة
سدس أو أراد ثلثا آخر غير السدس، فيحمل على المتيقن. قوله: (وإشكال ابن الكمال) حيث قال في
هامش شرحه بعد تقريره جواب السؤال المار بما ذكرناه.
بقي ها هنا شئ وهو أنه لا يخلو من أن يكون الثلث الذي أجازه الورثة ثلثا زائدا على السدس
الذي أجازوه أولا يكون ثلثا زائدا عليه، إذ لا وجه لإجازتهم بلا تعيين المراد، إذ مرجعه إلى إجازة
اللفظ ولا معنى له. والثاني يأباه قوله: وأجازوا لأنه مستغنى عن إجازتهم، وعلى الأول لا يصح
الجواب المذكور، ولعله لذلك أسقط صاحب الكنز القيد المذكور اه‍.
وحاصله: أنه يتعين المعنى الثاني وهو أن تكون الإجازة لثلث غير زاد على السدس أي لثلث
داخل فيه السدس لأنه المتيقن، وبه يتم الجواب عن سؤال صدر الشريعة، لكن يبقى قوله: وأجازوا
زائدا لا فائدة فيه إذ الثلث لازم مطلقا، ولهذا أسقطه في الكنز.
والجواب ما أشار إليه الشارح بقوله: وإن أجازت الورثة أي أنه غير قيد احترازي، بل ذكروه
لئلا يتوهم أن له النصف عند الإجازة، وليفهم أن له الثلث عند عدمها بالأولى، فافهم. والله در هذا
الشارح على هذه الرموز التي عي جواهر الكنوز، لكن بقي هنا إشكال ذكره في الشرنبلالية ونقل نحوه
عن قاضي زاده، وهو أن صاحب الحق وهو الوارث رضي بما يحتمله كلام الموصي من اجتماع الثلث
مع السدس وامتناع ما كان غير متيقن لحق الوارث، فبعد أن رضي كيف يتكلف للمنع؟ اه‍.
وحاصله: أنه يتعين المعنى الأول وهو إن إجازتهم للزائد لأنه المحتاج إليها.
وأقول: جوابه أنه لما احتمل كلام الموصي حملناه على المتيقن الذي يملكه وهو الوصية بالثلث كما
مر، والوصية إيجاب تمليك، فكان إيجاب الثلث متيقنا، وإيجاب الزائد مشكوكا فيه، وإجازة الوارث لا

252
تعمل إلا فيما أوجبه الموصي، ولم تتيقن بإيجاب الموصي فيما زاد على الثلث حتى تعمل الإجازة عملها
فلغت، لان الإجازة ليست ابتداء تمليك، وإنما هي تنفيذ لعقد الموصي المتوقف عليها ولهذا يثبت
الملك للمجاز له من قبل الموصي، لا من قبل المجيز ما سيجئ آخر الباب هذا ما ظهر لفهمي السقيم
من فيض الفتاح العليم. قوله: (مكررا) بأن قال له سدس مالي له سدس مالي في مجلس أو مجلسين كما
في الهداية. قوله: (لان المعرفة) وهي سدس، فإنه ذكر معرفا بالإضافة إلى المال قد أعيدت معرفة: أي
فكانت عين الأولى، وهذا على ما هو الأصل، فلا يرد أنها قد تكون غيرا كقوله تعالى: * (وأنزلنا إليك
الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب) * (المائدة: 84) أي التوراة لأنه خلاف الأصل لقرينة،
والمسألة أوضحناها في حواشينا على شرح المنار. قوله: (أو عبيده) ولا تكون إلا متفاوتة، فلذا فصل
في الثياب فقط. أفاده في الشرنبلالية. قوله: (إن هلك ثلثاه الخ) أي ثلثا مدراهم أو الغنم، بأن كانت
ثلاثة مثلا فهلك منها اثنان وبقي واحد فله ذلك الباقي بتمامه. وقال زفر: له ثلث ما بقي هنا أيضا،
لان المال مشترك والهالك منه يهلك على الشركة، ويبقى الباقي كذلك. وجه قول الإمام وصاحبيه أنه
في الجنس الواحد يجمع حق الموصى له في الباقي تقديما للوصية على الميراث، ولأنه لو لم يهلك شئ
فللقاضي أن يجعل هذا الباقي له، بخلاف الثياب المختلفة ونحوها فإنها لا تقسم جبرا. وتمام ذلك في
المطولات قال في غاية البيان: وبقول زفر نأخذ وهو القياس اه‍. وأقره في السعدية. تأمل. قوله:
(إن خرج الخ) هذا الشرط مصرح به في عامة الشروح حتى في الهداية. قوله: (وبألف الخ) لا يقال:
ينبغي أن لا يستحق من الدين شيئا لان الألف مال والدين ليس بمال، فإن من حلف لا مال له وله
دين لا يحنث. لأنا نقول: الدين يسمى مالا بعد خروجه، وثبوت حث الموصى له بعد الخروج ممكن،
كالموصى له بالثلث لا حق له في القصاص، وإذا انقلب ما لا يثبت فيه حقه لأنه مال الميت، ومسألة
اليمين على العرف، معراج ملخصا. وبه ظهر أنه لو أوصى بثلث ماله يدخل الدين أيضا، وهو أحد
قولين. ورجحه في الوهبانية، وتوقف فيه صاحب البحر في متفرقات القضاء، فراجعه. قوله: (من
جنس الألف) كذا في الدرر. والظاهر أن فائدته مناسبة قوله: وكلما خرج شئ من الدين دفع إليه إذ
لو كان دنانير لا تدفع إليه. تأمل. وقدم في المنح عن السراج: إذا أوصى بدراهم مرسلة ثم مات
تعطى للموصى له لو حاضرة، وإلا تباع الشركة ويعطى منها تلك الدراهم اه‍. قوله: (وعين) قال
أبو يوسف: العين: الدراهم والدنانير دون التبر والحلي والعروض والثياب. الدين: كل شئ يكون
واجبا في الذمة من ذهب أو فضة أو حنطة ونحو ذلك. وتمامه في الطوري. قوله: (فإن خرج الألف
الخ) قال في العناية: بأن كان له ثلاثة آلاف درهم نقدا فيدفع إليه الألف، وإن لم يخرج بأن كان النقد
أيضا ألفا دفع منه إليه ثلثه. قوله: (وإلا يخرج فثلث العين الخ) أي ولا يدفع له الألف من العين، لان

253
التركة مشتركة بينه وبين الورثة والعين خير من الدين، فلو اختص به أحدهما تضرر الآخر. اختيار:
أي لاحتمال هلاك الدين عند المديون. قوله: (لزيد كله) وعن أبي يوسف، إذا لم يعلم الموصي بموته
له نصف الثلث لأنه لم يرض له إلا به. زيلعي. قوله: (أو المعدوم) فلو أوصى لزيد ولمن كان في هذا
البيت ولا أحد فيه كان الثلث لزيد، لان المعدوم لا يستحق مالا، وكذا لو أوصى له ولعقبه، لان
العقب من يعقبه بعد موته فيكون معدوما في الحال. درر. وللشرنبلالي في مسألة الوصية للعقب كلام
يأتي ما فيه في باب الوصية للأقارب. قوله: (وكذا لو مات أحدهما) أي أحد الموصى لهما. قوله:
(قبل الموصي) أما بعده فالورثة تقوم مقامه، فالمزاحمة موجودة. قوله: (وفروعه كثيرة) منها لو قال ثلث
مالي لفلان وعبد الله: إن كان عبد الله في هذا البيت ولم يكن فيه كان لفلان نصف الثلث، لان
بطلان استحقاقه لفقد شرطه لا يوجب لزيادة في حق الآخر. منح. قوله: (ثم خرج لفقد شرط) أي
أو لزوال أهلية كما لو مات أحدهما قبل الموصي. قوله: (ذكره الزيلعي) أي جميع ما تقدم متنا
وشرحا. قوله: (وقيل العبرة) أي في صحة الايجاب. قوله: (أوله) أي لزيد. قوله: (إلى آخره) تمامه:
أو له ولفقراء ولده أو لمن افتقر من ولده، وفات شرطه عند موت الموصي فالثلث كله لزيد في هذه
الصورة، لان المعدوم أو الميت لا يستحق شيئا فلا تثبت المزاحمة لزيد فصار كما إذا أوصى لزيد ولجدار
اه‍. قوله: (لكن قول الزيلعي فيما مر) أي في عبارة المتن، ولا محل للاستدراك بعد قول المصنف
: وقيل: الخ فإنه مسوق لبيان المخالف بينه وبين ما مر، فتدبر.
ثم اعلم أن تعبير المصنف بقوله: وقيل أخذا من إشارة الدرر والكافي مبني على ما فهمه من
مخالفته لما قدمه مه أنه لا مخالفة. بيان ذلك ما ذكره في التتارخانية من الفصل السادس: أن الأصل أن
الموصى له إذا كان معينا من أهل الاستحقاق تعتبر صحة الايجاب يوم الوصية، ومتى كان غير معين
تعتبر صحة الايجاب يوم موت الموصي، فلو قال: ثلث مالي لفلان ولولد بكر فمات ولده قبل الموصي
فلفلان كل الثلث، وإن ولد لبكر عشرة أولاد ثم مات الموصي فالثلث بين فلان وبين الأولاد على
عددهم أحد عشر سهما اعتبار اليوم موت الموصي، لان الولد غير معين، وهو يتناول الواحد
والأكثر، وكذا إذا أوصى لبني فلان وليس له ابن يوم الوصية ثم حدث له بنون ومات الموصي فالثلث
لهم، وإن كان له بنون يوم الوصية ولم يسمهم ولم يشر إليهم فالثلث للموجودين عند موته، ولو كانوا

254
غير الموجودين وقت الوصية، وإن سماهم أو أشار إليهم فالوصية لهم، حتى لو ماتوا بطلت لان
الموصى له معين فتعتبر صحة الايجاب يوم الوصية اه‍. ملخصا.
وبه ظهر أن ما في الدرر من اعتبار يوم الموت لصحة الايجاب إنما هو لكون الموصى له غير
معين، لان قوله ولد بكر أو فقراء ولده أو من افتقر غير معين إذ لا تسمية ولا إشارة، وإذا كان المعتبر
يوم الموت في ذلك وفات الشرط عنده بأن كان الولد ميتا أو غنيا فقد خرج المزاحم من الأصل، فلذا
كان جميع الثلث لزيد، وظهر أيضا أن كلام الزيلعي ليس صريحا في اعتبار حالة الايجاب مطلقا لان
كلامه في المعين، فتدبر. قوله: (لان كلمة بين توجب التنصيف) الظاهر أن هذا إذا دخلت على
مفردين كما هنا، أما لو دخلت على ثلاث كقوله بين زيد وعمرو وبكر فإنها توجب القسمة على
عددهم. تأمل. وعلى هذا فإذا قال بين زيد وسكت فإنها تنصف، لان أقل الشركة بين اثنين ولا نهاية
لما فوقهما. وإما إذا دخلت على جمعين ففي المعراج: لو قال بين بني زيد وبين بني بكر وليس لأحدهما
بنون فكل الثلث لبني الآخر، لأنه جعل كل الثلث مشتركا بين بني زيد، حتى لو اقتصر عليه كان
الثلث بينهم، فإذا لم تثبت المزاحمة كان كل الثلث بينهم، وقوله: بين بني فلان وفلان كما مر اه‍. أي
لا فرق بين تكرار بين وعدمه. قوله: (وهو فقير) الأولى حذفه ليتأتى الاطلاق الآتي ط. قوله: (لما
تقرر أن الوصية إيجاب الخ) أي عقد تمليك بعد الموت، ولهذا يعتبر القبول والرد بعد الموت، ويثبت
حكمه بعده. قوله: (إذا أوصى الخ).
حاصله: أن ما مر من عدم التفصيل إنما هو شائع في كل المال ليس عنيا ولا نوعا، وأما غيره
ففيه تفصيل، فإن كان عينا كثلث غنمي وله غنم يعتبر فيه الموجود وقت الوصية، لأنه معين بالإضافة
العهدية أنها تأتي لما تأتي له الألف واللام، وإن كان نوعا كثلث غنمي ولا غنم له فهو كالشائع في كل
المال يعتبر فيه الموجود عند الموت، لأنه ليس عينا حتى تتقيد به الوصية لعدم العهدية. هذا ما ظهر لي،
فتأمل. قوله: (وليس له غنم) أو كان وهلك. معراج. وإن كان في ماله شاة يخير الورثة بين دفعها أو
دفع قيمتها. نهاية. قوله: (يعطي قيمة الشاة) أي شاة وسط. معراج. قوله: (بخلاف قوله الخ) الفرق
أنه في الأولى: لما أضاف الشاة إلى المال علمنا أن مراده الوصية بمالي الشاة وماليتها توجد في مطلق
المال. وفي الثانية: لما أضافها إلى الغنم علمنا أن المراد به عين الشاة، حيث جعلها جزءا من الغنم.
زيلعي. قوله: (يعني لا شاة له) تبع ابن الكمال حيث عبر به مخالفا لما في الهداية وغيرها، وقال: إنما
قال: ولا شاة له. ولم يقل: ولا غنم له كما قال صاحب الهداية، لان الشاة فرد من الغنم، فإذا لم يكن

255
له شاة لا يكون له غنم بدون العكس، والشرط عدم الجنس لا عدم الجمع، حتى لو وجد الفرد تصح
الوصية اه‍. وفيه رد على صدر الشريعة حيث قال: تبطل الوصية أيضا بوجود شاة اه‍.
أقول: وفيه نظر، فإن الموصي قال: شاة من غنمي بلفظ الجمع، ومن لا شاة له أصلا أو له شاة
واحدة يكون لا غنم له فبطلت الوصية في الصورتين إذا لم يوجد الغنم الجمع فيهما، فظهر أن شرط
البطلان عدم الجمع لا عدم الجنس، وعن هذا قال صدر الشريعة: عبارة الهداية أشمل لدلالتها على
بطلان الوصية في الصورتين. قوله: (وكذا لو لم يضفها لماله) جزم به مه أنه في الهداية والتبيين
والمنح، قالوا: قيل: لا تصح لان المصحح إضافتها إلى المال، وبدونها تعتبر صورة للشاة ومعناها. وقيل
: تصم، لأنه لما ذكر الشاة وليس في ملكه علم أن مراده المالية اه‍. تأمل. قوله: (وأقله اثنان) أي
في الميراث والوصية أخته، ابن كمال. قوله: (تبطل الجمعية) حتى لو أتى به منكرا قلنا كما قال
محمد، زيلعي.
تنبيه: هذه الوصية تكون لأمهات أولاده اللاتي يعتقن بموته أو اللاتي عتقن في حياته إن لم يكن
له غيرهن، فإن كان له منهما فالوصية للآتي يعتقن بموته، لان الاسم لهن في العرف، واللاتي عتقن
في حياته موال لا أمهات أولاد، وإنما تصرف إليهن الوصية عند عدم أولئك لعدم من يكون أولى
منهن بهذا الاسم. وتمامه في الزيلعي. قوله: (وأنصافا عند أبي يوسف) لان الفقراء والمساكين صنف
واحد من حيث المعنى، إذ كل واحد منهما ينبئ عن الحاجة. اختيار. لكن قول أبي يوسف في المسألة
السابق كقول الامام فيحتاج إلى الفرق هنا. تاما. قوله: (على ما مر) أي من اعتبار أقل الجمع. قوله:
(جاز) لكن الأفضل الصرف إليهم. خلاصة. قوله: (لتساوي نصيبهما) لان الشركة للمساواة لغة،
ولهذا حمل قوله تعالى: * (فهم شركاء في الثلث) * (النساء: 21) على المساواة: زيلعي. قوله: (لتفاوت
نصيبهما) فلا تمكن المساواة بين الكل، فحملناه بين الكل، فحملناه على مساواة الثالث مع كل واحد منهما بما سماه له
فيؤخذ النصف من كل واحد من المالين. ولو أوصى لزيد بأمة ولبكر بأخرى ثم قال لآخر أشركتك

256
معهما، فإن تفاوتا قيمة فله نصف كل إجماعا، وكذا إن تساويا عنده وثلث كل عندهما بناء على قسمة
الرقيق وعدمها. زيلعي. ملخصا. قوله: (لما ذكرنا) أي من إمكان المساواة ط. قوله: (فصدقوه) فعل
أمر. قوله: (استحسانا) وفي القياس: لا يصدق، لان الاقرار بالمجهول وإن كان صحيحا ولكنه لا
يحكم به إلا بالبيان. وقوله: فصدقوه صدر مخالفا للشرع، لان المدعي لا يصدق إلا بحجة. وجه
الاستحسان أن أصل الحق دين ومقداره يثبت بطريق الوصية اه‍. ح. قوله: (لأنه خلاف الشرع) تعليل
لما استفيد من قوله: بخلاف من أنه باطل ط. ولا يأتي وجه الاستحسان هنا لجهالة الموصى له. قوله:
(ويصير وصية) لأنه فوضه إلى رأي الموصي. أفاده المصنف. وفيه إشارة إلى أن الوصية المفوضة تصح
وإن جهل صاحبها، وقدمناه أول الكتاب. قوله: (فإن سبق منه دعوى) أي في حياة المقر ط. قوله:
(فهو له) ويكون إقرارا منه بما ادعاه ط: أي فيكون من جميع المال.
وأما قول ح: إنه من الثلث، فمبني على أن الدعوى بعد موت المقر، وفيه نظر ولذا قال ط:
وتأويل ادعى بيدعي خلاف المتبادر من اللفظ، بخلاف الأولى فإنه قد أثبت عليه دينا وفوض تقديره إلى
الورثة. قوله: (وإلا لا) أي لا شئ له، وهذا التفصيل لأبي الليث، وذكر أنه لا رواية في المسألة.
أفاده في الكفاية. قوله: (عزل الثلث الخ) لان الوصايا حقوق معلومة في الثلث والميراث معلوم في
الثلثين. وهذا ليس بدين معلوم ولا وصية معلومة، فلا يزاحم المعلوم فقدمنا عزل المعلوم. زيلعي.
قوله: (وما بقي من الثلث فللوصايا) اقتصاره في المتن على ذلك غير موف بالمراد، فكان عليه ذكر
التفصيل الذي ذكره الشارح بقوله: فيؤخذ الخ كما فعل في الملتقى والدرر والاصلاح. قوله:
(والدين الخ) جواب سؤال: هو أن هذا إقرار بدين والدين مقدم على حق الورثة، وحق أصحاب
الوصايا فلم قدم العزل لهما عليه؟. قوله: (ما ذكر) أي من تصديق الفريقين. قوله: (فيؤخذ الورثة
بثلثي ما أقروا به الخ) لأنه إذا أقر كل فريق بسهم ظهر أن في التركة دينا شائعا في النصيبين، فيؤخذ
الدين منهم بحساب ما في أيديهم من التركة. عيني وغيره. قوله: (وما بقي فلهم) أي ما بقي من
الثلث فلأصحاب الوصايا، وما بقي من الثلثين فللورثة، حتى لو قال الموصى لهم الدين مائة يعطي
المقر له ثلثها مما في أيديهم، فإن فضل شئ فلهم، وإن قال الورثة: الدين ثلاثمائة يعطي المقر له مائتين
مما في أيديهم فإن فضل شئ فلهم، وإلا فلا. إتقاني. قوله: (على العلم) أي بأنهم لا يعلمون أن له
أكثر من ذلك. قال الزيلعي: لأنه تحليف على فعل الغير اه‍: أي على ما جرى بين المدعي والميت لا

257
على فعل نفسه فلا يحلف على البتات. قوله: (قلت بقي الخ) منشأ ذلك أن قول المصنف كغيره عزل
الثلث لأصحاب الوصايا ظاهر في أن الوصايا استغرقت الثلث، وبه صرح الزيلعي وابن الكمال كما
يأتي في الاشكال، فلم يعلم منه حكم ما إذا كانت دونه. نعم يفهم منه أنه يعزل بقدرها. بقي إذا
عزل منه بقدر الوصايا فقط. وقيل: لكل من أصحابها والورثة صدقوه فيما شئتم، فكم يؤخذ من كل
فريق منهم؟ وذكر ط أن قياس ما ذكروه في المسألة السابقة أن ينظر إلى ما في يد كل، فيكون ما
صدقوه فيه لازما على قدر الحصص اه‍.
قلت: وبقي أيضا أن ما يؤخذ من أصحاب الوصايا هل يرجعون به في ثلث التركة تكميلا
لوصاياهم بناء على أن ما أخذه المقر له دين ثبت شائعا في التركة بعد إقرار الفريقين كما مر عن
العيني، وقد بقي من الثلث ما يكمل وصاياهم، بخلاف المسألة السابقة، لان الوصايا قد استغرقت
الثلث فيها أم لا لا يرجعون به لان ما يأخذه المقر له وصية في حقهم كما صرح به الإتقاني في المسألة
السابقة؟ لم أر، فتأمل. قوله: (وبقي أيضا هل يلزمهم) الأولى أن يقول: كيف يلزمهم، وهو استشكال
الالزام الورثة بتصديقه بعد عزلهم الثلث للوصايا. وقوله: يراجع ابن كمال به إنما قال به: أي
بسبب ما توقف فيه الشارح، لان ما ذكره ابن الكمال على المسألة السابقة، لكن يفهم منه جواب ما
توقف فيه الشارح كما قررناه، فافهم. وعبارة ابن الكمال: قيل: هذا مشكل من حيث إن الورثة كانوا
يصدقونه إلى الثلث، ولا يلزمهم أن يصدقوه في أكثر من
الثلث، وهنا ألزمهم أن يصدقوه في أكثر من الثلث لان أصحاب الوصايا أخذوا الثلث على تقدير أن تكون الوصايا تستغرق في الثلث كله ولم يبق في
أيديهم من * الثلث شئ، فوجب أن لا يلزمهم تصديقه اه‍.
وقوله: من حيث إن الورثة كانوا الخ: أي في مسألة ما إذا لم يوص بوصايا مع الاقرار، قوله
وهنا: أي فيما إذا أوصى بوصايا مع ذلك، وأصل الاشكال للامام الزيلعي.
وأجاب عنه العلامة المقدسي: بأنه لما كان المقر به له شبهان: شبه الوصية لخروجها مخرجها،
وشبه الدين لتسميته إياه دينا، فهو دين في الصورة ووصية في المعنى، فروعي شبه الوصية حين لا
وصية، وروعي شبه الدين حين وجود الوصية، لان التنصيص عليه معها دليل المغايرة، فصدق فيما
زاد على الثلث مع مراعاة جانب الورثة والموصى له، حيث علق بمشيئتهم تعويلا على علمهم في
ذلك، واجتهادهم في تخليص ذمة مورثهم اه‍. وأجاب العلامة قاضي زادة بجواب رده الشرنبلالي،
وأجاب عن الاشكال بجواب آخر قريب من جواب المقدسي، فراجعهما من حاشية ح. قوله: (على ما
مر) أي من الأصل السابق. قوله: (لأنه إقرار بعقد سابق بينهما الخ) لم أر من علل بذلك، وفيه نظر
لان الاقرار لا يقتضي سبق عقد بين المقر والمقر له، وإنما يقتضي سبق الملك للمقر به، وإنما العلة ما
في شرح الجامع الصغير لقاضيخان حيث قال: والفرق: أي بين الاقرار والوصية أن الاقرار إخبار،

258
فلو صح إقراره للأجنبي ثبت المخبر به وهو الدين المشترك، لأنه أقر بدين مشترك فثبت كذلك، فما
من شئ يأخذه الأجنبي إلا للوارث حق المشاركة فيه، فيصير إقرارا للوارث، أما الوصية فتمليك
مبتدأ لهما، فبطلان التمليك لأحدهما لا يبطل للآخر اه‍. ونحوه في الهداية والزيلعي.
قوله: (لثلاثة أنفس الخ) بأن قال لزيد الجيد، ولعمرو الوسط، ولبكر الردئ. إتقاني. قوله:
(فضاع منها ثوب) أي بعد موت الموصي، ط عن الشلبي. قوله: (والوارث يقول لكل منهم هلك
حقك) أي يحتمل أن الهالك هو حقك، ففي التعبير مسامحة، وإلا فهلاك حق كل إنما يتصور فيما لو
ضاعت الثلاثة، وإلا فهو كذب، والأولى في التعبير ما في شروح الجامع الصغير من أن المراد بجحود ا
لوارث أن يقول: حق واحد منكم بطل، ولا أدري من بطل حقه ومن بقي فلا نسلم إليكم شيئا.
أفاده الطوري. قوله: (كوصية الخ) البطلان فيها قول الإمام كما يأتي قبيل وصايا الذمي. قوله:
(ويسلموا) أي الورثة، وهو من عطف المسبب على السبب ط. قوله: (لزوال المانع) أي المانع من
التسليم لا الصحة، لان المانع منها الجهالة وهي باقية. تأمل. قوله: (وهو الجحود) أي جحود الورثة
بقاء حق كل. قوله: (فتقسم لذي الجيد الخ) أي الجيد في نفس الامر، وقوله: ثلثاه أي ثلثا الجيد من
الثوبين الباقيين، ففيه شبه استخدام، وكذا فيما بعده. أفاده ط.
ووجه هذه القسمة أن ذا الوسط حقه في الجيد من الباقين إن كان الهالك أرفع منهما، وإن كان
أردأ منهما فحقه في الردئ منهما، فتعلق حقه مرة بهذا ومرة بالآخر، وإن كان الهالك هو الوسط فلا
حق له فيهما، فقد تعلق حقه بكل واحد من الباقين في حال، ولم يتعلق في حالين فيأخذ ثلث كل
منهما، وذو الردئ يدعي الردئ لا
الجيد فيسلم ثلثا الجيد لذي الجيد وثلثا الردئ لذي الردئ اه‍. من شرح الجامع الخاني. قوله:
(وقسم) أي بين الحي وورثة الميت. قاضيخان. والأصوب أن يقول: قسمت كما عبر ابن الكمال
وغيره، لان الضمير للدار. قوله: (ووقع) أي البيت في حظه: أي حظ الميت. قوله: (فهو للموصى
له) أي عندهما، وعند محمد: نصفه للموصى له، وإن وقع في نصيب الآخر فله مثل ذرع نصف البيت

259
ودليل كل مع بيان كيفية القسمة. بسطه الزيلعي وحققه الإتقاني وسعدي. قوله: (لكان أولى) لان
الاخبار في كلام الفقهاء للوجوب. قوله: (والاقرار) لو قال كالاقرار وحذف قوله: مثلها كما عبر في
الدرر والاصلاح لكان أولى، لان الأصح كما في الشرنبلالية عن الكافي أن هذه المسألة وفاقية،
فناسب أن تشبه بها الخلافية كما هو العادة لا بالعكس. قوله: (وبألف عين) بأن قال أوصيت بهذا
الألف لفلان، والتقييد بكونه وديعة لم أره لغيره، وقوله: من مال آخر أي رجل آخر صفة ألف،
ومفهومه أنه إذا لم يعين الألف بأن قال: أوصيت بألف من مال زيد لم تصح أصلا وإن أجاز زيد ودفع،
وليحرر نقلا. قوله: (ودفعه إليه) أي دفع الألف إلى الموصى له، لان إجازته تبرع: أي بمنزلة الهبة،
والهبة لا تتم بدون تسليم، فإن دفع تمت الهبة، وإلا فلا. شرح الجامع وغيره. قوله: (فلا رجوع له)
لعله لكونه ليس هبة من كل وجه كما أفاده ما نقلناه آنفا. لان عقد الوصية صحيح موقوف على
الإجازة، إذ لو كان باطلا لم ينفذ بها، ويدل عليه ما في الولوالجية: أوصى له بعبد فلان ثم ملكه تبقى
الوصية اه‍. لكن ذكر الزيلعي أنها لا تبقى. تأمل. قوله: (بل يجبروا) صوابه: يجبرون. قوله: (لما
تقرر الخ) بيان للفرق.
وحاصله: أن الوصية هنا في مخرجها صحيحة لمصادفتها ملك نفسه، والتوقف كان لحق الورثة،
فإذا أجازوا سقط حقهم فنفذ من جهة الموصي. درر. قوله: (يتملكه من قبل الموصي عندنا) فيجبر
الوارث على التسليم، ولو أعتق عبدا في مرضه ولا مال له غيره وأجازت الورثة العتق فالولاء كله
للميت، ولو كان الوارث متزوجا بجارية المورث ولا مال له غيرها فأوصى بها لغيره فأجاز الوارث
وهو الزوج الوصية لا يبطل نكاحه. وتمامه في الزيلعي أول الوصايا. قوله: (ولو أقر أحد الابنين)
وكذا الحكم لو أقر أحد البنين الثلاثة أو الأربعة يصح في ثلث نصيبه كما في المجمع. قوله: (بعد
القسمة) مفهومه أن الاقرار قبلها (1) لا يصح. تأمل. قوله: صح إقراره الخ هذا إذا لم تقم بينة على
الوصية بثلث لرجل آخر، فلو قامت فلا شئ لهذا على المقر وبطل الاقرار كما نقله الطوري عن
المبسوط. قوله: (استحسانا) والقياس: أن يعطيه نصف ما في يده، وهو قول زفر. وتمامه في



(1) قوه: (أن الاقرار قبلها إلخ) استظهر العلامة ط صحة الاقرار قبل القسمة أيضا وهو وجيه اه‍.
260
الزيلعي. قوله: (حيث يلزمه كله) يعني أن وفي ما ورثه به، ولو شهد في هذا المقر مع آخر أن الدين
كان على الميت قبلت كما تقدم في كتاب الاقرار قبيل باب الاستثناء. قوله: (لتقدم الدين على الميراث)
فيكون مقرا بتقدمه عليه، ولا كذلك الوصية، لان الموصى له شريك الورثة فلا يأخذ شيئا إلا إذا سلم
للوارث ضعفه. زيلعي. قوله: (وبأمة) أي ولو أوصى بأمة. قوله: (فهما للموصى له) لان الام
دخلت أصالة والولد تبعا حين كان متصلا بها. زيلعي. قوله: (وقالا يأخذ منهما على السواء) فإذا كان
له ستمائة درهم وأمة تساوي ثلاثمائة فولدت له ولدا يساوي ثلاثمائة قبل القسمة فللموصى له الام
وثلث الولد عنده، وعندهما: له ثلثا كل واحد منهما. ابن كمال. قوله: (هذا) أي دخول الحمل في
الوصية تبعا. معراج. قوله: (على ما ذكره القدوري) ومشايخنا قالوا: يصير موصى به حتى يعتبر
خروجه من الثلث كما إذا ولدته قبل القبول. زيلعي. قوله: (والكسب كالولد فيما ذكر) قال في
الهندية: والزيادة الحادثة من الموصى به كالغلة والكسب والأرش بعد موت الموصي قبل قبول الموصى له
الوصية، هل يصير موصى به؟ لم يذكره محمد، وذكر القدوري أنه لا يصير موصى بها حتى كانت
للموصى له من جميع المال كما لو حدثت بعد القسمة. وقال مشايخنا: يصير موسى به حتى يعتبر
خروجه من الثلث. وكذا في محيط السرخسي اه‍. والله تعالى أعلم.
باب العتق في المرض
هو من أنواع الوصية، لكن لما كان له أحكام مخصوصة أفرده في باب على حدة، وأخره عن
صريح الوصية لان الصريح هو الأصل. عناية. قوله: (منجز) احتراز عن المضاف الآتي بيانه، فالعبرة
فيه لحال الإضافة. قوله: (في الحال) أي حال صدوره ط. قوله: (وإلا فمن ثلثه) استثنى في الأشباه
التبرع بالمنافع كسكنى الدار. قال: فإنه نافذ من كل المال. وتمامه فيها وفي حواشيها. قوله: (والمراد)
أي من التصرف المذكور. قوله: (حتى أن الاقرار الخ) أي لغير الوارث وهو محترز قوله: إنشاء فإن
الاقرار إخبار. قوله: (والنكاح الخ) محترز قوله: فيه معنى التبرع فإن النكاح بقدر مهر المثل لا تبرع
فيه لان البضع متقوم حال الدخول وقيمته مهر المثل، فإن قوبل به كان معاوضة لا تبرعا والزائد عليه
محاباة وهي من قبيل الوصية لأنها إنشاء فيه معنى التبرع، وكذا بدل الخلع لان البضع حال الخروج غير

261
متقوم، فما جعل في مقابلته تبرع قليلا كان أو كثيرا. رحمتي. قوله: (وإن كان في الصحة) أن وصيلة
لان التصرف المضاف إلى الموت المعتبر فيه حالة الموت كما في الدرر. قوله: (ومرض صح منه
كالصحة) كذا ذكرت هذه المسألة في هذا المحل في عامة المعتبرات كالملتقى والاصلاح وغيرهما،
والأولى ذكرها قبل قوله والمضاف لأنه لا فرق فيه بين الصحة والمرض. تأمل. قال القهستاني: فلو
أوصى بشئ صارت باطلة لأنه ظهر بالصحة أنه لا يتعلق بماله حق أحد، وهذا إذا قيد بالمرض بأن
قال: إن مت من مرضي هذا. وإما إذا أطلق ثم صح فباقية، وإن عاش بعد ذلك سنين كما في التتمة ا
ه‍. قوله: (وفي المرض المعتبر) بجر المعتبر صفة للمرض: أي المعتبر لنفوذ التصرف الانشائي من
الثلث، وهو متعلق بمحذوف تقديره: والحد في المرض المعتبر هو المبيح لصلاته قاعدا، وقد قدم
الكلام على هذا أول كتاب الوصايا بأبسط مما هنا ط. قوله: (ومحاباته) أي في الإجارة والاستئجار
والمهر والشراء والبيع، بأن باع مريض مثلا من أجنبي ما يساوي مائة بخمسين كما في النتف.
قهستاني: أي أو يشتري ما يساوي خمسين بمائة، فالزائد على قيمة المثل في الشراء والناقص في البيع
محاباة: أي مسامحة، من حبوته حباء ككتاب: أعطيته الشئ من غير عوض اه‍. ط عن المصباح،
وقيد المحاباة في البزازية وغيرها بما لا يتغابن فيه.
قلت: وفي آخر إجارات الوهبانية:
وإيجار ذي ضعف من الكل جائز * ولو أن أجر المثل من ذاك أكثر
قال الشرنبلالي في شرحه: صورتها مريض آجر داره بأقل من أجرة المثل، قالوا: جازت الإجارة
من جميع ماله ولا تعتبر من الثلث، لأنه لو أعارها وهو مريض جازت، فالإجارة بأقل من أجر المثل
أولى. قال الطرسوسي: وهذه المسألة خالفت القاعدة، فإن الأصل أن المنافع تجري مجرى الأعيان،
وفي البيع يعتبر من الثلث اعتبارا للفرع بالأصل. والفرق أن البيع عقد لازم يتعلق بعين المال وقد تعلق
به حق الورثة والغرماء، والإجارة تتعلق بالنفقة وتنفسخ بالموت فلا يتصور التعلق بعده اه‍. فتنبه.
ولعلهما روايتان كما سيذكره الشارح في الفروع آخر الوصايا. قوله: (وهبته) أي إذا اتصل بها القبض
قبل موته، أما إذا مات ولم يقبض فتبطل الوصية، لان هبة المريض هبة حقيقية وإن كانت وصية حكما
كما صرح به قاضيخان وغيره اه‍. ط عن المكي. قوله: (وضمانه) هو أعم من الكفالة، فإن منه ما
لا يكون كفالة بأن قال أجنبي خالع امرأتك على ألف على أني ضامن أو قال: بع عبدك هذا على أني
ضامن لكن بخمسمائة من الثمن سوى الألف، فإن بدل الخلع يكون على الأجنبي لا على المرأة
والخمسمائة على الضامن دون المشتري (1). عناية.
تنبيه: قال في البزازية: وكفالته على ثلاثة أوجه: في وجه كدين الصحة بأن كفل في الصحة
معلقا بسبب ووجد السبب في المرض بأن قال: ما ذاب لك على فلان فعلي. وفي وجه كدين المرض



(1) قوله: (دون المشتري) وجهه أن هذا من باب الزيادة في الثمن، وهي من الأجنبي جائزة، بخلاف ما إذا يقل من
الثمن حيث لا يلزمه شئ كما في متفرقات بيوع الكنز.
262
بأن أخبر في المرض بأني كفلت فلانا في الصحة لا يصدق في حق غرماء الصحة والمكفول له مع
غرماء المرض، وفي الأول مع غرماء الصحة وفي وجه كسائر الوصايا بأن أنشأ الكفالة في مرض
الموت اه‍.. قوله: (حكمه كحكم وصية) أي من حيث الاعتبار من الثلث لا حقيقة الوصية، لان
الوصية إيجاب بعد الموت، وهذه التصرفات منجزة في الحال. زيلعي. قوله: (وليحرر) تحريره أنه لا
ينافي ما هنا، لان المستغرق بالدين لا ثلث به. رحمتي. قوله: (ويزاحم أصحاب الوصايا في الضرب)
أي العبد المعتق والمحابي. والموهوب له والمضمون له يضرب في الثلث مع أصحاب الوصايا، فإن وفى
الثلث بالجميع وإلا تحاصصوا فيه، ويعتبر في القسمة قدر ما لكل من الثلث، هذا ما ظهر لي اه‍ ط.
أقول: وقال العلامة الإتقاني: والمراد من ضربهم بالثلث مع أصحاب الوصايا أنهم يستحقون
الثلث لا غير، وليس المراد أنهم يساوون أصحاب الوصايا في الثلث ويحاصصوهم، لان العتق المنفذ
في المرض مقدم على الوصية بالمال في الثلث، بخلاف ما إذا أوصى بعتق عبده بعد موته أو قال: هو
حر بعد موتي بيوم أو شهر فإنه كسائر الوصايا اه‍. ملخصا.
قلت: وكالعتق المنفذ المحاباة المنجزة كما مر عند قول المصنف: إذا اجتمع الوصايا ويأتي قريبا.
قوله: (إن أجيز عتقه) أي إذا ضاق الثلث، ولو كان الإجارة قبل موت الموصي كما قدمناه أول
الوصايا عن البزازية. قوله: (لان المنع) أي من تنفيذه من كل المال، والأولى: لان السعي تأمل.
قوله: (فإن حابى فحرر الخ) صورة الأولى: باع عبدا قيمته مائتان بمائة ثم أعتق عبدا قيمته مائة ولا
مال له سواهما يصرف الثلث إلى المحاباة ويسعى المعتق في كل قيمته. وصورة العكس: أعتق الذي
قيمته مائة ثم باع الذي قيمته مائتان بمائة، يقسم الثلث وهو المائة بينها نصفين، فالمعتق يعتق نصفه
مجانا ويسعى في نصف قيمته، وصاحب المحاباة يأخذ العبد الآخر بمائة وخمسين. ابن كمال.
والأصل في هذا: أن الوصايا إذا لم يكن فيها ما جاوز الثلث فكل واحد من أصحابها يضرب
بجميع وصيته في الثلث لا يقدم البعض على البعض، إلا العتق الموقع في المرض والعتق المعلق بالموت
كالتدبير الصحيح سواء كان مطلقا أو مقيدا، والمحاباة في المرض. وتمامه في الزيلعي. قوله: (وقالا
عتقه أولى فيهما) أي في المسئلتين لأنه لا يلحقه الفسخ. وله أن المحاباة أقوى لأنها في ضمن عقد
المعاوضة، لكن إن وجد العتق أولا وهو لا يحتمل الدفع يزاحم المحاباة. ابن كمال. وقول الزيلعي
والمصنف في المنح وقالا: هما سواء في المسئلتين سبق قلم، والصواب ما هنا كما نبه عليه الشلبي.
قوله: (بهذه المائة) أي المعينة، وإنما قيد بذلك حتى يتصور هلاك بعضها. فلو قال بمائة وزادت على
الثلث تبطل أيضا كما مر متنا. قوله: (لان القربة تتفاوت الخ) لا يظهر بهذا التعليل الفرق بين العتق
والحج، فالمناسب قول الزيلعي: وله أنه وصية بالعتق بعبد يشتري بمائة من ماله، وتنفيذها فيمن
يشتري بأقل منه تنفيذ في غير الموصى به وذلك لا يجوز، بخلاف الوصية بالحج لأنها قربة محضة هي
حق الله تعال والمستحق لم يستبدل، وصار كما إذا أوصى لرجل بمائة فهلك بعضها يدفع إليه الباقي ا

263
ه‍. قوله: (وإن فدى لا) فإن لم يوجد الدفع والفداء وأعتقه الوصي: فإن عالما بالجناية لزمه تمام
الأرش، وإلا فالقيمة، ولا يرجع لان الوصية بعتق عبد غير جان فقد خالف. سائحاني. قوله: (ولو
أوصى بثلثه الخ) معناه ترك عبدا ومالا وارثا والعبد مقدار ثلث ماله، وله صرح قاضيخان. معراج
قوله: (لينفذ من كل المال) فكأنه يقول: لم يقع العتق وصية ووصيتي بثلث ماله صحيحة فيما وراء
العبد. قوله: (ويقدم على بكر) لأنه إذا وقع في المرض وقع وصية وقيمة العبد ثلث المال فلم يكن
للموصى له بالثلث شئ، لان الوصية بالعتق مقدمة بالاتفاق. معراج. قوله: (ولا شئ لزيد) لما
علمته من تقديم العتق. وأما قول المصنف فيما مر ويزاحم أصحاب الوصايا فقد علمت المراد منه،
فافهم. قوله: (إلا أن يفضل الخ) أي إلا أن يكون ثلث المال زائدا على قيمة العبد فتنفذ الوصية لزيد
فيما زاد على القيمة. منح قوله: (من قيمة العبد) كذا عبر الزيلعي. وعبارة الدرر: على قيمة العبد
وهي أولى وإن أمكن جعل من بمعنى على كما قال الأخفش والكوفيون في قوله تعالى: * (ونصرناه من
القوم) * (الأنبياء: 77) أفاده ط عن المكي. قوله: (فإن الموصى له خصم الخ) جواب عن إشكال، وهو
أن الدعوى في العتق شرط لإقامة البينة عنده، وكيف تصح أقامتها من غير خصم؟ فقال: وهو خصم
في إثبات حقه لأنه مضطر إلى إقامتها على حرية العبد ليفرغ الثلث عن الاشتغال بحق الغير. معراج.
قوله: (وكذا العبد) أي خصم أيضا لان أقول: والمراد أنه خصم في غير هذه الصورة، لان الوارث مقر بعتقه العتق حقه.
هنا أو فيما إذا زادت
قيمته على الثلث فهو خصم في إثبات عتقه في الصحة. تأمل. قوله: (وقالا يعتق ولا يسعى الخ) لان
الدين والعتق في الصحة ظهرا معا بتصديق الوارث في كلام واحد فكأنهما وقعا معا والعتق في
الصحة لا يوجب السعاية، وإن كان على المعتق دين. وله أن الاقرار بالدين أولى من الاقرار بالعتق،
ولهذا يعتبر إقراره في المرض بالدين من جميع المال وبالعتق من الثلث، والأقوى يدفع الأدنى، إلا أنه
بعد وقوعه لا يحتمل البطلان فيدفع من حيث المعنى بإيجاب السعاية عليه. ابن كمال. قوله: (وعلى
هذا الخلاف) كذا عبر في الهداية، والتعبير به ظاهر على ما قرره صاحب الهداية من ذكر الخلاف

264
الآتي، والشارح لم يتابعه بل مشى على عكسه، فالخلاف هنا حينئذ عكس الخلافة في المسألة الأولى،
فكان عليه ذكر المسألة مبتدأة بدون ذلك، فافهم. قوله: (نصفان) لان الوديعة لم تظهر إلا مع الدين
فيستويان. زيلعي. قوله: (وقالا الوديعة أقوى) لأنها تثبت في عين الألف والدين يثبت في الذمة أولا
ثم ينتقل إلى العين، فكانت الوديعة أسبق وصاحبها أحق. زيلعي. قوله: (والأصح ما ذكرنا) وهو
المذكور في عامة الكتب. عناية.
باب الوصية للأقارب وغيرهم
أي من الأهل والأصهار والأختان ونحو ذلك، وإنما أخر هذا الباب لأنه في أحكام الوصية
المخصوصين وفيما نقدمه ذكر أحكامها على وجه العموم والخصوص يتلو العموم أبدا. منح. قوله:
(جاره من لصق به) لما كان لكل من الأقارب والجيران خصوصية تستدعي الاهتمام نبه على أهمية كل
منهما من وجه حيث قدم الأقارب في الترجمة والجيران هنا. سعدية. قوله: (وهو استحسان)
والصحيح قول الإمام كما أفاده في الدر المنتقى وصرح به العلامة قاسم، وهو القياس كما في
الهداية، فهو مما رجح فيه القياس على الاستحسان.
تنبيه: يستوي في الجار ساكن ومالك وذكر وأنثى ومسلم وذمي وصغير وكبير، ويدخل فيه العبد
عنده. وقالا: تلك وصية لمولاه وهو غير جار، بخلاف المكاتب، ولا تدخل من لها بعل لتبعيتها فلم
تكن جارا حقيقة. مقدسي. وقوله ومالك: يعني إذا كان ساكنا. أبو السعود. قوله: (وصهره كل ذي
رحم محرم من عرسه) لما روى: أنه عليه الصلاة والسلام لما تزوج صفية أعتق كل من ملك من ذي
رحم محرم منها إكراما لها وكانوا يسمون أصهار النبي صلى الله عليه وآله، وهذا التفسير اختيار محمد وأبي عبيد،
وكذا يدخل فيه كل ذي رحم محرم من زوجة أبيه وزوجة ابنه وزوجة كل ذي رحم محرم منه، لان
الكل أصهار. هداية. وقول محمد حجة في اللغة استشهد بقوله أبو عبيد في غريب الحديث مع أنه
مؤيد بقول الخليل: لا يقال لأهل بيت المرأة إلا الأصهار. وفي شرح الزيادات للبزدوي: قد يطلق
الصهر على الختن، لكن الغالب ما ذكره محمد. إتقاني ملخصا، وتمامه في الشرنبلالية. قوله:
(وأخواتها) كذا فيما رأيت من النسخ، وصوابه: وإخوتها لان أخوات جمع أخت. قوله: (وإن ورثت
منه) بأن أبانها في المرض لان الرجعي لا يقطع النكاح والبائن يقطعه. زيلعي. قوله: (عناية) لم أجد

265
ذلك فيها. نعم ذكره الزيلعي كما سيأتي. قوله: (قلت لكن الخ).
أقول: الظاهر اعتبار العرف في ذلك، لما في جامع الفصولين من أن مطلق الكلام فيما بين
الناس ينصرف إلى المتعارف اه‍. حتى لو تعورف خلاف ذلك كله يعتبر كأهل دمشق يطلقون الصهر
على الختن ولا يفهمون منه غيره، وهي لغة كما مر. وأما ما في البرهان وغيره فهو نقل لما دونه
صاحب المذهب، فلا دلالة فيه على أن العرف هنا لا يعتبر، هذا ما ظهر لي فتدبر. قوله: (ثم نقل)
أي في الشرنبلالية عن العيني: أي في شرحه على الهداية عند عبارتها التي نقلناها آنفا. قوله: (صوابه
جويرية) أخرجه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: وقعت جويرية بنت الحارث بن المصطلق
في سهم ثابت بن قيس بن شماس وابن عم له فكاتبت عن نفسها. وفي مسند أحمد والبزاز وابن
راهويه: أنه كاتبها على تسع أواق من الذهب، فدخلت تسأل رسول الله صلى الله عليه وآله في كتابتها، فقالت: يا
رسول الله أنا امرأة مسلمة أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأنا جويرية بنت الحارث سيد
قومه، أصابني من الامر ما قد علمت فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبني على ما لا طاقة لي به
وما أكرهني على ذلك إلا أني رجوتك صلى الله عليك، فأعني في فكاكي، فقال: أو خير من ذلك؟
فقالت: ما هو؟ قال: أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك. قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت،
فأدى رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان عليها من كتابتها وتزوجها، فخرج الخبر إلى الناس فقالوا: أصهار رسول
الله صلى الله عليه وآله يسترقون، فأعتقوا ما كان بأيديهم من سبي بني مصطلق مائة أهل بيت، قالت عائشة: فلا
علم امرأة كانت على قومها أعظم بركة منها.
قال في الشرنبلالية: وقد علمت أن السبي كان قد قسم، وأن المعتقين للسبي هم الصحابة لا
النبي صلى الله عليه وآله. وفي الاستدلال به على أن الصهر كل ذي رحم محرم من امرأته تأمل، لما علمت من
القصة. قوله: (وكذا كل ذي رحم) أي محرم كما في المنح وغيرها. قال محمد في الاملاء: إذا قال
: أوصيت لأختاني بثلث مالي، فأختانه زوج كل ذات رحم منه وكل ذي رحم محرم من الزوج، فهؤلاء
أختانه، فإن كان له أخت وبنت أخت وخالة لكل واحدة منهن زوج لزوج كل واحدة منهن أرحام
فكلهم جميعا أختانه، والثلث بينهم بالسوية الأنثى والذكر فيه سواء وأم الزوج وجدته وغير ذلك سواء
اه‍. إتقاني، والشرط هنا أيضا قيام النكاح بين محارمه أزواجهن عند موت الموصي كما نقله
الطوري. قوله: (وفي عرفنا الصهر أبو المرأة وأمها) مكرر مع ما سبق ط. قوله: (قلت: غير مماليكه) أي

266
وغير وارثه شرنبلالية واتقاني قوله (جوابه في المطولات) وهو أن الاسم حقيقة للزوجة
يشهد بذلك النص والعرف. قال تعالى: * (وسار بأهله) * (القصص: 29) * (وقال لأهله امكثوا) *
(القصص: 29) ومنه قولهم تأهل ببلدة كذا، والمطلق ينصرف إلى الحقيقة المستعملة. زيلعي، يشير إلى أن
ما استدلا به غير مطلق بقرينة الاستثناء، وميل الشارح إلى ترجيح قول الإمام وإن كان هو القياس،
ولذا قال في الدر المنتقى: ولكن المتون على قوله وقدمه المصنف فليحفظ أيضا اه‍. وهذا إذا كانت
الزوجة كتابية مثلا أو أجازت الورثة. وفي أبي السعود عن الحموي: ينظر حكم ما لو أوصت لأهلها
هل يكون الزوج لا غير؟ اه‍.
أقول: الظاهر لا، إذ لا حقيقة ولا عرف. قوله: (وقبيلته) عطف تفسير لقوله: أهل بيته بدليل
قول الهداية لان الآل القبيلة التي ينسب إليها. قوله: (من ينسب إليه) على حذف مضاف: أي إلى
نسبة، بأن يشاركه فيه ويجتمع معه في أحد آبائه ولو الأب الاعلى، هذا ما ظهر لي ويأتي ما يوضحه،
وإلا فقبيلة الموصي لا تنسب إليه نفسه إلا إذا كان أبا القبيلة.
ثم رأيت في الاسعاف ما نصه: أهل بيت الرجل وآله وجنسه واحد، وهو كل من يناسبه بآبائه
إلى أقصى أب له في الاسلام، وهو الذي أدرك الاسلام أسلم أو لم يسلم فكل من يناسبه إلى هذا
الأب من الرجال والنساء والصبيان فهو من أهل بيته اه‍. فقوله: يناسبه: أي يشاركه في نسبة أولى من
قول المصنف: ينسب إليه كما لا يخفى. قوله: (لأنه مضاف إليه) أي والوصية للمضاف لا المضاف
إليه. زيلعي عن الكافي. قال ط: وفيه أنه لا يظهر إلا لو قال
: أوصيت لآل عباس مثلا، أما لو قال: أوصيت لآلي أو لآل زيد وهو غير أب الأقصى لا يظهر، ولو علل بأن الأب الأقصى لا يقال له
أهل بيته لكان أولى اه‍.
قلت: وعبارة الهداية: أوصي لآل فلان. قوله: (إن كانوا لا يحصون) عبارة الاختيار: وإن كان
لا يحصون قوله وزوجته أي إذا كان من قوم أبيه سائحاني. قوله: (ولا يدخل فيه أولاد البنات
الخ) أي إذا لم يكن آباؤهم من قومه. سائحاني. قوله: (يتجنس بأبيه) أي يقول أنا من جنس فلان.
قال في غاية البيان: لان الجنس عبارة عن النسب والنسب إلى الآباء اه‍. قوله: (كآله وجنسه) بيان

267
المرجع اسم الإشارة في قوله: وكذا يعني أن أهل بيته وأهل نسبه مثل آله وجنسه في أن المراد بالكل
قوم أبيه دون أمه وهم قبيلته التي ينسب إليها.
قال في الهندية: ولو أوصى لأهل بيته يدخل فيه من جمعه وإياهم أقصى أب في الاسلام، حتى
أن الموصي لو كان علويا أو عباسيا يدخل فيه كل من ينسب إلى علي أو العباس من قبل الأب لا من
ينسب من قبل الام. وكذا أوصى لحسبه أو نسبه لأنه عبارة عمن ينتسب إلى الأب دون الام،
وكذلك إذا أوصى لجنس فلان فهم بنو الأب وكذلك اللحمة عبارة عن الجنس وكذلك الوصية لآل
فلان بمنزلة الوصية لأهل بيت فلان ا ه‍ ملخصا. قوله: (ومفاده الخ) يؤيده قول الهندية عن البدائع:
فثبت أن الحسب والنسب يختص بالأب دون الام اه‍. فلا تحرم عليه الزكاة، ولا يكون كفؤا
للهاشمية، ولا يدخل في الوقف على الاشراف ط. قوله: (وبه أفتى شيخنا الرملي) حيث قال في
فتاواه في باب ثبوت النسب ما حاصله: لا شبهة في أن له شرفا ما، وكذا لأولاده وأولادهم إلى آخر
الدهر. أما أصل النسب فمخصوص بالآباء. وسئل أيضا عن أولاد زينب بنت فاطمة الزهراء زوجة
عبد الله بن جعفر الطيار. فأجاب أنهم أشراف بلا شبهة، إذ الشريف كل من كان من أهل البيت
علويا أو جعفريا أو عباسيا، لكن لهم شرف الآل الذين تحرم الصدقة عليهم، لا شرف النسبة إليه
صلى الله عليه وآله. فإن العلماء ذكروا أن خصائصه صلى الله عليه وآله أنه ينسب إليه أولاد بناته، فالخصوصية للطبقة العليا،
فأولاد فاطمة الأربعة الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب ينسبون إليه صلى الله عليه وآله، وأولاد الحسين ينسبون
إليهما فينسبون إليه صلى الله عليه وآله، وأولاد زينب وأم كلثوم ينسبون إلى أبيهم لا إلى أمهم، فلا ينسبون إلى فاطمة
ولا إلى أبيهم صلى الله عليه وآله لأنهم أولاد بنت بنته لا أولاد بنته، فيجري فيهم الامر على قاعدة الشرع الشريف في
أن الولد يتبع أباه في النسب لا أمه، وإنما خرج أولاد فاطمة وحدها للخصوصية التي ورد بها
الحديث وهي مقصورة على ذرية الحسن والحسين، لكن مطلق الشرف الذي للآل يشملهم. وأما
الشرف الأخص وهو شرف النسبة إليه صلى الله عليه وآله فلا اه‍. ملخصا. وأصله العلامة ابن حجر المكي الشافعي.
أقول: وإنما يكون لهم شرف الآل المحرم للصدقة إذا كان أبوهم من الآل كما مر، والمراد
بالحديث ما أخرجه أبو نعيم وغيره: كل ولد آدم فإن عصبتهم لأبيهم، ما خلا ولد فاطمة فإني أنا
أبوهم وعصبتهم. قوله: (وإن أوصى لأقاربه الخ) زاد في الملتقى: وأقرباءه وذوي أرحامه. قوله:
(كذا النسخ) وكذا في الكنز والغرر والاصلاح. قوله: (قلت: صوابه لذوي) أي بالجمع كما عبر في
الملتقى، لأنه إذا أوصى لذي قرابته وله عم واحد وخالان فالكل للعم، لأنه لفظ مفرد فيحرز الواحد
جميع الوصية إذ هو الأقرب. زيلعي. وفي غرر الأفكار: إذا قال لقرابته أو لذي قرابته أو لذي نسبه
فالمنفرد يستحق كل الوصية عند الكل اه‍. قوله: (أو لأنسابه) استشكله الزيلعي بأنه جمع نسب.

268
وفيه: لا يدخل قرابته من جهة الام فكيف دخلوا فيه هنا اه‍. وأجاب الشلبي بأن المراد بأنسابه
حقيقة النسبة وهي ثابتة من الام كالأب.
أقول: وفيهم أنهم اعتبروا في أهل نسبه النسب من جهة الآباء كما مر، فما الفرق بينهما؟.
قوله: (فهي للأقرب فالأقرب الخ) حاصله أن الامام اعتبر خمس شرائط: وهي كونه ذا رحم محرم،
واثنين فصاعدا، ومما سوى الوالد والولد، وممن لا يرث والأقرب فالأقرب. وقالا: كل من يجمعه
وأباه أقصى أب في الاسلام. وخالفاه في شرطين: المحرمية والقرب، فيكفي عندهما الرحم بلا
محرمية، ويستوي الأقرب والأبعد. واتفقوا على اعتبار الاثنين فصاعدا لأنه اسم جمع والمثنى كالجمع،
وأن لا يكون وارثا ولا والدا أو ولدا. إتقاني عن المختلف ملخصا. لكن قال الزيلعي: ويستوي الحر
والعبد والمسلم والكافر والصغير والكبير والذكر والأنثى على المذهبين، وإنما يكون للاثنين فصاعدا
عنده اه‍. ونقل نحوه في السعدية عن الكافي. ثم قال: وهذا مخالف لقول محمد في الوصية لأمهات
أولاده الثلاث وللفقراء والمساكين، حيث اعتبر فيه الجمعية ولم يعتبر ها هنا اه‍.
قلت: وعلى الأول لا مخالفة وكأنهما روايتان. تأمل. ثم رأيت القولين في الحقائق والقهستاني.
هذا، وقول الإمام هو الصحيح كما في تصحيح القدوري والدر المنتقى.
تنبيه: قال في غرر الأفكار وشرح المجمع عن الحقائق: إذا ذكر مع هذه الألفاظ الأقرب فالأقرب
لا يعتبر الجمع اتفاقا، لان الأقرب اسم فرد خرج تفسيرا للأول ويدخل فيه المحرم وغيره، ولكن
يقدم الأقرب لصريح شرطه اه‍. ونقله في الشرنبلالية والاختيار أيضا.
قلت: وهي حادثة الفتوى سنة ثلاثين ومائتين وألف فيمن أوصى لأرحامه الأقرب فالأقرب
منهم فأفتيت بشموله لغير المحارم كما هو صريح هذا النقل. قوله: (قيل الخ قال في المعراج: وفي
الخبر من سمى والده قريبا عقه وقد عطف الله تعالى الأقربين على الوالدين في قوله تعالى: * (الوصية
للوالدين والأقربين) * (البقرة: 180) ويعطف الشئ على غيره حقيقة، فعرف أن القريب في لسان الناس
من يتقرب إلى غيره بواسطة. كذا في المبسوط اه‍: أي والوالدان والولد يتقربان بأنفسهم لا بواسطة.
قوله: (ولو ممنوعين) بصيغة الجمع ط. قوله: (كما يفيده عموم قوله والوارث) أي يفيد عدم دخولهم،
ولو ممنوعين لأنه لو كانت العلة فيه كونهم وارثين لم احتيج التنصيص على عدم دخولهم، إذ هم
يخرجون بقوله والوارث لأنه يشملهم بعمومه، فلما لم يكتف بذلك ونص على إخراجهم علمنا أنه أراد
أنهم لا يدخلون سواء كانوا وارثين أو ممنوعين، فافهم. قوله: (والوارث) عللوه بقوله عليه الصلاة والسلام
: لا وصية لوارث وبهذا يتجه ما بحثه بعضهم من أن هذا فيما لو أوصى لأقارب نفسه، أما لو أوصى
لأقارب فلان ينبغي أن لا يخرج الوارث. قوله: (فيدخل) الأولى فيدخلان ط. قوله: (واختاره في
الاختيار) حيث اقتصر عليه، وعلله بأن القريب لغة: من يتقرب إلى غيره بواسطة غيره وتكون الجزئية
بينهما منعدمة. ونقل أبو السعود عن العلامة قاسم عن البدائع أنه هو الصحيح، ثم قال: لكن في
شرح الحموي بخطه أن الدخول هو الأصح اه‍.

269
قلت: وعبارة متن المواهب: وأدخل: أي محمد الجد والحفدة وهو الظاهر عنهما اه‍. الحفدة:
جمع حافد: ولد الولد، ومثل الجد الجدة كما في المجمع. قوله: (ويكون للاثنين) أي في التعبير
بالجمع، بخلاف ما إذا قال لذي قرابته كما قدمناه. أفاده ط. قوله: (يعني أقل الجمع) الأوضح أن
يقول: لان أقل الجمع ط. قوله: (فهي لعميه) لأنهما أقرب من الخالين لان قرابتهما من جهة الأب
والانسان ينسب إلى أبيه، ألا ترى أن الولاية للعم دون الخال في النكاح فثبت أنهما أقرب من طريق
الحكم. إتقاني. وهذا حيث كان الوارث غيرهما، وكذا يقال فيما بعده وهو ظاهر. قوله: (وقالا
أرباعا) لعدم اعتبارهما الأقربية كما مر. قوله: (ولهما النصف) لان العم الواحد لا يقع عليه اسم
الجماعة فلا يستوجب الجميع، فإذا دفع إليه النصف وبقي النصف صرف إلى الخالين لأنهما أقرب إليه
بعد العم فيجعل في النصف الباقي كأنه لم يترك إلا الخالين. إتقاني. قوله: (لعدم من يستحقه) إذ لا
بد من اعتبار الجمع. إتقاني. وعندهما: له جمع الثلث. غرر الأفكار. وهو مبني على ما مر عن الزيلعي
والكافي. تأمل. قوله: (يعم الكل) لأنه اسم لجنس المولود ذكرا أو أنثى واحدا أو أكثر. اختيار
. قوله: (حتى الحمل) الظاهر تقييده بما إذ ولدته لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية لتحقق وجوده عندهما
كما ذكروا ذلك في الوصية للحمل ط. قوله: (ولا يدخل ولد ابن مع ولد صلب) هذا إذا كان فلان
أبا خاصا، فلو كان فخذا فأولاد الأولاد يدخلون تحت الوصية حال قيام ولد الصلب. عناية. وتمامه
في المنح. قوله: (لأنه اعتبر الوراثة) أي والوراثة بين الأولاد والأخوات كذلك، ولأن التنصيص على
الاسم المشتق يدل على أن الحكم يترتب على مأخذ الاشتقاق فكانت الوراثة هي العلة. زيلعي. وظاهره
أن قوله. * (للذكر مثل حظ الأنثيين) * ليس عاما في جميع الورثة بل خاص بالأولاد والاخوة والأخوات،
وفي غيرهم: يقسم على قدر فروضهم، وهو المذكور في الاسعاف والخصاف في مسائل الأوقاف،
والوصية أخت الوقف. قوله: (إنما يكون بعد الموت) لان كونهم ورثة لا يتحقق إلا بعد موت
المورث، وكذا العقب فإنه عبارة عمن وجد من الولد بعد موت الانسان، فأما في حال حياته فليسوا
بعقب له. منح عن السراج. قوله: (ثم) أي بعد وجود شرط الصحة المذكور إن كان الخ. قوله:

270
(على عدد الرؤوس) أي رؤوسهم ورأس الموصى له الآخر. قوله: (ثم ما أصاب الورثة) قيد بالورثة
لان القسمة للذكر كالأنثيين خاصة بهم، أما العقب فالاسم تناول جماعتهم فيكونون بالسوية كما قاله
في المنح. قوله: (كما مر) أي في المتن قريبا من أن القسمة للورثة كذلك. قوله: (ثم) أي بعد الحكم
ببطلان الوصية للورثة أو العقب لفقد الشرط المذكور إن كان معهم موصى له آخر وهو في المثال الآتي
الموصي لورثته أو عقبه، ومثله لو كان أجنبيا كما مثل به في المنح، فافهم. قوله: (لان الاسم لا
يتناولهم) فكانت وصية لمعدوم فلم يشاركوا فلانا، كما لو أوصى له والميت، إتقاني.
تنبيه: قد علمت مما تقرر سقوط ما في الشرنبلالية في باب الوصية بالثلث حيث قال فيما لو
أوصى لفلان وعقبه: لعله: أي استحقاق فلان الكل فيما إذا لم يولد العقب لأقل من ستة أشهر، وإلا
فلا مانع من المشاركة اه‍. وهو من مثل الشرنبلالي عجيب، فإنه لو كان مولودا قبل ذلك لا يدخل،
فتنبه. قوله: (كذلك) أي من الذكور والإناث. قوله: (ولا يدخل أولاد الإناث) بخلاف النسل فإنهم
يدخلون فيه ويستوون في قسمة الوقف والوصية. أبو السعود عن الخصاف وغيره. قوله: (لا يتم بعد
البلوغ) رواه أبو داود بلفظ: لا يتم بعد احتلام وحسنه النووي. قوله: (الأرمل الخ) في المغرب:
أرمل افتقر من الرمل. ثم قال: وفي التهذيب يقال للفقير الذي لا يقدر على شئ من رجل وامرأة
أرمل، ولا يقال للتي لها زوج وهي موسرة أرملة.
وقال الشعبي: الأنوثة ليست بشرط، بل يدخل فيه الذكر والأنثى، إلا أن الصحيح ما فسره
محمد أن الأرملة المرأة البالغة التي كان لها زوج فارقها أو مات عنها دخل بها أو لم يدخل، وقوله حجة
في اللغة. كفاية. وزاد في النهاية قيد الحاجة، قال: لان حقيقة المعنى فيه نفاذ زادها لسقوطها نفقتها
عن زوجها اه‍.
وفي السعدية عن المحيط: ولا يقال رجل أرمل إلا في الشذوذ، ومطلق الكلام يحمل على
الشائع المستفيض بين الناس. قوله: (ويؤيده الخ) حيث قال: ذكرهم وأنثاهم وقد تبع الشارح
صاحب العناية في ذلك، وفيه نظر، فإن قوله: فقيرهم وغنيهم ينافيه، ولذا في السعدية:
الظاهر أن كلام المصنف على التوزيع بناء على عدم الالتباس. قوله: (بغير كتاب أو حساب) هذا قول
أبي يوسف. وقال محمد: لو أكثر من مائة فهم لا يحصون. وقال بعضهم: مفوض إلى رأي القاضي،

271
وعليه الفتوى. والأيسر ما قاله محمد. كفاية عن الخانية، وما عليه الفتوى. قال في الاختيار: هو
المختار والأحوط إه‍. قوله: (وإلا لفقرائهم) أي إن لم يحصوا فالوصية لفقرائهم، لان المقصود منها
القرابة. وهي في سد الخلة ورد الجوعة، وهذه الأسامي تشعر بتحقق الحاجة فجاز حمله على الفقراء.
درر. قوله: (يختص بذكورهم) وعندهما: وهو رواية عن الامام يدخل الإناث أيضا. ملتقى. وكذا
الخلاف لو لم يكن إلا أولاد البنين. وفي دخول بني البنات عنه روايتان، ولو كان ابن واحد وبنو
بنين فله النصف ولا شئ لهم. وعندهما لهم الباقي ويدخل جنين ولد لأقل الأقل. إتقاني ملخصا.
قوله: (إلا إذا كان الخ) الطبقات التي عليها العرب ست: وهي الشعب والقبيلة والعمارة والبطن
والفخذ والفصيلة. فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمارة، وهكذا، وخزيمة شعب، وكنانة
قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. أفاده صاحب الكشاف. قوله:
(مولى العتاقة) أي العبد المعتق، وقوله: ومولى الموالاة أي المولى الأسفل، وهو من والي واحد منهم
لان مولى القوم. تأمل. قوله: (وحلفاؤهم) بالحاء المهملة. والحليف: من يأتي قبيلة فيحلف لهم
ويحلفون له للتناصر. إتقاني. قوله: (وإن كان لا ينبئ عن الحاجة) كشبان بني فلان، وكذا العلوية
الفقهاء كما في الهندية. قوله: (لمواليه) متعلق بأوصى. قوله: (بطلت) اعلم أن المسألة تحتمل
ثماني صور، لان الموصي إما أن يكون له موال أعلون وموال أسفلون، أو مولى واحد فيها، أو موال
في أحدهما ومولى واحد في الآخر، وفيهما صورتان، وفي كل إما أن يعبر الموصي بصيغة الجمع أو
الافراد وصريح المصنف فيما إذا تعددت الموالي في الجهتين، ووقع التعبير بالموالي، وليحرر باقي
الصور اه‍ ط.
أقول: صرحوا هنا بأن الجمع للاثنين فصاعدا، فلو وجد اثنان فلهما الكل أو واحد فله
النصف.
وأقول: الظاهر أن المولى اسم جنس كالولد فيعم الواحد والأكثر، وعند اجتماع الفريقين تبطل
فقد ظهر المراد. تأمل. قوله: (ولا فرق في ذلك) أي في عدم عموم المشترك. قوله: (واختار شمس
الأئمة الخ) كذا اختاره المحقق ابن الهمام في التحرير. قوله: في حيز النفي كمسألة اليمين الآتية.
قوله: (وحينئذ) أي حين إذ علمت أنه لا فرق عند أصحابنا بين النفي والاثبات في عدم العموم ط.

272
قوله: (لان الحامل على اليمين بغضه) أي بغض فلان وهو: أي فلان أو بغضه غير مختلف: أي لا
اشتراك فيه إذا هو شئ واحد.
أقول: سلمنا الحامل واحد، لكن الكلام في لفظ المولى، وقد أريد كلا معنييه لاتحاد الحامل
فلزم عمومه، اللهم إلا أن يقال: اتحاد الحامل قرينة على أنه من عموم المجاز بأن يراد به لفظ يعم
المعنيين وهو من تعلق به العتق بوقوعه منه أو عليه، فليتأمل. قوله: (لزوال المانع) وهو عدم فهم
المراد. قوله: (ويدخل فيه من أعتقه) أي الموصي في صحته ومرضه، سواء أعتقه قبل الوصية أو
بعدها، لان الوصية تتعلق بالموت، وكل منهم ثبت له الولاء عند الموت فاستحق الوصية لوجود الصفة
فيه، ويدخل أولادهم من الرجال والنساء أيضا لأنهم ينسبون إليه بالولاء بالمتعلق بالعتق فيدخلون
معهم، ولا يدخل مولى الموالاة ولا مولى المولى إلا عند عدمهم مجازا لتعذر الحقيقة كما في الاختيار
والملتقى. قوله: (ولا يدخل فيه مدبروه) الخ لأنهم مواليه بعد الموت لا عنده. قوله: (وعن أبي يوسف
يدخلون) لوجود سبب استحقاق الولاء. إتقاني. قوله: (من يدقق النظر) أي الفكر والتأمل بالدليل
ط. قوله: (وإن علم ثلاث مسائل مع أدلتها) حكي عن الفقيه أبي جعفر رحمه الله أنه قال: الفقيه عندنا
من بلغ من الفقه الغاية القصوى، وليس المتفقة بفقيه وليس له من الوصية نصيب، ولم يكن في بلدنا
أحد يسمى فقيها غير شيخنا أبي بكر الأعمش. طوري.
وفيه: إذا أوصى للعلوية فقد حكى عن الفقيه أبي جعفر لا يجوز لأنهم لا يحصون، وليس في
هذا الاسم ما ينبئ عن الفقر والحاجة، ولو أوصى لفقراء العلوية يجوز، وعلى هذا الوصية للفقهاء ا
ه‍.
أقول: لكن ذكر في الاسعاف أنه يصح الوقف على الزمني والعميان وقراء القرآن والفقهاء وأهل
الحديث، ويصرف للفقراء منهم لاشعار الأسماء بالحاجة استعمالا، فإن العمى والاشتغال بالعلم يقطع
عن الكسب فيغلب فيهم الفقر وهو أصح ا ه‍. قوله: (حتى قيل من حفظ ألوفا من المسائل) أي من
غير أدلة. وفيه: أنهم قد اعتبروا العرف في كثير من مسائل الوصية فلماذا لم يعتبروا عرف الموصي؟
ط.
أقول: الظاهر أن ذلك عرفهم في زمانهم، وقدمنا عن جامع الفصولين أن مطلق الكلام فيما
بين الناس ينصرف إلى المتعارف. وفي الأشباه من قاعدة: العادة محكمة ألفاظ الواقفين تبني على عرفهم
كما في وقف فتح القدير. وكذا لفظ الناذر والموصي والحالف ه‍.. على أنه قدم الشارح في صدر

273
الكتاب في تعريف الفقه أنه عند الفقهاء حفظ الفروع وأقله ثلاث اه‍. وعزاه في البحر إلى الملتقى.
ثم قال: وذكر في التحرير أن الشائع إطلاقه على من يحفظ الفروع مطلقا: يعني سواء كانت بدلائلها
أولا اه‍. قوله: (لكن قدمنا الخ) استدراك على التطيين فقط، ولم يتعرض لبناء القبة فهو مكروه اتفاقا
ط. قوله: (لأنها حينئذ وصية بالمكروه) مقتضاه أنه يشترط لصحة الوصية عدم الكراهة، وقدم أول
الوصايا أنها أربعة أقسام وأنها مكروهة لأهل فسوق، ومقتضى ما هنا بطلانها، اللهم إلا أن يفرق بأن
الوصية إما صلة أو قربة وليست هذه واحدة منهما فبطلت، بخلاف الوصية لفاسق فإنها صلة لها
مطالب من العباد فصحت، وإن لم تكن قربة كالوصية لغنى لأنها مباحة وليست قربة كما مر، هذا ما
ظهر لي، وسيأتي في أول فصل وصايا الذمي ما يوضحه. قوله: (بناء على القول بكراهة القراءة على
القبور).
أقول: ليس كذلك لما في الولوالجية: لو زار قبر صديق أو قريب له وقرأ عنده شيئا من القرآن
فهو حسن، أما بذلك فلا معنى لها، ولا معنى أيضا لصلة القارئ لان ذلك يشبه استئجاره
على قراءة القرآن وذلك باطل، ولم يفعله أحد من الخلفاء اه‍ بحروفه. فقد صرح بحسن القراءة على
القبر وببطلان الوصية فلم يكن مبنيا على القول بالكراهة. قوله: (أو بعدم الخ) أي أو يكون مبنيا على
القول بعدم جواز الإجارة على الطاعات، وفي كونه مما أجيز الاستئجار عليه. تأمل. لان ما أجازوه
إنما أجازوه في محل الضرورة كالاستئجار لتعليم القرآن أو الفقه أو الاذان أو الإمامة خشية التعطيل
لقلة رغبة الناس في الخير، ولا ضرورة في استئجار شخص يقرأ على القبر أو غيره ا ه‍. رحمتي.
أقول: هذا هو الصواب، وقد أخطأ في هذه المسألة جماعة ظنا منهم أن المفتى به عند المتأخرين
جواز الاستئجار على جميع الطاعات، مع أن الذي أفتى به المتأخرون إنما هو التعليم والاذان والإمامة،
وصرح المصنف في المنح في كتاب الاجارات وصاحب الهداية وعامة الشراح وأصحاب الفتاوى
بتعليل ذلك بالضرورة وخشية الضياع كما مر،، ولو جاز على كل طاعة لجاز على الصوم والصلاة
والحج مع أنه باطل بالاجماع، وقد أوضحت ذلك في رسالة حافلة ذكرت نبذة في باب الإجارة
الفاسدة، والاستئجار على التلاوة وإن صار متعارفا فالعرف لا يجيزه لأنه مخالف للنص، وهو ما
استدل به أئمتنا كصاحب الهداية وغيره من قوله عليه الصلاة والسلام: اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به.
والعرف إذا خالف النص يرد بالاتفاق، فاحفظ ذلك ولا تمكن ممن اشترى بآيات الله ثمنا قليلا وجعلها
دكانا يتعيش منها. (أما على المفتى به فينبغي جوازها مطلقا) أي سواء كان القول بالبطلان مبنيا
على كراهة القراءة على القبر أو على عدم جواز الاستئجار على الطاعات.

274
أقول: وقد علمت مخالفة هذا البحث للمنقول فهو غير مقبول، بل البطلان مبني على ما قدمناه
عن الولوالجية وصرح به في الاختيار وكثير من الكتب وهو أنه يشبه الاستئجار على قراءة القرآن.
والذي أفتى به المتأخرون جواز الاستئجار على تعليم القرآن لا على تلاوته خلافا لمن وهم. قوله: (فلو
لم يباشر فيه الخ) أي مع إمكان المباشرة فيه، لما في فتاوى الحانوتي إذا شرط الواقف المعلوم لاحد
يستحقه عند قيام المانع من العمل ولم يكن بتقصيره سواء كان ناظرا أو غيره كالجابي اه‍. وكذا المدرس
إذا درس في مدرسة أخرى لتعذر التدريس في مدرسته، كما نقله الشارح عن النهر بحثا قبيل الفروع
في آخر كتاب الوقف، ونحوه في حاشية الحموي. والله تعالى أعلم.
باب الوصية بالخدمة والسكنى والثمرة
لما فرغ من أحكام الوصايا المتعلقة بالأعيان شرع في أحكام الوصايا المتعلقة بالمنافع، لأنها بعد
الأعيان وجودا فأخرها عنها وضعا. عناية. قوله: (صحت الوصية بخدمة عبده وسكنى داره) أي
لمعين، قال المقدسي: ولو أوصى بغلة داره أو عبده في المساكين جاز، وبالسكني والخدمة لا يجوز إلا
لمعلوم، لان الغلة عين مال يتصدق به والخدمة والسكنى لا يتصدق بها بل تعار العين لأجلها،
والإعارة لا تكون إلا لمعلوم. وقيل: ينبغي أن يجوز على قياس من يجيز الوقف وتمام الفرق في البدائع ا
ه‍. سائحاني. قوله: (مدة معلومة وأبدأ) وإن أطلق فعلى الأبد، وإن أوصى بسنين فعلى ثلاث، وكذا
الوصية بغلة العبد والدار. اه‍. مسكين. قوله: (كما في الوقف) فإن الموقوف عليه يستوفي منافع
الوقف على حكم ملك الواقف. قوله: (وبغلتهما) أي العبد والدار، وسيذكر الشارح معنى الغلة.
قوله: (فإن خرجت الرقبة من الثلث) أي رقبة العبد والدار في الوصية بالخدمة والسكنى والغلة، وقيد
بالرقبة لما في الكفاية أنه ينظر إلى الأعيان التي أوصى فيها، فإن كان رقبها مقدار الثلث جاز، ولا
تعتبر قيمة الخدمة والثمرة والغلة والسكنى لان المقصود من الأعيان منافعها، فإذا صارت المنافع
مستحقة وبقيت العين على ملك الوارث صارت بمنزلة العين التي لا منفعة لها، فلذا تعتبر قيمة الرقبة
كأن الوصية وقعت بها اه‍.
أقول: ولعل هذا هو المراد من قول الأشباه: إن التبرع بالمنافع نافذ من جميع المال. تأمل. قوله:
(تقسم الدار أثلاثا) زاد في الغرر: أو مهايأة: أي من حيث الزمان، والأول أعدل لامكان القسمة
بالاجزاء للتسوية بينهما زمانا وذاتا، وفي المهايأة تقديم أحدهما زمانا اه‍.
قال القهستاني: وهذا إذا كانت الدار تحتمل القسمة، وإلا بالمهايأة لا غير كما في الظهيرية.

275
قوله: (فلا تقسم) أي الدار نفسها، أما الغلة فتقسم.
قال الإتقاني: إذا أوصى بغلة عبده أو داره سنة ولا مال له غيره فله ثلث غلة تلك السنة لأنها
عين مال يحتمل القسمة اه‍. فلو قاسمهم البستان فعل أحد النصيبين فقط اشتركوا فيها لبطلان
القسمة. سائحاني عن المبسوط. قوله: (على الظاهر) أي ظاهر الرواية، إذ حقه في الغلة لا في عين
الدار، وفي رواية عن الثاني: تقسم ليستغل ثلثها. شرنبلالية عن الكافي. قوله: (وتهايا العبد) لأنه لا
يمكن قسمته بالاجزاء. قوله: (فيخدمهم أثلاثا) أي يخدم الورثة يومين والموصى له يوما أبدا، إلا إن
كانت مؤقتة بسنة مثلا، فلو السنة غير معينة فإلى مضي ثلاث سنين، ولو معينة فإلى مضيها إن مات
الموصي قبلها أو فيها ثم تسلم إلى الورثة لان الموصى له استوفى حقه، وإن مات الموصي بعدها بطلت
الوصية. منح ملخصا. قوله: (هذا) أي قسمة الدار ومهايأة العبد أثلاثا. قوله: (بقدر ثلث جميع المال)
مثاله: إذا كان العبد نصف التركة يخدم الموصى له يومين والورثة يوما، لان ثلثي العبد ثلث التركة
فصار الموصي به ثلثي العبد وثلثه للورثة فيقسم كما ذكرنا، وعلى هذا الاعتبار تخرج بقية مسائله.
اختيار. قوله: (لان المنفعة ليست بمال الخ) أي وإنما صح للمالك أن يؤجر ببدل لأنه ملكها تبعا
لملك العين، والمستأجر إنما ملك أن يؤجر مع أنه لا يملك إلا المنفعة لأنه لما ملكها بعقد معاوضة
كانت مالا، بخلاف ملكها بعقد تبرع كما نحن فيه. سائحاني. قوله: (في الأصح) كذا في الملتقى
والهداية وغيرهما، معللا بأن الغلة دراهم أو دنانير وقد وجبت الوصية بها، وهذا استيفاء المنافع وهما
متغايران ويتفاوتان في حق الورثة، لأنه لو ظهر دين يمكنهم إداؤه من الغلة بالاسترداد منه بعد
استغلالها ولا يمكنهم من المنافع بعد استيفائها بعينها اه‍. قوله: (وعليه الفتوى) ذكره في الظهيرية
حيث قال في الوصية: بغلة داره لرجل تؤجر ويدفع إليه غلاتها. فإن أراد السكنى بنفسه: قال
الإسكاف: له ذلك، وقال أبو القاسم وأبو بكر بن سعيد: ليس له ذلك، وعليه الفتوى. والوصية
أخت الوقف، فعلى هذا يكون الفتوى في الوقف على هذا، بل أولى لأنه لم ينقل فيه اختلاف المشايخ إ
ه‍. قال العلامة عبد البر بن الشحنة بعد نقله. وهذا من حيث الرواية مسلم، أما من جهة الفقه فيظهر
الفرق بما ذكره المصنف: يعني ابن وهبان بأن الوصية إنما هي بالغلة والسكنى معدمة لها فيفوت
مقصود الموصي، بخلاف الوقف عليه فإنه أعم من كون الانتفاع بالسكنى أو بالغلة فينبغي أن يجري
الخلاف في الوقف من باب أولى اه‍. وحاصله النزاع مع صاحب الظهيرية في دعواه الأولوية.
قلت: فلو صرح الواقف بأنها للاستغلال فالأولوية ظاهرة. هذا، ولكن للعلامة الشرنبلالي

276
رسالة حاصلها أنه لا خلاف في أنه لا يملك الاستغلال مستحق السكنى. واختلف في عكسه
والراجح الجواز، فتأمل. ونبه على ذلك في شرحه على الوهبانية هنا وفي كتاب الوقف. قوله: (لان
حقهم في المنفعة لا العين) أي حق الموصى لهم والموقوف عليهم، والموقوف عليهم، والمراد بالعين الغلة فإنها عين مال
كما مر، لكن هذا التعليل يثبت خلاف المطلوب ويصلح تعليلا لعكس هذه المسألة: أعني قوله: وليس
للموصى له الخ فالصواب أن يقول في بدل المنفعة لا فيها، لان بينهما فرقا في حق الورثة: أعني ما
قدمناه عن الهداية، لكنه لم يعلم من كلامه هذا الفرق، اللهم إلا أن يراد بالمنفعة الاستغلال لا الخدمة
والسكنى، وبالعين ذات العبد والدار والإشارة بقول: وقد علمت الفرق بينهما إلى ما قدمه من أن
الموصى له بالغلة ليس له قسمة الدار: أي لأنه لا حق له في عينها، فليتأمل. قوله: (ولا يخرج الخ).
قال في الهداية: وليس للموصى له أن يخرج العبد من الكوفة، إلا أن يكون الموصى له وأهله
في غير الكوفة فيخرجه إلى أهله ليخدمه هناك إذا كان يخرج من الثلث، لان الوصية إنما تنفذ على ما
يعرف من مقصود الموصي، فإذا كانوا في مصره فمقصوده ان يمكنه من خدمته فيه بدون ان يلزمه
مشقة السفر إذا كانوا في غير مقصودة أن يحمل العبد إلى أهله ليخدمهم اه‍.
وفي أبي السعود عن المقدسي: فلو خرج بأهله من بلد الموصي ولم يعلم الموصي ليس له إخراج
العبد. قوله: (إلا إذا كان ذلك مكانه الخ) الإشارة إلى ظاهر عبارة المتن إلى المكان الذي يريد إخراجه
إليه، وبه صرح في المنح. وأما على حل الشارح فالإشارة إلى المخرج الذي هو الموصى له لا إلى الكوفة
كما قال ح، لعدم ملاءمته لقوله بعده: وأهله في موضع آخر وعلى ما قلنا قاسم الإشارة اسم كان
ومكانه مبتدأ وأهله معطوف عليه، وفي موضع آخر: خبر المبتدأ والجملة خبر كان، وفيه تغيير إعراب
المتن ويقع له ذلك كثيرا. ويجوز إرجاع الإشارة إلى الكوفة والضمير في مكانه للعبد وفي أهله
للموصي.
وعبارة المواهب: ولا يسافر به إلا لبلده. قوله: (وبعد موته) أي الموصي وهو عطف على قوله
في حياة الموصي أي وبموت الموصى له بعد موت الموصي يعود الخ. قوله: (يعود العبد والدار) أي
خدمة العبد وسكنى الدار وغلتهما كما عبر الإتقاني لان ذلك هو الموصى به. تأمل. قوله: (بحكم
الملك) أي ملك الموصي أو ورثته فلا يعود إلى ورثة الموصى له.
وعبارة الهداية: فإن مات الموصى له عاد إلى الورثة، لان الموصي أوجب الحق للموصى له
ليستوفي المنافع على حكم ملكه، ولو انتقل إلى وارث الموصى له استحقها ابتداء من ملك الموصي من
غير رضاه وذلك لا يجوز اه‍. قوله: (ولو أتلفه الورثة) أي أتلفوا العبد الموصي بخدمته. قوله:
(ولهذا الخ) أي لأجل الغرامة عند الجناية منع مورثهم عن التبرع بأكثر من الثلث لئلا تلزمهم غرامة

277
كل المال لو لزمت فيه الوصية وجنوا عليها، وهذا تعليل عليل. سائحاني ورحمتي. قوله: (صح) فإذا
مات الموصى له بالخدمة يعود على الموصى له بالرقبة. قوله: (ونفقته إذا لم يطلق الخدمة الخ) أي لصغر
وكذا المرض. وتمامه في الكفاية، ولكن في الولوالجية: إذا مرض مرضا يرجى برؤه فنفقته على صاحب
الخدمة، وإن كان لا يرجى فعلى صاحب الرقبة. قوله: (ونفقة الكبير على من له الخدمة) لأنه إنما
يتمكن من الاستخدام بالانفاق عليه. عناية. قوله: (فإن جنى فالفداء على من له الخدمة) وبعد موته
ترجع به ورثته على من له الرقبة، لأنه ظهر أنه المنتفع بها وذاك كان مضطرا إليه، فإن أبى يباع فيه. إذ
لولا الفداء لكان مستحقا بالجناية. ولولوالجية. وتمامه في الأشباه من القول في الملك. قوله: (وبطلت
الوصية) أي في صورتي الفداء والدفع، وبيانه في السابع من الولوالجية.
تتمة: لم يبين ما إذا أوصى بالغلة ولا غلة فيها، وبينه صاحب المبسوط فقال: لو أوصى بغلة نخلة
أبدا لرجل ولآخر برقبتها لم تدرك ولم تحمل فالنفقة في سقيها والقيام عليها على صاحب الرقبة، لان
هذه النفقة نمو ملكه ولا ينتفع صاحب الغلة بذلك فليس عليه شئ من هذه النفقة، فإذا أثمرت
فالنفقة على صاحب الغلة لان منفعة ذلك ترجع إليه فإن الثمرة بها تحصل، فإن حملت عاما ثم أحالت
فلم تحمل شيئا فالنفقة على صاحب الغلة لان منفعة ذلك ترجع لصاحب الغلة، فإن الأشجار التي من
عادتها أن تحمل في سنة ولا تحمل في سنة يكون ثمرها في السنة التي تحمل فيها أجود منه وأكبر إذا
كانت تحمل كل عام، وهو نظير نفقة الموصي بخدمته فإنها على الموصى له بالخدمة بالليل والنهار جميعا
وإن كان ينام بالليل ولا يخدم، لأنه إذا استراح بالنوم ليلا كان أقوى على الخدمة بالنهار، فإن لم
يفعل فأنفق صاحب الرقبة عليه حتى يحمل فإنه يستوفي نفقته من ذلك لأنه كان محتاجا إلى الانفاق كي
لا يلتف ملكه فلا يكون متبرعا ولكنه يستوفي النفقة من الثمار وما يبقى من ذلك فهو لصاحب الغلة إ
ه‍. ط عن سري الدين. قوله: (فمات والحال الخ) أي مات الموصي في حال وجود ثمرة في
البستان. قوله: (له هذه الثمرة) أي للوصي له إن خرج البستان من الثلث على ما قدمناه عن الكفاية.
قوله: (ضم أبدا أولا) والفرق أن الثمرة اسم للموجود عرفا فلا يتناول المعدوم إلا بدلالة زائدة مثل
التنصيص على الأبد، أما الغلة فتنتظم الموجود وما بعرض الوجود مرة بعد أخرى عرفا. درر. قوله:
(وإن لم يكن فيه ثمرة) محترز قوله فمات وفيه ثمرة. قوله: (والمسألة بحالها) يعني أوصى بثمرة بستانه
بلا زيادة لفظ أبدا فمات ولكن لم يكن فيه ثمرة. قوله: (حين الوصية) صوابه حين الموت كما يعلم
من السائق واللاحق، وبه صرح الطوري. قوله: (زيلعي) قال: وإنما كان كذلك لان الثمرة اسم
للموجود حقيقة ولا يتناول المعدوم إلا مجازا، فإذا كان فيه ثمرة عند الموت صار مستعملا في حقيقته

278
فلا يتناول المجاز، وإذا لم يكن فيه ثمر يتناول المجاز، ولا يجوز الجمع بينهما إلا أنه ذكر لفظ الأبد
تناولهما بعموم المجاز لا جمعا بين الحقيقة والمجاز اه‍.
تنبيه: أوصى بغلة أرضه ولا شجر فيها ولا مال له غيرها تؤجر ويعطي صاحب الغلة ثلث
الاجر، ولو فيها شجر يعطي ثلث ما يخرج منه. ولو اشترى الموصى له البستان من الورثة جاز وبطلت
الوصية، ولو تراضوا على شئ دفعوه إليه على أن يسلم الغلة جاز، وكذا الصلح عن سكنى الدار
وخدمة العبد جائز وإن لم يجز بيع هذه الحقوق. طوري. قوله: (وكرائها) الكراء الأجرة، وهو في
الأصل مصدر كاري ومنه المكاري بتخفيف الياء. مغرب. قوله: (كذا في جامع اللغة) وكذا في
المغرب أيضا. قوله: (وظاهره دخول ثمن الحور ونحوه) أي مما لا ثمر له كالصفصاف والسرو، ثم
الحور بمهملتين وهو نوع من الشجر، وأهل الشام يسمون الدلب حورا وهو بفتحتين بدليل قول
الراعي أنشده صاحب التكملة: كالجوز ينطق بالصفصاف والحور. مغرب. قوله: (فيحرر).
أقول: التحرير فيه أنه يدخل نفس الحور لا ثمنه لان الحور نفس الغلة الموصى بها إذ لا يقصد
به إلا الخشب.
وفي الخانية: أوصى بغلة كرمة لانسان، قال الفقيه أبو بكر: يدخل القوائم والأوراق والثمار
والحطب فإنه لو دفع الكرم معاملة يكون كل هذه الأشياء كالثمر اه‍. قوله: (وولدها) أي حملها.
ولولوالجية. وعبارة الزيلعي وغيره: أو الولد في البطن. قوله: (له ما بقي) الأوضح: له ما وجد قال
في المنح: لأنه إيجاب عند الموت فيعتبر قيام هذه الأشياء يومئذ اه‍ ط. قو له: (لان المعدوم الخ) قال
في الهداية: والفرق أن القياس يأبى تمليك المعدوم، إلا أن في الثمرة والغلة المعدومة جاء الشرع بورود
العقد عليها كالمعاملة والإجارة، فاقتضى ذلك جوازه في الوصية بطريق الأولى لان بابها أوسع، أما
الولد المعدوم وأختاه لا يجوز إيراد العقد عليها أصلا ولا تستحق بعقد ما أصلا فكذا لا يدخل تحت
الوصية، بخلاف الموجود منها لأنه يجوز استحقاقه بعقد البيع تبعا وبعقد الخلع مقصودا، فكذا الوصية
اه‍. قوله: (ولم تخرج من الثلث) الأولى أن يقول: وليس له مال غيرها، لقوله بعد وإن لم يجيزوا
يجعل ثلثها مسجدا ط. قوله: (في سبيل الله) أي بلا تعيين إنسان، أما لو أوصى بظهر دابته في سبيل
الله، لانسان بعينه فالوصية جائزة اتفاقا اه‍. غرر الأفكار. قوله: (وعندهما يجوزان) أي وقف المنقول

279
والوصية به، وظاهره أن هذه الوصية ليست وقفا وليس كذلك.
قال في غرر الأفكار: جعل أبو يوسف ومحمد مركبة وقفا يكون في يد الامام فينفق عليه من
بيت المال، إذ وقف الكراع والسلاح في سبيل الله جائز عندهما للآثار، وللإبل حكم الكراع اه‍. قوله: (وفيه نظر) أي فيما ذكر من تعليل البطلان.
أقول: وجوابه أنها ليست وصية حقيقية، إذ هي في معنى الوقف عنده، وبه صرح في غرر
الأفكار، كالوصية بجعل داره مسجدا فإنها وقف في المعنى ووقف المنقول عنده لا يجوز، فكذا هذه،
بخلاف الوصية بالغلة والصوف ونحوهما فإنها تمليك من كل وجه وليست في معنى الوقف أصلا،
فتدبر. قوله: (لم تجز) كذا في الغرر، وعزاه في الشرنبلالية إلى الكافي، وقدمنا الكلام عليه عند قوله
: أوصى بثلث ماله لبيت المقدس جاز والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل في وصايا الذمي وغيره
أي المستأمن وصاحب الهوى والمرتدة، وهذه الترجمة ساقطة في المنح.
واعلم أن وصايا الذمي ثلاثة أقسام:
الأول جائز بالاتفاق، وهو ما إذا أوصى بما هو قربة عندنا وعندهم، كما إذا أوصى بأن
يسرج في بيت المقدس أو بأن تغزي الترك وهو من الروم سواء كان لقوم معينين أو لا.
والثاني: باطل الاتفاق، وهو ما إذا أوصى بما ليس قربة عندنا وعندهم، كما إذا أوصى
للمغنيات (1) والنائحات، أو لما هو قربة عندنا فقط كالحج وبناء المساجد للمسلمين، إلا أن يكون
لقوم بأعيانهم فيصح تمليكا.
والثالث مختلف فيه، وهو ما إذا أوصى بما هو قربة عندهم فقط كبناء الكنيسة لغير معينين،
فيجوز عنده لا عندهما، وإن لمعينين جاز إجماعا.
وحاصله: أن وصيته لمعينين تجوز في الكل على أنه تمليك لهم، وما ذكره من الجهة من إسراج
المساجد ونحوه خرج على طريق المشورة لا الالزام فيفعلون به ما شاؤوا لأنه ملكهم، والوصية إنما
صحت باعتبار التمليك لهم. زيلعي ملخصا. قوله: (فهي ميراث) أي اتفاقا، وإنما الاختلاف في



(1) قوه: (أوصى المغنيات إلخ) الذي تقدم الوصية للفساق صحيحة مع الكراهة ولعل الصواب أوصى بالغناء
والنياحة فإنه وصية بنفس المعصية اه‍.
280
التخريج. شرنبلالية. قوله: (لأنه كوقف لم يسجل) أي لم يحكم بلزومه، والمراد أنه يورث كالوقف
المذكور، وليس المراد بأنه إذا سجل لزم كالوقف. أفاده في الشرنبلالية. قوله: (وليس هو كالمسجد)
ليس من تتمة قولهما بل من تتمة قوله: جواب عن سؤال تقديره: إن هذا في حقهم كالمسجد في
حقنا، والمسجد لا يباع ولا يورث فينبغي أن يكون هذا كذلك، اه‍ ح. قوله: (حتى لو كان المسجد
كذلك) كما إذا جعل داره مسجدا وتحته سرداب وفوقه بيت كما مر في كتاب الوقف. إتقاني. قوله:
(لمعينين) أي معلومين يحصى عددهم. معراج. قوله: (فهو جائز) أي اتفاقا ولا يلزمهم جعلها كنيسة
كما مر. قوله: (في القرى) المراد بالقرى ما ليس فيه شئ من شعائر الاسلام وإلا فكالأمصار. ذكره
القهستاني والبرجندي. در منتقى. قوله: (غير مسمين) بياء واحدة كمصطفين، وفي كثير من النسخ
بياءين وهو تحريف، فإن الياء الأولى حذفت بعد قلبها ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. قوله: (لما مر أنه
معصية) أي ولا يمكن جعله تمليكا لعدم تعيينهم، وهذا تعليل لنفي الصحة عندهما. قوله: (وله أنهم
يتركون وما يدينون) فإن هذا قربة في اعتقادهم، ولذا لو أوصى بما هو قربة حقيقة معصية في
معتقدهم لا يجوز اعتبارا لاعتقادهم. والفرق له بين البناء والصية أن البناء نفسه ليس بسبب لزوال
ملك الباني، والوصية وضعت لإزالة الملك. هداية ملخصا. قوله: (كوصية حربي مستأمن) قيد به لان
وصية الذمي تعتبر من الثلث ولا تصح لوارثه، وتجوز لذمي من غير ملته لا لحربي في دار الحرب إ
ه‍. ملتقى. قوله: (لا وارث له هنا) أي في دارنا، ومفهومه لو كان وارثه هنا لا تجوز بأكثر من
الثلث.
وعبر الزيلعي وغيره عن هذا المفهوم بقيل فأفاد ضعفه، لكن جزم بما ذكره الشارح في الوقاية
والاصلاح والملتقى، وأشار إليه في الهداية والجامع الصغير، فيفيد ذلك أنه المعتمد لان المتون مقدمة
على الشروح، وبه جزم الإتقاني مستندا إلى ما في شرح السرخسي، لان حق وارثه هنا معتبر بسبب
الأمان، ولو كان له وارث آخر ثمة شارك الحاضر ولم يكن لموصى له إلا الثلث اه‍. قوله: (كذا في
الوقاية) كان ينبغي ذكره عقب قوله: لا وارث له هنا ليشير به إلى مخالفة الزيلعي كما ذكرنا. قوله:
(ولا عبرة بمن ثمة) أي بورثته الذين هناك: أي في دار الحرب، أي لا يراعي حقهم في إبطال الزائد
على الثلث. قوله: (ورد باقيه لورثته) مراعاة لحقه: أي لا لحقهم، فمن حقه تسليم ماله إلى ورثته إذا
فرغ من حاجته وتصرفه. إتقاني. قوله: (لا إرثا الخ) كذا في المنح أول الوصايا، وهي نفي لما يتوهم

281
من قوله: لورثته وبيان للفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، فإنه هناك لم يرد ما زاد على الثلث إلى
ورثته لان له مستحقا وهو الموصى له بالكل. قوله: (وكذا) أي تصح. قوله: (لما قلنا) من أنه لا عبرة
بورثته ثمة الخ. قوله: (على الأظهر) مقابله ما عن الشيخين من عدم الجواز لأنهم في دارهم حكما
حتى يمكن من الرجوع إليها فصارت كالإرث. ووجه الأول أنها تمليك مبتدأ ولهذا تجوز للذمي والعبد
بخلاف الإرث. زيلعي.
قوله: (وصاحب الهوى) قال السيد الجرجاني في تعريفاته: أهل الهوى أهل القبلة الذين لا
يكون معتقدهم معتقد أهل السنة، وهم الجبرية والقدرية والروافض والخوارج والمعطلة والمشبهة، وكل
منهم اثنتا عشرة فرقة فصاروا اثنتين وسبعين. قوله: (إذا كان لا يكفر) أي به فحذف الجار لظهوره
ط. قوله: (فتكون موقوفة) أي إن أسلم نفذت، وإن مات على ردته بطلت كسائر تصرفاته. قوله:
(كذمية في الأصح) فتصح وصاياها. هداية. وقيل: لا. قال صاحب الهداية في الزيادات: وهو
الصحيح لان الذمية تقر على اعتقادها بخلاف المرتدة.
قال في العناية: والظاهر أنه لا منافاة بين كلاميه: أي صاحب الهداية، لأن الصحيح والأصح
يصدقان اه‍: أي كون أحدهما أصح لا ينافي كون الآخر صحيحا، ورجح الزيلعي الأول. قوله:
(الوصية المطلقة) أي التي لم يذكر غني ولا فقير فيها، والعامة ما ذكرا فيها ط. قوله: (وهي على الغني
حرام) ولا يمكن جعلها هبة له بعد موت الموصي، بخلاف الصدقة عليه حالا فإنها تجعل هبة، لما
قالوا: إن الصدقة على الغني هبة، والهبة للفقير صدقة ط. قوله: (وإن عممت) إن وصيلة، وظاهره
أن الوصية هنا صحيحة، بخلاف ما لو خصها بالأغنياء فقط، إذ لا يمكن جعلها تمليكا لأنهم لا
يحصون، ولا صدقة لان اللفظ لا ينبئ عن معنى الحاجة على ما قدمه عن الاختيار في باب الوصية
للأقارب. قوله: (والغني لا معين) عبارة الدرر: لا يعين. قوله: (وكذا الحكم في الوقف) يعني أن
الوقف المطلق يختص بالفقراء لا يحل للغني وإن عمم الواقف، وإذا حصصه يغني معين أو بقوم
محصورين أغنياء حل لهم ويملكون منافعه لا عينه درر.
ويشكل عليه ما صرحوا به من أن السقاية والمقبرة والرباط ونحو ذلك يجوز أن ينتفع بها الفقير
والغني، لان الواقف يقصد بها العموم، فإذا اكتفى بقصده العموم كيف يمتنع مع التنصيص عليه،

282
فليحرر اه‍ رحمتي. قوله: (المتولي على الوقف كالوصي) أي في كثير من الاحكام، ولهذا قالوا: إن
المتولي أخو الوصي، ومناسبة ذلك هنا ما ذكره من اتحاد حكم الوقف والوصية فيما مر، فقد قالوا
أيضا: إنهما أخوان وقالوا: الوقف يستقى من الوصية، وقالوا: إنهما يستقيان من واد واحد. قوله:
(يعني لغير قرابة الولاد) أي بغير الأصول والفروع، وهذا التقييد ذكره في القنية أخذا مما قاله أبو
القاسم: لو أوصى أن يعطى عن كفارة صلواته لولد ولده، وهو غير وارث فإنه يعطي كما أمر ولا
يجزيه عن الكفارة. قوله: (ممن يجوز صرف الكفارة إليهم) بأن يكونوا مسلمين محتاجين ط. قوله:
(ولأحدهم) أي ولا يشترط الجمع، لان أل الجنسية أبطلت معنى الجمعية ط. قوله: فلو منهم صغير
الأولى زيادة أو غير محتاج لتتم المحترزات ط. قوله: (لم يجز) أي لأنه من قبيل الوصية للوارث فتحتاج
إلى إجازة جميع الورثة، ولم توجد من الغائب وغير الراضي ولم تصح من الصغير، وهل هذه الشروط
للقسم الثاني أو للقسمين: أي كفارة الصلاة والتبرع يحرر. رحمتي. قوله: (أوصى بكفارة صلاته) نص
على الكفارة، لأنه لو أوصى لمعين بوصية تعين دفعها إليه بلا خلاف ط. قوله: (لم تجز لغيره) أي لم
يجز للقاضي والوصي الصرف إلى غيره. منح. قوله: (الفساد الزمان) وطمع القاضي وغيره. منح
فإنه ربما لا يصرفها إلى أحد إذا جوزنا له منعها عمن عينه الميت لعدم من يطالبه بها. قوله: (أوصى
لصلواته) أو صياماته. منح. قوله: (لم تجزه) وقيل: تجزيا.
قال في القنية: قال أستاذنا: والأول أحب إلي حتى توجد الرواية. قوله: (ثم التصدق عليهم)
أي بنية الفدية وإلا لم يفعل المأمور به. تأمل. قوله: (ثلثها) أي ثلث التركة. قوله: (بخلاف الدين)
أي في المسألة السابقة فإنه مقبوض قبل الموت.
بقي لو أوصى بكفارة صلواته والمسألة بحالها، هل يجزيه لحصول قبضه بعد الموت أو لا؟
يراجع. قوله: (فباعها) أي الموصى له بعد موته: أي الموصي. قوله: (لجواز التصرف الخ)، لأنه دليل

283
القبول. قوله: (فالمتولي أولى من الأب) إن ليس من قبيل وصي الام حتى يتأخر عن الأب، لان ولاية
المتولي على الوقف لا على الولد. قوله: (يؤخذ الثمن) أي من تركة المشتري للموصى له ويرجع ورثة
المشتري به على الشفيع كما في المنح.
فرع: أوصى بوصايا ثم قال والباقي للفقراء، فمات بعض من أوصى لهم يصرف ذلك إلى
الفقراء، لأنهم لما ماتوا لم يجد الوصي نفاذا فيهم فيبقى الباقي وذلك للفقراء. ولولوالجية، والله أعلم.
باب الوصي
لما فرغ من بيان الموصى له شرع في بيان أحكام الموصى إليه وهو الوصي (لما أن كتاب الوصايا
يشمله) لكن قدم أحكام الموصى له لكثرتها وكثرة وقوعها فكانت الحاجة إلى معرفتها أمس. عناية.
واعلم أنه لا ينبغي للوصي أن يقبلها لأنها على خطر. وعن أبي يوسف: الدخول فيها أول مرة
غلط، والثانية خيانة، والثالثة سرقة، وعن الحسن: لا يقدر الوصي أن يعدل ولو كان عمر بن
الخطاب. وقال أبو مطيع: ما رأيت في مدة قضائي عشرين سنة من يعدل في مال ابن أخيه.
قهستاني. ولبعضهم:
احذر من الواوات * أربعة فهن من الحتوف
واو الوكالة والولاية * والوصاية والوقوف
قوله: (أوصى إلى زيد) ضمنه معنى فوض فعداه بإلى، وقدمنا الكلام عليه أول الكتاب، ويصح
هذا التفويض بكل لفظ يدل عليه.
في الخانية: أنت وكيلي بعد موتي يكون وصيا. أنت وصيي في حياتي يكون وكيلا، لان كلا
منهما إقامة للغير مقام نفسه فينعقد كل منهما بعبارة الآخر اه‍. وفي الخانية والخلاصة وغيرهما: أنت
وصيي أو أنت وصيي في مالي أو سلمت إليك الأولاد بعد موتي أو تعهد أولادي بعد موتي أو قم
بلوازمهم بعد موتي أو ما جرى مجرى هذه الألفاظ يكون وصيا.
وفي الولوالجية: افعلوا كذا بعد موتي فالكل أوصياء، ولو سكتوا حتى مات فقبل منهم اثنان أو
أكثر فهم أوصياء، ولو قبل واحد لم يتصرف حتى يقيم القاضي معه غيره أو يطلق له التصرف، لأنه
صار كأنه أوصى إلى رجلين فلا ينفرد أحدهما.
وفي الدر المنتقى عن الذخيرة: ولو جعل رجلا وصيا في نوع صار وصيا في الأنواع كلها اه‍.
وسيأتي تمامه ط. قوله: (أي بعلمه) تفسير للعبد في الموضعين: أي فلا يشترط الحضور ط. قوله:
(بغيبته) المناسب لما تقدم أن يقول: بغير علمه بل إسقاطه لدلالة السياق عليه اه‍ ح. لان معنى قول

284
المصنف: وإلا أي وإن لم يرد بعلمه: أي بأن رد بعد موته أو قبله بلا علمه. قوله: (لئلا يصير) أي
الميت مرورا من جهته لأنه اعتمد عليه ففيه إضرار بالميت، وأشار إلى الفرق بين الموصى له والموصى
إليه، فإن قبول الأول في الحال غير معتبر، حتى لو قبل في حياة الموصي ثم رد بعدها صح لان نفعه
بالوصية لنفسه بخلاف الثاني كما أفاده في العناية.
تنبيه: وصى القاضي إذا عزل نفسه ينبغي أن يشترط علم القاضي بعزله، كما يشترط علم
الموكل في عزل الوكيل نفسه وعلم السلطان في عزل القاضي نفسه. بزازية. قوله: (ويصح إخراجه)
أي بعد قبوله كما في البزازية. قوله: (ولو في غيبته) ظاهره أنه ينعزل وإن يبلغه العزل، بخلاف
الوكيل. تأمل. قوله: (فله الرد والقبول) إذ لا تغرير هنا، لان الموصي هو الذي اغتر حيث لم يتعرف
عن حاله أنه قبل الوصاية أم لا. درر.
أقول: لكن رده لا يخرجه عنها بالكلية، بدليل أنه لو قبل بعد الرد صح كما يأتي قريبا. قوله:
(ولزم الخ) أشار إلى أن القبول كما يكون بالقول يكون بالفعل لأنه دلالة عليه. قوله: (ببيع شئ) أي
بعد موت الموصي وينفذ البيع لصدوره من الأهل عن ولاية، وكذا إذا اشترى شيئا يصلح للورثة أو
قضى مالا أو اقتضاه. اختيار. قوله: (بخلاف الوكيل الخ) لان التوكيل إنابة لثبوته في حال قيام ولاية
الموكل، أما الايصاء فخلافه لأنه مختص بحال انقطاع ولاية الميت فلا يتوقف على العلم كالورثة.
زيلعي. قوله: (صح) لان هذا الرد لم يصح من غير علم كالموصي. كفاية. ولا يلزم من عدم صحة
الرد كونه صار وصيا لتوقفه على القبول كما أفاده قوله السابق: فله الرد والقبول.
والحاصل: أنه إذا سكت لم يصر وصيا فيخير بين الرد: أي عدم القبول وبين القبول، فإذا رد:
أي لم يقبل يجبر على القبول، وإذا قبل ولو بعد الرد صح لان رده لم يصح: أي لم يخرجه عن أهلية
القبول، فإذا قيل صار وصيا، وإلا فلا.
وبه ظهر الجواب عن حادثة الفتوى في زماننا: في رجل أوصى إلى رجلين فقبل أحدهما وسكت
الآخر ولم يصدر منه ما يدل على الرضا وعدمه وتصرف القابل في التركة فهل يصح تصرفه وحده قبل
رضا الأول ورده؟ والجواب: أن الساكت لم يصر وصيا لما قلنا، لكن القابل ليس له الانفراد بالتصرف
عندهما وعند أبي يوسف: ينفرد كما سنذكره عن الولوالجية فينصب القاضي معه وصيا آخر فيتصرفان
معا. والله أعلم. قوله: (إلا إذا نفذ قاض رده) لان الموضع موضع اجتهاد، إذ الرد صحيح عند زفر.
كفاية. أقول: وهذا في غير قضاة زماننا. قوله: (وعبد غيره) أي ولو بإذن سيده قهستاني، والواو فيه
وفيما بعد بمعنى أو. قوله: (وكافر) أي ذمي أو حربي أو مستأمن. عناية. أو مرتد كما يعلم مما
يأتي. قوله: (وفاسق) أي مخوف منه على المال. قهستاني. قوله: (بدل) أي وجوبا. بحر مسلم صالح

285
لان العبد يحجر، والكافر عدو، والفاسق متهم بالخيانة. قهستاني. قوله: (ولفظ بدل يفيد صحة
الوصية) وعبارة القدوري: أخرجهم القاضي. قال في الهداية: هذا يشير إلى صحة الوصية، لان
الاخراج بكون بعد الصحة اه‍. وقال محمد في الأصل: إن الايصاء باطل.
واختلفوا في معناه، فقيل إنه سيبطل بإبطال القاضي في جميع هذه الصور، وقيل: سيبطل في غير
العبد لعدم وريته فيكون باطلا، وقيل: سيبطل في الفاسق لان الكافر كالعبد كما في الكافي.
قهستاني. والأول قول عامة المشايخ كما في العناية.
ثم اعلم أن المصنف زاد على المتون والهداية ذكر الصبي، ونقل في شرحه على المجتبى: والوصية
إلى الصبي جائزة، ولكن لا تلزمه العهدة كالوكالة اه‍. وذكره أيضا في الاختيار كما فعل المصنف،
لكن نقل في شرح الوهبانية: إذا أوصى إلى عبد أو صبي أخرجهما القاضي، لان الصبي لا يهتدي إلى
التصرف، وهل ينفذ تصرفه قبل الاخراج؟ قيل: نعم، وقيل: لا وهو الصحيح لأنه لا يمكن إلزام
العهدة فيه، فلو بلغ قبل الاخراج: قال أبو حنيفة: لا يكون وصيا، وقالا: يكون اه‍. ملخصا. وتمامه
فيه فراجعه. قوله: (وأسلم الكافر) أي الأصلي ط. قوله: (أي عن الوصايا) في بعض النسخ
الوصاية. قوله: (ثم إن رد في الرق) بأن عجز عن أداء البدل. قوله: (فكالعبد) أي فإن كان مكاتب
غيره صحت واستبدله القاضي بغيره، وإن كان مكاتبه فهي مسألة المصنف الخلافية ط. قوله: (وإلا)
أي بأن كان فيهم كبير لم يصح، لان للكبير بيعه أو بيع نصيبه فعجز عن الوصية لان المشتري يمنعه
فلا يحصل فائدة الوصية. اختيار. قوله: (وقالا لا يصح مطلقا) لان فيه إثبات الولاية للمملوك على
المالك وهو قلب المشروع. وله أنه أوصى إلى من هو أهل فيصح كما لو أوصى إلى مكاتب، وهذا لأنه
مكلف مستبد بالتصرف وليس لاحد عليه ولاية، فإن الصغار وإن كانوا ملاكا لكن لما أقامه أبوهم مقام
نفسه صار مستبدا بالتصرف مثله بلا ولاية ح لهم اه‍. درر. لكن ليس له أن يبيع رقبته ط.
فإن قيل: إن لم يكن لهم ولاية البيع فللقاضي أن يبيعه فيتحقق المنة. وأجيب بأنه إذا ثبت
الايصاء لم يبق للقاضي ولاية البيع. عناية. قوله: (ومن عجز عن القيام بها) أي وحده بأن احتاج إلى
معين بقرينة المسألة الآتية. قوله: (حقيقة) بأن ثبت ذلك بالبينة، لان الثابت بها كالعاين لا بعلم
القاضي، لان المفتى به أنه لا يقضي بعلمه. رحمتي. قوله: (لا بمجرد إخباره) لأنه قد يكذب تخفيفا
على نفسه، وكذا لو اشتكى الورثة أو بعضهم الوصي إلى القاضي لا ينبغي أن يعزله حتى يظهر له منه
خيانة. هداية.
تنبيه: يؤخذ مما ذكره أنه ليس للوصي إخراج نفسه بعد القبول وتقدم التصريح به. والحيلة فيه
شيئان كما في الأشباه: أحدهما أن يجعله الميت وصيا على أن يعزل نفسه متى شاء. الثاني أن يدعي دينا

286
على الميت فيتهمه القاضي فيخرجه اه‍. والظاهر أن هذا في وصي الميت. أما وصي القاضي فقدمنا
عن البزازية أنه يعزل نفسه بعلم القاضي. تأمل. وقوله: فيخرجه فيه خلاف. وفي الهندية عن الخصاف
أنه لا يخرجه بل يجعل للميت وصيا في مقدار الدين خاصة، وبه أخذ المشايخ، وعليه الفتوى. قوله:
(رعاية لحق الموصي) في إبقائه حيث اختاره وصيا ولحق الورثة في ضم غيره إليه. قوله: (استبدل
غيره) في الظهيرية: عجز فأقام غيره ثم قال الأول بعد أيام صرت قادرا على القيام بها، قالوا: هو
وصي على حاله لان الحاكم ما أقام الثاني مقامه ليكون نصبه عزلا له، وإنما ذلك ضم لا عزل، ومثله
في الخانية وغيرها.
وفي الخلاصة: أقام آخر مقام العاجز ينعزل، قال الخاصي: لأنه لا يقوم مقام الأول إلا بعد
العزل، وللقاضي العزل بالعجز اه‍ ملخصا من أدب الأوصياء
. أقول: يمكن التوفيق بأن القاضي إذا قال: جعلتك وصيا أو ضممتك إلى الأول
لا ينعزل الأول، ولو قال أقمتك مقامه انعزل. فتأمل.
تنبيه: في الأدب عن الخانية: لو جن الوصي مطبقا ينبغي للقاضي أن يبدله، ولو لم يفعل حتى
أفاق فهو على وصايته اه‍. قوله: (مع أهليته لها) بأن كان عدلا كافيا. قوله: (نفذ عزله) قال في القنية:
واستبعده ظهير الدين بأن مقدم على القاضي لأنه مختار الميت، قال أستاذنا: فإذا كان ينعزل وصي الميت
وإن كان عدلا كافيا فكيف وصى القاضي اه‍. قوله: (وأما عزل الخائن فواجب) بل في عامة الكتب:
إذا كان الأب مبذرا متلفا مال ابنه الصغير فالقاضي ينصب وصيا وينزع المال من يده. قوله: (من الفصل
السابع والعشرين) وفيه عن المنتقى بالنون: ولو كافيا لا عدلا يعزله، ولو عدلا غير كاف يضم إليه كافيا
اه‍. زاد في الزيلعي: ولو عزله صح. قوله: (وينبغي أن يفتى به) قال في نور العين: لقد أجاد فيما
أفاد، لكنه أوهم بقوله قبله عندي إنه تفرد به مع أنه مختار كثير من السلف والخلف. قوله: (لفساد قضاة
الزمان) فيكون عزله منهم لغرض دنيوي، إذ لا مصلحة لليتيم في عزل الأهل ط.
تنبيه: هذا كله في وصي الميت، أما وصي القاضي فله عزله ولو عدلا كما سيذكره الشارح في
الفروع لكن يأتي قريبا تقييده بما إذا رأى المصلحة، وإلا فلا. قوله: (قال المصنف قال شيخنا) يعني
ابن نجيم صاحب البحر. قوله: (فكيف بالوظائف في الأوقاف) من الوظائف التولية على الوقف. قال

287
في فتاوى خير الدين عن البحر: وأما عزل القاضي الناظر فشرطه أن يكون بجنحة، واستدل عليه بما
نقله عن الاسعاف وجامع الفصولين، ثم قال: فقد أفاد حرمة تولية غيره بلا خيانة وعدم صحتها لو
فعل، ثم قال: واستفيد من عدم صحة عزل الناظر بغير جنحة عدمها لصاحب وظيفة في وقف،
واستدل عليه بما نقله عن البزازي وغيره اه‍ ط. وأفاد بقوله: فكيف الخ أنه لا يصح بالأولى.
ووجهه أن فيه إبطال حق محترم وهو ما عين له الواقف. قوله: (وبطل فعل أحد الوصيين) إلا إذا
أجازه صاحبه فإنه يجوز ولا يحتاج إلى تجديد العقد كما في المنح ط.
أقول: وكذا الوصي مع الناظر عليه، وفي الحامدية عن الإسماعيلية: لو تصرف الوصي بدون
علم الناظر في أموال اليتيم فهلكت يضمنها. قوله: (ومفاده الخ) نص عليه في الاسعاف حيث قال:
لا ينفرد أحد الناظرين بالإجازة، ولو وكل أحدهما صاحبه جازت. نقله أبو السعود ط. وما ذكره
الشارح مأخوذ من المنح. قوله: (لكل منهما) الأولى إلى كل منهما كما عبر في الغرر. قوله: (وقيل
: ينفرد) قائله أبو يوسف كما سيصرح به الشارح، والأول قولهما، ثم قيل: الخلاف فيما لو أوصى
إليهما متعاقبا، فلو معا بعقد واحد لا ينفرد أحدهما بالتصرف بالاجماع، وقيل: الخلاف في العقد
الواحد، أما في العقدين فينفرد أحدهما بالاجماع. قال أبو الليث: وهو الأصح. وبه نأخذ. وقيل
: الخلاف في الفصلين جميعا. قال في المبسوط: وهو الأصح، وبه جزم منلا خسرو. منح ملخصا.
وذكر مثله الزيلعي وغيره. قوله: (لكن الأول صححه في المبسوط الخ) أقول: يوهم أنه صحح القول
بالانفراد مع أنك علمت أن الكلام في محل الخلاف، وأن الذي صححه في المبسوط أن الخلاف في
الموضعين، وليس فيه تصحيح للقول بالانفراد ولا لعدم. نعم ما صححه أبو الليث يتضمن تصحيح
الانفراد لو بعقدين لأنه ادعى فيه الاجماع، فتنبه.
ويمكن أن يقال: إن ما في المبسوط متضمن أيضا التصحيح عدم الانفراد، فإنه لما صحح أن
الخلاف في الفصلين أثبت أو قول أبي حنيفة ومحمد عدم الانفراد فيهما، والعمل في الغالب على قول الإمام
، وهو ظاهر اطلاق المتون وصريح عبارة المصنف. تأمل. قوله: (إنه أقرب إلى الصواب) لان
وجوب الوصية عند الموت فثبت لهما معا، بخلاف الوكالة المتعاقبة، فإذن ثبت أن الخلاف فيهما.
زيلعي: أي في صورتي الايصاء لهما معا أو متعاقبا. قوله: (وهذا) أي عدم انفراد أحدهما. قوله:
(من بلدتين) الظاهر أنه اتفاقي نظرا إلى الغالب، حتى لو ولى السلطان قاضيين في بلد واحد وجعل

288
لهما نصب الأوصياء فالحكم كذلك، ويؤيده ما ذكره من التعليل. أفاده ط. قوله: (وتمامه الخ) الذي
ذكره في تنوير البصائر معزيا للملتقطات هو ما تقدم. ثم قال بعده: وفي قوله: فكذا نائبه نظر
ظاهر، لما تقرر أن وصى القاضي نائب عن الميت لا عن القاضي حتى تلحقه العهدة، بخلاف أمين
القاضي لأنه نائب عنه فلا تلحقه العهدة، ومقتضى ما ذكره من أن وصى القاضي نائب عنه أن لا
يكون القاضي محجورا عن التصرف في مال اليتيم، والمنقول أنه محجور عن التصرف مع وجود وصيه
ولو منصوبه بخلافه مع أمينه، ومقتضاه أيضا أن لا يملك القاضي شراء مال اليتيم من وصى نصبه،
كما لو كان أمينه، والحكم بخلافه كما في غالب المذهب اه‍. قوله: (ونصب القاضي لآخر لا
يخرج الأول) والوصي هو الأول دون وصي القاضي لأنه اتصل به اختيار الميت كما إذا كان القاضي
عالما اه‍. كذا في حاشية أبي السعود على الأشباه عن المحيط.
أقول: بقي أن تصرف الثاني بغيبة الأول هل هو نافذ؟ والظاهر نفاذه لو الغيبة منقطعة. وفي
الأشباه: ولا ينصب القاضي وصيا مع وجوده: أي وصي الميت إلا إذا غاب غيبة منقطعة أو أقر لمدعي
العين اه‍. والغيبة المنقطعة: أن يكون في موضع لا تصل إليه القوافل كما في حاشية أبي السعود.
وفي الولوالجية: ادعى رجل دينا على الميت والوصي غائب ينصب القاضي خصما عن الميت،
ألا ترى أنه لو كان حاضرا وأقر بالدين ينصب القاضي خصما عن الميت ليصل المدعي إلى حقه، لان
إقرار الوصي على الميت لا يجوز ولا يملك المدعي أن يخاصم الوصي فيما أقر به اه‍. قوله: (إلا
بشراء كفنه الخ) هذه المسائل مستثناة من بطلان انفراد أحد الوصيين للضرورة. قوله: (وتجهيزه) لو
اقتصر عليه لكفاه عما قبله. قال في التبيين: لان في التأخير فساد الميت ولهذا يملكه الجيران أيضا في
الحضر والرفقة في السفر ه‍ ط. قوله: (والخصومة) وجه الانفراد فيها أنهما لا يجتمعان عليها عادة،
ولو اجتمعا لم يتكلم إلا أحدهما غالبا. درر. قوله: (وشراء حاجة الطفل) أي ما لابد له منه كالطعام
والكسوة. إتقاني لان في تأخير لحوق ضرر به. منح. قوله: (والاتهاب له) أي قبول الهبة للطفل
لان في تأخيره خشية الفوات. قهستاني، ولأنه ليس من باب الولاية ولهذا تملكه الام ومن هو في
عياله. هداية. قوله: (وإعتاق عبد معين) لعدم الاحتياج فيه إلى الرأي، وبخلاف إعتاق ما ليس بمعين
فإنه محتاج إليه. قهستاني. وقد أطلق قاضيخان العبد ولا مانع من حمله على المقيد. أفاده ط.
أقول: والظاهر أن هذا كله فيما إذا أوصى بعتق عبد مجانا، فلو بمال احتاج إلى الرأي فلا بد
من الاجتماع. تأمل. قوله: (ورد وديعة) قيد به، لأنه لا ينفرد بقبض وديعة الميت. سائحاني عن
الهندية، قوله: (وتنفيذ وصية) أي بعين أو بألف مرسلة. ابن الشحنة. فلو احتاج إلى بيع شئ ليؤدي
من ثمنه الوصية فلا إلا بإذن صاحبه. إتقاني. وقهل: معينتين نعت لوديعة ووصية. قال القهستاني:
لان لصاحب الحق أخذه بلا دفع الوصي اه‍.

289
وفي الظهيرية: أوصى بأن يتصدق بحنطة على الفقراء بل أن ترفع الجنازة ففعل أحد الوصيين:
إن كانت الحنطة في ملك الموصي جاز دفعه، وإلا فإن اشتراها فالحنطة للمشتري والصدقة عن نفسه.
وفي الولوالجية: وعلى الخلاف إذا أوصى بأن يتصدق بكذا من ماله ولم يعين الفقراء فليس له
الانفراد، وإن عين ينفرد أحدهما بالاجماع اه‍. وبه علم تقييد ما في المتن بكون الفقير الموصى له
معينا. تأمل. قوله: (زاد في شرح الوهبانية الخ) الأولى ذكره بعد العشرة التي ذكرها المصنف، على أن
مجموع ما ذكره في شرح الوهبانية سبعة عشر، فالزائد على ما في المتن سبعة ذكر الشارح منها أربعة
كما ستعرفه، والثلاثة الباقية: حفظ مال اليتيم، إذا كل من وقع في يده وجب عليه حفظة ورد ثمن
المبيع ببيع من الوصي وإجارة نفس اليتيم. وقد أسقط شارح الوهبانية التكفين وأدخله تحت التجهيز،
وذكر بدله صورة أخرى وهي تنفيذ الوصية بالتصدق عنه بكذا من ماله لفقير معين.
أقول: وهذه الصورة مكررة لما علمت أن ما في المتن مقيد بالفقير المعين. تأمل. قال ط: وزاد
المكي عن الخانية أن لأحدهما قبض تركة الميت إذا لم يكن عليه دين، وما هو مودع عنده في منزله حتى
لا يضمن بالهلاك، وأن لأحدهما التصدق بحنطة في الوصية بالتصدق بها قبل رفع الجنازة، وأن يودع
ما صار في يده من تركة الميت وإجارة مال اليتيم ورد العواري والأمانات اه‍. وبعض هذه يدخل في
المآل فيما قبلها اه‍. قوله: (ومشتري) بالبناء للمجهول معطوف على مغصوب: أي رد ما اشتراه الميت
شراء فاسدا لأنه لا يبطل الرد بالموت كما مر في بابه فينفرد أحد الوصيين به. قال ابن الشحنة: لأنه
ليس من الولاية المستفادة بالوصية بل ملحق بقضاء الدين. قوله: (وقسمة كيلي أو وزني) أي مع
شريك الموصي مثلا ط. قوله: (وطلب دين) قيد به لأنه لا ينفرد بقبض دين الميت. سائحاني عن
الهندية، لان قبض الدين في معنى المبادلة لا سيما عند اختلاف الجنس. هداية. وما في شرح
الوهبانية من أنه ليس له الاقتضاء لا يخالف ما هنا لان معناه الاخذ كما في المغرب. وأما الذي بمعنى
الطلب فهو التقاضي كما في المغرب أيضا، فافهم. وظاهر كلام الشارح أن قوله: وطلب الدين مما
زاده في شرح الوهبانية مع أنه ليس موجودا فيه، وإنما ذكره في النقاية. قال شارحها القهستاني: وهو
مستدرك بالخصومة وعليه يدل كلام الذخيرة اه‍. قوله: (في جميع الأمور) أي في هذه المستثنيات
وغيرها، وأشار إلى أن الاستثناء مبني على قول أبي حنيفة ومحمد، وقيل: إن محمدا مع أبي يوسف.
قوله: (فله التصرف في التركة وحده) هذا إنما يستقيم فيما إذا أوصى إلى
الحي، وأما إذا أوصى إلى آخر فإنه يجب اجتماعهما اه‍ ح. ونحوه في العزمية.
قال في الهداية: ولو أن الميت منهما أوصى إلى الحي فللحي أن يصرف وحده في ظاهر الرواية
بمنزلة ما إذا أوصى إلى شخص آخر، ولا يحتاج القاضي إلى نصب وصي آخر لان رأي الميت باق
حكما برأي من يخلفه. وعن أبي حنيفة: لا ينفرد بالتصرف لان الوصي ما رضي بتصرفه وحده،

290
بخلاف ما إذا أوصى إلى غيره لأنه ينفذ تصرفه برأي المثنى كما رضيه المتوفي اه‍. قوله: (وإلا يوص
ضم القاضي إليه غيره) أما عندهما فظاهر، لان الباقي منهم عاجز عن الانفراد بالتصرف فيضم
القاضي إليه وصيا نظرا للميت عند عجز الميت، وأما عند أبي يوسف: فلان الحي منهما وإن كان يقدر
على التصرف فالموصي قصد أن يخلفه وصبيان متصرفان في حقوقه، وذلك ممكن التحقيق بنصب وصي
آخر مكان الأول. زيلعي وهداية. وهو صريح في أن أبا يوسف لم يخالف هنا. وجزم في الولوالجية
بالخلاف، وهما قولان كما يذكره الشارح.
تنبيه: مثل الموت ما لو جن أحدهما أو وجد ما يوجب عزله أقام الحاكم مقامه أمينا، فلو أراد
الحاكم رد النظر إلى الثاني منهما لم يكن له ذلك بلا خلاف. معراج. لمن في الولوالجية: وعلى هذا
الخلاف لو فسق أحدهما أطلق القاضي للثاني أن يتصرف وحده أو ضم إليه اه‍. تأمل. وفيها:
وكذا إذا أوصى إليهما ومات فقبل أحدهما فقط أو مات أحدهما قبل موت الموصي ثم قبل الآخر
فعندهما لا ينفرد القابل بالتصرف، وعند أبي يوسف: ينفرد. قوله: (أقام القاضي الآخر مقامه) هذا
خلاف ما يقتضيه التعليل المذكور آنفا. تأمل. قوله: (إلا إذا أوصى لهما الخ) الأولى إليهما ثم هذا
إذا لم يعين المصرف، فإن عين لا تبطل.
قال في الولوالجية: أوصى إلى رجلين وقال لهما: اصرفا ثلث مالي حيث شئتما ثم مات أحدهما
بطلت الوصية ورجع الثلث إلى الورثة، لأنه علق ذلك بمشيئتهما ولا يتصور ذلك بعد الموت، ولو
قال: جعلت ثلث مالي للمساكين يضعفه الوصيان حيث شاءا من المساكين فمات أحدهما يجعل القاضي
وصيا آخر اه‍. زاد في الظهيرية: وإن شاء القاضي قال لهذا الثاني: ضع وحدك. قوله: (وهل فيه
الخ) أي فيما إذا مات أحدهما ولو يوص إلى غيره. قال القهستاني: فلو مات أحد هذين الوصيين وجب
أن ينصب وصيا آخر لعجز الحي عن التصرف، وهذا على الخلاف عند مشايخنا. ومنهم من قال: إنه
على الوفاق. قال أبو يوسف: لأنه تحصيل لما قصد الموصي من إشراف كل منهما على الآخر اه‍.
أقول: وما قدمناه عن الزيلعي والهداية صريح بأن أبا يوسف وافقهما، وصرح في الولوالجية
بالخلاف كما علمت. قوله: (كما حررته الخ) حيث قال: لكن فيه: أي في القول بالوفاق إشعار بأنه
لو أشرف على وصي لم ينفرد أحدهما بلا خلاف مع أنه على الخلاف. وعن أبي يوسف أن المشرف
ينفرد دون الوصي كما في القهستاني عن الذخيرة.
قلت: وفي المجتبى: جعل للوصي مشرفا له بتصرف بدونه، وقيل للمشرف أن يتصرف اه‍.
قوله: (ويأتي) أي في الفروع، والذي يأتي هناك عبارة المجتبى.
تنبيه: المشرف بمعنى الناظر. وفي الهندية: الوصي أولى بإمساك المال، ولا يكون المشرف
وصيا، وأثر كونه مشرفا أنه لا يجوز تصرف الوصي إلا بعلمه اه‍. وبه يفتى كما في أدب الأوصياء
عن الخاصي. حامدية. وقيل: يكون وصيا فلا ينفرد أحدهما بما لا ينفرد به أحد الوصيين، وصدر به

291
قاضيخان فكان معتمدا له على عادته كما أفاده في زواهر الجواهر.
فرع: أوصى إلى رجل وأمره أن يعمل برأي فلان فهو الوصي وله العمل بلا رأيه، ولو قال: لا
تعمل إلا برأيه فهما وصيان، لان الأول مشورة والثاني نهي. والولوالجية. وفي الخانية: وهو الأشبه.
تتمة: لو اختلف الوصيان في حفظ المال: فإن احتمل القسمة يكون عند كل منهما نصفه، وإلا
يتهايآن زمانا أو يستودعانه لان لهما ولاية الايداع. بيري عن البدائع. قوله: (ووصي الوصي) أي وإن
بعد كما في جامع الفصولين: أي بأن أوصى هذا الثاني إلى آخر وهكذا. قوله: (سواء أوصى إليه في
ماله أو مال موصيه) يوافقه ما في الملتقى حيث قال: ووصي الوصي وصي في التركتين، وكذا إن
أوصى إليه في إحداهما خلافا لهما ه‍. لكن قال الرملي: المسألة على أقسام أربعة، لأنه إما أن يبهم
فيقول: جعلت وصي من بعدي أو وصيا أو نحوه، أو يبين فيقول: في تركتي، أو يقول: في تركة
موصي، أو يقول في التركتين، فإذا أبهم أو بين فقال: في التركتين فهو وصي فيهما عندهم خلافا
للشافعي وزفر، وإن قال: في تركتي فعن أبي حنيفة روايتان، ظاهر الرواية عنه أنه يكون وصيا فيهما
لان تركة موصيه تركته كما صرح به في الاختيار، وعنهما أيضا روايتان أظهرهما أنه يقتصر على تركته،
وإن قال: في تركة الأول فهو كما قال عندهم كما في التتارخانية عن شرح الطحاوي وكما يرشد إليه
تعليل الاختيار، إذ ليست تركته تركة الأول، بخلاف قوله: تركتي لان تركة موصيه تركته فتناولها
اللفظ، فاغتنم هذا التحرير، فإنه مفرد اه‍. ويمكن أن يخصص ما ذكره الشارح بغير هذه الصورة
الأخيرة. تأمل. قوله: (وتصح قسمته الخ) صورته: رجل أوصى إلى رجل وأوصى لآخر يثلث ماله
وله ورثة صغار أو كبار غيب فقاسم الوصي مع الموصى له نائبا عن الورث وأعطاه الثلث وأمسك
الثلثين للورثة فالقسمة نافذة على الورثة، بخلاف العكس وهو مقاسمته مع الوارث نائبا عن الموصى
له، لان الورثة والوصي كلاهما خلف عن الميت فيجوز أن يكون الوصي خصما عنهم وقائما مقامهم،
وأما الموصى له فليس بخليفة عن الميت من كل وجه فلا يكون بينه وبين الوصي مناسبة حتى يكون
خصما عنه وقائما مقامه في نفوذ القسمة عليه، وتمامه في العناية.
وذكر الامام المحبوبي عن مبسوط شيخ الاسلام أنه في الأولى تجوز في العروض والعقار لو
الورثة صغارا، وإلا ففي العروض فقط، وفي الثانية تبطل فيهما كما في الكفاية والمعراج وغيرهما، وبه
جزم الزيلعي. قال في العناية: والفرق بين المنقول والعقار أن الورثة لو صغارا فللوصي بيعهما، ولو
كبارا فليس له بيع العقار عليهم وله بيع المنقول، فكذا القسمة لأنه نوع بيع اه‍.
أقول: وهذا إذا لم يكن في التركة دين، وإلا فله بيع العقار أيضا كما سيأتي. ثم اعلم أن المراد
إفراز حصة الصغار عن غيرهم، أما لو أراد إفراز حصة كل من الصغار عن الآخر لا يجوز. وسيأتي
تمامه آخر الوصايا في الفروع. قوله: (غيب) أي مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا. قهستاني. قوله: (فيرجع

292
الموصى له بثلث ما بقي) أي في أيدي الورثة إن كان قائما، وإن هلك في أيديهم فله أن يضمنهم قدر
ثلث ما قبضوا، وإن شاء ضمن الوصي ذلك القدر لأنه متعد فيه بالدفع إليهم والورثة بالقبض فيضمن
أيهما شاء. زيلعي. وهذا إذا كانت القسمة بغير أمر القاضي، أما لو قسم بأمره جاز فلا يرجع.
مسكين. قوله: (لأنه كالشريك) أي للورثة فيتوى ما توى من المال المشترك على الشركة ويبقى ما يبقى
عليها. زيلعي. قوله: (معه) متعلق بضاع. قوله: (لأنه أمين) أي وله ولاية الحفظ. زيلعي. قوله:
وصح قسمة القاضي لأنه ناظر في حق العاجز وإفراز نصيب الغائب وقبضه من النظر فنفذ ذلك عليه
وصح. زيلعي. قوله: (حج عن الميت بثلث ما بقي) أي من منزل الآمر أو من حيث يبلغ، هكذا إن
هلك ثانيا وثالثا، إلا أن لا يبقى من ثلثه ما يبلغ الحج فتبطل الوصية كما مر في باب الحج عن الغير.
قوله: (خلافا لهما) فقال أبو يوسف: إن كان المفرز مستغرقا للثلث بطلت الوصية ولم يحج عنه، وإن
لم يكن مستغرقا للثلث يحج عنه بما بقي من الثلث إلى تمام ثلث الجميع، وقال محمد: لا يحج عنه
بشئ وقد قررناه في المناسك. زيلعي. قوله: (لتعلق حقهم بالمالية) أي لا بالصورة، والبيع لا يبطل
المالية لفواتها إلى حلف وهو الثمن، بخلاف العبد المأذون له في التجارة حيث لا يجوز للمولى بيعه لان
لغرمائه حق الاستسعاء، بخلاف ما نحن فيه. زيلعي. قوله: (باع ما أوصى ببيعه) أي باع عبدا، ولو
صرح به كغيره لكان أظهر لقوله: در فاستحق العبد. قوله: (أي ضياعه) الظاهر أن المراد بالهلاك ما
يعم التصدق لما سيأتي. قوله: (لأنه العاقد) تعليل لقوله: وضمن وصي. قوله: (قلنا إنه مغرور) أي
لان الميت لما أمره ببيعه والتصدق بثمنه كأنه قال: هذا العبد ملكي. عناية. قوله: (فلا رجوع) أي لا
على الورثة ولا على المساكين إن كان تصدق عليهم، لان البيع لم يقع إلا للميت فصار كما إذا كان على
الميت دين آخر. عناية. قوله: (وفي المنتقى الخ) قال في العناية: وهذه الرواية تخالف رواية الجامع
الصغير. ووجه رواية الجامع الصغير أن الميت أصل في غنم هذا التصرف وهو الثوب الفقير تبع إ

293
ه‍. قوله: (ولو مثله لم يجز) هو أحد قولين. قال في الكفاية: وأشار في الكتاب إلى أنه لا يجوز اه‍:
أي حيث قيد بالجواز بالاملاء، وهذا إذا ثبت الدين بمداينة الميت، فلو بمداينة الوصي يجوز سواء كان
خيرا لليتيم أو شرا له، إلا أنه إذا كان خيرا له جاز بالاتفاق، حتى إذا أدرك ليس له نقض ذلك، وإن
كان شرا له جاز. ويضمن الوصي لليتيم عندهما، وعند أبي يوسف: لا يجوز. إتقاني عن شرح
الطحاوي. قوله: (وصح بيعه وشراؤه) أطلقهما فشمل النقد والنسيئة إلى أجل متعارف لكن من ملئ،
فلو مفلس فسيأتي في الفروع آخر الوصايا. قال في الخانية: وإذا باع شيئا من تركة الميت بنسيئة، فإن
كان يتضرر به اليتيم بأن كان الاجل فاحشا لا يجوز اه‍. رملي. قوله: (من أجنبي) أي عن الميت وعن
الوصي، فلو باع من نفسه فسيأتي، أو باع ممن لا تقبل شهادته له أو وارث الميت لا يجوز.
قال في جامع الفصولين: بيع المضارب مما لا تحوز شهادته له بمحاباة قليل لم يجز، وكذا
الوصي لو باع من هؤلاء، فلو بمثل قيمته جاز، ولو باع وارث صحيح من مورثه المريض أو شرى منه
بقيمته لم يجز عند أبي حنيفة، ولو بيسير الغبن لم يجز إجماعا لأنه كوصية له ووصي الميت لو عقد مع
الوارث بمثل القيمة فعلى الخلاف اه‍.
تنبيه: قال في الخانية: يتيمان لكل منهما وصي لم يجز لاحد الوصيين الشراء ليتيمه من الوصي
الآخر، لان تصرفات الأوصياء مقيدة بالخيرية والنظر لليتيم، فلو وجدت الخيرية هنا من أحدهما لا
توجد من الآخر البتة فلا يجوز تصرفه اه‍.
أقول: هو مشكل لان كلا منهما أجنبي عن الآخر ولم يشتر لنفسه بل ليتيمه فلا تشترط الخيرية،
فليتأمل. اللهم إلا أن يقيد ذلك بالعقار وكان بيعه لغير النفقة ونحوها فإنه لا بد حينئذ أن يباع بضعف
القيمة كما يأتي، وبه يظهر التعليل، ويظهر لي أن هذا هو المراد، والله أعلم. قوله: (لا بما لا يتغابن)
الصحيح في تفسيره أنه ما لا يدخل تحت تقويم المقومين كما في البحر والمنح وغيرهما. قوله: (لان
ولايته نظرية) ولا نظر في الغبن الفاحش، بخلاف اليسير لأنه يمكن التحرز عنه. زيلعي. قوله: (كان
فاسدا) هو ثاني قولين، حكاهما في القنية، والأول أنه باطل لا يملكه المشتري بالقبض. قوله: (حتى
يملكه المشتري بالقبض) وهل يضمن الوصي الغبن الفاحش؟ الظاهر (1) نعم ط.
تنبيه: المريض المديون لو باع بمحاباة لا يجوز، بخلاف وصيه بعد موته، وهذا من عجيب
المسائل حيث ملك المحاباة لا المالك. أفاده في الفصولين. قوله: (وهذا إذا تبايع الوصي الخ)
لا حاجة إليه لتصريح المصنف به ط. قوله: (وإن باع الوصي) أي ماله من اليتيم. قوله: (من نفسه)



(1) قوله: (الظاهر نعم) قال شيخنا قد ذكروا فيما لو أجر متولي الوقف بأقل من أجر المثل أنه يتمم أجر المثل على
المستأجر شئ على الناظر، فمقتضى هذا أن يكون تمام القيمة على المشتري ولا شئ على الوصي بل هذا أولى لان
الإجارة بيع المنافع وهي ليست بمال حقيقة وإنما جوزنا بيعها للضرورة فليتأمل اه‍.
294
متعلق باشترى والضمير للوصي. قوله: (لأنه وكيله) أي القاضي، وفعل
الوكيل كفعل الموكل وفعل الموكل قضاء وهو لا يقضي لنفسه ط. قوله: (وهي قدر النصف زيادة أو نقصا) الزيادة راجعة إلى
الشراء والنقص إلى البيع.
قال الزيلعي: تفسير المنفعة الظاهرة أن يبيع ما يساوي خمسة عشر بعشرة من الصغير أو يشتري
ما يساوي عشرة بخمسة عشر لنفسه من مال الصغير اه‍. قال في أدب الأوصياء: وفي المنتقى: وبه
يفتى. وفي الخانية: وبهذا فسر الخيرية الامام السرخسي في غير العقار، وهي في العقار عند البعض
أن يشتري بضعف القيمة ويبيع بنصفها. وفي الحافظية: يجوز بيع الوصي من نفسه وشراؤه إن كان
فيهما نفع ظاهر، كبيع ما يساوي تسعة بعشرة وشراء عشرة بتسعة.
قلت: وأما في العقار فلا شك أن الخيرية في الشراء التضعيف وفي البيع التنصيف (1)، لأنه لا
يقدر على بيعها من الغير إلا بالضعف كما مر، فكيف يسوغ له الشراء لنفسه بالأقل؟ وأرى زيادة
الاثنين في العشرة ونقصه منها فيما عدا العقار كافيا في الخيرية لأنه الغبن الفاحش الذي لا يتحمله
الناس اه‍ ما في أدب الأوصياء ملخصا. وله علم أن صحة شرائه غير خاصة في المنقول، فافهم.
قوله: (وبيع الأب الخ) مثله: ما إذا باعه من أجنبي فثلاث صور في حكم واحد، وهي بيع الأب من
نفسه أو من أجنبي، وبيع الوصي من أجنبي ط.
قلت: وهذا لو الأب عدلا أو مستورا، فلو فاسدا ففي بيعه المنقول روايتان كما سيأتي والشراء
كالبيع. وقال في جامع الفصولين: للأب شراء مال طفله لنفسه بيسير الغبن لا بفاحشة اه‍.
وفيه: لو باع ماله من ولده لا يصير قابضا لولده بمجرد البيع، حتى لو هلك قبل التمكن من
قبضه حقيقة هلك على الولد، ول شرى مال ولده لنفسه لا يبرأ عن الثمن حتى ينصب القاضي وكيلا
لولده يأخذ الثمن ثم يرده على الأب ويتم البيع بقوله: بعت من ولدي ولا يحتاج إلى قوله: قبلت، وكذا
الشراء، ولو وصيا لم يجز في الوجهين ما لم يقل: قبلت، وجاز للأب لا لوكيله ولا للوصي بيع مال
أحد الصغيرين من الآخر. ولو وكل الأب وكيلين بذلك جاز، وفي بيع القاضي ذلك خلاف، ولو
وكل الأب رجلا ببيع ماله من طفله أو الشراء منه لم يجز إلا إذا كان الأب حاضرا، ولم يجز للقاضي
بيع مال اليتيم من نفسه وعكسه، إذ الجواز من القاضي على وجه الحكم ولا يجوز حكمه لنفسه،
بخلاف ما شراه من وصيه أو باعه من اليتيم وقبل وصيه فإنه يجوز لو وصيا من جهة هذا القاضي اه‍.
مخلصا. قوله: (ضمن الزيادة) أي إذا إلا أوصى بها وكانت تخرج من الثلث ط. قوله: (وقع الشراء



(1) قوله: (وفى البيع التنصيف الخ) هذا غير مسلم بدليل التعليل تأمل اه‍.
295
له) لأنه متعد في الزيادة وهي غير متميزة فيكون متبرعا بتكفين الميت به رحمتي. قوله: (قبل ظهور
رشده) الرشد هو كونه مصلحا في ماله كما مر في الحجر. وقدمنا هناك أن ظهوره بالبينة، ولو ظهر
رشده ولو قبل الادراك فدفع إليه لا يضمن كما في الخانية. قوله: (ضمن) هذا قول الصاحبين بدليل
التعليل. وقال الامام بعدم الضمان إذا دفعه بعد خمس وعشرين سنة، لان له حينئذ ولاية الدفع إليه
ط. قوله: (وجاز بيعه الخ) بيان المسألة أنه إذا لم يكن على الميت دين ولا وصية فإن الورثة كبارا
حضورا لا يبيع شيئا، ولو غيبا له بيع العروض فقط، وإن
كلهم صغارا يبيع العروض والعقار، وأن البعض صغارا والبعض كبارا فكذلك عنده، وعندهما، يبيع نصيب الصغار ولو من العقار دون الكبار،
إلا إذا كانوا غيبا فيبيع العروض، وقولهما القياس وبه نأخذ. وإن كان على الميت دين أو أوصى
بدراهم ولا دراهم في التركة والورثة كبار حضور، فعنده: يبيع جميع التركة، وعندهما: لا يجوز إلا
بيع حصة الدين اه‍ ملخصا. من غاية البيان عن نكت الوصايا لأبي الليث. قوله: (إلا الدين) أي فله
بيع العقار، لكنه يوهم أنه مقيد بكون الكبير غائبا وليس كذلك كما مر.
وفي العناية: قيد بالغيبة لأنهم إذا كانوا حضورا ليس للوصي التصرف في التركة أصلا، إلا إذا
كان على الميت دين أو أوصى بوصية ولم تقض الورثة الديون ولم ينفذوا الوصية من مالهم فإنه يبيع
التركة كلها إن كان الدين محيطا، وبمقدار الدين إن لم يحط، وله بيع ما زاد على الدين أيضا عند أبي
حنيفة خلافا لهما، وينفذ الوصية بمقدار الثلث، ولو باع لتنفيذها شيئا من التركة جاز بمقدارها
بالاجماع. وفي الزيادات الخلاف المذكور في الدين اه‍. قال في أدب الأوصياء: وبقولهما يفتى. كذا
في الحافظية والغنية وسائر الكتب اه‍. ومثله في البزازية.
تنبيه: قال في القنية: لا يملك الوصي بيع جزء شائع من دار اليتيم للنفقة إذا وجد من يشتري
جزءا معينا لأنه تعييب للباقي اه‍. قوله: (الأصح لا) راجع إلى قوله: أو خوف هلاكه. قوله:
(لأنه) أي الهلاك نادر.
قال في المعراج: وقال بعضهم: لا يملك وهو الأصح، لان الدار لا تهلك غالبا فيبنى الحكم لا
على النادر اه‍. قوله: (وجاز بيعه عقار صغير الخ) أطلق السلف جواز بيعه العقار، وقيده المتأخرون
بالشروط المذكورة كما في الخانية وغيرها. قال الزيلعي: قال الصدر الشهيد: وبه يفتى: أي بقول
المتأخرين، وما في الأشباه من أنه لا يجوز عند المتقدمين سبق قلم، فتنبه. قوله: (لا من نفسه) قال ابن
الكمال: وقولهم: أجنبي يؤذن أن بيعه من نفسه لا يجوز، لان العقار من أنفس الأموال، فإذا باع من
نفسه فالتهمة ظاهرة اه‍.
وفيه: أنه إذا كان بضعف القيمة لا يتأتى معه التهمة فلعل القيد اتفاقي، ويؤيده ما في الهندية:
لو اشترى الوصي عقار اليتيم لنفسه جاز لو خيرا بأن يأخذه بضعف القيمة عند البعض اه‍. أفاده
السائحاني. وقدمنا مثله عن أدب الأوصياء، وقوله عند البعض قيد لقوله بأن يأخذه الخ لا للجواز

296
كما يعلم مما قدمناه. قوله: (أو لنفقة) أي وإن كان بمثل القيمة أو بغبن يسير ط.
أقول: وكذا يقال فيما بعد فيما يظهر بدليل جعله مقابلا للأول. قوله: (أو دين الميت) أي دين
على الميت لا وفاء له إلا ببيعه. خانية. لكن يبيع بقدر الدين فقط على المفتى به كما قدمناه، وكذا في
الوصية. قوله: (مرسلة) تقدم تفسيرها بالتي لم تقيد بكسر كثلث أو ربع مثلا، وذلك كما إذا أوصى
بمائة مثلا. قوله: (أو خوف خرابه) تقدم في عقار الكبير الغائب أن الأصح أنه لا يبيعه لذلك،
والظاهر أنه لا يجري التصحيح هنا لان المنظور إليه هنا منفعة الصغير، ولذا جاز هنا في بعض هذه
الصور ما لا يجوز في عقار الكبير. تأمل. قوله: (أو كونه في يد متغلب) كأن استرده منه الوصي ولا
بينة له وخاف أن يأخذه المتغلب منه بعد ذلك تمسكا بما كان له من اليد فللوصي بيعه وإن لم يكن
لليتيم حاجة إلى ثمنه كما في بيوع الخانية. قوله: (لا من قبل أم أو أخ) أي أو نحوهما من الأقارب
غير الأب والجد والقاضي، ويأتي آخر الباب تمام الكلام في ذلك. قوله: (مطلقا) أي ولو في هذه
المستثنيات، وإذا احتاج الحال إلى بيعه يرفع الامر إلى القاضي ط. قوله: (ويجوز) فليس للصغير نقضه
بعد بلوغه إذ للأب شفقة كاملة، ولم يعارض هذا المعنى آخر فكان هذا البيع نظرا للصغير، وإن
كان الأب فاسدا لم يجز بيعه العقار فله نقضه بعد بلوغه هو المختار، إلا إذا باعه بضعف القيمة إذ
عارض ذلك المعنى معنى آخر، ويجوز بيع منقوله في رواية ويوضع ثمنه في يد عدل، وفي رواية لا
إلا بضعف قيمته. وبه يفتى جامع الفصولين، وسيأتي في الفروع.
تنبيه: ظاهر كلامهم هنا أنه لا يفتقر بيع الأب عقار ولده إلى المسوغات المذكورة في الوصي.
ونقل الحموي في حواشي الأشباه من الوصايا أن الأب كالوصي لا يجوز له بيع العقار إلا في المسائل
المذكورة كما أفتى به الحانوتي اه‍. ثم رأيت في مجموعة شيخ مشايخنا منلا علي التركماني: قد نقل عبارة
الحموي المذكورة. ثم قال ما نصه: وهو مخالف لاطلاق ما في الفصول وغيره، ولم يستند الحانوتي في
ذلك إلى نقل صحيح، ولكن إذا صارت المسوغات في بيع الأب أيضا كما في الوصي صار حسنا مفيدا
أيضا، لان الاخذ بالاتفاق أوفق، هكذا أفادنيه شيخنا الشيخ محمد مراد السقاميني رحمه الله تعالى اه‍.
قوله: (فإن فعل تصدق بالربح) أي عندهما، ويضمن رأس المال. وعند أبي يوسف: يسلم له الربح ولا
يتصدق بشئ. خانية. وفيها: ولا يملك إقراض مال اليتيم، فإن أقرض ضمن والقاضي يملكه.
والصحيح أن الأب كالوصي لا كالقاضي، ولو أخذه الوصي قرضا لنفسه لا يجوز ويكون دينا عليه.
وقال محمد: وأما أنا أرجو أنه لو فعل ذلك وهو قادر على القضاء لا بأس به ه‍.
وفي جامع الفصولين: القاضي إنما يملك الاقراض إذا لم يجد ما يشتريه يكون غلة لليتيم لا لو
وجده أو وجد من يضارب. وفي الحاوي الزاهدي: القاضي يأمر الوصي بالاتجار والشركة في مال
اليتيم دون المعاملة لأجل الربح اه‍. وأفاد الرملي أن ما يفعله بعض جهلة القضاة أنهم يقضون بالربح
من غير معاملة في ماله إذا عومل فيه أول مرة ويستندون في ذلك لمن لا يعبأ بكلامه في المذهب، فهو

297
قضاء بالربا المحرم في سائر الأديان بمجرد خيالات فاسدة وهي النظر إلى اليتيم، وهل فيما حرم الله
تعالى نظر؟ ما هذا إلا ضلال بعيد. وجاز الخ أفاد أنه لا يجبر الوصي على التجارة والتصرف
بمال اليتيم، وبه صرح في نور العين عن مجمع الفتاوى. وقال البيري: الوصي إذا امتنع من التصرف
لا يجبر كما لا يجبر كما في الخلاصة. وفي الحاوي الحصيري: قال محمد بن مقاتل: لو كان للميت على الناس
ديون فليس للورثة أن يأخذوا الوصي باستخراج ذلك وقضائه اه‍.
تتمة: أجره الأب أو الجد أو الوصي صح، إذ لهم استعماله بلا عوض للتهذيب والرياضة
فبالعوض أولى، والوصي لو استأجره لنفسه صح لا لو أجر نفسه لليتيم، ولو أجر الأب نفسه له صح
وله القضاء دينه من مال ولد بخلاف الوصي ولهما بيع ما له بدين نفسهما كرهنه به ولا بأس للأب
أن يأكل من ماله بقدر حاجته لو محتاجا ولا يضمن، بخلاف الوصي إلا إذا كان له أجرة فيأكل
بقدرها، وليس للوصي في في هذا الزمان أخذ مال اليتيم مضاربة ولا إقراض ماله، ولو أقرض لا يعد
خيانة فلا يعزل بها، وله أن يوكل بكل ما يجوز له أن يعلمه بنفسه، وتمام الفروع في 27 من جامع
الفصولين. قوله: (بأقل من ثمت المثل) لعله محمول على الغبن الفاحش، وإلا فقدم المصنف صحة بيعه
وشرائه بما يتغابن الناس فيه ط. قوله: (إلا في مسألة الوصية ببيع عبده من فلان) وتمام عبارة الأشباه:
فلم يرض الموصى له بثمن المثل فله الحط اه‍: أي إلى قدر ثلث المال.
قال البيري: وفي تلخيص الكبرى: أوصى بأن تابع أمته ممن أحبت جاز وتجبر ورثته على بيعها
ممن أحبت، ولو أبى ذلك الرجل أخذها بقيمتها حط من قيمتها قدر ثلث مال الموصي. زاد في
الحاوي أنه يكون كالوصية اه‍. قال السعود: وانظر إذا كان جميع قيمتها يخرج من ثلث ماله هل
تعطى له بدون ثمن؟ وقول الحاوي ويكون كالوصية يقتضيه اه‍.
أقول: فيه بحث، فإنه أوصى ببيعها لا بدفعها مجانا، والبيع لا بد فيه من ثمن وإن قل، فهو
وصية من حيث المحاباة إلى الثلث لا من كل وجه. وقول الحاوي كالوصية يقتضيه حيث أتى بكاف
التشبيه، فتدبر. قوله: (للمتولي أجر مثل عمله) حتى لو كان الوقف طاحونة يستغلها الموقوف عليهم
فلا أجر له فيها كما في الخانية، وهذا في ناظر لم يشترط له الواقف شيئا كما في الأشباه ط.
أقول: وفي تعبيره بأجر المثل إشارة أن القاضي ليس له أن يجعل له أكثر منه، حتى لو جعل
له العشر كما هو المتعارف، فإن كان أكثر من أجر المثل يرد الزائد كما حققه العلامة البيري في كتاب
القضاء من شرحه على الأشباه، فراجعه فإنه مهم. وأما لو شرط له الواقف شيئا فله أخذه وإن زاد على
أجر المثل لأنه من الموقوف عليهم كما في البحر. قوله: (وأما وصي الميت فلا أجر له على الصحيح)
تعقبه الرملي في فتاواه بما مر عن جامع الفصولين من أن الوصي لا يأكل من مال اليتيم ولو محتاجا،
إلا إذا كان له أجرة فيأكل بقدرها. قال: وفي الخانية والبزازية: له ذلك لو محتاجا استحسانا.
وقد تقرر أن المأخوذ به الاستحسان إلا في مسائل ليست هذه منها. ونقل القنية لا يعارض نقل
قاضيخان فإنه من أهل الترجيح اه‍ ملخصا. وقال فيف حاشيته على الأشباه أواخر كتاب الأمانات بعد

298
كلام طويل: ولا يخفى أن وصي الميت إذا امتنع عن القيام بالوصية إلا بأجر لا يجبر على العم لأنه
متبرع، ولا جبر على المتبرع، فإذا رأى القاضي أن يعمل له أجر المثل فما المانع منه؟ وهي واقعة
الفتوى، وقد أفتيت به مرارا اه‍. وبه أفتى في الحامدية أيضا.
أقول: وعبارة الخانية عن نصير: للوصي أن يأكل من مال اليتيم ويركب دوابه إذا ذهب في
حوائج اليتيم. وقال بعضهم: لا يجوز، وهو القياس، وفي الاستحسان: يجوز أن يأكل بالمعروف إذا
كان محتاجا بقدر ما سعى اه‍.
أقول: تقييده بالاحتياج موافقا لقوله تعالى: * (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) * (النساء: 6) لا
يدل على جواز الأجرة لغير المحتاج، ويأتي تمام الكلام على الاكل في الفروع ولم يذكر ما إذا استأجره
الميت.
وفي الخانية: أوصى إلى رجل واستأجره بمائة درهم لانفاذ وصيته، قالوا: لا يكون إجارة لأنه
إنما يصير وصيا بعد الموت والإجارة تبطل به، بل يكون صلة فيعطى له من الثلث.
قال: لك أجر مائة على أن تكون وصيي. اختلفوا فيه: قال نصير: الإجارة باطلة ولا شئ له.
وقال أبو سلمة: الشرط باطل والمائة وصية له ويكون وصيا، وبه أخذ أبو جعفر وأبو الليث اه‍.
قوله: (وهذا) أي ثبوت أجر المثل للمتولي إذا عين الخ، فلو كان أكثر فليس له إلا أجر مثله عمله،
لو أجر المثل أكثير ليس له إلا عين له لرضاه به، وهذا ما ظهر ط. قوله: (وسعى فيه سنة) أي مثلا
ط. قوله: (فلا شئ له) لسعيه متبرعا. قوله: (ثم ذكر) أي في الأشباه عن القنية ما يخالفه حيث
قال: إنه يستحق وإن لم يشرط له القاضي. قوله: (فافهم) تنبيه على ما بين كلاميه من المخالفة أو على
اختيار الثاني لتأخره، وبه أفتى في الخيرية ناقلا عن البحر أن القيم يستحق أجر سعيه سواء شرط لح ه أو
لا، لأنه لا يقبل القوامة ظاهرا إلا بأجر، والمعهود كالمشروط إ ه‍. قوله: (وقد مر في الوقف) الذي
في موضعين منه أن له أجر مثله عمله، وكأنه استفاد من إطلاقه أن له ذلك وإن لم يشترط له. تأمل.
قوله: (جاز) فلو أراد أجرة لعمله قبل فرض القاضي ليس له ذلك لشروعه متبرعا كما في الخيرية.
قوله: (كما مر) أي من أنه يبيع المنقول بما يتغابن فيه دون العقار إلا في المستثنيات. قوله: (على ما مر
من التفصيل) أي من أنه يبيع على الكبير الغائب في غير العقار إلا لدين. قوله: (وفاء) بالنصب
مفعول مطلق: أي بيع وفاء وهو المسمى بيعا جائزا وبيع طاعة، وتقدم الكلام عليه قبيل الكفالة. قال
في جامع الفصولين: للوصي بيع العقار بيعا بالوفاء، وقيل: لا، اه‍. قوله: (لان فيه استبقاء ملكه) بناء
على الصحيح من أنه منزل منزلة الرهن. قوله: (وتمامه فيما علقته في الملتقى) حيث قال: إنما لم
يحصر التصرف في الوصي إشارة إلى جواز تصرف غيره، كما إذا خاف من القاضي على ماله: أي مال

299
الصغير فإنه يجوز لواحد من أهل السكة أن يتصرف فيه ضرورة استحسانا، وعليه الفتوى. ذكره
القهستاني. قوله: (ولا يجوز إقراره بدين على الميت) لأنه إقرار على الغير منح. فلا يجوز للمقر له أخذه
حتى يقيم برهانا ويحلف يمينا ويضمن الوصي له دفع إلى المقر له ط. فلولا بينة له والوصي يعلم
بالدين (1) فالحيلة ما في الخانية والخلاصة عن نصير: إنه إذا كان في التركة صامت يودعه قدر الدين،
وإلا يبيعه من التركة بقدره ثم يجحد الغريم ذلك فيصير قصاصا. قال في أدب الأوصياء عن الخاصي:
والفتوى عليه.
وفي الخانية أيضا: شهد عنده عدل أن لهذا الرجل على الميت ألف درهم. حكى عن أبي سليمان
أنه قال: وسع الوصي أن يعطيه إلا أن يخاف على نفسه الضمان، قيل له فإن كان جارية
بعينها يعلم أن
الميت غصبها منه قال: يدفعها إليه (2) وإلا صار غاصبا ضامنا. قوله: (فيصح في حصته) أي يصح
إقراره فيها فيؤخذ جميع ما أقر به من حصته، فافهم. وهذا بخلاف ما إذا أقر بالوصية بالثلث حيث
يلزمه في ثلث حصته كما تقدم قبيل باب العتق في المرض، وقيل: الدين كذلك فيلزمه قدر ما يخص
حصته منه، واختاره أبو الليث كما ذكره المصنف في كتاب الاقرار قبيل باب الاستثناء.
فرع: تركة دين لم يستغرق قسمت فجاء الغريم فإنه يأخذ من كل منهم حصته من الدين، وهذا
إذا أخذهم جملة عند القاضي، أما لو ظفر بأحدهم أخذ منه جميع ما في يده. جامع الفصولين. قوله:
(ولو أقر بعين) أي في يده كما في أدب الأوصياء، وهذا إذا لم تكن في التركة، وإلا لا يجوز إقراره
لقوله قبله ولا بشئ من تركته. قوله: لا تسمع لتناقضه، لان إقراره وإن كان لا يمضي على غيره
فهو يمضي عليه، حتى لو ملكها يوما أمر بدفعها إلى المقر له ط. قوله: (ووصي أبي الطفل أحق الخ)
الولاية في مال الصغير للأب ثم وصية ثم وصي وصيه ولو بعد، فلو مات الأب ولم يوص فالولاية
لأبي الأب ثم وصيه ثم وصي وصيه، فإن لم يكن فللقاضي ومنصوبه. ولو أوصى إلى رجل والأولاد
صغار وكبار فمات بعضهم وترك ابنا صغيرا فوصى الجد وصي لهم يصح بيعه عليه كما صح على أبيه
في غير العقار، فليحفظ. وأما وصي الأخ والام والعم وسائر ذوي الأرحام ففي شرح الأسبيجابي أن
لهم بيع تركة الميت لدينه أو وصيته وإن لم يكن أحد ممن تقدم، لا بيع عقار الصغار إذ ليس لهم إلا
حفظ المال، ولا الشراء للتجارة ولا التصرف فيما يملكه الصغير، ومن جهة موصيهم (3) مطلقا لأنهم
بالنظر إليه أجانب. نعم لهم شراء ما لا بد منه الطعام والكسوة وبيع منقول ورثة اليتيم من جهة



(1) قوه: (فالحيلة إلخ) أن المودع والمشتري يحلفان حال الجحود فلا تتم الحيلة إلا أن يحلفه القاضي على الحاصل
اه‍.
(2) قوله: (يدفعها إليه) أي ويضمن للورثة ارتكابا لأخف الضررين، فإنه إن لم يدفعها يضمن أيضا ويكون آثما بخلاف
حالة الدفع إذ لا شئ فيها إلا الضمان للورثة تأمل اه‍.
(3) قوله: (من جهة موصيهم) لعل الصواب زيادة لفظ غير بدليل التعليل وبدليل قوله نعم لهم شراء ما لا بد منه من
الطعام والكسرة وبيع منقول ورثة اليتيم من جهة الموصي اه‍.
300
الموصي لكونه مم الحفظ، لان حفظ الثمن أيسر من حفظ العين اه‍. من أدب الأوصياء وغيره.
وفي جامع الفصولين: والأصل فيه أن ضعف الوصيين (1) في أقوى الحالين كأقوى الوصيين في
أضعف الحالين، وأضعف الوصيين وصي الام والأخ والعلم، وأقوى الحالين حال صغر الورثة،
وأقوى الوصيين وصي الأب والجد والقاضي، وأضعف الحالين حال كبر الورثة، ثم وصي الام في
حال صغر الورثة كوصي الأب في حال كبر الورثة عند غيبة الوارث، فللوصي بيع منقوله لا عقاره
كوصي الأب حال كبرهم إه‍. قوله: (وإن لم يكن) أي يوجد. قوله: (كما تقرر في الحجر) الأولى
في المأذون ط. قوله: (ليس للجد الخ) قال في الخانية: فرق أبو حنيفة بين الوصي وأبي الميت،
فلوصي الميت بيع التركة لقضاء الدين وتنفيذ الوصية، وأبو الميت له بيعها لقضاء الدين على الأولاد لا
لقضاء الدين على الميت قال شمس الأئمة الحلواني: هذه فائدة تحفظ من الخصاف. وأما محمد فأقام
الجد مقام الأب، ونقول الخصاف يفتي إه‍.
وفي جامع الفصولين: للجد بيع العروض والشراء، إلا أنه لو باع التركة لدين أو وصية لم يجز
بخلاف وصي الأب إه‍. قوله: (بخلاف الوصي) أي وصي الأب كما في أدب الأوصياء، وظاهره
أن وصي الجد كالجد فلا يملك ذلك الأولى. تأمل. قال ط: فيرفع الغرماء أمرهم إلى القاضي ليبيع
لهم بقدر ديونهم، وكذا الموصى لهم. والله تعالى أعلم.
فصل في شهادة الأوصياء
الأولى أن يزيد وغير ذلك لان أكثر الفصل في غيره ط. قوله: (مطلقا) أي سواء انتقل إليه
من الميت أو لا، لان التصرف في مال الصغير للوصي سواء كان من التركة أو لا. منح. ففي
شهادتهما إثبات التصرف في المشهود به. قوله: (أو كبير بمال الميت) لأنهما يثبتان ولاية الحفظ،
وولاية بيع المنقول عند غيبة الوارث وعود ولايته إليهما بجنونه. غرر الأفكار، وهذا عنده. وقالا:
يجوز في الوجهين: أي فيما تركه الميت وغيره. زيلعي. قوله: (وقال أبو يوسف لا تقبل في الدين
أيضا) لان الدين بالموت يتعلق بالتركة إذ الذمة خربت بالموت، ولهذا لو استوفى أحدهما حقه من التركة
يشاركه الآخر فكانت الشهادة فيه مثبتة للشركة فتحققت التهمة. ولهما: أن الدين يجب في الذمة
والاستيفاء من التركة ثمرته، والذمة قابلة لحقوق شتى فلا شركة، ولهذا لو تبرع أحد بقضاء دين
أحدهما ليس للآخر حق المشاركة، بخلاف الوصية لان الحق فيها لا يثبت في الذمة بل في العين فصار



(1) قوه: (والأصل فيه أن أضعف الوصيين إلخ) انظر ما حكم أضعف الوصيين في أضعف الحالين تأمل اه‍.
301
المال مشتركا بينهما فأورث شبهة إه‍. درر. قال الشيخ قاسم في حاشية المجمع: وعلى قول أبي
يوسف اعتمد النسفي والمحبوبي. قال المقدسي: إن أراد النسفي صاحب الكنز فإن ما فيه قول محمد
وهو قبولها في الدين فقط. ثم قال: وينبغي عند الفتوى في مثل هذا إن كان الشهود معروفين بالخبر
أن يعمل بقول محمد وإلا فبقول أبي يوسف إه‍ ط. عن شرح الحموي. قوله: (بعبد) أي بوصية عبد
ط. قوله: (لاثباتها للشركة) أي في المشهود به، إذ الثلث محل الوصية فيكون مشتركا بينهم. معراج.
قوله: (معينا) اسم فاعل من أعان. قوله: (كما تقرر) أي من امتناع تصرف أحد الأوصياء وحده.
قوله: (استحسانا) والقياس أن لا تقبل كالأول. قوله: (لأنهما أسقطا مؤنة التعيين عنه) أي عن
القاضي إذ لا بد له أن يضم ثالثا إليهما كما مر فيكون وصيا معهما بنصب القاضي إياه، كما إذا مات
ولم يترك وصيا فإنه ينصب وصيا ابتداء، فهذا أولى. زيلعي.
أقول: ظاهره أن لهذا الثالث حكم وصي القاضي لا حكم وصي الميت، وأن الشهادة لم تؤثر
سوى التعيين. تأمل، وسيأتي الفرق بين الوصيين. قوله: (تقبل استحسانا) أي على أنه نصب وصي
ابتداء على ما ذكرناه في شهادة الوصيين. زيلعي. قوله: (بخلاف شهادتهما الخ) أو لو شهدا حال حياة
الأب أن أباهما وكل هذا بقبض حقوقه والأب غائب وغرماء الأب يجحدون لا تقبل، والفرق أنهما لو
لم يشهدا بذلك لكنهما سألا من القاضي أن يجعل هذا وصيا والوصي يريد الايصاء كان للقاضي أن
يجعله وصيا فهنا أولى، لو سألاه أن ينصب وكيلا بقبض حقوقه حال غيبة الأب والوكيل يريد ذلك
فالقاضي لا ينصب وكيلا، ولو نصب هنا إنما ينصب بشهادتهما، ولا يجوز ذلك لأنهما يشهدان
لأبيهما، ولولوالجية. قوله: (لا له ولو بعد العزل) وكذا لا تقبل لليتيم، وهذا بخلاف الوكيل حيث
تقبل شهادته لموكله بعد العزل قبل الخصومة لان الوصاية خلافه ولهذا لا تتوقف على
العلم. خلاصة.
قوله: (رجع مطلقا) قال في المنح. وقيل: إن كان هذا الوصي وارث الميت، وإلا
فلا. وقيل: إن كانت الوصية للعباد يرجع لان لها مطالبا من جهة العباد فكان كقضاء الدين، وإن
كانت الوصية لله تعالى لا يرجع. وقيل له أن يرجع على كل حال، وعليه الفتوى كما في الدرر. وفي

302
البزازية: هو المختار إه‍. قوله: (فإنه يرجع إذا شهد على ذلك) يعني على أنه أنفق ليرجع، وهذا ما
مشى عليها المصنف قبيل باب عزل الوكيل. قوله: (لا في حق الرجوع) ومثله قيم الوقف لأنهما
يدعيان لأنفسهما دينا على اليتيم والوقف فلا يستحقانه بمجرد الدعوى. كذا في أدب الأوصياء.
قوله: (قلت الخ) نقل في الشرنبلالية عن العمادية ما يوافق وما يخالفه. ثم قال: فقد اضطرب
كلام أئمتنا في الرجوع مطلقا أو بالاشهاد عليه، فليحرر إه‍. أقول: والتحرير ما في أدب الأوصياء عن المحيط أن في رجوع الوصي بلا إشهاد للرجوع،
اختلاف المشايخ إه‍. ونقل في أدب الأوصياء كلا من القولين عن عدة كتب وعن الخانية، فقد
اضطرب كلام الخانية أيضا، ونقل عن الخلاصة اشتراط الاشهاد خلاف ما نقله الشارح عنها. ثم قال:
وفي المنتقى بالنون: أنفق الوصي من مال نفسه عن الصبي وللصبي مال غائب فهو متطوع في الانفاق
استحسانا، إلا أن يشهد أنه قرض أو أنه يرجع به عليه، لان قول الوصي لا يقبل في الرجوع فيشهد
لذلك. وفي العتابية: ويكفيه النية فيما بينه وبين الله تعالى. وفي المحيط عن محمد: إذا نوى الأب
الرجوع ونقد الثمن على هذه النية، وسعة الرجوع فيما بينه وبين لله تعالى، أما في القضاء فلا يرجع ما
لم يشهد، ومثله في المنتقى.
وفيه أيضا: ولو شرى الأب لطفله شيئا يجبر هو عليه كالطعام والكسوة لصغيره الفقير لم يرجع،
أشهد أو لم يشهد لأنه واجب عليه، وإن شرى له ما لا يجب عليه كالطعام لابنه الذي له مال والدار
والخادم رجع، إن أشهد عليه وإلا فلا. وعن أبي حنيفة في نحو الدار: إن كان للابن مال رجع إن
أشهد، وإلا لا، وإن لم يكن له مال لم يرجع أشهد أو لا.
وفي الخانية: ولو شرى لطفله شيئا وضمن عنه ثم نقده من ماله يرجع قياسا لا استحسانا إه‍.
قلت: فقد تحرر أن في المسألة قولين: أحدهما عدم الرجوع بلا إشهاد في كل من الأب
والوصي. والثاني اشتراط الاشهاد في الأب فقط، ومثله الام الوصي على أولادها، وعللوه بأن الغالب
من شفقة الوالدين الانفاق على الأولاد للبر والصلة لا للرجوع، بخلاف الوصي الأجنبي فلا يحتاج في
الرجوع إلى الاشهاد، وقد علمت أن القول الأول استحسان، والثاني قياس، ومقتضاه ترجيح الأول،
وعليه مشى المصنف قبيل باب عزل الوكيل، وهذا كله في القضاء، والله تعالى أعلم. قوله:
(وسيجئ) أي في آخر الفروع ما يفيده: أي يفيد اشتراط الرجوع في الأبوين بل هو صريح في
ذلك، فإن الذي سيجئ هو ما نقلناه ثانيا عن المنتقى. قوله: (أو قضى دين الميت) قال في أدب
الأوصياء: وفي الخانية اشترط الاشهاد إذا قضاه بلا أمر الوارث، ولم يشترطه في النوازل وقال: وهو
المختار، فإنه ذكر أن الوصي إذا نفذ الوصية من مال نفسه يرجع في مال الميت وهو المختار، فتكون
الرواية في الوصية رواية في الدين لأنه مقدم عليها، ووجوب قضائه آكد من لزوم إنفاذها اه‍. وهو

303
الموافق لما مر عن المنح والدرر من قوله فكان كقضاء الدين. قوله: (أو كفنه) أي كفن المثل، وقد ذكر
المصنف قبل الفصل أنه لو زاد الوصي على كفن المثل في العدد ضمن الزيادة وفي القمية وقع الشراء
له. قوله: (أو أدى خراج اليتيم الخ) أي خراج أرضه، وظاهره أنه يتصدق بيمينه بلا إشهاد، وفيه
خلاف حكاه في أدب الأوصياء. قوله: (أو اشترى الوارث الكبير الخ) كذا في الخانية ونصها: أو
اشترى الوارث الكبير طعاما أو كسوة للصغير من مال نفسه لا يكون متطوعا وكان له الرجوع في مال
الميت والتركة إه‍.
أقول: ولم يشترط الاشهاد مع أن في إنفاق الوصي خلافا كما مر، وينبغي جريانه هنا بالأولى،
على أنه قد وقع الاختلاف في انفاقه على الصغير نصيبه من التركة نفقة مثله في أنه يصدق أم لا
قولان، حكاهما الزاهدي في الحاوي، ثم قال: والمختار للفتوى ما في وصايا المحيط برواية ابن
سماعة عن محمد: مات عن ابنين صغير وكبير وألف درهم فأنفق على الصغير خمسمائة نفقة مثله فهو
متطوع إذا لم يكن وصيا، لو كان المشترك طعاما أو ثوبا وأطعمه الكبير الصغير أو ألبسه فاستحسن
أن لا يكون على الكبير ضمان إه‍.
وفي جامع الفتاوى: ولو أنفق الأخ الكبير على أخيه الصغير من نصيبه من التركة: إن كان
طعاما لم يضمن، وإن كان دراهم فكذلك إن كان في حجره، وفي غير ذلك يضمن إن لم يكن وصيا إ
ه‍. ومثله في التتارخانية. وقدم المصنف في فصل البيع من كتاب الكراهية والاستحسان أنه يجوز شراء
ما لا بد للصغير منه وبيعه لأخ وعم وأم وملتقط هو في حجرهم وإجارته لامه فقط إه‍. ومثله في
الهداية، وعليه فيمكن حمل ما مر عن محمد على ما إذا لم يكن في حجره. تأمل. وعلى كل فما في
الخانية مشكل إن لم يكن الكبير وصيا، فليتأمل. قوله: (أو كفن الوارث الميت) كذا في الخانية أيضا،
وصرح فيها بأنه يرجع على التركة. قلت: وهذا لو كفن المثل كما مر.
تنبيه: لو مات ولا شئ له ووجب كفنه على ورثته فكفنه الحاضر من مال نفسه ليرجع على
الغائب منهم بحصته ليس له الرجوع لو أنفق بلا إذن القاضي. حاوي الزاهدي.
قال الرملي في حاشية الفصولين: ليستفاد منه أنه لو لم يجب كتكفين الزوجة إذا صرفه من
ماله عير الزوج بلا إذنه أو إذن القاضي فهو متبرع كالأجنبي فيستثني تكفينها، بلا إذن مطلقا (1)، بناء
على المفتى به من أنه على زوجها ولو غنية. قوله: (أو قضى دينه) أي الثابت شرعا، وإلا فلا يرجع
على الغائب، وإن دفع من التركة فللغائب أن يسترد قدر حصته لأنه لم يثبت شرعا، وكذا الوصي في
الدين أو الوديعة، وأما المهر، فإن دخل بها منع عنها ما جرت العادة بتعجيله والقول في قدره
للورثة، وفيما زاد عليه القول للمرأة. شرنبلالية عن العمادية ملخصا: أي لو ادعى الورثة قدر ما
جرت العادة بتعجيله فالقول لهم، ولو ادعا أزيد عليه فالقول للمرأة في نفي الزيادة. قوله: (قيل هو



(1) قوله: (بلا إذن مطلقا إلخ) أي سواء كفن كفن المثل أو زاد عليه بخلاف مسألة غيرها فإنه يرجع الوارث بكفن المثل لا
لزيادة كما في الشارح اه‍.
304
مستدرك) عبر بقيل لامكان الفرق بأن ما مر في أصل الرجوع وهذا في قدر الثمن لو كذبوه فيه. أفاده
ط. وفي أدب الأوصياء عن الخلاصة: لو نقد الثمن من ماله يصدق إن كان كفن المثل. وفي الوجيز:
لا يصدق إلا ببينة ولو نقده (1) من التركة. قوله: (إلى أهل البصيرة) أي العقل، والذي في الخانية
وغيرها: إلى أهل البصر، وهو المناسب هنا: أي أهل النظر والمعرفة في قيمة ذلك الشئ. قوله: (وإن
قيمته ذلك) توضيح لما قبله، وأما إذا أخبر بأن قيمته أكثر مما أخذه المشتري فهو باطل. قال في أدب
الأوصياء عن الجواهر: باع الواصي ضيعة للدين فتبين أن قيمتها أكثر فالبيع باطل ولا يحتاج إلى فسخ
الحاكم، فهو باعها ثانيا بثمن المثل صح البيع الثاني إه‍. وقدم الشارح أن البيع فاسد وهو أحد
القولين، وهذا حيث كان بغبن فاحش كما مر. قوله: (لا يلتفت القاضي إلى من يزيد) لان الزيادة، قد
تكون للحاجة، لا لان القيمة أزيد مما باع به الوصي، حتى لا يجوز البيع إن كان النقص فاحشا. أدب
الأوصياء. قوله: (لا ينتقض بيع الوصي لذلك) أي لا يحكم بانتقاضه بمجرد تلك الزيادة لاحتمال أن
ما باعه به هو قيمته فلذا قال (بل يرجع إلخ) فافهم. قال ط: ولو قال بعد قوله ثم طلب منه بأكثر مما
أو كان في المزايدة يشتري بأكثر، وفي السوق بأقل لكان أخصر إه‍.
تتمة: قال في أدب الأوصياء: باع الأب مال طفله ثم ادعى فيه فاحش الغبن لم تسمع دعواه
فينصب الحاكم قيما عن الصبي فيدعيه على المشتري، وهذا إذا أقر الأب بقبض ثمن المثل أو أشهد
عليه في الصك، أما إذا لم يقر به ولم يشهد عليه أو قال بعته ولم أعف الغبن أو قال كنت عرفته ولكن
لم أعرف أن البيع لا يجوز معه فحينئذ له أن يدعي بعده الغبن، ولو بلغ اليتيم فادعى كون بيع الأب أو
الوصي بفاحش الغبن وأنكر المشتري ذلك يحكم الحال إن لم تكن المدة قدر ما يتبدل فيه السعر وإلا
صدق المشتري، ولو برهن كل منهما فبينة مثبت الزيادة أولى اه‍ قوله: (يقبل قول الوصي الخ) قال
في الأشباه: يقبل قول الوصي فيما يدعي من الانفاق بلا بينة إلا في ثلاث: الانفاق على رحمه،
وخراج أرضه، وجعل عبده الآبق إه‍ ملخصا. ثم قال: والحاصل أنه يقبل قوله: فيما يدعيه إلا في
مسائل الخ، فالمناسب للشارح حذف قوله: (من الانفاق).
تنبيه في الذخيرة: ينبغي للوصي أن لا يضيق على الصغير في النفقة بل يوسع عليه بلا إسراف،
وذلك يتفاوت بقلة ماله وكثرته فينظر إلى ماله وينفق بحسب حاله.



(1) قوله: (ولو نقله إلخ) لعل في العبارة سقطا وهو جواب وأصل الكلام ولو نقده من التركة يصدق هذا هو الموقف
للمعروف المنقول عن الأئمة، وأما كون لو وصلية ويكون المعنى والنقد من التركة كالنقد من ماله فليس بمعلوم فلا
يناسب حمل كلام الوجيز عليه، هذا ما ظهر لي فليحرر اه‍.
305
وفي شرح الأصل لشيخ الاسلام: كبر الصغار واتهموا الوصي، وقالوا: إنك أنفقت علينا من
الربح أو تبرع بها فلان يجب على الوصي اليمين على دعواه، إلا إذا ادعوا ما يكذبهم الظاهر فيه، كأن
يدعوا ما لا كيفي مثله لمثلهم في مثل المدة في الغالب، وهذا إذا ادعى نفقة المثل أو أزيد يسير، وإلا
فلا يصدق ويضمن ما لم يفسر دعواه بتفسير محتمل، كقوله: اشتريت لهم طعاما فسرق، ثم اشتريت
ثانيا وثالثها فهلك فيصدق بيمينه لأنه أمين اه‍ ملخصا من أدب الأوصياء. قوله: (ادعى قضاء دين
الميت) شروع في الاثنتي عشرة مسألة، والظاهر أن المراد بهذه المسألة ما ذكره في الأشباه قبل سرده
المسائل حيث قال: وفي جامع الفصولين: قضى وصيه دينا
بغير أمر القاضي فلما كبر اليتيم أنكر دينا على أبيه ضمن وصيه ما دفعه لو لم يجد بينة إذا أقر بسبب الضمان وهو الدفع إلى الأجنبي، فلو ظهر
غريم آخر بغرم له حصته الخ، وإلا فلو أقر به الوارث وادعى الوصي أداءه من التركة صدق. قوله:
(أو ادعى الخ) قدمنا عن أدب الأوصياء أنه في الخانية اشتراط الاشهاد ولم يشترط في النوازل، وانظر
ما فائدة قوله: بعد بيع التركة ولعله اتفاقي لأنه قبله كذلك بالأولى. قوله: (أو أن اليتيم استهلك مالا
آخر الخ) الذي في الأشباه مال آخر بالإضافة.
وصورتها: قال له إنك استهلكت مال فلام في صغرك فأديته من مالك، فكذبه وقال: لم أستهلك
شيئا، فالقول لليتيم والوصي ضامن إلا أن يبرهن كما في أدب الأوصياء. قوله: (أو أدى خراج أرضه
الخ) وكذا إذا ادعى الوصي أن أبا اليتيم مات منذ عشر سنين وأنه دفع خراج أرضه تلك المدة وقال اليتيم لم يمت أبي إلا من منذ سنتين.
وأجمعوا على أن الأرض لو كانت صالحة للزراعة يوم الخصومة يكون القول للوصي مع يمينه:
يعني واتفقا على الوقت الذي مات فيه أبو اليتيم كما يفهمن عبارة شرح تنوير الأذهان عن التتارخانية إ
ه‍. أبو السعود. وظاهر قوله: لو كانت صالحة للزراعة يوم الخصومة أنها لو لم تكن صالحة للزراعة يوم
الخصومة فلا بد له من البينة، لان الحال في الأول شاهد له، بخلاف الثاني، وعليه فقول الشارح: في
وقت لا يصلح للزراعة ليس متعلقا بأدى بل هو متعلق بادعى مقدارا: أي ادعى خراج أرضه الخ،
وإلا نافى ما مر متنا من أنه يقبل قوله في أداء خراجه لكنه محمول على هذا التفصيل، فتنبه. قوله: (أو
جعل عبده الآبق) هذا على قول محمد، أما على قول أبي يوسف فيقبل قوله بلا بيان، وجزم بالأولى في
الولوالجية، ولم يحك الصدر الشهيد فيه خلافا. قال في الخلاصة: وقيل: إنه على خلاف إه‍.
وأجمعوا على أن الوصي لو استأجر رجلا ليرده أنه يكون مصدقا كما في الخانية. وفي الأصل
وغيره: لو قال أديت في مال نفسي لأرجع عليك لم يصدق إلا بالبينة. أفاده في أدب الأوصياء.
أقول: وظاهر هذا ترجيح قول محمد. تأمل. قوله: (أو فداء عبده الجاني) في الكافي: لو قال أديت
ضمان غصبك أو جنايتك أو جناية عبدك فلا يصدق بلا بينة. أبو السعود. أقول: ظاهره ولو أقر
اليتيم بالجناية. تأمل. قوله: (أو الانفاق على محرمه) في الخانية: قال الوصي فرض القاضي لأخيك

306
الأعمى هذا نفقة في مالك في كل شهر كذا درهما فأديت إليه ذلك منذ عشرة سنين وكذبه الابن، لا يقبل
قول الوصي إجماعا ويكون ضامنا للمال ما لم يقم البينة على فرض القاضي وإعطاء المفروض للأخ إه‍.
وعلله في شرح المجمع بأنه ليس من حوائج اليتيم، وإنما يقبل قوله فيما كان من حوائجه إه‍.
فينبغي أن لا تكون نفقة زوجته كذلك لأنها من حوائجه. وتمامه في الأشباه. قوله: (أو على رقيقه الذين
ماتوا) هذا قول محمد. وقال أبو يوسف: القول للوصي.
وأجمعوا أن العبيد لو كانوا أحياء فالقول للوصي، وهل يحلف؟ خلاف، منهم من قال: لا
يحلف إذا لم تظهر منه الخيانة. ونقل البيري عن البزازية تفصيلا فقال: إن كان مثل هذا الميت يكون له
مثل هذا الرقيق فالقول للوصي، وإلا فلا. أبو السعود. قوله: (أو الانفاق عليه) قدمنا الكلام في
ذلك، وقوله: مما في ذمته ليس في الأشباه، واحترز به وبما بعده عما لو أنفق من مال اليتيم فإنه
يصدق في نفقة مثله كما قدمناه عن شرح الأصل، وقوله: حال غيبة ماله أي مال اليتيم، ويعلم منه
حال حضوره في الأولى.
وفي أدب الأوصياء: ويقبل قول الوصي فيما يدعيه من الانفاق على اليتيم وعلى أمواله من
العبيد والضياع والدواب ونحو ذلك إذا ادعى ما ينفق على مثلهم في تلك المدة لأنه قائم مقام الموصي
أو القاضي إه‍. قوله: (أو هي ميتة) يفهم منه أنها لو كانت حية أو ميتة لكن أقر اليتيم بالتزويج أنه
يرجع. تأمل. قوله: (الثانية عشرة الخ) في شرح الطحاوي: تصرف الوصي أو الأب في مال اليتيم
فربح فقال: كنت مضاربا لا يكون له من الربح شئ، إلا أن يشهد عند التصرف أنه يتصرف فيه
بالمضاربة، وهذا في القضاء. أما في الديانة يحل له أخذ ما شرط من الربح وإن لم يشهد عليه. أدب
الأوصياء. وقدمنا أنه ليس للوصي في هذا الزمان أخذ مال اليتيم مضاربة. قوله: (فإنه يصدق فيه)
أي بيمينه إذا لم يكذبه الظاهر. حموي وبيري عن صلح الولوالجية ط. قوله: (مبسوطة في الأشباه) أي
في كتاب القضاء، وقد ذكر الشارح منها ثلاثة. قال في الأشباه: فيما إذا كان للميت ولد صغير،
وفيما إذا اشترى من مورثه شيئا وأراد رده بعيب بعد موته، وفيما إذا كان أبو الصغير مسرفا مبذرا
فينصبه للحفظ. وذكر في قسمة الولوالجية موضعا آخر ينصبه فيه فليراجع إه‍. والذي في الولوالجية:
هو ما لو ترك ضيعة بين صغير وغائبين وحاضرين باع أحدهما نصيبه لرجل فطلب القسمة فيجعل
القاضي وكيلا عن الغائبين والصغير. قوله: (منها إذا كان له دين أو عليه) أي ليكون خصما في
الاثبات والدفع والقبض قوله (ليرده عليه) أفاد أن المرد أن ينصبه وصيا في خصوص الرد لا مطلقا

307
لان الولاية في غيره للأب. وسيأتي أن وصي القاضي يقبل التخصيص. قوله: (غيبة منقطعة) بأن كان
في بلد لا تصل إليه القوافل كما قدمناه.
تتمة: زاد الحموي وغيره مسائل أيضا:
منها: لو ادعى شخص دينا والورثة كبار غيب في بلد منقطع عن بلد المتوفى لا تأتي ولا تذهب
القافلة إليه.
ومنها: لو قال الوارث لا أقضي الدين ولا أبيع التركة بل أسلم التركة إلى الدائن نصب القاضي
من ببيع التركة.
ومنها: لو استحق المبيع فأراد المشتري أن يرجع بثمنه وقد مات بائعه ولا وارث له ينصب عنه
وصي ليرجع المشتري عليه.
ومنها: لو ظهر المبيع حرا وقد مات بائعه ولم يترك شيئا ولا وارثا ولا وصيا فينصب القاضي
وصيا ليرجع عليه المشتري ويرجع هو على بائع الميت.
ومنها: لو كان المدعى عليه مع كونه أخرس أصم وأعمى ولا ولي له.
ومنها: ولو شرى الوكيل فمات فلموكله الرد بعيب، وقيل: لوراثة أو وصية، فلو لم يكن فلموكله
على رواية أبي الليث، وفي رواية: ينصب القاضي وصيا للرد.
ومنها: لو مات الوصي فولاية المطالبة فيما باع من مال الصغير لورثة الوصي أو وصية، فلو لم
يكن نصب القاضي وصيا.
ومنها: لو أتى المستقرض بالمال ليدفعه فاختفى المقرض فالقاضي ينصب قيما بطلب المستقرض
ليقبض المال.
ومنها: كفل بنفسه على أنه إن لم يواف به غدا فدينه على الكفيل، فتغيب الطالب في الغد ينصب
القاضي وكيلا عنه ويسلم إليه المديون.
ومنها: لو غاب الوصي فادعى رجل على الميت دينا ينصب القاضي خصما عن الميت إه‍
ملخصا. المراد بالغيبة: المنقطعة.
أقول: ويزاد ما مر أول باب الوصي من أنه لو أوصى إلى صبي أو عبد غيره أو كافر أو فاسق
بدلهم القاضي بغيرهم ومالوا أوصى اثنين فمات أحدهما ولو يوص إلى غيره فيضم القاضي إليه
غيره، وما لو عجز الوصي عن الوصاية.
ومنها: ما قدمناه لو شرى مال ولده لنفسه لا يبرأ عن الثمن حتى ينصب القاضي وكيلا لولده
يأخذ الثمن ثم يرده على الأب.
ومنها: ما لو تصدق الوصي مدعي الدين لا يصح بل ينصب غيره ليصل المدعي إلى حقه كما
قدمناه عن الولوالجية.
ومنها: إذا أسلمت زوجة المجنون الكافر ولا أب له ولا أم ينصب عنه القاضي وصيا يقضي
عليه بالفرقة كما تقدم في نكاح الكافر.
ومنها: نصب الوصي عن المفقود.

308
ومنها إذا ادعى الوصي دينا على الميت ينصب القاضي وصيا للميت في مقدار الدين الذي
يدعيه ولا يخرج الأول عن الوصاية، وعليه الفتوى كما في الهندية فقد بلغت سبعة وعشرين، والتتعتع
ينفي الحصر. قوله: (إلا في ثمان) يزاد عليها تاسعة نذكرها قريبا، وعاشرة: هي أن وصي القاضي لو
عين له أجر المثل جاز، بخلاف وصي الميت فلا أجر له على الصحيح كما قدمه عن القنية، وقدمنا
الكلام عليه. قوله: (ليس لوصي القاضي الشراء لنفسه) أي من مال اليتيم ولا بيع مال نفسه منه
مطلقا، بخلاف وصي الأب فيجوز بشرط منفعة ظاهرة لليتيم كما مر في المتن، فلو اشترى هذا
الوصي من القاضي أو باع جاز. حموي عن البزازية. قوله: (ولا أن يبيع الخ) للتهمة، واقتصر على
البيع، والظاهر أن الشراء مثله ط. قوله: (ولا أن يقبض الخ) أي لو نصبه القاضي وصيا ليخاصم عن
الصغير من كان في يده عقار للصغير بغير حق ليس له القبض إلا بإذن مبتدإ من القاضي بعد الايصاء
إن لم يكن أذن له به وقت إذنه بالخصومة لأنه كالوكيل، والفتوى على قول زفر أن الوكيل
بالخصومة لا
يملك القبض، بخلاف وصي الميت فإنه يملكه بلا إذن لان الأب جعله خلفا عن نفسه فكان رأيه باقيا
ببقاء خلفه، ولو كان باقيا حقيقة لم يكن للقاضي التصرف في ماله فكذا إذا كان باقيا حكما كما قاله
الخصاف، وهذا يفيد القطع بأن وصي الميت لا ينعزل بعزل القاضي. قال البيري: وأفاد أن القاضي
ليس له سؤال وصي الميت عن مقدار التركة ولا التكلم معه في أمرها، بخلاف وصي القاضي. وتمامه
فيه اه‍. ملخصا من حاشية أبي السعود. وما ذكره البيري يزاد على الثمان مسائل المذكورة. قوله: (ولا
أن يؤجر الضمير لعمل ما) أي لأي عمل كان، وهذا عزاه في الأشباه إلى القنية.
أقول: يشكل عليه ما قدمناه أنه يملك إيجاره من لا وصاية له أصلا وهو رحمه المحرم الذي هو
في حجره. تأمل. وينبغي أن يستثني تسليمه في حرفه.
وفي أدب الأوصياء للوصي: أن يؤجر نفس اليتيم وعقاراته وسائر أمواله ولو بيسير الغبن، وإذا لم
يكن أبوه حائكا أو حجاما لم يكن لمن يعوله أن يسلمه إلى الحائك أو الحجام لأنه يعير بذلك. وتمامه فيه.
قوله: (ولا أن يجعل وصيا عند عدمه) أي موته. قال في الأشباه: وصي القاضي إذا جعل وصيا عند
موته لا يصير الثاني وصيا، بخلاف وصي الميت، كذا في التتمة إه‍. ثم نقل عن الخانية ما نصه: الوصي
يملك الايصاء سواء كان وصي الميت أو وصي القاضي إه‍. ومثله في القنية عن صاحب المحيط. ويأتي
التوفيق. قوله: (ولو خصصه القاضي تخصص) لأنه نصب القاضي إياه قضاء والقضاء قابل للتخصيص،
ووصي الأب لا يقبله بل يكون وصيا في جميع الأشياء لقيامه مقامه. بيري عن البزازية.
قلت: أو لان وصي القاضي كالوكيل كما مر فيتخصص، بخلاف وصي الأب.
وفي حيل التتارخانية: جعل رجلا وصيا فيما له بالكوفة وآخر فيما له
بالشام وآخر فيما له بالبصرة فعنده كلهم أوصياء في الجميع، ولا تقبل الوصاية التخصيص بنوع أو مكان أو زمان بل تعم.
وعلى قول أبي يوسف: كل وصي فيما أوصى إليه، وقول محمد مضطرب. والحيلة أن
يقول: فيما لي
بالكوفة خاصة دون ما سواها. ونظر فيها الامام الحلواني بأن تصحيح كالحجر إذا ورد على الاذن
العام، فإنه لو أذن لعبده في التجارة إذنا عاما ثم حجر عليه في البعض لا يصح، وبأنهم ترددوا فيما

309
إذا جعله وصيا فيما له على الناس ولم يجعله فيما للناس عليه، وأكثرهم على أنه لا يصح، ففي هذه
الحيلة نوع شبهة اه‍. ملخصا. ويؤيده نظر الحلواني ما في الخانية قال: أوصيت إلى فلان بتقاضي ديني
ولم أوص إليه غير ذلك، وأوصيت بجميع مالي فلانا آخر فكل منهما وصى في الأنواع كأنه أوصى
إليهما إه‍. ويؤيده أيضا إطلاق قولهم وصي الميت لا يقبل التخصيص، ومفاده أنه لا يتخصص وإن
تعدد، لكن في الخانية أيضا عن ابن الفضل: إذا جعل وصيا على ابنه وآخر على ابنته أو أحدهما في
ماله الحاضر والآخر في ماله الغائب، فإن شرط أن لا يكون كل وصيا فيما أوصى به إلى الآخر فكما
شرط عند الكل، وإلا فعلى الاختلاف، والفتوى على قول أبي حنيفة إه‍. ولعل ما في الخانية أولا
مبني على قول الحلواني، فتأمل.
أقول: ومما يجب التنبه له أنه إذا أوصى إلى رجل بتفريق ثلث ماله في وجوه الخير مثلا صار
وصيا عاما على أولاده وتركته، وإن أوصى في ذلك إلى غيره على قول أبي حنيفة المفتى به فلا
ينفذ تصرف أحدهما بانفراده والناس عنها في زماننا غافلون، وهي واقعة الفتوى. وقد نص عليها في
الخانية فقال: ولو أوصى إلى رجل بدين وإلى آخر أن يعتق عبده أو بنفذ وصيته فهما وصيان في كل
شئ عنده. وقالا: كل واحد وصى على ما سمى لا يدخل الآخر معه إه‍، قوله: (ولو نهاه الخ)
هذه راجعة إلى قبول التخصيص وعدمه. أشباه. قوله: (وله عزله الخ) هذه المسألة الثامنة، وقدم
الشارح أول باب الوصي تقييده بما إذا رأى القاضي المصلحة، فراجعه. قوله: (وصى وصي القاضي
الخ) أي إذا أوصى وصي القاضي عند موته إلى آخر صح وصار الثاني كالأول لو وصاية الأول عامة.
قوله: (وبه يحصل التوفيق) بأن يحمل قوله المار ولا أن يجعل وصيا عند عدمه على ما إذا كانت
الوصاية خاصة، وكذا يحمل ما قدمناه عن الخانية والقنية على ما إذا كانت عامة فلا تتنافى عباراتهم،
فافهم. قوله: (بأن أجر الخ) ليس هذا من كلام الفتاوى الصغرى، وصورة الزيلعي في كتاب الغصب
بأن أعار من أجنبي. وقال في الأشباه: والمنصوص عليه أنه إذا أجر بأمل من أجر المثل فإنه
ينفذ من
الجميع إه‍. وأيضا إذا جازت الإعارة فالإجارة أولى، ومثلها ما إذا أوصى بسكنى داره وخدمة عبده،
فإن الذي يعتبر من الثلث هو رقبة الدار والعبد دون السكنى والخدمة كما مر في محله فليس المراد
الحصر. قوله: (لأنها تبطل بموته الخ) كذا ذكره في شرح الوهبانية والأشباه جوابا عن قول
الطرسوسي: إن هذه المسألة خالفت القاعدة، فإن الأصل أن المنافع تجري مجرى الأعيان، وفي البيع
يعتبر من الثلث اه‍.
أقول (1): والذي يظهر لي أن الأولى الاقتصار على الجواب الثاني، وهو أن في المسألة روايتين، لان



(1) قوه: (أقول إلخ) بحث فيه شيخنا بأن الغرض للطرسوسي طلب وجه الرواية القائلة بخروج المنافع من الكل وحينئذ
لا ينفعه الجواب الثاني، وقوله لان المنفعة إلخ رد هذا مولانا أيضا بأن محط الجواب إنما قولهم فلا إضرار
وللوصية بالسكن لا ضرر فيها على الورثة وإن اعتبرنا المنفعة من جميع المال لأنه يشترط خروج الرقية عنه
وتوضيحه أن من القواعد تبعية المنافع للأعياد فما بال السكنى لم تتبع الدار؟ فإنه لو أوصى بعين الدار اعتبروا
خروجها من الثلث، ولو أوصى بسكنى لم يعتبروا ذلك، وكذا لو حابى في بيع الدار حال المرض اعتبروا خروج
المحاباة من الثلث، ولو حابى في الإجارة لا.
والجواب أن المالك إذا تصرف في ما هو ملكه كان حقه، أن ينفذ تصرفه لما أنه لا حجر على المالك في أملاكهم إلا
أنهم وجدوا في بعض التصرفات اضرارا بالواو فحجروا عليه فثبت الحجر عليه للضرورة والثابت بها لا عموم له ولا
يستتبع خصوصا ووصف هذا الأصل معلل بعلة وهي الضرر فيدار الحكم مع هذه العلة فإذا وجدت تلك في الفرع
لزمت تبعيته لاصله وإلا فلا وفى مسألة الوصية بالسكنى لا إضرار بعد اعتبار خروج الرقبة من الثلث وفى مسألة
الإجارة لا ضرار حيث تبطل بالموت اه‍.
310
لا لمنفعة في الوصية بالسكنى، والخدمة لا تعتبر من الثلث مع أنها باقية بعد الموت، ففيه إيهام أن بطلان
الإجارة سبب لاعتبار الوصية من الكل وليس كذلك كما علمت. تأمل. قوله: (فلا إضرار على
الورثة) أي فيما بعد الموت لان الإجارة لما بطلت صارت المنافع ملكهم. قوله: (وفي حياته لا ملك
لهم) أي فما استوفاه المستأجر قبل الموت لا إضرار عليهم فيه أيضا، وبه سقط ما أورد عليه أنه لو آجر
ما أجرته مائة مثلا بأربعين وطال مرضه حتى استوفى المستأجر المنفعة في مدة الإجارة، فإنه إن زاد على
الثلث كان إضرارا بالورثة إه‍. فافهم.
وفي شرح البيري عن مزارعة المحيط: حق الغرماء والورثة يتعلق بما يجري فيه الإرث وهو
الأعيان، ولا يتعلق بما لا يجري فيه الإرث كالمنافع وما ليس بمال، لان الإرث يجري فيما يبقى
زمانين لينتقل بالموت إليهم من جهة الميت والمنافع لا تبقى زمانين اه‍.
واعتر ض البيري هذا الحصر بأنه في حيز المنافع، لان العفو عن القصاص بالنفس ليس بمال،
ولهذا صح عفو المريض عنه من جميع المال إه‍. وأقره أبو السعود. أقول: وهذا عجيب، فإن ذلك
مؤيد للحصر لا مانع له، فتدبر. قوله: (لكن في العمادية أنها من الثلث) ومثله في النتف كما قدمناه
في باب العتق في المرض عن القهستاني، وقدمنا هناك عن الوهبانية الجزم بالأول. قوله: (أو ضيعته)
عطف خاص على عام. قوله: (يؤجل) أي يؤجله الحاكم كما في أدب الأوصياء، وانظر عل يطالب
بكفيل إذا خشي الهرب أو يفسخ حالا إذا لم ينقد الثمن؟ حرره نقلا. قوله: (وقد قبض) الظاهر أنه
إذا لم يقبض كذلك لان المراد فسخ العقد ط. قوله: (فيقول) أي الحاكم بعد أن حلفه فحلف. قال
نجم الدين الخاصي: ويجوز مثل هذا الفسخ وإن كان تعليقا بالمخاطرة، وإنما يحتاج إلى فسخ الحاكم
لان الوصي لو عزم على ترك الخصومة بعد إنكار المشتري البيع يكون فسخا في حكم الإقالة فيلزم
الوصي كما لو تقايلا حقيقة، أما إذا فسخه الحاكم لا يلزم المبيع عليه بل يرجع إلى ملك الميت لكمال
ولاية القاضي وشمولها، ومثله في الخانية. أدب الأوصياء.
تنبيه: لو استباع اليتيم الأملأ بالألف والأفلس بالألف والخمسمائة يبيعه الوصي من الأملأ

311
ولا يلتفت إلى زيادة الأفلس حذرا من التلف كما في الخانية وغيرها، أدب الأوصياء. قوله: (لم يجز
إلا عند الحاكم) ذكر ذلك في البزازية في منصوب القاضي كما قدمناه عنها في أول باب الوصي. وأما
وصي الميت فقد مر في المتن أنه لا يصح رده بعد قبوله بغيبة الميت لئلا يصير مغرورا من جهته.
وفي البزازية عن الايضاح: أراد عزل نفسه لم يجز إلا عند الحاكم، لأنه التزم القيام فلا يملك
إخراجه إلا بحضرة الموصي أو من يقوم وهو من له ولاية التصرف في مال اليتيم، وإذا حضر
عند الحاكم فينظر في حاله: إن مأمونا قادرا على التصرف لا يخرجه لأنه التزم القيام ولا ضرر للوصي
في إبقائه، وإن عرف عجزه وكثرة أشغاله أخرجه للضرر في إبقائه ولعدم حصول الغرض منه لقلة
اهتمامه بأموره بعد طلب العزل إه‍. وفي الأشباه: والعدل الكافي لا يملك عزل نفسه، والحيلة فيه
شيئان الخ، وقدمنا ذلك فراجعه. قوله: (تسمع) قال في الخانية بعده: وكذا لو أقر الوارث أنه قبض
جميع ما على الناس من تركة والده ثم ادعى على رجل دينا لوالده تسمع دعواه إه‍. قال في
الشرنبلالية: لعدم ما يمنع منها، إذ ليس فيه إبراء لمعلوم عن معلوم ولا عن مجهول، فهو إقرار مجرد لم
يستلزم إبراء فليس مانعا من دعواه، وقد اشتبه على صاحب الأشباه فظن أنه من قبيل البراءة العامة
أنه مستثنى من منعها الدعوى إ ه‍ ملخصا.
أقول: هذا لا يظهر على ما في أدب الأوصياء عن المنتقى وغيره من زيادة قوله لم يبق عند
الوصي لا قليل ولا كثير إلا استوفاه الخ، فهو إقرار لمعين والاقرار حجة على المقر. تأمل. وقد
تقدمت هذه المسألة قبيل الصلح. وقال الشارح هناك: ولا تناقض لحمل قوله: لم يبق لي حق: أي مما
قبضته، على أن الابراء عن الأعيان باطل اه‍. وتمام الكلام هناك. قوله: (للوصي الاكل الخ) قدمنا
في الخانية أنه استحسان إذا كان محتاجا بقدر ما سعى. قال في أدب الأوصياء: والقياس أن لا يأكل
لعموم قوله تعالى: * (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) * قال الفقيه: ولعل قوله تعالى: * (ومن كان
فقيرا) * نسخ بهذه الآية.
قلت: فكأنه يميل إلى اختيار الثاني، وهو
قول الإمام. قال في القنية: قال أبو ذر: وهو الصحيح لأنه شرع في الوصايا متبرعا فلا يوجب ضمانا إ ه‍. قال الأسبيجابي في شرحه: إلا إذا كان
له أجر معلوم فيأكل بقدره. قوله: (له أن ينفق الخ) كذا في مختارات النوازل، وفي الخلاصة وغيرها:
إن كان صالحا لذلك جاز وصار الوصي مأجورا، وإلا فعليه أن يتكلف في تعليم قدر ما يقرأ في
صلاته إه‍. فلم يقيده بالقراءة الواجبة. تأمل.
وفي القنية: ولا يضمن ما أنفق في المصاهرات بين اليتيم وغيرهما في خلع الخاطب أو
الخطيبة، وفي الضيافات المعتادة، والهدايا المعهودة، وفي الأعياد وإن كان له منه بد، وفي اتخاذ
ضيافة لختنه للأقارب والجيران ما لم يسرف فيه، وكذا لمؤدبه ومن عنده من الصبيان، وكذا العيدين.

312
وقال بعضهم: يضمن في ضيافة المؤدب والعيدين إه‍ ملخصا. وفي المغرب: وعن أبي زيد: الأدب
اسم يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الانسان في فضيلة من الفضائل إ ه‍. قوله: (جعل
للوصي مشرفا الخ) قدمنا الكلام عليه. قوله: (للأب إعارة طفله الخ) في شرح الطحاوي
للاسبيجابي: للوصي والأب إعارة مال اليتيم. قال عماد الدين في فصوله: وهذا مما يحفظ جدا.
وفي التجنيس عن النوازل: ليس للأب ذلك لأنه ليس من توابع التجارة في ماله وفي الذخيرة: له
إعارة طفله، أما إعارة ماله فكذلك عند البعض استحسانا لا عند العامة، وهو القياس. وفي فوائد
صاحب المحيط: له إعارة الولد إذا كان لخدمة الأستاذ لتعلم الحرفة ولغير ذلك لا يجوز اه‍. أدب
الأوصياء. قوله: (يملك الأب لا الجد الخ) أقول: عبارة المجتبى: مات عن أولاد صغار وأب ولا
وصي له يملك الأب ما يملك وصيه فينفذ وصاياه ويبيع العروض والعقار لقضاء دينه وليس للجد
ذلك الخ، هكذا رأيت في نسختي، فتأمل. وأشار بقوله وليس للجد ذلك، إلى ما قدمناه قبيل
الفصل عن الخانية من أن وصي الميت يملك بيع التركة لقضاء دين الميت، بخلاف الجد، ولو قال
الشارح يملك الأب ما لا يملكه الوصي لكان كلاما ظهر المعنى ويكون ما بعده من المسائل تفريعا
عليه، فإنها مما خالف الأب فيها الوصي، وقد ذكر من ذلك في آخر فرائض الأشباه إحدى عشرة
مسألة وزاد عليها في حاشية الحموي وغيرها سبع عشرة أخرى فراجع ذلك، والمراد بالأب في هذه
المسائل أبو الصغير لا أبو الميت. قوله: (بخلاف الوصي) فإنه لا يجوز قسمته مالا مشتركا بينه وبين
الصغير فيه نفع ظاهر عند الامام. وقال محمد: لا يجوز مطلقا. ذخيرة. والأصل في ذلك البيع لما
في القسمة من معنى المبادلة والافراز، فكل من يملك من الأوصياء بيع شئ من التركة يملك
قسمته، ومن لا فلا، والوصي لا يملك بيع مال أحد الصغيرين من الآخر فلا يملك قسمة ذلك
لأنه يكون قاضيا ومتقاضيا فلا يجوز، وكذا أحد الوصيين لا يملك البيع من الآخر فلا يملكان
القسمة، بخلاف الأب فله أن يقاسم مال أولاده.
والحيلة للوصي أن يبيع حصة أحد الصغيرين فيقاسم مع المشتري ثم يشتري منه ما باعه بالثمن،
ولو في الورثة كبار فدفع لهم حصتهم وأفرز ما للصغار جملة بلا تمييز جاز، لان القسمة هاجرت بين
الصغار بل بين الكبار والصغار، وكذا لو قاسم الوصي مع الموصى له بالثلث وأمسك الثلثين للصغار،
وتمام ذلك في فصل القسمة من أدب الأوصياء، ولكن قوله وكذا أحد الوصيين إلخ، قال ط: فيه أن
تصرف الوصي بالبيع والشراء للأجنبي يجوز بالقيمة وبالغبن اليسير وكل من اليتيمين أجنبي من الآخر ا
ه‍. وقدمنا نحوه. قوله: (ولو باع الأب أو الجد إلخ) تقدمت هذه المسألة عن ابن الكمال قبيل قوله
ولا يتجر في ماله ثم إن بيع الجد إنما يجوز لنحو النفقة والدين على الصغار لا للدين الذي على الميت
أو لتنفيذ وصاياه كما تقدم فلا تغفل. قوله: (إذا لم يكن فاسد الرأي) الظاهر أنهم لم يفصلوا هذا

313
التفصيل في الوصي لان الميت أو القاضي لا يختار للوصاية إلا من كان مصلحا يحسن تدبير أمر اليتيم
ط.
أقول: وقد صرحوا بأن الوصي حكمه حكم الأب المفسد وحينئذ فلا حاجة إلى التفصيل فيه،
فافهم. قوله: (لم يجز) أي إلا إذا باعه بضعف القيمة كما قدمناه. قوله: (وفي المنقول روايتان) قدمنا
أن الفتوى على عدم الجواز. قوله: (ولو اشترى لطفله إلخ) قدمنا أول الفصل الكلام على ذلك مستوفى. قوله: (بوجوبهما) أي الثوب والطعام، والمراد النفقة والكسوة، والأولى إفراد الضمير للعطف
بأو. قوله: (وبمثله) أي في أنه يرجع بقيمة الدار أو العبد إن أشهد، والأولى حذف الباء. قوله: (لا
يرجع) لعدم وجوبه. قوله: (وهو حسن الخ) قائله صاحب المجتبى. والله تعالى أعلم.

314
كتاب الخنثى هو فعلي من الخنث: أي بالفتح والسكون: وهو اللين والتكسر، ويقال خنثت الشئ فتخنث:
أي عطفته فانعطف، ومنه سمى المخنث، وجمع الخنثى الخناثي بالفتح كحبلى وحبالى اه‍. شرح
السراجية للسيد.
واعلم أن الله تعالى خلق بني آدم ذكورا وإناثا كما قال: * (وبث منهما رجالا كثيرا ونساء)
* (النساء: 1) وقال: * (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور) * (الشورى: 49) وقد بين حكم واحد
منهما ولم يبين حكم من هو ذكر وأنثى، فدل على أنه لا يجتمع الوصفان في شخص واحد، وكيف
وبينهما مضادة إه‍. كفاية. قوله: (وهو ذو فرج)، أراد به هنا قبل المرأة، وإلا فالفرج يطلق على قبل
المرأة والرجل باتفاق أهل اللغة. مغرب. قوله: (أو من عري الخ) بكسر الراء بمعنى خلا. قال
الإتقاني: وهذا أبلغ وجهي الاشتباه. ولهذا بدأ محمد به إه‍.
أقول: وقوله: ذو فرج وذكر تفسير الخنثى لغة، ويدل عليه قول محمد: هو عندنا والخنثى المشكل في أمره سواء، فقد سوى بينهما في الحكم
لا في الدلالة، كونه أبلغ في الاشتباه لا يدل على تسميته خنثى لغة، ولذا قال القهستاني: وإن لم
يكن له شئ وخرج بوله من سرته ليس بخنثى، ولذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا ندري اسمه كما في الاختيار. وقال محمد: إنه في حكم الخنثى إه‍. فافهم. قوله: (فإن بال الخ) أي إذا
وقع الاشتباه فالحكم للمبال، لان منفعة الآلة عند انفصال الولد من الام خروج البول فهو المنفعة
الأصلية للآلة وما سواه من المنافع يحدث بعدها، وهذا حكم جاهلي وقد قرره النبي صلى الله عليه وآله. وتمامه في
المطولات. قوله: (فالحكم للأسبق) لأنه دليل على أنه هو العضو الأصلي، ولأنه كما خرج البول حكم
بموجبه لأنه علامة تامة فلا يتغير بعد ذلك بخروج البول من الآلة الأخرى. زيلعي. قوله: (وإن
استويا) بأن خرج منهما معا. قوله: (فمشكل) لم يقل مشكلة لأنه لم يتعين أحد الامرين فجاء على
الأصل وهو التذكير، أو لأنه لما احتمل الذكورة والأنوثة غلب التذكير. أفاده الإتقاني. قوله: (ولا
تعتبر الكثرة) لأنها ليست بدليل على القوة، لان ذلك لاتساع المخرج وضيقه لا لأنه هو العضو
الأصلي، ولأن نفس الخروج دليل بنفسه، فالكثير من جنسه لا يقع به الترجيح عند المعارضة
كالشاهدين والأربعة، وقد استقبح أبو حنيفة ذلك فقال: وهل رأيت قاضيا يكيل البول بالأواقي.
زيلعي. قوله: (كما يحتلم الرجل) بأن خرج منيه من الذكر ط. قوله: (أو لبن) أي في ثديه كلبن
النساء، وإلا فالرجل قد يخرج من ثديه لبن.
وفي الجوهرة: فإن قيل ظهور الثديين علامة مستقلة فلا حاجة إلى ذكر اللبن، قيل لان اللبن
قد ينزل ولا ثدي، أو يظهر له ثدي لا يتميز من ثدي الرجل، فإذا نزل اللبن وقع التمييز إه‍. ط عن

315
الحموي. قوله: (أو حبل) بأن أخذ المني بقطنة وأدخله فرجه فحبل. ط سري الدين. قوله: (أو
أمكن وطؤه) بأن اطلع عليه النساء فذكرن ذلك. أفاده ط، وعبارة غيره: أو جومع كما يجامع النساء.
قوله: (أو تعارضت العلامات) كما إذا نهد ثديه ونبتت لحيته معا، أو أمنى بفرج الرجل وحاض بفرج
المرأة، أو بال بفرجها وأمنى بفرجه. قهستاني. قوله: (وعن الحسن) أي البصري. قال في المعراج
وحكي عن علي والحسن، أنهما قالا: تعد أضلاعه فإن أضلاع المرأة أكثر من أضلاع الرجل. وقال
جابر بن زيد: يوقف إلى جانب حائط، فإن بال عليه فهو رجل، وإن تسلسل على فخذيه فهو امرأة،
وليس كلا القولين بصحيح إه‍. قوله: (يزيد) صوابه ينقص كما علمت، وارجع إلى حاشية
الحموي على الأشباه. قوله: (وحينئذ) أي حين إذ أشكل. قوله: (قلت الخ)
أقول: وبالله التوفيق، إن الاخذ في أمره بالأحوط ليس على سبيل الوجوب دائما، بل قد يكون
مستحبا في كثير من المسائل. منها ما ذكره الشارح لان إشكاله أورث شبهة وهي لا ترفع الثابت
بيقين، لان عدم الجناية وعدم التحريم كانا ثابتين يقينا فلا يرتفعان بشبهة أنوثته فيستحب الاحتياط،
بخلاف توريثه ونحوه مما سيأتي، إذ ليس فيه رفع الثابت يقينا فلذا وجب الاحتياط فيه.
ويدل على ما قلنا ما في غاية البيان عن شرح الكافي للسرخسي: إذا وقف في صف النساء
فأحب إلى أن يعيد الصلاة، كذا قال محمد في الأصل، وذلك لان المسقط وهو الأداء معلوم، والمفسد
وهو المحاذاة موهوم، وللتوهم أحب إعادة الصلاة، وإن قام في صف الرجال فصلاته تامة ويعيد من
عن يمينه وعن يساره والذي خلفه بحذائه على طريق الاستحباب لتوهم المحاذاة إه‍ ملخصا.
ثم لا يخفى عليك أن الكلام في الخنثى الذي تعارضت فيه العلامات، فلا يرد إمكان الايلاج
فيه أو ظهور لبن له علامة أنوثته فيجب الغسل ويثبت التحريم، لان ذلك علامة الأنوثة عند الانفراد
وعدم التعارض وليس للكلام فيه، فافهم. قوله: فيقف بين صف الرجال والنساء إذ لو وقف مع
الرجال أنه أنثى أو مع النساء احتمل أنه رجل، وقدمنا حكمه. قوله: (وإذا بلغ حد الشهوة)
أي إذا كان مراهقا، وإلا فللرجل أن يختنه. قهستاني عن الكرماني.
أقول: تقدم في شروط الصلاة عن السراج أنه لا عورة للصغير جدا، ثم ما دام لم يشته فقبل
ودبر ثم تتغلظ إلى عشر سنين ثم كبالغ اه‍. تأمل. قوله: (لتكون أمته) فيجوز نظرها إليه إن كان
ذكرا، وقوله (أو مثله): أي إن كان أنثى فيكون نظر الجنس إلى الجنس، وهو جائز حال العذر كنظر
القابلة وقت الولادة أو القرحة في الفرج ونحو ذلك. قوله: (احتياطا) إذا في كل احتمال نظر الجنس
إلى خلاف الجنس وهو أغلظ فلا يجوز إلا لضرورة. قوله: (فمن بيت المال) هذا إذا كان أبوه معسرا

316
وإلا فمن ماله. قهستاني عن الذخيرة. قوله: (ثم تباع) أي ويرد ثمنها إلى بيت المال. قوله: (أو يزوج
الخ) هذا قول الحلواني. قال في الكفاية: وذكر شيح الاسلام أنه لا يفيد، لان النكاح موقوف والنكاح
الموقوف لا يفيد إباحة النظر إلى الفرج.
أقول: وقد يجاب بأن كونه موقوفا إنما هو من حيث الظاهر، وإلا فالنكاح في نفس الامر: إما
صحيح إن كان ذكرا فيحل النظر، وإما باطل إن كان أنثى فيكون فيه نظر الجنس إلى الجنس فهو مفيد
على كل حال بناء على ما في نفس الامر. تدبر. قوله: (ثم يطلقها) أي إذا كان بالغا. قوله: (ويكره
له لبس الحرير والحلي) لأنه حرام على الرجال دون النساء وحاله لن يتبين بعد فيؤخذ بالاحتياط، فإن
الاجتناب عن الحرام فرض والاقدام على المباح مباح، فيكره حذرا عن الوقوع في الحرام. عناية.
قوله: (ثبتت حرمة المصاهرة) أي فلا يحل للمقبل بشهوة أن يتزوج أمه. قال السائحاني: وكذا لو قبلته
امرأة لا تتزوج أباه حتى يتضح الحال بظهوره مثل المقبل إه‍.
قلت: وكأن وجهه أن الأصل في الخروج التحريم، واحتمال أنه مثل المقبل لا يرفع هذا الأصل
الثابت فلا ينافي ما حررناه سابقا. تأمل. قوله: (ولا يسافر بغير محرم) أي من الرجال. ويكره مع
امرأة ولو محرما لجواز كونه أنثى فيكون سفر امرأتين بلا محرم لهما وذلك حرام. إتقاني. قوله: (بعد
تقرر إشكاله) أي تقرره عندنا بعلمنا به كما لو رأينا له ثديين ولحية.
قلت: وبه يحصل التوفيق: أي فلا خلاف في المسألة، والظاهر أن الذي أوهم المصنف أنهما
قولان: كلام الزيلعي حيث قال: وإن قال الخنثى: أنا رجل أو امرأة لم يقبل قوله إن كان مشكلا لأنه
دعوى بلا دليل.
وفي النهاية عن الذخيرة: إن قال الخنثى المشكل: أنل ذكر أو أنثى فالقول له، لأنه أمين في حق
نفسه للأمين ما لم يعرف خلاف ما قال، والأول ذكره في الهداية اه‍. كلام الزيلعي ملخصا.
أقول: ولا منافاة بينهما لان مراد الذخيرة بالخنثى المشكل الذي لم يظهر لنا إشكاله بدليل قوله ما
لم يعرف خلاف ما قال، ويدل عليه أيضا آخر عبارة الذخيرة المذكورة في النهاية ونصه: ولما لم يعرف
كونه مشكلا لم يعرف خلاف ما قال فصدق فيما قال، ومتى عرف كونه مشكلا فقد عرف خلاف ما
قال، وعرف أنه مجازف في مقالته لأنه لا يعرف من نفسه إذا كان مشكلا إلا ما نعرفه نحن اه‍. وهذا
أسقطه الزيلعي فأوهم أن ما في الذخيرة خلاف ما في الهداية، وتبعه المصنف فجعلهما قولين مع أنه
في الكفاية شرح كلام الهداية بكلام الذخيرة. قوله: (إلا أن يحمل على هذا) أي على أنه أراد قبل تقرر
إشكاله، ويؤيده أن السيد قدس سره لم يذكر المشكل وقيد بالأمور الباطلة التي لا تقرر لنا إشكاله،

317
فإن قال قوله مقبول فيما كان من هذه الأمور باطنا لا يعلمه غيره، ثم قال: وإذا أخبر الخنثى بحيض
أو مني أو ميل إلى الرجال أو النساء يقبل قوله، ولا يقبل رجوعه بعد ذلك إلا أن يظهر كذبه يقينا،
مثل أن يخبر بأنه رجل ثم يلد فإن يترك العمل بقوله السابق إه‍. قوله: (ويمم) أي بخرقة إن يممه
أجنبي، وبغيرها إن يممه ذو رحم محرم منه، ويعرض الأجنبي وجهه عن ذراعيه لجواز كونه امرأة ولا
يشتري جارية للغسل كما كان يفعل للختان، لأنه بعد الموت لا يقبل المالكية فالشراء غير مفيد. عناية.
وكذا لو كانت له أمة فإن ملكه وإن بقي بعد موته إلا أن الأمة لا تغسل سيدها، بخلاف الزوجة، وبه
اندفع ما أورده ابن الكمال من بقاء ملكه كما حرره في الدر المنتقى. قوله: (ولا يحضر) أي لا يغسل
رجلا ولا امرأة. نهاية ومعراج. والتقييد بالمراهق لكونه بعد البلوغ لا يبقى مشكلا غالبا. قوله: (ذكرا
أو أنثى) أي ذكرا كان الميت أو أنثى، وفي بعض النسخ ذكر بالجر. قوله: (وندب تسجية قبره) أي
تغطيته، لأنه إن كان أنثى أقيم واجب، وإن كان ذكرا لا تضره التسجية. زيلعي. ولعله أراد بالواجب
ستر عورة الأنثى، وإلا فالتسجية مستحبة لا واجبة. منح. قوله: (ثم هو) أي الخنثى، فيؤخر عن
الرجل لاحتمال أنه امرأة، ولو دفن مع رجل في قبر واحد لعذر جعل خلف الرجل ويجعل بينهما
حاجز من صعيد، ولو مع امرأة قدم عليها لاحتمال أنه رجل، ويكفن في خمس أثواب كالمرأة. وتمامه
في المنح. قوله: (في أحكامه) أي في بحث أحكام الخنثى، وذكرها في المنح أيضا. قوله: (يعني
أسوأ الحالين) إنما حول العبارة ليشمل كونه محروما على تقدير اه‍. ح.
قال في المنج: اعلم أن عند أبي حنيفة أقل النصيبين أن ينظر إلى نصيبه
إن كان ذكرا وإلى نصيبه إن كان أنثى، فأيهما أقل يعطاه، وإن كان محروما على أحد التقديرين فلا شئ له. قوله: (وقالا نصف
النصيبين) أي نصف مجموع حظ الذكر والأنثى.
ثم اعلم أن هذا قول الشعبي، ولما كان من أشياخ أبي حنيفة وله في هذا الباب قول منهم،
اختلف أبو يوسف ومحمد في تخريجه، فليس هو قولا لهما، لان الذي في السراجية أن قول أبي حنيفة
هو قول أصحابه، وهو قول عامة الصحابة، وعليه الفتوى. وذكر في النهاية والكفاية أن الذي في
عامة الروايات أن محمدا مع الامام، وكذا أبو يوسف في قوله الأول، ثم رجع إلى ما فسر به كلام
الشعبي. قوله: (وعند أبي يوسف الخ) قال الزيلعي واختلف أبو يوسف ومحمد في تخريج قول
الشعبي، فقال أبو يوسف: الميراث بينهما على سبعة أسهم: للابن أربعة وللخنثى ثلاثة، اعتبر نصيب
كل واحد منهما حالة انفراده فإن الذكر لو كان وحده كان له كل المال، والخنثى لو كان وحده: إن
كان ذكرا فكذلك، وإلا فنصف المال، فيأخذ نصف النصيبين نصف الكل ونصف النصف وذلك ثلاثة
أرباع المال، وللابن: أي الواضح كل المال فيجعل كل ربع منهما فبلغ سبعة أسهم: للابن أربعة

318
وللخنثى ثلاثة لان الابن يستحق الكل عند الانفراد والخنثى ثلاث الأرباع، فيضرب كل منهما
بجميع حقه بطريق العول والمضاربة. وقال محمد: بينهما على أثني عشر سهما: سبعة للابن وخمسة
للخنثى، اعتبر نصيب كل واحد منهما حالة اجتماع، فلو كان الخنثى ذكرا فالمال بينهما نصفين، ولو
أنثى كان أثلاثا، فالقسمة على الذكورة من اثنين وعلى الأنوثة من ثلاثة فيضرب أحدهما في الآخر تبلغ
ستة للخنثى، على أنه أنثى سهمان، وعلى أنه ذكر ثلاثة فله نصفهما ونصف الثلاث كسر فتضرب
الستة في اثنين تبلع اثني عشر، فللخنثى ستة على أنه ذكر، وأربعة على أنه أنثى فله نصفهما خمسة اه‍
ملخصا. وتمامه فيه.
وأشار في الهداية إلى اختيار قول محمد للاتفاق على تقليل نصيب الخنثى، وما ذهب إليه محمد
أقل مما ذهب إليه أبو يوسف سهم من أربعة وثمانين سهما، وطريق (1) معرفته أن تضرب السبعة في
اثني عشر تبلغ أربعة وثمانين، وحصة الخنثى من السبعة ثلاثة فاضربها في اثني عشر تكون ستة
وثلاثين وحصته من الاثني عشر خمسة فاضربها في السبعة تكون خمسة وثلاثين، فظهر أن التفاوت
بسهم من أربعة وثمانين كما في العناية وغيرها. قوله: (وولديها) أي أخوين لام. قوله: (ولو مات
عن عمه الخ) أي لو مات رجل عن عمه وعن ابن أخيه حال كون ابن الأخ خنثى، فالضمير في عمه
للرجل الميت، هذا مثال لحرمانه على تقدير الأنوثة وما قبله على تقدير الذكورة. قوله: (وكان المال
للعلم) لان بنت الأخ لا ترث، ولو قدر ذكرا كان المال كله له دون العم لان ابن الأخ مقدم على العم
ط. والله تعالى أعلم.
مسائل شتى
قوله: (جمع شتيت الخ) فهو فعيل بمعنى فاعل، حمل على فعيل بمعنى مفعول كمريض ومرضي



(1) قوله: (وطريق معرفته الخ) وتسمى هذه طريقة التجنيس وهكذا كل عددين نسب إليهما أقل منهما وأدت معرفة أي
المنسوبين أقل فاضرب أحد العددين المنسوب إليهما في الاخر ثم يضرب كل واحد من الآفلين فيما ينسب إليه الأقل
الاخر وانظر فيما تحصل من ضرب كل من الآفلين في منسوب الاخر ففي مسألتنا لم يدر هل الثلاثة من سبعة كما هو
قول أبى يوسف أكثر أو خمسة من إثنا عشر أكثر كما هو قول محمد. فإذا أردت معرفة أكثرهما فاضرب السبعة التي
نسيت إليها الثلاثة في الاثنا عشر التي نسبت إليها الخمسة تبلغ أربعة وثمانين ثم اضرب المنسوب إلى السبعة وذلك
ثلاثة في المنسوب إليه الخمسة وذلك اثنا عشر يكون الخارج ستة وثلاثين واضرب الخمسة في السبعة تبلغ خمسة
وثلاثين اه‍.
319
ولذا جمع على فعلي. قهستاني. قوله: (ما لا يذكر) الأولى ما لم كما عبر غيره. قوله: (فينتج) أي من
الشكل الأول بعد تسليم الصغرى. قوله: (بل أولى) لان تأثير المائع في التصرف فوق تأثير غيره.
منح. فإذا كان عرق الجلالة التي غذيت بالنجاسة الجامدة نجسا فعرق مدمن الخمر المائع أولى. قوله:
(وما أسمج) من السماجة وهي القبح كما في القاموس. قوله: (قال ابن العز) بمهملة فمعجمة، وهو
من شراح الهداية. قوله: (فحينئذ) أي فحين إذ كان عرقه نجسا ينقض لقاعدة: كل خارج نجس
ينقض الوضوء ط. قوله: (وهو مع غرابته) أي تفرد ابن العز باستنباطه. قوله: (لا يشهد له رواية) أي
دليل منقول ولا دراية: أي دليل معقول. قوله: (ويشهد لبطلانها الخ) حاصله استدلال بالقياس على
مسألة الجدي بجامع الاستهلاك، ولذا فرع عليه بقوله: فكذلك نقول الخ ولا يخفى أن القياس دليل
معقول، فافهم. قوله: (بصيرورته مستهلكا) يعني بخلاف الجلالة، فإن ما تتناوله لكونه جامدا لا
يصير مستهلكا بل يحيل لحمها إلى نتن وفساد. وتأمل اه‍ ح. قوله: (ويكفينا في ضعفه غرابته الخ) قال
الرملي أيضا في حاشية المنح: وتقدم في كتاب الأشربة عن المحقق ابن وهبان أنه لا تعويل ولا التفات
إلى كل ما قاله صاحب القنية مخالف للقواعد ما لم يعضده نقل من غيره، ولم ينقل عن أحد من علمائنا
المتقدمين والمتأخرين أن عرف مدمن الخمر ناقض للوضوء سوى ما بحثه ابن العز. وقد يفرق بأن مدمن
الخمر يخلط والجلالة لا تخلط، حتى لو كانت تخلط لا يحكم بنجاسة عرقها كما قالوا في تفسيرها،
وغاية ما فيه أنه يقع الشك في تولد العرق منه أو من غيره، ولا نقض بالشك، على أنا ما أثبتنا النقض
بالخارج المحقق النجاسة من غير السبيلين إلا بعد علاج قوي ومنازعة كلية بيننا وبين الشافعية، فكيف
يثبت النقض بشئ موهوم؟ وأيضا نفس عرق الجلالة في نجاسته منازعة، إذ صرحوا قاطبة بكراهة
لحمها إذا تغير وأنتن، وإنما يستعملون الكراهة لريب في الحرمة، والحرمة فرع النجاسة، والنقض بها
إنما يكون بما لا ريب فيه، ويلزم مما بحثه ابن العز نقض الوضوء بعرق من أكل أو شرب نجاسة ما
في زمن مداومته، ولم يقل به أحد إه‍ ملخصا.
أقول: ويلزم عليه أيضا النقض بدموعه وريقه لأنهما كالعرق، وأن يكون حكمه حكم المعذور

320
لخروج ريقه دائما، وهذا لم يقل به أحد أيضا، وقدم الشارح في كتاب الطهارة أن سؤر الإبل والبقر
والجلالة مكروه تنزيها. وفي الخانية أن عرق الجلالة طاهر. قوله: (وخروجه عن الجادة) هي معظم
الطريق كما في القاموس، والمراد طريق الفقه. قوله: (عن السرح) بمهملات. قال في جامع اللغة:
السرح: المال وشجر عظام طوال، والمراد بها مسائل الفقه اه‍ ح. فهو استعارة مصرحة. قوله: (فإن
كان الخرء صلبا) بضم الصاد المهملة: أي يابسا زاد في مختارات النوازل: وإن كان متفتتا ما لم يتغير
طعمه يؤكل أيضا إه‍. قوله: (ولا يفسد الخ) قال في البحر: وفي المحيط: وخرء الفأرة وبولها نجس
لأنه يستحيل إلى نتن وفساد والاحتراز عنه ممكن في الماح ء لا في الطعام والثيب فصار معفوا فيهما.
وفي الخانية: بول الهرة والفأر وخرؤهما نجس في أظهر الروايات يفسد الماء والثوب، وبول
الخفافيش وخرؤه لا يفسد لتعذر الاحتراز عنه إه‍. وفي القهستاني عن المحيط: خرء الفأرة لا يفسد
الدهم والحنطة المطحونة ما لم يتغير طعمها. قال أبو الليث: وبه نأخذ. قوله: (في السنن الرواتب)
وهي ثلاثة: رباعية الظهر، ورباعية الجمعة القبلية والبعدية، وهذا هو الأصح لأنها تشبه الفرائض.
واحترز به عن الرباعيات المستحبات والنوافل، فإنه يصلي على النبي صلى الله عليه وآله في القعدة الأولى ثم يقرأ دعاء
الاستفتاح. أفاده ط. قوله: في الجمعة أي في يومها، فإنها ورد فيه ساعة إجابة: أي للدعاء بعينه
ط. قوله: (وقت العصر) وقيل من حي بخطب إلى أن يفرغ من الصلاة كما ثبت في مسلم عنه صلى الله عليه وآله.
قال النووي: وهو الصحيح بل هو الصواب إه‍. قال ط: ويكفي الدعاء بقلبه كما ذكر الشرنبلالي،
وقيل: آخر ساعة فيه، وهو مذهب الزهراء رضي الله عنها إه‍. وعلى الأول فالظاهر أنها دائرة في جميع
وقت العصر، وهو من حين بلوغ ظل الشئ مثله أو مثليه على الاختلاف في القولين إلى الغروب.
حموي. قوله: (على قوله عليكم) أي في التسليمة الأولى. قوله: (بعده) أي بعد السلام قبل قوله
عليكم. منح. والأولى أن يقول قبله ليرجع الضمير إلى مذكور صريحا وهو عليكم. قوله: (لف ثوب
نجس رطب) أي مبتل بماء ولم يظهر في الثوب الطاهر أثر النجاسة، بخلاف المبلول بنحو البول لان
النداوة حينئذ عين النجاسة، وبخلاف ما إذ ظهر في الثوب الطاهر أثر النجاسة من لون أو طعم أو
ريح فإنه يتنجس كما حققه شارح المنية وجرى عليه الشارح أول الكتاب. قوله: (لا يتنجس) لأنه إذا
لم يتقاطر منه بالعصر لا ينفصل منه شئ، وإنما يبتل ما يجاوره بالنداوة وبذلك لا يتنجس به.

321
وذكر المرغيناني: إن كان اليابس هو الطاهر يتنجس لأنه يؤخذ بللا من النجس الرطب، وإن كان
اليابس هو النجس والطاهر والرطب لا يتنجس لان اليابس النجس يؤخذ بللا من الطاهر ولا يأخذ
الرطب من اليابس شيئا. زيلعي. وظاهر التعليل أن الضمير في يسيل وعصر للنجس، وبه صرح
صاحب مواهب الرحمن، ومشى عليه الشرنبلالي، والمتبادر من عبارة المصنف كالكنز وغيره أنه للطاهر،
وهو صريح عبارة الخلاصة والخانية ومنية المصلي وكثير من الكتب كالقهستاني وابن كمال والبزازية
والبحر والأول أحوط ووجهه أظهر، والثاني أوسع وأسهل، فتبصر.
ثم أن المسألة مذكورة في عامة كتب المذهب في بعضها بلا ذكر خلاف، وفي بعضها بلفظ
الأصح. قوله: (كما لو نشر الخ) هذا موافق لما ذكره المرغيناني، وقد جعله الزيلعي مفرعا عليه حيث
قال عقب عبارته السابقة: وعلى هذا إذا نشر الثوب المبلول على حبل نجس هو يابس لا يتنجس الثوب
لما ذكرنا من المعنى.
وقال قاضيخان في فتاواه: إذا نام الرجل على فراش فأصابه (1) مني ويبس وعرق الرجل وابتل
الفراش من عرقه: إن لم يظهر أثر البلل في بدنه لا يتنجس جسده، وإن كان العرق كثيرا حتى ابتل
الفراش ثم أصاب بلل الفراش جسده وظهر أثره في جسده يتنجس بدنه، وكذا إذا غسل رجله فمشى
على أرض نجسة بغير مكعب فابتل الأرض من بلل رجله واسود وجه الأرض لكن لم يظهر أثر بلل
لأرض في رجله فصلى جازت صلاته، وإن كان بلل الماء في رجله كثيرا حتى ابتل وجه الأرض وصار
طينا ثم أصاب الطين رجله لا تحوز صلاته. ولو مشى على أرض نجسة رطبة ورجله يابس تتنجس ا
ه‍. قوله: (على أرض نجسة) بأن كانت مطينة بنحو الزبل، أما لو أصابتها نجاسة وجفت لم تبق نجسة
ولم تعد النجاسة بإصابة الماء عل المعتمد. قوله: (كالعلماء) أي والقضاة والعمال والمقاتلة وذراريهم
والقدر الذي يجوز لهم أخذ كفايتهم. ابن الشحنة. قوله: (ظفر بما هو وجه لبيت المال) كذا في بعض
النسخ، وفي أغلبها بدون هو، وعليه فوجه بالبناء للمفعول.
قال في البزازية: قال الامام الحلواني: إذا كان عنده وديعة فمات المودع بلا وارث له أن يصرف
الوديعة إلى نفسه في زمننا هذا، لأنه لو أعطاها لبيت المال لضاع لأنهم لا يصرفون مصارفه، فإذا كان
من أهله صرفه إلى نفسه، وإلا صرفه إلى المصرف إه‍. منح. قوله: (فعليه كفارة واحدة) لان الكفارة
تسقط بالشبهة فتتداخل كالحد. مجتبى.
ثم قال: واختلف في التداخل: فقيل لا تجب الثانية لتداخل السبب، وقيل: تجب ثم تسقط، فأما



(1) قوله: (فأصابه مني الخ) الأحسن إسقاط الفاء وجملة أصابه صفة ثوب تأمل اه‍.
322
إذا كفر الأول فلا اجتماع فلا تداخل. قوله: (ولو في رمضانين الخ) لو وصيلة، وأشار إلى أن التقييد
برمضان واد، خلاف الصحيح وهو رواية عن محمد. قال في المجتبى: وأكثر مشايخنا قالوا:
الاعتماد على تلك الرواية، والصحيح أنه كيفية كفارة واحدة لاعتبار معنى التداخل. قوله: (ولم يعين)
أي إنه عن يوم كذا. قوله: (ولو عن رمضانين الخ) قال الزيلعي: وكذا لو صام ونوى عن يومين أو
أكثر جاز عن يوم واحد، ولو نوى عن رمضانين أيضا يجوز إه‍. وعليه فالمعنى أنه لو كان عليه يومان
من رمضانين فقضى يوما ونواه عنهما يجوز صومه عن أحدهما ويبقى عليه الآخر، لكن ذكره مسكين
أن المراد أنه نواه عن يوم واحد منهما بلا تعيين شهره حيث قال: واعلم أن المراد من قوله: ولو عن
رمضانين قضاء أحد رمضانين وإن لم ينو الصائم أول أو آخر رمضان ولم يرد جمعهما في النية، لان
ناوي القربتين في الصوم متنفل، فليتأمل إه‍.
أقول: ويؤيده قول المتن: كقضاء الصلاة الخ فإن معناه أنه لو فاته الظهر من يومين مثلا فقضى
ظهرا ولم يعين أحد اليومين صح، وليس المراد أنه نوى ظهرا واحدا من اليومين بقرينة ما بعده. وفي
قول مسكين: لان ناوي القربتين الخ منافاة لصدر كلام الزيلعي. وقد ذكر الشارح قبيل باب صفة
الصلاة أنه لو نوى فائتتين فللأولى لو أمن أهل الترتيب وإلا لغا إه‍. ومقتضى ذلك أنه في الصوم
يلغو، إذ لا ترتيب فيه لأنه خاص بالصلاة، وبه تأيد كلام مسكين، وتأمل ذلك مع الأصل الآتي
قريبا. قوله: (صح أيضا وإن لم ينو الخ) قدم الشارح في باب شروط الصلاة عن القهستاني عن المنية
أنه الأصح اه‍. ونقل ط تصحيحه عن الولوالجية أيضا وأن التعيين أحوط. وقهل: (والأصح اشتراط
التعيين الخ) صححه أيضا في متن الملتقى، فقد اختلف التصحيح والتعيين أن يعين أنه صائم عن
رمضان سنة كذا، وفي الصلاة أن يعين الصلاة ويومها بأن يعين ظهر يوم كذا، ولو نوى أول ظهر
عليه أو آخره جاز، وهذا مخلص من لم يعرف الأوقات التي فاتته أو اشتبهت عليه أو أراد التسهيل على
نفسه.
والأصل فيه أن الفروض متزاحمة، فلا بد من تعيين ما يريد أداءه، والشرط تعيين الجنس الواحد
بالنية لأنها شرعت لتمييز الأجناس المختلفة. أما التعيين في الجنس الواحد: أي في إفراده بعضها عن
بعض فهو لغو لعدم الفائدة، حتى لو كان عليه قضاء يوم بعينه فصامه بنية يوم آخر أو كان عليه قضاء
صوم يومين أو أكثر فصام ناويا عن قضاء يومين أو أكثر جاز، بخلاف ما إذا نوى عن رمضانين أو عن
رمضان أخر لاختلاف الجنس، فصار كما لو نوى ظهرين أو ظهرا عن عصر، أو نوى ظهر السبت
وعليه ظهر الخميس، ويعرف اختلاف الجنس لاختلاف السبب كالصلوات حتى الظهرين من يومين،
فإن الدلوك في يوم غيره في آخر، بخلاف صوم رمضان لتعلقه بشهود الشهر وهو واحد، لأنه عبارة
عن ثلاثين يوما بلياليها فلا يحتاج فيه إلى تعيين يوم كذا، خلاف رمضانين. زيلعي ملخصا. قوله:

323
(ثم رأيته) أي هذا التفصيل نقله عنه: أي عن المحيط في الأشباه. فافهم. قوله: (وهذا مشكل) لما مر
أن كل صلا جنس لاختلاف أسبابها فيشترط التعيين لتمييز الأجناس المختلفة، ولأنه لو كان الامر كما
قاله في المحيط لجاز مع وجوب الترتيب أيضا لامكان صرفه إلى الأول، إذ لا يجب التعيين عند الترتيب
ولا يفيد إ ه‍. كذا أفاده الزيلعي. قوله: (خلافه) أي من التعيين ولو بأول ظهر أو آخره مثلا ط.
قوله: (وهو المعتمد) قد علمت أن الثاني مصحح وإن كان الأحوط التعيين ط. قوله: (والحرق
كالغسل) لان النار تأكل ما فيه من النجاسة حتى لا يبقى فيه شئ أو تحليه فيصير الدم رمادا فيطهر
بالاستحالة، ولهذا لو أحرقت العذرة وصارت رمادا طهرت للاستحالة، كالخمر إذا تخللت، وكالخنزير
إذا وقع في المملحة وصار ملحا. وعلى هذا قالوا: إذا تنجس التنور يطهر بالنار حتى لا يتنجس الخبز،
وكذلك إذا تنجس ممسحة الخباز تطهر بالنار زيلعي قال السائحاني: وبهذا لا يظهر ما عزي لأبي
يوسف أن السكين المموه بالماء النجس يموه بالطاهر ثلاثا لأنه لما دخل النار ومكث أدنى مدة لم يبق أثر
النجاسة فيه لا ظاهرا ولا باطنا إه‍. قوله: (وقد قدمه في الجهاد) حيث قال: ترك السلطان أو نائبه
الخراج لرب الأرض أو وهبه له ولو بشفاعة جاز عند الثاني وحل له لو مصرفا، وإلا تصدق به، وبه
يفتى.
وما في الحاوي من ترجيح حله لغير المصرف خلاف المشهور، ولو ترك العشر لا يجوز إجماعا
بنفسه للفقراء خلافا لما في قاعدة تصرف الامام منوط بالمصلحة من الأشباه معزيا للبزازية فتنبه
إ ه‍: أي من أنه لو ترك السلطان العشر لمن هو عليه جاز غنيا كان أو فقيرا، لكن لو غنيا ضمنه
السلطان للفقراء من بيت مال الخراج لبيت مال الصدقة، ولو فقيرا لا يضمن. قوله: (عن زراعة
الأرض) أي المملوكة لهم. قوله: (لمستحقه (1)) أي لمستحق الخراج. قوله: (رعاية للحقين) لأنه لا
وجه إلى إزالة ملكهم بلا رضاهم من غير صيرورة ولا إلى تعطيل حق المقاتلة ما قلنا. زيلعي.
قوله: (باعها لقادر) أي على الزراعة، لأنه لو لم يبعها يفوت حق المقاتلة في الخراج أصلا، ولو باع



(1) قوله: (المحشي لمستحقه) نسخ الشرع التي بأيدينا المستحقة وعليها كتب الطحاوي اه‍.
324
يفوت حق المالك في العين، والفوات إلى خلف كلا فوات فيبيع تحقيقا للنظر من الجانبين زيلعي.
وهذا وقد ذكر في البحر أنه قبل البيع إن شاء دفعها إلى غيره مزارعة، وإن شاء زرعها بنفقة من
بيت المال، فإن لم يتمكن من ذلك ولم يجد من يقبلها مزارعة باعها الخ. قوله: (قلت الخ) أصله
للمصنف حيث استشكل قوله: وأخذ الخراج الماضي بما في الخانية من قوله: فإن اجتمع الخراج فلم
يؤد سنتين عند أبي حنيفة يؤخذ بخراج هذه السنة، ولا يؤخذ بخراج السنة الأولى ويسقط ذلك عنه
كما قال في الجزية: ومنهم من يقول: لا يسقط الخراج بالاجماع بخلاف الجزية، هذا إذا عجز عن
الزراعة، فإن لم يعجز فرص مسألتنا في العجز، فافهم. قوله: (فيحمل إلى الخ) لم يحمله على حالة عدم
العجز لان فرص مسألتنا في العجز، فافهم. قوله: (الماضية فقط) أي التي عجزوا فيها، وهي التي
قبل السنة التي دفع فيها الامام الأرض إلى غيرهم دون ما قبلها، ولا يحصل التداخل بمجرد دخول
سنة الدفع حتى يرد عليه أنه يسقط خراج هذه الماضية، لان وجوب الخراج بآخر الحول لا بأوله،
بخلاف الجزية كما صرح في البحر، فافهم. قوله: (تحرى وأكل) لان للغالب حكم الكل، وكذا
الزيت لو اختلط مع ودك الميتة أو الخنزير لا ينتفع به على كل حال إلا إذا غلب الزيت، لكن لا يحل
أكله بل يستصبح به أو يبيعه مع بيان عيبه أو يدبغ به الجلود ويغسلها، لان المغلوب تبع للغالب، ولا
حكم للتبع لو كان معه ثياب مختلطة، ففي حالة الاضطرار بأن لا يجد طاهرا بيقين ولا ماء يغسلها به
تحري مطلقا، لان الصلاة بثوب نجس بيقين جائزة حالة الاضطرار بالاجماع ففي ثوب مشكوك أولى.
وأما في الاختيار فإن الغلبة للطاهر تحري، وإلا لا كالجواب في المساليخ، وكذا أواني الماء إلا
أنه في حالة الاضطرار لو غلب النجس يتحرى للشرب إجماعا، لان شرب النجس بيقين يجوز
للضرورة فالمشكوك أولى، ولا يتحرى للوضوء عندنا بل يتيمم، والأولى أن يريق الماء قبله أو يخلطه
بالنجس. وتمامه في غاية البيان.
أقول: والمراد من اختلاط الزيت مع الودك اختلاط أجزائهما لا اختلاط أوانيهما ولذا لم يحل
الاكل، فتنبه. قوله: (لا يتحرى) أي إن لم يكن هناك علامة تعلم بها الذكية، فإن كانت فعليه الاخذ
بها كما في الدر المنتقى. قال في غاية البيان قالوا: من علامة الميتة أنها تطفو فوق الماء والذكية لا،
والأصح أن علامة المذكاة خلو الأوداج من الدم وعلامة الميتة امتلاؤها منه. قوله: (بأن يجد ذكية)
أقول: المراد أن لم يجد ما يسد به رمقه من لحم مذكى أو خبز أو غير ذلك. قوله: (وإلا تحرى الخ) قال
في الهداية: أما في حال الضرورة يحل له لتنازل في جميع ذلك، لان الميتة المتيقنة تحل في حالة
الضرورة، فالذي يحتمل أن يكون ذكية أولا، غير أنه يتحرى لأنه طريق يوصله إلى الذكية في الجملة
فلا يتركه من غير ضرورة اه‍.
قال في العناية: وطولب بالفرق بين الغنم والثياب، فإن المسافر لو معه ثوبان طاهر ونجس لا
غير ولا مميز بينهما يتحرى ويصلي فقد جوز التحري فيهما إذا كانا نصفين وفي المساليخ لم يجز. وأجيب

325
بأن حكم الثياب أخف، لأنها لو كانت كلها نجسة له أن يصلي في بعضها لأنه مضطر، بخلاف الغنم
الخ، ومثله في النهاية والكفاية والمنح وغيرها.
أقول: هذا عجيب منهم، فإن ما ذكروا من مسألة الثوبين حالة ضرورة، ولا فرق فيها بين
الثياب والغنم كما سمعت التصريح به فيما قدمناه. وفي قول الهداية: يحل له التناول في جميع ذلك:
أي فيما إذا كانت الذكية غالبة أو مغلوبة أو مساوية فكيف يطلب الفرق فيما لا فرق فيه؟ وإن أرادوا
الفرق بين الثياب في حالة الضرورة وبين الغنم في حالة الاختيار فهو ساقط أصلا، إذ لا يطلب الفرق
إلا عند اتحاد الحالتين، ثم رأيت العلامة الطوري نبه على ذلك، ولله الحمد والمنة. قوله: (ومر في
الحظر) أي في أوله قبيل قوله: ومن دعي إلى وليمة ولفظ الحظر ساقط من أغلب النسخ. قوله:
(إيماء الأخرس) أي إشارته بحاجب أو يد أو غير ذلك إذا عرف القاضي إشارته. وإلا ينبغي أن
يستخبر ممن يغرفها من إخوانه وأصدقائه وجيرانه حتى يقول بين يدي القاضي أراد بهذه الإشارة كذا،
ويفسر ذلك ويترجم حتى يحيط علم القاضي بذلك، وينبغي أن يكون عدلا مقبول القول، لان الفاسق
لا قول له، بيري عن الولوالجية. وإطلاقه يفيد اعتبار الايماء مع قدرته على الكتابة وهو المعتمد، لان
كلا منهما حجة ضرورية كما في القهستاني وغيره. در منتقى. قوله: (وكتابته) اعترض المقدسي بأن
الأخرس الخلقي لا يعرف الكتابة ولا يمكن تعريفه إياها، لاها بإزاء الألفاظ المركبة من الحروف وهو
لا ينطق ولا يسمع النطق إه‍.
أقول: يمكن ذلك بتعريفه أن المعنى الفلاني يدل عليه بهذه الحروف المنقوشة على هذه الصورة.
تأمل. قوله: (بخلاف معتقل اللسان) بفتح القاف، يقال اعتقل لسانه بضم التار: إذا احتبس عن
الكلام ولم يقدر عليه مغرب: أي فلا يعتبر إيماؤه ولا كتابته إلا إذا امتدت عقلته كما يأتي، وذلك
لان العارض على شرف الزوال فلا يقاس على الخرس الأصلي.
ثم اعلم أن هذا في كتابة غير مرسومة: أي غير معتادة، لما في التبيين وغيره أن الكتاب على ثلاث
مراتب: مستبين مرسوم وهو أن يكون معنونا: أي مصدرا بالعنوان، وهو أن يكتب في صدره من
فلان إلى فلان على ما جرب به العادة فهذا كالنطق فلزم حجة. ومستبين غير مرسوم كالكتابة على
الجدران وأوراق الأشجار أو على الكاغد لا على الوجه المعتاد، فلا يكون حجة إلا بانضمام شئ آخر
إليه كالنية والاشهاد عليه والاملاء على الغير حتى يكتبه، لان الكتابة قد تكون للتجربة ونحوها، وبهذه
الأشياء تتعين الجهة، وقبل الاملاء بلا إشهاد لا يكون حجة، والأول أظهر. وغير مستبين كالكتابة
على الهواء أو الماء وهو بمنزلة كلام غير مسموع ولا يثبت به شئ من الاحكام وإن نوى إه‍.
والحاصل: أن الأول صريح، والثاني كناية، والثالث لغو، وبقي صورة رابعة عقلية لا وجود
لها، وهي مرسوم غير مستبين، وهذا كله في الناطق ففي غيره بالأولى، لكن في الدر المنتقى عن
الأشباه أنه في حق الأخرس يشترط أن يكون معنونا وإن لم يكن لغائب اه‍. وظاهره أن المعنون من
الناطق الحاضر غير معتبر.

326
وفي الأشباه: رجل كتب صك وصية وأشهد بما فيه ولم يقرأ وصيته عليهم، قالوا: لا يجوز
للشهود أن يشهدوا بما فيه وهو الصحيح إه‍. أي لان الشهادة لا تكون إلا عن علم. قوله: (ومثله
معتقل الخ) الأولى في التعبير: لا معتقل اللسان إن علمت إشارته الخ تأمل. قوله: (به يفتى) هو
رواية عن الامام ومقابله ما في الكفاية عن الامام التمرتاشي تقديره بسنة. قال في الدر المنتقى واستثنى
العمادي المريض إذا طال عليه الاعتقال فإنه كالأخرس كما أفاده في البرجندي معزيا للعمادية، خلافا لما
نقله القهستاني عنها، فإنه إنما ذكره فيمن يرجى منه الكلام، فافهم المرام إ ه‍. وعبارة القهستاني: فلو
أصابه فالج فذهب لسانه أو مرض فلم يقدر على الكلام بضعفه إلا أنه عاقل فأشار برأسه إلى وصية
فقد صح وصيته، وقال أصحابنا: إنها لم تصح كما في العمادي إه‍. قوله: (أو طلق مثلا) أي كما إذا
أعتق ط. قوله: (نفذ مستندا) فلها أن تتزوج إن مضت عدتها من وقت الإشارة أو الكتابة وينفذ
تصرف المتعوق من ذلك الوقت ط. قوله: (لعدم نفاذه) لان نفاذه موقوف على موته على عقلته، لا
على إجازته، حتى يقل: ينبغي أن يكون طلبه الوطئ دليلا على إرادة النكاح، فافهم. قوله: (لكل ذكر
ابنه الخ) استدراك على قوله: نفذ مستندا حتى في الطلاق والعتاق. قوله: (الأحكام الأربعة) التي هي
الاقتصار كما في إنشاء الطلاق والعتاق والانقلاب، كما إذا علق الطلاق والعتاق بالشرط، فعند
وجود الشرط ينقلب ما ليس بعلة علة، والاستناد كالمضمونات تملك عند أداء الضمان مستندة إلى وقت
وجود السبب والتبيين، مثل إن كان زيد اليوم في الدار فأنت طالق، وتبين في الغد وجوده فيها يقع
الطلاق في اليوم وتعتد منه، والفرق بين التبيين والاستناد أنه في التبيين يمكن أن يطلع عليه العباد،
وفي الاستناد لا يمكن إه‍ من الأشباه ملخصا. وقدمنا تمام الكلام على ذلك في باب الطلاق
الصريح. قوله: (أن قولهم) مفعول ذكر، وقوله: والضابط الخ مقول القول، وجملة يخالف خبر
إن. قوله: (يخالف ذلك) أي يخالف القول بالاستناد في نحو: طلاق معتقل اللسان وعتاقه ط.
أقول: وعبارة البحر عند قول الكنز والتعليق إنما يصح في الملك أو مضافا إليه.
ثم اعلم أن المراد بالصحة اللزوم، فإن التعليق في غير الملك، والمضاف إليه صحيح موقوف على
إجازة الزوج، حتى لو قال أجنبي لزوجة إنسان إن دخلت الدار فأنت طالق توقف على الإجازة، فإن
أجازه لزم التعليق، فتطلق بالدخول بعد الإجازة لا قبلها، وكذا الطلاق المنجز من الأجنبي موقوف
على إجازة الزوج فإذا أجازه وقع مقتصرا على وقت الإجازة، ولا يستند بخلاف البيع الموقوف فإنه
بالإجازة يستند إلى وقت البيع، حتى ملك المشتري الزوائد المتصلة والمنفصلة، والضابط فيه أن ما صح

327
تعليقه بالشرط فإنه يقتصر، وما لا يصح تعليق فإنه يستند إ ه‍. فأنت تراه لم يجعل الضابط لكل مقتصر
ومستند، بل لنوع خاص منه، وهو عقد الفضولي المتوقف على الإجازة، وإلا لزم أن لا يقع نحو
الطلاق والعتاق إلا مقتصرا في جميع الصور، وليس كذلك قطعا لما مر عن الأشباه، وحينئذ فلا مخالفة
إذ ليست مسألتنا من هذا القبيل، فتدبر. قوله: (في حد) تناول جميع أنواع الحد: أي لا يحد الأخرس
إذا كان قاذفا بالإشارة أو الكتابة، وكذا إذا أقر بالزنا أو السرقة أو الشرب، لان المقر على نفسه ببعض
الأسباب الموجبة للعقوبة ما لم يذكر اللفظ الصريح لا يستوجب العقوبة. كفاية. زاد في الهداية: ولا
يحد له: أي حد القذف خاصة إذا كان مقذوفا اه‍. قوله: (لأنها تدرأ بالشبهة الخ) والفرق بينها وبين
القصاص: أن الحد لا يثبت ببيان فيه شبهة، ألا ترى أنه لو شهدوا بالوطئ الحرام
أو أقر بالوطئ الحرام لا يجب الحد، ولو شهدوا بالقتل المطلق أو أقر بمطلق القتل يجب القصاص، وإن لم يوجد التعمد لان
القصص فيه معنى العوضية، لأنه شرع جابرا، فجاز أن يثبت مع الشبهة كسائر المعاوضات التي هي
حق العبد، أما الحدود الخالصة لله تعالى شرعت زاجرة وليس فيها معنى العوضية، فلا تثبت مع الشبهة
لعدم الحاجة. هداية. وقد اعترض العلامة الطوري كلامهم هنا بأنهم سووا بين الحدود والقصاص في
أن كلا منهما يدرأ بالشبهة كما صرحوا به في مواضع كثيرة منها الكفالة فلا تجوز بالنفس فيهما، ومنها
الوكالة فلا تجوز باستيفائهما، ومنها الشهادة على الشهادة لا تجوز فيهما، وعللوا جميع ذلك بأنهما مما
يدرأ بالشبهة، وكذا في كتاب الدعوى والجنايات وفرعوا على ذلك مسائل كثيرة إه‍. ملخصا. قوله:
(ولا في شهادة ما) نقل من فتح القدير عن المبسوط أنه إجماع الفقهاء، لان لفظ الشهادة لا يتحقق منه.
وتمامه فيه. قوله: (ظاهر كلامهم) نعم تقدم في كتاب الاقرار صريحا حيث قال: والايماء بالرأس من
الناطق ليس بإقرار بمال وعتق وطلاق وبيع ونكاح وإجارة وهبة، بخلاف إفتاء ونسب وإسلام وكفر
الخ. قوله: (يقضي ويكفر) لوجود معنى صلاح البدن كما قدمه في الصوم عن الدراية وغيرها. قوله:
(لا يكفر) أي بل يقضي فقط. قوله: (عذر في ترك الحج) لان أمن الطريق شرط الوجوب أو الأداء،
لكن الشارح هناك قيد أمن الطريق بغلبة السلامة ولو بالرشوة وعزاه إلى الكمال، وبقتل بعض الافراد لا
تنتفي الغلبة، ولذا قيده ط بالقتل في كل مرحلة. تأمل. قوله: (منعها زوجها) مصدر مضاف إلى
فاعله. قوله: (نشوز حكما) لان الناشزة هي الخارجة من بيت زوجها بغير حق، ومنعها له عن
الدخول إلى بيتها مع إرادتها السكنى فيه خروج حكما. قوله: (بخلاف ما لو كان فيه شبهة) كبيت

328
السلطان فهي ناشزة لعدم اعتبار الشبهة في زماننا. كذا في التجنيس. قوله: (ليس لها ذلك) لأنه لا بد
له ممن يخدمه، وقد تمتنع هي عن خدمته، فلا يمكن منعه من ذلك ط. قوله: (وكذا
مع أم ولده) وكذا مع طفله الذي لا يفهم الجماع، بخلاف بقية أهله وأهلها. قوله: (لأنه ليس بصريح ولا كناية) ظاهره
أنه لا عتق ولو بالنية. وفي الحموي عن البزازية: قال لعبده أو أمته: أنا عبدك يعتق إن نوى، ومثله فيما
يظهر يا مالكي، لان مؤدى العبارتين واحد ط. وفي الخانية عن الصغار: فيمن قال لجاريته: يا من أنا
عبدك، قال: هذه كلمة لطف لا تعتق بها، فإن نوى العتق فعن محمد فيه روايتان. قوله: (على ما مر
في محله) أي في كتاب العتق.
أقول: وقد وعده المصنف هناك من الصريح، وهو ظاهر قول الزيلعي وغيره هنا، لان حقيقته
تنبئ عن ثبوت الولاء على العبد، وذلك بالعتق لأنه يمكن إثباته من جهته وقوله يا مالكي أو أنا
عبدك حقيقة ينبئ عن ثبوت ملك العبد على المولى وذلك لا يمكن إثباته من جهة المولى إه‍.
أقول: ويظهر من هذا الوجه تخصيصهم المولى هنا بالمعتوق، وإن كان يطلق على المعتق بالاشتراك،
لأنه لا يمكن إثباته من جهة السيد: أي لا يمكنه أن يجعل لعبده ولاء عليه فكان لغوا، فتعين إرادة
المعنى الممكن، فافهم. قوله: (ما لم يبرهن المدعي على وفق دعواه) كذا في شرح مسكين، والمناسب
قول الزيلعي وغيره: ما لم يبرهن على أن العقار في يد المدعى عليه، لان دعوى المدعي الملك كما
سيصرح به. قوله: (ولا يكفي الخ) تصريح بما فهم من إطلاق قوله: ما لم يبرهن. قوله: (لاحتمال
المواضعة) أي الموافقة إذا كان مالك العقار غائبا فيتواضع اثنان، ويقر أحدهما باليد ويبرهن الآخر عليه
بالملك، ويتسامح في الشهود ثم يدفع المالك متعللا بحكم الحاكم، وهذه التهمة في المنقول منتفية،
لان يد المالك لا تنقطع عن المنقول عادة بل يكون في يده. بحر عن البزازية. قوله: (وهذا) أي لزوم
إثبات اليد بالبرهان. قوله: (أما إذا ادعى الشراء) ومثله الغصب. قوله: (وإقراره) بالنصب عطفا على
الشراء. قوله: (لان دعوى الفعل) كالشراء مثلا. قوله: (تصح على غيره) لأنه يدعي عليه التمليك
وهو يتحقق من غير ذي اليد، فعدم ثبوت اليد بالاقرار لا يمنع صحة الدعوى، أما دعوى الملك
المطلقة فدعوى ترك التعرض بإزالة اليد، وطلب إزالتها لا يتصور إلى من ذي اليد وبإقراره لا يثبت

329
كونه ذا يد لاحتمال المواضعة كما قررناه. منح عن البزازية. قوله: (هو الصحيح) قال في البحر:
أول كتاب القضاء: ولا يشترط أن يكون المتداعيان من بلد القاضي إذا كانت الدعوى في المنقول
والدين، وأما إذا كانت في عقار لا في ولايته فالصحيح الجواز كما في الخلاصة والبزازية، وإياك أن
تفهم خلاف ذلك فإنه غلط اه‍. قوله: (ليس بشرط فيه) فالقضاء في السواد صحيح، وبه يفتى.
بحر. قوله: (ويكتب الخ) راجع لمسألة المتن. قوله: (قضى القاضي ببينة) إنما ذكره لقوله بعد أو
وقعت في تلبيس الشهود وإلا كالاقرار كالبينة فيما يظهر ط. قوله: (ونحو ذلك) كنقضته أو فسخته
أو رفعته. ط عن الحموي. قوله: (إن كان بعد دعوى صحيحة) تقدمت شروط صحتها في القضاء
ويأتي شئ منها. قوله: (إلا في ثلاث الخ) الاستثناء بالنسبة للأولى غير ظاهر، إذ لا شهادة فيها:
تأمل. قوله: (أو ظهر خطؤه) أي بيقين كما لو قضى بالقصاص مثلا فجاء المقتول حيا أو كان مجتهدا
فرأى النص بخلافه، كما لو تحول اجتهاده. وأفاد الزيلعي عن المحيط: أن النبي صلى الله عليه وآله إنما لم ينقض ما
قضى فيه باجتهاده ونزل القرآن بخلافه، لأنه كان فيما لا نص فيه فصح وصار شريعة له، فإذا نزل
القرآن بخلافه صار ناسخا تلك الشريعة، بخلاف ما إذا قضى القاضي باجتهاده ثم تبين نص بخلافه،
لان النص كان موجودا منزلا إلا أنه خفى عليه، فكان الاجتهاد في محل النص فلا يصح. وتمامه فيه.
وفي أشباه السيوطي عن السبكي: أن قضاء القاضي ينقض عند الحنفية إذا كان حكما لا دليل
عليه، وما خالف شرط الواقف مخالف للنص وهو حكم لا دليل عليه، وأيده في البحر بقول شارح
المجمع وغيره أن شرط الواقف كنص الشارع. قوله: (وأنكر القاضي) أما لو اعترف فيثبت حيث كان
مولى لا لو معزولا وفي البزازية: وإن أرادوا أن يثبتوا حكم الخليفة عند الأصل فلا بد من تقديم
دعوى صحيحة على خصم حاضر وإقامة البينة، كما لو أرادوا إثبات قضاء قاض آخر إه‍. بحر.
قوله: (خلافا لمحمد) قال في البحر: ورجح في جامع الفصولين محمد، قال: وينبغي أن يفتى به
لما علم من أحوال قضاة زماننا إه‍. قوله: (لوجود قضاء الثاني به) فإنه لا ينفذه إلا بعد ثبوته عنده،
ولا بد فيه من الدعوى أيضا.
قال في البحر: ولا بد في إمضاء الثاني لحكم الأول من الدعوى أيضا، ولا يشترط إحضار
شهود الأصل إه‍. فلو قبل قول الأول لزم إبطال القضاء الثاني بمجرد قوله بعد الثبوت والامضاء،

330
فإنه مبني على الأول ولا سيما إذا كان مخالفا لمذهب القاضي الثاني، فافهم. قوله: (من حقوق العباد)
قيد به لان الحادثة لا تشترط في حقوق الله تعالى كالحدود وعتق الأمة وطلاق الزوجة ط. قوله:
(منازع شرعي) كأصيل أو وكيل أو وصي أو متول أو أحد الورثة، بخلاف الفضولي والمودع والمستعير
فإن نزاعهما لا يعتبر. قوله: (فقضي به ببرهانه) الباء الأولى للتعدية والثانية للسببية ط. قوله: (بدون
منازعة) متعلق بمحذوف حال، والمراد بدون حضور منازع ممن تقدم. قوله: (فيحكم بمذهبه) يعني لو
رفع هذا الحكم إلى قاض آخر يحكم بمذهبه ولا يجب عليه تنفيذ الأول لأنه ليس ملزما لفقد شرطه،
وإنما هو إفتاء: أي بيان الحكم الشرعي. قوله: (أي إلى الحنفي) أي مثلا، فإن غيره إن كان يشترط ما
ذكر فحكمه كذلك. قوله: (إذا ارتاب الخ) نقله في النهر عن صاحب البحر، وقال: لم أجده لغيره.
قوله: (يعني الخ) أقول على هذا لا فرق بين قضاء العدل العالم وغيره. فلو قيل: يعني لا يتعرض
لنقضه لكان أحسن: أي لا يسأل عن الأحوال الموجبة للنقض، فلا يقال: هل قضى بالرشوة ونحو
ذلك؟ بقرينة قولهم: ويحمل على السداد وأما غير العدل العالم فيسأل عن حاله. قوله: (مر في أول
البيوع الخ) ومر أنه محمول على ما إذا كان قبل متاركة الأول، وأنه ليس خاصا بالبيع بالتعاطي، بل
البيع بالايجاب والقبول كذلك.
وفي الخانية شرى ثوبا شراء فاسدا ثم لقيه غدا فقال: قد بعتني ثوبك هذا بألف درهم، فقال:
بلى فقال: قد أخذته فهو باطل، وهذا على ما كان قبله من البيع الفاسد، فإن كانا تتاركا البيع الفاسد
فهو جائز اليوم إه‍.
أقول: ويرد عليه ما ذكره الشارح هناك في مسألة بيع قطيع غنم كل شاة بكذا إنه فاسد، وإن
علم بعدد الغنم في المجلس لم ينقلب صحيحا على الأصح، ولو رضيا انعقد بالتعاطي ونظيره البيع

331
بالرقم. سراج إه‍. ومثله في النهاية وغيرهما، فليتأمل. قوله: (ثم دخل رجل) أي وحده كما
أفاده قوله: إلا إذا علموا أنه ليس فيه عبرة وعليه فلو دخل معه المقر له لا تجوز شهادتهم لحصول
الشبهة باحتمال أن المقر هو مدعي الحق، وأنه جعل نغمته كنغمة الآخر. تأمل. قوله: (باع عقارا
الخ) وكذا لو وهب أو تصدق وسلم وقيد بالبيع إذ لو أجر أو رهن، أو أعاد ثم ادعى الحاضر تسمع،
إذ ليس من لوازم ذلك الخروج عن الملك، وقد يرضى الشخص بالانتفاع بملكه، ولا يرضى بالخروج
عن ملكه، ولأنه في البيع ونحوه على خلاف القياس فلا يقاس عليه غيره، ولم أر من نبه عليه،
فليتأمل. رملي.
أقول: ومثل البيع الوقف كما أفتى به الشهاب الشلبي، ووافقه على ذلك ثلاثة عشر عالما من
أعيان الحنفية في عصره كتب أسماءهم وخطوطهم بموافقته في آخر كتاب الدعوى من فتاويه
المشهورة، فراجعها.
ثم اعلم أن التقييد بالبيع إنما يظهر بالنسبة إلى القريب، أما بالنسبة إلى الأجنبي فلا، لما في
جامع الفتاوى أول كتاب الدعوى عن الخلاصة: رجل تصرف في أرض زمانا ورجل آخر يرى تصرفه
فيها ثم مات المتصرف ولم يدع الرجل حال حياته لا تسمع دعواه بعد وفاته إه‍.
وفي الحامدية عن الولوالجية: رجل تصرف زمانا في أرض رجل آخر يرى الأرض والتصرف
ولم يدع ومات على ذلك لم تسمع بعد ذلك دعوى ولده فتترك على يد المتصرف إه‍.
والظاهر أن الموت غير قيد بدليل أنهم لم يقيدوا به هنا، وبه علم أن مجرد السكوت عند الاطلاع
على التصرف مانع وإن لم يسبقه بيع، وأما السكوت عند البيع فلا يمنع إلا دعوى القريب.
ثم اعلم أنه نقل العلامة ابن الغرس في الفواكه البدرية عن المبسوط: إذا ترك الدعوى ثلاثا
وثلاثين سنة ولم يكن مانع من الدعوى ثم ادعى لا تسمع دعواه، لان ترك الدعوى مع التمكن يدل
على عدم الحق ظاهرا إه‍. ومثله في البحر وفي جامع الفتاوى. وقال المتأخرون من أهل الفتوى: لا
تسمه الدعوى بعد ست وثلاثين سنة، إلا أن يكون المدعي غائبا أو صبيا أو مجنونا ليس لهما ولي، أو
المدعى عليه أميرا جائرا يخاف منه، وكذا في الفتاوى العتابية إه‍. والظاهر أن عدم سماعها بعد هذه
المدة أعم منن كونه مع الاطلاع على التصرف أو بدونه، لان عدم سماعها مع الاطلاع على التصرف أو بدونه، لان عدم سماعها مع الاطلاع على التصرف لم
يقيدوه هنا بمدة، فلا منافاة بين كلامهم. تأمل.
ثم اعلم أن عدم سماعها ليس مبنيا على بطلان الحق، حتى يرد أن هذا قول مهجور، لأنه ليس
ذلك حكما ببطلان الحق، وإنما هو امتناع من القضاة عن سماعها خوفا من التزوير ولدلالة الحال كما
دل عليه التعليل، وإلا فقد قالوا: إن الحق لا يسقط بالتقادم كما في قضاء الأشباه، فلا تسمع الدعوى
في هذه المسائل مع بقاء الحق للآخرة، ولذا لو أقر به يلزمه، كما في مسألة عدم سماع الدعوى بعد
مضي خمس عشرة سمة إذا نهى السلطان عن سماعها كما تقدم قبيل باب التحكيم، فاغتنم هذا التحرير
المفرد. قوله: (حاضر) المراد من الحضور الاطلاع. رملي. قوله: (مثلا) أي أو الزوجة أو غيرها من

332
الأقارب. قوله: (إنه ملكه) أي كله أو بعضه مشاعا أو معينا، والذي يظهر عدم سماع الدعوى في
الثمن أيضا، ويؤيده ما في التبيين وغيره من أن حضوره وتركه فيما يصنع إقراره منه بأنه ملك البائع
وأن لا حق له في المبيع الخ. رملي. قوله: (كذا أطلقه في الكنز الخ) أي أطلقه عما قيده به الزيلعي
نقلا عن فتاوى أبي الليث بأن يتصرف المشتري فين زمانا. قال في المنح: ولم يقيده بذلك في الكنز
والبزازية وكثير من المعتبرات، ومن ثم لم نقيده به، ولأن التقييد به يوجب التسوية بين القريب والجار
مع أن الجار يخالفه إه‍. وحكى في المسألة أقوالا أخر فراجعها. قوله: (وجعل سكونه كالافصاح) أي
بأن ملك البائع، وفي فتاوى المصنف إذا ادعى عدم العلم بأنه ملكه وقت البيع يصدق.
وقال في نهج النجاة: أقول: وهذا إذا لم يكن المدعي معذورا وإلا فتسمع دعواه، فقد قالوا:
يعذر الوارث والوصي والمتولي بالتناقض للجهل في موضع الخفاء إ ه‍. وقال الاستروشتي: اشترى
دارا لطفله من نفسه فكبر الابن ولم يعلم ثم باعها الأب وسلمها للمشتري ثم استأجرها الابن منه ثم
علم بما صنع الأب فادعى الدار تقبل، ولا يصير متناقضا بالاستئجار لان فيه خفاء، لان الأب يستبد
بالشراء للصغير وعسى لا يعلم بعد البلوغ إه‍. سائحاني. قوله: (وكذا لو ضمن الدرك الخ) الأولى
ذكره بعد الأجنبي لئلا يوهم اختصاصه بالقريب، وأوضح المسألة الزيلعي فراجعه. قوله: (فلا يملك
الخ) أي على القول بأن له الطلب وهو خلاف الصحيح. قوله: (بخلاف الأجنبي) قال الرملي: أقول:
الذي ظهر لي في الفرق أن الأطماع الفاسدة في القريب أغلب، فمظنة التلبيس فيه أرجح، ولذلك
غلب في الأقرباء خصوصا في دعوى الإرث لسهولة إثباته، بخلاف الأجنبي فإن طمعه في مال من
هو عنه أجنبي نادر، فلا بد من مرجح يرجح جهة التزوير، وهي أن يتصرف فيه المشتري زمانا.
قوله: (إلا إذا سكت الجار) وغيره من الأجانب بالأولى فتخصيص الجار بالذكر لأنه مظنة أنه في حكم
القريب والزوجة. قوله: (وقت البيع والتسليم) أي وقت علمه بهما، كما أفاده كلام الرملي السابق،
وقد علمت أن البيع غير قيد، بل مجرد السكوت عند الاطلاع على التصرف مانع من الدعوى. قوله:
(زرعا وبناء) المراد به كل تصرف لا يطلق إلا للمالك فهما من قبيل التمثيل. قوله: (لا تسمع دعواه)
أي دعوى الأجنبي ولو جارا. رملي. قوله: (وبخلاف ما إذا باع الفضولي الخ) ذكرها لأدنى مناسبة،
وإلا فالكلام فيما إذا ادعى الساكت الملك وأنكر البائع والمشتري، وهنا لا إنكار. قوله: (لا يكون
سكوته رضا عندنا) في فتاوى أمين الدين عن المحيط إذا اشترى سلعة من فضولي وقبض المشتري المبيع
بحضرة صاحب السلعة فسكت يكون رضا إ ه‍. ومثله في البزازية عن المحيط أيضا.
فعلم بخ أن محل ما هنا ما إذا لم يقبض المشتري السلعة بحضرة صاحبها، وهو ساكت. تأمل.

333
رملي. قوله: (آخر الفصل الخامس عشر) أي من كتاب الدعوى. قوله: (وغيره) أي في الفصل التاسع
من النكاح، وقد نقلها الزيلعي هنا عن الجامع الصغير. قوله: (تقبل على الأصح) وبه أخذ الصدر
الشهيد.
وقال الفقيه: قال بعض الناس: لا تقبل البينة ولكنا لا نأخذ به. تتارخانية، وبه: أي بالقبول
نأخذ وهو الأصح. عمادية. تقبل البينة وإن لم تصح الدعوى. خلاصة وبزازية، وصححه في كثير
من الفتاوى.
وقيده في البحر بما إذا برهن أنه وقف محكوم بلزومه، وإلا فلا لان مجرد الوقف لا يزيل الملك،
ومثله في فتح القدير وهو تفصيل حسن ينبغي أن يعول عليه. أفاده المصنف. قلت: المفتى به أن الملك
يزول بمجرد قوله: وقفت. قوله: (خلافا لما صوبه الزيلعي) حيث قال: وقيل: لا تقبل وهو أصوب
وأحوط، لأنه بإقامة البينة أن الضيعة وقف عليه يدعي فساد البيع وحقا لنفسه فلا تسمع للتناقض إ
ه‍. وظاهره أنه لو على مسجد أو نحوه تسمع إذ لا يدعي حقا لنفسه. قوله: (فالقول للورثة) هذا عند
عدم البرهان، فإن أقاموا البرهان فالبينة بينة من يدعي الهبة في الصحة. منح.
قلت: وعلى القول الثاني فالظاهر أن البينة للورثة. قوله: (هذا ما اعتمده في الخانية) وتصحيح
قاضيخان من أجل التصاحيح، وهذا من المسائل التي رجحوا القياس فيها على الاستحسان. سائحاني.
قوله: (بعد نقله) ضميره كضمير قال: يرجع إلى قاضيخان ط. قوله: (إلى آخره) هو قوله: ولأن الهبة
حادثة والأصل في الحوادث أن تضاف إلى أقرب الأوقات إه‍. قوله: (بأنه الاستحسان) الباء للسببية
وهو مرتبط بقوله: جزم ط. قوله: (واستظهره) أي كون القول للزوج. قوله: (وجه الظاهر) مفاده
أنه ظاهر الرواية. قوله: (لم يكن لهم حق) أي وقت الهبة. قوله: (لأنه يمين من جهته) لما فيه من

334
معنى اليمين وهو تعليق الطلاق بفعلها، فلا يصح الرجوع في اليمين، وهو تمليك من جهتها لان
الوكيل هو الذي يعمل لغيره وهي عاملة لنفسها، فلا تكون وكيلة، بخلاف الأجنبي. زيلعي. ولمعنى
التمليك اقتصر على المجلس كما مر في باب تفويض الطلاق. قوله: (لان متى لعموم الأوقات) أي فلا
تفيد إلا عزلا ونصبا واحدا.
قال الزيلعي: فإذا عزله انعزل عن الوكالة المنجزة وتنجزت المعلقة، فصار وكيلا جديدا، ثم
بالعزل الثاني انعزل عن الوكالة الثانية. قوله: (يقول في عزله رجعن الخ) لأنه لو عزله عن المنجزة من
غير رجوع لصار وكيلا مثل ما كان ولو عزله ألف مرة، لان كلمة تقتضي تكرار الافعال لا إلى نهاية،
فلا يفيد العزلا إلا بعد الرجوع حتى لو عزله، ثم رجع عن المعلقة يحتاج إلى عزل آخر، لأنه كلما
عزله صار وكيلا، فلا يفيد الرجوع بعد ذلك عن المعلقة في حقها لأنه يحتاج إلى عزل آخر بعد
الرجوع. زيلعي. وتمامه فيه. قوله: (الحاصلة من لفظ كلما) هكذا في المنح أيضا، وهو سهو لان
المنجزة حصلت من قوله: أنت وكيلي والمعلقة حصلت من قوله: كلما عزلتك الخ سائحاني. قوله:
(أو عن شئ آخر) أي من غير الدراهم لقول مسكين: هذا إذا كان على خلاف جنسه، لأنه لو صالح
على جنسه مؤجلا جاز. قوله: (في الذمة) صفة لدراهم ودنانير وشئ آخر. تأمل. قوله: وإلا أي
بأن كان عقارا بعقار أو عقارا بدين. مسكين. قوله: (لم تتعين) صفة لعين: أي تتعين بالإشارة إليها،
قوله: (فجاز الافتراق عنه) أي وإن كان مال الربا، كما إذا وقع الصلح على شعير بعينه عن حنطة في
الذمة. زيلعي. قوله: (قبل الخ) لأنه لا يصح تعليق الابراء بالخطر. قوله: (أو قال لا حجة لي) لما
كانت الحجة تصدق بشهادة الواحد فيما يكتفي به ذكرها عقب البينة. سائحاني. أي فلا تكرار فافهم.
قوله: (بخلاف ما إذا قال ليس لي حق) أي على فلان، وإنما حذفه للعلم به من المتن، وعبارة المنح:
بخلاف ما إذ قال ليس لي عليه حق الخ.
وفيها: ولو قال: هذه الدار ليست لي أو قال: ذلك العبد ثم أقام بينة أن الدار أو العبد له تقبل
بينته، لأنه لم يثبت بإقراره حقا لاحد فكان لغوا، ولهذا تصح دعوى الملاعن نسب ولد نفي بلعانه
نسبه، لأنه حين نفاه لم يثبت فيه حقا.

335
وفيها: لو قال لا أعلم لان لي حقا على فلان ثم أقام البينة أن له عليه حقا تقبل لامكان الخفاء
عليه فأمكن التوفيق. قوله: (لم تسمع للتناقض) قد يقال: إن التوفيق المذكور ممكن هنا أيضا فلماذا لم
يعتبر، ويمكن التوفيق بأنه في هذه المسألة ثبتت براءة ذمة المدعى عليه بالقول الأول ثم يريد شغلها
بالثاني ولا يقبل ط. قوله: (إن يقطع) أي يعين له قطعة. ط عن الحموي قوله: (من طريق الجادة) هو
وسط الطريق ومعظمه ط. قوله: (إن لم يضر بالمارة) بأن كان واسعا لا يضيق بذلك. قال في المعدن:
قيد به لأنه لو أضر بالمارة لا يقطع إذ فيه قطع الطريق، وليس له أن يقطع الطريق وإن كان لهم
طريق أخرى، حتى لو فعل ذلك فهو آثم، وإن رفع إلى القاضي رده. كذا في نصاب الفقهاء. وذكر
في الخانية قال: للسلطان أن يجعل ملك الرجل طريقا عند الحاجة إه‍ ط. قوله: (لان للامام ولاية
ذلك) إذ له التصرف في حق الكافة فيما فيه نظر للمسلمين، فإذا رأى ذلك مصلحة لهم كان له
أن يفعله من غير أن يحلق ضررا بأحد، ألا تر أنه إذا رأى أن يدخل بعض الطريق في المسجد أو عكسه
وكان في ذلك مصلحة بالمسلمين كان له أن يفعل ذلك. منح. والمراد هنا بالامام الخليفة ليناسب قوله
: فكذا نائبه. قوله: (صادره السلطان) أي أراد أن يأخذ منه مالا ط. قوله: (لأنه غير مكره) فإنه إنما
باعه باختياره. غاية الامر أنه صار محتاجا إلى بيعه لايفاء ما طلب منه، وذلك لا يوجب الكره. منح.
قوله: (كالدائن إذا حبس) بالبناء للفاعل والمفعول محذوف وهو المديون ط. قوله: (بالضرب) الظاهر
(على الخلع) أي على المخالعة معه بمال. قوله: (لان طلاق المكره واقع)
كذا علل الزيلعي وغيره، وتعقبه الشلبي بأنه إذا كان الزوج وهو الذي أكرهها لا يصح هذا التعليل إلا
إذا قرئ: وإن أكرها: أي الزوج والمرأة: أي أكرههما إنسان ا ه‍. أبو السعود.
أقول: أو يقرأ المكره بالكسر اسم فاعل. قوله: (ولا يلزم المال) أي بدل الخلع، ولما كان ذلك
البدل تارة يكون ما في ذمة الزوج من المهر وتارة يكون غيره، وقد عبر المصنف بما يناسب الأول
وهو السقوط عبر الشارح بما يناسب الثاني جميعا بينهما. قوله: (لما قلنا) أي من أنها مكرهة، وسقوط
المال أو لزومه يشترط له الرضا. قوله: (قالوا: وهو الحيلة) قال في المنح: ذكر هذا الفرع في الكنز
وغيره، وظاهر كلامهم أن هذا هو المخلص لامرأة تريد أن ترضي زوجها بهبة المهر ظاهرا وهي لا
تريد صحة ذلك ا ه‍. قوله: (قلت الخ) هو للمصنف، وأقول: إنما تنفعها هذه الحيلة في الخلع لو
علم الزوج أن لا مهر عليه لما في الخلاصة: خلع امرأته بمالها عليه من المهر ظنا منه أن لها عليه بقية

336
المهر ثم تذكر عدمه وقع الطلاق عليها بمهرها، فيجب عليها أن ترد المهر إن قبضت: أما إذا علم أن
لا مهر لها عليه بأن وهبت صح الخلع ولا تزد عليه شيئا ا ه‍.
وأقول أيضا: ليس في كلام الكنز وغيره ما يقتضي أن هذا الفرع حيلة لما تقدم، حتى يرد عليه
ما ذكر، وإنما هو حيلة لغيره. ففي حيل الأشباه: قال لها إن لم تهبيني صداقك اليوم فأنت طالق،
فالحيلة أن تشتري منه ثوبا ملفوفا بمهرها ثم ترده بعد اليوم فيبقى المهر ولا حنث ا ه‍.
وفي مداينات الأشباه عن القنية وله: أي لعدم صحة الهبة ثلاث حيل: أحدها: شراء شئ
ملفوف من زوجها بالمهر قبل الهبة. والثانية: صلح إنسان معها عن المهر بشئ ملفوف قبل الهبة.
والثالثة: هبة المرأة المهر لابن الصغير لها قبل الهبة، وفي الأخير نظر ا ه‍. فليكن ما هنا حيلة أخرى
لذلك. تأمل. وإنما لم يحنث فيما ذكر لعدم إمكان البر في اليوم، وإنما قيد بالملفوف ليثبت الرد بخيار
الرؤية بعد مضي اليوم. قوله: (برفعه إلى من لا يشترط قبوله) أي إلى قاض لا يرى أن قبول المحال
عليه شرط لتمام الحوالة كقاضي مالكي. قوله: (لم يجبر) قال في جامع الفصولين: والحاصل أن القياس
في جنس هذه المسائل من تصرف في خالص ملكه لا يمنع منه وإن أضر بغيره، لكن ترك القياس
في محل يضر بغيره ضررا بينا فقيل بالمنع، وبه أخذ كثير من مشايخنا، وعليه الفتوى ا ه‍. قوله:
(ومفاده الخ) فيه تأمل. قوله: (لعدم تعديه الخ) أقول: الأنسب في التعبير أن يقال: لأنه متسبب غير
متعد إذ حفره في ملكه: أي لان المتسبب لا يضمن إلا إذا تعدى كوضع الحجر في الطريق. قوله:
(ضمن) لأنه جعل مباشرا. وفي جامع الفصولين تفصيل حيث قال: فلو أجرى الماء في أرضه إجراء
لا يستقر فيها ضمن، ولو يستقر فيها ثم يتعدى إلى أرض جاره: فلو تقدم إليه جاره بالسكر والاحكام
ولم يفعل ضمن كالاشهاد على الحائط المائل، وإلا لم يضمن ا ه‍.
قال الرملي في حشيته عليه: أقول: يعلم منه جواب حادث الفتوى: اتخذ في داره بالوعة
أوهنت بناء جاره لسريان الماء إلى رأسه فتقدم إليه بأحكام البناء حتى لا يسري الماء. تأمل. ا ه‍. وبه
يقيد إطلاق قول المصنف: لم يضمن ولا سيما على ما قدمناه من القول المفتى به. قوله: (عمر دار
زوجته الخ) على هذا التفصيل عمارة كرمها وسائر أملاكها. جامع الفصولين. وفيه عن العدة: كل من
بنى في دار غيره بأمره فالبناء لآمره، ولو لنفسه بلا أمره فهو له، وله رفعه إلا أن يضر بالبناء، فيمنع
ولو بنى لرب الأرض بلا أمره ينبغي أن يكون متبرعا كما مر ا ه‍. وفيه بنى المتولي في عرصة الوقف
أن من مال الوقف فللوقف، وكذا لو من مال نفسه لكن للوقف، ولو لنفسه من ماله: فإن إشهد فله،
وإلا فللوقف، بخلاف أجنبي بنى في ملك غيره. قوله: (والنفقة دين عليها) لأنه غير متطوع
في الانفاق فيرجع عليها لصحة أمرها، فصار كالمأمور بقضاء الدين. زيلعي. وظاهره:
وإن لم يشترط

337
الرجوع. وفي المسألة اختلاف، وتمامه في حاشية الرملي على جامع الفصولين. قوله: (فالعمارة له)
هذا لو الآلة كلها له، فلو بعضها له وبعضها لها فهي بينهما. ط عن المقدسي. قوله: (بلا إذنها) فلو
بإذنها تكون عارية ط. قوله: (فيؤمر بالتفريغ) ظاهره: ولو كانت قيمة البناء أكثر من قيمة الأرض.
وبه أفتى المولى أبو السعود مفتي الروم، وهو خلاف ما مشى عليه الشارح في كتاب الغصب من أنه
يضمن صاحب الأكثر قيمة الأقل: وقدمنا الكلام عليه هناك فراجعه. قوله: (بطلبها) الأوضح قول
الزيلعي: إن طلبت. قوله: (ولها) معطوف على نفسه: أي ولو عمر لها الخ. قوله: (كما أفاده
شيخنا) أي الرملي في حاشية المنح. وقال بعده: لكن ذكر في الفوائد الزينية من كتاب الغصب: إذا
تصرف في ملك غيره ثم ادعى أنه كان بإذنه فالقول للمالك، إلا إذا تصرف في مال امرأته فماتت
وادعى أنه كان بإذنها وأنكر الوارث فالقول للزوج. كذا في القنية ا ه‍. فمقتضاه أنه إذا عمر دار
زوجته لها فماتت وادعى أنه كان بإذنها ليرجع في تركتها بما أنفق وأنكر بقية الورثة إذنها أن القول
قوله، ووجهه شهادة العرف الظاهر له. تأمل ا ه‍. قوله: (وتقدم في الغصب) لم أره فيه، وإنما قدم
فيه ما ذكرناه عن الفوائد الزينية آنفا. قوله: (فله أن يتزوجها) والعذر له في رجوعه عن ذلك أنه مما
يخفى عليه فقد يظهر له بعد إقراره خطأ الناقل، وهذه من المسائل التي اغتفروا فيها التناقض. أفاده في
المنح. قوله: (وهل يكون الخ) هذه المسألة وقعت في زمن شيخ الاسلام ابن الشحنة، فأفتى. بأنه لا
يكون ثباتا، وخالفه بعض معاصريه، ووقع نزاع طويل وعقد لها مجالس بأمر السلطان قايتباي، وآل
الامر إلى أن عرضت النقول على شيخ الاسلام القاضي زكريا من نحو أربعين كتابا.
فأجاب: بأن صريح هذه النقول ومنطوقها أن الثبات لا يحصل إلا بقوله هو أحق أو نحوه،
وليس في صريحها أن التكرار كذلك. نعم يؤخذ من قول المبسوط، ولكن الثابت على الاقرار كالمحدد
له بعد العقد أنه إذا أقر بذلك قبل العقد ثم أقر به بعده يقوم مقام قوله هو حق ونحوه، وقدمت
الكلام على ذلك مبسوطا في كتاب الرضاع فراجعه. قوله: (خلاف مبسوط في المبسوط) الخ قد
علمت أنه ليس في المبسوط بيان الخلاف، وأن المفهوم منه أن التكرار يثبت به الاصرار، فقول الشارح
(لا يثبت) صوابه حذف لا ولو قال: صريح النقول أن التكرار لا يثبت به الاصرار لكان أحسن.
قوله: (لأنه تسبب) أي النزع، وقد دخل بينه وبين ضياع حقه فعل فاعل مختار، وهو هروبه فلا

338
يضاف إليه التلف، كما إذ حل قيد العبد فأبق. زيلعي. قوله: (أو أضربك خمسين) أي فأكثر، فلو
قال له: أحبسك شهرا أو أضربك ضربا فهو ضامن، لان دفع المال للغير لا يجوز إلا لخوف التلف،
لكن تقدم في الاكراه أن أمر السلطان إكراه. تأمل. قوله: (فدفعه) أما إذا دفع من مال نفسه فلا
رجوع له كما تقدم ما يفيده ط. قوله: (لأنه مكره) قال العلامة المقدسي: فلو ادعى ذلك: أي الاخذ
منه كرها، هل يكتفي منه باليمين أم لا بد من برهان يحتاج إلى بيان؟ حموي.
أقول: مقتضى كونه أمينا أنه يصدق باليمين كما لو ادعى الهلاك. تأمل. قوله: (الإجازة تحلق
الافعال) هذا هو الصحيح، وتقدم الكلام عليه أوائل كتاب الغصب. قوله: (فأجاز المالك غصبه)
الذي في العمادية وغيرها، غصب شيئا وقبضه فأجاز المالك قبضه الخ، وهو أنسب من قوله
(غصبه) قوله: (لا يبرأ عن الضمان ما لم يحفظ) مفهومه أنه لو لم ينتفع به يبرأ بمجرد الامر، ولعل
المراد أنه إذا انتفع به ودام على الانتفاع كما لو غصب ثوبا فلبسه، فإذا أمره بالحفظ لا يبرأ حتى ينزعه
ويحفظه، أما لو نزعه قبل الامر وحفظه فأمره بالحفظ فالظاهر أنه يبرأ، لأنه بدوامه على الانتفاع بعد
الامر متعد، بخلاف ما لو نزعه قبله، هذا ما ظهر لي، وأفاد ط نحوه. قوله: (وضع منجلا) بكسر
الميم ما يحصد به الزرع. مغرب. قوله: (قيد اتفاقي الخ) مشى عليه المصنف في المنح أيضا والعيني
تبعا للزيلعي. ومقتضى ما قدمه الشارح في الذبائح أنه للاحتراز حيث قال: وتشترط التسمية حال
الذبح أو الرمي لصيد أو الارسال أو حال وضع الحديد لحمار الوحش إذا لم يقعد عن طلبه ا ه‍.
وانظر ما كتبناه هناك وفي كتاب الصيد. قوله: (كره تحريما) لما روى الأوزاعي عن واصل بن أبي
جميلة عن مجاهد قال: كره رسول الله صلى الله عليه وآله من الشاة الذكر والأنثيين والقبل والغدة والمرارة والمثانة
والدم قال أبو حنيفة: الدم حرام وأكره الستة، وذلك لقوله عز وجل: * (حرمت عليكم الميتة والدم) *
الآية، فلما تناوله النص قطع بتحريمه وكره ما سواه، لأنه مما تستخبثه الأنفس وتكرهه، وهذا المعنى
سبب الكراهية لقوله تعالى: * (ويحرم عليهم الخبائث) * زيلعي.
وقال في البدائع آخر كتاب الذبائح: وما روى عن مجاهد فالمراد منه كراهة التحريم بدليل أنه
جمع بين الستة وبين الدم في الكراهة والدم المسفوح محرم، والمروي عن أبي حنيفة أنه قال: الدم حرام
وأكره الستة، فأطلق الحرام على الدم، وسمي ما سواه مكروها لان الحرام المطلق ما ثبتت حرمته
بدليل مقطوع به وهو المفسر من الكتاب، قال الله تعالى: * (أو دما مسفوحا) * (الانعام: 541) وانعقد الاجماع
على حرمته، وأما حرمة ما سواه من الستة فما ثبت بدليل مقطوع به، بل بالاجتهاد أو بظاهر الكتاب

339
المحتمل للتأويل أو الحديث، فلذا فصل فسمى الدم حراما وذا مكروها ا ه‍.
أقول: وظاهر إطلاق المتون هو الكراهة. قوله: (وقيل تنزيها) قائله صاحب القنية، فإنه ذكر أن
الذكر أو الغدة لو طبخ في المرقة لا تكره المرقة، وكراهة هذه الأشياء كراهة تنزيه لا تحريم ا ه‍.
واختار في الوهبانية ما في القنية وقال: إن فيه فائدتين إحداهما أن الكراهة تنزيهية، والأخرى أنه لا
يكره أكل المرقة واللحم ا ه‍. نقله عنه ابن الشحنة في شرحه وأقره، قوله: (والأول أوجه) لما قدمناه
من استدلال الامام بالآية، وأيضا فكلام صاحب القنية لا يعارض ظاهر المتون وكلام البدائع. قوله:
(من الشاة) ذكر الشاة اتفاقي، لان الحكم لا يختلف في غيرها من المأكولات ط. قوله: (الحياء) هو
الفرج من ذوات الخف والظلف والسباع، وقد يقصر. قاموس. قوله: (والغدة) بضم الغين المعجمة:
كل عقدة في الجسد أطاف بها شحم، وكل قطعة صلبة بين العصب ولا تكون في البطن كما في
القاموس. قوله: (والدم المسفوح) أما الباقي في العروق بعد الذبح فإنه لا يكره. قوله: (في بيت)
وقبله آخر ذكره في المنح وهو:
ويكره أجزاء من الشاة سبعة * فخذها فقد أوضحتها لك بالعدد
قوله: (فقل ذكر الخ) كذا في النسخ، وعليه فالمعدود ستة، والظاهر أن أصل البيت حيا ذكر
الخ. قوله: (وقال غيره) أي بطريق الرمز، ومثله قولي:
إن الذي من المذكاة رمي * بجمعه حروف فخذ مدغم
قوله: (إذ ما ذكيت) بالبناء للمجهول والتاء علامة التأنيث. قوله: (واللقطة) قيده بعضهم بغير
لقطعة الذمي فليس للقاضي إقراضها لقولهم لا يجوز التصدق بها بل يضعها في بيت المال، لان الاقراض
قربة والذمي ليس من أهل القرب ا ه‍. وأطلق في إقراضه اللقطة فشمل إقراضها من الملتقط وغيره،
وقول البحر من الملتقط: الظاهر أنه غير قيد. تأمل. قوله: (بشروط تقدمت في القضاء) حيث قال
من ملئ مؤتمن حيث لا وصي، ولا من يقبله مضاربة ولا مستغلا يشتريه ا ه‍. وقوله: حيث لا وصي،
ذكره صاحب البحر بحثا، وفيه كلام يعلم من محله. قوله: (بخلاف الأب الخ) فإن أقرضوا ضمنوا
لعجزهم عن التحصيل، بخلاف القاضي، ويستثنى إقراضهم للضرورة كحرق ونهب، فيجوز اتفاقا.
بحر كذا ذكره الشارح في القضاء. وما ذكره المصنف من أن الأب كالوصي لا كالقاضي هو أحد
قولين مصححين، وعليه المتون، فكان المعتمد كما أفاده في البحر. قوله: (إلا إذا أنشدها الخ) ذكره
الزيلعي بصيغة ينبغي، فالظاهر أنه بحث منه، لكنه يوهم أنه لا يضمن إذا لم يجز صاحبها كالقاضي،

340
مع أنه لا يمكن إلحاق الاقراض بالتصدق إلا إذا قلنا بالضمان. قوله: (فإقراضه أولى) أي إقرضه من
فقير. زيلعي. قوله: (وظاهر توجيهه الخ) عبارة المنح: وظاهر التوجيه المفهوم من كلام الامام
قاضيخان أن المراد بالمشركين في الشرط المذكور الجميع، فلذا قال في تعليله: لان من المشركين من لا
يعذب، فيمكن أن يراد بهذا البعض من يصدق عليه المشرك في الجملة الخ، فتنبه. قوله: (بهذا
البعض) أي الذي دلت عليه من التبعيضية. قوله: (فإنهم مشركون شرعا) أي بطريق التبعية. منح.
فالمعنى أنهم يعاملون شرعا معاملة آبائهم، أما حكمهم في الآخرة ففيه أقوال عشرة: أحدها أنهم خدم
أهل الجنة، والمشهور عن الامام التوقف. قوله: (لم تصدق الموجبة الكلية) أي فلا يحنث، لأنه علق
الطلاق على كون المشركين جميعا معذبين، ولم يتحقق. منح. أي حملا لآل على الاستغراق. قوله:
(وهل قائل) أي هل يوجد قائل، والجملة بعد مقول القول، وكافر فاعل يدخل. قوله: (ففي البيت
سؤالان) وهما عدم دخول النار كافر ودخول المؤمنين النار. قوله: (ولا يقبل تأويل قائله) مقتضاه أنه
يحكم عليه بالكفر، وفيه نظر لما تقرر أنه لو كان وجوه توجب الكفر ووجه واحد يمنعه فعلى المفتي
الميل لما يمنع، وسيما عند وجود القرينة، فإرادة الألغاز والتعمية كقوله عليه الصلاة والسلام لامرأة
مازحا: إن الجنة لا يدخلها عجوز. قوله: (قلت هذا) أي ما في الشطر الثاني. قوله: (فكيف الأول)
أي ما في المتن المساوي لما في الشطر الأول. قوله: (ثم رأيت شيخنا قال) أي معترضا على المصنف
في حاشية المنح حيث نقل كلام ابن الشحنة، فالضمير في نقله لكلام ابن الشحنة، وفي قضى
ونفسه للمصنف فافهم، لكن كان ينبغي للشارح أن يصرح بأن المصنف نقل كلام ابن الشحنة حتى
يتعين مرجع الضمائر. قوله: (آلمه) بمد الهمزة فعل ماض من الايلام، والجملة صفة لتشديد. قوله:
(وقال أهل النظر) أي المعرفة. منح. قوله: (وحكما) الحكمي بقطع لأكثر ولم يوجد ط. قوله:

341
(حاربهم الامام) كما لو تركوا الاذان. منح. قوله: (ووقته) أي ابتداء وقته، مسكين. أو وقته
المستحب كما نقل عن شرح باكير على الكنز. قوله: (غير معلوم) أي غير مقدر بمدة، وقد عدل
الشارح عما جزم به المصنف كالكنز، ليكون المتن جاريا على قول الإمام كعادة المتون. قوله: (وقيل
: سبع) لأنه يؤمر بالصلاة إذا بلغها فيؤمر بالختان، حتى يكون أبلغ من التنظيف. قاله في الكافي. زاد
في خزانة الأكمل: وإن كان أصغر منه فحسن، وإن كان فوق ذلك قليلا فلا بأس به. وقيل: لا يختن
حتى يبلغ، لأنه للطهارة ولا تجب عليه قبله ط. قوله: (وقيل: عشر) لزيادة أمره بالصلاة إذا بلغها.
قوله: (وهو الأشبه) أي بالفقه. زيلعي. وهذه من صيغ التصحيح. قوله: (وقال أبو حنيفة الخ)
الظاهر أنه لا يخالف ما قبله بناء على قاعدة الامام من عدم التقدير فيما لم يرد به نص من المقدرات
وتفويضها إلى الرأي. تأمل. ونقله عن الامام تأييدا لما اختاره أولا فلا تكرار، فافهم. قوله: (عنهما)
أي عن الصاحبين. قوله: (وختان المرأة) الصواب خفاض لأنه لا يقال في حق المرأة ختان وإنما
يقال: خفاض. حموي. قوله: (بل مكرمة للرجال) لأنه ألذ في الجماع. زيلعي. قوله: (وقيل: سنة)
جزم به البزازي معللا بأنه نص على أن الخنثى تختن، ولو كان ختانها مكرمة لم تختن الخنثى، لاحتمال
أن تكون امرأة، ولكن لا كالسنة في حق الرجال ا ه‍.
أقول: ختان الخنثى لاحتمال كونه رجلا، وختان الرجل لا يترك فلذا كان سنة احتياطا، ولا
يفيد ذلك سنيته للمرأة. تأمل.
وفي كتاب الطهارة من السراج الوهاج: اعلم أن الختان سنة عندنا للرجال والنساء. وقال
الشافعي: واجب. وقال بعضهم: سنة للرجال مستحب للنساء لقوله عليه الصلاة والسلام: ختان
الرجال سنة، وختان النساء مكرمة. لو كان للصبي ذكران: ح فإن كانا عاملين ختنا، ولو أحدهما فقط
ختن خاصة. ويعرف العامل بالبول والانتشار. والخنثى المشكل يختن من الفرجين ليقع اليقين. وأجرة
ختان الصبي على أبيه إن لم يكن له مال والعبد على سيده، ومن بلغ غير مختون أجبره الحاكم عليه، فإن
مات فهو هدر لموته من فعل مأذون فيه شرعا ا ه‍. ملخصا. قوله: (وفي الرسل الخ) صريح في أن
ساما وحنظلة مرسلان ط. قوله: (شيث إدريس) بلا تنوين كسام وهود.
تتمة: قيل: السبب في الختان أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ابتلي بالترويع بذبح ولده أحب

342
أن يجعل لكل واحد ترويعا بقطع عضو وإراقة دم، وابتلي بالصبر على إسلام الآباء أبناءهم تأسيا به
عليه الصلاة والسلام، وقد اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة أو مائة وعشرين، والأول
أصح. وجمع باين الأول من حين النبوة، والثاني من حين الولادة، واختتن بالقدوم. اسم موضع،
وقيل: آلة النجار. وقد اختلف الرواة والحفاظ في ولادة نبينا صلى الله عليه وآله مختونا، ولم يصح فيه شئ، وأطال
الذهبي في رد قول الحاكم أنه تواترت به الرواية، وقد ثبت عندهم ضعف الحديث به. وقال بعض
المحققين من الحفاظ: الأشبه بالصواب أنه لم يولد مختونا. قوله: (وبط قرحته) أي شقها من باب قتل.
قوله: (وغيره) أي غير المذكور من الكي والبط. قوله: (وهرة تضر) كما إذا كانت تأكل الحمام
والدجاج. زيلعي. قوله: (ويذبحها) الظاهر أن الكلب مثلها. تأمل. قوله: (يكره إحراق جراد) أي
تحريما، ومثل القمل البرغوث، ومثل العقرب الحية ط. قوله: (وإلقاء القملة ليس بأدب) لأنها تؤذي
غيره ويورث النسيان، وفيه تعذيب لها بجوعها ط. أما الرغوث فيعيش في التراب. قوله: (وجازت
المسابقة) أي بشرط أن تكون الغاية مما يحتملها الفرس، وأن يكون في كل واحد من الفرسين احتمال
السبق، أما إذا علم أن أحدهما يسبق لا محالة فلا يجوز، لأنه إنما جاز للحاجة إلى الرياضة على خلاف
القياس، وليس في هذا إلا إيجاب المال للعير على نفسه بشرط لا منفعة فيه فلا يجوز ا ه‍. زيلعي.
قوله: (والرمي) أي بالسهام. قوله: (ليرتاض للجهاد) أفاد أنه مندوب كما صرح به في الحظر، وأنه
للتلهي مكروه، وأما حديث: لا تحضر الملائكة شيئا من الملاهي سوى النضال أي الرمي والمسابقة،
فالظاهر أن تسميته لهوا للمشابهة الصورية. تأمل. قوله: (وحرم شرط الجعل من الجانبين) بأن يقول
إن سبق فرسك فلك علي كذا وإن سبق فرسي فلي عليك كذا. زيلعي. قوله: (إلا إذا أدخل محللا)
المناسب أدخلا وصورته أن يقولا لثالث: إن سبقتنا فالمالان لك، وإن سبقناك فلا شئ لنا عليك،
ولكن الشرط الذي شرطاه بينهما وهو أيهما سبق كان له الجعل على صاحبه باق على حاله، فإن غلبهما
أخذ المالين، وإن غلباه فلا شئ لهما عليه، ويأخذ أيهما غلب المال المشروط له من صاحبه زيلعي.
قوله: (بشرطه) وهو أن يكون فرس المحلل كفؤا لفرسيهما يجوز أن يسبق أو يسبق. قوله: (ولا يجوز
الخ) قاله الزيلعي، ومثله في الخانية والذخيرة وغيرهما، لكن جزم الشارح في كتاب الحظر والإباحة
بأن البغل والحمار كالفرس، وعزاه إلى الملتقى والمجمع. قلت: ومثله في المختار والمواهب وغيرهما
أقره المصنف هناك خلافا لما ذكره هنا وتقدم تمام الكلام عليه في كتاب الحظر فراجعه. قوله: (وتمامه
في الزيلعي). حيث ذكر أنه لو قال واحد من الناس لجماعة من الفرسان أو لاثنين من سبق فله كذا

343
من مال نفسه، أو قال للرماة من أصاب الهدف فله كذا جاز، لأنه من باب التنفيل، فإذا كان التنفيل
من بيت المال كالسلب ونحوه يجوز، فما ظنك بخالص ماله؟ وعلى هذا الفقهاء إذا تنازعوا في المسائل،
وشرط للمصيب منهم جعل جاز إذا لم يكن من الجانبين على ما ذكرنا في الخيل، إذ التعلم في البابين
يرجع إلى تقوية الدين وإعلاء كلمة الله تعالى، والمراد بالجواز المذكور في باب المسابقة الحل دون
الاستحقاق، حتى لو امتنع المغلوب من الدفع لا يجبره القاضي ولا يقضي عليه به ا ه‍. قوله: (ولا
يصلى على غير الأنبياء الخ) لان في الصلاة من التعظيم ما ليس في غيرها من الدعوات، وهي زيادة
الرحمة والقرب من الله تعالى، ولا يليق ذلك بمن يتصور منه خطابا والذنوب إلا تبعا بأن يقول: اللهم
صل على محمد وآله وصحبه وسلم، لان فيه تعظيم النبي صلى اله عليه وآله. زيلعي.
واختلف هل تكره تحريما أو تنزيها أو خلاف الأولى؟ وصحح النووي في الأذكار الثاني، لكن
خطبة شرح الأشباه للبيري: من صلى على غيرهم أثم وكره، وهو الصحيح. وفي المستصفى:
وحديث: صلى الله على آل أبي أوفى الصلاة حقه، فلع أن يصلي على غيره ابتداء، أما الغير فلا ا ه‍.
وأما السلام فنقل اللقاني في شرح جوهرة التوحيد عن الامام الجويني أنه في معنى الصلاة، فلا
يستعمل في الغائب ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: علي عليه السلام، وسواء في هذا الاحياء
والأموات، إلا في الحاضر فيقال: السلام أو سلام عليك أو عليكم، وهذا مجمع عليه ا ه‍.
أقول: ومن الحاضر السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والظاهر أن العلة في منع السلام ما
قال النووي في علة منع الصلاة أن ذلك شعار أهل البدع، ولأن ذلك مخصوص على لسان السلف
بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما أن قولنا عز وجل مخصوص بالله تعالى، فلا يقال: محمد عز وجل
وإن كان عزيزا جليلا، ثم قال اللقاني: وقال القاضي عياض: الذي ذهب إليه المحققون وأميل إليه ما
قاله مالك وسفيان واختاره غير واحد من الفقهاء والمتكلمين أنه يجب تخصيص النبي صلى الله عليه وآله وسائر الأنبياء
بالصلاة والتسليم، كما يختص الله سبحانه عند ذكره بالتقديس والتنزيه، ويذكر من سواهم بالغفران
والرضا كما قال الله تعالى: * (رضي الله عنهم ورضوا عنه) * (المائدة: 9) * (يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا
الذين سبقونا بالايمان) * (الحشر: 10) وأيضا فهو أمر لم يكن معروفا في الصدر الأول، وإنما حدثه
الرافضة في بعض الأئمة، والتشبه بأهل البدع منهي عنه فتجب مخالفتهم ا ه‍.
أقول: وكراهة التشبه بأهل البدع مقرر عندنا أيضا، لكن لا مطلقا، بل في المذموم وفيما قصد
به التشبه بهم كما قدمه الشارح في مفسدات الصلاة. قوله: (قولان) قال بعضهم: لا يجوز لأنه ليس
فيه ما يدل على التعظيم مثل الصلاة، ولهذا يجوز أن يدعي به لغير الأنبياء والملائكة عليهم السلام،
وهو مرحوم قطعا، فيكون تحصيل الحاصل وقد استغنينا عن هذه بالصلاة فلا حاجة إليها. وقال
بعضهم: يجوز لان النبي صلى الله عليه وآله كان من أشوق العباد إلى مزيد رحمة الله تعالى، ومعناها معنى الصلاة فلم
يوجد ما يمنع من ذلك. زيلعي. والصحيح الجواز كما ذكره الزيلعي في كتاب الصلاة، وقال في
البحر: وروي عن بعض المشايخ أنه قال: ولا يقول: ارحم محمدا، وأكثر المشايخ على أنه يقوله
للتوارث، وقال السرخسي: لا بأس به لان الأثر ورد به من طريق أبي هريرة وابن عباس، ولأن أحدا

344
وإن جل قدره لا يستغني عن رحمة الله تعالى ا ه‍. قوله: (وجوزه السيوطي تبعا لا استقلالا) أي
مضموما إلى الصلاة والسلام لا وحده، فيجوز اللهم صل على محمد وارحم محمدا، ولا يجوز ارحم
محمدا بدون الصلاة. قوله: (فليكن التوفيق) أي يحمل القول بالجواز على التبعية والقول بعدمه على
الابتداء، ويخالفه ما في البحر حيث قال: ومحل الخلاف في الجواز وعدمه إنما هو فيما يقال مضموما
إلى الصلاة والسلام، كما أفاده شيخ الاسلام ابن حجر، فلذا اتفقوا على أنه لا يقال ابتداء رحمة الله ا
ه‍ ط: وينبغي أن لا يجوز غفر الله له وسامحه لما فيه من إيهام نقص ا ه‍.
أقول: وكذا عفا عنه وإن وقع في القرآن، لان الله تعالى له أن يخاطب عبده بما أراد، كما لا
يليق أن تخاطب الرعية الامراء بما تخاطبهم به الملوك، ولم أرى من تعرض للترحم على الملائكة،
فليراجع. قوله: (ويستحب الترضي للصحابة) لأنهم كانوا يبالغون في طلب الرضا من الله تعالى
ويجتهدون في فعل ما يرضيه، ويرضون بما يلحقهم من الابتلاء من جهته أشد الرضا، فهؤلاء أحق
بالرضا وغيرهم لا يلحق أدناهم ولو أنفق ملء الأرض ذهبا. زيلعي. قوله: (وكذا من اختلف في
نبوته) قال النووي: والذي أراه أن هذا: أي الدعاء بالصلاة لا بأس به، وإن الأرجح أن يقال: رضي
الله عنه لأنه مرتبة غير الأنبياء، ولم يثبت كونهما نبيين ا ه‍. وظاهر قول المتن: ولا يصلى على غير
الأنبياء والملائكة. وكذا كلام القاضي عياض السابق أنه لا يدعي له بالصلاة، لكن ينبغي عدم الاثم به
لشبهة الاختلاف. قوله: (وقيل يقال الخ) أي لتكون الصلاة عليه تبعا فيكون مما لا خلاف فيه، وهو
وجيه كما لا يخفى على النبيه. قوله: (والعباد) بالضم جمع عابد. قوله: (وقال الزيلعي الخ) لا يخالف
ما قبله إلا في قوله: ولمن بعدهم بالمغفرة والتجاوز.
تتمة: يكره الجدل في أن لقمان وذا القرنين وذا الكفل أنبياء أم لا، وينبغي أن لا يسأل الانسان ع
ما لا حاجة إليه كأن يقول: كيف هبط جبريل وعلى أي صورة رآه النبي صلى الله عليه وآله، حين رآه على صورة
البشر هل بقي ملكا أم لا؟ وأين الجنة والنار ومتى الساعة ونزول عيسى؟ وإسماعيل أفضل أم إسحاق
وأيهما الذبيح؟ وفاطمة أفضل من عائشة أم لا؟ وأبوا النبي كانا على أي دين؟ وما دين أبي طالب؟
ومن المهدي؟ إلى غير ذلك مما لا تجب معرفته، ولم يرد التكليف به، ويجب ذكره صلى الله عليه وآله بأسماء معظمه،
فلا يجوز أن يقال إنه فقير غريب مسكين فريد طويل، ويجب تعظيم العرب خصوصا أهل الحرمين
خصوصا أولاد المهاجرين والأنصار خصوصا أولاد الخلفاء الأربعة، مقدسي عن خزانة الأكمل. قوله:
(والاعطاء باسم النيروز والمهرجان) بأن يقال هدية هذا اليوم، ومثل القول النية فيما يظهر ط.

345
والنيروز: أول الربيع، والمهرجان: أول الخريف، وهما يومان يعظمهما بعض الكفرة ويتهادون فيهما.
قوله: (ثم أهدى لمشرك الخ) قال في جامع الفصولين: وهذا بخلاف ما لو اتخذ مجوسي دعوة لحلق
رأس ولده فحضر مسلم دعوته فأهدى إليه شيئا لا يكفر، وحكى أن واحدا من مجوسي سربل كان
كثير المال حسن التعهد بالمسلمين، فاتخذ دعوة لحلق رأس ولده، فشهد دعوته كثير من المسلمين،
وأهدى بعضهم إليه، فشق ذلك على مفتيهم، فكتب إلى أستاذه علي السعدي أن أدرك أهل بلدك فقد
ارتدوا وشهدوا شعار المجوسي، وقص عليه القصة: فكتب إليه: إن إجابة دعوة أهل الذمة مطلقة في
الشرع، ومجازاة الاحسان من المروءة، وحلق الرأس ليس من شعار أهل الضلالة، والحكم بردة المسلم
بهذا القدر لا يمكن، والأولى للمسلمين أن لا يوافقوهم على مثل هذه الأحوال لاظهار الفرح والسرور
ا ه‍. قوله: (والتنعيم) عبارة الزيلعي: والتنعم بتشديد العين. قوله: (ولا بأس) من البؤس: أي لا
شدة عليه من جهة الشرع، أو من البأس وهو الجراءة: أي لا جراءة في مباشرته لأنه أمر مشروع،
وفي هذا دلالة على أن فاعله لا يؤجر ولا يأثم به. حموي عن المفتاح ا ه‍ ط.
أقول: والغالب استعماله فيما تركه أولى. قوله: (القلانس) جمع قلنسوة بفتح القاف: ذات
الآذان تحت العمامة. ط. قوله: (غير حرير الخ) رد على مسكين حيث قال: لفظ الجمع يشمل قلنسوة
الحرير والذهب والفضة والكرباس والسوداء والحمراء. قوله: (وصح أنه عليه الصلاة والسلام لبسها)
كذا في بعض النسخ، ومثله في الدر المنتقى: أي لبس القلانس، وقد عزاه المصنف والزيلعي إلى
الذخيرة، وفي بعض النسخ: وصح أنه حرم لبسها: أي قرنس الحرير والذهب. تأمل. قوله:
(وندب لبس السواد) لان محمدا ذكر في السير الكبير في باب الغنائم حديثا يدل على أن لبس السواد
مستحب، وأن من أراد أن يجدد اللف لعمامته ينبغي له أن ينقضها كورا كورا، فإن ذلك أحسن من
رفعها عن الرأس وإلقائها في الأرض دفعة واحدة، وأن المستحب إرسال ذنب العمامة بين الكتفين.
وتمامه في الزيلعي. قوله: (وقال: إياكم والأحمر) الذي في الزيلعي: إياكم والحمرة فإنها زي الشيطان.
قوله: (ويستحب التجمل الخ) قال عليه الصلاة والسلام: إن الله تعالى إذا أنعم على عبده أحب أن يرى
أثر نعمته عليه وأبو حنيفة كان يتردى برداء قيمته أربعمائة دينار، وكان يأمر أصحابه بذلك ويقول:
فإن الناس ينظرون إليكم بعين الرحمة. ومحمد كان يلبس الثياب النفيسة ويقول: إن لي نساء وجواري

346
فأزين نفسي كيلا ينظرن إلى غيري، قيل للشيخ: أليس عمر رضي الله عنه كان يلبس قميصا عليه كذا
رقعة؟ فقال: فعل ذلك لحكمة هي أنه كان أمير المؤمنين، وعماله يقتدون، وربما لا يكون لهم مال
فيأخذون من المسلمين: ذخيرة ملخصا. قوله: (قيمته ألف دينار) تبع المصنف، والذي في الزيلعي:
ألف درهم. قوله: (وللشاب العالم أن يتقدم الخ) لأنه أفضل منه ولهذا يقدم في الصلاة، وهي أحد
أركان الاسلام، وهي تالية الايمان. زيلعي. وصرح الرملي في فتاواه بحرمة تقدم الجاهل على العالم،
حيث أشعر بنزل درجته عند العامة لمخالفته لقوله تعالى: * (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا
العلم درجات) * إلى أن قال: وهذا مجمع عليه، فالمتقدم ارتكب معصية فيعزر. قوله: (فمن يضعه) أي
يضع العالم. قوله: (وهم أولوا الامر على الأصح) أي من الأقوال في تفسير قوله: * (أطيعوا الله
وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * كما ذكره الزيلعي.
وفي المنح عن البزازية: وقال الزندويستي: حق العالم على الجاهل وحق الأستاذ على التلميذ
واحد على السواء وهو أن لا يفتح الكلام قبله، ولا يجلس مكانه وإن غاب، ولا يرد عليه كلامه،
ولا يتقدم عليه في مشيه، وحق الزوج على الزوجة أكثر من هذا، وهو أن تطيعه في كل مباح، وعن
خلف أنه وقعت زلزلة فأمر الطلبة بالدعاء، فقيل له فيه، فقال: خيرهم خير من خير غيرهم، وشرهم
خير من شر غيرهم. قوله: (جاز في الأصح) وهو مروي عن أبي يوسف، فقد قال: يعجبني أن
تتزين لي امرأتي كما يعجبها أن أتزين لها. والأصح أنه لا بأس به في الحرب وغيره.
واختلفت الرواية في أن النبي صلى الله عليه وآله فعله في عمره، والأصح لا. وفصل في المحيط بين الخضاب
بالسواد، قال عامة المشايخ: أنه مكروه، وبعضهم جوزه مروي عن أبي يوسف، أما بالجمرة فهو سنة
الرجال وسيما المسلمين ا ه‍. منح ملخصا. وفي شرح المشارق للأكمل: والمختار أنه صلى الله عليه وآله خضب في
وقت، وتركه في معظم الأوقات. ومذهبنا أن الصبغ بالحناء والوسمة حسن كما في الخانية. قال
النووي: ومذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصفرة أو حمرة، وتحريم خضابه بالسواد على
الأصح لقول عليه الصلاة والسلام: غيروا هذا الشيب واجتنبوا السواد. ا ه‍. قال الحموي: وهذا في
حق غير الغزاة، ولا يحرم في حقهم للارهاب، ولعله محمل من فعل ذلك من الصحابة ط. قوله:
(كما يجوز أن يأكل متكئا في الصحيح) قدمنا في الحظر أنه لا بأس به في المختار: أي فتركه أولى،
وهذا إذا لم يكن عن تكبر وإلا فيحرم. قوله: (لما روى الخ) الذي في صحيح البخاري وغيره أنه عليه
الصلاة والسلام قال: لا آكل متكئا قال ابن حجر في شرح الشمائل عن النسائي قال: ما رئي النبي
صلى الله عليه وآله يأكل متكئا قط. لكن أخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد، أنه أكل متكئا مرة، فإن صح فهو زيادة

347
مقبولة، ويؤيدها ما أخرجه عن ابن شاهين عن عشاء بن يسار: أن جبريل رأى النبي صلى الله عليه وآله يأكل متكئا
فنهاه. وفسر الأكثرون الاتكاء بالميل على أحد الجانبين لأنه يضر بالآكل، وورد بسند ضعيف: زجر
النبي صلى الله عليه وآله أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الاكل، قال مالك رحمه الله: وهو نوع من الاتكاء،
وفيه إشارة إلى أنه لا يختص بصفة بعينها ا ه‍. ملخصا. وبه علم أنه ثبت أنه صلى الله عليه وآله أكل متكئا فقد تركه لما نهي عنه، فليس فيه دليل على الجواز. نعم ذكر بعض الشافعية أنه خاص به عليه الصلاة والسلام،
والأصح عندهم أنه عام. قال العلقمي في شرح الجامع الصغير اختلف في صفة الاتكاء، فقيل أن
يتمكن في الجلوس للاكل على أي صفة كان، وقيل أن يميل على أحد شقيه، وقيل: أن يعتمد على يده
اليسرى من الأرض، والأول المعتمد وهو شامل للقولين. والحكمة في تركه أنه من فعل ملوك العجم
والمتعظمين، وأنه ادعى إلى كثرة الاكل، وأحسن الجلسات للاكل الاقعاء على الوركين ونصب
الركبتين، ثم الجثي على الركبتين وظهور القدمين، ثم نصب الرجل اليمنى والجلوس على اليسرى.
وتمامه فيه. قوله: (وإذا خرج من بلدة بها الطاعون) المناسب زيادة أو دخل ليناسب ما بعده ط. قوله:
(ليس له ذلك) هذا في غير الجهاد المتعين، لان نفعه للمسلمين أكثر ثوابا من الجهاد حيث كان بهذه
الصفة. قوله: (قضى المديون الخ) أفاد أن الدين إذا كان مؤجلا فقضاه المديون قبل حلول الا جبل يجبر
الدائن على القبول كما في الخانية. قوله: (لا يأخذ من المرابحة الخ) صورته: اشترى شيئا بعشرة نقدا
وباعه لآخر بعشرين إلى أجل هو عشرة أشهر، فإذا قضاه بعد تمام أو مات بعدها يأخذ خمسة،
ويترك خمسة ط.
أقول: والظاهر أم مثله ما لو أقرضه وباعه سلعة بثمن معلوم وأجل ذلك، فيحسب له من ثمن
السلعة بقدر ما مضى فقط. تأمل. قوله: (وعلله الخ) علله الحانوتي بالتباعد عن شبهة الربا، لأنها في
باب الربا ملحقة بالحقيقة، ووجه أن الربح في مقابلة الاجل، لأنه الاجل وإن لم يكن مالا ولا يقابله
شئ من الثمن لكن اعتبروه مالا في المرابحة إذا ذكر الاجل بمقابلة زيادة الثمن، فلو أخذ كل الثمن
قبل الحلول كان أخذه بلا عوض. والله سبحانه وتعالى أعلم.

348
كتاب الفرائض
مناسبته للوصية أنها أخت الميراث، ولوقوعها في مرض الموت، وقسمة الميراث بعده ولذا أخر
عنها، ثم الفرائض جمع فريضة، وهي ما يفترض على المكلف، وفرائض الإبل ما يفرض كنت مخاض
في خمسة وعشرين، وقد سمي بها كل مقدر فقيل لأنصباء المواريث فرائض، لأنها مقدرة لأصحابها،
ثم قيل للعلم بمسائل الميراث علم الفرائض، للعالم به فرضي وفارض وفراض. مغرب. قوله: (هي
علم بأصول الخ) أي قواعد وضوابط تعرف: أي تلك الأصول حق كل: أي كل واحد من الورثة:
أي قدر ما يستحقه من التركة، ولا يخفى أن من تلك الأصول الموصوفة بما ذكر الأصول المتعلقة بالمنع
من الميراث والحجب، بل هي العمدة في ذلك، إذ بدونها لا تعرف الحقوق، ولذا قالوا: من لا مهارة
له بها لا يحل له أن يقسم فريضة، ودخل فيها معرفة كون الوارث ذا فرض أو عصبة أو ذا رحم،
ومعرفة أسباب الميراث والضرب والتصحيح والعول والرد وغير ذلك، فافهم.
والمراد بالفرائض السهام المقدرة كما مر فيدخل فيه العصبات وذو الرحم لان سهامهم مقدرة وإن
كانت بتقدير غير صريح، وموضوعة: التركات، وغايته: إيصال الحقوق لأربابها، وأركانه ثلاثة:
وارث، ومورث، وموروث. وشروطه ثلاثة: موت مورث حقيقة، أو حكما كمفقود، أو تقديرا
كجنين فيه غرة ووجود وارثه عند موته حيا حقيقة، أو تقديرا كالحمل والعلم بجهل إرثه. وأسبابه
وموانعه ستأتي، وأصوله ثلاث: الكتاب، والسنة في إرث (1) أم الام بشهادة المغيرة وابن سلمة،
وإجماع الأمة في إرث أم الأب باجتهاد عمر رضي الله تعالى عنه في عموم الاجماع، وعليه الاجماع،
ولا مدخل للقياس هنا خلافا لمن زعمه في أم الأب، وقد علمت جوابه واستمداده من هذه
الأصول. أفاده في الدر المنتقى. قوله: (لان الله تعالى قسمه) الأولى قدره كما قال الزيلعي لأنه معنى
الفرض تأمل. قوله: (بنفسه) أي ولم يفوض تقديره إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل، بخلاف سائر الأحكام
كالصلاة والزكاة والحج وغيرها، فإن النصوص فيها مجملة كقوله تعالى: * (أقيموا الصلاة وآتوا
الزكاة) * (الحج: 78)، * (ولله على الناس حج البيت) * (آل عمران: 97)، وإنما السنة بينتها. زيلعي. قوله:
(لثبوته بالنص لا غير) أراد بالنص ما يشمل الاجماع، واحترز به على القياس، فإنه لا يجري في
المواريث لأنه لا مال له في المقدرات لخفاء وجه الحكمة في التخصيص بمقدار دون آخر، ثم إن هذا
علة للعلة، والأولى أن يقول: أو لثبوته فيكون علة ثانية لتسميته نصف العلم، وقيل: وجه التسمية
غير ما ذكره، وقيل: إنه مما لا يدرك معناه فتصدق بأنه نصف العلم، ولا نبحث عن وجهه.



(1) قوله: (في إرث الام بشهادة إلخ) أي بشهادتهما لدى عمر على توريث النبي صلى الله عليه وآله لام الام ولم يرد توريثهما في كتاب
الله تعالى ا ه‍.
349
ثم اعلم أن ما ذكره من الأوجه مبني على أن النصف يراد به أحد قسمي الشئ، فإن كل شئ
تحته نوعان، أحدهما نصف له وإن لم يتحد عددهما، ومنه حديث أحمد الطهور نصف الايمان وقول
العرب: نصف السنة حضر ونصفها سفر: أي تنقسم زمانين وإن تفاوتت عدتهما، وقول شريح وقد
قيل له كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت ونصف الناس علي غضبان، يريد أنهم بين محكوم له راض
ومحكوم عليه غضبان. وقول الشاعر:
إذا مت كان الناس نصفان شامت * وآخر راض بالذي كنت أصنع
وقول مجاهد: المضمضة والاستنشاق نصف الوضوء: أي أنه نوعان مطهر لبعض الباطن،
ومطهر لبعض الظاهر. أفاده ابن حجر في شرح الأربعين. قوله: (بالنص) أرد به ما يعم الاجماع.
قوله: (أو بالضروري) أي الإرث، والاختياري كالبيع والشراء وقبول الهبة والوصية. قوله: (وهل
إرث الحي من الحي الخ) أي قبيل الموت في آخر جزء من أجزاء حياته، والأول قول زفر ومشايخ
العراق، والثاني قول الصاحبين، وثمرة الخلاف فيما لو تزوج بأمه مورثه ولا وارث غيره فقال لها إذا
مات مولاك فأنت حرة، فعلى الأول تعتق لأنه أضاف العتق إلى الموت والملك ثابت له قبله، وعلى
الثاني لا تعتق لثبوت الملك بعده أفاده في شرح الوهبانية. وتظهر الثمرة أيضا فيما لو علق الوارث
طلاقها بموت مولاها كما نص عليه البيري عن السراجية.
أقول: وبه تظهر فائدة تصويرها بالزوج، وإلا فتعليق العتق لا يتوقف على الزوجية. تأمل.
قوله: (المعتمد الثاني) وكذا ذكر الطرابلسي في سكب الأنهر أن عليه المعول، لكن ذكر في الدر المنتقى
عن التتارخانية أن الاعتماد على الأول. قوله: (الخالية الخ) صفة كاشفة، لان التركة في الاصطلاح ما
تركه الميت من الأموال صافيا عن تعلق حق الغير بعين من الأموال كما في شروح السراجية.
واعلم أنه يدخل التركة الدية الواجبة بالقتل الخطأ أو بالصلح عن العمد أو بانقلاب
القصاص مالا بعفو بعض الأولياء، فتقضى منه ديون الميت وتنفذ وصاياه كما في الذخيرة. قوله:
(بعينها) متعلق بقوله: تعلق. قوله: (كالرهن الخ) مثال للعين التي تعلق بها حق الغير، فإذا رهن
شيئا وسلمه ولم يترك غيره فدين المرتهن مقدم على التجهيز، فإن فضل بعده شئ صرف إليه. قوله:
(والعبد الجاني) أي في حياة مولاه ولا مال له سواه فإن المجني عليه أحق به من المولى، إلا أن يفضل
بعد أرش الجناية شئ.
تنبيه: لو كان العبد الجاني هو المرهون قد حق المجني عليه، لأنه أقوى لثبوته على ذمة العبد،
وحق المرتهن في ذمة الراهن ومتعلق برقبة العبد لا في ذمته، ذكره يعقوب باشا في حاشية شرح
السراجية للسيد الشريف. قوله: (والمأذون المديون) أي فإذا مات المولى ولا مال له سواه قدم الغرماء
على التجهيز. قوله: (والمبيع المحبوس بالثمن) كما لو اشترى عبدا ولم يقبضه فمات قبل نقد الثمن،
فالبائع أحق بالعبد من تجهيز المشتري.

350
قال يعقوب باشا: أما إذا كان المبيع في يد المشتري ومات عاجزا عن أداء الثمن فإنه يبدأ
برجوعه لا مطلقا، بل إذا لم يتعلق به شئ من الحقوق اللازمة كما إذا كاتبه المشتري أو رهنه أو
استولده أو جنى ذلك المبيع على غيره، فإنه حينئذ لم يثبت له حق الرجوع لمانع قوي، حتى لو عجز
المكاتب وعاد إلى الرق أو فك الرهن أو فدى من الجناية، فله الرجوع لزوال ذلك المانع ا ه‍. ونقل مثله ط عن حاشية عجم زاده على شرح السيد. ثم قال: وانظر هذا مع قولهم أن البائع أسوة الغرماء
فيه عندنا: ا ه‍: أي فيما إذا قبض المشتري المبيع ولم يذكروا فيه إلا خلاف الشافعي كما تقدم قبيل خيار
الشرط، والظاهر أن ما ذكر هنا مأخوذ من كتب الشافعية فلينتبه له. قوله: (والدار المستأجرة) فإنه إذا
أعطى الأجرة أولا ثم مات الآجر صارت الدار هنا بالأجرة سيد. قال ط: وزاد في روح الشروح على
ما ذكر العبد الذي جعل مهرا: يعني إذا مات الزوج وهو في يده ولا مال له سواه أي فإن الزوجة تقدم
على تجهيز الزوج، والمقبوض بالبيع الفاسد إذا مات البائع قبل الفسخ: أي فإن المشتري مقدم على تجهيز
البائع. قوله: (وإنما قدمت الخ) أي هذه الحقوق المتعلقة بهذه الأعيان، وأصل أن كل حق يقدم في
الحياة يقدم في الوفاة. در منتقى. وتقديمها على التجهيز هو الذي جزم به في المعراج وكذا شراح
الكنز والسراجية، بل حكى بعض شراح السراجية الاتفاق عليه، فما ذكره مسكين من أن ذلك رواية
وأن الصحيح تقديم التجهيز قال في الدر المنتقى: منظور فيه، بل تعليلهم يفيد أنه ليس بتركة أصلا إ
ه‍: أي فلا يرد على إطلاق المتون من أنه يبدأ من التركة بالتجهيز. قوله: (بتجهيزه) وكذا تجهيز من
تلزمه نفقته، كولد مات قبله ولو بلحظة وكزوجته ولو غنية على المعتمد. در منتقى. قوله: (يعم
التكفين) كأنه يشير إلى أن قول السراجية: يبدأ بتكفينه وتجهيزه من عطف العام على الخاص. قوله:
(من غير تقتير ولا تبذير) التقتير هو التقصير، والتبذير يستعمل في المشهور بمعنى الاسراف،
والتحقيق أن بينهما فرقا، وهو أن الاسراف صرف الشئ فيما ينبغي زائدا على ما ينبغي، والتبذير
صرفه فيما لا ينبغي. صرح به الكرماني في شرح البخاري يعقوب. وعليه فالمناسب التعبير بالاسراف
بدل التبذير وموافقا لقوله تعالى: * (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) * (الفرقان: 67) لكنه راعى
المشهور. قوله: (ككفن السنة) أي من حيث العدد، وقوله: أو قدر ما كان يلبسه في حياته أي من
حيث القيمة، وأو بمعنى الواو، قال في سكب الأنهر: ثم الاسراف نوعان من حيث العدد بأن يزاد
في الرجل على ثلاثة أبواب، وفي المرأة على خمسة ومن حيث القيمة، بأن يكفن فيما قيمته تسعون
وقيمة ما يلبسه في حياته ستون مثلا، والتقتير أيضا نوعان عكس الاسراف عددا وقيمة إ ه‍. وهذا إذا
لم يوص بذلك، فلو أوصى تعتبر الزيادة على كفن المثل من الثلث، وكذا لو تبرع الورثة به أو أجنبي،
فلا بأس بالزيادة من حيث القيمة لا العدد، وهل للغرماء المنع من كفن المثل؟ قولان: والصحيح نعم.
در منتقى: أي فيكفن بكفن الكفاية وهو ثوبان للرجل وثلاثة للمرأة. ابن كمال. قوله: (أو قدر
ما كان يلبسه في حياته) أي من أوسط ثيابه، أو من الذي يتزين به في
الأعياد والجمع والزيارات على
ما اختلفوا فيه. زيلعي. قوله: (ولو هلك كفنه الخ) قال في سكب الأنهر: وإذ نبش قبر الميت وأخذ
كفنه يكفن في ثلاثة أثواب ولو ثالثا أو رابعا ما دام طريا، ولا يعاد غسله ولا الصلاة عليه وإن
تفسخ يلف في ثوب واحد كل ذلك من أصل ماله عندنا، وإن كان عليه دين إلا أن يكون الغرماء قد

351
قبضوا التركة، فلا يسترد منهم، وإن كان قد قسم ماله فعلى كل وارث بقدر نصيبه دون الغرماء،
وأصحاب الوصايا لأنهم أجانب ولا تجبر الورثة على قبول كفن متبرع لان فيه لحوق العار بهم، إلا إذا
كان الورثة صغارا، فحينئذ لو رأى الامام مصلحة يقبل إلا أن يختاروا القيام بأنفسهم، فحينئذ هم أولى
به ا ه‍: أي إلا أن يختار الكبار منهم. تأمل. قوله: (ويقدم دين الصحة) هو ما كان ثابتا بالبينة مطلقا
أو بالاقرار في حال الصحة ط. وقد يرجح بعضه على بعض كدين الأجنبي على مكاتب مات عن وفاء
يقدم على دين المولى، وكالدين الثابت على نصراني بشهادة المسلمين فإنه مقدم على الثابت بشهادة أهل
الذمة عليه، والدين الثابت بدعوى المسلم عليه يقدم على الدين الثابت عليه بدعوى كافر إذا كان
شهودهما كافرين أو شهود الكافر فقط، أما إذا كان شهودهما مسلمين أو شهود الكافر فقط فهما سواء،
كما في حاشية البحر للرملي من كتاب الشهادات، فافهم. قوله: (على دين المرض) هو ما كان ثابتا
بإقراره في مرضه أو فيما هو في حكم المرض، كإقرار من خرج للمبارزة أو أخرج للقتل قصاصا أو
ليرجم. ط عن عجم زاده. قوله: (إن جهل سببه) أما إذا علم بأن أقر في مرضه بدين علم ثبوته
بطريق المعاينة، كما يجب بدلا عن مال ملكه أو استهلكه كان ذلك بالحقيقة من دين الصحة إذ قد علم
وجوبه بغير إقراره، فلذلك ساواه في الحكم ا ه‍. سيد. قوله: (وأما دين الله تعالى الخ) محترز قوله
: من جهة العباد وذلك كالزكاة والكفارات ونحوها. قال الزيلعي: فإنها تسقط بالموت فلا يلزم الورثة
أداؤها إلا إذا أوصى بها أو تبرعوا بها هم من عندهم لان الركن في العبادات نية المكلف وفعله، وقد
فات بموته فلا يتصور بقاء الواجب ا ه‍. وتمامه فيه.
أقول: وظاهر التعليل أن الورثة لو تبرعوا بها لا يسقط الواجب عنه لعدم النية منه، ولأن فعلهم
لا يقوم مقام فعله بدون إذنه. تأمل. قوله: (من ثلث الباقي) أي الفاضل عن الحقوق المتقدمة، وعن
دين العبادة فإنه يقدم لو اجتمع مع دين الله تعالى، لأنه تعالى هو الغني ونحن الفقراء كما في الدر
المنتقى. قوله: (ثم تقدمت وصيته) أي على القسمة بين الورثة. قال الزيلعي: ثم هذا ليس بتقديم على
الورثة في المعنى بل هو شريك لهم، حتى إذا سلم له شئ سلم للورثة ضعفه أو أكثر، ولا بد من
ذلك، وهذا ليس بتقديم في الحقيقة، بخلاف التجهيز والدين فإن الورثة والموصى له لا يأخذون إلا ما
فضل عنهما ا ه‍. قوله: (ولو مطبقة على الصحيح) كذا قاله السيد غيره. ثم قال: وقال شيخ
الاسلام خواهر زاده: إن كانت معينة كانت مقدمة عليه، وإن كانت مطلقة كأن يوصي بثلث ماله أو
ربعه كانت في معنى الميراث لشيوعها في التركة فيكون الموصى له شريكا للورثة لا مقدما عليهم،
ويدل على شيوع حقه كحق الوارث أنه إذا زاد المال بعد الوصية زاد في علي الحقين، وإذا نقض نقض
عنهما، حتى إذا كان ماله حال الوصية مثلا ألفا ثم صار ألفين فله ثلث الألفين، وإن انعكس فله ثلث
الألف ا ه‍.
قال الأكمل: ولعل الصواب معه، فإن التقديم إنما يتصور فيه بجعل حق الموصى له متعلقا
بالصورة والمعنى إذا خرج من الثلث فيمنع تعلق حق الوارث بصورته، فكان ذلك تقديما على الورثة،

352
وأما إذا كانت مطلقة فلا يتصور هناك تقديم ا ه‍. قوله: (خلافا لما اختاره في الاختيار) أي من قول
شيخ الاسلام المتقدم ونصه: فإن كانت الوصية بعين تعتبر من الثلث وتنفذ، وإن كانت بجزء شائع
كالثلث والربع فالموصى له شريك للورثة يزداد نصيبه بزيادة التركة وينقص بنقصها بحسب المال،
ويخرج نصيب الموصى له كما يخرج نصيب الوارث ويقدم على قسمة التركة بين الورثة لما تلونا ا ه‍.
والحاصل: أنه لا خلاف في تقديم الوصي بعين كالدار والثوب مثلا، بمعنى أنها إذا خرجت
من الثلث فلا حق للورثة فيها، فتفرز وحدها ويقسم بين الورثة ما سواها. وأما الوصية المطلقة: فمن
نظر إلى أنها شائعة في التركة بزيادتها، وبالعكس قال: لا تقديم فيها بل الموصى له شريك للورثة
دائما، بمعنى أنه لا يمكن أن ينفرد بالأخذ وإن استغرق التركة، بخلاف الدين ونحوه، ومن نظر إلى
أن قسمة الميراث لا تكون إلا بعد إخراج نصيب الموصى له قال: إنها مقدمة، لأنه لو لم يفرز نصيبه
أولا بل اعتبر شريكا مع الورثة لزم أن يقسم له معهم كأنه واحد منهم له ثلث التركة مثلا ويلزم منه
الخلل، ومثلا لو تركت زوجا وأختين شقيقتين وأوصت بالثلث لزيد فيخرج الثلث الموصى به أولا،
فيأخذ زيد واحدا من ثلاثة ثم يقسم الباقي من سبعة: للزوج ثلاثة، وللشقيقتين أربعة، وإلا لزم أن
تقسم التركة من تسعة، فيأخذ الموصى له اثنين، والزوج ثلاثة، والشقيقتان أربعة، فينقص نصيب
الموصى له، وأنت إذا حققت النظر يظهر لك أن الخلاف لفظي، لان كل واحد من أصحاب القولين
يسلم ما قاله الآخر، وإنما النزاع في أن إخراج نصيب الموصى له أولا هل يسمى تقديما أم لا؟ ويدل
عليه كلام الزيلعي السابق، وكذا كلام صاحب الاختيار فإنه شيخ الاسلام في القول بالمشاركة،
ثم ذكر أن نصيب الموصى له يقدم على قسمة التركة، فقد جمع بين المشاركة والتقديم، فاغتنم هذا
التحقيق الذي هو بالقبول حقيق، والله تعالى ولي التوفيق. قوله: (في الآية) أي قوله تعالى: * (من بعد
وصية يوصي بها أن دين) * (النساء: 11). قوله: (لكونها مظنة التفريط) لأنها مأخوذة بلا عوض فتشق
على الورثة، ولا تطيب نفوسهم بها، بخلاف الدين أو لكونها برا وطاعة، والدين مذموم غالبا ولذا
استعاذ منه عليه الصلاة والسلام، أو لان حكمها كان مجهولا عند المخاطبين، بخلاف الدين وتمامه
في سكب الأنهر عن الزمخشري. قوله: (بل خامسا) باعتبار البداءة قبل التجهيز بعين تعلق بها حق
الغير، لكن تقدم أنها ليست من التركة، والمراد بيان الحقوق المتعلقة بالتركة فهي حينئذ أربعة. قوله:
(يقسم الباقي) لم يقل يقدم كما قال في سابقه لأنه آخر الحقوق فلم يبق ما يقدم عليه. قوله: (أي
الدين ثبت إرثهم بالكتاب) أي القرآن، وهم الأبوان والزوجان والبنون والبنات والاخوة والأخوات.
قوله: (أو السنة) أو هنا وفيما بعده مانعة الخلو فتصدق باجتماع الثلاثة، والمراد بالسنة ما روي عن
النبي صلى الله عليه وآله، سواء كان فعلا كبنت الابن والأخوات لأبوين، أو لأب مع البنت الصلبية والجدة أم الام،
أو وقلا كما مثل الشارح، أفاده في سكب الأنهر. قوله: (أو الاجماع) أي اتفاق رأي المجتهدين من أمة
محمد صلى الله عليه وآله في عصر ما على حكم شرعي. وقيل: المراد به هنا: قول مجتهد واحد، من إطلاق اسم الكل
على الجزء كإطلاق القرآن على كل آية منه، ليشمل من اختلف في وراثته كذوي الأرحام، وفيه نظر
لأنه يخرج عنه ما اتفق عليه رأي المجتهدين، ولأن من اختلف في وراثته دليله عند القائل به الكتاب أو

353
السنة فلا حاجة إلى التأويل. قوله: (فجعل الجد كالأب الخ) وكجعل الجدة كالأم وبنت الابن كالبنت
الصلبية والأخ لأب كالشقيق والأخت لأب كالشقيقة. سكب الأنهر. قوله: (ويستحق) بالبناء
للمجهول أو للمعلوم، وضميره للوارث المفهوم من المقام. قوله: (بأحد ثلاثة) يعني أن كل واحد منها
علة للاستحقاق بمعنى أنه لا يلزم اجتماع الثلاثة أو بعضها فلا ينافي حصول الاستحقاق باثنين منها
كزوجة هي بنت عم أو معتقة فيرث منها الزوج النصف بالزوجية والباقي بالتعصيب أو الولاء،
فافهم. قوله: (ونكاح صحيح) ولو بلا وطئ ولا خلوة إجماعا. در منتقى. قوله: (فلا توارث بفاسد)
هو ما فقد شرطا من شروط الصحة كشهود، ولا باطل كنكاح المتعة والمؤقت وإن جهلت المدة أو
طالت في الأصح كما مر في محله. قوله: (وولاء) أي بنوعية: عتاق، وموالاة. قوله: (والمستحقون
للتركة عشرة أصناف) جمعها العلامة محمد بن الشحنة على هذا الترتيب في منظومته الفرضية التي
شرحها شيخ مشايخنا الفقيه إبراهيم السائحاني، فقال:
يعطى ذوو الفروض ثم العصبة * ثم الذي جاد بعتق الرقبة
ثم الذي يعصبه كالجد * ثم ذوو الأرحام بعد الرد
ثم محمل ورا موال * ثم مزاد ثم بيت المال
وأراد بالمحمل من أقر له بنسب محمل على الغير، وبالمزاد الموصى له بما زاد على الثلث. أقول:
وحيث ذكر عصبة المعتق فالمناسب ذكر عصبة الموالي: أي مولى الموالاة أيضا، فإنهم يرثون بعده أيضا
كما يأتي، فالأصناف أحد عشر.
تنبيه: قيد بالتركة لان الإرث يجري في الأعيان المالية، أما الحقوق فمنها ما يورث كحق حبس
المبيع وحبس الرهن، ومنها ما لا يورث كحق الشفعة وخيار الشرط وحد القذف والنكاح: أي حق
التزويج، كما لو مات الشقيق عن ابن وثم أخ لأب فالحق للأخ لا للابن والولايات والعواري
والودائع، كما لو مات المستعير لا يكون وارثه مستعيرا، وكذا المودع، وكذا الرجوع عن الهبة، وكذا
الولاء كأن يكون للمعتق ابنان فمات أحدهما بعده عن ابن فالولاء للابن الباقي، فلو مات هذا عن
ابنين فالولاء بينهما وبين ابن الابن الأول أثلاثا كأنهم ورثوا من جدهم لا من آبائهم وأجمعوا على أن
خيار القبول لا يورث، وكذا الإجارة في بيع الفضولي، وكذا الاجل.
واختلفوا في خيار العيب: فقيل يورث واقتصر عليه في الدرر، وادعى شارح الطحاوي الاجماع
عليه، وقيل: يثبت للوارث ابتداء، وكذا الخلاف في القصاص. وأما خيار الرؤية فالصحيح أنه يورث،
وأما خيار التعيين كما لو اشترى عبدين على أنه بالخيار في أحدهما فاتفقوا على أنه يثبت للوارث ابتداء،
وكذا خيار الوصف ينتقل إلى الوارث إجماعا كما في الفتح، ويؤخذ منه أن خيار التغرير يورث لأنه
يشبه فوات الوصف، وإليه مال العلامة المقدسي، ومال صاحب التنوير إلى خلافه، لكنه مال في
منظومته الفقهية إلى الأول ا ه‍ ملخصا من الأشباه وشرحها لشيخنا العلامة البعلي. قوله: (أي السهام

354
المقدرة) هي النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. (سراج). قوله: (ثلاثة من الرجال) هم
الأب والجد والأخ لام ح. قوله: (وسبعة من النساء) هن البنت وبنت الابن والأخت الشقيقة
والأخت لأب والأخت لام والام والجدة ح. قوله: (فيستوي فيه الواحد والجمع) لما تقرر أن أل
تبطل معنى الجمعية بحيث يتناول كل واحد كالفرد حتى لو قال والله لا أتزوج النساء يحنث بتزوج
واحدة، وإذا قال نساء لا يحنث إلا بثلاث. يعقوب: قوله: (وجمعه للازدواج) جواب سؤال تقديره:
أنه كان الأخضر التعبير بالعصبة مفردا كما عبر في قسيمه وهو العصبة السببية والجنسية فيه أظهر.
والجواب: أنه جمعه لفظا وإن لم يكن معنى الجمع مراد التزاوج بينه وبين قوله بذوي الفروض
حيث ذكره بلفظ الجمع، أو يقال جمعه لتعدد أنواعه من عصبة بنفسه وبغيره ومع غيره كما يأتي بيانه،
وقد يقال: إن الداعي إلى إبطال معنى الجمعية أنه لا يشترط في تقديمه على المعتق تعدد، بل يقدم ولو
واحدا، بخلاف أصحاب الفروض فإنه ليس فيهم من يتقدم وحده على العصبة، بمعنى أنه لا يرث
معه العصبة، إذ ليس في أصحاب الفروض من يحرز كل المال وحده بالفرضية، وإن كان يتقدم عليه
بمعنى آخر وهو أنه لا يعطي للعصبة إلا ما أبقاه له صاحب الفرض. فتأمل. قوله: (أنها أقوى) علة
للتقديم المستفاد من ثم ومن متعلق الجار. قال السيد: فإن العصوبة النسبية أقوى من السببية، يرشدك
ذلك أن أصحاب الفروض النسبية يرد عليهم دون أصحاب الفروض السببية: أعني الزوجين.
قوله: (ثم بالمعتق) الأولى قول السراجية: مولى العتاقة ليشمل الاختيارية بأن عتق عليه بلفظ إعتاق أو
فرعه من تدبير أو غيره، أو بشراء ذي رحم محرم منه، والاضطرارية بأن ورث ذا رحم محرم منه فعتق
عليه، والمراد جنس مولى العتاقة، فيشمل المتعدد والمنفرد كما يشمل الذكر والأنثى المعتق بواسطة
كمعتق المعتق على ما يأتي قريبا وكمعتق الأب، ويشمل أيضا كما قال ابن كمال: المعروف والمقر له،
ويقدم المعروف على المقر له، ويشترط في صحته أن لا يكون للمقر مولى عتاقة معروفة، وأن لا يكون
مكذبا شرعا ا ه‍.
تنبيه: مهم شرط ثبوت الولاء أن لا تكون الام حرة الأصل بمعنى عدم الرق فيها ولا في
أصلها، كانت فلا ولاء على ولدها وإن كان الأب معتقا كما في البدائع. فإذا تزوج العتيق حرة
الأصل فلا ولاء على أولاده تغليبا للحرية كما في سكب الأنهر عن الدرر وغيرها. وتمامه فيه، وفيما
قدمناه في كتاب الولاء فاحفظه فإنه مزلة الاقدام. قوله: (وهو العصبة السببية) خاص بالمعتق دون
عصبته، وليس كذلك بل العصبة السببية مجموعهما كما في شرح السراجية للعلامة ابن الحنبلي، وعليه
كلام الشارح الآتي في فصل العصبات، وما أوهمه كلام السيد من خلاف ذلك أجاب عنه يعقوب،
فكان على الشارح أن يقول بعد قوله: ثم عصبته الذكور وهما العصب السببية بضمير التثنية. قوله:
(ثم عصبته الذكور) أي العصبة بنفسه، فيكون من الذكور قطعا، وكونه عصبة بنفسه لمولى العتاقة لا
ينافي كونه عصبة سببية للميت كما قال ابن الحنبلي، فلو ترك العتيق ابن سيده وبنته فالإرث للابن
فقط، ولو ترك بنت سيده وأخته فلا حق لهما فيه. قوله: (لأنه الخ) علة للتقييد بالذكور الذي قال
السيد أنه لا بد منه، ولكن هذا مبني على أن المراد بالمعتق ما يشمل القريب والبعيد كالمعتق ومعتق

355
المعتق، وهكذا ذكرا أو اثنى. أما إذا أريد به ما هو المتبادر منه وهو المعتق القريب فلا حاجة إلى
التقييد به، ويكون المراد بعصبته العصبة السببية من الذكور والإناث كمعتق ومعتقة المعتق
والعصبة النسبية أيضا. لكن لا بد في الثاني من كونه عصبة بالنفس، فيكون من الذكور قطعا كما مر
دون العصبة بالغير أو مع الغير للحديث المذكور.
تنبيه: اقتصاره على المعتق وعصبته يفيد أنه لو كان لعصبة المعتق عصبة فلا ميراث له، بيانه: امرأة
أعتقت عبدا ثم ماتت عن زوج وابن منه، ثم مات العتيق فالميراث لابنها لأنه عصبتها، فلو مات الابن
قبل العتيق فلا ميراث لزوجها لأنه عصبة عصبتها، وأما إذا أعتق رجل عبدا ثم العبد أعتق آخر ثم
الآخر أعتق آخر ومات العتيق الثالث وترك اعصبة المعتق الأول فإنه يرثه وإن كان في صورة عصبة
عصبة المعتق، لكن لا لذلك، بل لان العتيق الأول جر ولاء هذا الميت فيرثه عصبة العتيق الأول لقيامه
مقام المعتق الأول للحديث إ ه‍. ملخصا من الذخيرة في باب الولاء. وقدمناه هناك، وسيأتي تمام كلام
على الحديث. قوله: (ثم الرد) أي عند عدم تقدم ذكره من العصبات يرد الباقي من أصحاب
الفروض على ذوي الفروض النسبية، واحترز به عن ذوي الفروض السببية كالزوجين، لان سبب الرد
هو القرابة الباقية بعد أخذ الفرض، وقرابة الزوجية حكمية لا تبقى بعد أخذ الفرض فلا رد لانتفاء
سببه. أفاده يعقوب. لكن سيأتي عن الأشباه، وتقدم في الولاء أنه يرد عليهما في زماننا. ويأتي تمامه
إن شاء الله تعالى. قوله: (بقدر حقوقهم) أي قدرا نسبيا لا عدديا، لان ما يعطى من الرد قد يكون أقل
مما يعطى من الفرض، كما في أختين وأبوين وأخت لام، ومساويا كما في أختين لام وأم وأكثر، كما
في أخت لأم وجدة، وطريق النسبة أن من له النصف فرضا له بقدر سهام النصف من الرد، ومن له
الثلث كذلك، فكذلك مثلا إذا ترك أختا شقيقة، وأما فالمسألة من ستة نصفها وهو ثلاثة للشقيقة،
وثلثها وهو اثنان للام، وجملة السهام خمسة بقي واحد يرد عليهما بنسب سهامهما، وقد كان للشقيق
ثلاثة أخماس الوحد وللأم اثنان فلها خمسا الواحد، وترجع مسألة الرد إلى خمسة كما يأتي بيانه في محله.
قوله: (ثم ذوي الأرحام) أي يبدأ بهم عند عدم ذوي الفروض النسبية والعصبات فيأخذون كل المال،
وما بقي عن أحد الزوجين لعدم الرد عليهما. قوله: (ثم بعدهم) أي إذ فقد ذووا الأرحام يقدم مولى
الموالاة: أي القابل موالاة الميت حين قال له: أنت مولاي ترثني إذا مت وتعقل عني إذا جنيت ولم يكن
من العرب ولا من معاتيقهم ولا له وارث نسبي ولا عقل عنه بيت المال أو مولى موالاة آخر فيرثه
القابل، بل عكس إلا أن شرط ذلك من الجانبين وتحققت الشرائط فيهما، وله أن يرجع ما لم يعقل عنه
مولاه، وهذا مذهب عمر وعلي وكثيرين، ثم عصبته ترث أيضا على ترتيب عصبة مولى العتاقة، وإن لم
يذكره المصنف. سائحاني في شرح المنظومة. وقدمناه مع استيفاء الشروط وبيانها في الولاء. قوله:
(وله الباقي الخ) أي إن لم يوجد أحد ممن تقدم فله كل المال، إلا إن وجد أحد الزوجين فله الباقي عن
فرضه. قوله: (ثم المقر له بنسب الخ) أي ثم بعد مولى الموالاة بأن لم يكن يقدم المقر له بنسب الخ
فيعطى كل المال، إلا إذا كان أحد الزوجين فيعطى ما فضل بعد فرضه. قوله: (على غيره) ضمنه معنى
التحميل فعداه بعلى: أي المحمول نسبه على غيره في ضمن الاقرار بالنسب من نفسه، كما لو أقر له

356
بأنه أخوه أو ابن ابنه، فإن إقراره هذا تضمن حمل النسب على الأب أو الابن، واحترز به عما إذا لم
يتضمن تحميل النسب على غيره، كما إذا أقر لمجهول النسب بأنه ابنه فإنه يوجب ثبوت النسب منه،
ويندرج في الورثة النسبية إذا اشتمل الاقرار على شرائط صحته كالحرية والبلوع والعقل في المقر،
وتصديق المقر له بالنسب، وكونه بحيث يولد مثله لمثله، وتقدم في باب إقرار المريض تمام الكلام علي
ما يصح من ذلك وما لا يصح مع بيان الشروط، وحررناه أيضا في شرحنا على نظم فرائض الملتقى
المسمى بالرحيق المختوم شرح قلائد الدر المنظوم وفي آخر التاسع والعشرين من جامع الفصولين
فروع مهمة يلزم مراجعتها. قوله: (لم يثبت) قيد ثان، وبين الشارح محترزه، وزاد في السراجية ثالثا،
وهو موت المقر على إقراره، لأنه إذا رجع لم يعتد به فلا يرث، وإذا اجتمعت هذه الصفات في المقر له
صار عندنا وارثا في المرتبة المذكورة، لان المقر كان مقرا بشيئين: النسب، واستحقاق المال بالإرث،
لكن إقراره بالنسب باطل لأنه يحمل نسبه على غيره، والاقرار على الغير دعوى فلا تسمع، ويبقى
إقراره بالمال صحيحا لأنه لا يعدوه إلى غيره إذا لم يكن لو وارث معروف. سيد: أي ويكون هذا
الاقرار وصية معنى، ولذا صح رجوعه عنه ولا ينتقل إلى فرع المقر له ولا أصله. قوله: (بأن صدقه
المقر عليه) بأن قال الأب: نعم هو ابني وهو أخوك، وكذا لو صدقة الورثة وهم من أهل الاقرار ا ه‍. من
روح الشروح. والمراد ورثة المقر بأن قال أولاد المقر هو عمنا ط. قوله: (أو أقر بمثل إقراره) أي بأن
قال من غير علم بإقرار المقر هو ابني، إذ لو علم به كان تصديقا. تأمل.
والظاهر أنه إذا حمل نسبة على نفسه ورث منه قصدا ومن غيره وإن لم يقر ذلك الغير. أفاده ط.
قوله: (أو شهد رجل) أي من المقر. قال الشارح في باب إقرار المريض: لا يصح في حق غيره إلا
ببرهان ومنه إقرار اثنين ا ه‍. وظاهره أنه لا يلزم في هذا الاقرار لفظ الشهادة، وأفاد أنه يصح بإقرار
الوارث وإن لم يقر به الموروث، وهو ظاهر. قوله: (وإن رجع المقر) قال في روح الشروح: واعلم أنه
إن شهد مع المقر رجل آخر أو صدقه المقر عليه أو الورثة وهم أهل الاقرار، فلا يشترط الاصرار
على الاقرار إلى الموت ولا ينفع الرجوع لثبوت النسب حينئذ ا ه‍. وفي سكب الأنهر: وصح رجوعه
لأنه وصية معنى، ولا شئ للمقر له من تركته.
قال في شرح السراجية المسمى المنهاج: وهذا إذا لم يصدق المقر عليه إقراره قبل رجوعه، أو
لم يقر بمثل إقراره الخ، فقول المنح عن بعض شروح السراجية، وهذا إذا لم يصدق المقر له صوابه المقر
عليه كما رأيته في نسختي مصلحا بخط بعض الفضلاء، قوله: (وكذا لو صدقه المقر له الخ) الصواب
إسقاطه بالكلية والذي أوقعه فيه عبارة المنح السابقة. وقد علمت ما هو الصواب فيها لان تصديق المقر
له لا يثبت النسب قطعا، لأنه المنتفع بذلك فهو متهم، إذا لم يثبت بإقرار المقر، فكيف يثبت بتصديق
المقر له المتهم؟ على أنك قد علمت أن الذي في روح وغيره هو ثبوته بتصديق المقر عليه لا المقر
له فتنبه وتمام الكلام على ذلك يعلم من باب إقرار المريض فارجع إليه. قوله: (ثم بعدهم الخ) أي
إذا عدم من تقدم ذكره يبدأ بمن أوصى له بجميع المال فيكمل له وصيته، لان منعه عما زاد على الثلث
كان لأجل الورثة، فإن لم يوجد أحد منهم فإنه عندنا ما عين له كملا. سيد. ولا يخفى أن المراد أنه

357
يأخذ الزائد بطريق الاستحقاق بلا توقف على إجارة، فلا يرد أن أخذ الزائد لا يشترط فيه عدم الورثة،
إذ لن أجازوا جاز. قوله: (لأنه نوع قرابة) الأول قول السيد: أن له نوع قرابة. قوله: (ثم يوضع) أي
إن لم يوجد موصى له بالزائد يوضع كل التركة في بيت المال أو الباقي عن الزائد إن وجد موصى له بما
دون الكل ولم يقل ثم يقدم إذ لا شئ ع بعده، وأشار إلى أن كلام المصنف من قبيل قوله:
علفتها تبنا وماء باردا
قوله: (لا إرثا) نفي لما يقوله الشافعية، لما يرد عليه من أنه لو كان إرثا لم تصح وصيته بالثلث
للفقراء إذا لم يكن له وارث خاص لأنها وصية لوارث، فتتوقف على إجازة بقية الورثة، ومن أنه يعطي
من ذلك المال من ولد بعد موت صاحبه وللولد مع والده، ولو كان إرثا لما صح ذلك، لكن أفتى
متأخروا الشافعية بالرد إن لم ينتظم بيت المال. قوله: (وموانعه) المانع لغة: الحائل، واصطلاحا: ما
ينتفي لأجله الحكم عن شخص لمعنى فيه بعد قيام سببه، ويسمى محروما، فخرج ما انتفى لمعنى في
غيره فإنه محجوب، أو لعدم قيام السبب كالأجنبي، والمراد بالمانع ها هنا المانع عن الوراثية لا المورثية،
وإن كان بعضها كاختلاف الدين مانعا عنهما كما حررته في الرحيق المختوم. قوله: (على ما هنا) لان
بعضهم زاد على هذه الأربعة غيرها كما سيذكره الشارح. قوله: (كمكاتب) المصرح به أن رقه كامل
وملكه ناقص، فالصواب أن يقول: كمدبر وأم ولد ا ه‍ ح. وقد يقال: كمال رقه إنما هو بالنسبة إلى
المدبر وأم الولد، ولذا أجاز عتقه عن الكفارة وملك أكسابه دونهما أما بالنسبة إلى القن فهو ناقص من
حيث انعقاد سبب الحرية فيه مثل المدبر وأم الولد. قوله: (وكذا مبعض الخ) وهو من أعتق بعضه
فيسعى في فكاك باقيه، وهو عند الامام بمنزلة المملوك ما بقي عليهم درهم، وقالا: هو حر مديون
فيرث ويحجب بناء على تجزي الاعتاق عنده لا عندهما. قوله: (وقال الشافعي لا يرث بل يورث) قيل
المنقول عنه أنه لا يرث ولا يورث، فليراجع. قوله: (يورث فيها الرقيق) أي بطريق الاستناد إلى أول
الإصابة ط. قوله: (جنى عليه) أي بجراحة مثلا. قوله: (بسراية تلك الجناية) أي التي أصابته قبل
الرق ط. قوله: (فديته لورثته الخ) أي نظرا إلى وقت الإصابة، فإنه لو مات بها قبل الاسترقاق كان
إرثه لهم، فكذا بعده لانعقاد السبب قبله ط. قوله: (ولم أره لأئمتنا) هم قد اعتبروا وقت الإصابة في
مسائل، فيمكن أن يكون هذا منها، ويمكن أن يقال إن موته صدر وهو في ملك السيد فالدية له ط.
أقول: ويظهر لي أنه لا يجب على الجاني شئ عندنا، لما تقدم في فصل المستأمن أنه إذا رجع إلى
دار الحرب وقد ترك وديعة أو دينا فأسر أو ظهر عليهم فأخذ أو قتل سقط دينه وما غصب منه، وصار

358
ماله كوديعته، وما عند شريكه أو في بيته في دارنا فيئا، وإن قتل أو مات بلا غلبة عليهم فدينه
وقرضه ووديعته لورثته لان نفسه لم تصر مغنومة إ ه‍. ومعلوم أن الدية دين على الجاني فتسقط برجوعه
إلى دار الحرب واسترقاقه، فلا تكون لورثته ولا لسيده أيضا، لان الجناية حدثت على ملك المجني عليه
لا على ملك السيد، لأنه إنما استرقه مجنيا عليه، فليس له مطالبة الجاني بشئ، فتدبره. قوله:
(الموجب للقود أو الكفارة) الأول هو العمد، وهو أن يقصد ضربه بمحدد أو ما يجري مجراه في تفريق
الاجزاء، والثاني ثلاثة أقسام: شبه عمد، وهو أن يعتمد قتله بما لا يقتل غالبا كالسوط، وخطى كأن
رمى صيدا فأصاب إنسانا وما جرى مجراه كانقلاب نائم عل ء شخص أو سقوطه عليه من سطح فخرج
القتل بسبب فإنه لا يوجبهما، كما لو أخرج روشنا أو حفر بئرا أو وضع حجرا في الطريق فقتل
مورثه، أو أقاد دابة أو ساقها فوطئته، أو قتله قصاصا أو رجما أو دفعا عن نفسه، أو وجد مورثه قتيلا
في داره، أو قتل العادل الباغي، وكذا عكسه إن قال: قتلته وأنا على حق، وأنا الآن على الحق، وخرج
القتل مباشرة من الصبي والمجنون لعدم وجوب القصاص والكفارة. وتمامه في سكب الأنهر وغيره.
وفي الحاوي الزاهدي رمزا: إذا قتل الزوج امرأته أو ذات رحم من محارمه المؤنث لأجل الزنا يرث
منها عندنا، خلافا للشافعي ا ه‍: يعني مع تحقق الزنا، أما بمجرد التهمة فلا، كما يقع من فلاحي
القرى ببلادنا فادر ذلك. رملي. والتقييد بالموجب جرى على الغالب، إذا الحكم فيما استحب فيه
الكفارة كذلك، كمن ضرب امرأة فألقت جنينا ميتا ففيه الغرة وتستحب الكفارة مع أنه يحرم الإرث
منه. قوله: (على ما مر) أي في كتاب الجنايات. قوله: (مطلقا) أي بحق أو لا مباشرة أو لا، ولو
بشهادة أو تزكية لشاهد بقتل. قوله: (ولو مات القاتل قبل المقتول) بأن جرحه جرحا صار به ذا فراش
فمات الجارح قبله. قوله: (إسلاما وكفرا) قيد به لان الكفار يتوارثون فيما بينهم وإن اختلفت مللهم
عندنا، لان الكفر كله ملة واحدة. قوله: (وأما المرتد فيورث عندنا) أي من كسب إسلامه وكسب
ردته فئ للمسلمين، وقالا: للوارث المسلم ككسب المرتدة. قوله: (خلافا للشافعي) فقال: كسباه
لبيت المال. قوله: (فأسلمت) أي بعد موته، فلو قبله فالظاهر أن الحمل لا يرث قولا واحدا لأنه جزء
منها، فهو مسلم عند موت المورث وعند الولادة تبعا، وهي واقعة الفتوى. قوله: (ولم أره لأئمتنا
صريحا) أقول: قيد بقوله صريحا لان كلامهم يدل عليه دلالة ظاهرة، فمنه قولهم إرث الحمل فأضافوا
الإرث إليه وهو حمل، وأما اشتراطهم خروجه حيا فليتحقق وجوده عند موت مورثه، ومن ثم قيل لنا:
جماد يملك وهو النطفة.
وفي حاشية الحموي عن الظهيرية: متى انفصل الحمل ميتا إنما لا يرث إذا انفصل بنفسه، وأما
إذا فصل فهو من جملة الورثة. بيانه: إذا ضرب إنسان بطنها فألقت جنينا ميتا ورث، لان الشارع

359
أوجب على الضارب الغرة وجوب الضمان بالجناية على الحي دون الميت، فإذا حكمنا بالجناية كان له
الميراث ويورث عنه نصيبه، كما يورث عنه بدل نفسه وهو الغرة ا ه‍.
أقول: فقد جعلوه وارثا وموروثا، وهو جنين قبل انفصاله، ومعلوم أنه حين موت مورثه لم يكن
مسلما فلم يوجد المانع حين استحقاقه الإرث وإنما وجد بعده، فكان كمن أسلم بعد موت مورثه
الكافر، فلم يكن في الحقيقة إرث مسلم من كافر بل هو إرث كافر من كافر، نعم يتصور عندنا إرث
المسلم من الكافر في مسألة المرتد. قوله: (والرابع اختلاف الدارين) اختلافهما باختلاف المنعة: أي
العسكري، واختلاف الملك كأن يكون أحد الملكين في الهند وله دار ومنعة، والآخر في الترك وله دار
ومنعة أخرى، وانقطعت للعصمة فيما بينهم، حتى يستحل كل منهم قتال الآخر، فهاتان لداران
مختلفتان فتنقطع باختلافهما الوراثة لأنهما تبتنى على العصمة والولاية، وأما إذا كان بينهما تناصر وتعاون
على أعدائهما كانت الدار واحدة والوراثة ثابتة.
ثم اعلم أن الاختلاف إما حقيقة أو حكما، كالحربي والذمي وكالحربيين في دارين مختلفتين (1)
بالمعنى السابق، وإما حكما فقط كالمستأمن والذمي في دارنا، فإنها وإن كانت واحدة حقيقة إلا أنها
مختلفة حكما، لان المستأمن من أهل دار الحرب حكما لتمكنه من الرجوع إليها، وأما حقيقة فقط
كمستأمن في دارنا حربي وفي دارهم، فإن الدار وإن اختلفت حقيقة لكن المستأمن من أهل الحرب
حكما كما علمت، فهما متحدان حكما، وفي هذا الأخير يدفع مال المستأمن لوارثه الحربي لبقاء حكم
الأمان في ماله لحقه، وإيصال ماله لورثته من حقه كما في عامة الكتب فيمنع ذلك صرفه لبيت المال،
خلافا لما في شرح السراجية لمصنفها كما نبه عليه في الدر المنتقى وسكب الأنهر.
أقول: وبه علم أن المانع هو الاختلاف حكما، سواء كان حقيقة أيضا أو لا، دون الاختلاف
حقيقة فقط، وهذا ما قال الزيلعي: المؤثر هو الاختلاف حكما حتى لا تعتبر الحقيقة بدونه ا ه‍. قوله:
(حقيقة) يعني وحكما لما علمت. قوله: (كحربي وذمي) أي إذا مات الحربي في دار الحرب وله وارث
ذمي في دارنا، أو مات الذمي في دارنا وله وارث في دارهم لم يرث أحدهما من الآخر لتباين الدارين
حقيقة وحكما وإن اتحدا ملة. قوله: (أو حكما) أي فقط. قوله: (وكحربيين الخ) كذا في السراجية،
وفيه أنه من اختلاف الدار حقيقة وحكما كما قدمناه، إلا أن يحمل على أنهما من دارين مختلفين حقيقة،
لكنهما مستأمنان في دارنا فهما في دار واحدة حقيقة وفي دارين مختلفتين حكما، ويؤيده أنه قال: من
دارين لا في دارين، وإن كان الأولى أن يقول المستأمنين بدل الحربيين، وكأنه ترك هذا الأولى إشارة إلى
أنه يمكن جعله مثالا للاختلافين. أفاده السيد وتماه فيه. قوله: (بخلاف المسلمين) محترز قوله فيما
بين الكفار: أي اختلاف الدار لا يؤثر في حق المسلمين كما في عامة الشروح، حتى أن المسلم التاجر



(1) قوله: (مختلفين) لاحظ أولا إن الدار مؤنث فأنث نعتها في قوله دارين مختلفتين وأما تذكر النعت في العمارة الآتية
فهو من كلام السيد ومثله عبارة الشارح لكن ليس نظرا لمجازية التأنيث بل نظرا للمراد أو هو المنزل كما نبه على مثله
في خاتمة المصباح فليفهم بالدقة قاله نصر الهوريني.
360
أو الأسير لو مات في دار الحرب ورث منه ورثته الذين في دار الاسلام، كما في سكب الأنهر.
قال في شرح السراجية لابن الحنبلي: وأما قول العتابي أن من أسلم ولم يهاجر إلينا لا يرث من
المسلم الأصلي في دارنا ولا المسلم الأصلي في دارنا ولا المسلم الأصلي ممن أسلم ولم يهاجر إلينا، سواء كان في دار الحرب مستأمنا
أو لم يكن، فمدفوع بقول بعض علمائنا: يخايل لي أن هذا كان في ابتداء الاسلام حين كانت الهجرة
فريضة، ألا ترى أن الله تعالى نفى الولاية بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال: * (والذين آمنوا ولم
يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا) * فلما كانت الولاية بينهما منتفية كان الميراث
منتفيا، لان الميراث على الولاية، فأما اليوم فينبغي أن يرث أحدهما من الاخر لان حكم الهجرة لان الميراث على الولاية، فأما اليوم فينبغي أن يرث أحدهما من الآخر لان حكم الهجرة
قد نسخ بقوله صلى الله عليه وآله: لا هجرة بعد الفتح ا ه‍. قوله: (كما سيجئ) أي في فصل الحرقي والغرقى.
قوله: (في خمس مسائل أو أكثر) زاد قوله: أو أكثر تبعا للمجتبى إشارة إلى أن عدها خمسا لم يرد به
الحصر لامكان زيادة غيرها تأمل. وقد ذكر الشارح منها ثنتين. والثالثة: رجع وضع ولده في فناء
المسجد ليلا ثم ندم صباحا فرجع لرفعه فإذا فيه ولدان ولا يعرف ولده من غيره، ومات قبل الظهور
لا يرث واحد منهما، ويوضع ماله في بيت المال ونفقتهما على بيت المال، ولا يرث أحدهما من
صاحبه، والرابعة: حرة وأمة ولدت كل واحدة ولدا في بيت مظلم ولا يعلم ولد الحرة من غيره لا
يرث واحد منهما، ويسعى كل واحد منهما لمولى الأمة. والخامسة: رجل له ابن من حرة وابن من أمة
لانسان أرضعتهما ظئر واحدة حتى كبرا ولا يعرف ولد الحرة من غيره فهما حران، ويسعى كل واحد
منهما في نصف قيمته لمولى الأمة ولا يرثان منه. قوله: (فلا توارث) أي لا يرثها واحد منهما. قوله:
(من ولد) الأولى بولد. قوله: (إلا أن يصطلحا) أي الوالدان فإن الميراث لا يعدوهما، فمن أخذ
حصة وهو الوارث حقيقة فذلك من حظه، ويعد ما أخذه الآخر هبة من المستحق، والظاهر أنه راجع
إلى المسألة السابقة أيضا إ ه‍ ط.
أقول: بل إلى كل المسائل المارة وإن ما مر من وضعه في بيت المال محمول على ما إذا لم
يصطلحا. تأمل.
تتمة: جملة الموانع حينئذ ستة، وقد زاد بعضهم من الموانع النبوة لحديث الصحيحين: نحن
معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة وفي الأشباه عن التتمة: كل إنسان يرث ويورث إلا الأنبياء
لا يرثون ولا يورثون: وما قيل من أنه عليه الصلاة والسلام ورث خديجة لم يصح، وإنما وهبت مالها
له في صحتها ا ه‍.
قلت: لكن كلام ابن الكمال وسكب الأنهر يشعر بأنهم يرثون. وتمامه في الرحيق المختوم. وزاد
بعضهم الردة، فالمرتد لا يرث أحدا إجماعا، وليس ذلك لاختلاف الدين لأنه لا ملة له على ما عرف
في محله، فالموانع حينئذ ثمانية. وزاد بعضهم تاسعا وهو اللعان. قال في الدر المنتقى. وفي الحقيقة
الموانع خمسة: أربعة المتن، والردة كما علم ذلك بالاستقراء الشرعي، وما زاد عليها فتسميته مانعا

361
مجاز، لان انتفاء الإرث معه ليس بوجود مانع بل لانتفاء الشرط أو السبب ا ه‍.
بيانه: إن شرط الإرث وجود الوارث عند موت المورث، وذلك منتف في جهالة تاريخ
الموتى لعدم العلم بوجود الشرط ولا توارث مع الشك، وكذا في جهالة الوارث فإنها كموته حكما
كما في المفقود. وأما ولد اللعان فإنه لا يرث من أبيه وبالعكس لقطع نسبه، فعدم الإرث في الحقيقة
لعدم السبب، وهو نسبته إلى أبيه، وأما النبوة ففي كونها من انتفاء الشرط أو السبب كلام يعلم من
شرحنا الرحيق المختوم، والذي يظهر أن العلة في عدم كونها من الموانع هي كون النبوة معنى قائما في
المورث، والمانع هو ما يمنع الإرث لمعنى قائم في الوارث على ما قدمناه في تعريفه.
تكميل: عد الشافعية من الموانع الدور الحكمي، وهو أن يلزم من التوريث عدمه، كما لو مات
عن أخ فأقر الأخ بابن للميت فيثبت نسبه ولا يرث عندهم، لأنه لو ورث لحجب الأخ فلا يقبل
إقراره، فلا يثبت نسب الابن فلا يرث، لان إثبات إرثه يؤدي إلى نفيه فينتفي من أصله، وهذا لم
يذكره علمائنا لصحة إقرار المقر في حق نفسه فقط فيرث الابن دونه كما حققته في الرحيق المختوم
مؤيدا بالنقل، ومر تمامه في باب إقرار المريض. قوله: (لأنها أصل الولاد) بكسر الواو مصدر ولد:
أي أصل ولادة الأصل والفروع، فالكل أولادها غالبا لأنه قد تكون الولادة بالتسري ثم هي بهذا
الاعتبار، وإن كان أما لكن صفة الزوجية سابقة على صفة الأمومة فلذا لم تقدم الام. تأمل. قوله:
(مع ولد) أي للزوج الميت ذكرا أو أنثى ولو من غيرها. قوله: (وإن سفل) بفتح الفاء من السفول ضد
العلو من باب نصر، وبضمها من السفال بمعنى الدناءة من باب شرف. ابن كمال. والمراد الأول.
قوله: (نكاح ميتة) أما لو كانت حية تهاتر البرهان: وهي لمن صدقته إذا لم تكن في يد من كذبته ولم
يكن دخل المكذب بها وإن أرخا فالسابق أحق ط. قوله: (وبرهنا) قال في البحر في باب دعوى
الرجلين: لو برهنا على النكاح بعد موتها، ولم يؤرخا أو أرخا واستوى تاريخهما يقضى به بينهما، وعلى
كل منهما نصف المهر ويرثان ميراث زوج واحد، فإن جاءت بولد يثبت النسب منهما، ويرث من كل
منهما ميراث ابن كامل، وهما يرثان من الابن ميراث أب واحد. كذا في الخلاصة وفي منية المفتي،
ولا يعتبر فيه الاقرار واليد ا ه‍. ومثله في جامع الفصولين. قوله: (ولم تكن في بيت واحد منهما) هو
معنى ما في روح الشروح: ولم تكن في يد واحد منهما، ومفهومه اعتبار اليد، وهو خلاف ما قدمناه
آنفا، فتدبر. قوله: (والنصف له) أي للزوج، وبقي ممن يستحق النصف أربعة كان ينبغي ذكرهم هنا
كما فعل في بقية الفروض، وهم النبت وبنت الابن عند عدمها والأخت لأبوين والأخت لأب عند
عدمها إذا انفردن عمن يعصبهن. قوله: (والجد) أي فهو كالأب عند عدمه إن لم يدخل في نسبته إلى
الميت أنثى وهو الجد الصحيح، فإن تخلل في نسبته إلى الميت أم كان فاسدا فلا يرث إلا على أنه من
ذوي الأرحام، لا نص تخلل الام في النسبة يقطع النسب إذ النسب إلى الآباء. زيلعي. قوله: (الفرض

362
المطلق) أي عن ضميمة التعصيب إليه. قوله: (مع ولد أو ولد ابن) حيث قيد الفرض بالمطلق فكان
ينبغي أن يقيد الولد بالذكر لان الولد يشمل الأنثى، لكن تركه لانفهامه مما بعده. قوله: (مع البنت أو
بنت الابن) فإن له السدس فرضا وللبنت أو بنت الابن النصف والباقي له تعصيبا. قوله: (إلا في
ثلاثة عشر مسألة) الأصوب في ما بعض النسخ ثلاث عشر بتذكير الثلاث وتأنيث العشرة لتأنيث
مسألة وإن كان لفظيا. قوله: (وله خمس في الفرائض) الأولى أن أمه لا ترث معه، وترث مع الجد.
الثانية: أن الميت إذا ترك الأبوين وأحد الزوجين فلأمه ثلث ما يبقى بعد نصيب أحد الزوجين،
ولو كان مكان الأب جد فللأم ثلث جميع المال، إلا عند أبي يوسف فإن لها ثلث الباقي أيضا.
الثالثة: أن بني الأعيان والعلات كلهم يسقطون مع الأب إجماعا، ويسقطون مع الجد عند أبي
حنيفة رحمه الله تعالى لا عندهما.
الرابعة: أن أبا المعتق مع ابنه يأخذ سدس الولاء عند أبي يوسف، وليس للجد ذلك، بل الولاء
كله للابن، ولا يأخذ الجد شيئا من الولاء عند سائر الأئمة.
الخامسة: لو ترك جد معتقه وأخاه، قال أبو حنيفة: يختص الجد بالولاء، وقالا: الولاء بينهما،
ولو كان مكان الجد أب فالميراث كله له اتفاقا، قال في المنح: وهذه مستفاد حكمها من حكم المسألة
الثالثة ا ه‍ ح.
قوله: (وباقيها في غيرها). الأولى: لو أوصى لأقرباء فلان لا يدخل الأب ويدخل الجد في
ظاهر الرواية.
الثانية: تجب صدقة فطر الولد على أبيه الغني دون جده.
الثالثة: لو أعتق الأب جر ولاء ولده إلى مواليه دون الجد.
الرابعة: يصير الصغير مسلما بإسلام أبيه دون جده.
الخامسة: لو ترك أولادا صغارا ومالا فالولاية للأب فهو كوصي الميت، بخلاف الجد.
السادسة: في ولاية النكاح: لو كان للصغير أخ وجد فعلى قول أبي يوسف يشتركان، وعلى قول الإمام
يختص الجد، ولو كان مكانه أب اختص اتفاقا.
السابعة: إذا مات أبوه صار يتيما، ولا يقوم الجد مقام الأب لإزالة اليتيم عنه.
الثامنة: لو مات وترك أولادا صغار ولا مال له وله أم وجد أبو الأب، فالنفقة عليهما أثلاثا،
الثلث على الام، والثلثان على الجد، ولو كان كالأب كان كلها عليه ا ه‍ ح.
أقول: وفي الخامسة نظر لما تقدم قبيل شهادة الأوصياء أن الولاية في مال الصغير لأبيه، ثم
لوصي الأب، ثم للجد، ثم لوصيه، ثم للقاضي، فالجد يقوم مقام الأب عند عدم الأب
ووصيه فلم يخالف الجد فيها الأب. تأمل. والسادس: يجري فيها ما تقدم عن المنح. وقوله: في الثامنة:

363
وله أم وجد موافق لما في بعض نسخ الأشباه، وفي بعضها ولهم بضمير الجمع العائد إلى الصغار،
وهو الصواب لان نفقة الصغير تجب على قريبه المحرم بقدر الإرث كما في المتون: أي بقدر إرث
المحرم من الصغير لو مات، فإذا كانت الام هنا أم الصغار صح كون الثلث عليها والباقي على الجد،
لأنه قدر أرثها منهم، أما لو كانت أم أبيهم الميت يكون عليها السدس، لأنها جدة لهم وفرض الجدة
السدس لا الثلث، فلا يصح إرجاع الضمير إلى الميت بل يتعين إرجاعه إلى الصغار، هذا ما ظهر لي من
فيض الفتاح العليم. قوله: (وزاد ابن المصنف الخ) أقول: يزاد أيضا أنه لا تحب نفقته على الجد
المعسر، وأنه لا يصير مسلما بإسلام جده، وإن الجد إلى أن أقر بنافلة وابنه حي لا يثبت النسب بمجرد
إقراره، ذكر ذلك السيد في شرح السراجية، وزدت أخرى أيضا تقدمت قبيل فصل شهادة الأوصياء
وهي في الخانية حيث قال: فرق أبو حنيفة بين الوصي وأبي الميت، فللوصي بيع التركة لقضاء
الدين، وأبو الميت له بيعها لقضاء الدين على الأولاد لا لقضاء الدين على الميت، وهذه فائدة تحفظ من
الخصاف. وأما محمد فأقام الجد مقام الأب، ويقول الخصاف يفتى ا ه‍.
وحاصله: أن جد الصغير خالف الأب ووصي الأب في هذه، ثم رأيت صاحب الوهبانية
ذكرها هنا ولله الحمد. قوله: (ضمن الأب صهر صبيه) على تقدير مضاف: أي مهر زوجة صبيه: أي
ابنه الصغير، وما في عامة النسخ من التعبير بصبيته بالتاء فتحريف. قوله: (رجع لو شرط) أي يرجع
عليه في ماله، ولو لم يكن له مال حين العقد لو شرط الرجوع وأشهد أخذا مما في جامع الفصولين
أيضا نقد من ماله ثمن شئ شراه لولده ونوى الرجوع يرجع ديانة لا قضاء ما لم يشهد، ولو ثوبا أو
طعاما وأشهد أنه يرجع فله أن يرجع لو له مال، وإلا فلا لوجوبها عليه، ولو قنا أو شيئا لا يلزمه
رجع، وإن لم يكن له مال لو أشهد، وإلا لا ا ه‍.
قلت: والتزويج مما لا يلزم الأب فيرجع إن أشهد وإن لم يكن للصغير مال. قوله: (وإلا لا) أي
استحسانا للعرف. جامع الفصولين. قوله: (رجع مطلقا) أي وإن لم يشرط، لان العادة لم تجر بتحمله
المهر عن الصغير. قوله: (مع أحدهما) أي الولد وولد الابن ذكرا أو أنثى. قوله: (من أي جهة كانا)
أي سواء كان الاثنان فأكثر لأبوين أو لأب أو لام. قوله: (ولو مختلطين) أي ذكورا وإناثا من جهة
واحدة أو أكثر. قوله: (والثلث عند عدمهم) أي عدم الولد وولد الابن والعدد من الاخوة

364
والأخوات، وعند عدم الأب مع أحد الزوجين، فافهم. قوله: (وثلث الباقي الخ) تحته صورتان كما
سيأتي. قال ط: وإنما ذكر الشارح هاتين الحالتين: يعني الثلث وثلث الباقي مع ذكر المصنف لهما فيما
سيأتي للإشارة إلى أن الأول جمع حالات الام متوالية. قوله: (مطلقا: أي لام) أو لأب كما مثل.
قوله: (أي صحيحات) الجدة الصحيحة من ليس في نسبتها إلى الميت جد فاسد، وهي ثلاثة أقسام:
المدلية بمحض الإناث كأم أم الام، أو بمحض الذكور كأم أبي الأب، أو بمحض الإناث إلى محض
الذكور كأم أم الأب، بخلاف العكس كأم أبي الام فإنها فاسدة. قوله: (مطلقا) أي سواء كانت القربى
أو البعدي من جهة الام أو الأب، وسواء كانت القرب ء وارثة كأم الأب عند عدمه مع أم أم الام، أو
محجوبة بالأب عند وجوده. قوله: (كما سيجئ) أي عند ذكر الحجب. قوله: (والسدس لبنت الابن
الخ) للبنات ستة أحوال: ثلاثة تتحقق في بنات الصلب وبنات الابن، وهي النصف للواحدة والثلثان
للأكثر، وإذا كان معهن ذكر عصبهن، وثلاثة تنفرد بها بنات الابن.
الأولى: ما ذكره المصنف.
الثانية: يسقطن بالصلبيتين فأكثر، إلا أن يكون معهن غلام ليس أعلى منهن فيعصبهن.
الثالثة: يسقطن بالابن الصلبي، وسيأتي بيانها. قوله: (والسدس للأخت لأب الخ) اعلم أن
للأخوات لغير أم سبعة أحوال: خمسة تتحقق في الأخوات لأبوين، والأخوات لأب، وهي الثلاثة
المارة في بنات الصلب.
والرابعة: أنهن يصرن عصبات مع البنات أو بنات الابن.
والخامسة: أنهن يسقطن بابن وابنه، وبالأب اتفاقا، وبالجد عند الامام.
وثنتان تنفرد بهما الأخوات لأب: الأولى ما ذكره المصنف. الثانية أنهن يسقطن مع الشقيقتين
فأكثر، إلا أن يكون معهن من يعصبهن. وفي بعض نسخ السراجية: ويسقطن بالأخت لأب وأم إذا
صارت عصبة: أي إذا كانت مع البنات أو بنات الابن. قال السيد لأنها حينئذ كالأخ في كونها عصبة
أقرب إلى الميت كما سيأتي. قوله: (والسدس للواحد من ولد الام) أي للأخ أو الأخت لام، ولهم
ثلاثة أحوال ذكر منها اثنتين، والثالث أنهم يسقطون بالفرع الوارث وبالأب والجد كما سيأتي. قوله:
(عند عدم من لها معه السدس) أي أو ثلث الباقي. قوله: (بعد فرض أحد الزوجين) متعلق بالباقي:
أي ثلث ما يبقى بعض فرض الزوجة أو الزوج. قوله: (وأم) لفظ أم في الموضعين زائد. أفاده ح:
أي لأنها أحد الأبوين. قوله: (فلها حينئذ الربع) لان الزوجة الربع ومخرجه من أربعة يبقى ثلاثة للام
ثلثها واحد وهو ربع الأربعة وللأب الباقي. قوله: (فلها حينئذ السدس) لأنها نصح من ستة: للزوج
النصف ثلاثة، وللأم ثلث ما يبقى، وهو واحد وللأب الباقي. قوله: (تأدبا الخ) لان المراد من قوله
تعالى: * (فلأمه الثلث) * (النساء: 11) ثلث ما ورثه الأبوان سواء كان جميع المال أو بعضه للأدلة المذكورة
في المطولات، فالثلث هنا وإن صار في الحقيقة ربع جميع المال أو سدسه إلا أن الأدب التعبير به تبركا

365
بلفظ القرآن وتباعدا عن إيهام المخالفة. قوله: (لأنه لا يتعدد) الأولى إسقاطه لما قدمه من إمكان تعدده،
وقد يقال: ليس ذاك تعددا لا حقيقة ولا صورة، وإنما شرك بينهما دفعا للترجيح بلا مرجح، ولذا لم
يعطيا إلا نصيب زوج واحد، وعيه فقول المصنف: إلا الزوج تبعا للمجمع مستدرك. تأمل. والله
تعالى أعلم.
فصل في العصبات
قال في المغرب: العصبة قرابة الرجل لأبيه، وكأنها جمع عاصب وإن لم يسمع به، من عصبوا
به: إذا أحاطوا حوله، ثم سمي بها الواحد والجمع والمذكر والمؤنث للغلبة، وقالوا في مصدرها:
العصوبة. الذكر يعصب المرأة: أي يجعلها عصبة ا ه‍. فالعصبات جمع الجمع كالجمالات، أو جمع
المفرد على جعل العصبة اسما: تأمل. قوله: (وعصبة بغيره وعصبة مع غيره) سيأتي بيان الفرق بينهما.
قوله: (فالأنثى لا تكون عصبة بنفسها الخ) أشار إلى أنه خرج بقوله: وهو كل ذكر العصبة بالغير
والعصبة مع الغير فإنهما إناث فقط، وأما المعتقة فهي وإن كانت عصبة بنفسها فهي ليست نسيبة،
والمقصود العصبات النسبية كما أشار إليه أولا، ولذلك خرج المعتق أيضا. قوله: (لم يدخل الخ) المراد
عدم توسط الأنثى، سواء توسط بينه وبين الميت ذكر كالجد وابن الابن أو لا كالأب والابن الصلبي.
قوله: (كولد الام) أي الأخ لام، وأما الأخ لأب وأم فإنه عصبة بنفسه، مع أن الام داخلة في نسبته.
وأجيب بأن المراد من لا ينتسب بالأنثى فقط، وأجاب السيد بأن قرابة الأب أصل في استحقاق
العصوبة، فإنها إذا انفردت كفت في إثبات العصوبة، بخلاف قرابة الام فإنها لا تصلح بانفرادها علة
لاثباتها، فعي ملغات في استحقاق العصوبة سكنا، جعلناها بمنزلة وصف زائد فرجحنا بها الأخ لأب
وأم على الأخ لأب ا ه‍.
أقول: وهذا أولى من قول بعضهم أنه خرج بقوله في نسبته حيث لم يقل في قرابته، فإن الأنثى
داخلة في قرابته لأخيه لا في نسبته إليه، لان النسب للأب فلا يثبت بواسطة غيره ا ه‍.
فإنه يرد عليه أن المعتبر هنا النسبة إلى الميت لا إلى الأب، فالمراد بها القرابة لا النسب الشرعي،
وإلا لزم أن لا تكون العصبة إلا إذا كان الميت أبا أو جدا فيخرج الأخ والعم ونحوهما فافهم. ثم
رأيت العلامة يعقوب قد زيف هذا الجواب وأخرجه عن دائرة الصواب، بنحو ما قلناه والحمد لله.
وبالجملة فتعريف العصبة لا يخلو عن كلام ولو بعد تحرير المراد فإنه لا يدفع الايراد، ولذا قال
ابن الهائم في منظومته:
وليس يخلو حده عن نقد * فينبغي تعريفه بالعد
وأيضا فتخصيصه بالعصبة النسبية لا داعي له، وقد عرفه العلامة قاسم في شرح فرائض المجمع
بقوله هو ذكر نسيب أدلى إلى الميت بنفسه أو بمحض الذكورة أو معتق فقوله أو معتق بالرفع عطفا على

366
ذكر، ولو حذف محض لكان أولى ليدخل الأخ الشقيق وبعد هذا ففيه نظر فتدبر. قوله: (فإنه ذو
فرض) أي فقط وإلا فلا يلزم من كون وارث ذا فرض أن لا يكون عصبة فإن كلا من الأب والجد ذو
فرض ويصير عصبة. قوله: (أي جنسها) أي قال للجنس فتبطل معنى الجمعية، فيشمل ما إذا كان
هناك فرض واحد وحاز الباقي بعد إعطائه لمستحقه ط. قوله: (بجهة واحدة) قال في المنح: قيدنا به
حتى لا يرد أن صاحب الفرض إذا خلا عن العصوبة قد يحرز جميع المال لان استحقاقه لبعضه بالفرضية
والباقي بالرد. قوله: (جزء الميت الخ) المراد في الجميع الذكور كما هو الموضوع. قوله: (ثم جزء
جده) أراد بالجد ما يشمل أبا الأب، ومن فوقه بدليل قوله الآتي، وإن علا فلا يرد أن عم الأب وعم
الجد في كلامه الآتي خارجان عن الأصناف الأربعة. قوله: (ويقدم الأقرب فالأقرب الخ) أي الأقرب
جهة ثم الأقرب درجة ثم الأقوى كقرابة فاعتبار الترجيح أولا بالجهة عند الاجتماع، فيقدم جزؤه
كالابن وابنه على أصله كالأب وأبيه ويقدم أصله على جزء أبيه كالاخوة لغير أو وأبنائهم، ويقدم جزء
أبيه على جزء جده كالأعمام لغير أو وأبنائهم وبعد الترجيح بالجهة إذا تعدد أهل تلك الجهة اعتبر
الترجيح بالقرابة، فيقدم الابن على ابنه والأب على أبيه والأخ على ابنه لقرب الدرجة، وبعد اتحاد الجهة
والقرابة يعتبر الترجيح بالقوة، فيقدم الأخ الشقيق على الأخ لأب وكذا أبناؤهم، وكل ذلك مستفاد من
كلام المصنف، وصرح به العلامة الجعبري حيث قال
: فبالجهة التقديم ثم بقربه * وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا
قوله: (ويكون الخ) الأولى ذكر عند ذكر الأب فينا تقدم كما فعله الشارح ط. قوله: (ثم
الجد الصحيح) هو من لم يدخل في نسبته إلى الميت أنثى. قوله: (وهو أب الأب) الأولى رسم أبو
بالواو بناء على اللغة المشهورة من إعرابه بالحروف. قوله: (ثم لأب) أي أثم الأخ لأب أما الام لام
فذو فرض فقط كما مر. قوله: (لأبوين) متعلق بمحذوف حال من الضمير. قوله: (قيل: وعليه
الفتوى) قاله صاحب السراجية في شرحه عليها كما سيأتي، وقد أشار إلى أن المعتمد الأول، وهو
مذهب الصديق رضي الله عنه. قوله: (كذلك) أي لأبوين ثم لأب، وهو في موضع الحال من عم
الأب وعم الجد. قوله: (وإن سفلا) أي ابن عم الأب وابن عم الجد. قوله: (فأسبابها) أي العصوبة.
قوله: (وبعد ترجيحهم الخ) أي ترجيح أهل كل صنف من الأصناف الأربعة بقرب الدرجة، كترجيح

367
الاخوة مثلا على أبنائهم يرجح بقوة القرابة إذا تفاوتوا فيها كالأخ الشقيق مع الأخ لأب كما مر.
قوله: (بأبوين وأب) متعلق بالتفاوت، قوله: كما مر حال منه، وقوله: بقوة القرابة متعلق
بيرجحون. قوله: (كالشقيقة الخ) فيه أن الكلام في العصبة بالنفس وهذه عصبة مع الغير، لكن قال
السيد: إنما ذكرها هنا وإن لم تكن عصبة بنفسها لمشاركتها في الحكم لمن هو عصب بنفسه. قوله:
(إن أعيان بني الام الخ) تمام الحديث: يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه رواه الترمذي
وابن ماجة ا ه‍. قاسم.
وسيذكر الشارح أن بني الأعيان الاخوة لأب وأم، سموا بذلك لأنهم من عين واحدة. أي أب
وأم واحدة، وإن بني العلات الاخوة لأب سموا بذلك لان الزوج قد عل من زوجته الثانية، والعلل:
الشرب الثاني، يقال عله: إذا سقاه السقية الثانية. وأما الاخوة لام فهو بنو الأخياف كما سيأتي.
والظاهر أن المراد ببني الام في الحديث ما يشمل الاخوة لأب وأم والاخوة لام فقط، وأن المراد
بأعيانهم القسم الأول يدل عليه قوله في المغرب: أعيان القوم أشرافهم، ومنه قولهم للاخوة لأب وأم
بنو الأعيان، ومنه حديث: أعيان بني أم يتوارثون ا ه‍. وقال السيد: والمقصود بذكر الام ها هنا
إظهار ما يترجح به بنو الأعيان على بني العلات ا ه‍: أي لأنهم زادوا عليهم بقرابة الام ولذا كانوا
أعيانا. قوله: (البنات) اسم يصير مؤخر وخبره قوله: عصبة بغيره وقوله: وبالابن قيد به لأنهن عند
عدمه صاحبات فرض دائما، وابن الابن لا يعصب ذات فرض. قوله: (وإن سفلوا) أي بنات الابن
وابن الابن. قوله: (بأخيهن) أي المساوي لهن قرابة. درر البحار. قال الطوري: وفي كشف
الغوامض: ولا يعصب الشقيقة الأخ لأب إجماعا لأنها أقوى منه في النسب بل تأخذ فرضها، ولا
يعصب الأخت لأب أخ شقيق بل يحجبها لأنه أقوى منها إجماعا ا ه‍. وفي منظومة المصنف المسماة
تحفة القرآن:
ولا ترث أخت له من الأب * مع صنوه الشقيق فاحفظ تصب
ذكر في شرحها عن الجواهر أن بعضهم ظن أن للأخت النصف، وهذا ليس بشئ ا ه‍.
قوله: (ذوات النصف والثلثين) خبر بعد خبر أو بدل من أربع: أي من لهن النصف إذا انفردن والثلثان
إذا تعددن، وهن البنت وبنت الابن والأخت لأبوين أو لأب. قيل: كان الواجب أن تذكر الام مع
الأب، فإنه يعصبها إذا كانا مع أحد الزوجين كما مر. وأجيب: بأن أخذها الثلث الباقي بطريق
الفرض لا التعصيب، وأشار إلى ما في السراجية وشرحها من أن لا فرض لها من الإناث وأخوها
عصبة لا تصير عصبة بأخيها كالعم والعمة إذا كانا لأب وأم أو لأب وكان المال كله للعم دون العمة،
وكذا في ابن العم مع بنت العم وفي ابن الأخ مع بنت الأخ ونظمت ذلك بقولي:

368
ولم يعصب غير ذات سهم * أخ كمثل عمة وعم
قوله: (ولو حكما) تعميم للأخ بالنظر إلى بنت الابن، فإن عصوبتها لم تختص بأخيها فقط فإنها
تصير عصبة به وبابن عمها، وبمن هو أسفل منها إذا لم تكن ذات فرض كما سيأتي بيانه. قوله:
(الأخوات مع البنات) أي الأخوات لأبوين أو لأب، أما الأخت لام فلا يعصبها أخوها، وهو ذكر
فعدم كونها عصبة مع الغير أولى. قوله: (لقول الفرضين الخ) جعله في السراجية وغيرها حديثا. قال
في سكب الأنهر. ولم أقف على من خرجه، لكن أصله ثابت لخبر ابن مسعود رضي الله عنه، وهو ما
رواه البخاري وغيره في بنت وبنت ابن وأخت للبنت النصف، ولبنت الابن السدس وما بقي
فللأخت، وجعله ابن الهائم في فصوله من قول الفرضين وتبعه شراحها كالقاضي زكريا وسبط
المارديني وغيرهما ا ه‍.
تنبيه: الفرق بين هاتين العصبتين أن الغير في العصبة بغيره، يكون عصبة بنفسه فتتعدى بسببه
العصوبة إلى الأنثى وفي العصبة مع غيره، لا تكون عصبة أصلا، بل تكون عصوبة تلك العصبة
مجامعة لذلك الغير. سيد. وفيه إشارة إلى وجه اختصاص الأول بالباء والثاني بمع. قال في سكب
الأنهر: الباء للالصاق، والالصاق بين الملصق والملصق به لا يتحقق إلا عند مشاركهما في حكم
الملصق به، فيكونان مشاركين في حكم العصوبة، بخلاف كلمة مع فإنها للقران، والقران يتحقق بين
الشخصين بغير المشاركة في الحكم كقوله تعالى: * (وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا) * أي وزيره حيث
كان مقارنا به في النبوة، وكلفظ القدوري: ومن فاتته صلاة العيد مع الامام: أي فاتته الصلاة المقارنة
بصلاة الامام لا أن تفوتهما معا فتكون هي عصبة دون ذلك الغير. وقال بديع الدين في شرح
السراجية: الفرق أن مع قد تستعار للشرط والباء للسبب ا ه‍. قوله: (كما بسطه العلامة قاسم) أي
في تصحيح القدوري نقلا عن الجواهر حيث قال: إن كانت الملاعنة حرة الأصل فالميراث لمواليهما
وهم إخوتهما وسائر عصبة أمهما، وإن كانت معتقة فالميراث لمعتقها ونحوه ابن المعتق وأخوه وأبوه،
فقوله لمواليهما يتنازل المعتق وغيره وهو عصبة أمهما. ا ه‍. ونحوه في الجوهرة.
أقول: وهذا مخالف لما ذكره شراح الكنز وغيرهم. قال الزيلعي: ولا يتصور أن يرث هو أو
يورث بالعصوبة إلا بالولاء أو الولاد، فيرثه من أعتقه أو أعتق أمه أو من ولده العصوبة، وكذا هو
يرث معتقه أو معتق معتقه أو ولده بذلك ا ه‍. فهو صريح في أنه إذا كان هو أو أمه حر الأصل فلا
يرث أو يورث بالعصوب إلا إذا كان له ولد: أي ابن أو ابن ابن. وقال في معراج الدراية: ثم لا قرابة
له من قبل أبيه ولو قرابة من جهة أمه فلا تكون عصبة أمه عصبته، ولا أمه عصبة له عند الجمهور.
وعن ابن مسعود أن عصبة أمه عصبته. وعنه في رواية أخرى: أن أمه عصبته، لما روى واثلة بن
الأسقع عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: تحرز المرأة ثلاث مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت

369
عليه وقلنا: الميراث إنما يثبت بالنص، ولا نص في توريث الام أكثر من الثلث، ولا في توريث أخ
من أم أكثر من السدس، ولا في توريث أبي الام ونحوه من عصبة الام، ولأن العصوبة أقوى أسباب
الإرث والأدلاء بالام أضعف، فلا يجوز أن يستحق به أقوى أسباب الإرث، وفي الحديث بيان أنها
تحرز الاحراز لا يدل على العصوبة، فإنه يجوز أن تحرز فرضا وردا لا تعصيبا. وأما حديث: عصبته
قوم أمه فمعناه في الاستحقاق بمعنى العصوبة، وهي الرحم، لا في إثبات حقيق العصوبة ا ه‍
ملخصا.
وقال في المجتبى شرح القدوري: قوله وعصبة ولد الزنا وولد الملاعنة مولى أمهما، معناه والله
أعلم: أن الام ليست بعصبة له ولا عصبة الام كما ذهب إليه ابن مسعود رضي الله عنه، إنما عصبته
مولى الام إذا كان لها مولى، وما ذهب إليه أصحابنا مذهب علي وزيد بن ثابت رضي الله عنهما،
ووجهه أن الام لما لم تكن عصبة في حق غير ولد الزانية والملاعنة فكذا في حقه كذوي الأرحام ا ه‍.
قوله: (لأنه لا أبا لهما) تعليل للمتن، وزاد في الاختيار ما نصه: والنبي صلى الله عليه وآله ألحق ولد الملاعنة بأمه
فصار كشخص لا قرابة له من جهة الأب، فوجب أن يرثه قرابة أمه ويرثهم، فلو ترك بنتا وأما
والملاعن فللبنت النصف وللأم السدس والباقي يرد عليهما كأن لم يكن له أب، وهكذا لو كان معهما
زوج أو زوجة فإنه يؤخذ فرضه الباقي بينهما فرضا وردا، ولو ترك أمه وأخاه لامه وابن الملاعن فلأمه الثلث
ولأخيه لامه السدس والباقي مردود عليهما، ولا شئ لابن الملاعن لأنه لا أخا له من جهة
الأب، وإذا مات ولد ابن الملاعنة ورثه قوم أبيه وهم الاخوة، ولا يرثه قوم جده: أعني الأعمام
وأولادهم، وبهذا يعرف بقية مسائله ا ه‍. ومثله في المنح.
أقول: وهذا مؤيد لما قدمناه حيث جعل لامه ولأخيه لامه السدس، مع أن أخاه عصبة
الام، فلو كان عصبة أمه الحرة عصبة له لاخذ الباقي بعد فرض الام. قوله: (ويفترقان الخ) كذا قاله
في الاختيار، وتبعه في المنح وسكب الأنهر وغيرهما.
أقول: وهو خلاف ما جزم به الشارح في آخر باب اللعان، حيث ذكر أن ولد الملاعنة يرث من
توأمه ميراث أخ لام أيضا، ومثله في البحر عن شهادات الجامع. وقال في معراج الدراية: ولد الملاعنة
إذا كان توأما فعندنا وعند الشافعي وأحمد والجمهور هما كالأخوين لام، وقال مالك: كالأخوين لأبوين
ثم ذكر الدليل والتفاريع فراجعه، وهذا صريح في أن ما ذكره الشارح هنا مذهب مالك. تأمل قوله:
(وتختم العصبات الخ) أي ختما إضافيا، وإلا فالختم في الحقيقة بعصبة المعتق، ثم إن هذا بيان للقسم
الثاني وهو العصبة السببية، ولا يخفى أن المعتق عصبة بنفسه لا بغيره ولا مع غيره، لكن ربما يتوهم
بناء على أنه عصبة بنفسه تقدمه على لعصبة بغيره أو مع غيره من النسب، فأشار بهذه العبارة إلى تأخر
عن أقسام العصابات النسبية بأسرها، لان النسبي أقوى من السببي، فلذا غير الأسلوب، وإلا بالظاهر
المناسب لما سبق أن يقول: والعصبة السببية مولى العتاقة. أفاده يعقوب. قوله: (أي المعتق) الأولى مولى
لعتاقة كما أوضحناه فيما مر. قوله: (ثم عصبته بنفسه الخ) أفاد أن عصبة عصبة المعتق لا ترث كما

370
بيناه سابقا، واحترز بالعصبة عن أصحاب فروض المعتق كبنته وأمه وأخته فلا يرثون لأنه لا مدخل
للفرض في الولاء، وقيد العصبة بنفسه احترازا عن العصبة بغيره ومع غيره كما سيأتي، وقدمنا أن من
شرائط ثبوت الولاء أن لا تكون الام حرة الأصل، فإن كانت فلا ولاء لاحد على ولدها وإن كان
الأب معتقا. قوله: (على الترتيب المتقدم) فتقدم عصبة المعتق النسبية بنفسها على عصبته السببية: أعني
معتق المعتق ومعتقه وهكذا، فيقدم ابن المعتق ثم ابنه وإن سفل، ثم أبوه ثم جده وإن علا الخ، ثم
معتق المعتق، ثم عصبته على الترتيب المذكور، ثم معتق معتق المعتق، ثم عصبته وهكذا، ابن كمال.
تنبيه: ابن وبنت اشتريا أباهما فاشترى الأب عبدا وأعتقه فمات بعد موت الأب عن الابن
والبنت فالكل للابن، لان عصبة المعتق النسبية مقدمة على البنت لأنها عصبة سببية. سائحاني. وكذا لو
اشتريت أباها فعتق عليها ومات عناه وعن بنت أخرى وترك مالا فثلثاه لهما فرضا والباقي للأولى
تعصيبا. قوله: (الولاء لحمة) أي وصلة كلحمة النسب أخرجه ابن جرير في التهذيب من حديث عبد
الله بن أبي أوفى بسند صحيح، وصححه ابن أبي حاتم من حديث ابن عمر. قال السيد: ومعنى ذلك
أن الحرية حياة للانسان، إذ بها تثبت صفة المالكية التي امتاز بها عن سائر ما عداه من الحيوانات
والجمادات، والرقية تلف وهلاك، فالمعتق سبب لاحياء المعتق، كما أن الأب سبب لايجاد الولد، وكما
أن الولد منسوب إلى أبيه بالنسب وإلى أقربائه بتبعيته، كذلك المعتق ينسب بالولاء: يعني إلى المعتق وإلى
أقربائه بتبعيته، فكما يثبت الإرث بالنسب كذلك يثبت بالولاء ا ه‍.
وفيه تنبيه على أن هذا الحديث إنما يدل على مجرد أن من له الولاء من مولى العتاقة أو عصبته فهو
وارث دون أمر زائد عليه من كون الإرث من الجانبين كما في النسب نحو إرث الأب ابنه وبالعكس أو
من أحدهما، ويشعر بأن من له الولاء عصبته لتضمنه تشبيهه بالأب من حيث هو أب، ولا يدل على أنه
آخر العصبات. وتمامه في شرح ابن الحنبلي. فالأولى زيادة ما ذكره العلامة قاسم من قوله صلى الله عليه وآله: الميراث
للعصبة، فإن لم تكن عصبة فللمولى رواه سعيد بن منصور من حديث الحسن. قوله: (وإذا ترك المعتق)
بفتح تاء المعتق اسم مفعول. قوله: (وقال أبو يوسف للأب السدس) هو قوله الأخير، وقوله الأول
كقولهما وجه قوله الأخير أن الولاء كله أثر الملك فيلحق بحقيقة الملك، ولو ترك المعتق بالكسر مالا
وترك أبا وابنا كان لأبيه سدس ماله والباقي لابنه، فكذا إذا ترك ولاء. والجواب أنه وإن كان أثرا
للملك لكنه ليس بمال ولا له حكم المال، كالقصاص الذي يجوز الاعتياض عنه بالمال، بخلاف الولاء
فلا تجري به سهام الورثة بالفرضية كما في المال، بل هو سبب يورث به بطريق العصوبة، فيعتبر
الأقرب فالأقرب والابن أقرب العصبات. وتمامه في شرح السيد. قوله: (على الترتيب المتقدم) أي بناء
على الترتيب المتقدم في العصبات النسبية. قوله: (وليس هنا الخ) محترز قوله: بنفسه.
مطلب في الكلام على حديث ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن
قوله: (الحديث) لفظه كما في السراجية: ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من

371
أعتقن، أو كاتبن أو كاتب من كاتبن، أو دبرن أدبر من دبرن، أو جر ولاء معتقهن أو معتق
معتقهن ومعناه: ليس للنساء من الولاء إلا ولاء ما: أي العبد الذي أعتقنه، أو ولاء ما: أي
العبد الذي أعتقه من أعتقنه، أو ولاء ما: أي العبد الذي كاتبنه، أو ولاء ما كاتب من كاتبنه، أو ولاء
ما دبرنه، أو ولاء ما دبره من دبرنه، أو جر ولاء معتقهن، أو الولاء الذي هو مجرور معتق معتقهن،
وحذف من كل نظير ما أثبته من الآخر: أي ليس لهن من الولاء إلا ولاء ما أعتقن، أو ولاء من
أعتقن أو كاتب، أو دبر من أعتقن، أو ولاء ما كاتبن، أو ولاء ما كاتب أو أعتق، أو دبر من كاتبن،
أو ولاء ما دبرنه، أو ولاء ما دبر أو أعتق، أو كاتب من دبرنه فكلمة ما المذكورة والمقدرة عبارة
عن مرقوق يتعلق به الاعتاق فإنه بمنزلة سائر ما يتملك مما لا عقل له كما في قوله تعالى: * (أو ما
ملكت أيمانهم) * (المؤمنون: 6) وكلمة من عبارة عمن صار حرا مالكا فاستحق أن يعبر عنه بلفظ
العقلاء، فعبر عن الأول بما، وعن الثاني بمن وإن كانا حرين، لان الأول متصرف فيه كسائر
الأموال، والثاني متصرف كسائر الملاك. قوله: أو جر عطف على المستثنى المحذوف وهو ولاء، وولاء
المذكور مفعوله م (ومعتقهن فاعله، وهو على تقدير أن، والمصدر المنسبك بمعنى اسم المفعول كما في قوله
تعالى: * (وما كان هذا القرآن أن يفترى) * (يونس: 73) أي مفترى، أو على تقدير موصوف حذف
وأقيمت صفته مقامه، ووضع المظهر موضع المضمر، والتقدير: ليس للنساء من الولاء إلا كذا وإلا أن
جر: أي مجرور معتقهن، أو الولاء جره معتقهن، وثم أوجه أخر لا تظهر. وصورة ولاء مدبرهن: إن
امرأة دبرت عبدا ثم ارتدت ولحقت بدار الحرب وحكم بلحاقها وبحرية عبدها المدبر ثم أسلمت
ورجعت إلى دار الاسلام ثم مات المدبر ولم يخلف عصبة نسبية، فهذه المرأة عصبته، وحكم مدبر هذا
المدبر كذلك، فإذا حكم القاضي بحرية مدبرها بسبب لحاقها، فاشترى عبدا ودبره ثم مات ورجعت
المرأة تائبة إلى دار الاسلام إما قبل موت مدبرها أو بعده ثم مات المدبر الثاني ولم يخلف عصلة نسبية
فولاؤه لهذه المرأة، وقدمنا في كتاب الولاء في تصويره وجها آخر.
وصورة جره معتقهن الولاء: أن عبد امرأة تزوج بإذنها جارية قد أعتقها مولاها فولد بينهما ولد
فهو حر، تبعا لامه وولاؤه لمولى أمه، فإذا أعتقت تلك المرأة عبدها جر ذلك العبد بإعتاقها إياه ولاء
ولده إلى مولاته، حتى إذا مات المعتق ثم مات ولده وخلف معتقه أبيه فولاؤه لها.
وصورة جر معتق معتقهن الولاء: أن امرأة أعتقت عبدا، فاشترى العبد المعتق عبدا وزوجه
بمعتقه غيره فولد بينهما ولد فهو حر، وولاؤه لمولى أمه، فإذا أعتق ذلك العبد المعتق عبده جر بإعتاقه
ولاء ولد معتقه إلى نفسه ثم إلى مولاته. هذا حاصل ما ذكروه في هذا المحل، وتمام الكلام على ذلك
وشروط الجر يطلب من كتاب الولاء، فراجعه. قوله: (وهو وإن كان فيه شذوذ الخ) الشاذ هو أن
يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس، فإذا انفرد الراوي بشئ نظر فيه: فإن كان مخالفا لما رواه من
هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم يكن له مخالف، فإن كان ممن
يوثق بحفظه وإتقانه فمقبول لا يقدح فيه انفراده، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه ذلك الذي
انفرد به، فإن لم يبعد من درجة الحافظ الضابط المقبول نفرده فحديثه حسن، وإلا فشاد مردود. هذا ما
اختاره ابن الصلاح في تعريفه. قوله: (لكنه تأيد الخ) فقد روى عن عمر وعلي وزيد بن ثابت رضي
الله عنهم أنهم كانوا لا يرثون النساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن، أو كاتبن. رواه ابن

372
أبي شيبة وعبد الرزاق والدارمي والبيهقي، وذكره رزين بن العبدي في مسنده بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وآله
قال: ميراث الولاء للأكبر من الذكور، ولا يرث النساء من الولاء إلا ولاء من أعتقن أو أعتق من
أعتقن ا ه‍. قاسم. قوله: (فصار بمنزلة المشهور) الحديث المشهور هو الذي يكون في القرن الأول
آحادا ثم انتشر فصار في القرن الثاني ومن بعدهم متواترا، ولما كان القرن الأول وهم الصحابة ثقات لا
يهتمون صارت شهادتهم بمنزلة المتواتر حجة، حتى قال الجصاص أنه أحد قسمي المتواتر. يعقوب
: قوله: (ثم شرع في الحجب الخ) أي بعد بيان الوارثين من ذي فرض وعصبة، لان منهم من يحجب
بالكلية أو عن سهم مقدر إلى أقل منه، وهو لغة: المنع مطلقا، واصطلاحا: منع من يتأهل للإرث
بآخر عما كان له الولاء فخرج القاتل والكافر وشمل نوعي الحجب، لان أئمتنا اصطلحوا على تسمية
ما كان المنع لمعنى في نفسه ككونه رقيقا أو قاتلا محروما، وما كان لمعنى في غيره محجوبا، وقسموا
الحجب إلى حجب حرمان: وهو منع شخص معين عن الإرث بالكلية لوجود شخص آخر، وحجب
نقصان: وهو حجبه من فرض مقدر إلى فرض أقل منه لوجود آخر، فخرج انتقاض السهام بالعول،
وكذا انتقاص حصص أصحاب الفرائض بالاجتماع مع من يجانسهم عن حالة الانفراد كالزوجات
مثلا، ثم حجب الحرمان يدخل فيمن عد الستة المذكورين متنا، وحجب النقصان يدخل في خمسة فقط
كما سيذكره الشارح. قوله: (أي الأبوان) أي الأب والام دون من فوقهما، لان كلا من الجد والجدة
قد يحجب حرمانا فهما من الفريق الآخر، فافهم. قوله: (والولدان) أي الابن والبنت، وثناه
للمناسبة، وإلا فالولد يشمل الذكر والأنثى. تأمل. قوله: (سواء كانوا عصبات) كذا من بمعنى
العصبات كذوي الأرحام. قوله: (وهو) أي حجب الحرمان في الفريق الثاني مبني على أصلين: أي
مترتب وجوده على وجود مجموعهما، فإذا وجدا أو أحدهما وجد وإلا فلا، وفيه بحث يأتي قريبا.
قوله: (يحجب الأقرب) أي بحسب الدرجة أو القرابة، والضمير في سواهم للستة المذكورين في المتن.
قوله: (اتحد في السبب) كالجدات مع الام وبنات الابن مع الصلبيتين أو كالاخوة مع الأب. قوله:
(من أدلى) الادلاء لغة: إرسال الدلو في البئر، ثم استعمل في كل شئ يمكن فيه ولو بطريق المجاز،
فمعنى يدلي إلى الميت: يرسل قرابته إليه بشخص، والباء فيه للالصاق، فالقرابة مشتركة بين المدلي
والواسطة ط. قوله: (كابن الابن الخ) مثال من العصبات، ومثله من أصحاب الفروض أم الام لا
ترث مع الام.
تنبيه: يرد على ما ذكره المصنف: لزوم حجب أم الام بالأب لأنه أقرب منها وإن لم تدل به،
وكذا حجب بنت الابن بالبنت الواحدة الصلبية والأخت لأب بالأخت لأبوين وابن أخ لأبوين بالأخ
لام، فإن أجيب بأن المراد الأقرب من العصبات، ورد عليه أن هذين الأصلين للفريق الثاني الذين
يرثون تارة ويحرمون أخرى، وفيهم العصبات وغيرهم. وإن أجيب بأن المراد أن الأقرب يحجب الأبعد

373
إذا كان الأبعد مدليا بالأقرب فلا معنى لكونهما أصلين ولزم عليه أن يرث ولد الابن مع الابن الذي
ليس بأبيه فإنه لا يدلي به. أفاده السيد. قوله: (بجهة واحدة) احتراز عما لو انفردت فإنها تستغرق
التركة لكن بجهتي الفرض والرد. قوله: (والمحروم) أي من قام به مانع عن الإرث المعنى في نفسه.
قوله: (عامة الصحابة). وعن ابن مسعود أنه يحجب نقصانا لا حرمانا، كالابن الكافر
مثلا مع أحد الزوجين، وعنه أيضا أنه يحجب الأخ لام بابن كافر حجب حرمان. قوله: (أصلا) أي لا
نقصانا ولا حرمانا. قوله: (ويحجب المحجوب) أي المحجوب حرمانا يحجب غيره حرمانا ونقصانا،
ومثل لكل بمثال. قوله: (وتحجب أم أم الام) كذا في بعض النسخ لتكرار الام ثلاث مرات، وفي
بعضها مرتين، والصواب الأول. قوله: (بالام) فإنها تحجب من الثلث إلى السدس بالولد وولد الابن،
وبالعدد من الاخوة أو الأخوات. قوله: (وبنت الابن) تحجب من الصلبية من النصف إلى السدس.
قوله: (والأخت لأب) تحجب مع الشقيقة من النصف إلى السدس. قوله: (والزوجين) فالزوج يحجب
من النصف إلى الربع، والزوجة مع الربع إلى الثمن بالولد وولد الابن. قوله: (ويسقط بنو الأعيان)
قدمنا وجه تسميتهم بذلك. قوله: (على أصول زيد) أي ابن ثابت الصحابي الخليل رضي الله عنه.
وحاصل أصوله: أن الجد مع الاخوة حين المقاسمة كواحد منهم إن لم تنقصه المقاسمة معهم عن
مقدار الثلث عند عدم ذي الفرض، وعن مقدار السدس عند وجوده، وله في الأولى أفضل الامرين
من المقاسمة ومن ثلث جميع المال، وضابطه أنه إن كان معه دون مثليه فالمقاسمة خير له، أو مثلاه
فسيان، أو أكثر فالثلث خير له. وصور الأول خمس فقط: جد وأخ أو أخت أو أختان أو ثلاث
أخوات أو أخ وأخت، والثاني ثلاثة: جد وأخوان أو أربع أخوات أو أخ وأختان، والثالث لا
ينحصر. وله في الثانية بعد إعطاء ذي الفرض فرضه من أقل مخارجه خير أمور ثلاثة، أما المقاسمة
كزوج وجد وأخ للزوج النصف والباقي بين الجد والأخ، وأما ثلث الباقي كجدة وجد وأخوين وأخت
للجدة السدس وللجد ثلث الباقي، وأما سدس كل المال كجدة وبنت وجد وأخوين للجدة السدس
وللبنت النصف وللجد السدس لأنه خير له من المقاسمة ومن ثلث الباقي. وتمامه في شرحنا الرحيق
المختوم وغيره. قوله: (كما هو مذهب أبي حنيفة) وهو مذهب الخليفة الأعظم أبي بكر الصديق رضي
الله عنه، وهو أعلم الصحابة وأفضلهم، ولم تتعارض عنه الروايات فيه فلذلك اختاره الامام الأعظم،
بخلاف غيره فإنه روى عن عمر رضي الله عنه أنه قضى في الجد بمائة قضية يخالف بعضها بعضا،
والاخذ بالمتفق عليه أولى، وهو أيضا قول أربعة عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله. وروي عن ابن

374
عباس رضي الله عنهما أنه قال: ألا يتقي الله زيد؟ يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أبا الأب أبا؟ وتمامه
في سكب الأنهر. قوله: (وعليه الفتوى الخ) قال في سكب الأنهر: وقال شمس الأئمة السرخسي في
المبسوط: والفتوى على قولهما. وقال حيدر في شرح السراجية: إلا أن بعض المتأخرين من مشايخنا
استحسنوا في مسائل الجد الفتوى بالصلح في مواضع الخلاف، وقالوا: إذا كنا نفتي بالصلح في
تضمين الأجير المشترك لاختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم فالاختلاف هنا أظهر، فالفتوى فيه
بالصلح أولى ا ه‍، ومثله في المبسوط.
وسبب اختلافهم في ذلك عدم النص في إرث الجد مع الاخوة من كتاب أو سنة، وإنما ثبت
باجتهاد الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعد اختلاف كثير، وهو من أشكل أبواب الفرائض ا ه‍. لكن
المتون على قول الإمام، ولذا أشار الشارح إلى اختياره هنا وفيما سبق. قوله: (أي ببني الأعيان) أي
الذكور منهم كما هو صريح العبارة، حيث عبر ببني ولم يعبر بأولاد، بخلاف ما تقدم حيث فسر بني
الأعيان بالإناث أيضا تغليبا لقبول المقام له، أما هنا فلا يقبله، فإن أولاد العلات لا يسقطون
بالأخوات لأبوين، ويدل عليه قوله: وكذا بالأخت الخ ا ه‍ ح.
قلت: نعم، لكن قد يسقط بعد أولاد العلات بالإناث من بني الأعيان كالأخوات لأب
يسقطن بالأختين لأبوين ما لن يعصبهن أخ لأب كما سيأتي. وعبارة السراجية أوضح ونصها: وبنو
الأعيان وبنو العلات كلهم يسقطون بالابن وابن الابن وإن سفل وبالأب بالاتفاق، وبالجد عند أبي
حنيفة، ويسقط بنو العلات بالأخ لأب وأم ا ه‍. ويؤخذ منه أن الأخت لأب تسقط بالأخ لأب
وأم كما قدمنا التصريح به عن كشف الغوامض وتحفة الاقران. قوله: (أيضا) كان المناسب ذكره بعد
قوله: وبهؤلاء. قوله: (والجد) أي على الخلاف المار. قوله: (إذا صارت عصبة) أي مع البنات أو مع
بنات الابن، وإنما سقطوا بها لأنها حينئذ كالأخ في كونها عصبة أقرب إلى الميت ا ه‍. سيد. قوله:
(ويسقط بنو الأخياف) الخيف: اختلاف في العينين، وهو أن تكون إحداهما زرقاء والأخرى كحلاء،
وفرس أخيف. ومنه الأخياف: وهم الاخوة لآباء شتى، يقال أخوة أخياف. وأما بنو الأخياف فإن
قاله متقن فعلى إضافة البيان ا ه‍. مغرب. قوله: (بالولد الخ) أي ولو أنثى فيسقطون بستة بالابن
والبنت وابن الابن وبنت الابن والأب والجد، ويجمعهم قولك الفرع الوارث والأصول الذكور، وقد
نظمت ذلك بقولي:
ويحجب ابن الام أصل ذكر * كذاك فرع وارث قد ذكروا
قوله: (بالاجماع) مرتبط بقوله: والجد أي بخلاف بني الأعيان والعلات ففي سقوطهم به
الخلاف المار. قوله: (لأنهم من قبيل الكلالة) علة لسقوطهم بما ذكر بيانه أنه قول تعالى: * (وإن كان
رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت) * الآية، المراد به أولاد الام إجماعا، ويدل عليه قراءة أبي:

375
وله أخ أو أخت من الام وقد اشترط في إرث الكلالة عدم الولد والوالد إجماعا فلا إرث لأولاد
مع هؤلاء، ثم لفظ الكلالة في الأصل بمعنى الأعياد وذهاب القوة، ثم استعير لقرابة من عد
الولد والوالد كأنها كآلة ضعيفة بالقياس إلى قرابة الولاد، ويطلق أيضا على من لم يخلف ولدا ولا والدا،
وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، هذا حاصل ما ذكره السيد. قوله: (وتسقط الجدات الخ)
الأصل أن لكل من اتحاد السبب، والأدلاء تأثيرا في الحجب، فأم الأب تحجب به للادلاء فقط،
وبالأم لاتحاد السبب وهو الأمومة، وأم الام ترث مع الأب لانعدام المعنيين، وتحجب بالام لوجودهما.
واعلم أن الأب لا يرث معه إلا جدة واحدة من قبل الام، لان الأبويات يحجبن به، والأميات
الصحيحات لا يزددن على واحدة أبدا، وأما الجد فترث معه واحدة أبوية وهي أم الأب، أو من فوقها
كأم أم الأب، وإذ بعد بدرجتين كأبي أبي الأب ترث معه أبويتان: إحداها أم أبي الأب. أو من فوقها
كأم أم أبي الأب والثانية أم أم الأب أو من فوقها كأم أم أم الأب وتمامه في شرحنا الرحيق المختوم.
قوله: (لأنها ليست من قبله) أي لم تدل به، وأيضا لم يوجد اتحاد السبب لان جهته الأبوة وجهتها
الأمومة. قوله: (بل هي زوجته) هذا ظاهر إذا كانت في درجته، فلو أعلى منه فهي أم زوجته أو
جدتها أو أجنبية عنها. قوله: (من أي جهة كانت) أي من جهة ألام أو الأب. قوله: (كذلك) أي من
أي جهة كانت، فالصور أربع: قربى من جهة الام تحجب البعدي من الجهتين، قربى من جهة الأب
تحجب البعدي من الجهتين. قوله: (كما قدمناه) عند قوله: ويحجب المحجوب. قوله (وقد قدم الخ)
أراد الاستدلال على أن المتن لو كان أم الأب لحجبت غيرها، ولم يتأت الخلاف بين محمد وصاحبيه ا ه‍
ح. قوله: (فهذه المرأة جدته لأبويه) أي جدة لهذا الولد الذي مات من قبل أبيه لأنها أم أب أبيه، ومن
قبل أمه لأنها أم أم أمه، ثم نقول: هناك امرأة أخرى وقد كان تزوج بنتها ابن المرأة الأولى فولدت من بنت

376
الأخرى ابن ابن الأولى الذي هو أبو الميت فهذه الأخرى أم أم أبي الميت فهي ذات قرابة واحدة. منح.
قوله: (وبه جزم في الكنز) قال في الدر المنتقى: فكان هو المرجح وإن اقتضى صنيع المصنف خلافه،
فلينتبه له.
وأصل هذا: أن الترجيح بكثرة العلة لا يجوز على ما عرف في الأصول، ثم الوضع في ذات
قرابتين اتفاقي لامكان الزيادة إلى غير نهاية. وعند أبي يوسف: يقسم أنصافا مطلقا، وعند محمد:
باعتبار الجهات وإن كثرت، فليحفظ ا ه‍. قوله: (والأخوات) الواو بمعنى أو لان المستكمل أحد
الصنفين لا مجموعهما. أفاده ط. قوله: (سقط الخ) لف ونشر مرتب. قوله: (أو أخ) أي لأب.
قوله: (وفي إطلاقه) أي المصنف تبعا للمجمع، ويجاب كما في غرر الأفكار بأن قوله: مواز أو سافل
صفة لابن ابن دون الأخ، لأنه لا يصح وصف الأخ بالنزول: أي فإن ابن الأخ لا يسمى أخا
بخلاف ابن الابن، فإنه يطلق على من في الدرجة الثانية ومن دونها. نعم كان حقه كما قال العلامة
قاسم أن يقدم الأخ على ابن الابن. قوله: (لتصريحهم الخ) حاصله كما في السراجية والملتقى أن من
لا فرض لها من الإناث وأخوها عصبة لا تصير عصبة بأخيها، وقدمناه منظوما. قوله: (لأنها من ذوي
الأرحام) أي الأخت في هذه الصور، لكن بنت المعتق ليست من ذوي أرحام الميت، فالمراد من عداها
وإنما لا يعصبها أخوها، لأنه ليس للنساء من الولاية إلا ما أعتقن، وعبر بذوي ولم يقل ذوات تغليبا
للذكور على الإناث كما في قوله تعالى: * (وكانت من القانتين) *. قوله: (من مثله) أي في الدرجة
كأخته أو بنت عمه. قوله: (أو فوقه) كعمته. قوله: (فإنه يعصب من مثله أو فوقه الخ) هذا ظاهر
الرواية، وعند بعض المتأخرين لا يعصب من فوقه، وإلا صار محروما لان الأصل في إرث العصبة أن
يقدم الأقرب ولو أنثى على الأبعد، ولذا تقدم الأخت على بن الأخ إذا صارت عصبة مع البنت.
والجواب أن من فوقه إنما صارت عصبة به، ولولاه لم ترث شيئا فكيف تحجبه؟ وانظر ما أجاب السيد
قدس سره. قوله: (ذات سهم) أي فرض. قوله: (لا يوازيها أحد) لانتمائها إلى الميت بواسطة واحدة،

377
وليس في هؤلاء البنات من هو كذلك. قوله: (فلها النصف) لأنها قامت مقام بنت الصلب عند
عدمها. قوله: (توازيها العليا من الفريق الثاني) لان كلا منهما يدلي إلى الميت بواسطتين، وأما السفلى
من الفريق الأول فتوازيها الوسطى من الفريق الثاني والعليا من الفريق الثالث، لان كل واحدة منهن
تدلى إلى الميت بثلاث وسائط، وأما السفلى من الفريق الثاني فتوازيها الوسطى من الفريق الثالث لانتماء
كل منهما إليه بأربع وسائط، وأما السفلى من الفريق الثالث فلا يوازيها أحد، لأنها تدلي بخمس وسائط
وليس في هذه البنات من هو كذلك. قوله: (فيكون لهما السدس الخ) وذلك لان العليا من الأول لما
قامت مقام الصلبية قام من دونها بدرجة واحدة مقام بنات الابن. قوله: (ولا شئ للسفليات) وهي
الست الباقية من البنات التسع، لأنه قد كمل الثلثان لتلك الثلاث، فلم يبق للباقيات فرض وليس لهن
عصوبة قطعا فلا يرثن من التركة أصلا. قوله: (إلا أن يكون الخ) فإن كان الغلام مع السفلى من
الفريق الأول أخذت العليا منهم النصف، وأخذت الوسطى منهم مع العليا من الفريق الثاني السدس
ويكون الثلث الباقي بين الغلام وبين السفلى من الأول والوسطى من الثاني والعليا من الثالث للذكر
مثل حظ الأنثيين أخماسا، وسقط سفلى الثاني ووسطى الثالث وسفلاه. وإن كان الغلام مع السفلى من
الفريق الثاني كان ثلث الباقي بينه وبين سفلى الأول، ووسطى الثاني سفلاه، وعليا الثالث ووسطاه
أسباعا للذكر مثل حظ الأنثيين، وسقطت سفلى الثالث. وإن كان مع السفلى من الفريق الثالث كان
الثلث الباقي بين الغلام وبين السفليات الست أثمانا، وإن فرض الغلام مع العليا من الفريق الأول
كان جميع المال بينه وبين أخته للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا شئ للسفليات وهن ثمان، وإن فرض مع
وسطى الأول، فتأخذ عليا الأول النصف والباقي للغلام مع من يحاذيه وهي وسطى الأول وعليا الثاني
للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذا الحال إذا فرض مع عليا الثاني.
وأما تصحيح المسائل في جميع هذه الصور فعلى ما ستحيط به فيما بعد فلا حاجة إلى إيراده هنا.
واعلم أن ذكر البنات على اختلاف الدرجات كما ذكر في الكتاب يسمى مسألة التشبيب لأنها بدقتها
وحسنها تشحذ الخواطر وتميل الآذان إلى استماعها فشبهت بتشبيب الشاعر القصيدة لتحسينها واستدعاء
الاصغاء لسماعها ا ه‍. من شرح السيد. قوله: (ممن لا تكون صاحبة فرض) أما من كانت صاحبة
فرض فإنها تأخذ سهمها ولا تصير به عصبة، وهي العليا من الفريق الأول التي أخذت النصف
والوسطى منه مع العليا من الفريق الثاني حيث أخذتا السدس، وهذا قيد معتبر فيمن كانت فوقه دون
من كانت بحذائه فإنه يعصبها مطلقا. سيد. قوله: (وسط السفليات) أي اللاتي تحته في الدرجة.
قوله: (وعبارة السيد الخ) أي فكان على المصنف أن يقول كذلك، ولا سيما مع قوله بعد: ويقتسمان
الباقي. قوله: (هو أخ لام) كأن تزوجت بأخوين فجاءت من كل بولد وللأخوين ولد أخ آخر من
غيرها فمات أحد ولديها عن أخيه الذي هو ابن عمه وعن ابن عمه الآخر. قوله: (وكذا لو كان

378
الآخر زوجا) الأوضح أن يقول: وكذا لو كان أحدهما أي أحد ابن عمها زوجها ط. قوله:
(ويقتسمان الباقي) وهو خمسة أسداس في الأولى والنصف في الثانية ط. قوله: (حيث لا مانع من إرثه
بهما) احتراز عما لو كان للميت بنت في الأولى فإن لها النصف، وتحجب ابن العم عن السدس من
حيث كونه أخا لام، ويشترك هو وابن العم الآخر في الباقي، وعما لو كان للزوجة في الثانية أخت
شقيقة فإن لها النصف والنصف الاخر للزوج فرضا ولا شئ له كابن العم الآخر من حيث بنوة
العم. قوله: (بجهتي فرض وتعصيب) فهة الفرض الزوجية وإخوة لأم وجهة التعصيب كونه ابن
عم ط. قوله: (وأما بفرض) أي وأما الإرث بفرض وتعصيب ط. قوله: (بجهة واحدة) وهي الأبوة
ط. قوله: (فليس إلا الأب وأبوه) أي مع البنت أو بنت الابن كما تقدم، واسم ليس ضمير عائد
على الإرث بالفرض والتعصيب، وقوله: إلا الأب أي إلا إرث الأب على تقدير مضاف حذف، وأقيم
المضاف إليه مقامه، وهذا على حد قولهم: ليس الطيب إلا المسك في جواز الرفع والنصب في المسك
على الخلاف المشهور، فتنبه. قوله: (وقد يجتمع جهتا تعصيب) أي من غير نظر للإرث بهما لأنه هنا
بإحداهما لتقديم جهة النبوة على جهة العمومية وجهة الولاء. قوله: (وقد يجتمع جهتا فرض) صورته:
نكح مجوسي بنته واستولدها فالولد ابن لهذه المرأة وأخ لها، فإذا مات عنها مات عن أمه وأخته فترث
بالجهتين ط. قوله: (وإنما يتصور في المجوس) أقول: تقدم في كتاب الحدود أن من شبهة المحل وطئ
محرم نكحها، وأنه يثبت فيها النسب على ما حرره في النهر، فراجعه. ثم رأيت في سكب الأنهر قال:
وإنما يتصور ذلك في نكاح المجوس وفي وطء الشبهة في المسلمين وغيرهم، ولا يتصور في نكاح
المسلمين الصحيح ا ه‍. وسيأتي تمامه. قوله: (وعند الشافعي بأقوى الجهتين) وهي التي يرث بها على كل
حال، فإن مات ابن وترك أما هي أخته ترث عندنا بالجهتين: الثلث بجهة الأمية والنصف بجهة
الأختية، وأما عنده: فترث بجهة الأمية لا غير كما في غرر الأفكار. قوله: (يشرك بين الصنفين
الأخيرين) أي أولاد الام والاخوة لأبوين، ولذا سميت مشركة بفتح الراء أو بكسرها على نسبة
التشريك إليها مجازا. قوله: (وكذلك يفرض مالك والشافعي) وكذا أحمد على ما ذكره الشنشوري
خلافا لما ذكره الشارح، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وتسمى هذه المسألة الأكدرية لأنها كدرت على
زيد مذهبه. قوله: (فتعول إلى تسعة) للزوج ثلاثة وللأم اثنان وللجد واحد وللأخت ثلاثة، لكن لما

379
كانت الأخت لو استقلت بما فرض لها لزادت على الجد ردت بعد الفرض إلى التعصيب بالجد، فيضم
إلى حصتها حصته، ويقتسمان الأربعة بينهما أثلاثا: * (للذكر مثل حظ الأنثيين) * لان المقاسمة خير له من
سدس جميع المال ومن ثلث الباقي، وتصح من سبعة وعشرين. وتمامه في سكب الأنهر. قوله: (تسقط
الأخت) فللزوج النصف وللأم الثلث والباقي للجد وأصلها من ستة ومنها تصح. قوله: (على المفتى
به) أي من قول الإمام بسقوط بني الأعيان والعلات بالجد خلافا لهما. قوله: (كما مر) أي في
الحجب. والله تعالى أعلم.
باب العول
مسائل الفرائض ثلاثة أقسام: عادلة، وعاذلة، وعائلة: أي منقسم بلا كسر أو بالرد أو بالعول،
وهو في اللغة: الميل والجور، ويستعمل بمعنى الغلبة، يقال: عيل صبره: أي غلب، وبمعنى الرفع،
يقال: عال الميزان: إذا رفعه، فقيل: إن المعنى الاصطلاحي مأخوذ من الأول، لان المسألة مالت على أهلها
بالجور حيث نقصت من فروضهم والتقسيم المار كالصريح فيه، لان العادلة من العدل مقابل الجور.
وقيل من الثاني لأنها غلبت أهلها بإدخال الضرر عليهم. وقيل من الثالث لأنها إذ ضاف مخرجها
بالفروض المجتمعة ترفع التركة إلى عدد أكثر من ذلك المخرج، ثم يقسم حتى يدخل النقصان في فرائض
جميع الورثة، واختاره السيد. قوله: (وضده الرد) إذ بالعود تنتقص سهام ذوي الفروض ويزداد أصل
المسألة وبالرد يزداد السهام وينتقص أصل المسألة، وبعبارة أخرى في العول تفضل السهام على المخرج،
وفي الرد يفضل المخرج على السهام. سيد. قوله: (هو زيادة السهام) أي سهام الورثة، فأل عوض عن
المضاف إليه وبذا سهل الاضمار في قوله الآتي: على كل منهم ط. قوله: (على مخرج الفريضة) أي
مخرج السهام المفروضة الذي يقال له: أصل المسألة، وهو عبارة عن أقل عدد صحيح يتأتى منه حظ كل
فريق من الورثة بلا كسر ا ه‍. سكب الأنهر. قوله: (كنقص أرباب الديون بالمحاصة) أي الديون التي
ضاقت عنها التركة، وليس بعضها أولى من بعض، فالنقص على الجميع بقدر حقوقهم. قوله: (وأول
من حكم بالعول عمر رضي الله تعالى عنه) فإنه وقع في صورة ضاق مخرجها عن فروضها، فشاور
الصحابة، فأشار العباس إلى العول فقال: أعيلوا الفرائض، فتابعوه على ذلك ولم ينكره أحد إلا ابنه بعد
موته. وتمامه في شرح السيد وغيره. قوله: (ثم المخارج سبعة) وجهه أن الفروض ستة، وهي نوعان:
الأول: النصف والربع والثمن. والثاني: الثلثان والثلث والسدس. ولها حالتان: انفراد، واجتماع.

380
ومخارجها في الانفراد خمسة: الاثنان للنصف، والأربعة للربع، والثمانية للثمن، والثلاثة للثلث
والثلثين، والستة للسدس. وإذا اجتمع فروض: فإن كانت من نوع واحد لا تخرج عن الخمسة
المذكورة لأنه يعتبر مخرج أدناها، ففي نصف ربع من أربعة، أو نصف وثمن من ثمانية، أو ثلث
وسدس من ستة، ولو من نوعين: فإذا اختلط النصف من النوع الأول بكل النوع الثاني أو بعضه فمن
ستة، وهي لا تخرج عنها أيضا، وإذا اختلط الربع بكل النوع الثاني أو ببعضه فمن اثني عشر، وإذا
اختلط الثمن بكل النوع الثاني أو ببعضه فمن أربعة وعشرين، فيضم هذان إلى الخمسة فتصير المخارج
سبعة، وسيأتي بيان ذلك كله في باب المخارج. قوله: (أربعة لا تعول) لان الفروض المتعلقة بها: إما أن
يفي المال بها، أو يبقى منه شئ زائد عليها، وبيانه في المنح. قوله: (وثلاثة قد تعول) وهي الستة
وضعفها وضعف ضعفها، وأشار بقد إلى أن العول ليس لازما لها. قوله: (بالاختلاط) أي باختلاط
أحد النوعين بكل الآخر أو ببعضه كما بيناه، قوله: (إلى عشرة وترا وشفعا) أي تعول إلى أهد إدخال كونها منتهية إلى عشرة فليست إلى صلة لتعول، بل صلتها مقدرة لان العشرة ليست وترا شفعا،
قوله: وترا وشفعا منصوبان على الحال من العدد الذي عالت إليه: أي حال كون تلك الاعداد
منقسمة إلى وتر وشفع. تأمل. قوله: (وتسمى منبرية) لان عليا رضي الله تعالى عنه سئل عنها وهو
على منبر الكوفة يقول في خطبته: الحمد لله الذي يحكم بالحق قطعا، ويجزي كل نفس بما تسعى،
وإليه المآب والرجعي، فسئل عنها حينئذ فقال: من رويها والمرأة صار ثمنها تسعا، ومضى في خطبته
فتعجبوا من فطنته. در منتقى. قوله: (ثمة) أي هناك: أي في الورثة ط. قوله: (عليهم) أي على
ذوي الفروض، والأوضح التصريح به ط. قوله: (لفساد بيت المال) علة لقوله: إجماعا ولا يظهر،
لان المشهور من مذهب مالك أنه لبيت المال وإن لم يكن منتظما، وهو مذهب الشافعي، وروى عن
مالك كقولنا، وبه أفتى متأخرو الشافعية إذا لم ينتظم أمر بيت المال. أفاده في غرر الأفكار. قوله:
(وغيره) كشراح السراجية والكنز. وقال في روح الشروح: وحجة عثمان رضي الله عنه أن الفريضة
لو عالت لدخل النقص على الكل، فإذا فضل شئ يجب أن تكون الزيادة للكل، لان الغنم بالغرم.
والجواب أن ميراث الزوجين على خلاف القياس، لان وصلتهما بالنكاح وقد انقطعت بالموت، وما
ثبت على خلاف القياس نصا يقتصر على مورد النص، ولا نص في الزيادة على فرضهما، ولما كان
إدخال النقص في نصيبهما ميلا للقياس النافي لإرثهما قيل به، ولم يقل بالرد لعدم الدليل، فظهر

381
الفرق وحصحص الحق ا ه‍ ط ملخصا. قوله: (وفي الأشباه الخ) قال في القنية: ويفتي بالرد على
الزوجين في زماننا لفساد بيت المال، وفي الزيلعي عن النهاية: ما فضل عن فرض أحد الزوجين يرد
عليه، وكذا البنت والابن من الرضاع يصرف إليهما. وقال في المستصفى: والفتوى اليوم بالرد على
الزوجين وهو قول المتأخرين من علمائنا. وقال الحدادي: الفتوى اليوم بالرد على الزوجين. وقال
المحقق أحمد بن يحيى بن سعد التفتازاني: أفتى كثير من المشايخ بالرد عليهما إذا لم يكن من الأقارب
سواهما لفساد الامام وظلم الحكام في هذه الأيام، بل يفتي بتوريث بنات المعتق وذوي أرحامه، وكذا
قال الهروي: أفتى كثير من المشايخ بتوريث بنات المعتق وذوي أرحامه ا ه‍. أبو السعود عن شرح
السراجية للكازروني.
قلت: وفي معراج الدراية شرح الهداية: وقيل إن لم يترك إلا بنت المعتق يدفع المال إليها لا إرثا
بل أقرب، وكذا الفاضل عن فرض أحد الزوجين يدفع إليه بالرد، وكذا يدفع إلى البنت والابن
من الرضاع، وبه يفتى لعدم بيت المال.
وفي المستصفى: والفتوى اليوم على الرد على الزوجين عند عدم المستحق لعدم بيت المال، إذ
الظلمة لا يصرفونه إلى مصرفه، وهذا كما نقل عن بعض أصحاب الشافعي أنهم يفتون بتوريث ذوي
الأرحام لهذا المعنى ا ه‍. وقال الشارح في الدر المنتقى من كتاب الولاء: قلت: ولكن بلغني أنهم لا
يفتون بذلك. فتنبه ا ه‍.
أقول: ولم نسمع أيضا زماننا من أفتى بشئ من ذلك ولعله لمخالفته للمتون، فليتأمل. لكن لا
يخفى أن المتون موضوعة لنقل ما هو المذهب، وهذه المسألة مما أفتى به المتأخرون على خلاف أصل
المذهب للعلة المذكورة، كما أفتوا بنظير ذلك في مسألة الاستئجار على تعليم القرآن مخالفين لأصل
المذهب لخشية ضياع القرآن، ولذلك نظائر أيضا، وحيث ذكر الشراح الافتاء في مسألتنا فليعمل به،
ولا سيما في مثل زماننا فإنه إنما يأخذه من يسمى وكيل بيت المال، ويصرفه على نفسه وخدمه ولا
يصل منه إلى بيت المال شئ.
والحاصل: أن كلام المتون إنما هو عند انتظام بيت المال، وكلام الشروح عند عدم انتظامه، فلا
معاوضة بينهما، فمن أمكنه الافتاء بذلك في زماننا فيلفت به ولا حول ولا قوة إلا
بالله. قوله: (أو
أكثر) أي صنفان أو ثلاثة لا أكثر كما سيذكره. قوله: (إما أن يكون) أي يوجد. قوله: (إن اتحد
جنس المردود عليهم) يشمل ما لو كان ذلك الجنس شخصا واحدا أو أكثر، ولذا مثل العلامة قاسم
بقول كأم أو جدة أو جدات أو بنت أو بنات أو بنت ابن أو بنات ابن أو أخوات لأبوين أو أخوات
لأب أو واحد من ولد الام أو أكثر ا ه‍. قوله: (من عدد رؤوسهم) أي رؤوس ذلك الجنس الواحد
فيما إذا كان في المسألة أكثر من شخص واحد ورأس ذلك الشخص الواحد إن كان هو فيها وحينئذ

382
تكون المسألة واحدا ا ه‍. شرح ابن الحنبلي. قوله: (قطعا للتطويل) أي بجعل القسمة قسمة واحدة،
ألا ترى أنك إذا أعطيت كل واحد من الورثة ما استحقه من السهام، ثم قسمت الباقي من سهامهم
بينهم بقدر تلك السهام صارت القسمة مرتين ا ه‍. سيد. قوله: (جنسين أو ثلاثة) أي بحسب سبب
الإرث كالجدودة والاخوة والبنتية والأمومة، وإن كان فرض الجنسين جنسا واحدا كالجدة والأخت لام
اللتين فرض كل منهما السدس أو كان فرض الاثنين من ثلاثة الأجناس جنسا واحدا كالبنت وبنت
الابن والام، إذ البنتية سبب وبنتية الابن سبب آخر، وإن شملهما مطلق البنتية، ففي هذه المسألة ثلاثة
أجناس لا جنسان فقط ا ه‍ ابن الحنبلي. قوله: (بالاستقراء) أي تتبع جزئيات من يرد عليه، وهو
متعلق بالفعل المحذوف المقدر بعد النافي: أي لا يكون أكثر بالاستقراء ط. قوله: (فمن عدد سهامهم)
وهي أربع لا غير: الاثنان والثلاثة والأربعة والخمسة، وقد ذكرها الشارح وكلها مقتطعة من ستة كما
سنذكره. قوله: (لو سدسان) كجدة وأخت لام، فالمسألة من ستة ولهما منها اثنان بالفريضة، فاجعل
الاثنين أصل المسألة وأقسم التركة عليهما نصفين فلكل واحدة منهما نصف المال. سيد. قوله: (لو
ثلث وسدس) كولدي الام مع الام فهي أيضا من ستة ولولدي الام الثلث وللأم السدس، فاجعلها من
ثلاثة عدد سهامهم، وطريقة أن تنظر إلى ما في الأكثر من أمثال الأقل وتضمه إليه ففي الثلث سدسان
فتضمهما إلى سدس الام ا ه‍. قاسم. قوله: (لو نصف وسدس) كبنت وبنت ابن أو بنت وأم لان
المسألة أيضا من ستة، ومجموع السهام المأخوذة منها أربعة ثلاثة للبنت وواحد لبنت الابن أو الام،
فاجعل المسألة من أربعة وأقسم التركة أرباعا ثلاثة أرباعها للبنت وربع منها للام أو بنت الابن ا ه‍.
سيد. قوله: (كثلثين وسدس) كبنتين وأم، وإنما أتى بالكاف ولم يأت بلو كما في سوابقه لان للخمسة
ثلاث صور: ثانيها نصف وسدسان كبنت وبنت ابن وأم، ثالثها نصف وثلث كأخت لأبوين مع أم أو
أختين لام، فالمسألة في هذه الصور الثلاث أيضا من ستة والسهام التي أخذت منها خمسة فتجعل أصل
المسألة وتقسم التركة أخماسا.
تنبيه: القسمة على الوجوه المذكورة إن استقامت على الورثة فذاك، وإلا كما إذا خلف بنتا
وثلاث بنات ابن فللبنت ثلاثة أسهم تستقيم عليها ولبنات الابن سهم واحد فلا يستقيم عليهن فاضرب
الثلاثة: أعني عدد رؤوس من انكسر عليه من أصل المسألة وهي الأربعة فيصير اثني عشر، للبنت منها
تسعة ولبنات الابن ثلاثة منقسمة عليهن. سيد. قوله: (ولثالث) أي من الأقسام الأربعة. قوله:
(وقسم الباقي على رؤوس من يرد عليه) أي تقسم الباقي من ذلك المخرج على عدد رؤوس ذلك الجنس
الواحد كما كنت تقسم جميع المال على عدد رؤوسهم إذا انفردوا عمن لا يرد عليه. قوله: (فهي من

383
أربعة) وأصلها من اثني عشر لاجتماع الربع والثلثين فيها، ومثلها المسألتان الآتيتان. قوله: (وإن لم
يستقم) أي الباقي من ذلك المخرج. قوله: (ضرب وفقها) أي وفق رؤوسهم. قوله: (وهو هنا اثنان)
لان عدد الرؤوس ستة والباقي من المخرج ثلاثة والموافقة بينهما بالثلث ولا عبرة بالمداخلة هنا كما
عرف في موضعه. قوله: (وإلا يوافق) أي الباقي عدد رؤوسهم. قوله: (فاضرب الأربعة في الخمسة)
الموافق لسابقه ولاحقه فاضرب الخمسة في الأربعة ط. لان المضروب هو عدد الرؤوس الخمسة
والمضروب فيه هو المخرج وهو الأربعة. قوله: (والرابع) أي من الأقسام الأربعة. قوله: (هنا) أي في
مسائل اجتماع لا يرد عليه مع من يرد عليه، أما عند انفراد من يرد عليه فقد يكون من ثلاثة كما
صرح به الشارح فيما مر، وذلك في صورة اجتماع النصف والسدسين. قوله: (إذ لا يرد مع أربع
طوائف أصلا) أي سواء كان أحدها من لا يرد عليه والثلاثة الباقية ممن يرد عليه، أو كانت الأربعة ممن
يرد عليه. قوله: (ولعل هذا) أي عدم وجود الرد على أكثر من جنسين.
وحاصله: أن المصنف إنما اقتصر في الثاني على الجنسين حيث قال فيما مر: وإن كان جنسين
مع أنه يكون ثلاثة أيضا لأجل أن يصح قوله هنا: ولو كان مع الثاني الخ إذ لا يصح أن يراد به
الثلاثة، حتى أنه لو لم يقتصر فيما مر على الجنسين بأن ذكر الثلاثة كما فعل في المنتقى وجب أن يراد
هنا بالثاني بعضه، وهو الجنسان لا كله وهو الثلاثة، فاقتصاره فيما مر على الجنسين لا لعدم تأتي الثلاثة
هناك، بل لعدم تأتيها هنا بحكم الاستقراء الذي ذكره الشارح تبعا للسيد وغيره.
أقول: وهذا صحيح لو سلم الاستقراء، وهو ممنوع لأنه وجد مسألة ردية اجتمع فيها أربع
طوائف كزوجة وبنت وبنت ابن وأم أو جدة أصلها من أربعة وعشرين للزوجة الثمن ثلاث وللبنت
النصف اثنا عشر ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين أربعة، وللأم أو الجدة السدس أربعة أيضا بقي
واحد يرد على من الزوجة وهم ثلاثة أجناس. وتصح من أربعين كما ذكرته في الرحيق المختوم،
ثم رأيته هنا في حاشية يعقوب وشرح ابن الحنبلي. وقال يعقوب: إنه من الشبه القديمة التي تورد في
هذا المقام ا ه‍. وعليه فكان على المصنف أن يذكر في الثاني الثلاثة، ويراد به في كلامه هنا كله لا
بعضه، وهو ما مشى عليه العلامة قاسم والباقاني وغيرهما، وإن اعترضهم الشارح في الدر المنتقى
وحكم عليهم بالسهو، فإنه لا سهو في كلامهم بل هو الصواب لما علمت، فتنبه لهذا المقام الذي هو

384
مزلة الاقدام. قوله: (إن استقام) أي على مسألة من يرد عليه: أي على سهامهم، سواء استقام على
عدد رؤوسهم أيضا أو لا، فالثاني ما مثل به المصنف والأول كزوجة وجدة وأختين لام، فإن الثلاثة
الباقية من مخرج فرض الزوجة تستقيم على سهم الجدة وسهمي الأختين وعلى رؤوسهم أيضا. قوله:
(لكنه منكسر على أحاد كل فريق) أي على عدد رؤوسهم، لان نصيب الجدات الأربع واحد لا يستقيم
عليهم بل بينهما مباينة فحفظنا عدد رؤوسهن بأسره، وكذا نصيب الأخوات الست اثنان فلا يستقيمان
عليهن، لكن بين عدد رؤوسهن وسهامهن موافقة بالنصف فردنا عدد رؤوس الأخوات إلى نصفها
وهو ثلاثة، ثم طلبنا التوافق بين أعداد الرؤوس والرؤوس فلم نجدها فضربنا وفق رؤوس الأخوات
وهو الثلاثة في عدد رؤوس الجدات وهو الأربعة فحصل اثنا عشر ثم ضربناها في الأربعة التي هي
مخرج فرض من لا يرد عليه فصار ثمانية وأربعين، فمنها تصح المسألة كان للزوجة واحد ضربناه في
المضروب الذي هو اثنا عشر فلم يتغير فأعطيناه الزوجة، وكان للجدات أيضا واحد ضربناه في ذلك
المضروب فكان اثني عشر، فلكل واحدة منهن ثلاثة وكان للأخوات لام اثنان فضربناهما فيه بلع أربعة
وعشرين فلكل واحدة منهن أربعة. سيد. قوله: (الفريقين) أي فريق من يرد عليه وفريق من لا يرد
عليه ط. قوله: (كأربع زوجات الخ) أصل هذه المسألة من أربعة وعشرين لاختلاط الثمن بالثلثين
والسدس، لكنها ردية فرددناها إلى أقل مخارج فرض من لا يرد عليه وهو الثمانية. سيد. قوله: (ثلثان
وسدس) فالثلثان فرض البنات بأربعة أسداس والسدس فرض الجدات والمجموع خمسة أسداس هي
مسألة الرد. قوله: (ثم ضربت الخ) هذا شروع في معرفة حصة كل فريق من الورثة من هذا المبلغ
ط. قوله: (واضرب) الأولى وضربت بالماضي ليناسب المعطوف عليه. قوله: (فاستقام فرض كل
فريق) أي ممن يرد عليه ومن لا يرد عليه. قوله: (لكنه منكسر الخ) أي وإن استقام على سهامهم لكنه
منكسر على رؤوسهم، ولو كانت المسألة زوجة وسبع بنات وسبع جدات لتم العمل ولم يحتج إلى
التصحيح الآتي. قوله: (فصححه بالأصول السبعة الخ) ثلاثة بين سهام كل فريق ورؤوسهم وهي
الانقسام والتوافق والتباين أربعة بين الرؤوس وبعضها مع بعض وهي التماثل والتداخل والتوافق
والتباين ا ه‍ ح. ففي مسألتنا للزوجات خمسة وعددهن أربعة لا تصح عليهن ولا توافق، وللجدات

385
سبعة وهن ستة لا تصح عليهن ولا توافق، وللبنات ثمانية وعشرون وعددهن تسعة لا تصح عليهن
ولا توافق، فاجتمع معنا من الرؤوس أربعة وستة وتسعة، وبين الأربعة والستة موافقة بالنصف
نصف أحدهما في كامل الآخر تبلغ اثني عشر، وبين اثني عشر والتسعة موافقة بالثلث
فتضرب ثلث أحدهما في كامل الآخر يبلغ ستة وثلاثين وهي جز السهم فتضربه في الأربعين يبلغ ألفا
وأربعمائة وأربعين منها تصح كل من له شئ من الأربعين أخذه مضروبا في جزء السهم يخرج نصيبه
للزوجات خمسة في ستة وثلاثين بمائة وثمانين لكل واحدة خمسة وأربعون وللجدات سبعة في ستة
وثلاثين بمائتين واثنين وخمسين لكل واحدة اثنان وأربعون وللبنات ثمانية وعشرون في ستة وثلاثين
تبلغ ألفا وثمانية لكل واحدة مائة واثنا عشر ا ه‍. سكب الأنهر. قوله: (وتصح الأولى من ثمانية
وأربعين) قدمنا تصحيحها منها موضحا، والله تعالى أعلم.
باب توريث ذوي الأرحام
قوله: (هو كل قريب الخ) أي اصطلاحا، أما لغة فهو بمعنى ذي القرابة مطلقا. سيد: أي
سواء كان ذا سهم أو عصبة أو غيرهما، أو سواء انتمى الميت أو انتمى إلى الميت أو إلى أصوله.
قوله: (فيأخذ المنفرد) أي الواحد منهم من أي صنف كان جميع المال: أي أو ما بقي بعد فرض أحد
الزوجين. قوله: (بالقرابة) أشار به إلى أن توريث ذوي الأرحام عندنا باعتبار القرابة كالتعصيب فيقدم
الأقوى قرابة: إما بقرب الدرجة أو بقوة السبب، ويأخذ المنفرد الكل، ولذا سمى علماؤنا أهل
القرابة، وذهب قوم إلى تنزيل المدلي منزلة المدلي به في الاستحقاق ويسمون أهل التنزيل، وقوم إلى
التسوية بين القريب والبعيد بلا تنزيل، ويسمون أهل الرحم. وبيانه مع ثمرة الخلاف في شرح السيد.
قوله: (ويحجب أقربهم الأبعد) أي سواء كان صنفا عند اجتماع أصنافهم، أو كان واحدا من صنف
عند اجتماع عدد منه. أفاده قاسم. فالأول: إشارة إلى الترجيح بالجهة والثاني إلى الترجيح بقرب
الدرجة والقوة. ولو أخر المصنف ذلك بعد قوله: ويقدم أولاد البنات الخ لكان ذلك على ترتيب
الترجيح بالجهات الثلاث كما مر في العصبات، وهو اعتبار الترجيح بالجهة ثم بالقرب ثم بالقوة،
وهذا الثالث أشار إليه بقوله الآتي: قدم ولد الوارث. قوله: (كترتيب العصبات) فلا يرث أحد من
الصنف الثاني وإن قرب، وهناك أخد من الصنف الأول وإن بعد، وكذا الثالث مع الثاني والرابع مع
الثالث، وعليه الفتوى. در منتقى. قوله: (ثم أصله) هذا ظاهر الرواية، وعليه الفتوى. وعن الامام
تقديمه على الصنف الأول، لكن صح رجوعه عنه. قاسم. ومشى في الاختيار على الرواية المرجوع
عنها، ولذا قال في الدر المنتقى: فما قدمه في الاختيار ليس بالمختار ا ه‍.
قلت: على أنه قد مشى بعده على خلافه. قوله: (يقدم جزء الميت الخ) هذا هو الصنف الأول،

386
وجملة القول في هذا الصنف أنه إما أن يتفاوتوا في الدرجة أو لا، فإن تفاوتوا قدم أقربهم، ولو أنثى
كبنت بنت وابن بنت بنت، وإلا فإما بعضهم ولد وارث دون البعض، أو كلهم
ولد وارث، أو كلهم ولد غيره، ففي الأول قدم ولد الوارث اتفاقا كبنت بنت ابن تقدم على ابن بنت بنت، وفي الأخيرين:
إما أن تتفق صفة الأصول في الذكورة أو الأنوثة، أو تختلف. فإن اتفقت فالقسمة على أبدان الفروع
اتفاقا بالسوية إن كانوا ذكورا فقط أو إناثا فقط كابن بنت ابن مع مثله: أي مع ابن بنت ابن آخر
وكبنت بنت بنت مع مثلها، وللذكر كالأنثيين إن كانوا مختلطين كابن بنت وبنت بنت. وإن اختلفت
صفة الأصول في بطن أو أكثر: فإما أن تتوحد الفروع بأن يكون لكل أصل فرع واحد، وإما أن
تتعدد، وعلى كل فإما أن يكون في الفروع ذو جهتين أو لا، فإن توحدت وليس فيهم ذو جهتين كبنت
ابن بنت وابن بنت بنت فأبو يوسف قسم المال على أبدان الفروع هنا أيضا، فثلثه للأنثى وثلثاه للذكر.
ومحمد يقسم على أعلى بطن اختلف وهو البطن الثاني هنا، ويجعل ما أصاب كل أصل لفرعه إن لم يقع
بعده اختلاف كما في المثال المذكور، وحينئذ فثلثاه للأنثى نصيب أبيها وثلثه للذكر نصيب أمه عكس
ما قسمه أبو يوسف. أما إذا وقع بعده اختلاف الذكورة والأنوثة في بطن آخر أو أكثر فإن محمدا
بعد ما قسم على أعلى بطن اختلف جعل الذكور طائفة والإناث طائفة، وقسم نصيب كل طائفة على أعلى
بطن اختلف منهم، وهكذا كما سيظهر. وإن تعددت فروع الأصول المختلفين كلهم أو بعضهم وليس
فيهم ذو جهتين أيضا وذلك كابني بنت بنت وبنت ابن بنت بنت بنتي بنت ابن بنت، فأبو يوسف
جرى على أصله من القسمة على أبدان الفروع، فيقسم المال عليهم أسباعا. ومحمد يجعل الأصل
موصوفا يصفته متعددا بعدد فروعه، فيقسم على أعلى الخلاف: أعني في البطن الثاني أسباعا. لان
البنت الأولى في البطن الثاني كبنتين لتعدد فرعها، لان فرعها الأخير ابنان، والبنت الثانية فيه على
حالها لعدم تعدد فرعها، وابن فيه كابنين لتعدد فرعه الأخير، فهو كأربع بنات فله أربعة أسباع
الابن لبنتي
بنته وثلاثة أسباع البنتين لولديهما، وهما البنت والابن في البطن الثالث سوية بينهما، لان البنت كبنتين
لتعدد فرعها، فقد ساوت الابن وصارت معه كأربعة رؤوس، وقسمة لثلاث على أربعة لا تصح
وتباين، فتضرب الأربعة عدد الرؤوس في السبعة أصل المسألة يحصل ثمانية وعشرون، وقد كان لبنتي
بنت ابن البنت أربعة، فتضرب في الأربعة المذكورة يحصل ستة عشر، فهي لهما، وتضرب الثلاثة التي
للبنتين في البطن الثاني في الأربعة المذكورة أيضا يحصل اثنا عشر تقسمها بين البنت والابن في البطن
الثالث سوية بينهما لما تقدم، فيكون للبنت ستة تدفع لابنيها وللابن ستة تدفع لبنته، وإن كان في
الفروع ذو جهتين كبنتي بنت بنت هما أيضا بنتا ابن بنت معهما ابن بنت بنت أخرى فأبو يوسف

387
اعتبر الجهات في أبدان الفروع، فجعل البنتين كأربع بنات: بنتين من جهة الام وبنتين من جهة الأب،
فيكون لهما الثلثان وللابن الثلث. ومحمد اعتبر الجهات في أعلى الخلاف مع أخذه العدد من الفروع
كما مر، فيقسم على البطن الثاني، وفيه ابن مثل وبنتان أحدهما كبنتين، فصار المجموع كسبع
بنات. فالمسألة من عدد رؤوسهن فللابن أربعة أسهم لأنه كابنين لتعدد فرعه فيصير كأربع بنات وللبنت
التي في فرعها تعدد سهمان وللأخرى سهم واحد، فإذا جعلنا الذكور في هذا البطن طائفة والإناث
طائفة ودفعنا نصيب الابن إلى البنتين اللتين في البطن الثالث أصاب كل واحدة منهما سهمان، وإذا
دفعنا نصيب طائفة الإناث إلى من بإزائهن في البطن الثالث لم ينقسم عليهن لان نصيبهن ثلاثة أسباع،
ومن بإزائهن ابن وبنتان فالمجموع كأربع بنات، وبين الثلاثة والأربعة مباينة فضربنا الأربعة التي هي
عدد الرؤوس في أصل المسألة وهو سبعة صار ثمانية وعشرين، ومنها تصح لأنه كان لابن البنت في
البطن الثاني أربعة، فإذا ضربناها في المضروب الذي هو أربعة أيضا ستة عشر، فأعطينا كل واحدة
من بنتيه ثمانية، وكان للبنتين في البطن الثاني ثلاثة، فإذا ضربناها في ذلك المضروب حصل اثنا عشر،
فدفعنا إلى ابن بنت البنت ستة وإلى بنتي البنت ستة فلكل واحدة منهما ثلاثة، فصار نصيب كل
بنت في البطن الأخير أحد عشر ثمانية من جهة أبيها وثلاثة من جهة أمها، وقد تحصل من مذهب
محمد المفتى به كما سيأتي أنه يعتبر الأصول بصفاتهم ويأخذ فيهم عدد الفروع وجهاتهم. هذا خلاصة
ما في شروح السراجية وغيرها. قوله: (ثم أصله وهم الجد الفاسد الخ) المراد بالجد الجنس فيعم
المتعدد، وهذا شروع في النصف الثاني، وجملة القول فيه أنه إما أن تتفاوت درجاتهم أو لا، فإن
تتفاوت درجاتهم أو لا، فإن تفاوتت كأم أبي أم وأبي أبي أم أم قدم الأقرب سواء كان من جهة الأب أو الام، ولو أنثى مدلية بغير
وارث والأبعد ذكرا مدليا بوارث وإن استوت درجاتهم، فإما أن يكون بعضهم مدليا بوارث أو كلهم
أو لا ولا، ففي الأول قيل يقدم المدلي بوارث كما في الصنف الأول فأبو أم الام أولى من أبي أبي الام
لادلاء الأول بالجدة الصحيحة، والثاني بالجد الفاسد. وقيل: هما سواء، وهو الأصح كما في الاختيار
وسكب الأنهر وغيرهما. وفي روح الشروح: أن الروايات شاهدة عليه، وفي الأخيرين كأبي أم أب
وأبي أم أم وكأبي أبي أم وأم أبي أم: فإما أن تختلف قرابتهم: أي بعضهم من
جانب الام كالمثال الأول، وإما أن تتحد كالمثال الثاني، فإن اختلفت قرابتهم فالثلثان لقرابة الأب
والثلث لقرابة الام، كأنه مات عن أب وأم ثم ما أصاب قرابة الأب يقسم بينهم على أول بطن وقع فيه
الخلاف، وكذا ما أصاب قرابة الام، وإن يختلف فيهم بطن فالقسمة على أبدان كل صنف وإن
اتحدت قرابتهم: أي كلهم من جانب الام أو الأب، فإما أن تتفق صفة من أدلوا به في الذكورة
والأنوثة أو تختلف، فإن اتفقت الصفة اعتبر أبدانهم، وتساووا في القسمة لو كانوا كلهم ذكورا أو
إناثا، وإلا فللذكر كالأنثيين، وإن اختلفت الصفة فالقسمة على أول بطن اختلف للذكر ضعف الأنثى،

388
صم تجعل الذكور طائفة والإناث طائفة على قياس ما تقرر في الصنف الأول اتفاقا، وقد اعتبر أبو
يوسف هنا اختلاف البطون وإن لم يعتبره في الصنف الأول، والفرق له في المطولات. قوله: (ثم
جزء أبويه وهم أولاد الأخوات الخ) الأولاد يشمل الذكور والإناث، وهذا شروع في الصنف الثالث.
وجملة القول كما في الصنف الأول، وهو أنهم إما أن يتفاوتوا في الدرجة أو لا، فإن تفاوتوا
قدم الأقرب ولو أنثى كبنت أخت وابن بنت أخ، وإلا فإما أن يكون بعضهم ولد وارث أو كلهم أو لا
ولا، والمراد بالوارث هنا ما يشمل العصبة، ففي الأول قدم ولد الوارث كبنت ابن أخ وابن بنت أخت
كلاهما لأبوين أو لأب مختلفين، وفي الأخيرين: أي ما إذا كان كلهم أولاد وارث وهو عصبة كبنتي
ابني الأخ لأبوين أو لأب أو ذو فرض كبنات أخوات متفرقات أو أولاد وارثين، أحدهما عصبة،
والآخر: ذو فرض كبنت أخ لأبوين أو لأب، وبنت أخ لام، وما إذا لم يكن فيهم ولد وارث كبنت
ابن أخ وابن أخت كلاهما لام عند أبي يوسف يعتبر الأقوى في هذه الصور ثم يقسم على الأبدان
للذكر ضعف ما للأنثى، فمن كان أصله أخا لأبوين أولى ممن كان أصله أخا لأب فقط أو لام فقط،
ومن لأب أولى ممن لام. وعند محمد، وهو الظاهر من قول أبي حنيفة: يقسم المال على الأصول: أي
الاخوة والأخوات مع اعتبار عدد الفروع والجهات في الأصول، فما أصاب كل فريق يقسم بين
فروعهم كما في النصف الأول، فلو ترك ابن بنت أخ لأب وبنتي ابن أخت لأب هما أيضا بنتا بنت
أخت لأبوين، وترك أيضا بنت ابن أخت لأم، فعند أبي يوسف: المال كله لبنتي بنت الأخت لأبوين
لقوة القرابة، وعند محمد: يقسم على الأصول كما قلنا، فأصلها من ستة سدسها واحد للأخت لام
وثلثاها أربعة للأخت لأبوين لأنها كأختين لتعدد فرعها والباقي هو واحد للأخ والأخت لأب للذكر
ضعف الأنثى بطريق العصوبة، ثم هذه الأخت لأب كأختين لتعدد فرعها فهي مع الأخ لأب كأربعة
رؤوس وقسمة الواحد على الأربعة لا تصح وتباين، فتضرب الأربعة الستة أصل المسألة تبلغ أربعة
وعشرين، ومنها تصح، فكل من له شئ من أصل المسألة أخذه مضروبا في الأربعة، وقد كان
للأخت لام واحد يضرب في أربعة يخرج أربعة تدفع لبنت ابنها وللأخت لأبوين أربعة تضرب في
أربعة يخرج ستة عشر تدفع لبنتي بنتها وللأخ والأخت لأب واحد يضرب في أربعة يخرج أربعة تقسم
مناصفة بين ابن بنت الأخ وبنتي ابن الأخت، فصار نصيب البنتين من الجهتين ثمانية عشر.
هذا، واعلم أن السيد الشريف قدس سره قد ذكر هذا المثال عن بعض الشارحين وأقره،
ومقتضاه على هذا التقسيم أنه لا يعتبر اختلاف البطون في هذا الصنف عند محمد وظاهر، قول
السراجية: إن الحكم فيهم كالحكم في الصنف الأول، وكذا قوله ما أصاب كل فريق يقسم بين
فروعهم كما في الصنف الأول أنه عند محمد يقسم على أول بطن اختلف كما في الصنف الأول، وكما

389
في الصنف الثاني أيضا وكما في أولاد الصنف الرابع، ولم أر من تعرض لذلك فليراجع. قوله: (ثم
جزء جديه أو جدتيه الخ) المراد بالجدين أبو الأب وأبو الأم وبالجدتين أم الأب وأم الام، وهذا شروع
في الصنف الرابع.
وجملة القول فيه أنه لا يتأتى هنا تفاوت الدرجة إلا في أولادهم ومن بعدهم، وسيأتي الكلام
عليهم، وحينئذ فإما أن يتحد حيز قرابتهم أو لا، فإن اتحد بأن كانوا من جهة أبي الميت أو أمه قدم الأقوى ولو أنثى إجماعا: أي قدم من لأبوين على من لأب ومن لأب على من لام ويقسم على
الأبدان اتفاقا الأصول حينئذ، ويعطى للذكر ضعف الأنثى كعم وعمة كلاهما لام أو خال
وخالة كلاهما لأبوين أو لأب أو لام، وإن اختلف حيز قرابتهم لان كان قرابة بعضهم من جهة الأب
وبعضهم من جهة الام فلقرابة الأب الثلثان ولقرابة الام الثلث، ولا يقدم الأقوى في جهة على غيره
في جهة أخرى، وإنما يقدم أقوى كل جهة على غيره فيها فلا تقدم العمة الشقيقة على الخالة لام بل
تقدم على العمة لأب أو لام، ولا يقدم الخال الشقيق على العمة لام بل يقدم على الخال لأب أو
لام، ويقسم حظ كل جهة على أبدانهم ويعطى للذكر ضعف الأنثى، فلو مات عن عشر عمات
وخال وخالة فالثلثان للعمات على عشرة بالسوية والثلث للخال والخالة أثلاثا. قوله: (وبنات
الأعمام) أطلقه فشمل الأعمام لأبوين أو لأب أو لام. قوله: (وأولاد هؤلاء) أي أولاد هذا الصنف
الرابع عند عدم أوصلها، وخصهم بالذكر لعدم تناول الأعمام والعمات والأخوال والخالات
لأولادهم، بخلاف أولاد البنات والأخوات، وكذا الجدات والأجداد لتناولهم من يكون بواسطة
وغيرها، ثم حكم هؤلاء كالحكم في الصنف الأول، وهو أنه إما أن يتفاوتوا في الدرجة أو لا،
فإن تفاوتوا درجة قدم أقربهم على غيره ولو من غير جهته، فأولاد العمة أولى من أولاد أولاد العمة
أو الخالة وأولاد الخالة أولى من أولاد أولاد الخالة أو العمة، وإن استووا فإما أن يتحد حيز قرابتهم
أو لا، فإن اتحد حيز قرابتهم بأن تكون قرابة الكل من جانب أبي الميت أو جانب أمه فإما أن يكون
كلهم ولد عصبة أو ولد رحم أو بعضهم ولد عصبة ففي الأولين كأولاد أعمام لغير أم وكأولاد
عمات قدم الأقوى قرابة بالاجماع، فمن أصله من الأبوين أولى ممن لأب، ومن لأب أولى ممن لام
لأنه عند اتحاد السبب يجعل سببا في معنى الأقرب درجة فيكون أولى، وفي الأخير وهو ما
إذا كان بعضهم ولد عصبة وبعضهم ولد رحم قدم ولد العصبة ما لم يكن ولد رحم أقوى قرابة
فبنت عم شقيق أولى من ابن عمة شقيقة، بخلاف ما إذا كان العم لأب فإن ابن العمة الشقيقة
أولى، لان ترجيح شخص بمعنى فيه وهو قوة القرابة هنا أولى من الترجيح بمعنى في غيره وهو
كون الأصل عصبة، وهذا ظاهر الرواية. وقال بعضهم: بنت العم لأب أولى، ورجح على ظاهر
الرواية. سيد. واختاره عماد الدين تبعا لشمس الأئمة ابن كمال، لكن في سكب الأنهر أن الأول
به يفتى.
قلت: وهو المتبادر من إطلاق قول الملتقى: ويرجحون بقرب الدرجة ثم بقوة القرابة ثم بكون
الأصل وارثا عند اتحاد الجهة. وإن اختلف حيز قرابتهم فالثلثان لمن يدلي
بقرابة الأب والثلث لمن يدلي بقرابة الام. ثم عند أبي يوسف: ما أصاب كل فريق يقسم على أبدان فروعهم مع اعتبار عدد الجهات

390
في الفروع، وعند محمد: يقسم المال على أول بطن اختلف مع اعتبار عدد الفروع والجهات في
الأصول كما في الصنف الأول. وتمامه في شرح السيد.
ثم اعلم أنه لا يعتبر بين الفريقين قوة القرابة، فلا يرجح ولد العمة لأبوين على ولد الخال أو
الخالة، وكذا لا يعتبر ولد العصبة فلا ترجح بنت العم لأبوين على بنت الخال أو الخالة وإنما يعتبر
ذلك في كل فريق بخصوصه، فالمدلون بقرابة الأب يعتبر فيما بينهم قوة القرابة ثم ولد العصبة،
والمدلون بقرابة الام يعتبر فيما بينهم قوة القرابة ولا تتصور عصوبة في قرابة الام، وهذا ظاهر الرواية
كما في السراجية والفرائض العثمانية لصاحب الهداية، وهو ظاهر إطلاق المتون والشروح حيث قالوا:
وعند اختلاف جهة القرابة فلقرابة الأب ضعف قرابة الام، فلم يفرقوا بين ولد العصبة وغيره، لكن
ذكر بعده في معراج الدراية عن شمس الأئمة أن ظاهر الرواية أن ولد العصبة أولى اتحد الحيز أو
اختلف، فبنت العم لأبوين أولى من بنت الخال، وأنه وافقه التمرتاشي، ثم قال: وفي ضوء السراج
الاخذ برواية شمس الأئمة أولى ا ه‍.
قلت: وفي الخلاصة: ولد العصبة أولى اتحدت الجهة أو اختلفت في ظاهر الرواية، وكذا في
مجمع الفتاوى وصححه في المضمرات، وبه أفتى العلامة خير الدين الرملي، لكن خالفه في الحامدية
قائلا بأن المعتبر ما في المتون لوضعها لنقل المذهب ا ه‍، فتأمل. وراجع الفتاوى الخيرية. (1) قوله: (ثم
عمات الآباء الخ) أدرج بعضهم هؤلاء تحت الصنف الرابع وهو من ينتمي إلى جد الميت، لان جد
الأب جد، وجعله بعضهم صنفا خامسا وهو المتبادر من عبارة المصنف.
وحاصله: أنه إذا لم يوجد عمومة الميت وخؤولته وأولادهم انتقل حكمهم المذكور إلى هؤلاء ثم
أولادهم، فإن لم يوجدوا أيضا انتقل الحكم إلى عمومه أبوي الميت وخؤولتهم ثم إلى أولادهم
وهكذا إلى ما لا يتناهى فلا تغفل. وفي الحاوي القدسي وغيره: وإذا اجتمع قرابتان لأب وقرابتان لام
كعمة الأب وخالته وعمة الام وخالتها فالثلثان لقرابتي الأب والثلث لقرابتي الام، ثم ما أصاب قرابتي
الأب يقسم أثلاثا ثلثاه لقرابته من قبل أبيه وثلثه لقرابة أمه، وما أصاب قرابتي الام كذلك ا ه‍. قوله:
(كلهم) بالرفع توكيد لأعمام الأمهات: أي أعمامهن لأبوين أو لأب أو لام. قوله: (وإن بعدوا)



(1) عبارة الفتاوى الخيرية سئل في هالك هلك عن بنت عم لأب وأم وابن خال لأب وأم فما الحكم أجاب هذه المسألة
اختلف فيها جعل بعضهم ظاهر الرواية إن الثلثين لبنت العم والثلث لابن الخال وهو المذكور في فرائض السراج
وعليه صاحب الهداية والكنز والملتقى وغالب شروح الكنز والهداية وجعل بعضهم ظاهر للرواية أن لا شئ لابن
الخال وإن الكل لبنت العم لكونها ولد العصبة وجعل في الضوء عليه الفتوى وأنه رواية شمس الأئمة السرخسي وأنه
وافق رواية التمرتاشي روايته وصححه في المضمرات وعليه صاحب الخلاصة قال في الضوء شرح السراجية الاخذ
للفتوى بروايته يعنى شمس الأئمة أولى من الاخذ بروايتهما يعنى صاحب الهداية وصاحب السراجية إنتهى والأصل فيه
أن جهة القرابة إذا اختلفت كما في واقعة الحال هل يقدم ولد العصبة أم لا قيل وقيل والذي ينبغي ترجيحه ما رواه
السرخسي فإن لفظ الفتوى آكد من غيره من ألفاظ التصحيح كالمختار والصحيح كما أني لم أرض من اقتصر على مقابل
ما رواه السرخسي مصرحا بكونه الصحيح أو الأشهر أو المختار أو غير ذلك من ألفاظ التصحيح وإنما يرسله أو يقول
في ظاهر الرواية وأما هواي ما رواه السرخسي فقد صرحوا بأنه الصحيح وإن الاخذ بالفتوى به أولى وأنه ظاهر الرواية
فليكن المعول عليه والله أعلم انتهى منه.
391
راجع إلى قوله: ثم مات الآباء والأمهات الخ لكن في التوزيع، لان قوله: بالعلو راجع إلى
الأصول منهم، وقوله: أو السفول راجع إلى أولادهم، ففيه لف ونشر مرتب فافهم. قوله: (ويقدم
الأقرب في كل صنف) إذا اعتبرنا الأصناف خمسة كما قاله بعضهم لا يظهر ذلك في الرابع إذ لا أقرب
فيهم، أما على ما مشى عليه الشارح من اعتبارهم أربعة فهو ظاهر، فافهم. قوله: (واتحدت الجهة) أي
جهة القرابة بأن يكونوا من جهة الأب أو من جهة الام، وهذا انما يتحقق في غير الصنف الأول،
فافهم. قوله: (قدم ولد الوارث) قد علمت أن اتحاد الجهة لا يتحقق في الصنف الأول فيقدم فيه ولد
الوارث بلا شرط الاتحاد فعلم أنه شرط فيما يمكن فيه ذلك، وكذا تقديم ولد الوارث فيما يتحقق فيه
ذلك وهو الصنف الأول والصنف الثالث، وكذا أولاد الصنف الرابع على التفصيل المار. أما الصنف
الثاني فلا يتحقق فيهم ولد وارث، لان الوارث فرعهم، وإنما يتحقق فيهم الادلاء بوارث، وقدمنا أن
الأصح عدم اعتباره، وأما نفس الصنف الرابع فهم عند الاستواء في الدرجة والاتحاد في الجهة، إما
كلهم أولاد وارث أو أولاد غيره، فلا يتحقق فيهم تقديم ولد الوارث وإنما يتحقق فيهم تقديم الأقوى
كما مر، ثم المراد بولد الوارث من يدلي بوارث بنفسه فلا يعتبر الادلاء به بواسطة فلا تقدم بنت بنت
بنت الابن على بنت بنت بنت البنت كما صرح به في سكب الأنهر وغيره فعلم أن عدوله عن المدلي
بوارث إلى قوله: ولد الوارث للاحتراز عن الصنف الثاني وعن الادلاء بوارث بواسطة. قوله: (فلو
اختلفت) أي جهة القرابة وهذا مقابل قوله: واتخذت الجهة قال الزيلعي: وهذا لا يتصور في الفروع
وإنما يتصور في الأصول والعمات والأخوال ا ه‍ أي في الصنف الثاني والرابع، وكذا في أولاد
الرابع. قوله: (وعند الاستواء) أي في القرب والقوة والجهة وفي كونهم كلهم ولد وارث أو ولد غيره
كما أفاده في الملتقى وشرحه. قوله: (فإن اتفقت صفة الأصول) أي صفة من يدلون به فالمراد بالأصول
المدلى بهم، سواء كانوا أصولا لهم أولا زيلعي أي ليشمل الصنف الثاني. قوله: (وأما إذا اختلفت
الفروع والأصول) مقابل قوله فإن اتفقت الخ لكن ذكر اختلاف الفروع غير لازم، لان الخلاف في
اختلاف الأصول فقط. قوله: (وهما) أي أبو حنيفة في رواية شاذة وأبو يوسف في قوله الأخير ا ه‍.
قاسم قوله: (وفى الملتقى وبقول محمد يفتى) أي وإن صحح في المختلف والمبسوط قول أبي يوسف
لكونه أيسر على المفتى كما أخذوا بقوله في بعض مسائل الحيض ا ه‍. در منتقى قوله: (بنت شقيقة)

392
أي بنت أخيه الشقيق قوله: (فأجبت الخ) أي على قول محمد وأصل المسألة من اثنين وتصح من ستة
بضرب ثلاثة في اثنين لانكسار مخرج النصف على ثلاثة أما على قول أبى يوسف فهي من أربعة للابن
سهمان ولكل بنت سهم واحد قوله: (قد شرطوا) الأولى قد أخذوا عدد الفروع في الأصول: أي
ويؤخذ الوصف من الأصول ط. قوله: (فيقسم الخ) أي فكأنه مات عن شقيق وشقيقتين ط. قوله:
(بين أولادها) أي بين الابن والبنت إطلاقا للجمع على ما فوق الواحد، وحسنه كون الابن يعتبر كبنتين فهو من البنت كثلاثة رؤوس فافهم. والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل في الغرقى والحرقي وغيرهم
جمع غريق وحريق فعيل بمعنى المفعول، والمراد ومن بمعناهم كالهدمى والقتلى في معركة، وأراد
بغيرهم الكافر وولد الزنا واللعان والحمل. قوله: (إلا إذا علم الخ) اعلم أن أحوالهم خمسة على ما في
سكب الأنهر وغيره.
أحدهما: هذا وهو ما إذا علم سبق موت أحدهما ولم يلتبس فيرث الثاني من الأول.
ثانيها: أن يعرف التلاحق ولا يعرف عين السابق.
ثالثها: أن يعرف وقوع الموتين معا.
رابعا: أن لا يعرف شئ، ففي هذه الثلاثة لا يرث أحدهما من الآخر شيئا.
خامسها: أن يعرف موت أحدهما أولا بعينه، ثم أشكل أمره بعد ذلك وسيأتي الكلام عليه ا ه‍.
ومثله في الدر المنتقى. قوله: (فلو جهل عينه) أي بعد معرفة الترتيب، وهذا يحتمل الحالة الثانية
والخامسة، لكن عبارة شرح المجمع تفيد الحالة الثانية فقط ونصها فإن علم أن أحدهما مات أولا وجهل
عينه أعطي كل واحد اليقين ووقف المشكوك حتى يتبين أو يصطلحوا ا ه‍. قوله: (أعطى كل الخ) أي
من ورثتهم بقرينة قوله أو يصطلحوا فلو غرق أخوان لكل منهما بنت أخذت بنت كل نصف تركة أبيها
حتى يتبين المتأخر فتأخذ بنته نصف تركة أبيها الباقي ونصف تركة عمها أو يصطلحا على شئ تأمل.
قوله: (شرح مجمع) أي لمصنفه ومثله في الاختيار حيث قال: وإن علم موت أحدهما أولا ولا يدري
أيهما هو أعطى كل واحد اليقين ووقف المشكوك حتى يتبين أو يصطلحوا ا ه‍ ومثله في شرح السراجية
لمصنفها وتبعه بعض شراحها وعلله في حاشية عجم زاده بقوله لان التذكير غير ميئوس منه. قوله:
(لكن نقل شيخنا الخ) أي في حاشيته على المنح وقد استدرك أيضا في معراج الدراية على شرح المجمع
بعبارة ضوء السراج الذي هو شرح السراجية وقال العلامة قاسم في شرح فرائض المجمع إن ما ذكره
صاحب المجمع أخذه من الاختيار وهو قول الشافعية ولا يساعده عندنا رواية ولا دراية قال في
المبسوط: وكذا إذا علم أن أحدهما مات أولا ولا يدري أيهما هو لتحقق التعارض بينهما فيجعل كأنهما
ماتا معا وقال في المحيط: فيجعل كأنهما ماتا معا، وكذلك لو تقدم موت أحدهما إلا أنه لا يدري

393
المتقدم من المتأخر، لان سبب الإرث ثابت للمتأخر منهما لكن المستحق مجهول فتعذر الاثبات لأحدهما،
وصار كما لو أعتق إحدى أمتيه بعينها ثم نسيها لا يحل له وطؤهما لجهالة المملوكة. وقال في الارفاد:
أو مات أحدهما قبل الآخر وأشكل السابق جعلوا كأنهم ماتوا معا فمال كل واحد لورثته الاحياء ولا
يرث بعض الأموات من بعض. هذا مذهب أبي حنيفة إ ه‍. وذكر ذلك أيضا في سكب الأنهر وشرح
الكنز للمقدسي، وقد لخصت ذلك في الرحيق المختوم، وذكرت فيه أن المتبادر من هذه العبارات كلها
أن محل النزاع هو الحالة الثانية، وهي ما إذا علم التلاحق وجهل عين السابق، وقد خصه في سكب
الأنهر بالخامسة، وهي ما إذا علم السابق بعينه ثم أشكل، ولعله أخذه من قول العلامة قاسم إنه قول
الشافعية، فإن الشافعية ذكروا ذلك في الخامسة فقط كما في شرح الترتيب للشنشوري، لكن إذا جرى
النزاع في الثانية يجري في الخامسة بالأولى. تأمل. قوله: (أنه لو مات أحدهما) أي أولا كما في حاشية
شيخه. قوله: (إذ لا توارث بالشك) علة لمقدر وهو: ولا يرث بعضهم من بعض، أو لما صرح به
المصنف أولا، وهذا قول أبي حنيفة آخرا، وكان أولا يقول: يرث بعضهم من بعض إلا ما ورث من
صاحبه، والمعتمد الأول لاحتمال موتهما معا أو متعاقبا، فوقع الشك في الاستحقاق واستحقاق الاحياء
متيقن والشك لا يعارض اليقين، فلو غرق أخوان ولكل منهما تسعون درهما وخلف بنتا وأما وعما
فعلى المعتمد تقسم تركة على ورثته الاحياء من ستة للبنت النصف وللأم السدس وللعم ما بقي،
وعلى القول الثاني ما بقي وهو ثلاثون للأخ لا للعم، ثم تقسم الثلاثون بين البنت والام والعم على ستة
كما تقوم فيصير للبنت ستون وللأم عشرون وللعم عشرة ا ه‍. قاسم ملخصا.
تنبيه: برهن كل من الورثة أن أباه مات آخرا تهاترتا عند أبي حنيفة، وكذا لو ادعى ورثة كل إن
أبا الآخر مات أولا وحلف لم يصدق، أمل لو برهن واحد منهم في الأولى أو ادعى وحلف في الثانية
صدق لعدم المعارض، ولو مات أخوان عند الزوال أو الطلوع أو الغروب في يوم واحد أحدهما في
المشرق والآخر في المغرب ورث ميت المغرب من ميت المشرق لموته قبله، لان الشمس وغيرها من
الكواكب تزول وتطلع وتغرب في المشرق قبل المغرب ا ه‍. سكب الأنهر. قال في الدر المنتقى:
ومفاده أنه لو اتحدت البلدة أو تقاربت مل يكن الحكم كذلك، فليراجع ذلك ا ه‍.
قلت: لا شك في انتفاء الإرث بالشك وثبوته بعدمه. قوله: (فإنه يرث بالحاجب) كما لو تزوج
مجوسي أمة. زاد في سكب الأنهر: أو وطئ مسلم أو غيره لشبهة فولدت بنتا فماتت البنت عن أمها
وهي جدتها ترث بالأمومة فقط، لان الام تحجب الجدة. قوله: (يرث بالقرابتين) كما لو ماتت الام
المذكورة عن بنتها وهي بنت ابنها ترث النصف بكونها بنتا والسدس تكملة الثلثين بكونها بنت ابن.
قوله: (عندنا) أما عند الشافعية فيرث بأقواهما كما قدمناه قبيل باب العول. قوله: (ولا يرثون إلا
بأنكحة مستحلة عندهم) محترز قوله: بالقرابتين والفرق أن هذه الأنكحة غير ثابتة في حكم الاسلام
على الاطلاق، بخلاف القرابة لان النسب يستحق به الميراث ولو كان سببه محظورا كما في النكاح
الفاسد والوطئ بشبهة. مقدسي. وفيه: ولو ثبت حرمة مصاهرة بين زوجين فحدث بينهما ولد فمات

394
الأب منع إرثه القاضي سليمان. وقال شيخ الاسلام السعدي: يرث ا ه‍. سائحاني.
قلت: وقد نظم هذه المسألة في الوهبانية هنا فراجع شروحها. قوله: (كتزوج مجوسي أمه) أي
فلو مات أحدهما عن الآخر ورث بالنسب لا بالزوجية. قوله: (وكل نكاح الخ) وذلك كالنكاح بلا
شهود أو في عدة كافر معتقدين حله، بخلاف المحارم، أو في عدة مسلم فإنهما لا يقران عليه، وقد
جعل في الجوهرة هذا ضابطا للنكاح الجائز والنكاح الفاسد: أي لما يثبت به الإرث وما لا يثبت.
قوله: (بجهة الام فقط) كما لو كان له ولد من امرأة ثم زنى بها فأتت بولد أو لاعنها في ولد آخر ثم
مات أحد الأخوين فإن الآخر يرثه بكونه أخا لام لا شقيقا ا ه‍ ح. قوله: (لما قدمناه في العصبات
الخ) قدم هناك فرقا بينهما وقدمنا ما فيه، فتنبه. قوله: (ووقف للحمل حظ ابن واحد الخ) هذا لو
الحمل يشارك الورثة أو يحجبهم نقصانا، فلو يحجبهم حرمانا وقف الكل، وقيل: وكذا لو الولادة قريبة
دون شهر، وبه جزم نزيل حلب في شرحه على السراجية، ولكن الاطلاق أظهر كما ذكره الأكمل في
شرحها، ولو لم يعلم أن ما في البطن حمل أو لا لم يوقف، فإن ولدت تستأنف القسمة، ولو ادعت
الحمل عرضت على ثقة، ولو ولدت ميتا لم يرث: أي إذا خرج بنفسه، أما لو أخرج بجناية فيرث
ويورث، وإذا خرج أكثره حيا بما تعلم حياته ولو بتحريك عين وشفة ومات ورث وصلى عليه، وإن
كان خرج أقله حيا ثم مات فلا يرث. وتمامه في الدر المنتقى. قوله: (وعليه الفتوى) وهذا قول أبي
يوسف، وعند الامام: يوقف حط أربعة، وعند محمد: اثنين. قوله: (لأنه الغالب) أي الغالب المعتاد
أن لا تلد المرأة في بطن واحد إلا ولدا واحدا فيبنى الحكم عليه ما لم يعلم خلافه. سيد. قوله:
(ويكفلون) أي يأخذ القاضي على قول أبي يوسف من الورثة كفيلا على أمر معلوم وهو الزيادة على
نصيب ابن واحد فقد نظرا لمن هو عاجز عن النظر لنفسه: أعني الحمل. سيد. قوله: (كما لو ترك
الخ) اعلم أن الأصل في تصحيح مسائل الحمل أن تصحيح مسألة ذكورته ومسألة أنوثته كما ذكر، ثم
تضرب إحداهما في الأخرى إن تباينا أو في وفقها إن توافقا، ثم من له شئ من مسألة الأنوثة أخذه
مضروبا في كل الثانية أو في وقفها ويعطى أقل الحاصلين ويوقف الفضل. ففي هذه الصورة مسألة
الذكورة من 42 للزوجة الثمن 3 ولكل واحد من الأبوين السدس 4 وللبنت مع الحمل الذكر الباقي
وهو 13. ومسألة الأنوثة من 72 لاختلاط الثمن بالسدس فللأبوين 7 وللزوجة 3 وللبنت مع الحمل
الأنثى 61 وبين المسألتين توافق بالثلث، فإذا ضرب وقف إحداهما في الأخرى حصل 612 ومنها
تصح، فعلى تقدير الذكورة للزوجة 72 من ضرب 3 في وفق المسألة الثانية وهو 9 ولكل واحد من
الأبوين 63 من ضرب 4 في 9 وللبنت مع الحمل الذكر 711 من ضرب 31 في 9 للبنت ثلثها 39
ويبقى له ثلثاها 87. وعلى تقدير الأنوثة للزوجة 42 من ضرب 3 في وفق الأولى وهو 8 ولكل واحد من
الأبوين 23 من ضرب 4 في 8 وللبنت مع الحمل الأنثى 821 من ضرب 61 في 8 للبنت نصفها
46 ويبقى له نصفها 46 أيضا فيعطى الزوجة والأبوان ما خرج لهم على تقدير الأنوثة ويوقف الفضل

395
وهو 11 من نصيب الزوجة 3 ومن نصيب الأبوين 8 وتعطى البنت ما خرج لها على تقدير الذكورة
ويوقف الباقي للحمل وهو 87 فجملة الموقوف 98، فإن وضعته أمه أنثى يدفع للبنت من ذلك
الموقوف 52 ليكمل لها مثل حصته والباقي له، وإن وضعته ذكرا يدفع للزوجة 3 وللأبوين 8 والباقي
له، وإن وضعته ميتا تعطى البنت من الموقوف 96 تكملة النصف والزوجة 3 تكملة الثمن والام 4
تكملة السدس والأب 31 منها 4 تكملة السدس والباقي وهو 9 تعصيبا. وقد خالفت في هذا التقسيم
ما في السراجية وشروحها لما علمت من أن الفتوى على أن الموقوف نصيب ولد واحد والآخر في حق
البنت هنا كون الحمل ذكرا وفي حق الزوجة والأبوين كونه أنثى كما رأيت، والعجب مما في السراجية
حيث ذكر أن المفتى به ذلك ثم أوقف نصيب أربعة ذكور وقسم بناء على ذلك، فليتأمل.
تنبيه: هذا التوقف إنما يكون في حق وارث يتغير فرضه من الأكثر إلى الأقل، أما من لا يتغير
فرضه كالجدة والزوجة الحبلى فلا يوقف له شئ، وأما من يسقط في إحدى حالتي الحمل كأخ أو عم
مع زوجة حامل فلا يعطى شيئا. وتمام الكلام في سكب الأنهر. قوله: (هذا) أي ما مر من
المثال. واعلم أنه إذا كان الحمل منه فإنما يرث إذا ولد لأقل من سنتين ولم تكن المرأة أقرت بانقضاء
عدتها، فلو لتمام السنتين أو أكثر أو أقرت بانقضاء العدة فلا. وما في السراجية من إلحاق التمام
بالأقل فخلاف ظاهر الرواية. وإن كان غيره فإنما يرث لو ولد لستة أشهر أو أقل، وإلا فلا، إلا
إذا كانت معتدة ولم تقر بانقضائها، أو أقر الورثة بوجوده كما يعلم من سكب الأنهر مع شرح ابن
كمال وحاشية يعقوب. قوله: (وإلا فمثله كثيرة) بضمتين جمع مثال، وهذا يوهم أنه لو منه يختص
بالمثال السابق وليس كذلك. أفاده ط قوله: (وأما حبلى) أي من أبي الميتة، فلو كان من غير أبيها
ففرضه السدس ذكرا أو أنثى. قوله: (فيقدر أنثى) لان نصيبه أكثر. قوله: (فيقدر أنثى) لان نصيبه أكثر. قوله: (ولم أر الخ) هذا عجيب
مع نقل الفرع بعينه عن الوهبانية ا ه‍ ح.
أقول: مراده أنه هل يوقف له شئ أم لا، وليس في كلام الوهبانية ما يفيد ذلك كما
سيظهر. قوله: (ما لو كان) أي الحمل. قوله: (كهم) أي كزوج وأم حبلى بشقيق أو شقيقة وأعاد
الضمير جمعا باعتبار عد الحمل وارثا ط. قوله: (لم يبق له شئ) أي للحمل لأنه عصبة، وقد
استغرقت الفروض التركة لان المسألة من ستة فللزوج النصف ثلاثة وللأم السدس واحد وللأخوين،
لام الثلث اثنان، وهي المسألة المشركة عند الشافعية. قوله: (فينبغي أن يقدر أنثى الخ) يدل عليه قول
الزيلعي: وإن كان: أي الوارث نصيبه على أحد التقديرين أكثر يعطى الأقل للتيقن ويوقف الباقي ا
ه‍: إذ لا شك أن نصيب الورثة في مسألتنا على تقدير ذكورته أكثر منه على تقدير أنوثته فيقدر أنثى
ويوقف لها النصف عائلا وهو ثلث التركة ويعطى الورثة الأقل المتيقن به. قوله: (وحاملة الخ) يقال:
امرأة حامل أو حاملة كما صرح به في القاموس، فافهم. والفاء في قوله: فلم يرث زائدة، ويقدر
بسكون القاف وفتح الدال بالبناء للمجهول، والبيت من معاياة الوهبانية، فهو لغز في امرأة حامل إن

396
ولدت ذكرا لا يرث وإن ولدت أنثى قدر لها الثلث وهو النصف عائلا، وجوابه ما صوره الشارح آنفا
فيقال: إن ذلك فيما لو ماتت امرأة عن زوج وأم حامل وأخوين لام، ولا يخفى أنه ليس في كلام
الوهبانية ما يفيد أنه هل يوقف لذلك الحمل شئ أم لا، وإنما هو مجرد سؤال عن تصوير المسألة
فافهم. والله تعالى أعلم.
فصل في المناسخة
هي مفاعلة من النسخ بمعنى النقل والتحويل، والمراد به هنا أن ينتقل نصيب بعض الورثة بموته
قبل القسمة إلى من يرث منه. سيد. قوله: (ثم الثانية) أي ثم نصحح المسألة الثانية: أي مسألة الميت
الثاني وتنظر بين ما في يده من التصحيح وبين التصحيح الثاني ثلاثة أحوال: المماثلة، والموافقة،
والمباينة. سيد. وستأتي أمثلتها. قوله: (إلا إذا اتحدوا) أي ورثة الميتين: أي فيكتفي بتصحيح واحد،
فحينئذ تنقسم التركة في المثال المذكور على تسعة ابتداء كأن الميت الثاني لم يكن. قوله): (فإن استقام
الخ) كما إذا مات عن ابن وبنت ثم مات الابن عن ابنين، فالأولى من ثلاثة للابن منها سهمان ومسألته
من اثنين فيستقيم ما في يده على مسألته. قوله: (على تركته) أي مسألة تركته، والأصوب على
مسألته. قوله: (فبها ونعمت) أي فبالاستقامة يكتفي ونعمت هي، لأنه قد صحت المسألتان مما
صحت منه الأولى فلا تحتاج إلى زيادة عمل. قوله: (وإن لم يستقم) أي نصيب الميت الثاني وهو ما في
يده من الأولى على مسألته. قوله: (فإن كان بين سهامه) أي التي في يده من الأولى وبين مسألته
موافقة، كما إذا مات عن ابنين وبنتين ثم مات أحد الابنين عن زوجة وبنت عصبة، فالأولى من ستة
والثانية من ثمانية وسهامه من الأولى اثنان لا يستقيم على مسألته لكن توافق بالنصف فاضرب وفق
مسألته وهو 4 في التصحيح الأول وهو 6 تبلغ 42 ومنها تصح المسألتان للابن الأول ثمانية ولكل
بنت ثلاث أربعة وللابن الميت ثمانية للزوجة منها سهم وللبنت 4 وللعصبة 3. قوله: (وإلا الخ) كما
لو مات عن زوجة أخوات متفرقات ثم ماتت الأخت الشقيقة عن أختيها وعن زوج فالأولى من 12
وعالت إلى 31 للزوجة 3 وللأخت الشقيقة 6 وللأخت لأب 2 وللأخت لام 2 والثانية من 6 وعالت
إلى 7 للزوج 3 وللأخت لأب 3 وللأخت لام سهم وسهام الشقيقة من الأولى 6 لا تستقيم على 7 ولا
توافق فتضرب 7 في 31 تبلغ 19 وهو تصحيح المسألتين. قوله: (يحصل مخرج المسألتين) أي ما خرج
بالضرب في صورتي الموافقة والمباينة هو مخرج المسألتين فيهما كما علمت، وذلك الحاصل يسمى
الجامعة، والمضروب في الأولى وهو الثانية أو وفقها يسمى جزء السهم خلافا لما في الدر المنتقى،
فتنبه. قوله: (فتضرب الخ) شروع في معرفة نصيب كل وارث في المسألتين من التصحيح، وبيانه فيما

397
صورناه للموافقة أنه كان للابن من الأولى 2 فاضربهما في المضروب: أي وفق الثانية وهو أربعة بثمانية
ولكل بنت واحد في أربعة بأربعة وللزوجة من الثانية واحد في وفق ما في يد ميتها وهو واحد بواحد
وللبنت أربعة في واحد بأربعة وللعصبة ثلاثة في واحد بثلاثة وفيما صورناه للمباينة أنه كان للزوجة
من الأولى فقط 3 في 7 تكن 12 والأخت لأب من الأولى 2 في 7 تكن 41 ومن الثانية 3 في كل ما
في يد ميتها وهو 6 تكن 81 وللأخت لام من الأولى 2 في 7 تكن 41 ومن الثانية 1 في 6 تكن 6
للزوج من الثانية فقط في 3 في 6 تكن 81. قوله: (وإن كان فيهم الخ) وذلك كالأخت لأب
والأخت لام فيما صورناه للمباينة، لكنه مثال لضرب النصيب من التصحيح الأول في كل الثاني
وضرب النصيب من التصحيح الثاني في كل ما يد الميت الثاني، ومثاله للضرب في الوقف لو مات
عن زوجة وبنت منها وعن أب ثم ماتت البنت عن أمها وجدها فالأولى من 42 للبنت النصف 12
وللزوجة الثمن 3 وللأب السدس 4 فرضا والباقي 51 تعصيبا والثانية من ثلاثة للأم الثلث والجد
الباقي وهو 2 وبينها وبين ما في يد البنت وهو 21 موافقة بالثلث فتضرب وفق التصحيح وهو في كل
التصحيح الأول يكن 42 كما هو فللزوجة من الأولى ثلاثة في واحد وفق التصحيح الأول بثلاثة ولها
من الثانية بكونها أما واحد في 4 وفق ما يد البنت بأربعة وللأب من الأولى 9 في واحد بتسعة
ومن الثانية بكونه جدا لها 2 في 4 تبلغ 8. قوله: (ولو مات ثالث الخ) بيانه بمثال واحد جامع لما مر
من الاستقامة والموافقة والمباينة: لو ماتت امرأة عن زوج وبنت من غيره وأم فمات الزوج قبل القسمة
عن امرأة وأبوين ثم البنت عن ابنين وبنت وجدة ثم الجدة عن زوج وأخوين فالأولى وهي مسألة المرأة
ردية تصح من ستة عشر فالزوج 4 وللبنت 9 وللأم 3. والثانية وهي مسألة الزوج تصح من 4 فيستقيم
ما في يده عليها فلا حاجة إلى الضرب. والثالثة مسألة البنت من 6 ونصيبها من الأولى 9 لا تنقسم
على مسألتها وتوافق بالمثلث فاضرب ثلث مسألتها وهو 2 في 61 تبلغ 23 فمنها تصح الفريضتان،
فمن كان له من 61 شئ فمضروب في 2 ومن كان له من 6 شئ فمضروب في وفق ما في يدها
وهو 3. والرابعة مسألة الجدة من 4 وسهامها 9 من 23 لأنه اجتمع لها من بنتها 6 ومن بنت بنتها 3
والتسعة لا تستقيم على 4 ولا توافق فاضرب 4 في 23 تبلغ 821 فمنها تصح المسائل كلها، فمن كان
له شئ من 23 فمضروب في 4 ومن كان له شئ من 4 فمضروب فيما في يدها وهو 9. وبسط
ذلك في شرح السراجية. قوله: (جعل المبلغ الثاني) وهو ما صحت منه الأولى والثانية. قوله: (في
العمل) أي المتقدم باين تأخذ سهام الميت الثالث من تصحيح مسألتي الأول والثاني وتقسمها على
مسألته، فإن انقسمت فبها ونعمت، وإلا فاضرب وفق الثالثة التي اعتبرتها ثانية أو كلها في جميع
تصحيح الأولين الذي اعتبرته أولا واعتبر الحاصل منهما كمسألة واحدة وأقسم ذلك على الورثة في
المسألتين يحصل المطلوب كما علمته في المثال الجامع. قوله: (وهذا علم العمل فلا تغفل) يشير إلى
صعوبة مسائل هذا الباب، وأنه لا يتقنها إلا أولو الألباب وكل ماهر في علمي الفرائض والحساب

398
والذي يسهله المباشرة وكثرة العمل بتوفيق الوهاب. وإتقان عمل الشباك المشهور بين الحساب، والله
أعلم.
باب المخارج
الأولى أن يقول وغيرها كما قال فيما مر، لان المصنف أدرج باب التصحيح وباب النسب بين
الاعداد في هذا الباب، والأنسب تقديمه على المناسخة كما فعل في السراجية لتوقفها عليه، والمخارج
جمع مخرج وهو أقل عدد يمكن أن يؤخذ منه كل فرض بانفراد صحيحا، فالواحد ليس بعدد عند
الحساب لا النحاة. قوله: (الفروض الخ) أي الستة الآتية المأخوذة من خمس آيات في سورة النساء.
قوله: (نوعان) السبب في أنهم جعلوا الفرض الستة نوعين أن أقلها مقدارا وهو الثمن الذي مخرجه
الثمانية والربع والنصف يخرجان من الثمانية بلا كسر فجعلوا الثلاثة نوعا واحدا، وأقل فرض بعده
السدس الذي مخرجه الستة والثلث والثلثان يخرجان منها بلا كسر فجعلوا الثلاثة الأخرى نوعا آخر.
أفاد السيد. قوله: (ومخرج كل كسر سميه) أي ما شاركه من الاعداد الصحيحة في مادة اسمه حتى
السدس فإنه شارك مخرجه وهو الستة في ذلك. لان أصل ستة سدسة قلب كل من الدال والسين الثانية
تاء وأدغمت التاء في التاء فقيل ستة، وعبر بالكسر ليشمل ما عدا الفروض المذكورة كالخمس والسبع
والتسع والعشر من الكسور المنطقة فأنها كذلك، وشكل كلامه الكسر المفرد كالنصف والمركب
كالثلثين. واعلم أن المخرج كلما كان أقل كان الفرض أكثر، وكلما كان أكثر كان الفرض أقل، فإن
النصف أكثر من الربع مثلا ومخرجه أقل من مخرجه. قوله: (على التضعيف) أراد بذلك أن الثمن إذا
ضعف حصل الربع وإن الربع إذا ضعف حصل النصف، وكذا السدس إذا ضعف صار ثلثا وإذا
ضعف الثلث صار ثلثين. سيد قوله: (والتنصيف) أراد أن النصف إذا نصف صار ربعا وإن الربع إذا
نصف صار ثمنا، وكذا الحال في تنصيف الثلث والثلثين. سيد. قوله: (فتقول مثلا الخ) أي وتقول
كذلك في النوع الثاني. والحاصل أنه إذا بدئ بالأصغر من النوعين فهو على التضعيف، أو بالأكبر
فعلى التنصيف. قوله: (وأخصر الكل) أي أخصر العبارات التي عبر لها عن النوعين. قوله: (أحاد)
أي واحد واحد فمعناه مكرر وإن ذكر مرة واحدة، وكرره في السراجية نظرا إلى جانب اللفظ كحديث
صلاة الليل مثنى مثنى أفاده السيد. وما في شرح ديوان المتنبي للامام الواحدي من أنه لا يقال هو
أحاد: أي واحد، إنما يقولون جاؤوا أحاد أحاد: أي واحدا واحدا، وأحاد في موضع الواحد خطأ إ
ه‍. لا يدل على عدم جوازه مرة واحدة في المتعدد كما فيما نحن فيه، وإنما يدل على عدم جوازه في
واحد فلا يقال: زيد أحاد. فافهم. قوله: (وهما) أي المثنى أو الثلاث من نوع واحد: أي من النوع

399
الأول فقط أو الثاني فقط بلا اختلاط شئ من أحد النوعين في الآخر. قوله: (لجزء) أي أقل جزى
منها. قوله: (يكون مخرجا لضعفه الخ) لان مخرج الضعف موجود في مخرج الجزء فيستغني به عن
مخرج الضعف، فمخرج الثلث والثلثين من ثلاثة وهي داخلة في الستة مخرج السدس، وكذا كل واحد
من مخرج الربع والنصف داخل في مخرج الثمن، فإذا اجتمع في المسألة السدس والثلث كأم وأختين
لام أو السدس والثلثان كأم وأختين لأبوين فمن ستة، أو الثلث والثلثين كأختين لأبوين وأختين لام
فمن ثلاثة، أو اجتمع الثلاثة كأم وأختين لام وأختين لأبوين فمن ستة، وإذا اجتمع فيها الثمن مع
النصف كزوجة وبنت فمن ثمانية أو الربع والنصف كزوج وبنت فمن أربعة، ولا يتصور اجتماع الربع
مع الثمن ولا اجتماع الثلاثة. قوله: (فإذا اختلط النصف الخ) محترز قوله: وهما نوع واحد فما مر
كان في اختلاط أفراد كل نوع بعضها مع بعض، وهذا شروع في اختلاطها مع أفراد النوع الآخر كلا
أو بعضا، واعلم أن صور الاختلاط مطلقا سبعة وخمسون، منها سبعة وعشرون شرعية وثلاثون
عقلية، وقد لخصت الجميع في الرحيق المختوم فراجعه. قوله: (كزوج الخ) مثال لاختلاط النصف مع
الثلاثة، وفيه لف ونشر مرتب، ويعلم منه أمثلة اختلاط النصف مع بعضها بأن كان الزوج مع واحد
من هؤلاء فقط أو مع اثنين منهم. قوله: (لتركبها من شرب اثنين في ثلاثة) هذا إنما يظهر إذا لم يكن
في المسألة سدس، أما إذ كان فيها ذلك فيكتفي بمخرجه، لان مخرج النصف اثنان ومخرج الثلث
والثلثين ثلاثة وكلاهما داخلان في الستة فيكتفي بها ط. قوله: (فإن كان في المسألة زوجة ومن ذكر)
أي في المثال السابق من الشقيقتين والأختين لام والام، وهذا مثال لاختلاط الربع بكل الثاني، ويعلم
منه اختلاطه ببعضه بأن كانت الزوجة مع واحد من هؤلاء فقط أو مع اثنين منهم نظير ما مر. قوله:
(لموافقة الستة بالنصف) تعليل لما أفهمه كلامه من شرب الأربعة في ثلاثة دائما: أي سواء كان فيها
سدس أو لا. أما الثاني فظاهر، وأما الأول فلان مخرج السدس من ستة وهي موافقة للأربعة مخرج
الربع بالنصف، ونصفها ثلاثة فلذا تضرب الأربعة في ثلاثة دائما، فافهم. قوله: (ببعض الثاني) ليس
على إطلاقه، فإنه يختلط مع الثلثين كزوجة وبنتين ومع السدس كزوجة وأم وابن ومع الثلثين والسدس
كزوجة وبنتين وأم، وأما اختلاط الثمن مع غير ذلك فلا يتصور إلا على رأي ابن مسعود الآتي مع أن
المحروم عنده يحجب غيره حجب نقصان فيختلط عنده مع الثلث كزوجة وأختين لام وابن محروم ومع
الثلث والسدس كهم وأم ومع الثلثين والثلث كزوجة وشقيقتين وأختين لام وابن محروم. قوله: (إلا
على رأي ابن مسعود) كما لو ترك ابنا كافرا وزوجة وأما وأختين لأب وأم وأختين لام فإنهما من 24
وتعول إلى 13 عنده ا ه‍ ح أما عند غيره فهي من 21 وتعول إلى 71. قوله: (أو في الوصايا) كما لو
أوصى لرجل بثمن ماله ولآخر بثلثيه ولآخر بثلثه ولآخر بسدسه ولا وارث له ألا كان وأجاز الكل

400
فهي من 24 وتعول إلى 31 نظير ما قال ابن مسعود، وكذا ما قدمنا من الصور التي لا تأتي إلا على
رأيه تأتي على رأي غيره في الوصايا أيضا كما لا يخفى. قوله: (في ثلاثة) أي دائما سواء كان سدس
أو لا، وبه يتضح التعليل كما نبهنا على نظيره قبله. قوله: (من موافقة الستة بالنصف) لكن فيما تقدم
كانت موافقتها بالنصف للأربعة وهنا للثمانية. قوله: (ولا يجتمع أكثر من أربع فروض) أي غير مكررة
فلا يرد زوج وأم وأخت لأبوين وأخت لأب وأختان لام ا ه‍ ح. قوله: (ولا يجتمع من أصحابها أكثر
من خمس طوائف) بيانه: لو مات ميت عن زوج أو زوجة وعن أب وأم وجد وجدة وبنت وبنت ابن
وأخت لأب وأخ وأخت لام فهؤلاء أصحاب الفروض المقدرة، لكن الجد والأخوات
يحجبون بالأب والجدة بالام فالباقي من له الثمن أو الربع وهو أحد الزوجين، ومن له النصف، وهو
البنت، ومن له السدس وهو ثلاث طوائف الأب والام وبنت الابن فغايتهم خمس طوائف، فإن لم
يكن الأب والجد والبنت وبنت الابن فالباقي من له الربع أو النصف وهو أحد الزوجين، ومن له
النصف وهو الشقيقة، ومن له السدس وهو طائفتان الام والأخت لأب ومن له الثلث وهو أولاد
الام، والطوائف هنا خمسة أيضا. قوله: (ولا ينكسر على أكثر من أربع فرق) لان لا بد أن يكون أحد
الطوائف الخمس من هو منفرد كالأب أو الام أو الزوج ولا تنكسر سهامه عليه أصلا. قوله: (وإذا
انكسر سهام فريق الخ) شروع في تصحيح المسائل، والمراد به بيان أقل عدد يتأتي فيه نصيب كل وارث
بلا كسر.
واعلم أنه يحتاج هنا إلى سبعة أصول: ثلاثة منها بين السهام والرؤوس، وأربعة منها بين
الرؤوس والرؤوس. أما الثلاثة التي بين السهام والرؤوس: فأحدها الاستقامة، بأن تكون سهام كل
فريق منقسمة عليهم بلا كسر كأبوين وأربع بنات فلا حاجة فيها إلى الضرب، وثانيها الانكسار مع
المباينة، بأن تكون السهام منكسرة على طائفة واحدة ولا يكون بين سهامهم ورؤوسهم وموافقة
فاضرب عدد الرؤوس في أصل المسألة فقط أو مع عولها إن عالت، وثالثها الانكسار مع الموافقة بأن
تنكسر السهام على طائفة واحدة لكن سهامهم ورؤوسهم موافقة فاضرب وفق رؤوسهم في أصل
المسألة أو فيه مع عولها. وأما الأربعة التي بين الرؤوس والرؤوس فهي التماثل والتداخل والتوافق
والتباين، وسيذكر المصنف بيان معرفة هذه الأربعة، ولا تأتي هذه الأربعة إلا إذا كان الكسر على
طائفتين فأكثر، وإنما لم يعتبروا التداخل بين السهام والرؤوس كما اعتبروه بين الرؤوس والرؤوس، بل
ردوه إلى الموافقة إن كانت الرؤوس أكثر، وإلى المماثلة إن كانت السهام أكثر كستة على ثلاثة للاختصار
كما سيتضح قريبا، وقد ذكر المصنف هذه الأصول السبعة بأمثلتها على هذا الترتيب المذكور، إلا
الاستقامة فإنه حذفها لظهورها. قوله: (عليهم) أي على الفريق وجمع باعتبار المعنى، قوله: (إن كانت
عائلة) أي يضرب فيهما إن كان عول، وإلا ففي أصل المسألة فقط، وإنما ترك المصنف هذا التفصيل
هنا وفيما بعده إشارة إلى أن المسألة وعولها صار بمنزلة أصل المسألة في أن عدد الرؤوس يضرب فيهما
كما يضرب في أصلها كما أفاده السيد. قوله: (كامرأة وأخوين) مثال لغير العائلة وأصلها أربعة،

401
والعائلة كزوج وخمس أخوات لغير أم أصلها ستة للزوج النصف ثلاثة وللاخوان الثلثان أربعة فعالت
إلى سبعة وبين سهام الأخوات ورؤوسهن مباينة فاضرب عدد رؤوسهن خمسة في أصل المسألة مع
عولها وهو 7 تبلغ 53 ومنها تصح. قوله: (وعولها) أي إن كانت عائلة، وإلا ففي أصل المسألة فقط
كما ذكره المصنف. قوله: (كامرأة وست إخوة) مثال لغير العائلة وأصلها أربعة أيضا، والعائلة كزوج
وأبوين وست بنات أصلها 21 فللزوج الربع 3 وللأبوين السدسان 4 وللست بنات الثلثان 8 فعالت
إلى خمسة عشر وانكسر 8 سهام البنات على 6 عدد رؤوسهن لكن بينهما موافقة بالنصف فرددنا عدد
رؤوسهن إلى نصفه وهو 3 ثم ضربناه في الأصل مع العول وهو 51 فحصل 54 ومنها تصح. قوله:
(فلهم ثلاثة توافقهم بالثلث) اعتبر المرافقة مع أن بين الثلاثة والستة مداخلة إشارة إلى عدم اعتبار
التداخل بين السهام والرؤوس كما قدمنا، لأنه وإن أمكن اعتباره بأن تضرب الأكبر وهو 6 جميع عدد
الرؤوس في 4 لكنه يؤدي إلى التطويل وترك تطويل الحساب ربح فلذا أرجعناه إلى الموافقة، وكذا لو
كانت البنات 4 في المثال الذي ذكرناه للعائلة فلا تضرب الأكبر وهو 8 جميع عدد سهامهن لما قلنا، بل
يرجع إلى التماثل لصحة القسمة بلا ضرب. قوله: (فإن انكسر الخ) شروع في الأصول الأربعة التي
بين الرؤوس والرؤوس.
واعلم أنك أولا تنظر بين كل فريق مع سهامه، فإن تباينا فأثبت الفريق كاملا، وإن توافقا فأثبت
وفق الفريق، ثم تنظر بين الاعداد المثبتة بهذه الأصول الأربعة: فإن تماثل العددان فاضرب أحدهما في
أصل المسألة، تدخلا فاضربه أكبرهما فيه وإن توافقا ضربت الوفق في كل الاخر ثم الحاصل
في أصل المسألة وإن تباينا ضربت أحدهما في الآخر ثم الحاصل في أصل المسألة. وقد ذكر المصنف
هذه الأربعة على هذا الترتيب، والمضروب في أصل المسألة يسمى جزء السهم كما سيأتي. قوله: (أو
أكثر) أي ثلاثة أو أربعة لا أكثر كما مر. قوله: (وعدد رؤوسهم متماثلة) الأولى أن يقول: وأعداد
جمع عدد، قال السيد: والمراد بأعداد الرؤوس ما يتناول عين تلك الاعداد ووفقها أيضا، فإنه إذا كان
بين رؤوس طائفة وسهامهم مثلا موافقة يرد عدد رؤوسهم إلى وفقه أولا ثم تعتبر المماثلة بينه وبين
سائر الاعداد كما ستطلع عليه. قوله: (وعولها) كست أخوات شقيقات وثلاثة أخوات لأم وثلاث
جدات أصلها 6 وتعول إلى 7 للشقيقات الثلثان 4 لا تنقسم وتوافق بالنصف وهو ثلاثة وللأخوات لام
الثلث 2 لا تنقسم ولا توافق وللجدات السدس 1 كذلك فاجتمع معك ثلاثة أعداد متماثلة فاضرب
واحدا منها في الفريضة تبلغ 12 ومنها تصح. زيلعي. قوله: (وإن انكسر على ثلاث فرق الخ) يشير
إلى ما ذكرناه من النظر أولا إلى كل فريق مع سهامه ثم إلى الاعداد المثبتة فلا فرق بين الفريقين والأكثر
فيما ذكره، وإنما الفرق من حيث إن الفرق إذا كانوا ثلاثة مثلا تزيد صورها ويتكرر الضرب لتعدد
المثبتات، لأنك إذا نظرت أولا بين الفرق الثلاث وسهامها، فإما أن يباين كل فريق منها سهامه أو
يوافقها أو توافق فريقين وتباين الآخر أو تباين فريقين وتوافق الآخر. فهذه أربعة أحوال، ثم تنظر في

402
كل حال منها بين المثبتات بالأصول الأربعة فتبلغ 25 صورة محل بيانها المطولات كشرح الترتيب
وغيره. قوله: (فاطلب المشاركة) الأولى التعبير بالمناسبة ط. قوله: (ثم افعل كما فعلت في الفريقين)
الأولى أن يقول: كما تفعل لأنه لم يتقدم من أحوال الفريقين إلا المماثلة، وأما المداخلة والموافقة والمباينة
فستأتي، فافهم. قوله: (أشار إليه) أي ضرب جزء السهم وإلى ما قدمه من قوله: وإن انكسر على
ثلاث فرق الخ تأمل. قوله: (كأربع زوجات الخ) أصلها من 21 للجدات السدس 2 وللزوجات
الربع 3 وللأعمام الباقي 7 وبين سهام كل فريق منهم وعدد رؤوسهم مباينة فأخذنا أعداد الرؤوس
بتمامه وهي 4 و 3 و 21 فوجدنا الأولين متداخلين في الثلث وهو 21 فضربناه في أصل المسألة وهو
أيضا 21 ومنها تصح. قوله: (كأربع زوجات وخمسة عشر جد الخ) الأولى خمس عشرة والمسألة أصلها
من 42 للزوجات الثمن 3 لا تستقيم ولا توافق فحفظنا عددهن 4 وللجدات السدس 4 تباين عددهن
وهو 51 فحفظناه أيضا وللبنات الثلثان 61 توافق عددهن وهو 81 بالنصف وهو 9 فحفظناه وللأعمام
الباقي وهو 1 يباين عددهم وهو 6 فحفظناه أيضا فصار المحفوظ 4 و 6 و 9 و 51 ثم طلبنا المناسبة بين
ذلك فوجدنا الأربعة موافق للستة بالنصف فضربنا نصف أحدهما في كامل الآخر بلغ 21 وهي موافقة
للتسع بالثلث فضربنا ثلث أحدهما في كامل الآخر بلغ 63 وبينهما وبين 51 موافقة بالثلث أيضا
فضربناها في ثلث 51 وهو 5 بلغ 810 هي جزء السهم. قوله: (كامرأتين الخ) أصلها 24 للزوجتين
الثمن 3 وبينهما مباينة فحفظنا عدد رؤوسهن وهو 2 وللبنات الثلثان 61 توافق عددهن وهو 10
بالنصف وهو 5 فحفظناه وللجدات السدس 4 توافق عددهن وهو 6 بالنصف وهو 3 فحفظناه
وللأعمام الباقي وهو 1 يباين عددهم وهو 7 فحفظناه فصار المحفوظ 2 و 3 و 5 و 7 وكلها متباينة فضربنا
2 في 3 بلغ 6 ثم ضربنا 6 في 5 بلغ 03 ثم ضربنا 30 في 7 بلغ 120 هي جزء السهم. وتمام
العمل ما ذكره الشارح. وأما معرفة نصيب كل منهم في جميع هذه الأمثلة وغيرها فسيأتي بيانها. قوله:
(وإذا أردت معرفة التماثل الخ) شروع في بيان النسب بين الاعداد وهي أربعة كالنسب بين الكليات

403
المنطقية، فكل عددين لا بد أن يكون بينهما نسبة منها، لان العددين إما أن يتساويا أو لا، فإن تساويا
فهما متماثلان، وإلا فإما إن يفني الأقل الأكثر أو لا، فإن أفناه فهما متداخلان، وإلا فإما أن يفنيهما
عدد ثالث أو لا، فإن كان فمتوافقان وإلا فمتباينان. قوله: (هذه مقدمة الخ) أي هذه النسب يحتاج إلى
معرفتها في تقسيم التركة على أعداد المستحقين بلا كسر بأن تصحح المسألة من أقل عدد يمكن فهي
توطئة لتصحيح المسائل فكان ينبغي تقديمها عليه، واعلم أن العدد ما تألف من الآحاد كالاثنين
فصاعدا، ومن خواصه أن يساوي نصف مجموع حاشيتيه القريبتين أو البعيدتين، كالأربعة مثلا فإن
حاشيتاها القريبتين ثلاثة وخمسة ومجموعهما ثمانية والأربعة نصف الحاشيتين، وحاشيتاها البعيدتان اثنان
وست أو واحد وسبعة والأربعة نصف مجموعهما، وكالاثنين يساوي نصف مجموع الواحد والثلاثة،
وبه علم أن الواحد لا يسمى عددا عند الحساب. قوله: (المختلفين) أي في القلة والكثرة، والاختلاف
لا يتصور في التماثل بل في التداخل وما بعده، إلا أنه صرح به في التداخل وحده وأشعر به فيما
بعده. سيد. قوله: (على ما هنا) لأنه زاد في السراجية أمرين آخرين: الأول أن تزيد على الأقل مثله
أو أمثاله فيساوي الأكثر. الثاني أن يكون الأقل جزء الأكثر وهو من قبيل الاختلاف في العبارة. قوله:
(أي يفنيه) بمعنى أنه إذا ألقى الأقل من الأكثر لم يبق شئ، كالثلاثة والستة، فإذا ألقيت
الثلاثة من الست مرتين فنيت الستة بالكلية، وكذا إذا ألقيتها من التسعة ثلاث مرات، بخلاف الثمانية
فإنك إذا ألقيت منها الثلاثة مرتين بقي اثنان فلا يمكن إفناؤها بالثلاثة، لكن إذا ألقى منها اثنان أربع
مرات فنيت الثمانية فهما أيضا متداخلان. سيد. قوله: (يعدهما أربعة) وكذا يعدهما اثنان فيتوافقان
بالنصف، لكن إذا تعدد العاد اعتبر الأكبر ليكون جزء الوفق أقل كالاثني عشر والثمانية عشرة يتوافقان
بالنصف والثلث والسدس، إلا أن العبرة في سهولة الحساب بتوافقهما في السدس. قوله: (فيتوافقان
بالربع) لان العدد لما مخرج لجزء الوفق بينهما، فلما عدهما الأربعة وهي مخرج للربع متوافقين
به. سيد. قوله: (كالتسعة مع العشرة) فإنه لا يعدهما شئ سوى الواحد الذي ليس بعدد.
تنبيه: زاد ابن الكمال في التعريف قيد آخر، وهو أن لا يفني أحدهما الآخر لان الاثنين مع
الأربعة لا يعدهما عدد ثالث مع أنهما من المتداخلين لا من المتباينين، وبالقيد المذكور يحترز عنهما لان
الاثنين يعد الأربعة، قوله: (وإذ أردت معرفة التوافق الخ) لما كانت معرفته التماثل والتداخل بين
العددين ظاهرة وفي معرفة التوافق والتباين بينهما خفاء ذكر لهما طريقة أخرى. قوله: (من الجانبين)
أي تسقط الأقل من الأكثر إلى أن يصير الأكثر أقل ثم تنقصه عن الأقل ا ه‍. قاسم. قوله: (تباينا) أي

404
حصل التباين بينهما كالخمسة مع السبعة، فإنك إذا أسقطت الخمسة من السبعة بقي اثنان، فإذا
أسقطتهما من الخمسة مرتين بقي واحد. قوله: (فبالنصف) أي فهما متوافقان بالنصف كالستة مع
العشرة، فإنك إذا أسقطت الستة من العشرة بقي أربعة، فإذا أسقطتها من الستة بقي العشرة، فإنك إذا أسقطت الستة من العشرة بقي أربعة، فإذا أسقطتها من الستة بقي اثنان. قوله:
(فبالثلث) أي فهما متوافقان بالثلث كالتسعة مع الاثني عشر. قوله: (هكذا إلى العشرة) أي وإن توافقا
في أربعة فهما متوافقان بالربع كثمانية من العشرين، أو في خمسة فبالخمس كخمسة عشر مع خمسة
وعشرين، أو ستة فبالسدس كاثني عشرة ثمانية عشر أو سبعة فبالسبع كأربعة عشر مع
إحدى وعشرين أو في ثمانية فبالثمن كستة عشر مع أربعة وعشرين، أو في تسعة فبالتسع كثمانية
عشر مع سبعة وعشرين، أو في عشرة فبالعشر كالعشرين مع الثلاثين. قوله: (وتسمى الكسور المنطقة)
الكسر المنطق هو ما يعبر عنه حقيقة بلفظ الجزئية وغيره، كالخمس فإنه كما يقال فيه خمس يقال فيه
جزء من خمسة، والأصم ما لا يعبر عنه إلا بلفظ الجزئية كالواحد من أحد عشر فلا يقال فيه سوى
جزء من أحد عشر جزءا من الواحد. قوله: (أو أحد عشر) أي وإن توافقا في أحد عشر فهما
متوافقان بجزء من أحد عشر كائنين وعشرين مع ثلاثة وثلاثين. قوله: (وهكذا) كما إذا توفقان في
جزء من ثلاثة عشر كستة وعشرين مع تسعة وثلاثين أو في جزء من سبعة عشر كأربعة وثلاثين مع
واحد وخمسين أو في جزء من تسعة عشر كثمانية وثلاثين مع سبعة وخمسين.
تنبيه: إذا توافقا في عدد مركب وهو ما يتألف من ضرب عدد في عدد كخمسة عشر مع خمسة
وأربعين فإن شئت قلت هما متوافقان بجزء من خمسة عشر، وإن شئت نسبت الواحد إليه بكسرين
يضاف أحدهما إلى الآخر فتقول بينهما موافقة بثلث خمس أو خمس ثلث فيعبر عنه بالجزء وبالكسور
المنطقة المضافة، بخلاف غير المركب فإنه لا يعبر عنه إلا بالجزء. قوله: (وإذا أردت الخ) شروع في
معرفة نصيب كل فريق وفي معرفة نصيب كل واحد من آحاد ذلك الفريق، والثاني يسمى قسمة
النصيب، بيان ذلك في المسألة الأخيرة أنه كان للزوجين من أصل المسألة 3 فاضربها في جزء السهم
الذي ضربته في أصل المسألة وهو 120 تبلغ 360 فهي نصيب الزوجات من التصحيح وكان للبنات
16 فاضربها في جزء السهم المذكور تبلغ 6330 فهي لهن وكان للجدات 4 فاضربها فيه أيضا تبلغ
840 فهي لهن وكان للأعمام سهم فاضربه في 120 فهي لهم. قوله: (ضربت سهام كل وارث الخ)
أي بعد أن تقسم ما كان لكل فريق من أصل المسألة على عدد رؤوسهم وكان عليه أن يذكر ذلك حتى
يعرف ما يضرب في جزء السهم، بيانه كان للزوجتين من أصل المسألة 3 فاقسمها عليهما يخرج واحد
ونصف فاضربه في المضروب وهو 120 تبلغ 513 فهي لكل زوجته وكان للبنات 16 فاقسمها على
10 عدد رؤوسهن يخرج سهم وثلاث أخماس سهم فاضربه في المضروب تبلغ 336 فهي لكل بنت
وكان للجدات 4 فاقسمها على 6 عدد رؤوسهن يخرج ثلثان فاضربه في المضروب يبلغ 140 فهي لكل

405
جدة وكان للأعمام سهم فاقسمه على عددهم 7 يخرج سبع سهم فاضربه في المضروب يبلغ 30 فهي
لكل عم. قوله: (والأوضح طريق النسبة الخ) ففي المسألة المذكورة كان للزوجتين 3 ونسبتها إليهما
مثل ونصف فأعط كل واحدة من المضروب مثل ذلك النسبة: أي مثله ونصف مثله يكن ما مر وسهام
البنات 61 نسبتها إلى رؤوسهن وهو 10 مثل وثلاث أخماس مثل فاعط كل واحد من المضروب مثله
وثلاثة أخماس مثله يكن ما مر وسهام الجدات 4 نسبتها إلى رؤوسهن وهو 6 ثلثان فأعط كل واحد
ثلثي المضروب يكن ما مر، وللأعمام سهم نسبته إلى رؤوسهم وهو 7 سبع سهم فأعط كل واحد منهم
سبه المضروب يكن ما مر، وإنما كان هذا أوضح لأنه لا يحتاج فيه إلى قسمة وضرب، وقد قيل: من
ملك النسبة ملك الحساب، ولكن ربما كانت النسبة أعسر فالعمل بالضرب أيسر وثمة طرق أخر.
قوله: (وإذا أردت قسمة التركة الخ) لما فرع من تعيين نصيب كل فريق من التصحيح ثم تعيين نصيب
كل وارث منه شرع في بيان المقصود وهو تعيين نصيب كل وارث من كل التركة بطريقين يتوافقان
على معرفة نصيب كل وارث من التصحيح. قوله: (يعني أن كلا وحده) جواب عما أورد من أن قوله
كالسراجية والغرماء بالواو، وغير صحيح لان التركة إن كانت وافية بجميع الديون وبقي للورثة شئ
لا يحتاج إلى القسمة بين الغرماء وتكون القسمة بين الورثة وإلا لم يبق للورثة شئ، وحاصل الجواب
أن المراد وبين الغرماء، فلفظ بين مقدر: أي بين أفراد هذه الطائفة، فالقسمة
متعددة بتعدد أحوالها لا واحدة على الطائفتين معا، أو يجاب بأن الواو بمعنى أو فيكون المعنى أيضا
ما قلنا. قوله: (ضربت سهام كل وارث الخ) أي ثم قسمت المبلغ على التصحيح إن ضربت في كل
التركة أو على وفقه إن ضربت في وفقها، وهذا لا بد منه وإن تركه المصنف والشارح. قوله: (والموافق
للسراجية الخ) لم يقل والصواب، لأنه عند الموافقة يصح الضرب في كل التركة كما في المباينة، وكذا
في المداخلة إلا أن فيه تطويل الحساب، فكان الأولى الضرب في الوفق عند الموافقة وفي الكل عند
المباينة. مثال الموافقة: زوج وأخوان لام وشقيقتان أصلها من 6 وتعول إلى 9 والتركة 60 دينارا بينها
وبين التصحيح موافقة بالثلث فللزوج من التسعة 3 فاضربها في 20 وفق التركة يكن 60 فاقسمها على
وفق التصحيح وهو 3 يخرج 20 هي له من التركة ولاحد الأخوين سهم فاضربه في الوفق يكن 20
فاقسمها على الثلاثة يخرج 6 وثلثان هي له ولأخيه مثله ولإحدى الشقيقتين 2 فاضربهما في الوفق يكن
40 فاقسمها على الثلاثة يخرج 31 وثلث وهي لها ولأختها مثلها ومثال المباينة زوج وأم وشقيقة أصلها
من 6 وتعول إلى 8 والترك 52 دينارا فبينهما مباينة للزوج من الثمانية 3 فاضربها في 25 كل التركة
تبلغ 75 فاقسمها على 8 يخرج 9 وثلاثة أثمان هي له وللشقيقة مثله وللأم من الثمانية 2 فاضربهما في
25 تبلغ 50 فاقسمها على 8 يخرج 6 وربع هي لها، ولو ضربت في المثال الأول سهام كل وارث من
التصحيح في كل التركة ثم قسمت الحاصل على كل التصحيح كما فعلت هنا لصح ذلك ولكن فيه
تطويل كما قلنا، ولو كانت التركة في المثال الثاني 24 كان بينها وبين التصحيح مداخلة لدخول الثمانية

406
في 24 ويجوز العمل فيها كالمباينة أيضا، لكن الأخصر عمل الموافقة لاشتراكهما في كسر وهو الثمن
مخرج أقلهما وهو الثمانية فهما في حكم المتوافقين. قوله: (وتعمل كذلك في معرفة نصيب كل فريق
منهم) بأن تضرب يفي المثال الأول نصيب الأخوين ونصيب الأختين فيما ضربت فيه نصيب أحدهما
وتقسم الحاصل على وفق التصحيح فالخارج نصيب كل فريق، وما ذكره من القسمة بطريق الضرب هو
أشهر أوجه خمسة، وبيانها مع بيان ما لو كان في التركة كسر في المطولات. قوله: (وأما قضاء الديون)
أي طريق قسمتها وتسمى المحاصة (فبها) أي بالتوفية يحصل المقصود ونعمت هي. قوله: (وتعدد
الغرماء) فلو كان الغريم واحدا فلا قسمة. قوله: (ينزل مجموع الديون كالتصحيح الخ) بأن تنظر بين
مجموع الديون وبقية التركة بعد التجهيز، فإن توافقا كما إذا ترك 12 دينارا وعليه 18 لزيد 4 ولعمرو
2 ولبكر 12 فالموافقة بالسدس فاضرب دين كل واحد منهم في وفق التركة وهو 2 ثم أقسم الحاصل
على وفق مجموع الديون وهو 3 يخرج لزيد 2 وثلثان ولعمرو 1 وثلث ولبكر 8، وإن تباينا كما إذا
فرضنا التركة في مسألتنا 11 فاضرب دين كل في كل التركة وأقسم الحاصل على مجموع الديون يخرج
لزيد 2 وأربعة أتساع ولعمرو 1 وتسعان ولبكر 7 وثلث، ولو كان عليه في الصورة الأولى 24 دينارا
كان بينهما مداخلة فتعمل فيها كالموافقة، ويصح أن تعمل فيها وفي الموافقة كالمباينة كما علمت. قوله:
(ثم شرع في مسألة التخارج) تفاعل من الخروج وهو في الاصطلاح تصالح الورثة على إخراج بعضهم
عن الميراث على شئ من التركة عين أو دين. قال في سكب الأنهر: وأصله ما روى أن عبد الرحمن
بن عوف رضي الله تعالى عنه طلق في مرض موته إحدى نسائه الأربع ثم مات وهي في العدة، فورثها
عثمان رضي الله تعالى عنه ربع الثمن فصالحوها عنه على ثلاثة وثمانين ألفا من الدراهم. وفي رواية:
من الدنانير، وفي رواية: ثمانين ألفا، وكان ذلك بمحضر من الصحابة من عير نكير ا ه‍.
قلت: وله أحكام وشروط تقدمت آخر كتاب الصلح، وتقدم هناك أنهم لو أخرجوا واحدا
وأعطوه من مالهم فحصته تقسم بين الباقي على السواء، وإن كان المعطى مما ورثوه فعلى قدر ميراثهم.
1 قال الشارح هناك: وقيده الخصاف بكونه عن إنكار، فلو عن إقرار فعلى السواء فتأمله. قوله:
(والغرماء) أي أرباب الديون، ولم يذكرهم في السراجية وإنما ذكرهم في الملتقى والمجمع وغيرهما،
فحكمهم في القسمة والتخارج حكم الورثة، ومثلهم الموصى له كما تقدم آخر كتاب الصلح. قوله:
(أي اطرح سهمه من التصحيح) أي صحح المسألة مع وجود المصالح بين الورثة ثم اطرح سهامه من
التصحيح سيد، قوله: (كزوج الخ) أصلها من ستة للزوج النصف ثلاثة أسهم وللأم الثلث سهمان

407
وللعم الباقي سهم واحد. قوله: (وحينئذ يكون الخ) فلو فرض أنه صالح العم على شئ من التركة
وخرج من البين فالمسألة أيضا من ستة، فإذا خرج نصيب العم بقي خمسة ثلاثة للزوج واثنان للام
فيجعل الباقي أخماسا بين الزوج والام فللزوج ثلاثة أخماس وللأم خمسان، وإن صالحت الام على شئ
وخرجت كانت المسألة أيضا من ستة، فإذا طرح منها سهمان للام بقي أربعة فيجعل الباقي من التركة
أرباعا ثلاثة منها للزوج وواحد للعم. سيد. قوله: (لئلا ينقلب فرض الام الخ) أي في بعض الصور
كهذه الصورة بخلاف ما إذا كان مكان العم أب فإنه لا يلزم اعتبار دخول الزوج في التصحيح لان
للام سهما وللأب سهمان على كل حال. قوله: (فيه نظر) أصله للزيلعي وبينه بقوله لأنه قبض بدل
نصيبه فكيف يمكن جعله كأن لم يكن، بل يجعل كأنه استوفى نصيب ولم يستوف الباقون أنصباءهم، ألا
ترى أنه لو ماتت امرأة وخلفت ثلاث أخوات متفرقات وزوجا فصالحت الأخت لأب وأم وخرجت
من البين كان الباقي بينهم أخماسا ثلاثة للزوج وسهم للأخت لأب وسهم للأخت لام على ما كان لهم
من ثمانية، لان أصلها من ستة تعول إلى ثمانية، فإذا استوفت الأخت نصيبها وهو ثلاث بقي خمسة
ولو جعلت كأنها لم تكن لكانت من 6 وبقي سهم للعصبة ا ه‍. وصوابه أن يقول: لكانت من ستة
وتعول بسهم إلى سبعة كما وجد في بعض نسخ الزيلعي، لكن ما مر وجد بخطه كذلك فهو سبق قلم
إذ لا عصبة هنا. قوله: (ثم ذكر نحو ما تحرر) أي من قوله السابق: فاطرح سهامه من التصحيح.
قوله: (قال مؤلفه) من التأليف وهو إيقاع الألفة بين شيئين أو أشياء أخص من التركيب، ويطلق عرفا
على كتاب جمعت فيه مسائل مؤتلفة من أي علم كان بمعنى المؤلف بالفتح وجامعه مؤلف بالكسر
. قوله: (الحقير) من الحقر وهو الذلة. قاموس. قوله: (الحصني) نسبة إلى موضع يسمى حصن كيفا،
واشتهر في نسبة الشيخ رحمه الله تعالى لفظ الحصكفي فهو من باب النحت. قوله: (العباسي) الظاهر
أنه نسبة إلى سيدنا العباس رضي الله تعالى عنه عم نبينا صلى الله عليه وآله. قوله: (الامام) بالرفع صفة محمد، ويحتمل
أنه صفة لعلي، لكن الذي كان إمام الحنفية بجامع بني أمية والمفتي بدمشق المحمية هو الشارح رحمه الله
تعالى، وكذا كان مدرس الحديث تحت القبة بجامع بني أمية ومدرس التكية السليمة ولم يشتهر والده
بشير من ذلك، قوله: (هجرية) نسبة إلى الهجرة: أي هجرة النبي صلى الله عليه وآله ونسب التاريخ إليها، لان
ابتداءه منها وأول من ابتدأ به عمر رضي الله عنه، والعرب كانت تؤرخ بعام التفرق وهو تفرق ولد
إسماعيل عليه السلام وخروجهم من مكة، ثم أرخوا بعام الفيل كما بسطه في الظهيرية قبل المحاضر.

408
قوله: (في تلخيصه) التلخيص: التبيين والشرح والتلخيص. قاموس. قوله: (وتحريره وتنقيحه) تحرير
الكتاب وغيره: تقويمه، والتنقيح: التهذيب. قاموس. قوله: (لمواضع) اللام زائد للتقوية. قوله:
(وتصحيحه) عطف على تغييره. قوله: (وعلى مواضع سهو وأخر) أي مما فات المصنف تغييرها. قوله:
(وبالجملة) أي وأقول قولا ملتبسا بالجملة، أي مجتمعا. قال في القاموس: جمل جمع، وأجمل الشئ:
جمعه عن تفرقة، والمراد أنه وإن وقع من المصنف سهو أو من غيره، أو وإن نبهت على ما وقع له من
السهو فإني قد أسهو، لان السلامة من هذا الخطر بالتحريك وهو الاشراف على الهلاك، والمراد به هنا
الامر الشاق عبر به عن السهو. أمر يعز بالكسر كيقل وزنا ومعنى: أي يندر أو يعسر أو يضيق أو
يعظم على البشر فلا يحصلونه، لان السهو والنسيان من لوازم الانسان. وأول ناس أول الناس، وفي
هذا هضم لنفسه واعتذار عنه وعن المصنف. قوله: (فستر الله على من ستر) الفاء فصيحة: أي إذا كان
ما ذكر فالمطلوب الستر إلا في مقام البيان. قوله: (وغفر لمن غفر) الغفر: الستر فهو عطف مرادف.
قوله: (وإن تجد عيبا الخ) هذا البيت بمعنى الكلام الذي قبله. قوله: (فسد الخللا) الخل: منفرج ما
بين الشيئين والوهن في الامر، وأمر مختل واه، وأخل بالشئ: أحجف. قاموس. وألفه للاطلاق،
والمراد به العيب، وكان حقه أن يأتي بدله الضمير، ولكن أتى بالظاهر معبرا عنه بلفظ آخر للتنصيص
على أن العيب من سهو ونحوه خلل نظير قوله تعالى: * (فإن الله عدو للكافرين) * بعد قوله: * (من كان
عدوا لله) * الآية للتسجيل عليهم بالكفر، والمراد بسده: ستره أو تأويله حيث أمكن. قوله: (جل) أي
عظم وتعالى، فعطف علا عليه تفسير، وهذا الكلام مرتبط بكلام محذوف دل عليه السياق: أي فسد
الخلل ولا تعير به ولا تفضح، فإن كان بني آدم ما عدا من عصم منهم فيه عيب، والذي تنزه عن
العيوب بتمامها هو الحق جل وعلا ط. والشطر الأول من هذا البيت من بحر الرجز، والشطر الثاني
من بحر الرما. ولو قال إن نجد بدون واو كما في بعض النسخ صار الأول من بحر الثاني، أو قال
فجل بالفاء صار الثاني من بحر الأول. قوله: (كيف لا) منفي لا محذوف: أي كيف لا يوجد مني
سهو والحال كذا، فهو اعتذر آخر عن وجود ذلك. قوله: (بيضته) أي نقلته من المسودة إلى المبيضة،
والمسودة في اصطلاح المؤلفين: الأوراق التي يقع فيها إنشاء التأليف، سميت بذلك لكثرة سوادها
بكثرة المحو والاثبات، والمبيضة: التي ينقل إليها المؤلف ما أنشأه وأثبته في المسودة. قوله: (من نار
البعاد) بكسر الباء مصدر باعد ومن بيان لما في قوله: ما يفتت أو تعليلية كقوله تعالى: * (مما خطاياهم
أغرقوا) * وقد شبه ما بقلبه من مشق البعاد وألم الفراق استعارة تصريحية أصلية، والقرينة إضافة
النار إلى البعاد أو شبه البعاد بحطب له نار واستعارة مكنية وإثبات النار له تخييل، أو أضاف المشبه إلى
المشبه: أي من بعاد كالنار مثل لجين الماء. تأمل. قوله: (والأحفاد) البنات أو أولاد الأولاد أو
الأصهار. قاموس. قوله: (ما يفتت الأكباد) أي يقطعها ويشقها، والأكباد جمع كبد بالفتح والكسر

409
وككتف وقد يذكر. قاموس. والمراد كبد واحدة وهي كبده، لان ما في قلبه لا يفتت كبد غيره، وإنما
جمع للسجعة، أو على معنى أن في قلبي من جنس ما يفتت الأكباد، أو إن في قلبي ما لو كان لي أكباد
متعددة لفتتها، أو أن كل أمر مما في قلبي يستقل بتفتيت الكبد فصارت كأنها أكباد متعددة. قوله:
(فرحم الله) تفريع على ما قبله، وذلك أنه حيث ذاق ألم الفراق وكابد ما يكابده المشتاق من تشتيت
البال وتواتر البلبال علم أن اعتذار هذا الامام الذي سبقه بنحو هذا الكلام اعتذار مقبول لا محالة
فتحركت نفسه إلى الدعاء، فإنه كما قال الشاعر:
لا يعرف الوجد إلا من يكابده * ولا الصبابة إلا من يعانيها
قوله: (التفتازاني) اسمه مسعود ولقبه سعد الملة والدين، نسبة إلى تفتازان بالفتح بلد بخراسان،
ولد بها سنة 722، وتوفي بسمرقند سنة 792 ونقل إلى سرخس فدفن بها. قوله: (حيث اعتذر) أي
في خطبة المختصر شرح تلخيص المعاني. وقال قبل هذا البيت أيضا: مع وجود القريحة بصر البليات
وخمود الفطنة بصرصر النكبات وترامي البلدان بي والأقطار ونوب الأوطان عني والأوطار حتى
طفقت أجوب كل أغبر قاتم الارجاء وأحرر كل سطر منه في شطر من البيداء قوله: (حيث قال)
بدل من قوله: حيث اعتذر. قوله: (يوما بحزوى الخ) أسماء مواضع، والمراد باليوم مطلق الوقت،
ومتعلقه محذوف تقديره أكون، قوله: (لكن لله الحمد الخ) استدراك: أي أنه وإن حصل لي ما حصل
من البعاد عن البلاد فقد أثمر لي ثمرة عظيمة المفاد، التي هي علامة القبول ودليل الوصول إلى
المأمول. قوله: (أولا وآخرا) أي أول كل أمر وآخره. قوله: (ظاهرا وباطنا) أي حمدا في الظاهر بالثناء
باللسان موافقا لما في الباطن بالجنان. قوله: (فلقد) الفاء للتعليل واللام للقسم، فهو حمد على نعمة
معينة. قوله: (من) أي أنعم هو: أي المولى تعالى. قوله: (بابتداء تبيضه) أي المؤلف المفهوم من قوله
: قال مؤلفه وقوله: قد فرغت من تأليفه. قوله: (تجاه) أصله وجاه أبدلت الواو تاء من المواجهة
بمعنى المقابلة. قوله: (صاحب الرسالة) أل للعهد: أي الرسالة العامة الدائمة. قوله: (والقدر) أي
الرتبة العلية: قوله: (المنيف) أي الزائد على غيره أو العالي من قولهم لما زاد على العقد نيف وناف
وأناف على الشئ: أشرف عليه، قوله: (تجاه قبر صاحب هذا المتن الشريف) وذلك ببلده وهي غزة
وهاشم. قوله: (فلعله) أي ما ذكر من الابتداء والختم. قوله: (علامة القبول منهم) أي من الله تعالى
ومن صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله ومن صاحب المتن رحمه الله تعالى، والقبول: الرضا بالشئ مع ترك
الاعتراض على فاعله، وقيل: الإثابة على العمل الصحيح. قوله: (والتشريف) يقال شرف ككرم شرفا:
علا في دين أو دنيا، وشرف الله الكعبة من الشرف. قاموس. قوله: (قال مؤلفه) كذا في بعض
النسخ. قوله: (فيا شرفي) أي أحضر فهذا وقتل لحصول مقتضيك، والابيات من الطويل، والضمير
في قلبته للتأليف ط. قوله: (وإن كان كل الناس) أي من أهل عصره أو منهم وممن بعدهم. قوله:

410
(ردوه عن حسد) بإسكان الدال وعن بمعنى اللام: أي لأجل حسدهم له كقوله تعالى: * (وما نحن
بتاركي آلهتنا عن قولك) * أو بمعنى من: أي ردا ناشئا من حسد كقوله تعالى: * (وهو الذي يقبل التوبة
عن عباده) *. قوله: (فتقبلني) بالتخفيف: أي تثنيني وهو خبر بمعنى الدعاء. قوله: (وأساتذ) جمع
أستاذ بضم الهمزة ومعناه: الماهر بالشئ، والمراد بهم هنا أشياخه، والظاهر أنه أعجمي معرب لما في
القاموس: لا تجتمع السين والذال المعجمة في كلمة عربية. قوله: (وتحشرنا جمعا) أي حال كوننا
مجتمعين مع النبي صلى الله عليه وآله، فالمصدر حال وهو مقصور على السماع، ويحتمل أن جمعا كوننا جميعا تأكيد
لضمير الجماعة، أو مفعول مطلق، لا الحشر بمعنى الجمع، وقد ورد: أن النبي صلى الله عليه وآله يحشر وأمته في
محشر منفرد عن محشر كل الخلائق فالمعية لا تقتصر على من ذكر، لا أن يراد بها حالة مخصوصة
كالقرب منه صلى الله عليه وآله. قوله: (مع المصطفى أحمد) قدمنا أن الأبيات من بحر الطويل، والطويل له عروض
واحدة مقبوضة وزنها مفاعلن، ولعروضه ثلاثة أضرب: الأول صحيح وزنه مفاعيلن. الثاني مقبوض
مثلها. الثالث محذوف وزنه فعولن. وهذا البيت من الضرب الأول، والبيت الذي قبله والبيت الذي
بعده من الضرب الثاني، وهذا معدود من عيوب القوافي ويسمى التحريد بالحاء المهملة كما في
الخزرجية، وتقدم في أول الكتاب أبيات لنظم شروط الوضوء وقع فيها نظير ذلك كما نبهنا عليه
هناك، ولو قال الناظم: مع المصطفى السند لكان أسد. قوله: (وإخواننا) بالجر عطفا على ماتن أو
على قوله المصطفى أو بالنصب عطفا على نا في تحشرنا، والأول أولى. قوله: (المسدى) من
الاسداء بمعنى الاعطاء أو لفظه مفرد معطوف بإسقاط العاطف أو جمع نعت لإخواننا، وأصله المسدين
حذفت نونه لإضافته إلى الخبر المجرور به، وقد فصل بينهما بالظرف لكون المضاف شبه الفعل وهو
جائز في السعة. قال في الألفية:
فصل مضاف شبه فعل ما نصب * مفعولا أو ظرفا أجز ولم يعب
ومثله قوله عليه الصلاة والسلام: هل أنتم تاركوا لي صاحبي وقول الشاعر:
كناحت يوما صخرة بعسيل
قوله: (دائما) صفة لمصدر محذوف: أي قبولا أو حشرا أو إسداء. قوله: (داع) أي وداع على
حذف العاطف أو بدل من والدنا. قوله: (طالب الرشد) أي لنا حذفه لدلالة ما قبله عليه. يقال: رشد
كنصر وفرح رشدا ورشدا ورشادا: اهتدى واستقام على الحق، والرشيد في صفاته تعالى: الهادي إلى
سواء الصراط.
نسأله تعالى أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، ويديمنا على الحق القويم، ويمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم في جواز نبيه الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم (آمين).

411
حاشية
قرة عيون الاخبار
تكملة
رد المختار على الدرر المختار
شرح تنوير الابصار
في فقه مذهب الامام أبي حنيفة النعمان
لسيدي محمد علاء الدين أفندي
نجل المؤلف
وقد وضع الشرح والمتن بأعلا الصحائف
وبأسفل الصحائف تقارير لبعض العلماء

413
من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين
حديث شريف
الحمد لله المتوحد بابداع المصنوعات المتفرد باختراع المخلوقات، المنزه عن عن التحيز والسكون
والحركات المخصوص بقدم الأسماء واصفات القريب ممن دعاه لا بقرب المسافات المجيب لمن
ناجاه بالخلاص الدعوات الذي يغفر الذنوب ويستر العيوب ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن
السيئات العالم بمكنون الاسرار ومصون الخفيات الخبير فلا يخفى عليه فقال ذرة في الأرض ولا في
السماوات السميع فلا يعزب عن سمعه اختلاف الأصوات البصير يرى دبيب النمل وذرات الرمل
في الظلمات الواحد الأحد فلا ثاني له في الكائنات، الفرد الصمد المنزه عن البنى والبنات الباقي
على الأبد ويفنى كل أحد ويقضى عليه بالممات فسبحانه من اله لا يحمد على المكروه سواه مميت
الاحياء ومحيي الأموات ابكى الاباء والأمهات وأيتم البنين والبنات يثيب على الطاعات
والصدقات ويضاعف الأجور على نشر العلوم النافعات فتح بصائر أوليائه للاعتبار والتفكر في
الآيات ونور قلوبهم بنور الاخلاص وقدسهم من شواغل الأسباب وشوائب المكدرات تقلبهم يد
الألطاف في مهد الكرامات والعنايات فترضعهم ثدي العطف وتفطمهم عن الشهوات المانعة من
القرب والمشاهدات وأهل أذهانهم لفهم معاني العبارات والرموز والإشارات وتنقيح الاحكام
والمباني وحل المشكلات حتى صيروها من أوضح الواضحات مهد لهم فرش الأعمال بلين الصفاء فاستعذبوا طيب الخلوة مع الخطيب لتحرير العلوم وخدمة شريعة سيد السادات (تتجافى جنوبهم عن
المضاجع) * السجدة 16 يتلذذون بالسهر وترك المستلذات، نزهوا نفوسهم عن عبادة الهوى فأضحت
أطيار أرواحهم تسرح في رياض الملكوت بين جنات، له الشكر على ما أنعم عليها بمعرفتهم وخدمتهم
وأنعم عليهم بأن هداهم بعنايته الأزلية لأكمل الحالات، بفتح القدير والنعم المختارات،
والصلاة والسلام على سيدنا محمد المكمل لامته كل نقص وثلم بأوضح شريعة ومعجزات، صاحب
المعراج غاية البيان، منحة الخالق السراج الوهاج، حاوي المقامات الشامخات، وعلى آله زواهر الجواهر
ودرر البحار، دوي المناقب والخصوصيات، وأصحابه البحور الزواخر، وتنوير الابصار الناصرين له
في الأعصر الخاليات، بصفاء النيات، وحسن الطويات، والتابعين النجوم الزواهر وخزائن الاسرار
الحائزين أعلى الفضل والكمالات، والأئمة المجتهدين الأكابر، ذوي الفيض المدرار، المبرئين من
الشبهات والتبعات والترهات الفاسدات، لا سيما إمامنا الأعظم ذو الفصل الاقدام، الكوكب الزاهر،
والامام الباهر، الدر المختار، والعلم الراسخ ذو الثبات، القائم بالأوامر والزواجر، راد لهفة المختار
صاحب الكرامات الفاضلات، صلاة وسلاما دائمين متلازمين ما تعاقب الليل والنهار ومرت
الأوقات، وعن للسماء نبي مصباح، وما هبت نسمات الأسحار في كل الساعات، لا تنقطع
لحظة من اللحظات، من إله كريم عظيم رب رحيم مقبل العثرات، وغافر الزلات.

415
أما بعد فيقول فقير رحمة ربه، وأسير وصمة ذنبه: (محمد علاء الدين ابن السيد محمد أمين ابن
السيد عمر عابدين) غفر الله تعالى ذنوبهم، وملا من زلال العفو ذنوبهم، آمين: إنه لما سبقت الإرادة
الإلهية، والمشيئة الرحمانية، بوفاة سيدي الوالد قبل إتمامه تبييض حاشية رد المختار، على الدر المختار، شرح
تنوير الابصار فإنه رحمه الله تعالى ونوز ضريحه، وجعل أعلا الجنان ضجيعه لما وصل إلى أثناء شتى
القضاء من هذا الكتاب، اشتاق إلى مشاهدة رب الأرباب، فنقل من دار الغرور إلى جوار مولاه
الغور، وكان رحمه الله تعالى بدأ أولا في التسويد من الأول إلى الآخر، ثم شرع في التبييض فبدأ أولا
من الإجارة إلى الآخر، ثم من أول الكتاب إلى انتهاء هذا التحرير الفاخر، وترك على نسخته الدر
بعض تعليقات، وتحريرات واعتراضات، قد كاد تداول الأيدي أن يذهبها، لعدم من يذهبها مذهبها،
وكان قد جرى الامر بطبعها في بولاق المصرية، فجمعتها برمتها بدون زيادة، حرف بالكلية، وأرسلتها
فطبعت ثمة، حرصا على فوائدها الجمة، وكان كثيرا ما يخطر في زيادها مع ضم تحريرات، وبعض
فروع وتقريرات لكن لم تساعد الاقدار، لا سيما مع شغل الأفكار، وقلة البضاعة في هذه الصناعة،
حتى سافرت للأستانة العلية، دار الخلافة السنية، عام خمس وثمانين بعد المائتين، والألف، من هجرة
من تم به الألف، وزال به الشقاق والخلف، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحته ألفا بعد ألف،
ووظفت عضوا في الجمعية العلمية، التابعة لديوان، أحكام العدلية، لجمع المجلة الشرعية، تحت رياسة
حضرة الوزير المعظم، والمشير المفخم، مدبر أمور جمهور الأمم، الجامع بين مرتبتي العلم والعمل،
والحائز لفضيلتي السيف والقلم، صاحب الدولة، أحمد جودت باشا، بلغة الله تعالى من الخيرات ما
شاء، وأسعد أيامه وحرسها، ألقى محبته في القلوب وغرسها، ولا زالت أعلام دولته مبتسمة الثغور،
وأرقام رفعته منتظمة السطور، على مدى الدهور، آمين.
وبعد إقامتي مدة تقرب من ثلاث سنين قدمت الاستعفاء، لما في قلبي من الرمضاء، من فراق
الأوطان والأهل والخلان، فأمرني قبل سفري من أمره مطاع، واجب الاستماع أن أتمم نقصها،
وأتلافى ثلمها حنى وصولي إلى لوطن، وقراري بالسكن.
فلما رجعت بعد ثلاث سنين من سفري إلى وطني دمشق الشام، ذات الثغر البسام، استخرت
الله تعالى المرة بعد المرة، بعد الكرة، في تكملة الحزم، معتمدا على الله تعالى الحزم ومتوكلا
عليه في سائر الأمور في أن يحفظني من الخطأ والخلل، والهفوات والزلل، ومتوسلا، إليه بنبيه النبيه
المكرم، صلى الله تعالى عليه وسلم، وبأهل طاعته من كل مقام على معظم، وبقدوتنا الامام الأعظم،
أن يسهل على ذلك من إنعامه، ويعينني على إكماله وإتمامه، أن يعفو عن زللي، ويتقبل مني عملي،
ويجعل ذلك خلصا لوجهه الكريم * (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله تقلب سليم) * الشعراء
وينفع به العباد، في عامة البلاد، من ساكن وباد وأن يسلك بي سبيل الرشاد، ويلهمني
الصواب والسداد، ويستر عوراتي، ويغفر خطيئاتي، ويسمح عن هفواتي وزلاتي، فإني متطفل على
ذلك، لست من فرسان تلك المسالك، وهيهات المثلى أن يكون له اسم في طرس، أو أن يكون له في
صحيفة غرس، بل أن يكون له في الناس ذكر، أو أن يخطر في بال أو يمر على فكر، فقد أوثقتني
الذنوب والخطيئات وأقعدتني عن إدراك أدنى الدرجات، مع قصور باعي واندراس، رباعي وجمود
مرمى سهام الألسن وموقع النظر الشزر من الأعين، حيث تجرأت على أمر غير سهل، مع كوني لست
له بأهل، وتشبهت بالسادات الاعلام، الذين هم مصابيح الظلام. وهيهات أن يدرك السياق مقعد، أو

416
أن يسلك الطريق مصفد، أو أن يقرب من عرين الأسد ابن آوى، يشبه الحبارى البازي ولو لم
يكن له في الجسم ساوي، وما أشبه قوله القائل بحالتي التي كان منها على مثل هذا جراءتي:
أيها المدعي ولاء سليم * لست منهم ولا قلامة ظهر
إنما أنت في سليم كواو * ألحقت بالهجاء ظلما بعمرو
ولكن أخفض على نفسي، وأسلبها بالتأسي، وأتمثل بقول الشهاب السهروردي:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم * إن التشبه بالكرام فلاح
وإني أسأل الله تعالى من طوله، وأستعد بقوته وحوله، في أن يحفظني من الخطأ والخلل، ويحسن
ختامي عند منتهى الاجل وما توفيقي إلا الله القريب المجيب، عليه توكلت وإليه أنيب وألتمس من
الناظر لهذه التكملة أن يلحظها، بعين القبول والصفاء، لا بعين الحسد والجفاء، فإن الجسد لا يخلو عن
الحسد، ولكن الكريم يخفيه، واللئيم يبديه، وأن لا ينسى جامعها، وأولاده، ومظهرها وكاتبها وقارئها
من دعاته المستجاب، وثنائه تحارير سيدي الوالد فإني واثق بنفسي أتم الوثوق، فإن اليراع قد
، إليه وإن لم يكن ثمة فإني غير واثق بنفسي أتم الوثوق، فإن اليراع قد
يطوش، ويغير عن مجاله النقوش، ولا يبادر علي بالاعتراض والملام، فليست أول قارورة كسرت
في الاسلام، ويصلح ما كبا به القلم، أو زلت به القدم، فقد قدمت بين يديهم عذري، وكشفت لهم
عن حقيقة أمري، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، وهو يقبل عثرات المقيلين، وقد سميت ما عنيت
جمعه من هذه التكملة بقرة قرة عيون الاخبار، على الدر المختار، شرح تنوير الابصار).
وحيث قلت سيدي فالمراد به سيدي الوالد أو بعض الأفاضل، فالمراد، الرحمتي أو الفتال،
والكمال محال لغير ذي الجلال، وعلى الله تعالى الاتكال، في المبدأ والمال.
وكان إتمامها في عصر حضرة مولانا السلطان الأعظم، الخاقان الأعدل الأكرم، ملك ملوك
العرب والعجم، ظل الله الممدود على الأمم، قوانين العدل والانصاف، وموطد دعائم بنيان
المراحم والالطاف، سلطان البرين، وخاقان البحرين، وخادم الحرمين الشريفين، فاروقي السيرة،
الشيم، علوي الشهامة والهمم، خلقة الله تعالى في الأرض، ناشر، لواء المراحم في طولها والعرض
ملك أنام الأنام في ظل أمانه، وشمل العباد بسجال لطفه وإحسانه، حافظ بيضة الدين، وحامي
شريعة سيد المرسلين، أمير المؤمنين، ملجا عامة المسلمين، بل كافة الناس أجمعين معمر الأمصار
والبلاد، مدمر أهل الشر والفساد قامع البدع والظلم، ومؤيد السنة، بالعدل والحلم، المؤيد المظفر
المعان، والمحفوف بعناية الملك بالديان، صاحب العساكر، القاهرة، المبيدة كل فئة باغية فاجرة بصوارم
سيوف تقطف حروفها أعناق المعتدين، أهلة قسي ترسل نجوم سهامها على شياطين البغاة والمتردين،
ورايات تخفق قلوب الأعداء، لخفقانها، وتخفض رتبهم، لرفع شأنها، لا يرتاب متأمله في أنه البحر
العساكر، أمواجه، ومراحمه الدر الذي يظفر بها طلاب العرف وأفواجه، السلطان ابن السلطان ابن
السلطان، السلطان عبد العزيز خان، ابن السلطان الغازي محمود خان، ابن السلطان الغازي عبد
الحميد خان، خلد الله تعالى ملكه، وجعل الدنيا بأسرها سعادة أيامه، وجعل البسيطة
قبضة يديه وطوع أحكامه ولا زال لواء عدله المنشور إلى يوم النشور، ولا برحت الأيام على يديه
دائرة، ووجوه السعادة إلى سافرة وأجنحة النعم بأبوابه مقصورة وبأنبائه طائرة وعزائم

417
التوفيق لآرائه مسخرة وبأعدائه ساخرة، مرفوعة أعلام دولته إلى محيط القبة الخضراء وأوجد له في
كل مكان وزمان عزا ونصرا، ومسرة وبشرى، ولا زالت سلسلة سلطنته مسلسلة إلى انتهاء سلسلة
الزمان، رافلا في حلل السعادة السيادة والرضا والرضا الرضوان، ولا زال الوجود بدوام خلافته سنيا
عامرا، ولا برح الايمان في أيام سلطنته قويا ظاهرا، ووفق وكلاء الفخام، ووزراءه العظام، وعماله
إلى السعي في صلاح الملك والملة في كافة بلاده وولاياته، وجمع القلوب كافة على طاعته وتحصيل
مرضاته آمين.
آمين آمين لا أرضي بواحدة * حتى أضم إليها ألف آمينا
وفي يمن أيام حضرة صاحب الفخامة والدولة الصدر الأعظم، والمشير، مدبر أمور
جمهور الأمم، الجامع بين مرتبتي العلم والعمل، مع قوة اليقين والحائز فضيلتي السيف والقلم
بالتمكين، ورياستي الدنيا والدين، قرة عين المملكة، والوزارة، سيف الدولة السلطانية، ولسان الصولة،
الخاقانية، مؤيد دولة الملوك والسلاطين، ملجا الفقراء والضعفاء المنقطعين، ألا وهو حضرة ولي
النعم، المتخلق بأخلاق سمية، فخر العالم (ص) الوزير الأفخم، والصدر الأعظم، السيد، أحمد أسعد
باشا المعظم، لا زالت عتبة بابه سدر الواردين، وما برح سلاح جنابه في رقاب الحاسدين، وأطال
الله تعالى عمره، وأدام عزة ومجده ودولته آمين.
وفي مدة يمن أيام مشيخة سماحة دولة حضرة المولى الأعظم، والسيد الكبير الأفخم، الجامع
بين الرتبتين، الشريفتين العلم والعمل بقوة اليقين، والمحفوظ بعناية الله تعالى من الزلل بالتمكين، الحائز
لرياستي الدنيا، والدين، شيخ الاسلام والمسلمين، ملك العلماء المحققين، عين الأئمة المدققين نعمة، الله تعالى في هذا العصر على الأنام، ملاذ الأفاضل الكرام، مرجع الخاص والعام، حضرة مولانا
صاحب الدولة والاقبال، والسماحة، والافضال، خواجة شهرياري حسن فهمي أفندي، لا زالت الفتيا
مشرفة ببنائه وأحكام الشريعة مشيدة وموضحة ببيانه، وأبقاه عقدا في جيد الدهر، يتلألأ بالدرر، وأقر
عينه بمحابه ونجله الامام اللوذعي الأبر، سيدنا السماحة الهمام السميدعي حيدر، ووقاهما
كل حاسد ترمي عينه بالشرر، آمين.
وقد جاءت هذه التكملة من فيض فضله تعالى، وجود كرمه الذي به نتغالى، قرة لعين قاريها، ودرة لتاج داريها، لمعانيها، وخاص في بحار معانيها، وكفاية للطالبين، وحجة للمفتين، ومحجة
للمستفتين، حاوية لدرر الفوائد خارية عن مستنكرات الزوائد، جمعتها من معتمدات المذهب، التي
إليها يذهب وضممت إلى ذلك بعض تحريرات وتأييد، أو بعض استدراكات أو تقوية أو تقييد، فلا
غرو حينئذ أن تكون العمدة في المذهب، والحري بأن تكتب بماء الذهب، مستعينا بكريم غفار حكيم
ستار، مقيل العثرات، ومجيب الدعوات، وقاضي الحاجات، ومستشفعا بمشرع هذه المشروعات، من
لا ترد له شفاعات، عليه أفضل الصلوات وأزكى التحيات، وعلينا وعلى أعزائنا، معه يا رب البريات.
هذا، وإني أروي الدر المختار ومتنه تنوير الابصار، وحاشية رد المختار) وكذا بقية كتب الفقه وغيرها من
سائر العلوم والفنون عن أئمة أخبار، من شاميين ومكيين ومصريين وعراقيين وروميين وغيرهم من
أهل الفضل والاستبصار، ومن أجلهم وأكثر هم إفادة لي ومداومة لديه وقراءة عليه سيدي العالم العلامة
والعمدة الفهامة، علامة المعقول والمنقول، والمستخرج بغواص فكره ما يعجز عنه الفحول، الشيخ
محمد هاشم أفندي التاجي البعلي رحم الله تعالى روحه ونور مرقده الشريف وضريحه، وجعل أعلى

418
الجنان بلوغه ومقيله ومن أجلهم علامة زمانه على الاطلاق، من انتهت إليه الرياسة باستحقاق، الامام
المتقن، والعلامة المتفنن العلامة الثاني، من لا يوجد له ثاني الحسيب النسيب، الفاضل الأديب، الجامع
بين شرقي العلم والنسب، والمستمسك بمولاه بأقوى سبب، والجامع بين الشريعة والحقيقة، وعلوم
المعقول والمنقول والتصرف والطريقة أعلم العلماء العاملين، أفضل الفضلاء الفاضلين، سيدي وعمدتي
علامة الأنام، مرجع الخاص والعام، والدي المرحوم الشيخ السيد الشريف محمد أمين عابدين ابن
السيد الشريف عمر عابدين ابن السيد الشريف عبد العزيز عابدين ابن أسيد الشريف أحمد عابدين ابن
السيد الشريف عبد الرحيم عابدين ابن السيد الشريف نجم الدين ابن السيد الشريف العالم الفاضل
الولي الصالح الجامع بين الشريعة والحقيقة، إمام الفضل والطريقة، محمد صالح الدين الشهير بعابدين
ابن السيد الشريف نجم الدين السيد الشريف حسين ابن السيد الشريف حمة الله ابن السيد
الشريف أحمد الثاني مصطفى الشهابي ابن السيد الشريف أحمد الثالث ابن السيد الشريف محمود
ابن السيد الشريف أحمد الرابع ابن السيد الشريف عبد الله ابن السيد الشريف عز الدين عبد الله الثاني
ابن السيد الشريف قاسم ابن السيد الشريف حسن ابن السيد الشريف إسماعيل ابن السيد الشريف
حسين النتيف الثالث ابن السيد الشريف أحمد الخامس ابن السيد الشريف إسماعيل الثاني ابن السيد
الشريف محمد ابن السيد الشريف إسماعيل الأعرج ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن
الإمام زين العابدين ابن الإمام حسين ابن البتول، هي الزهراء فاطمة بنت الرسول صلى الله تعالى عليه
وسلم وعليها وعلى جميع آله وصحب آمين.
فإنه رحمه الله تعالى ولد في سنة ثمان وتسعين بعد المائة والألف في دمشق الشام، ونشأ في حجر
والده، وحفظ القرآن العظيم عن ظهرت قلب وهو صغير جدا، وجلس في محل تجارة والده ليألف
التجارة ويتعلم البيع والشراء، فجلس مرة يقرأ القرآن العظيم فمر رجل لا يعرفه فسمعه وهو يقرأ،
فزجره وأنكر قراءته وقال عنه: لا يجوز لك أن تقرأ. أولا: لان هذا المحل محل التجارة
والناس لا يسمعون قراءتك فيرتكبون الاثم بسببك، وأنت أيضا آثم، وثانيا، قراءتك ملحونة. فقام
من ساعته وسأل عن أقر أهل العصر في زمنه فدله واحد على شيخ القراء في عصره وهو الشيخ سيعد
المحوي، الميدانية والجزرية وطلب منه أن يعلمه أحكام القراءة بالتجويد، وكان وقتئذ لم يبلغ الحلم،
فحفظ الميدانية والجزرية والشاطبية، وقرأها عليه قراءة إمعان حتى أتقن فن القراءات بطرقها
وأوجهها، ثم اشتغل عليه بقراءة النحو والصرف وفقه الإمام الشافعي، وحفظ متن الزبد وبعض المتون
من النحو والصرف والفقه وغير ذلك، ثم حضر على شيخة علامة زمانه وفقيه عصره وأوانه السيد
محمد شاكر السالمي العمري ابن المقدم سعد الشهير والدة بالعقاد الحنفي، وقرأ عليه علم المعقول
والحديث والتفسير، ثم ألزمه بالتحول لمذهب سيدنا أبي حنيفة النعمان الامام الأعظم عليه الرحمة
الرضوان، وقرأ عليه كتب الفقه وأصوله حتى برع وصار علامة زمنه في حياة شيخة المذكور، وألف
حاشيتين على شرح المنار للعلائي كبرى وصغرى، سمى إحداهما نسمات الأسحار على إفاضة الأنوار شرح
المنار والثانية لم يخطر لي اسمها لأنها فقدت عند مفتي مصر الشيخ التميمي رحمه الله تعالى، وألف ثبتا
لأسانيد شيخه سماه (العقود اللآلي في الأسانيد العوالي) و (شرح الكافي في العروض والقوافي) وكتب في آخر هذا
الشرح: ثم في سنة خمس عشرة ومائتين وألف، وكان سنة سبع عشرة سنة، ورسالة سماها (رفع
الاشتباه عن عبارة الأشباه) وحاشية على شرح النبذة سماها (فتح رب الأرباب على لب الا باب شرح نبذة الاعراب)

419
وغير ذلك، في حياة شيخة الموقوم، ثم توفي شيخة الموقوم في اليوم الرابع من محرم الحرام سنة
الثنتين وعشرين ومائتين وألف، وكان يقرأ عليه البحر والهداية وشرحها، والهداية وشروحها، وكانت وفاته في أثناء قراءته
الكتب المذكورة، وكان جملة من حضر مع سيدي الوالد على شيخه المذكور أكبر التلامذة، وهو
علامة زمانه، وفقيه عصره وأوانه، فقيه النفس الشيخ محمد سعيد الحلبي الشامي، قاتم سيدي الوالد
قراءته الكتب المذكورة عليه، وحضر معه الاتمام الكتب المذكورة بقية التلامذة والطلبة الذين كانوا
يداومون على الشيخ محمد شاكر المذكور، ثم شرع في تأليف رد المختار على الدر المختار) وفي أثنائها ألف
العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية) وله من المؤلفات حاشية على حاشية الحللي المداري سماها (رفع
الأنظار عما أورده الحلبي على الدر المختار) وحاشية على البيضاوي، وحاشية على المطول، وحاشية على شرح
الملتقى، وحاشية على النهر إلا أنهما لم يجردا من الهوامش، وحاشية على البحر سماها (منحة الخالف على
البحر الرائق) وله مجموع جمع فيه من نفائس الفوائد النثرية والشعرية، وعرائس النكات والملح الأدبية
والألغاز والمعميات، وما يروق الناظر، ويسر الخاطر، ومجموع آخر ذكر فيه تاريخ علماء العصر
وأفاضلهم، جعله ذيلا لتاريخ المرادي الذي هو ذيل لتاريخ جده لامه العلامة المحبي الذي هو ذيل
لريحانة الخفاجي، وله (العقود اللآلي في الأسانيد العوالي) المتقدم ذكره، وشرح رسالة لبركوي في المحيض
والنفاس، سماه (منهل الواردين من بحار الفيض على ذخر المتأهلين المسائل الحيض) وشرح منظومته (رسم المفتي
والرحيق المختوم شرح قلائد المنظوم في الفرائض) وكتاب (تنبيه الولاة والحكام) وله رسائل عديدة ناهزت
الثلاثين في جملة فنون. منها: نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف، ورسالة في النفقات لم
يسبق لها نظير اخترع لها ضابطا مانعا، والفوائد العجبية في إعراب الكلمات الغربية، وإجابة
الغوث في أحكام النقباء والنجباء والابدال والغوث، والعلم الظاهر في نفع النسب الطاهر وذيلها
، وتنبيه الغافل والوسنان في أحكام هلال رمضان، والإبانة في الحضانة، وشفاء العليل وبل الغليل في
الوصية بالختمات والتهاليل، ورفع الانتقاض ودفع الاعتراض في قولهم الايمان مبنية على الألفاظ لا
الوصية بالختمات والتهاليل، ورفع الانتقاض ودفع الاعتراض في قولهم الايمان مبنية على الألفاظ لا
على الاغراض، وتحرير العبارة فيمن هو أولى بالإجارة، وإعلام الاعلام في الاقرار العام، وجملة
رسائل في الأوقات، وتنبيه الرقود وسل الحسام الهندي، وغاية المطلب والفوائد المخصصة، تحبير
التحرير، وتنبيه ذوي الافهام، ورفع الاشتباه، وتحرير النقول، العقود الدرية، وغاية البيان، والدرر
المضيئة، ورفع التردد وذيلها، والأقوال الواضحة الجلية، وإتحاف الذكي النبيه، ومناهل السرور، وتحفه
المناسك في أدعية المناسك وغير ذلك. وله مجموع أسئلة عويصة، وله في مدح شيخة مقامات
كمقامات الحريري، وله نظم الكنز، وله قصة المولد الشريف النبوي.
وأما تعاليقه على هوامش الكتب وحواشيها، وكتابته على أسئلة المستفتين والأوراق التي سودها
بالمباحث الرائقة والرقائق الفائقة، فلا يكاد أن تحصى ولا يمكن أن تستقصى.
وبالجملة فكان شغله من الدنيا التعلم والتعليم، التفهم والتفهيم، والاقبال على مولاه، والسعي
في اكتساب رضاه مقسما زمنه على أنواع الطاعات، والعبادات والافادات، من صيام وقيام،
وتدريس وإفتاء وتأليف على الدوام. وكان له ذوق في حل مشكلات القوم، وله بهم الاعتقاد العظيم، ويعاملهم بالاحترام والتكريم.
وأخذ طريق السادة القادرية، عن شيخة المذكور ذي الفضل والمزية، حتى أخبر عنه من يوثق
بصلاحه ودينه ممن صحبه في سفره من تلامذته. إني ما وجدت عليه شيئا يشينه في دنياه ولا في دينه.
وكان حسن الاخلاف والسمات، ما سمعته في سفري معه في طريق الحاج تكلم بكلمة أغاظ بها أحدا

420
من رفقائه وخدمه، أو أحدا من الناس أجمعين، اللهم إلا رأى منكرا فيغيره من ساعته على مقتضى
الشريعة المطهرة العادلة، وكانت ترد إليه الأسئلة من غالب البلاد، وانتفع به خلق كثير من حاضر
وباد.
وكان رحمه الله تعالى جعل وقت التأليف والتحرير في الليل فلا ينام منه إلا ما قل، وجعل النهار
للدروس وإفادة التلامذة وإفادة المستفتين، ويلاحظ أمر دنياه شريكه من غير أن يتعاطى بنفسه، وكان في رمضان يتخم كل ليلة ختما كاملا مع تدبر معانيه، وكثيرا ما يستغرق ليله بالبكاء والقراءة، ولا يدع
وقتا من الأوقات إلا وهو على طهارة، ويثابر الوضوء.
وكان رحمه الله تعالى حريصا على إفادة الناس وجبر خواطرهم، مكرما للعلماء والأشراف وطلبة
العلم، ويواسيهم، بماله. وكان كثير التصدق على ذوي الهيئات من الفقراء الذين لا يسألون الناس
الحافا، وكان غيورا على أهل العلم والشرف ناصرا لهم دافعا عنهم ما استطاع. وكان مهابا مطاعا نافذ
الكلمة عند الحكام وأعيان الناس، يأكل من مال تجارته بمباشرة شريكة مدة حياته.
وكان رحمه الله تعالى ورعا دينا عفيفا حتى أن عرض عليه خمسون كيسا من الدراهم لأجل
فتوى على قول مرجوح فردها ولم يقبل، وقد امتنع عن شراء العقارات الموقوفة التي عليها كدك أو
محاكرة أو قيمة أو بالإجارتين، وكان وقف جده لام أبيه مشروطا ننظره للأرشد من ذرية الواقف،
فامتنع من توليته وسلمه لأخيه، ولم يتفق له قبول هدية، من ذي حاجة أو مصلحة.
وكان رحمه الله تعالى طويل القامة شئن الأعضاء والأنامل، أبيض اللون أسود الشعر، فيه قليل
الشيب لو عد شيبه لعد مقرون الحاجبين، ذا ووقار، وهيئة مستحسنة ونضار، جميل الصورة
حسن السريرة، يتلألأ وجهه نورا، حسن البشر، والصحبة من اجتمع به لا يكاد ينساه لطلاوة كلامه
ولين جانبه وتمام تواضعه على الوجه المشروع، كثر الفوائد لمن صاحبه والمفاكهة، ومجلسه مشتمل على
الآداب وحسن المنطق والاكرام للواردين عليه من أهله ومحبيه وتلامذته ومصاحبيه، كل من جالسه
يقول في نفسه أنا أعز عنده من ولده مجلسه محفوظ من الفحش والغيبة والتكلم بما لا يعني، لا تخلو
أوقاته من الكتابة والإفادة والمراجعة للمسائل، صادق اللهجة ذا فراسة إيمانية وحكمة، لقمانية متين
الدين لا تأخذه في الله لومة لائم، صداعا بالحق ولو عند الحاكم الجائر، تهابه الحكام والقضاة وأهل
السياسة. كانت دمشق في زمنه أعدل البلاد وللشرع بها ناموس عظيم، لا يتجاسر أحد على ظلم أحد
ولا على إثبات حق بغير وجه شرعي ولا في غالب البلاد القريبة منها، فإنه كان إذا حكم على أحد
بغير وجه شرعي جاءه المحكوم عليه بصورة حجة القاضي فيفتيه ببطلانه ويراجع القاضي فينفذ فتواه،
وقل أن تقع واقعة مهمة أو مشكلة مدلهمة في سائر البلاد أو بقية المدن الاسلامية وقراها إلا
ويستفتى فيها مع كثرة العلماء الأكابر والمفتين في كل مدينة، وكانت أعراب البوادي إذا وصلت إليهم
فتواه لا يختلفون فيها مع جهلهم بالشريعة المطهرة، وكانت كلمته نافذة وشفعته مقبولة وكتابة
ميمونة، ما كتب لاحد شيئا إلا وانتفع به لصدق نيته وحسن سريرته، وقوة يقينه، وشدة دينه،
وصلابته فيه.
وكان رحمه الله تعالى مغرما بتصحيح الكتب والكتابة عليها، فلا يدع شيئا من قيد أو اعتراض أو
تنبيه أو جواب أو تتمة فائدة إلا ويكتبه على الهامش ويكتب المطالب أيضا. وكانت عنده كتب من
سائر العلوم لم يجمع على منوالها، وكان كثير منها بخط يده ولم يدع كتابا منها إلا وعليه كتابه، وكان

421
والسبب في جمعة لهذه الكتب العديمة النظير والدة، فإنه كان يشتري له كل كتاب إرادة ويقول له اشتر
ما بدا لك من الكتب وأنا أدفع أنا أدفع لك الثمن فإنك أحييت ما أمته أنا من سيرة سلفي، فجزاك الله تعالى
خيرا يا ولدى، أعطاه كتب أسلافه الموجودة عنده من أثرهم الموقوفة على ذراريهم، وعندي بعض
منها والله تعالى الحمد.
وكان رحمه الله تعالى حريصا على إصلاح الكتب، لا يمر على موضع منها فيه غلط إلا أصلحه
وكتب عليه ما يناسبه، وكان حسن الخط حسن القشط، قل أن يرى من يكتب مثله على الفتاوى وعلى
هوامش الكتب في الجودة وحسن الخط وتناسق الأسطر وتناسق الأسطر وتناسبها، ولا يكتب على سؤال على سؤال رفع إليه إلا أن يغيره غالبا.
وكان رحمه الله تعالى فقيه النفس انفرد به في زمنه بحاثا ما باحثه أحد إلا وظهر عليه، وقد
حكى تلميذه صاحب الفضلية العلامة محمد أفندي جابي زاده قاضي المدينة المنورة أن شيخ الاسلام
عارف عصمت بك مفتي السلطنة بدار الخلافة العلية قال له: إني كنت أؤمل أن تطلب لي الإجارة من
شيخك للتبرك، وكان تلميذه العلامة الشيخ محمد أفندي الحلواني مفتي بيروت يقول لي: ما سمعت
مثل تقرير سيدي والدك في درسه، حتى إني كثيرا ما أجتهد في مطالعة الدرس، وأطالع عليه سائر
الحواشي والشروح والكتابات على الدرس، وأظن من نفسي أني فهمت سائر الاشكالات وأجوبتها،
وحين أحضر الدرس يقرر شيخنا الدرس ويتكلم على جميع ما طالعته مع التوضيح والتفهيم، ويزيدنا
فوائد ما سمعنا بها ولا رأيناها، ولم يخطر على فكر أحد ذكرها.
وكان رحمه الله تعالى بارا بوالديه، ومات والده في حياته سنة سبع وثلاثين بعد المائتين والألف،
وصار يقرأ كل ليلة عند النوم ما تيسر من القرآن العظيم ويهديه ثوابه مع ما تقبل له من الأعمال حتى
رأى والده في النوم بعد شهر من وفاته وقال له: جزاك الله تعالى خيرا يا والدي على هذه الخيرات التي
تهديها إلى في كل ليلة، وكانت جدة سيدي أم والده من بنات الشيخ المحبي صاحب التاريخ المشهور وله أوقاف على ذريته جارية إلى الان، وأتناول حصتي منها.
وأما والدة سيدي فقد توفي في حياتها، وكانت صالحة صابرة تقرأ من الجمعة إلى الجمعة مائة
ألف مرة سورة الاخلاص وتهب ثوابها لولدها سيدي الوالد، وتصلي كل ليلة، خمس أقات قضاء
احتياطا، وكانت كثيرة الصلاة والصيام، عاشت بعد سنتين، صابرة محتسبة لم تفعل ما تفعله جهلة
النساء عند فقد أولادهن، بل كان حالها الرضا بالقضاء، والقدر، وتقول،: الحمد الله على جميع الأحوال:
وكانت من سلالة طاهرة من ذرية الحافظ الداودي المحدث الشهير، وكان عمها الشيخ محمد بن عبد
الحي الداودي صاحب التأليفات الشهيرة: منها المنهج، وحاشية ابن عقيل، ومجموع الفوائد
وغيرها. وعلى ما سمعت واشتهر أن نسبتهم إلى حضرة سيدنا العباس إلا أنه ليس بدرجة الثبوت،
وليس عندهم نسب عليه شهادة بنته للزواج، فمنعه والده من زواجها وقال له: أخاف عليك من
غضب شيخك وعقوقه إن أغضبت ابنته يوما ما، وهذا مما لا تخلو منه الجبلة الانسانية غالبا. وكان
والده رحمه الله تعالى شفوقا عليه ويجبه تامة، حتى أنه لما حج سيدي سنة خمس وثلاثين امتنع والده
من دخول داره الجوانية مدة غياب سيدي ولم ينم على فراش تلك المدة وهي أربعة أشهر بل بقي نائما
في داره البرانية.

422
وكان سيدي رحمه الله تعالى ورعا في سائر أحواله، وعلى الخصوص في حال إحرامه في حجته
المذكورة، فإنه تحرى للطام غاية التحري مع قلة تناول الطعام إلا بقدر الضرورة.
وكان رحمه الله تعالى كثير البر والصلة لأرحامه يواسيهم بأفعاله وماله، بالخصوص
شقيقه العلامة الفاضل الفقيه الصوفي التقي الصالح السيد عبد الغني، وكان يعتنى ويتفرس الخير بأكبر
أولاده، وهو العالم العلامة العمدة الفهامة الشيخ السيد أحمد أفندي أمين الفتوى بدمشق حالا، ويهتم
بتربيته ويقول لوالده: دع لي من ولدك السيد أحمد وأنا أربيه وأعمله، فعلمه القرآن العظيم وأقرأه
مسلسلات العلامة ابن عقلية، أجازه إجازة عامة حتى صار من أفاضل عصره، وله تأليفات عديدة:
منها شرح مولد أين حجر شرحه شرحا لم يسبق على منواله، وشرح علم الحال الذي ألف صاحب
السماحة والفضيلة، جندي زاده أمين أفندي العباسي رئيس ديوان تمييز ولاية سوريا. ونشأ له ولدان
نجيبان فاضلان: أحدهما السيد محمد أبو الخير، مسود الفتوى بدمشق، وخطيب جامع برسبايي
الشهير بجامع الورد ومدرسه. وثانيهما السيد راغب إمام الجامع المذكور.
وكان سيدي رحمه الله تعالى ذهب مرة مع شيخه السيد محمد شاكر المذكور لزيارة بعض علماء
الهند وصلحائها الشيخ محمد عبد النبي لما ورد دمشق، فلما دخلا عليه جلس شيخ سيدي وبقي سيدي
واقفا في العتبة بين يدي شيخه حاملا نعله بيده كما هو عادته مع شيخه، فقال الشيخ محمد عبد النبي
لشيخ سيدي مر هذا الغلام السيد فليجلس فإني لا أجلس حتى يجلس فإنه ستقبل يده وينتفع بفضله في
سائر البلاد وعليه نور آل بيت النبوة، فقال له الشيخ محمد شاكر اجلس يا ولدي وكذلك، وفع له مع
شيخه المذكور إشارة نظير هذه من الامام الصوفي الشهير والولي الكبير الشيخ طه الكردي قدس سره،
ومن ذاك الوقت زاد اعتناء الشيخ به والتفاته إليه بالتعليم. وكان شيخ المذكور كثيرا ما يأخذه معه
ويحضره دروس أشياخه، حتى أنه أخذه وأحضره درس شيخه العلامة العامل الولي الصالح شيخ
الحديث الشيخ محمد الكزبري، واستجازه له فأجازه وكتب له إجازة عامة ظهر ثبته، مؤرخة في
افتتاح ليلة غرة سنة عشر ومائتين وألف، وترجمه سيدي المرحوم في ثبته ترجمة حسنة فراجعها، ورثاه
أيضا سيدي عند وفاته ليلة الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وعشرين ومائتين
وألف بقصيدة مؤرخا وفاته فيها، ومطلعها:
خطب عظيم بأهل الدين قد نزلا فحسبنا الله في كل الأمور ولا
وبيت التاريخ:
إمامنا الكزبري (1) نجم أفلا * فليل جلقه ما زال منسدلا
وكذلك أحضره درس العالم العلامة الشيخ الكبير المحدث الشيخ أحمد العطار، واستجاره
له فأجازه، وكتب له إجازة عامة على ظهر ثبته بخطه مؤرخة في منتصف محرم الحرام سنة ست عشرة
ومائتين وألف. وقد ترجمه سيدي المرحوم الوالد، في ثبته عقود الآلي ترجمة حسنة فراجعها، ورثاه عند
وفاته مع غروب الشمس بهار الخميس التاسع من ربيع الثاني سنة ثمان عشرة ومائتين وألف بقصيدة
مؤرخا وفاته بها، ومطلعها:
ليقدح الجهل في البلدان بالشرر * وليكن العلم في كتب وفي سطر



(1) قوله: (إمامنا الكزبري) هكذا بالأصل والشطر الأول ناقصي ما يتم به الزن والتاريخ فليحرر ا ه‍. مصححه.
423
وقد أخذ سيدي عن مشايخ كثيرين منهم الشيخ الأمير الكبير المصري، وأجازه إجارة عامة كبتها
له بخطه الشريف وختمها بختمه المنيف، وأرسلها له مؤرخة في غزة رمضان المعظم قدره من شهور
عام ثمانية وعشرين بعد الألف والمائتين من الهجرة النبوية، وكذا أخذ عن مشايخ كثيرين يطول ذكر هم
هنا من شاميين ومصريين وحجازيين وعراقيين وروميين.
وكان له عم من أهل الصلاح ومظنة الولاية ومن أهل الكشف، اسمه الشيخ صالح اسم على
مسمى، حتى أنه بشر أمه به قبل ولادته، وهو الذي سماه محمد أمين حين كان في بطن أمه، يضعه
في حال صغره في حجره ويقول له أعطيتك عطية الأسياد في رأسك.
وكان رحمه الله تعالى له خيرات عامة: منها تعمير المساجد، وافتقاد الأرامل والفقراء. وكانت
تسعى إليه الوزراء والامراء والموالي والعلماء والمشايخ والكبراء والفقراء وذا الحاجات، وعظمت بركته
وعم نفعه، وكثر أخذ الناس عنه. وغالب من أخذ عنه وقرأ عليه أكابر الناس وأشرافهم وأجلاؤهم
من الموالي والعلماء الكبار والمفتين والمدرسين وأصحاب، التأليف والمشاهير، وقصده الناس من الأقطار
الشاسعة للقراءة عليه والاخذ عنه.
فممن قرأ عليه أخذ عن شقيقه العلامة الفاضل الفقيه الصوفي السيد عبد الغني المذكور
ومنهم ولد أخيه المذكور الشيخ أحمد أفندي أمين الفتوى بدمشق حلا صاحب التأليف الشهيرة. ومنهم ابن ابن عمه الشيخ صالح ابن السيد، عابدين، ومنهم صاحب الفضيلة والسماحة العالم
العلامة عمدة الموالى العظام جابي زاده السيد محمد أفندي قاضي المدينة المنورة سابقا، ومن أصحاب
بايه إسلامبول الحائز للنشيان العالي المجيدي من الرتبة الثانية من تشريف في حضرته باية إسلامبول،
وافتخرت فيه على من نالها بفضائله وعلمه الذي أقرت به الفحول. وبكمال علومه وقدره مع فضله
زاد فيه. رفعة وعز النشيان العالي المجيدي من الرتبة الثانية التي افتخرت فيها أعاظم الرجال وهي فيه
فاقت وتخترت على أكابر أهل الكمال فإنه أخذ عنه سائر العلوم وبه انتفع. ومنهم العالم العلامة
الزاهد العابد الورع التقي النقي فقيه النفس الشيخ يحيى السردست أحد أفاضل الصوفية في زمنه فإنه
عنه أخذ وبه انتفع وعليه تخرج. ومنهم العالم العلامة العمدة الفهامة الفهامة فقيه العصر الشيخ عبد الغني
الغنيمي الميداني شارح القدوري وعقيدة الطحاوي، فإنه عنه أخذ وبه انتفع وعليه تخرج. ومنهم العالم
العلامة والعمدة الفهامة ة الشيخ حسن البيطار فإنه قرأ عليه العقود الدرية، وعليه تخرج في مذاهب
السادة الحنفية. ومنهم ولد المرقوم العالم العلامة الشيخ محمد أفندي البيطار فإنه عنه أخذ وبه انتفع
وعليه تخرج، وهو أمين فتوى دمشق الشام حالا. ومنهم العالم العلامة أحمد أفندي الاسلامبولي محشي
الدرر، فإنه عنه أخذ وبه انتفع وعليه تخرج. ومنهم الشيخ الفاضل والعالم الكامل فرضي دمشق
ورئيس حسابها السيد حسين الرسالة، فإنه عن أخذ وبه انتفع وعليه تخرج. ومنهم العالم العلامة
القدوة الفهامة صاحب التأليف المفيدة والتصانيف النفيسة في المعقول والمنقول: الشيخ يوسف بدر
الدين المغربي، فإنه عنه أخذ وبه انتفع وعليه تخرج. ومنهم العلامة الفاضل الشيخ عبد القادر الجابي،
ومنهم الشيخ محمد الجقلي. ومنهم الشيخ محمد أفندي المنير أحد أصحاب باية أزمير المجردة. ومنهم
العلامة الفاضل الشيخ عبد القادر الخلاصي شارح الدر المختار والألفية لابن مالك وغير هما. ومنهم
عمدة الموالي الكرام علي أفندي المرادي مقتي دمشق الشام. ومنهم العالم العلامة، العمدة الفهامة، نخبة
الموالي الفخام عبد الحليم ملا قاضي الشام وقاضي عسكر أنا طولي. ومنهم الشيخ حسن بن خالد بك.
ومنهم الشيخ محمد تلو. ومنهم الشيخ محيي الدين اليافي. ومنهم الشيخ أحمد المحلاوي المصري شيخ

424
القراء في زمنه. ومنهم الشيخ عبد الرحمن الجمل المصري. ومنهم الشيخ أيوب المصري. ومنهم
الشيخ الملا عبد الرزاق البغدادي أحد مشاهير علماء بغداد وأفاضلها. ومنهم الشيخ مصلح قاضي
جنين. ومنهم الشيخ أحمد البزري قاضي صيدا. ومهم أخوه الشيخ محمد أفندي مفتيها. ومنهم
الشيخ محمد أفندي الآتاسي مفتي حمص وأخوه أمين فتواه. ومنهم الشيخ أحمد سليمان
الأروادي وغيره ممن يطول ذكرهم ولا يحصى عددهم من أفاضل وأعيان، فإنهم انتفعوا به وأخذوا
عنه وعليه تخرجوا.
مات رحمه الله تعالى ضحوة يوم الأربعاء الحادي والعشرين من ربيع الثاني سنة 1252، وكانت
مدة حياته قريبا من أربع وخمسين سنة، ودفن بمقبرة في باب الصغير في التربة الفوقانية، لا
زالت سحائب الرحمة تبل ثراه في الكبرة والعشية، وكان قبل موته بعشرين يوما قد اتخذ لنفسه القبر
الذي دفن فيه، وكان فيه بوصية منه لمجاورته لقبر العلامتين: الشيخ العلائي شارح التنوير والشيخ
صالح الجينيني إمام الحديث ومدرسه تحت قبة النسر، وهذا مما يدل على حبه للشارح العلائي، لا سيما،
وقد حشى له شرحيه على الدر والملتقى وشرحه على المنار، وسماني باسمه وأرخ ولادتي على ظهر كتابه
الدر المختار في ليلة الثلاثاء لثلاثة مضين من شهر ربيع الثاني، 1244 رحمه الله تعالى العزيز الغفار، وقد
مدحه بقصيدة وهي قوله:
علاء الدين يا مفتي الأنام * جزاك الله خير على الدوام (1)
لقد أبرزت للفتيا كتابا * مبينا للحلال وللحرام
لقد أعطيت فضلا لا يضاهي * وعلما وافرا كالصب طام
فكنت به فريد العصر حتما * كمثل البدر في وفن التمام
وكان بك الزمان خصيب عيش * رطيبا ذا حبور وابتسام
وفاق بدرك المختار عقد * لفقه أبي حنيفة ذو انتظام
بألفاظ ترين الصعب سهلا * ومطروحا على طرف الثمام
إذا ما قلت قولا قيل فيه * على قول إذا قالت حذام
صغير الحجم حاوي الجل مما * تنقح في ربى الكتب العظام
فكل الصيد في جوف الفرا إن * تقل ذا لست تخشى من ملام
حوى اسما قد أتي طبق المسمى * وما تأتي كذا كل الأسامي
وكانت له جنازة حافلة ما عهد نظيرها، حتى أن جنازته رفعت على رؤوس الأصابع من تزاحم
الخلق، وخوفا من وقوعها وإضرار الناس بعضهم بعضا حتى صار حاكم البلدة وعساكره يفرقون
الناس عنها، وصار الناس عموما يبكون نساء ورجلا كبار وصغارا وصلى عليه في جامع سنان
باشا، وعض بهم المسجد حتى صلوا في الطريق، وصلى عليه إماما بالناس الشيخ سعيد الحلبي، وصلى
عليه غائبة في أكثر البلاد، ولم يترك أولادا ذكورا غير هذا الحقير العاجز الفقير الملتجي إلى عناية مولاه
القدير جامع هذه التكملة، جعلها الله تعالى خالصة لوجهه الكريم، ورحم الله تعالى روحه، ونور
مرقده وضريحه، وجزاء الله تعالى عني وعن المسلمين خيرا، نفعني به وبعباده الصالحين في الدنيا
والآخرة.



(1) قوله: (على الدوام) يقرأ بوصل عين على بدال الدوام وحذف ما بينهما لفظ لاستقامة الوزن.
425
وهذا أوان الشروع في المقصود، بعون ذي الفضل والجود، فنقول بعون الله تعالى:
قول العلائي. قوله: (قال المحشي) هو الشيخ صالح على ما يتبادر من سابقه ومن نقله عنه كثيرا، ولا
حاجة إلى هذه العبارة للاستغناء عنها بما قبلها ط.
مطلب: دعوى الهبة من غير قبض غير صحيحة
قوله: (مع قبض) قيد به، لان دعوى الهبة من غير قبض غير صحيحة، فلا بد في دعواها من
ذكر القبض ولهذا صور المسألة شراح الهداية بأنه ادعى أنه وهبها له وسلمها ثم غصبها منه.
مطلب: الاقرار بالهبة هل يكون إقرارا بالقبض؟
وذكر العمادي اختلافا في الاقرار بالهبة أيكون إقرارا بالقبض، قيل نعم لأنه كقبول فيها،
والأصح لا، وقيد بذكر التاريخ لهما لأنه لو لم يذكر لهما تاريخ أو ذكر لأحدهما فقط تقبل لامكان
التوفيق بأن يجعل الشراء متأخرا ا ه‍ بحر. وفيه أيضا وأشار المؤلف إلى أنه لو ادعى الشراء أولا ثم
برهن على الهبة أو الصدقة، فإن وفق فقال جحدني الشراء ثم وهبها مني أو تصدق قبل وإلا فلا كما
في خزانة الأكمل وفي منية المفتي: ادعاها إرثا ثم قال جحدني فاشتريتها وبرهن تقبل ا ه‍. ذكر مسائل
من التناقض: منها لو ادعى الشراء من أبيه في حياته وصحته فأنكر ولا بينة فحلف ذو اليد فبرهن
المدعي أنه ورثها من أبيه تقبل لامكان التوفيق.
مطلب: برهن على أنه لهن بالإرث ثم قال لم يكن لي قط
ولو داعي الإرث أولا ثم الشراء لا تقبل لعدمه. ومنها برهن على أنه له بالإرث ثم قال: لم يكن
لي قط أو لم يزد قط لم يقبل برهانه وبطل القضاء.
مطلب: دعوى الشراء بعد الهبة مسموعة مطلقا
والشراء قبل هبة من غير قبض مسموعة أيضا
وتقييده بالقبض ليس للاحتراز عن دعوى الشراء بعدما ادعى الهبة بدون التسليم أبو السعود.
قوله: (في وقت) ظرف لهبة لا لادعى ا ه‍ ح، وذلك كما إذا ادعى أنه وهبها له في رمضان. قوله:
(ومفاده) أي مفاد قوله: (أو لم يقل ذلك) ا ه‍ ح.
مطلب: التوفيق بالفعل شرط في الاستحسان وهو الأصح
قوله: (بإمكان التوفيق) أي مطلقا من المدعي أو المدعى عليه تعدد وجهه أو اتحد بحر.
وفيه أن هذا هو القياس والاستحسان أن التوفيق بالفعل شرط. قال الرملي: وجواب
الاستحسان هو الأصح كما في منية المفتي.

426
أقول: لكن نقل في نور العين عن فتاوى رشيد الدين: لو أتى بالدفع بعد الحكم في بعض
المواضع لا يقبل، نحو أن يبرهن بعد الحكم أن المدعي أقر قبل الدعوى أنه لا حق له في الدار لا
يبطل الحكم، لجواز التوفيق بأنه شراء بخيار فلم يملكه في ذلك الزمان ثم مضت مدة الخيار وقت
الحكم فملكه، فلما احتمل هذا لم يبطل الحكم الجائز بشك، ولو برهن قبل الحكم يقبل ولا يحكم، إذ
الشك يدفع الحكم ولا يرفعه.
يقول الحقير: الظاهر أنه لو برهن قبل الحكم فيما لم يكن التوفيق خفيا ينبغي أن لا يقبل ويحكم
على مذهب من جعل إمكان التوفيق كافيا، إذ لا شك حينئذ لان إمكانه كتصريحه عندهم، والله تعالى
أعلم ا ه‍. كذا في نسختي نور العين. والذي يظهر زيادة لا في قوله ينبغي أن لا يقبل كما هو ظاهر
لمن تأمل، وسيأتي تمام الكلام على ذلك قريبا إن شاء الله تعالى عند قوله: ومن ادعى على آخر مالا
الخ.
مطلب: من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه إلا في موضعين
قوله: (وهو مختار شيخ الاسلام) قيده في البحر في فصل الفضولي، بأن لا يكون ساعيا في
نقض ما تم من جهته، لان كل من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه، فقولهم: إن
إمكان التوفيق يدفع التناقض على أحد القولين مقيد بما إذا لم يكن ساعيا في نقض ما تم من جهته،
لان من سعى في نقض ما تم من جهته لا يقبل إلا في موضعين.
الأول: فيما إذا اشترى عبدا وقبضه ثم ادعى أن البائع باعه قبله من فلان الغائب بكذا وبرهن
يقبل.
الثاني: وهب جاريته واستولدها الموهوب له ثم ادعى الواهب أنه كان دبرها أو استولدها وبرهن
يقبل ويستردها والعقر ا ه‍. وتمامه فيه فراجعه إن شئت.
مطلب في ارتفاع التناقض أقوال أربعة
قوله: (من أقوال أربعة) الأول: لا بد من التوفيق بالفعل ولا يكفي الامكان.
الثاني: كفاية الامكان مطلقا: أي من المدعي أو المدعى عليه تعدد وجه التوفيق أو اتحد.
الثالث: ما ذكره الخجندي.
الرابع: كفاية الامكان إن اتحد وجه التوفيق لا إن تعددت وجوهه. وهذا الخلاف يجري في كل
موضع حصل فيه التناقض من المدعي أو منه ومن شهوده أو من المدعى عليه كما في البحر، ومثله في
حاشية سيد الوالد عليه.
مطلب: هل يكفي إمكان التوفيق لدفع التناقض أو لا بد منه بالفعل
قوله: (أنه يكفي من المدعى عليه) هذا اختصار. وأصل عبارة الخجندي كما في البحر: إن
التناقض إن كان من المدعي فلا بد من التوفيق بالفعل ولا يكفي الامكان، وإن كان المدعى عليه يكفي
الامكان، لان الظاهر عند الامكان وجوده ووقوعه، والظاهر حجة في الدفع لا في الاستحقاق
والمدعي مستحق والمدعى عليه دافع، والظاهر يكفي في الدفع لا في الاستحقاق. ويقال أيضا: إن

427
تعدد الوجوه لا يكفي الامكان وإن اتحد يكفي الامكان والتناقض كما يمنع الدعوى لنفسه يمنع
الدعوى غيره. قوله: (بعد وقتها) كشوال وهو ظرف للشراء كقبله ا ه‍ ح. قوله: (في الصورتين)
يعني ما إذا قال جحدنيها أولا ح. قوله: (وقبله) أي قبل وقت الهبة كشعبان. قوله: (لوضوح التوفيق
في الوجه الأول) وهو ما إذا كان الشراء بعد وقت الهبة. وهذا التعليل إنما يظهر فيما إذا قال
جحدنيها، وأما إذا لم يقله فالذي فيه إمكان التوفيق. قوله: (وظهور التناقض في الثاني) لأنه يدعي
الشراء بعد الهبة وشهوده تشهد له به قبلها، وهو تناقض ظاهر لا يمكن التوفيق بينهما، ومرادهم
بالتناقض ما يكون بين الدعوى والبينة، وإلا فالمدعي لا تناقض منه لأنه لم يدع الشراء سابقا على
الهبة، والتناقض يبطل الدعوى.
مطلب: يكون التناقض من متكلم واحد ومن اثنين
وكما يكون من متكلم واحد يكون من متكلمين كمتكلم واحد حكما كوارث ومورث ووكيل
وموكل. والأولى (1) في البزازية: ولم أر الآن الثانية صريحا وهي ظاهرة من الأولى. بحر.
مطلب: لا تسمع دعوى الوارث فيما لا تسمع دعوى مورثه فيه
قال أبو السعود: وفي هذا دلالة ظاهرة على ما نقله الشيخ حسن الشرنبلالية في رسالة الابراء
عن فتاوى الشيخ الشلبي حيث حكى الاجماع على أن دعوى الوارث لا تسمع في شئ لا تسمع فيه
دعوى مورثه أن لو كان حيا، كما إذا أقر مورثه بقبض ما يخصه من التركة وأبرأ إبراء عاما لا تسمع
دعوى الوارث بعده الخ. وإذا عرف هذا في الابراء فكذا في غيره من بقية الموانع، كما لو ترك
الدعوى في حق لا من جهة الإرث حتى مضى خمس عشرة سنة، وقولهم لا تسمع الدعوى بعد خمس
سنة إلا في الإرث يحمل على ما إذا لم تمض الخمس عشرة سنة قبل موت مورثه ا ه‍ ط.
مطلب: هل يشترط كون الكلامين المتناقضين في مجلس القاضي أو الثاني فقط؟
قوله: (وهل يشترط كون الكلامين) أي المتناقضين. قوله: (أو الثاني فقط) أي ويحتاج إلى إثبات
الأول عند القاضي ليدفع به دعوى المدعي. قوله: (وينبغي ترجيح الثاني) ولعل وجهه أنه الذي يتحقق
به التناقض منح. وفي النهر من باب الاستحقاق: والأوجه عندي اشتراطهما عند الحاكم، إذ من
شرائط الدعوى كونها لديه ا ه‍. وفي شرح المقدسي: ينبغي أن يكفي أحدهما عند القاضي، بل يكاد أن
يكون الخلاف لفظيا لان الذي حصل سابقا على مجلس القاضي لا بد أن يثبت عنده ليترتب على ما
عنده حصول التناقض، والثابت بالبيان كالثابت بالعيان فكأنهما في مجلس القاضي، فالذي شرط
كونهما في مجلس يعم الحقيقي والحكمي في السابق واللاحق ا ه‍. وهو حسن.



(1) قوله: (والأول) أي مسألة للوارث والمورث ا ه‍.
428
لكن ذكر سيدي الوالد رحمه الله تعالى في حاشيته على البحر بعد ذكر نحو ما تقدم: قلت:
وسيأتي في الوكالة أن الوكيل بالخصومة يصح إقراره لو أقر عند القاضي لا عند غيره، ولكنه يخرج به
عن الوكالة. وعند أبي يوسف: يصح إقراره مطلقا، لان الشئ إنما يختص بمجلس القضاء إذا لم يكن
موجبا إلا بانضمام القضاء إليه كالبينة والنكول. ولهما: أن المراد بالخصومة الجواب مجازا، والجواب
يستحق في مجلس الحكم فيختص به، فإذا أقر في غيره لا يعتبر لكونه أجنبيا فلا ينفذ على الموكل لكنه
يخرج به عن الوكالة لان إقراره يتضمن أنه ليس له ولاية الخصومة اه‍.
والحاصل: أن اختصاصه بمجلس القاضي لكون لفظ الخصومة يتقيد به، وهنا ليس كذلك،
فالذي يظهر ترجيح عدم اشتراط كون الكلامين في مجلس القاضي ا ه‍. قوله: (يرتفع بتصديق الخصم)
أي بكلاميه المتناقضين.
مطلب: يرتفع المتناقض بقول المتناقض تركت
قوله: (وبقول المتناقض تركت الأول الخ) أقول: فيه أنه حينئذ لا يبقى تناقض أصلا، لان كل
متناقض يمكنه أن يقول ذلك، والظاهر أن هذا مخصوص بمسألة ما إذا ادعاه مطلقا ثم ادعاه بسبب
الخ، فإذا قال ذلك قبل قوله: أما لو قال هذا ملك المدعى عليه ثم قال بل ملكي تركت الأول وادعى
بالثاني فلا قائل به، ويرشدك لذلك. قوله: (تركت الأول الخ). ثم رأيت في البحر عن البزازية وصف
المدعي المدعى، فلما حضر خالف في البعض أن ترك الدعوى الأولى وادعى الحاضر تسمع لأنها
دعوى مبتدأة، وإلا فلا ا ه‍. وفيه أيضا وبرجوع المتناقض عن الأول بأن يقول تركته وادعى بكذا. قال
سيدي الوالد في حاشيته عليه بعد كلام: وظاهر ما ذكره المؤلف في الاستحقاق: أي صاحب البحر،
أن مسألة رجوع المتناقض بحث منه. ثم رأيت البزازي ذكر بعد ذلك في نوع في الدفع، وذكر
القاضي ادعى بسبب وشهدا بالمطلق لا يسمع ولا تقبل لكن لا تبطل دعواه الأولى، حتى لو قال
أردت بالمطلق المقيد يسمع كما مر إن برهن على أنه له.
وفي الذخيرة أيضا: ادعاه مطلقا فدفعه المدعى عليه بأنك كنت ادعيته قبل هذا مقيدا وبرهن
عليه فقال المدعي أدعيه الآن بذلك السبب وتركت المطلق يقبل ويبطل الدفع ا ه‍ ما في البزازية. قال
الرملي: ربما يشكل عليه ما في البزازية وغيرها: ادعى على زيد أنه دفع له مالا ليدفعه إلى غريمه
وحلفه ثم ادعاه على خالد وزعم أن دعواه على زيد كان ظنا لا يقبل، لان الحق الواحد كما لا يستوفى
من اثنين لا يخاصم مع اثنين بوجه واحد ا ه‍. ووجه إشكاله أنه لما قال إن دعواه على زيد كان ظنا فقد
ارتفع التناقض، والله تعالى أعلم. ذكره الغزي. وأقول: قد كتب فرقا في حاشيتي على جامع
الفصولين بين فرع البزازي وفرع ذكره فراجعه، ويفرق ها هنا بأن فيما ذكره البزازي امتنع ارتفاع
التناقض لتعلقه باثنين فلا تصح الدعوى لما ذكره من امتناع مخاصمة الاثنين في حق واحد، وهذا منتف
في الواحد وهو محل ما في هذا الشرح فتدبر ا ه‍.
مطلب: يرتفع التناقض بقول المتناقض تركت
قوله: (أو بتكذيب الحاكم) كما لو ادعى أنه كفل له عن مديونه بألف فأنكر الكفالة وبرهن
الدائن أنه كفل عن مديونه وحكم به الحاكم وأخذ المكفول له منه المال، ثم إن الكفيل ادعى على

429
المديون أنه كفل عنه بأمره وبرهن على ذلك يقبل عندنا ويرجع على المديون بما كفل لأنه صار مكذبا
شرعا بالقضاء. كذا في المنح ح. وكذا إذا استحق المشتري من المشتري بالحكم يرجع على البائع بالثمن
وإن كان كل مشتر مقرا بالملك لبائعه، لكنه لم حكم ببرهان المستحق صار مكذبا شرعا باتصال القضاء به ا ه‍ ط. ومثله في الأنقروي، وإنما احتاج للدعوى لاثبات كون الكفالة بالامر لا لاثبات
أصل الكفالة، إذ هي من المسائل التي يكون القضاء بها على الحاضر قضاء على الغائب. قوله: (وتمامه
في البحر) وعبارة البحر في الاستحقاق أولى، وهي: إذا قال تركت أحد الكلامين يقبل منه، لأنه
استدل له بما في البزازية عن الذخيرة: ادعاه مطلقا فدفعه المدعى عليه بأنك كنت ادعيته قبل هذا
مقيدا وبرهن عليه فقال المدعي أدعيه الآن بذلك السبب وتركت المطلق يقبل ويبطل الدفع ا ه‍. فإن
المتروك الثانية لا الأولى، ومع هذا نظر فيه صاحب النهر هناك.
وقد يقال: ذلك القول توفيق بين الدعوتين. تأمل. وذكر سيدي الوالد في باب الاستحقاق
تأييد ما في النهر.
مطلب: ادعى بسبب ثم ادعاه مطلقا
وقال في الخانية: رجل ادعى الملك بسبب ثم ادعاه بعد ذلك ملكا مطلقا فشهد شهوده بذلك
ذكر في عامة الروايات أنه لا تسمع دعواه لا تقبل بينته. قال مولانا رضي الله تعالى عنه: قال جدي
شمس الأئمة رحمه الله تعالى: لا تقبل بينته ولا تبطل دعواه، حتى لو قال أردت بهذا الملك المطلق
الملك بذلك السبب تسمع دعواه وتقبل بينته اه‍.
مطلب: ادعى وقفا ثم ادعاه ملكا لنفسه لا تقبل
قوله: (ثم ادعاها لنفسه) لوجود التناقض مع عدم إمكان التوفيق، إذ الوقف لا يصير ملكا ط.
قوله: (لم تقبل للتناقض) لان الانسان لا يضيف مال نفسه إلى غيره.
قال في جامع الفصولين بعد ذكر المسألة في الفصل 39 أقول: يمكن أيضا في هذا أنه أضاف
مال الغير إلى نفسه فلا تناقض حينئذ فينبغي أن يكون مقبولا ا ه‍. قوله: (وقيل تقبل إن وفق) هذا
راجع إلى المسألة الثانية دون مسألة الوقف، ومقتضى ما سبق أن إمكان التوفيق بما ذكر كاف ط. وأما
ما ذكر الشارح فليس بكاف بل لا بد منه بالفعل، وقد تقدم أن الاستحسان أن التوفيق بالفعل شرط.
مطلب: ادعى الملك ثم ادعاه وقفا تقبل
قوله: (ثم ادعى الوقف عليه) كذا في المنح ولم يذكره في البحر. والذي في الحموي عدم التقييد
بقوله عليه وكأنه أخذه من قاعدة إعادة النكرة معرفة فيكون المراد به الوقف المار. قيل: وعليه فلا
يظهر التوفيق لأنه تناقض ظاهر، ويمكن جريانه على مذهب الثاني القائل بصحة وقفه على نفسه ا ه‍.
ولا يخفى عليك ما فيه، لما في البحر من فصل الاستحقاق: ولو ادعى أنها له ثم ادعى أنها وقف عليه
تسمع لصحة الإضافة بالأخصية انتفاعا كما لو ادعاها لنفسه ثم لغيره ا ه‍. تأمل. قوله: (تقبل)

430
لاحتمال أنها انتقلت لغيره منه. قوله: (اشتريت مني هذه الجارية) أي والواقع كذلك. قوله: (فله أن
يطأها) أي بعد الاستبراء إن كانت في يده المشتري. أبو السعود عن الحلبي بحثا. قوله: (واقترن تركه
بفعل يدل على الرضا الخ) هذا ما ذكره صاحب الهداية جازما به، وبعضهم اكتفى بعزم القلب على
الترك، وبعضهم اشتراط الاشهاد عليه: أي على ما في قلبه بلسانه، وقيل مجرد العزم لا يفسخ به كمن
له خيار شرط. أجيب بأن المراد عزم مؤكل بفعل كإمساكها ونقلها لمحله، إذ لا يحل ذلك بدون فسخ
فكان فسخا دلالة كما في المقدسي. قوله: (لما تقرر) علة للمصنف.
مطلب: جحود ما عدا النكاح فسخ له
قوله: (ما عدا النكاح) فإنه لا يحتمل الفسخ بسبب من الأسباب، فلو ادعى تزوجها على ألف
فأنكرت ثم أقامت البينة على ألفين قبلت ولا يكون إنكارها تكذيبا للشهود، وفي البيع لا يقبل ويكون
تكذيبا للشهود. ولو ادعت عليه نكاحا وحلف عندهما أو لم يحلف عنده لا يحل لها التزوج بغيره، لان
إنكاره لا يكون فسخا فيحتاج القاضي بعده أن يقول فرقت بينكما أو يقول الخصم إن كانت زوجتي
فهي طالق بائن. ولو ادعى على امرأة أنه تزوجها فأنكرت المرأة ثم مات الزوج فجاءت المرأة تدعي
ميراثه فلها الميراث كعكسه عندهما، وعند الامام لا ميراث له لأنه لا عدة عليه، ولذا كان له أن يتزوج
بأختها وأربع سواها. ولو ادعت الطلاق فأنكر ثم مات لا تملك مطالبة الميراث، وكما لا يكون إنكار
النكاح فسخا لا يكون طلاقا وإن نوى بخلاف لست لي بامرأة فإنه يقع به إن نوى عنده خلافا لهما
ا ه‍ ط. ومثله في البحر. وقد ذكر في البحر في خيار البلوغ صورا من النكاح تحتمل الفسخ.
قال في التبيين: ولا يقال: النكاح لا يحتمل الفسخ فلا يستقيم جعله فسخا. لأنا نقول: المعني
بقولنا لا يحتمل الفسخ بعد التمام وهو النكاح الصحيح النافذ اللازم، وأما قبل التمام فيحتمل الفسخ،
وتزويج الأخ والعم صحيح نافذ لكنه غير لازم فيقبل الفسخ ا ه‍. ويرد ارتداد أحدهما فإنه فسخ اتفاقا
وهو بعد التمام، وكذا إباؤها عن الاسلام بعد إسلامه فإنه فسخ اتفاقا وهو بعده، وكذا ملك أحد
الزوجين صاحبه.
مطلب: الحق أن النكاح يقبل الفسخ
فالحق أنه يقبل الفسخ مطلقا إذا وجد ما يقتضيه شرعا ا ه‍. قال سيدي الوالد: قد يقال مراده
بالفسخ ما كان مقصودا مستقلا بنفسه، وهو فيما ذكره من الصور ليس كذلك فإنه تابع لازم لغيره:
أعني الارتداد والإباء والملك، ومثله الفسخ بتقبيل ابن الزوج وسبي أحدهما ومهاجرته إلينا. تأمل.
ثم رأيت بعد ذلك: أجاب بعض الفضلاء بأن ذلك انفساخ لا فسخ ا ه‍. وهو مؤدى ما قلنا
ا ه‍. قوله: (فللبائع ردها بعيب الخ) أي وقد علمه بعد هذه الدعوى وإلا كانت الدعوى رضا به،
وقيده في النهاية بأن يكون بعد تحليف المشتري، إذ لو كان قبله فليس له الرد على البائع لاحتمال
نكول المدعى عليه فتلزمه فاعتبر بيعا جديدا في حق ثالث، والأشبه أن يكون هذا التفصيل بعد

431
القبض. وأما قبله فينبغي أن يرد مطلقا: أي ولو قبل تحليفه لأنه فسخ من كل وجه في غير العقار فلا
يمكن حمله على البيع. زيلعي وغيره ط. ونحوه في الشرنبلالية.
مطلب ما يقبل الفسخ من النكاح ليس بفسخ بل انفساخ
قوله: (أما النكاح فلا يقبل أصلا) عبارة الفتح: والنكاح لا يحتمل الفسخ بسبب من الأسباب
أي التي يتعاطاها الزوجان. وأما انفساخه بخروجهما عن أهلية النكاح كارتداد أحدهما وإباء المجوسية
عن الاسلام وملك أحد الزوجين الآخر وكذا ما قدمه من الفرقة بأنها تارة تكون طلاقا وتارة تكون
فسخا فلا ينافي ما هنا. رحمتي.
أقول: وهو معنى ما قدمناه قريبا عن سيدي الوالد. وأقول: حق ذكر هذه المسائل في كتاب
الدعوى، وإنما ذكرت هنا لبيان حكم القضاء فيها. قوله: (يقبل برهانه) لعل وجهه مع أنه تناقض
ظاهر ما يأتي قريبا من أن النكاح لا يرتد بالرد فيكون جحوده ردا لاقرارها. قوله: (أقر بقبض عشرة
دراهم) أطلق فيها، فشمل ما إذا كانت دينا من قرض أو ثمن مبيع أو غصبا أو وديعة كما في الفتح،
وقيد بالدراهم لان المشتري لو أقر أنه قبض المبيع ثم ادعى عيبا به فإن القول لبائعه لان المبيع متعين،
فإذا قبضه وأقر بأنه استوفى حقه دلالة فبدعواه العيب صار متناقضا ا ه‍. ط عن الحموي.
قال في البحر: وقيد الاقرار بالقبض، لأنه لو أقر بالألف ولم يبين الجهة ثم ادعى موصولا أنها
زيف لم يقض عليه، واختلف المشايخ: قيل أيضا على الخلاف، وقيل يصدق إجماعا لان الجودة تجب
في بعض الوجوه لا على البعض فلا تجب بالاحتمال. ولو قال غصبت ألفا أو أودعني ألفا إلا أنها
زيوف صدق وإن فصل. وعن الامام أن القرض كالغصب، ولو قال في الغصب والوديعة إلا أنها
رصاص أو ستوقة صدق إذا وصل، ولو قال في كر حنطة من ثمن مبيع أو قرض إلا أنه ردئ
فالقول له، وليس هذا كدعوى الرداءة لأنها في الحنطة ليست بعيب، لان العيب ما يخلو عنه أصل
الفطرة، والحنطة قد تكون رديئة بأصل الخلقة فلا يحمل مطلقها على الجيد ولذا لم يجز شراء البر بدون
ذكر الصفة.
أقر بقبض عشرة أفلس أو ثمن مبيع ثم ادعى أنها كاسدة لم يصدق وإن وصل. وقالا: يصدق
في القرض إذا وصل، أما في البيع فلا يصدق عند الثاني في قول الأول. وقال محمد: يصدق في
المبيع وعليه قيمة المبيع، وكذا الخلاف في قوله علي عشرة ستوقة من قرض أو ثمن مبيع، ولو قال
غصبته عشرة أفلس أو أودعني عشرة أفلس ثم قال هي كاسدة صدق ا ه‍. وقيد باقتصاره على قبض
الدراهم، لأنه لو قال قبضت دراهم جيادا لم يصدق في دعواه الزيوف موصولا ومفصولا. ونقل في
أنفع الوسائل أنه إذا قبض البائع الثمن أو المؤجر الأجرة أو رب الدين دينه من المديون ولم ينقد الثمن
ولا الأجرة ولا الدين ثم جاء بعد ذلك وذكر أن فيما قبضه رداءة وهو الذي تقوله العامة نحاس ورفعه
إلى الحاكم فطلب منه الحكم والخصم ينكر ويقول دراهمي جياد وما أعلم هل هذا منها أم لا، فهل

432
يكون القول قول القابض أو الدافع؟ وتحرير الكلام في ذلك ذكر في القنية. ص: تكارى دابة إلى
بغداد بعشرة ودفعها إليه فلما بلغ بغداد رد بعضها وقال هي زيوف أو ستوقة، فالقول لرب الدابة لأنه
ينكر استيفاء حقه والجياد فالقول له (1) هذه عبارة القنية.
وذكر في المبسوط قال: وإذا كان أجر الدار عشرة دراهم أو قفيز حنطة موصوفة وأشهد المؤجر
أنه قبض من المستأجر عشرة دراهم أو قفيز حنطة ثم ادعى أن الدراهم نبهرجة أو أن الطعام معيب
فالقول قوله لأنه ينكر استيفاء حقه، فإن ما في الذمة يعرف بصفة ويختلف باختلاف الصفة فلا مناقضة
في كلامه، فاسم الدراهم يتناول النبهرج، واسم الحنطة يتناول المعيب، وإن كان حين أشهد قال قد
قبضت من أجر الدار عشرة دراهم أو قفيز حنطة لم يصدق بعد ذلك على ادعاء العيب والزيف، كذلك
لو قال استوفيت أجر الدار ثم قال وجدته زيوفا لم يصدق ببينة ولا غيرها لأنه قد سبق منه الاقرار
بقبض الجياد، فإن أجر الدار من الجياد فيكون هو مناقضا في قوله وجدته زيوفا، والمناقض لا قول له
ولا تقبل بينته، ولو كان ثوبا بعينه فقبضه ثم جاء يرده بعيبه فقال المستأجر ليس هذا ثوب فالقول قول
المستأجر، لأنهما تصادفا على أنه قبض المعقود عليه فإنه كان شيئا بعينه ثم ادعى الآخر لنفسه حق الرد
والمستأجر منكر لذلك فالقول قوله فإن أقام رب الدار البينة على المعيب رده سواء كان العيب يسيرا أو
فاحشا على قياس البيع.
قلت: فتحرر لنا من كلام شمس الأئمة السرخسي أن المؤجر متى قال استوفيت أجر الدارهم
ثم قال وجدت فيه زيوفا لم يقبل قوله ولا بينته، ولو قال قبضت من المستأجر كذا من الدراهم ولم يقل
الأجرة ثم جاء وقال هذه الدراهم نبهرجة فالقول قوله، فصار جواب المسألة أن القابض متى أقر
بقبض الحق ثم ادعى أنه زيوف لم يصدق لأنه ناقض كلامه، لان إقراره بقبض الحق إقرار بقبض
الجياد، فإذا قال بعد ذلك هو زيوف أو بعضه فقد ناقض كلامه والمناقض لم يقبل قوله ولا بينته،
بخلاف ما إذا قال قبضت عشرة دراهم مثلا ولم يقل من أجرة داري ثم ادعى أنها زيوف فإنه يقبل
قوله، لأنه في القول الثاني منكر استيفاء الحق، وما سبق منه ما يناقض هذا القول فيكون القول قوله.
هذا خلاصة ما قاله في المبسوط. وأما ما ذكره في القنية ورمز له بالصاد وهي علامة كتاب الأصل
فهو موافق لما قررناه، لأنه قال ودفعها إليه ولم يقل وأقر باستيفاء الأجرة، وفي هذه الصورة ليس
القابض بمناقض في قوله فيقبل، وبقية ما ذكره في القنية هو من المبسوط فإنه رمز بسين وهو علامة
المبسوط، ومعنى ما ذكره أنه إذا أقر بقبض الدراهم بأن قال مثلا قبضت منه عشرة دراهم ثم ادعى أنها
زيوف صدق، ولو قال هي ستوقة لا يصدق، وذلك لأنه في الزيوف ما ناقض كلامه لان الزيوف من
جنس حقه، وفي الستوقة ناقض كلامه لأنه أقر أولا بالدراهم وثانيا ادعى أنها ستوقة، والستوق ليس
من الجنس فكان مناقضا على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى من تفسير الزيوف والستوق والنبهرج،
وقوله وإن أقر (2) باستيفاء الأجرة الخ، هذا مشكل مخالف لما قاله في المبسوط مما نقلناه وسنبينه، فإنه
قال: وإن أقر باستيفاء الأجرة إلى آخره هذا مشكل مخالف لما قاله إلى تقديره والمسألة بحالها حتى يتم



(1) قوله (والجياد فالقول له) هكذا بالأصل وليحرر.
(2) قوله (وقوله وإن أقر الخ) هكذا بالأصل ولتحرر هذه العبارة إلى آخره.
433
الكلام. وإذا كان كذلك فيبقى تقدير الكلام تكارى دابة إلى بغداد بعشرة دراهم وأقر الآجر بقبض
الأجرة ثم ادعى أنها زيوف أو ستوقة يقبل قوله في ذلك، وهذا خلاف ما ذكره شمس الأئمة في
المبسوط، فإنه قال: إذا أقر باستيفاء الأجرة ثم قال وهي زيوف لم يقبل قوله، والحرف قد بيناه، وهو
الموافق للفقه لأنه تناقض كلامه بعد ذلك والمناقض لا قول له، فكيف يقول في القنية القول له فهذا
والله أعلم سهو، فإنه زيف كلام المبسوط وما يقوله محمد إلى آخره، فالذي يجب أن يعمل به هو ما
ذكره في المبسوط: أعني في هذه الصورة الخاصة. وأما بقية الصور فكلها موافقة لما ذكره في المبسوط.
فإذا تقرر لنا هذا في الإجارة والأجرة عديناه إلى استيفاء الأثمان في البياعات والديون في
المعاملات، فإن العلة تجمع الكل فنقول: إذا دفع إليه دراهم وهي عن متاع ثم جاء البائع وأراد أن يرد
عليه شيئا يزعم أنه مردود في المعاملات بين الناس وأنكر المشتري أن ذلك من دراهمه التي دفعها، فلا
يخلو إما أن يكون البائع أقر بقبض الثمن أولا، فإن أقر بقبض الثمن لم يقبل قوله في ذلك، ولا يلزم
المشتري بأن يدفع عوض ذلك الرد، ولو اختار البائع يمين المشتري أنه ما يعلم أن هذا الرد من دراهمه
التي أعطاها له ينبغي أن يجاب إلى ذلك ويحلفه القاضي على العلم، فإن حلف انقطعت الخصومة ولم
يبق له معه منازعة، وإن نكل ينبغي أن يردها عليه لأنه أقر بما ادعاه بطريق النكول. وإن كان البائع لم
يقر بقبض الثمن ولا الحق الذي على المشتري من جهة هذا البيع وإنما أقر بقبض دراهم مثلا ولم يقل
هي الثمن ولا الحق، فإن في هذه الصورة يكون القول قول البائع لأنه منكر استيفاء حقه ولم يتقدم منه
ما يناقض هذه الدعوى فيقبل قوله مع يمينه، هذا إذا أنكر المشتري أنها من دراهمه أيضا، وكذلك
الديون أيضا ينبغي أن يكون الجواب فيها كالجواب في الاجر والثمن في باب البيع، وهذا كله إذا
كان الذي يرده زيوفا أو نبهرجا، فإن كان ستوقا فلا يقبل قوله فلا يرده لأنه ناقض كلامه. أما في
صورة إقراره بقبض الدراهم فظاهر لان الستوق ليس من جنس الدراهم وقد أقر بقبض الدراهم أولا
ثم قال هي ستوقة فكان مناقضا، وكذلك في إقراره بقبض الأجرة أو الحق بل بالطريق الأولى. وعبارة
المبسوط خالية عن ذكر الستوق وليس فيها ما يمنع ما قاله في القنية بل يوافقه من حيث المعنى. قوله:
(ثم ادعى أنها زيوف) عبر بثم ليفيد أن البيان إذا وقع مفصولا يعتبر فالموصول أولى بالاعتبار ا ه‍.
بحر. ومثله في الطحاوي عن المنح. وقيد بالزيوف للاحتراز عما إذا بين أنها ستوقة فإنه لا يصدق
لان اسم الدراهم لا يقع عليها، ولذا لو تجوز بالزيوف والنبهرج في الصرف والسلم جاز، وفي
الستوق لا إن كان مفصولا، وإن كان موصولا صدق كما في النهاية، وهي مسألة المتن.
والحاصل: أن ادعاءه إن موصولا صحيح في الكل سوى صورة الاقرار بقبض الجياد، وأن
ادعاءه مفصولا في البواقي غير صحيح سوى صورة الاقرار بقبض عشرة دراهم، والزيف ما زيفه بيت
المال: أي يرده. قوله: (أو نبهرجة) قال ط: صوابه بنهرجة بتقديم الباء على النون كما يستفاد من
المغرب. أبو السعود عن الحموي. والزيف: ما زيفه بيت المال. والبنهرجة: ما يرده التجار. وقيل
الزيوف هي المغشوشة، والبنهرجة هي التي تضرب في غير دار السلطان.
وفي الايضاح: الزيف: ما زيفه بيت المال لنوع قصور في جودته إلا أنه تجري فيه المعاملة بين
التجار. والبنهرجة: ما يرده التجار لرداءة فضته. والستوقة: التي وسطها نحاس أو رصاص ووجهها
فضة، وهي معرب منه توبه ا ه‍.

434
وفي الفتح منه ثلاث: يعني ثلاث طبقات الاعلى والأسفل فضة والأوسط نحاس ا ه‍. لكن نقل
سيدي الوالد عن القاموس في فصل النون: النبهرج: الزيف الردئ ا ه‍. وفي المغرب: النبهرج:
الدرهم الذي فضته رديئة، وقيل الذي الغلبة فيه للفضة، وقد استعير لكل ردئ باطل، ومنه بهرج
دمه: إذا أهدر وأبطل. وعن اللحياني: درهم نبهرج ولم أجده بالنون إلا له ا ه‍. وهي مخالف لما في
القاموس مع أنه المشهور ا ه‍ ما قاله سيدي الوالد، قال في أنفع الوسائل عن الكرخي: الستوق عندهم
ما كان النحاس فيه هو الغالب الأكثر. وفي الرسالة التوسعية: النبهرجة: إذا غلبها النحاس لم تأخذ.
وأما الستوقة فحرام أخذها لأنها فلوس.
وحاصل ما قالوه في تفسير الزيوف والنبهرجة والستوقة: أن الزيوف أجود من الكل، وبعد
الزيوف البنهرجة، وبعدها الستوقة، فتكون الزيوف بمنزلة الدراهم التي يقبلها بعض الصيارف دون
بعض، والبنهرجة ما يردها الصيارف، وهي التي تسمى مغيرة لكن الفضة فيها أكثر. والستوقة بمنزلة
الزغل، وهي التي نحاسها أكثر من فضتها، فإذا عرفنا (1) هذا فالزيوف والبنهرجة ما يردها الصيارف،
وهي التي نحاسها أكثر من فضتها.
مطلب: إذا أقر باستيفاء الحق أو الأجرة أو الجياد
ثم ادعى أنها بنهرجة أو زيوف لم يصدق، وإذا أقر بقبض دراهم مطلقة يصدق.
فإذا عرفنا هذا فالزيوف والبنهرجة يكون القول قول القابض فيها إذا لم يقر باستيفاء الحق أو
الأجرة والجياد، بل يكون أقر بقبض كذا من الدراهم ثم يدعي أن بعضها زيوف أو بنهرجة كما قدمناه
فيقبل قوله ويردا، وأما إذا قال إنها ستوقة بعد ما أقر بقبض الدراهم لا يقبل قوله ولا يردها. قوله:
(بخلاف الستوقة) بفتح السين كما في الفتح. ونقل الشيخ شاهين عن شرح المجمع جواز الضم أيضا.
أبو السعود. قال ط: والأولى حذف هذه العبارة والاقتصار على المصنف. قوله: (فالتفصيل) أي بين
الزيوف والبنهرجة وبين الستوقة. قوله: (في المفصول) أي من كونه يصدق فيه بادعاء الزيافة لا
الستوقة. قوله: (ولو موصولا للتناقض) الفرق بينه وبين ما بعده حيث يصدق فيه إذا كان موصولا أنه
في الثاني مقر بقبض القدر والجودة بلفظ واحد، فإذا استثنى الجودة فقد استثنى البعض من الجملة
فصح، كما لو قال لفلان على ألف لا مائة، فأما إذا قال قبضت عشرة جيادا فقد أقر بالوزن بلفظ على
حدة وبالجودة بلفظ على حدة، فإذا قال إلا أنها زيوف فقد استثنى الكل من الكل في حق الجودة
وذلك باطل كأنه قال جياد إلا أنها غير جياد، فهو كمن قال لفلان على ألف درهم ودينار إلا دينارا
فإن الاستثناء يكون باطلا وإن ذكره موصولا ا ه‍. حلبي مزيدا عن العناية ط. قوله: (ولو أقر الخ)
يشير إلى أنه لم يقر وقبض وهو ساكت ولو بعد نقد الصيرفي يرد.
وفي جامع الفتاوى: لو وجد البائع الثمن رصاصا أو ستوقة أو مستحقا لا يسترد المبيع. وفي



(1) قوه: (فإذا عرفنا هذا الخ) كذا بالأصل وليحرر.
435
الخانية: وإن قبض ولم يقر بشئ ثم ادعى أنها ستوقة قبل قوله: (أو استوفى) الاستيفاء عبارة عن
قبض الحق بالتمام. سعدية وابن كمال. قوله: (في دعواه الزيافة) ومثله البنهرجة لاتحاد الحكم فيهما
وكذا الستوقة. قال في النهاية: لو أقر بقبض حقه ثم قال إنها ستوقة أو رصاص يصدق موصولا لا
مفصولا ا ه‍. ط عن الشرنبلالية. وكذا إقراره بقبض رأس مال كما في البزازية، ولم يذكر المؤلف
حكم وزنها عند الاطلاق والدعوى. وفي كافي الحاكم: لو أقر بألف درهم عددا ثم قال هي وزن
خمسة أو ستة وكان الاقرار منه بالكوفة فعليه مائة درهم وزن سبعة فلا يصدق على النقصان إذ لم يبين
موصولا، وكذا الدنانير، وإن كانوا في بلاد يتعارفون على دراهم معروفة الوزن بينهم صدق ا ه‍.
وأطلق في الدراهم المقر بها فشمل ما إذا كانت دينا من قرض أو ثمن مبيع أو غصبا أو وديعة كما في
فتح القدير، ورأس المال كما البزازية، وقيد بدعوى المقر لأنه لو أقر بقبض دراهم معينة ثم
مات فادعى وارثه أنها زيوف لم يقبل، وكذا إذا أقر بالوديعة أو المضاربة أو الغصب ثم زعم الوارث
أنها زيوف لم يصدق لأنه صار دينا في مال الميت كذا في البزازية. وفيها من الرهن: قضى دينه وبعضه
زيوف وستوقة فرهن شيئا بالستوقة والزيوف وقال خذه رهنا بما فيه من زيوف وستوق صح في حق
الستوق لأنها ليست من الجنس، ولا يصح في الزيوف لأنها من الجنس فلا دين ا ه‍. بحر. قوله: (لان
قوله جياد) علة لقوله ولو أقر بقبض الجياد، فالأولى ذكره موصولا به ا ه‍ ط. قوله: (مفسر) بفتح
السين المشددة من التفسير مبالغة الفسر وهو الكشف، وهو ما ازداد وضوحا على النص على وجه لا
يبقى معه احتمال التأويل. وحكمه وجوب العمل به، وهذا غير ما قدمناه من التعليل. قوله:
(بخلاف غيره) أي من المسائل التي بعدها. قوله: (لأنه ظاهر) راجع للأولى وهي قبض الحق أو
الثمن، والظاهر ما احتمل غير المراد احتمالا بعيدا، والنص يحتمله احتمالا أبعد دون المفسر، لأنه لا
يحتمل غير المراد أصلا ا ه‍. سيدي الوالد. قوله: (أو
نص) راجع للثانية وهو قوله. قوله: (أو استوفى). قوله: (قبل برهانه) لأنه مضطر وإن تناقض. سيدي عن القنية. قوله: (قنية عن علاء
الدين) الذي في البحر: وذكر في القنية مسألة ما إذا أقر بدين ثم ادعى أن بعضه قرض وبعضه ربا أنه
يقبل إذا برهن، وذكره عبد القادر في الطبقات من الألقاب عن علاء الدين ا ه‍.
أقول: وسيأتي نظيره في شتى الاقرار لكنه يخالفه ما يذكر الشارح عن الشرنبلالية، ولكن
المعتمد، ما مشى عليه المصنف ثمة والوهبانية، وأفتى به الخير الرملي والحامدي في الحامدية من أنه إذا
أقام البينة على أن بعضه ربا تقبل، وأقره سيدي الوالد رحمه الله تعالى فاغتنمه. قوله: (قال لآخر لك
على ألف درهم الخ) قيد بالاقرار بالمال احترازا عن الاقرار بالرق والطرق والعتاق والنسب والولاء فإنها
لا ترتد بالرد. أما الثلاثة الأول ففي البزازية: قال لآخر أنا عبدك فرد المقر له ثم عاد إلى تصديقه فهو
عبده، ولا يبطل الاقرار بالرق بالرد، كما لا يبطل بجحود المولى، بخلاف الاقرار بالدين والعين حيث
يبطل بالرد، والطلاق والعتاق لا يبطلان بالرد لأنهما إسقاط يتم بالمسقط وحده. وأما الاقرار بالنسب
وولاء العتاقة ففي شرح المجمع من الولاء أنه لا يرتد فيهما بالرد. وأما الاقرار بالنكاح فلم أره الآن.

436
وحاصل مسائل رد الاقرار بالمال أنه لا يخلو: إما أن يرده مطلقا، أو يرد الجهة التي عينها المقر
ويحولها إلى أخرى، أو يرده لنفسه ويحوله إلى غيره. فإن كان الأول بطل، وإن كان الثاني: فإن لم يكن
بينهما منافاة وجب المال كقول له ألف بدل قرض فقال بدل غصب، وإلا بأن كان بينهما منافاة بطل
كقوله ثمن عبد لم أقبضه وقال قرض أو غصب ولم يكن العبد في يده فيلزمه الألف صدقه في الجهة أو
كذبه عند الامام، وإن كان في يده فالقول للمقر في يده، وإن كان الثالث نحو ما كانت لي قط لكنها
لفلان، فإن صدقه فلان تحول إليه، وإلا فلا، وإن كان بطلاق أو عتاق أو ولاء أو نكاح أو وقف أو
نسب أو رق لم يرتد بالرد فيقال الاقرار يرتد برد المقر له إلا في هذه.
قال في المنية: وإن كان بينهما منافاة، بأن قال المدعى عليه ثمن عبد باعنيه إلا أني لم أقبضه وقال
المدعي بدل قرض أو غصب، فإن لم يكن العبد في يد المدعي بأن أقر المدعى عليه ببيع عبد لا بعينه،
فعند الامام يلزمه الألف صدقه المدعي في الجهة أو كذبه ولا يصدق في قوله لم أقبضه وإن وصل،
وإن كان في يد المدعي بأن كان المقر عين عبدا، فإن صدقه المدعي يؤمر بأخذه وتسليم العبد إلى المقر،
كذا إذا قال العبد له ولكن هذه الألف عليه من غير ثمن هذا العبد، وإن كذبه وقال العبد لي وما بعته
وإنما لي عليه بسبب آخر من بدل قرض أو غصب فالقول للمقر مع يمينه بالله ما لهذا عليه ألف من
غير ثمن هذا العبد ا ه‍. وإنما نقلت عبارة المنية لان في عبارة البحر اختصارا كما نبه عليه سيدي
الوالد. قوله: (فرده المقر له) كما إذا قال ليس لي عليك شئ أو قال هي لك أو هي لفلان ا ه‍. فتح:
أي ولم يصدقه فلان وإلا فهو تحويل. بحر. وقيد برد المقر له لان المقر لو رد إقرار نفسه كان أقر
بقبض المبيع أو الثمن ثم قال لم أقبض وأرد تحليف الآخر أنه أقبضه أو قال هذه لفلان ثم قال هو لي
وأراد تحليف فلان أو أقر بدين ثم قال كنت كاذبا لا يحلف المقر له في المسائل كلها عند أبي حنيفة لأنه
متناقض، كقوله ليس لي على فلان شئ ثم ادعى عليه مالا وأراد تحليفه لم يحلف. وعند أبي يوسف:
يحلف للعادة. وسيأتي في مسائل شتى آخر الكتاب أن الفتوى على قول أبي يوسف، واختاره أئمة
خوارزم، لكن اختلفوا فيما إذا دعاه وارث المقر على قولين، ولم يرجح في البزازية منهما شيئا. قال
الصدر الشهيد: الرأي في التحليف للقاضي، وفسره في فتح القدير بأن يجتهد في خصوص الوقائع،
فإن غلب على ظنه أنه لم يقبض حين أقر يحلف له الخصم، وإن لم يغلب على ظنه ذلك لا يحلفه، وهذا
إنما هو في المتفرس في الاخصام ا ه‍ بحر. قوله: (ثم صدقه) قيد بكون التصديق بعد الرد لأنه لو قبل
الاقرار أولا ثم رده لم يرتد، وكذا الابراء عن الدين وهبته لأنه بالقبول قد تم، وكذا إذا وقف على
رجل فقبله ثم رده لم يرتد، وإن رده قبل القبول ارتد، وقالوا: إن الابراء يرتد بالرد، إلا فيما إذا قال
المديون أبرئني فأبرأه فإنه لا يرتد، وكذا إبراء الكفيل لا يرتد بالرد. بحر. لكن قال سيدي: وفي
البزازية: الاقرار والابراء لا يحتاجان إلى القبول ويرتدان بالرد. قال في الخلاصة: لان لكل أحد ولاية
على نفسه وليس لغيره أن يمنعه، ولكن للمقر له أن لا يقبل صيانة لنفسه عن المنة. وفي التتارخانية
نقلا عن الكافي: والملك يثبت للمقر له بلا تصديق وقبول ولكن يبطل برده ا ه‍.
قلت: ويستثنى (1) الابراء عن بدل الصرف والسلم فإنه يتوقف على القبول ليبطلا. قوله: (في



(1) قوله: (ويستثنى) أي من قولهم الابراء لا يتوقف على القبول ا ه‍. منه.
437
مجلسه) قيد به ليفهم ما إذا لم يكن في مجلسه بالأولى ا ه‍ ح. قال في المنح: بأن قال كان لي عليك في
مكانه أو بعده. قوله: (فلا شئ عليه للمقر له الخ) لان الاقرار هو الأول وقد ارتد بالرد، والثاني
دعوى فلا بد من الحجة أو تصديق الخصم: أي المقر، حتى لو صدقه المقر ثانيا لزمه الألف استحسانا
كما في الهداية وعامة شروحها. قال: والمراد بالحجة البينة ط. قال سيدي الوالد: كيف تقبل حجته
وهو متناقض في دعواه؟ تأمل في جوابه. سعدية. واستشكله في البحر أيضا. ونقل خلافه عن البزازية
حيث قال: في يده عبد فقال رجل هو عبدك فرده المقر له ثم قال هو عبدي وقال المقر هو عبدي فهو
لذي اليد المقر، ولو قال ذو اليد لآخر هو وعبدك ثم قال الآخر بل هو عبدي وبرهن
لا يقبل للتناقض ا ه‍. وهذا يخالف في الهداية من أنه لا بد من الحجة فإنه يقتضي سماع الدعوى ا ه‍.
أقول: وهذا وجهه ظاهر دون ما في الشارح. ويمكن أن يحمل على ما إذا كان الرد بالنفي فقط
من غير أن يقول بل هو لك أو لفلان فتزول مخالفته للزازية. قال في البحر: وهذا بخلاف ما إذا قال
اشتريت وأنكر له أن يصدقه لان أحد العاقدين ينفرد بالفسخ كما لا ينفرد بالعقد. والمعنى أنه حقهما،
فبقى العقد فعمل التصديق، أما المقر له فينفرد برد الاقرار فافترقا. كذا في الهداية. وناقضه في الكافي
بأنه ذكر هنا أن أحد المتعاقدين لا ينفر بالفسخ. وفي مسألة التجاحد قال: ولأنه لما تعذر استيفاء
الثمن من المشتري فات رضا البائع فيستبد بالفسخ والتوفيق بين كلاميه صعب ا ه‍. وأقره عليه في فتح
القدير بقوله بعده وهو صحيح، ويقتضي أنه لو تعذر الاستيفاء مع الاقرار بأن مات ولا بينة أن له أن
يفسخ ويستمتع بالجارية، والوجه ما قدمه أولا ا ه‍. وأجاب عنه في العناية بأنه لا مناقضة، لأنه إنما
حكم أولا بكونه فسخا من جهته لا مطلقا، أو لان كلامه الأول فيما إذا ترك البائع الخصومة والثانية
فيما إذا لم يتركها، لكن قال سيدي الوالد في منحة الخالق عن الحواشي اليعقوبية: قال صاحب
الكفاية: لا تناقض بين كلاميه فيحتاج إلى التوفيق لان مراده بقوله لان أحد المتعاقدين لا ينفرد بالفسخ
فيما إذا كان لآخر على العقد معترفا به، كما إذا قال أحدهما اشتريت وأنكر الآخر لا يكون إنكاره
فسخا للعقد إذ لا يتم به الفسخ، وفيما إذا قال أحدهما اشتريت مني هذه الجارية وأنكر فالمدعي للعقد
هو البائع والمشتري ينكر العقد والبائع بانفراده على العقد فيستبد بفسخه، وفيه كلام، وهو أن الظاهر
أن قوله فيما سبق ولأنه لما تعذر إلى آخر كون مجرد استقلال البائع في الفسخ لتعذر استيفاء الثمن دليلا
مستقلا لحل الوطئ بدون اعتبار كون إنكار المشتري فسخ من جانبه، حتى لو تعذر الاستيفاء مع عدم
الانكار لا يستبد بالفسخ أيضا، ويدل على هذا قول صدر الشريعة في تقرير حل الوطئ: لا سيما إذا
جحد المشتري الخ كما لا يخفى، بل غاية ما يمكن في التوفيق أن يقال: إن مراده فيما سبق استبداد
البائع بالفسخ لضرورة تعذر استيفاء الثمن ووجوب دفع الضرر، وهنا لا ضرورة للمقر له بالشراء إلى
الفسخ فلا يستبد به، فمراده من قوله ها هنا لان أحد العاقدين لا ينفرد بالفسخ الخ عدم الانفراد عند
عدم الضرورة فلا تناقض لكنه بعيد لا يخفى، فليتأمل ا ه‍. قوله: (أو إقرار ثانيا) الأولى ثان ويكون
صفة للاقرار فإنه نكرة. قوله: (وكذا الحكم في كل ما فيه الحق لواحد) كما هنا فإن المقر له ينفرد برد
الاقرار، بخلاف ما إذا قال اشتريت وأنكر فإن له أن يصدقه لان أحد العاقدين لا ينفرد بالفسخ كما لا
ينفرد بالعقد ا ه‍ ح.
وفي البحر: الحاصل أن كل شئ يكون لهما جميعا إذا رجع المنكر إلى التصديق قبل أن يصدقه

438
الآخر على إنكاره فهو جائز كالبيع والنكاح، وكل شئ يكون الحق فيه لواحد كالهبة والصدقة والاقرار
لا ينفعه إقراره بعده ا ه‍: أي لا ينفعه رجوعه إلى التصديق. وحاصل مسائل الاقرار تقدم الكلام عليها
موضحا، قوله: (ما كان لك) انظر لو لم يذكر لفظ كان، وانظر ما سنذكره قريبا عند واقعة سمرقند
فإنه يفيد الفرق بين الماضي والحال.
أقول: ويمكن أن يقال إنه نص على المتوهم، إذ لو لم يذكره لا تناقض لان نفي الحال لا يفيد
نفي الماضي. تأمل. قوله: (قط) قال في البحر: ولا فرق بين أن يؤكد النفي بكلمة قط أو لا ا ه‍.
فيكون القيد بها اتفاقيا ا ه‍. حموي. قوله: (على أن له عليه الخ) الأصوب أن يقول على ألف له عليه
فافهم، وفي بعض النسخ: على أن له عليه ألف. قوله: (على القضاء) أي الايفاء، قيد بدعوى الايفاء
بعد الانكار، إذ لو ادعاه بعد الاقرار بالدين: فإن كان كلا القولين في مجلس واحد لم يقبل للتناقض،
وإن تفرقا عن المجلس ثم ادعاه وأقام البينة على الايفاء بعد الاقرار تقبل لعدم التناقض، وإن ادعى
الايفاء قبل الاقرار لا تقبل. كذا في خزانة المفتين. بحر.
أقول: ينبغي تقييد قوله إذ لو ادعاه بعد الاقرار بما إذا كان الاقرار بلفظ له علي بدون كان،
وإلا فلا تناقض كما هو ظاهر. تأمل. وقوله وإن ادعى الايفاء قبل الاقرار: أي حصول الايفاء قبل
فقبل ظرف للايفاء لا لادعى.
مطلب: حادثة الفتوى
بقي ما إذا ادعى إيفاء البعض وهي حادثة الفتوى. قال في مجموع النوازل: ادعى عليه شيئا
فأجاب قائلا: إني آتي بالدفع فقيل أعلي الايفاء أو الابراء؟ فقال على كليهما يسمع قوله إن وفق، بأن
قال أوفيت البعض وأبرأني عن البعض، أو قال أبرأني عن الكل لكن لما أنكر أوفيته ا ه‍. قال في
البحر: ولا يخفى أن على القول بأن الامكان كاف يسمع مطلقا ا ه‍. قوله: (ولو بعد القضاء) أي قضاء
القاضي بلزوم المال على المنكر.
مطلب: بيان وجه تسمية المخمسة وبيان أقوالها
قوله: (إلا في المسألة المخمسة) سميت بذلك لان فيها خمسة، أقوال للعلماء: الأول ما في
الكتاب، وهو أنه تندفع خصومة المدعي وهو قول أبي حنيفة. الثاني قول أبي يوسف، واختاره في
المختار أن المدعى عليه إن كان صالحا فكما قال الامام، وإن معروفا بالحيل لم تندفع عنه. الثالث قول
محمد: إن الشهود إذا قالوا نعرفه بوجهه فقط لا تندفع، فعنده لا بد من معرفته بالوجه والاسم
والنسب. وفي البزازية: تعويل الأئمة على قول محمد. وفي العمادية: لو قالوا نعرفه باسمه ونسبه لا
بوجهه لم يذكر في شئ من الكتب، وفيه قولان. وعند الامام: لا بد أن يقولوا نعرفه باسمه ونسبه
وتكفي معرفة الوجه. واتفقوا على أنهم لو قالوا أودعه رجل لا نعرفه لم تندفع، الرابع قل ابن أبي
شبرمة: إنها لا تندفع عنه مطلقا. الخامس قول ابن أبي ليلى: تندفع بدون بينة. وتمامه في البحر، ويأتي
إن شاء الله تعالى في الدعوى. أو لان صورها خمسة: وديعة، وإجارة، وإعارة، ورهن، وغصب،

439
كأودعنيه فلان أو أعارنيه أو آجرنيه آو ارتهنته أو غصبته منه، أو قال أخذت هذه الأرض مزارعة من
فلان، وهذا الكرم معاملة منه.
قال في البحر: واعلم أن قولهم إن الدفع بعد الحكم صحيح مخالف لما قدمناه من أن القاضي لو
قضي للمدعي قبل الدفع ثم دفع بالايداع ونحوه فإنه لا يقبل إلا أن يخص من الكلي، فافهم.
قال السيد الحموي: أقول يرد عليه ما في الدرر من باب دعوى النسب، برهن أنه ابن عمه
لأبيه وأمه وبرهن الدافع أنه ابن عمه لامه فقط أو على إقرار الميت به كان دفعا قبل القضاء لا بعده
لتأكده بالقضاء بخلاف الثاني ا ه‍. فينبغي أن تخص هذه المسألة عن الكلية، وحينئذ لا وجه لقوله إلا
في المسألة المخمسة ا ه‍. تأمل قوله: (كما سيجئ) أي في فصل دفع الدعاوي من كتاب الدعوى.
حلبي. قوله: (قبل برهانه لامكان التوفيق الخ) مشى على القول بأن إمكان التوفيق كاف كما تقدم.
مطلب: الدعوى إذا فصلت بوجه شرعي لا تنقض إلا لفائدة
قال سيدي الوالد في تنقيحه في جواب سؤال الدعوى: إذا فصلت مرة بالوجه الشرعي مستوفية
لشرائطها الشرعية لا تنقض ولا تعاد.
أقول: ليس هذا على إطلاقه، بل هذا حيث لم يزد المدعي على ما صدر منه أولا، أما لو جاء
بدفع صحيح أو جاء ببينة بعد عجزه عنها فإنها تسمع دعواه.
مطلب: يصح الدفع ودفع الدفع ودفعه
قال مشايخنا في كتبهم كالذخيرة وغيرها: كما يصح الدفع يصح دفع الدفع، وكذا يصح دفع
دفع الدفع، وما زاد عليه يصح وهو المختار، وكما يصح قبل إقامة البينة يصح بعدها، وكما يصح
الدفع قبل الحكم يصح بعد الحكم.
وفي الذخيرة: برهن الخارج عن نتاج فحكم له ثم برهن ذو اليد على النتاج يحكم له به ا ه‍. فإذا
كان هذا في بينة مثبتة ولها اعتبار وحكم بها وسمع بعدها دعوى المحكوم عليه وبطل القضاء على
المحكوم عليه فكيف لا تبطل بينة ذي اليد فيما ألحق بالملك المطلق؟ وإن حكم القاضي له بظاهر اليد
المغنية له عن البينة فكيف بينة غير مثبتة؟ لان عنها غنى باليد ولا حاجة للحكم بها، إذ القضاء
للمدعى عليه عند عدم بينة الخارج قضاء ترك لا قضاء استحقاق، فنقول: إن أعاد الخصم الدعوى ولا
بينة معه بما يدعي لا تسمع دعواه لأنها عين الأولى حيث لم يقم بينة ولم يأت بدفع شرعي، وقد منع
أولا لعدم إقامتها فما أتى به تكرار محض منه، وقد منع بما سبق فلا يلتفت إليه ولا يسمع منه إجماعا.
وفي البزازية: لا تسمع دعواه بعده فيه إلا أن يبرهن على إبطال القضاء بأن ادعى دارا بإرث وبرهن
وقضى له ثم ادعى المقضي عليه الشراء من مورث المدعي أو ادعى الخارج الشراء من فلان وبرهن
المدعى عليه على شرائه من فلان أو من المدعي قبله (1) أو يقضي عليه بالدابة فبرهن على نتاجها عنده
ا ه‍. وهذا يفيد أن قولهم يصح الدفع بعد الحكم مقيد بما إذا كان فيه إبطال القضاء، وينبغي تقييده
أيضا بما إذا لم يمكن التوفيق.



(1) قوله: (قبله) متعلق بشرائه ا ه‍. منه.
440
مطلب: لو أتى بالدفع بعد الحكم في بعض المواضع لا يقبل
لما في جامع الفصولين عن فتاوى رشيد الدين: لو أتى بالدفع بعد الحكم في بعض المواضع لا
يقبل، نحو أن يبرهن بعد الحكم أن المدعي أقر قبل الدعوى أنه لا حق له في الدار لا يبطل الحكم
لجواز التوفيق بأن شراه بخيار فلم يملكه في ذلك الزمان ثم مضت مدة الخيار وقت الحكم فملكه فلما
احتمل هذا لم يبطل الحكم الجائز بشك، ولو برهن قبل الحكم يقبل، ولا يحكم إذ الشك يدفع الحكم
ولا يرفعه ا ه‍. لكن ينبغي أن يكون هذا مبنيا على القول بأن إمكان التوفيق كاف، أما على القول بأنه
لا بد من التوفيق بالفعل فلا تقييد بما ذكره، وقد ذكروا القولين في مسائل التناقض.
والذي اختاره في جامع الفصولين وقال: إنه الأصوب عندي وأقره في نور العين: أنه إن كان
التناقض ظاهرا والتوفيق خفيا لا يكفي إمكان التوفيق وإلا يكف الامكان، ثم أيده بمسألة في الجامع،
وهي لو أقر أن لم فمكث قدر ما يمكنه الشراء منه ثم برهن على الشراء منه بلا تاريخ قبل لامكان
التوفيق بأن يشتريه بعد قراره، ولأن البينة على العقد المبهم (1) تفيد الملك للحال ا ه‍. قوله: (صح
الدفع) بخلاف لم يكن لي، لان ليس لنفي الحال ولم يكن لي لنفيه في المضي كما في التتارخانية.
قال في الدرر: برهن على قول المدعي أنا مبطل في الدعوى أو شهودي كذبة أو ليس لي عليه
شئ صح الدفع ا ه‍. ومثله في العمادية. وفيها: ادعى رجل مالا أو عينا فقال المدعى عليه إنك
أقررت في حال جواز إقرارك لا دعوى لي ولا خصومة لي عليك وأثبت ذلك بالبينة تسمع وتندفع
دعواه وإن كان يحتمل أنه يدعي عليه بسبب الاقرار، لكن الأصل أن الموجب والمسقط إذا تعارضا
يجعل المسقط آخرا، لان السقوط يكون بعد الوجوب سواء اتصل القضاء بالأول أو لم يتصل ا ه‍.
والحاصل: أنه لو ادعى رجل على رجل مالا وقضى به للمدعي بالبينة ثم قال المدعي كنت كاذبا
فيما ادعيت يبطل القضاء، وإذا قال المدعي بعد القضاء المقضي به ليس ملكي لا يبطل القضاء،
بخلاف ما إذا قال لم يكن ملكي، وهذا لان قوله ليس ملكي يتناول الحال وليس من ضرورة نفي
الحال انتفاء من الأصل، بخلاف قوله لم يكن ملكي، فلو ادعى زيد على عمرو مالا فأنكر عمرو دعواه
ثم إن زيدا أثبت مدعاه وحكم الحاكم به وأخذ زيد المال منه ثم ادعى عمرو إنك كاذب ومبطل في
دعواك هذه حتى إنك أقررت بذلك لدى بينة شرعية وأثبت عمرو مدعاه فله استرداد المال المذكور كما
يستفاد مما ذكرناه. قوله: (في فصل الاستشراء) أي طلب شراء شئ، وفيه فوائد جمة تأتي. قوله: (إن
لم يصالحه) راجع إلى قوله قبل برهانه وكان محل هذه المسألة عند قوله ومن ادعى على آخر مالا قال
في المنح: وهذا إذا لم يصالح، أما إذا أنكر فصالحه على شئ ثم برهن على الايفاء أو الابراء لم يسمع



(1) قوله: (على العقد المبهم) أي الذي لم يؤرخ ا ه‍. منه.
441
برهانه على الايفاء ا ه‍. قال في البحر: وقيد بكون المدعى عليه لم يصالح لسكوته عنه والأصل العدم.
أما إذا أنكر فصالحه على شئ ثم برهن على الايفاء أو الابراء لم تسمع دعواه، كذا في الخلاصة بخلاف
ما إذا ادعى الايفاء ثم صالحه فإنه يقبل منه برهانه على الايفاء كما في الخزانة، لأنه متى أمكن التوفيق
فلا تناقض. فمن ذلك ادعى مالا بالشركة ثم ادعاه دينا عليه تسمع، وعلى القلب لا، لان مال الشركة
ينقلب دينا بالجحود والدين لا ينقلب أمانة ولا شركة. كذا في البزازية.
ومن مسائل دعوى الايفاء ما في المحيط من المسألة المخمسة: ادعى على آخر مائتي درهم وأنه
استوفى مائة وخمسين وبقي عليه خمسون وأثبتها بالبينة ثم برهن المدعى عليه أنه أوفاه الخمسين لا تسمع
حتى يقولا هذه الخمسين التي تدعي لان في مائة وخمسين خمسين. قوله: (قبل برهانه على الايفاء) ولا
يكون صلحه مبطلا لدعوى الايفاء، لان غير الحق قد يقضي دفعا للخصومة، أو كأنه لم يجد برهانا
فصالح ثم وجد فأقامه فلا يكون إقدامه على الصلح إقرارا، بخلاف الأولى. تأمل. قال سيدي الوالد
رحمه الله تعالى: وانظر لو برهن على إيفاء البعض فقد صارت حادثة الفتوى ا ه‍. أقول: لا فرق يظهر
بينهما. تأمل.
قوله: (وقيل لا وعليه الفتوى) قال في البحر: وليتأمل في وجه عدم السقوط. وأجاب المصنف
عنه بما ذكره الشارح. قال في المنح: والظاهر أن وجهه أن المدعى عليه لما كان جاحدا فذمته غير
مشغولة بشئ في زعمه فأنى تقع المقاصة، والله تعالى أعلم ا ه‍. ونقل عنه الرملي مع زيادة وهي قوله:
أو نقول يجعل تصميمه على الانكار رد لما أقر به المدعي وهو مما يرتد بالرد ا ه‍. قوله: (وكأنه الخ) من
كلام صاحب المنح، وهو جواب لتوقف البحر في عدم السقوط وحينئذ فيحتاج للمقاصصة صريحا لا
ضمنا، أو أن يصدقه في الكل، لكن وجه القول الأول يظهر لي لان السقوط يكفي في زعم المدعي.
قوله: (فأين) الواقع في المنح: فأنى تقع المقاصة فله أن يطالبه بثلاثمائة. قوله: (وإن زاد لا أعرفك)
على قوله فيما تقدم ما كان لك علي شئ قط. قوله: (كما رأيتك) أو ما جرى بيني وبينك معاملة
أو مخالطة أو خلطة أو لا أخذ ولا عطاء أو ما اجتمعت معك في مكان كما في فتح القدير. بحر.
قوله: (لا يقبل) أي برهانه على القضاء أو الابراء. قوله: (لتعذر التوفيق) أي بين كلاميه لأنه لا يكون
بين اثنين معاملة من غير معرفة ذكره أصحابنا. قوله: (لان المحتجب) من الرجال هو من لا يتولى
الأعمال بنفسه بقرينة قوله: حتى لو كان الخ وقيل من لا يراه كل أحد لعظمته. قوله: (بالشغب على
بابه) الشغب بالسكون، وقيل يحرك تهييج الشر. قاموس. قوله: (حتى لو كان) أي المدعى عليه، فرع
هذا على ذلك القول: أي التقييد بالمحتجب في النهاية تبعا لقاضيخان. وفي إصلاح الايضاح: وفيه
نظر لان مبنى إمكان التوفيق على أن يكون أحدهما ممن لا يتولى الأعمال بنفسه لا على أن يكون المدعى
عليه بخصوصه ا ه‍. ودفعه ظاهر لان الكلام كله في تناقض المدعى عليه لا المدعي. بحر.

442
مطلب: جواب حادثة الفتوى
أقول: ويؤخذ من كلام الشارح ومما تقدم جواب حادثة الفتوى كما في الحواشي الخيرية، وهي
ادعى أن مورثه اشترى منك ثورا بكذا اقبضه منه كذا وبقى كذا، فأجاب بأن مورثي لم يشتر منك ثورا
قط ولا كان يعرفك فبرهن على دعواه فبرهن الآخر على دفع جميع الثمن أنه يقبل بلا شك لأنه لا
يصح جوابه إلا على نفي العلم ا ه‍. قوله: (نعم لو ادعى الخ) هذا مرتبط بكلام محذوف مفهوم من
المقام تقديره: وإذا لم يمكن التوفيق لم يندفع التناقض، كما لو قال لم أدفع إليه شيئا ثم ادعى الدفع لم
يسمع لأنه يستحيل أن يكون دافعا وغير دافع في شئ واحد، نعم لو ادعى الخ. قال في الدرر عن
القنية: المدعى عليه قال للمدعي لا أعرفك فلما ثبت الحق بالبينة ادعى الايصال لا تسمع، ولو ادعى
إقرار المدعي بالوصول أو الايصال تسمع ا ه‍. قال في البحر: لان المتناقض هو الذي يجمع بين كلامين
وهنا لم يجمع، ولهذا لو صدقه المدعي عيانا لم يكن متناقضا ذكره التمرتاشي ا ه‍. وتمامه فيه. وهو
أحسن مما علل به الشارح، وبه ظهر أن قول الشارح إقرار المدعى عليه صوابه المدعي بإسقاط عليه
إلا أن يقرأ المدعى عليه بصيغة المبني للفاعل فيكون معناه الذي ادعى عليه الدفع. تأمل. ثم رأيت ما
يؤيد هذا في المقدسي حيث قال: وقالوا فيمن قال لم أدفع ثم قال دفعت لم يقبل للتناقض إلا إذا ادعى
إقرار المدعي بذلك فيقبل لان التناقض لا يمنع صحة الاقرار، وعلله بما علل به البحر.
مطلب: حادثة أذن لمديونه في دفعه لأخيه الخ
وأجاب صاحب البحر في حادثة هي أذن لمن عليه الدين في دفعه إلى أخيه ثم ادعى عليه به،
وأنه لم يدفع فقال دفعت ثم قال لم أدفع فحكم به فجاء الأخ فأقر بالدفع له فإنه يبرأ، لان تصديق الأخ
المأذون في الدفع إليه كتصديق المدعي ا ه‍. وقد علمت ما إذا صدق المدعي. وحكى صاحب الكافي
قبول البينة على الابراء في فصل المحتجب والمخدرة باتفاق الروايات، لان الابراء يتحقق بلا معرفة،
لكن عبر عنه صاحب البحر، والعيني بقيل. قوله: (بالوصول أو الايصال) بأن ادعى إقراره بأنه وصله
منه كذا أو أوصله وبرهن. قوله: (لان التناقض) أي من الغريم. قوله: (لا يمنع صحة الاقرار) أي
إقرار الدائن بالدفع إليه إذا قامت قرينة قوية كما يفهم من سياقهم. قوله: (ثم جحده صح) أي
جحوده، ومعنى صحة جحوده أنه لا يكون متناقضا ولا تسمع البينة بإقراره السابق. وفيه أن البيع
عقد متحقق من إيجاب وقبول صادرين منها فكيف صح جحوده ط. قوله: (بلا ثمن باطل) هذا إنما
يظهر إذا أقر ببيع عبده بلا ثمن والفرض الاطلاق، والواقع الذي يكاد أن يتخلف أن البيع لا يكون
إلا بثمن، لان الاقرار بالبيع إقرار بركنيه لأنه مبادلة مال بمال، فلو قيل بصحة الاقرار ثم بالبحث عن
تعيين الثمن لكان له وجه ط. قوله: (لان الاقرار بالبيع الخ) فيه ما تقدم آنفا من أن الاقرار بالبيع
إقرار بركنيه لأنه مبادلة مال بمال، إلا أن يحمل على أنه أقر بالبيع بلا مال. تأمل.
قال في المبسوط: شهد على إقرار البائع بالبيع ولم يسميا الثمن ولم يشهدا بقبض الثمن لا تقبل،
لان حاجة القاضي إلى القضاء بالعقد ولا يتمكن من ذلك إذا لم يكن الثمن مسمى. وإن قالا: أقر

443
عندنا أنه باعه منه واستوفى الثمن ولم يسميا الثمن جاز، لان الحاجة إلى القضاء بالملك للمدعي دون
القضاء بالعقد فقد انتهى حكم العقد باستيفاء الثمن.
وفي مجمع الفتاوى: شهد أنه باع وقبض الثمن جاز وإن لم يبينوا الثمن، وكذا لو شهد بإقرار
البائع أنه باعه وقبض الثمن ا ه‍.
مطلب: لو شهد على البيع وقبض الثمن وإن لمن يبينوه
وقال في الخلاصة: شهدوا على البيع بلا بيان الثمن، إن شهدوا على قبض الثمن تقبل، وكذا لو
بين أحدهما وسكت الآخر ا ه‍. نور العين في أوائل الفصل السادس. وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى
في كتاب الشهادة وفي باب الاختلاف فيها إن شاء الله تعالى. قوله: (أمته منه) لا حاجة إلى قوله منه
لان ضمير باعه يغني عنه ا ه‍ ح. أي لان باع قد استوفى معموله لأنه يتعدى بنفسه وبمن، وقد عداه
المصنف بنفسه حيث قال باعه، إلا أن يقال: إنما ذكره لدفع توهم عود الضمير إلى المدعي من أول
الامر. تأمل. قوله: (عيبا) أي قديما يوجب الرد. قوله: (فبرهن الخ) أما لو برهن على الفسخ يقبل،
لان الانكار فسخ. منح. قوله: (أي المشتري) لو رجع الضمير إلى البائع لكان أولى، لان البراءة من
العيوب تكون من البائع غالبا بأن يقول بعتكه وأنا برئ من الرد مما فيه من العيوب. نعم الابراء يكون
من المشتري ط. قوله: (لم تقبل بينة البائع) أي للتناقض، إذا شرط البراءة من العيب تصرف في العقد
بتغييره عن اقتضاء صفة السلامة إلى غيرها، وتغيير العقد من وصف إلى وصف بلا عقد محال، وإذا
بطل التوفيق ظهر التناقض.
مطلب: أنكر البيع فأثبته المشتري وأراد الرد بالعيب
فادعى البائع البراءة عن عيب لا يقبل للتناقض
قوله: (للتناقض) لان اشتراط البراءة تغيير للعقد من اقتضاء وصف السلامة إلى غيره فيقتضي
وجود العقد، إذ الصفة بدون الموصوف لا تتصور وقد أنكره فيكون مناقضا.
واستشكل بأنه ينبغي أن تقبل البينة فيها وفاقا خلافا لزفر، لأنه صار مكذبا شرعا ببينة المدعي
فلحق إنكاره بالعدم كما تقدمت نظائره، فصار كما في الكفالة من أن رجلا لو برهن أن له على
الغائب ألفا وهذا كفيله بأمره يرجع الكفيل على الغائب ولو أنكر الكفالة أصلا، لأنه صار كذبا شرعا
في إنكاره فلحق بالعدم.
قال: ويمكن الفرق بأن الحكم بأدائه ثمة حكم بالرجوع أيضا فلا حاجة إلى إقامة البينة ثانيا على
كفالته لثبوتها أولا، وهنا الحكم بالشراء ليس بحكم البراءة والايفاء فلا بد من الدعوى فيبطله التناقض
فافترقا.
ويمكن بأن يرد بأن إنكاره لما لحق بالعدم لما مر لا يتحقق التناقض لعدم إنكار البيع والشراء
فينبغي أن يصح الدعوى على أصل.

444
مطلب: أنكر البيع فأثبته المشتري فادعى البائع الإقالة تسمع
قال في العدة (1) أنكر البيع فبرهن عليه المشتري فادعى البائع إقالة يسمع هذا الدفع، ولو لم يدع
الإقالة ولكن ادعى إيفاء الثمن أو الابراء اختلف المتأخرون ا ه‍. وقد يجاب بأن المقر إنما يصير مكذبا
شرعا إذا حكم القاضي بما يخالف إقراره، وفي مسألتنا لم يقض بالبيع حتى تناقض الخصم فلم يكن
مكذبا شرعا. بحر. قال ط: وفيه نظر ا ه‍. وكذا نظر فيه الرملي. قال سيد الوالد رحمه الله تعالى:
أي تفسير للتنظير، فإن القضاء بالشراء قضاء بالبيع، فما معنى قوله لم يقض القاضي بالبيع.
مطلب: الجواب النافع عن إشكال جامع الفصولين
وأقول: الجواب النافع إن شاء الله تعالى ما يستفاد من كتاب نور العين في غير هذا المحل وفي
غير هذه المسألة، وهو أن الكفيل لما التحق زعمه بالعدم وثبت خلافه وهو كونه كفيلا لم يسع في إعادة
زعمه ولم يرد نقض البينة بل رضي بموجبها حتى جعله مبني لدعواه الرجوع على الأصيل، وأما البائع
في مسألتنا فقد سعى في إعادة مآل زعمه وهو براءة ذمته بعد التحاقه بالعدم بثبوت خلافه وأراد نقض
ما أثبتته البينة وهو عدم براءة ذمته، فهذا فرق واضح حق، وكذا يقال في دعوى الإقالة لأنها فسخ
للعقد الذي أثبته الخصم بالبينة، ففيه تقرير لموجبها وهي المتقدمة عن البحر عن العدة فيما إذا ادعى
على آخر أنه اشترى منه هذا الدار فأنكر الشراء فلما أقام المدعي البينة على الشراء ادعى المدعى عليه أنه
ردها عليه: يعني أقالها يسمع هذا الدفع، ولو لم يدع الإقالة ولكن يدعي إيفاء الثمن أو الابراء اختلف
المتأخرون.
مطلب: ادعى شراء عبده فأنكر فأثبته فادعى البائع أنه رده عليه بالعيب يقبل
ومثله يقال في جواب مسألة: ما إذا ادعى عليه شراء عبده فأنكر فبرهن عليه فادعى عليه أنه
رده عليه بالعيب تسمع، لأنه صار مكذبا في إنكاره البيع فارتفع التناقض بتكذيب الشرع كما ارتفع
بتصديق الخصم ا ه‍. فاحفظه فإنه ينفعك في كثير من أمثال هذه المسائل. قوله: (لامكان التوفيق ببيع
وكيله) أي وكيل البائع، فقوله أولا لم أبعها منك قط: أي مباشرة، وقوله إنه برئ إليه من كل عيب:
أي إلى وكيله وفعل الوكيل كفعل الموكل. قوله: (وإبرائه عن العيب) من إضافة المصدر إلى مفعوله
وهو ضمير الوكيل والفاعل المشتري الخ، وعلى ما قلنا مضاف إلى فاعله، والضمير لوكيله وهو المفهوم
من عبارة البحر.
مطلب: واقعة سمرقند
قوله: (ومنه واقعة سمرقند) أي من جنس مسألة المصنف، وهو ما وقع فيه التناقض، ولو
صرح به لكان أوضح، لكن لا يظهر أن هذه الواقعة منه، لان عقد النكاح الأب فيه سفير لا تلحقه
عهدة، بخلاف ببيع الوكيل. وأيضا الخلع هنا ظاهر في أنه قائم به، بخلاف المبرأ فإنه غير ظاهر
في أنه حاضر وقت البراءة، فافهم أسرار المقال ولا تكن ممن يعرف الحق بالرجال. نعم التوفيق
ظاهر فيما نذكره في القولة الآتية عن البحر، ولو قال لا نكاح بيني وبينك إلى آخر ما نذكره عن



(1) اسم كتاب وهو عدة الفتاوى ا ه‍. منه.
445
سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله: (ادعت الخ) بدل من واقعة.
مطلب: قال لا نكاح بيننا فبرهنت فبرهن على الخلع بمال يقبل
قوله: (فأنكر) أي بأن قال لا نكاح بيننا كما في البحر عن جامع الفصولين. وعبارة الخلاصة:
فأنكر الزوج النكاح أصلا ا ه‍. قال في البحر: ولو قال لا نكاح بيني وبينك فلما برهنت على النكاح
برهن هو على الخلع تقبل بينته ا ه‍: أي لان نفي الحال لا يلزم منه نفي الماضي فلم يوجد تناقض أصلا،
لكن يعكر عليه قول الشارح لاحتمال أنه زوجه أبوه الخ والظاهر أنه تعليل لخلاف ظاهر الرواية.
مطلب: لو قال لم أتزوجها قط أو لا نكاح قط فبرهنت فبرهن على الخلع بمال لا يقبل
وفي البحر: ولو قال لم يكن بيننا نكاح قط أو قال لم أتزوجها قط والباقي بحاله، فمقتضى ما مر
في مسألة العيب على ظاهر الرواية ينبغي أن يكون هذا وسيلة للعيب فلا تقبل بينته، وفي ظاهر الرواية
لا تقبل بينة البراءة عن العيب لأنها إقرار بالبيع، فكذا الخلع يقتضي سابقة النكاح فيتحقق التناقض ا ه‍.
سيدي الوالد بزيادة. قوله: (فبرهنت) أي على النكاح. قوله: (تقبل) أي دعواه: أي وطالب بالبرهان
عليها. قوله: (لاحتمال أنه زوجه أبوه وهو صغير) أي فإنكاره النكاح يحمل على نفي مباشرته إياه،
وهو لا ينافي وقوعه له بطريق الاجبار مثلا، وإذا كان كذلك فلا يناقض دعوى الخلع على المهر بعد.
قوله: (جميع صك) فارسي معرب. والجمع أصك وصكاك وصكوك ا ه‍. وأشار بقوله جميع إلى أنه
يبطل سواء اشتمل على شئ واحد أو أشياء، والخلاف في الثاني. قوله: (وقالا آخره) بالرفع: أي
يبطل آخر الصك المشتمل على أشياء، إذ الأصل في الجمع الاستقلال والصك يكتب للاستيثاق، فلو
انصرف إلى الكل كان مبطلا له فيكون ضد ما قصد له فينصرف إلى ما يليه ضرورة، كذا في التبيين.
وله أن الكل يكون كشئ واحد بحكم العطف فيصرف إلى الكل كما في الكلمات المعطوفة.
قال الامام: إذا كتب بيع وإقرار وإجارة وغير ذلك ثم كتب في آخره إن شاء الله تعالى بطل
الكل قياسا، لما تقدم من أن الكل لشئ واحد بحكم العطف. وعند أبي يوسف ومحمد: بطل الأخير
فقط استحسانا. قوله: (أن الفرجة) أي على أن الفرجة في الخط كالسكوت في النطق، فيكون الانشاء
راجعا إلى ما بعد الفرجة اتفاقا كما يرجع في السكوت إلى ما بعده. قوله: (وعلى انصرافه) أي
الانشاء، ولو قال: وعلى الانصراف للكل لكان أوضح.
مطلب: فائدة نحوية
قوله: (في جمل) أي قولية وإلا نافى ما قبله (1) وهو مسألة كتب الصك كقوله امرأته طالق وعبده
حر، وعليه المشي إلى بيت الله تعالى إن شاء الله تعالى.



(1) قوله: (وإلا نافى ما قبله) أي إن لم تفسره الجمل بالقولية بل بقيت على ما يراد بها أولا وهي الجمل في الصك
فوقعت المنافاة بين ذكره الاتفاق على الرجوع الكل وبين ذكره الخلاف فيما تقدم بين الامام وصاحبيه لأنه أولا
أحكي الخلاف وثانيا وحكى الاتفاق فلزم أن نفسر الجمل بالقولية للثمن ا ه‍. منه.
446
قال في البحر: والحاصل أنهم اتفقوا على أن المشيئة إذا ذكرت بعد جمل متعاطفة بالواو كقوله
عبده حر وامرأته طالق وعليه المشي إلى بيت الله تعالى إن شاء الله تعالى ينصرف إلى الكل فبطل الكل،
فمشي أبو حنيفة على أصله وهما أخرجا صورة.
مطلب: صك كتب فيه بيع وإجارة وإقرار وغير ذلك وكتب في آخره إن شاء الله تعالى
كتب الصك من عمومه بعارض اقتضى تخصيص الصك من عموم حكم الشرط المتعقب جملا
متعاطفة للعادة، وعليها يحمل الحادث، ولذا كان قولهما استحسانا راجحا على قوله، وظاهره أن
الشرط ينصرف إلى الجميع وإن لم يكن بالمشيئة ا ه‍.
وفي وكالة البزازية: وعن الثاني قال امرأة زيد طالق وعبده حر وعليه المشي إلى بت الله إن دخل
هذه الدار فقال زيد نعم كان بكله، لان الجواب يتضمن إعادة ما في السؤال انتهى. وكأن الشارح
غفل عن قوله وأخرجا صورة كتب الصك فكان عليه أن يقول وعلى انصرافه للكل في جمل قولية لم
تكتب. قوله: (وأعقبت بشرط) أي سواء كان الشرط هو المشيئة أو غيرها كما صرح به في البحر،
والظاهر أن هذا خاص بالاقرار لما سيأتي بعده من قوله: (وأما الاستثناء الخ) تأمل. قوله: (وأما
الاستثناء بإلا الخ) أي الواقع لفظا أو الواقع خطأ، وهو بإطلاقه يعم طلاقين وعتاقين وطلاقا وعتقا.
قوله: (فللأخير) أي اتفاقا لقربه واتصاله وانقطاعه عما سواه كما علم في آية رد شهادة المحدود في
القذف، فإن قوله تعالى: * (إلا الذين تابوا) * (النور: 5) راجع إلى قوله: * (وأولئك هم الفاسقون) *
(النور: 4) لا إلى قوله: * (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) * (النور: 4) أيضا، فلو أقر بمالين لشخصين
واستثنى شيئا كان من الآخر. بحر.
وفيه: والحاصل أن الشرط إذا تعقب جملا متعاطفة متصلا بها فإنه للكل ا ه‍. قال في الحواشي
السعدية: لا يقال كيف خالف أبو حنيفة أصله، فإن الاستثناء ينصرف إلى الجملة الأخيرة على أصله
لان ذلك في الاستثناء بإلا، وقوله إن شاء الله تعالى شرط شاع إطلاق الاستثناء عليه في عرفهم وليس
إياه حقيقة. فتأمل. قوله: (إلا لقرينة) فيعمل بها للأول أو للثاني. قوله: (فللأول) لو قال إلا دينارا
فللثاني. قوله: (إيقاعيتين) أي منجزتين ليس فيهما تعليق بقرينة المقابلة نحو أنت طالق وهذا حر إن
شاء الله تعالى ح. قوله: (وبعد طلاقين معلقين) نحو إن دخلت الدار فأنت طالق وفلانة إن شاء الله
تعالى. قوله: (أو طلاق معلق أو عتق معلق) نحو إن دخلت الدار فأنت طالق وعبدي حر إن شاء الله
تعالى، وأشار به إلى أنه لا فرق بين الشيئين من جنس واحد أو من جنسين والخلاف، هذا في النطق.
وأما في الصك فهي المسألة المتقدمة، وأفاد أن اتفاقهما معه إنما هو في الايقاعيتين، وأما في المعلقتين
فمحمد معه، وخالف أبو يوسف ط. قوله: (ولو بلا عطف) مفهوم قوله عطفت: أي إذا وقع الشرط
بعد جمل غير متعاطفة أو متعاطفة لكن حصل سكوت بينها: أي في اللفظ أو فرجة في الخط. قوله:

447
(أو به بعد سكوت) أي إذا كان السكوت بين الجملة الأخيرة وبين ما قبلها. قوله: (فللأخير اتفاقا)
مراده بالأخير ما بعد السكوت. قوله: (وعطفه بعد سكوته لغو) إذا كان فيه ما يوسع على نفسه كما
إذا قال إن دخلت الدار فأنت طالق وسكت ثم قال وهذه الدار: أي فقصد أن لا يقع الطلاق إلا
بدخولهما. قوله: (إلا بما فيه تشديد على نفسه) كما إذا قال إن دخلت الدار فأنت طالق وسكنت ثم
قال وهذه الأخرى دخلت الثانية في اليمين، بخلاف وهذه الدار الأخرى، ولو قال هذه طالقة ثم
سكت وقال وهذه طلقت الثانية، وكذا في العتق. بحر. قوله: (أسلمت بعد موته) أي وقد مات
وهي على دينه فلها الميراث. قوله: (وقالت ورثته قبله) أي أسلمت قبل موته فلا ميراث لها. قوله:
(صدقوا) أي بلا يمين إلا إذا ادعت عليهم بكفرها بعد موته فيحلفون على عدم العلم. قوله: (تحكيما
للحال) أي استصحابا لظاهر الحال، فإن سبب الحرمان ثابت في الحال فيثبت فيما مضى. وفي
التحرير: الاستصحاب: الحكم ببقاء أمر محقق لم يظهر عدمه. وحرر ابن نجيم تفاريعه في الأشباه والنظائر
في قاعدة: اليقين لا يزول بالشك، وفي آخر باب التحالف في بحره. قوله: (كما يحكم
الحال الخ) إن هذه العبارة ليست موجودة في أصل المصنف، وإنما الذي فيه قوله بعد كما في مسلم
الخ وجعل المصنف وجه الشبه فيهما كون القول للورثة فيهما، وأراد بقوله كما يحكم الحال في مسألة
جريان ماء الطاحونة وانقطاعه: أي إذا اختلف المؤجر والمستأجر في جريان ماء الطاحونة وانقطاعه فإنه
يحكم الحال ويستدل بها على الماضي، فإذا كان الماء جاريا في الحال حكمنا بأنه جار من أول مدة
الإجارة إلى زمان النزاع فيستحق الأجرة، وإن لم يجز حكمنا بالانقطاع كما في الخانية.
فإن قلت: جريان الماء يثبت الاستحقاق وكلامنا في عدمه. قلت: يمكن أن يقال: إن الاقدام
على العقد إقرار بالجريان فكان الاجر ثابتا ومستحقا من كل وجه، فإذا ادعى الجريان يكون مدعيا
استحقاقه الاجر عملا بالاقرار السابق لا بتحكيم الحال اللاحق، فإذا لم يستحق بهذا التحكيم يصير
دافعا به وهو يصلح للدفع.
فإن قلت: إذا كان الاستحقاق ثابتا بالعقد من كل وجه يكون ادعاء المستأجر عدم الجريان
وتحكيمه له حجة لاستحقاقه ما في ذمته من الأجرة: قلت: يمكن أن يجاب بأن كون الاقدام على
العقد إقرارا إنما هو حجة غير قوية فلا يعمل به إذا خالفه عدم الجريان المشاهد، فيكون عدم
الجريان تحكيما للدفع عنه لا للاستحقاق. قوله: (جريان الخ) لا وجه لتخصيص الجريان بل
الانقطاع كذلك فكان الأولى حذفه. قوله: (الطاحونة) أي المستأجرة إذا قال المستأجر لم أتمكن من
الانتفاع بها لعدم جريان مائها وقال المالك بل تمكنت فينظر إلى وصف الماء في الحال ويحكم به فيما
مضى. قوله: (للدفع لا للاستحقاق) أي لدفع دعوى المدعي كما في المسألة السابقة. فإن قيل: هذا
منقوض بالقضاء بالاجر على المستأجر إذا كان ماء الطاحونة جاريا عند الاختلاف لأنه استدلال
بالحال لاثبات الاجر. قلنا: إنه استدلال لدفع ما يدعي المستأجر على الاجر من ثبوت العيب
الموجب لسقوط الاجر، أما ثبوت الاجر فإنه بالعقد السابق الموجب له فيكون دافعا لا موجبا.

448
يعقوبية. قوله: (كما في مسلم مات الخ) ظاهره أنه مثال للاستحقاق بتحكيم الحال، وصنيع الشرح
هنا ليس على ما ينبغي، فلو أبقى المصنف من غير زيادة مسألة الطاحونة لكان أولى. قال سيدي
الوالد: وهو تمثيل للمنفي وهو الاستحقاق.
وحاصله: إنما كان القول لهم هنا أيضا لما سيأتي، ولا يمكن أن يكون لها بناء على تحكيم الحال
لأنه لا يصلح حجة للاستحقاق وهي محتاجة إليه، أما الورثة فهم الدافعون ويشهد لهم ظاهر الحدوث
أيضا. قوله: (فإرثه) بصيغة المضارع. قوله: (لان الحادث الخ) أي وهو الاسلام، ولو كان القول
قولها لكان تحكيم الحال موجبا لاستحقاقها الإرث، وكان الأولى للشارح التعليل بالعلة السابقة، لان
ما ذكر لا يصلح تعليلا لما تقدم. قوله: (لأقرب أوقاته) وأقر بها ما بعد موت الزوج. قوله: (وقع
الاختلاف الخ) بأن مات رجل له أبوان ذميان وولد مسلم فقالا مات ابننا كافرا وقال ولده المسلم مات
مسلما فالميراث للولد دون الأبوين، وكذا لو قالت امرأة مسلمة مات زوجي مسلما وقال أولاده الكفار
كافرا وصدق المرأة أخو الميت وهو مسلم قضى بالميراث للمرأة والأخ دون الأولاد. قال صاحب
البحر: ولا يحتاج إلى تصديق الأخ، بل تكفي دعوى المرأة أنه مات مسلما، وتبعه المقدسي، لكن
استظهر فيه سيدي الوالد أن تصديق الأخ شرط لإرثه مشاركا للمرأة، لأنه لو أكذبها يكون معترفا بأن
ولده وارثه فيحجب الأخ به فلا يرث، وكأن صاحب البحر فهم أنه شرط لإرث المرأة أيضا، وليس
كذلك فيما يظهر، فلا منافاة. تأمل.
مطلب: مدة التلوم في دفع المال للوارث الذي أقر به المودع
قوله: (هذا ابن مودعي) مراده بالابن من يرث بكل حال فالبنت والأب والام كالابن، وقيد
بالابن لأنه لو قال هذا أخوه شقيقه ولا وارث له غيره وهو يدعيه فالقاضي يتأنى في ذلك. والفرق أن
استحقاق الأخ مشروط بعدم الابن، بخلاف الابن لأنه وارث على كل حال، وكل من يرث في حال
دون حال فهو كالأخ. بحر مع زيادة. ثم إذا تأنى إن حضر وارث آخر دفع المال إليه لأنه خلف عن
الميت، وإن لم يحضر أعطى كل مدع ما أقر به لكن بكفيل ثقة، وإن لم يجد كفيلا أعطاه المال وضمنه إن
كان ثقة حتى لا يهلك أمانة، وإن كان غير ثقة تلوم القاضي حتى يظهر أن لا وارث للميت أو أكبر
رأيه ذلك ثم يعطيه المال ويضمنه، ولم يقدر مدة التلوم بشئ بل موكول إلى رأي القاضي، وهذا أشبه
بأبي حنيفة. وعندهما مقدر بحول، هكذا حكي الخلاف في الخلاصة عن الأقضية. قال: وعن أبي
يوسف مقدر بشهر. قوله: (لا وارث له غيره) قيد به، لأنه لو قال له وارث غيره ولا أدري أمات أم
لا لا يدفع إليه شئ، لا قبل التلوم ولا بعده، حتى يقيم المدعي بينة تقول لا نعلم له وارثا غيره،
ومثل إقرار المودع بما ذكر ما لو أقر أن الميت أقر بأن هذا ابنه أو أبوه أو مولاه أعتقه، بخلاف ما لو
أخبر عنه بأنها زوجته أو أنه مولى الموالاة أو الموصى له بالكل أو بالثلث فإنه لا يدفع إليهم المال، لان

449
ذا اليد أقر بسبب ينتقض ط. وفي فتح القدير: ولو ادعى أنه أخو الغائب وأنه مات وهو وارثه لا وارث له غيره، أو ادعى
أنه ابنه أو أبوه أو مولاه أعتقه، أو كانت امرأة وادعت أنها عمة الميت أو خالته أو بنت أخته وقال لا
وارث له غيري وادعى آخر أنه زوج أو زوجة للميت أو أن الميت أوصى له بجميع ماله أو ثلثه
وصدقهما ذو اليد وقال لا أدري للميت وارثا غيرهما أو لا لم يكن لمدعي الوصية شئ بهذا الاقرار،
ويدفع القاضي إلى الأب والام والأخ ومولى العتاقة أو العمة أو الخالة أو بنت الأخت إذا انفرد. أما
عند الاجتماع فلا يزاحم مدعي النبوة مدعي الاخوة، لكن مدعي هذه الأشياء إذا زاحمه مدعي
الزوجية أو الوصية بالكل أو الثلث مستدلا بإقرار ذي اليد فمدعي الاخوة أو البنوة أولى بعد ما
يستحلف الابن: ما هذه زوجة الميت أو موصى له، هذا إذا لم تكن بينة على الزوجية والوصية، فإن
أقام أخذ بها ا ه‍. بحر. وفيه: ومن دعوى المجمع وإن كانت في يد زيد فجاء أحد الزوجين فصدقه
زيد بإعطاء أقل النصيبين لا أكثرهما ا ه‍. قيد بتصديقه لأنه لو برهن وقالا لا نعلم له وارثا آخر
فله أكثر النصيبين اتفاقا، كذا في شرحه لابن ملك. قوله: (دفعها إليه وجوبا) لاقراره أن ما في يده
ملك الوارث خلافة عن الميت والعارية والعين المغصوبة بالوديعة ط. قوله: (كقوله هذا ابن دائني)
والمسألة بحالها بأن قال لا وارث له سواه. قوله: (قيد بالوارث) أي الذي هو الابن ونحوه. قوله: (لم
يدفعها) لأنه أقر بقيام حق المودع وملكه فيها الآن فيكون إقرارا على ملك الغير، ولا كذلك بعد موته
لزوال ملكه فإنه أقر له بملكه لما في يده من غير ثبوت ملك مالك معين فيه للحال.
وفي فصل الشراء: وإن أقر بزوال ملك المودع لكن لا ينفذ في حذه لا يملك إبطال ملكه
بإقراره فصار كإقراره بالوكالة بقبض الوديعة ط.
وتوضيح الفرق بينهما: أن في المسألة الأولى أقر أن ما في يده ملك الوارث خلافة عن الميت
فصار كما إذا أقر أنه ملك الوارث وهو حي أصالة، وفي هذه المسائل فيه إبطال حق المودع في العين
بإزالتها عن يده لان يد المودع كيد المالك فلا يقبل إقراره. قوله: (فإن أقر ثانيا) سواء كان متصلا
بالأول بأن قال هذا ابنه وهذا الآخر أيضا، أو منفصلا بأن أقر للثاني في مجلس آخر. حموي. قوله:
(إذا كذبه الابن الأول) حكم مفهومه ظاهر، وهو ما إذا صدقه فيشتركان قوله (لأنه إقرار على الغير)
لصحة الاقرار للأول لعدم من يكذبه قوله: (إن دفع للأول بلا قضاء) وهو الصواب كما في الفتح
خلافا لما في غاية البيان من أن المودع لا يغرم للابن الثاني شيئا بإقراره له لان استحقاقه لم يثبت فلم
يتحقق التلف.
تنبيه: لو أقر بالوديعة لرجل ثم قال لا بل وديعة فلان أو قال غصبت هذا من فلان لا بل من
فلان، وكذا العارية، فإنه يقضى بها للأول ويضمن للثاني قيمته، وكذا في الاقرار بالدين، ولو قال
هذا لفلان وهذا لفلان المقر له إلا نصف الأول فإنه لفلان كان جائزا، وكان لو قال هذه الحنطة
والشعير لفلان إلا كرا من هذه الحنطة فإنه لفلان إذا كانت الحنطة أكثر من الكر كذا في الأصل لمولانا
محمد رحمه الله من الدعوى ا ه‍. ط عن البحر. قوله: (تركة قسمت بين الورثة) أي سواء كانوا ممن

450
يحجب أو لا. قال في آخر الفصل الثاني عشر من جامع الفصولين رامزا إلى الأصل الوارث لو كان
محجوبا بغيره كجد وجدة وأخ وأخت لا يعطى شيئا ما لم يبرهن على جميع الورثة: أي إذا ادعى أنه
أخو الميت فلا بد أن يثبت ذلك في وجه جميع الورثة الحاضرين أو يشهد أنهما لا يعلمان وارثا غيره،
ولو قالا لا وارث له غيره تقبل عندنا لا عند ابن أبي ليلى لأنهما جازفا، ولنا العرف. فإن مراد الناس
به لا نعلم له وارثا غيره، وهذه شهادة على النفي فقبلت لما مر من أنها تقبل على الشرط ولو نفيا وهنا
كذلك لقيامها على شرط الإرث، ولو كان الوارث ممن لا يحجب بأحد، فلو شهدا أنه وارثه ولم يقولا
لا وارث له غيره أو لا نعلمه يتلوم القاضي زمانا رجاء أن يحضر وارث آخر، فإن لم يحضر يقض له
بجميع الإرث، ولا يكفل عند أبي حنيفة في المسألتين: يعني فيما إذا قالا لا وارث له غيره أو لا
نعلمه، وعندهما: يكفل فيهما. ومدة التلوم مفوضة إلى رأي القاضي، وقيل حول، وقيل شهر وهذا
عند أبي يوسف. وأما أحد الزوجين لو أثبت الوراثة ببينة ولم يثبت أنه لا وارث له غيره، فعند أبي
حنيفة ومحمد: يحكم لهما بأكثر النصيبين بعد العلوم. وعند أبي يوسف: بأقلهما وله الربع ولها الثمن
ا ه‍ ملخصا. وإن تلوم ومضى زمانه فلا فرق بين كونه ممن يحجب كالأخ أو ممن لا يحجب كالابن،
كما في البزازية من العاشر في النسب والإرث.
قال الصدر الشهيد: وحاصله المدعي لو برهن أنه مات مورثه ولم يذكروا عدد الورثة ولا
قالوا لا نعلم له وارثا فإنه لا يقضى له، وإن بينوا عددهم وقالوا لا نعلم له وارثا غير ما ذكر، فإن
كان ممن لا يحجب فإنه يقضي له القاضي ولا يتأنى ولا يكفل، وإن كان ممن يحجب بحال تأنى ثم
قضى، وإن شهدوا أنه ابنه أو وارثه وأنه مات وتركه ميراثه له ولم يقولوا لم نعلم له وارثا غيره تلوم
القاضي زمانا ثم قضى، ولا يؤخذ منه كفيل عند الامام خلافا لها، ويدفع لاحد الزوجين أوفر
النصيبين عند أبي يوسف، وعند محمد أقلهما ا ه‍.
وروي عن الامام أنه قال في أخذ الكفيل: هذا شئ احتاط به بعض القضاة وهو ظلم، وعنى
بالبعض ابن أبي ليلى قاضي الكوفة. وأورد أنه مجتهد والمجتهد مأجور، وإن أخطأ فلا وجه لنسبته إلى
الظلم. وقد قال الامام: كل مجتهد مصيب والحق عند الله واحد: أي مصيب في اجتهاده بحسب ما
عنده، وإن أخطأ الحق في الواقع. والجواب ما قاله في التلويح: المخطئ في الاجتهاد لا يعاتب ولا
ينسب إلى الضلال بل يكون معذورا ومأجورا، إذ ليس عليه إلا بذل الوسع وقد فعل، فلم ينل لخفاء
دليله إلا أن يكون الدليل الموصل إلى الصواب بينا فأخطأ المجتهد لتقصير منه وتركه المبالغة في الاجتهاد
فإنه يعاتب، وما فعل من طعن السلف بعضهم على بعض في المسائل الاجتهادية كان مبنيا على أن
طريق الصواب بين في زعم الطاعن ا ه‍: أي ومنه طعن الامام على ابن أبي ليلى، وانظر ما سيأتي قبيل
باب الشهادة على الشهادة. قوله: (كذا نسخ المتن) أي بإسقاط لا، والحق ثبوتها كما في سائر الكتب.
سيدي. قال ط: ولعله فيما وقع له، والذي بيده فيما ذكر لا، وكلام المصنف في الشارح مثله.
واعلم أن مفهوم المتن أمران: سكوتهم، وقولهم لا نعلم، ولم يكفلوا فيهما عند الامام. وقال
الصاحبان: يكفلون في صورة السكوت إلا إذا قالوا لا نعلم، فعدم الكفالة في الثاني متفق عليه، وهو
مراد الشارح في قوله ولو قال الشهود ذلك ويكون تفريعا على غير المتن. قوله: (لم يكفلوا) مبني
للمجهول مضعف العين والواو للورثة أو الغرماء: أي لا يأخذ القاضي منهم كفيلا ح. قال في

451
الدرر: أي لم يؤخذ منه كفيل بالنفس عند الامام، وقالا يؤخذ ا ه‍. وهذا ظاهر في أنه على قولهما
يؤخذ كفيل بالنفس، ثم رأيته لتاج الشريعة أبو السعود عن شيخه ولم يره في البحر فتوقف في أنها
بالمال أو بالنفس ا ه‍ سيدي، فافهم. واقتصر على نفي التكفيل لان القاضي بعد يتلوم كما ذكره
الشارح بعد، ولا يدفع إليه حتى يغلب على ظنه أنه لا وارث له غيره ولا غريم له اتفاقا، لأنه من
باب الاحتياط لنفسه بزيادة علم بانتفاء الشريك المستحق معه بقدر الامكان كما في غاية البيان. قوله:
(خلافا لهما) أي لاحتمال أن يكون له وارث أو غريم آخر. قوله: (لجهالة المكفول له) علة لقوله لم
يكفلوا ولأن حق الحاضر ثابت قطعا أو ظاهرا فلا يؤخر لأجل الموهوم، كذا قالوا: (ويتلوم
القاضي) أي يتأنى في تأخير القضاء إلى المدة المتقدم بيانها لا في الدفع بعد القضاء. والمسألة على وجوه
ثلاثة تقدم بيانها عن الصدر الشهيد، وسيأتي شئ منها قبيل باب الشهادة على الشهادة إن شاء الله
تعالى. قوله: (مدة) تقدم أنها مفوضة إلى رأي القاضي، وقدرها الطحاوي بحول، وعلى عدم التقدير
حتى يغلب على ظنه أنه لا وارث له غيره أو لا غريم له آخر، قوله: (ولو ثبت) أي ما ذكر من الورثة
أو الغرماء. قوله: (بالاقرار) أي بالإرث أو بالدين وهو محترز قوله بشهود. قوله: (كفلوا اتفاقا)
يعني والخلاف فيما إذا ثبت الدين والإرث بالشهادة ولم يقل الشهود لا نعلم له وارثا غيرهم، أما إذا
ثبت بالاقرار يؤخذ كفيل بالاتفاق. قوله: (ولو قال الشهود ذلك) أي لا نعلم له وارثا أو غريما غيره.
قوله: (لا) أي لا يؤخذ منهم كفيل سواء كان وارثا يحجب بحال أو لا. قوله: (اتفاقا) تقدم بيان
الصور في الحاصل. قوله: (ادعى) قال في جامع الفصولين من الرابع: ادعى عليهما أن الدار التي
بيدكما ملكي فبرهن على أحدهما، فلو الدار في يد أحدهما بإرث فالحكم عليه حكم على الغائب إذ
أحد الورثة ينتصب خصما عن البقية، ولو لم يكن كل الدار بيده لا يكون قضاء على الغائب بل يكون
قضاء بما في يد الحاضر على الحاضر، ولو بيد أحدهما بشراء لا يكون الحكم على أحدهما حكما على
الآخر ا ه‍. قوله: (إرثا) قيد به لأنه لو شراء لا يكون الحاضر خصما عن الغائب كما تقدم. قوله:
(مشاعا) يعني ينتفع به انتفاع المشاع لا أنه يقسمه ويفرزه لأنه سيأتي في القسمة، فإن برهن وارث
واحد لا يقسم إذ لا بد من حضور اثنين ولو أحدهما صغيرا أو موصى له. قوله: (جحد ذو اليد
دعواه أو لم يجحد) هذا التعميم غير صحيح بعد قوله وبرهن عليه لان البرهان يستلزم سبق الجحد،
وقد أجمعوا أنه لا يؤخذ الكفيل في صورة الاقرار. والصواب أنه يبدل قوله وبرهن عليه بقوله
: وثبت ذلك فيشمل الثبوت بالاقرار ولا كفيل فيه اتفاقا وبالبينة وفيه الخلاف، وحينئذ يسقط قوله
جحد دعواه أو لم يجحد ا ه‍ ط. وأجاب عنه سيدي الوالد بأن هذا التعميم راجع إلى قوله وترك
باقيه أشار به إلى الخلاف، فافهم.
أقول: عبارة الهداية والمجمع والبحر وغيرها تساوي عبارة المصنف وهي عبارة متن الدرر،
وكأنهم تساهلوا في ذلك لوضوح المراد. ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله وترك باقيه مستأنف ليس من
تمام حكم البرهان، ويكون المراد بيان مسألة وفاقية وهي أخذ المدعي النصف إذا برهن، ومسألة خلافية

452
وهي ترك الباقي مع ذي اليد مطلقا، وأشار إلى الخلاف بالتعميم بقوله جحد أو لا، هذا ما ظهر لي.
نعم الأولى ما في شرح أدب القضاء حيث ذكر أن المدعي يأخذ النصف ويترك الباقي مع ذي اليد عند
الامام، وعندهما: ينزع منه: أي ويجعل في يد أمين، ثم ذكر أنهم أجمعوا أنه لو مقرا ينزع الباقي منه
أيضا. قوله: (خلافا لهما) أي في صورة الجحود حيث قالا: إن جحد ذو اليد يؤخذ منه ويجعل في
يد أمين لخيانته بجحوده وإلا ترك في يده، فلا نظر في تركه في يده، فهو راجع إلى قوله وترك باقيه
في يد ذي اليد لا لقوله بلا كفيل فإنه لا خلاف فيه، وله أن الحاضر ليس بخصم عن الغائب في
الاستيفاء وليس للقاضي التعرض بلا خصم، كما إذا رأى شيئا في يد إنسان يعلم أنه لغيره لا ينتزعه
منه بلا خصم، وقد ارتفع جحوده بقضاء القاضي بالكل. بحر. قوله: (خصما للميت) الأوضح عن
الميت. قوله: (حتى تقضى منها ديونه) وتنفذ منها وصاياه. قوله: (ثم إنما يكون خصما) أي عن بقية
الورثة فيما يدعي على الميت. قوله: (بشروط تسعة) الأولى أن يقول ثلاثة: الأول كون العين كلها في
يده، وأن لا تكون مقسومة، وأن يصدق الغائب أنها إرث عن الميت المعين كما في البحر والحموي.
قوله: (مبسوطة في البحر) ليس جميع المذكور في البحر شروطا، بل بعضه شروط وبعضه أحكام،
ونصه:
تنبيهات: (الأول): إنما ينتصب الحاضر الذي في يده العين خصما عن الباقين إذا كانت العين لم
تقسم بين الحاضر والغائب، فإن قسمت وأودع الغائب نصيبه عند الحاضر كانت كسائر أمواله فلا
ينتصب الحاضر خصما عنه. ذكره العتابي عن مشايخنا.
وفي جامع الفصولين من السابع والعشرين: ولو أودع نصيبه من عين عند وارث آخر فادعى
رجل هذا العين ينتصب هذا الوارث خصما إذ ينتصب أحد الورثة خصما عن الباقين لو كان العين
بيده، بخلاف الأجنبي ا ه‍.
أقول: فقوله بخلاف الأجنبي: أي غير الوارث تكون العين في يده فيدعي عليه فلا يتعدى
القضاء عليه إلى غيره بأن تكون شركة بينه وبين غيره فلا يكون الشريك الغائب مقضيا عليه. سيدي
الوالد.
(الثاني): إنما لا تسمع دعوى الغائب إذا حضر بشرط أن يصدق أن العين ميراث بينه وبين
الحاضر، أما لو أنكر الإرث وادعى أنه اشتراها أو ورث نصيبه من رجل آخر لا يكون القضاء على
الحاضر قضاء عليه فتسمع دعواه وتقبل بينته.
فالحاصل: أنه إنما ينتصب خصما عن الباقي بثلاثة شروط: كون العين كلها في يده، وأن لا
تكون مقسومة، وأن يصدق الغائب على أنها إرث عن الميت المعين.
(الثالث): إنما يكفي ثبوت بعض الورثة أن لو ادعى الجميع وقضى به، أما لو ادعى حصته
فقط وقضى بها فلا يثبت حق الباقين.
(الرابع): ادعى بيتا فقال ذو اليد إنه ملكي ورثته من أبي، فلو قضى عليه: أي على ذي اليد:

453
أي ببرهان المدعي يظهر على جميع الورثة، لان العين كلها في يده غير مقسومة فليس لأحد منهم أن
يدعيه بجهة الإرث إذ صار مورثهم مقضيا عليه، فهو ادعاه أحدهم ملكا مطلقا تقبل إذا لم يقض عليه
في الملك المطلق، فلو ادعاه ذو اليد ملكا مطلقا لا إرثا لا تصير الورثة مقضيا عليهم فلهم أخذه
بدعوى الإرث، لكن ليس لذي اليد حصة فيه إذا قضى عليه.
(الخامس): إذا كان الورثة كبارا غيبا وصغارا نصب القاضي وكيلا عن الصغير لسماع دعوى
الدين على الميت، والقضاء على هذا الوكيل قضاء على جميع الورثة.
(السادس): إذا أثبت المدعي دينه على بعض الورثة وفي يده حصته فإنه يستوفي جميع دينه مما في
يد الحاضر ثم يرجع الحاضر على الغائب بحصته.
(السابع): يحلف الوارث على الدين إذا أنكر: أي على العلم وإن لم يكن للميت تركة.
(الثامن): يصح الاثبات على الوارث وإن لم يكن للميت تركة.
مطلب: وكيل بيت المال ليس بخصم إلا إذا وكله السلطان في أن يدعي
ويدعى عليه لا بالجمع والحفظ
(التاسع): لو لم يكن للميت وارث فجاء مدع للدين على الميت نصب القاضي وكيلا للدعوى كما
في أدب القاضي للخصاف، وظاهره أن وكيل بيت المال ليس بخصم ا ه‍ بزيادة.
أقول: قال سيدي في حاشيته عليه: يجب تقييده بما إذا وكله السلطان بجمعه وحفظه، أما إذا
وكله بأن يدعي ويدعى عليه أيضا تسمع دعواه والدعوى عليه، ويملك في ذلك ما يملكه السلطان
لأنه فوض إليه ما يملكه، وهذه المسألة كثيرة الوقوع. ويتفرع من ذلك أن المزارع لا يصلح خصما لمن
يدعي الملك في الأرض وكذلك المقاطع المسمى بلغتهم تيماريا. تأمل هذا.
وسئل شيخنا ابن الحانوتي عن هذه المسألة، فأجاب بما ذكره الشيخ زين هنا ا ه‍. قوله: (والحق
الخ) لا ارتباط له بما قبله، لان ما قبله في انتصاب أحد الورثة خصما للميت، وهذا الفرق في
انتصاب أحدهم خصما فيما عليه. قال في البحر: وكذا ينتصب أحدهم فيما عليه مطلقا إن كان دينا،
وإن كان في دعوى عين فلا بد من كونها في يده ليكون قضاء على الكل، وإن كان البعض في يده نفذ
بقدره كما صرح به في الجامع الكبير وظاهر ما في الهداية والنهاية والعناية أنه لا بد من كونها كلها في
يده في دعوى الدين أيضا، وصرح في فتح القدير بالفرق بين العين والدين وهو الحق وغيره سهو ا ه‍.
وفي حاشية أبي السعود عن شيخه: ووجه الفرق بينهما أن حق الدائن شائع في جميع التركة، بخلاف
مدعي العين ا ه‍ قوله (والعين) حيث لا ينتصب أحد الورثة خصما عن الباقي في دعوى العين إلا إذا
كانت في يده. وأما في دعوى الدين عليه فإنه ينتصب خصما عنهم وإن لم يكن في يده غير تركة،
لان حق الدائن شائع في جميع التركة، بخلاف العين المدعى بها كما تقدم آنفا، وقد علمت أن ذلك
فيما إذا كان الوارث مدعى عليه. وأما إذا كان هو المدعي إرث العين على ذي اليد فإن أثبت كان
القضاء بالإرث له ولبقية الورثة إذا ادعاه إرثا له ولهم، وإن لم يثبت ودفع المدعى عليه دعوى المدعي
بأن مورثك باعها مني مثلا وأثبت الشراء تندفع دعوى الإرث في حق الحاضر والغائب، كما أفاده
الطحاوي عن أبي السعود. قوله: (فيما ذكر) من أخذ الحاضر حصته وترك باقيه في يد ذي اليد،
وقيل يوضع عند عدل إلى حضور صاحبه.

454
مطلب: هل ينزع المنقول من يد ذي اليد؟
وفي الحموي: ولو كانت الدعوى في منقول: قيل يؤخذ منه اتفاقا لاحتياج المنقول إلى الحفظ
والنزع من يده أبلغ في الحفظ كي لا يتلفه، أما العقار فمحفوظ بنفسه، وقيل المنقول على الخلاف،
وقول الإمام في المنقول أظهر لحاجته إلى الحفظ، والترك في يده أبلغ فيه، لان المال بيد الضمين أشد
حفظا وبالانكار صار ضامنا، ولو وضع عند عدل كان أمينا. كذا في الكافي والفتح وغيرهما. وبحث
العلامة المقدسي بأن النزع من يد الخائن أبلغ في الحفظ باحتمال هروبه أو تحيله بوجه ما، فليتأمل ا ه‍.
قوله: (ومثله في البحر) فإنه حكي مقابل الاتفاق بقيل ط. قوله: (أنه لا يؤخذ) أي المنقول لو مقرا:
أي كالعقار، وهذه العبارة توهم أن العقار لم يجمعوا على عدم أخذه لو مقرا وليس كذلك، فإن الحكم
فيهما واحد كما علم بما سبق.
مطلب: أوصى بثلث ماله جاز
قوله: (أوصى له بثلث ماله) وكذا لو قال ثلثي لفلان أو سدسي فهو وصية جائزة، وقيد
بالوصية لأنه لو قال ثلث مالي وقف ولم يزد قال في البزازية من الوصايا: إن كان ماله دراهم أو دنانير
فقوله باطل، وإن ضياعا صار وقفا على الفقراء، ولو قال ثلث مالي لله تعالى الوصية باطلة عندهما،
وعند محمد يصرف إلى وجوه البر، ولو صرح به إلى سراج المسجد يجوز، ولو قال ثلث مالي في سبيل
الله فهو للغزو، فإن أعطوه حاجا منقطعا جاز. بحر. قوله: (يقع ذلك على كل شئ) وهل تدخل
الديون في الوصية؟ في الخانية لا، وكلام الشارح في الوصايا يفيد دخوله في الوصية بالمال لأنه يصير
مالا بالاستيفاء فتناولته الوصية خصوصا. قالوا: إنها أخت الميراث وهو يجري فيهما، وكذا كلام
الوهبانية يشير إلى الخلاف. ورجح الدخول حيث قال: وفي ثلث مالي يدخل الدين أجدر.
قال ابن الشحنة في شرحه المسألة في القنية رامزا للبرهان صاحب المحيط وقال: لو أوصى بثلث
ماله لا يدخل الدين ثم رمز للأصل وقال يدخل. قال المصنف: وفي حفظي من فتاوى قاضيخان
رواية دخول الدين في الوصية بثلث المال، والمراد بدخولها أن يدخل ثلثها في الوصية ولا يسقط
فيجعل كأنها لم تكن ا ه‍.
مطلب: هل يدخل تحت الوصية بالمال ما على الناس من الديون؟ قولان
: وفي وصايا الكنز: أوصى له بألف وله عين ودين: فإن خرج لألف من ثلث العين دفع إليه،
وإلا فثلث العين، وكلما خرج شئ من الدين له ثلثه حتى يستوفي الألف، وهذه غير مسألتنا. وما
نقله عن حفظ ابن وهبان يخالفه ما ذكره في البحر عن الخانية من عدم دخول الدين. ورأيت في وصايا
الظهيرية: إذا كان مائة درهم عين ومائة درهم على أجنبي دين فأوصى لرجل بثلث ماله فإنه يأخذ ثلث
العين دون الدين، ألا ترى إن حلف أن لا مال له وله ديون على الناس لم يحنث، ثم ما خرج من الدين
أخذ منه ثلثه حتى يخرج الدين كله لأنه لما تعين الخارج مالا التحق بما كان عينا في الابتداء. ولا يقال:
لما لم يثبت حقه في الدين قبل أن يتعين كيف يثبت حقه فيه إذا تعين؟ لأنا نقول: مثل هذا غير ممتنع،
ألا ترى أن الموصى له بثلث المال لا يثبت حقه في القصاص، ومتى انقلب مالا يثبت حقه فيه ا ه‍.

455
مطلب: في التوفيق بين القولين في دخول الدين في الوصية وعدم دخوله
قال سيدي الوالد: ويمكن أن يوفق بين القولين بهذا فتدبر، والله تعالى أعلم ا ه‍. وينبغي التأمل
عند الفتوى، لان كلام كل متكلم يبنى على عرفه، فإذا كان العرف أن المال يقع على ما سوى العقار أو
الدين أو يعم الكل فيفتى به. قوله: (لأنها أخت بالميراث) أي والميراث يجري في كل شئ: أي في
الدين والعين.
مطلب: من قال جميع ما أملكه صدقة
قوله: (مالي أو ما أملكه صدقة الخ) أما لو قال لله علي أن أهدي جميع مالي أو ملكي فإنه يدخل
فيه جميع ما يملكه وقت الحلف بالاجماع فيجب أن يهدي ذلك كله إلا قدر قوته، فإذا استفاد شيئا
تصدق بمثله، وفي مسألة المصنف يدخل الموجود وقت القول في المنجز. أما لو كان معلقا بالشرط
نحو قوله مالي صدقة للمساكين إن فعل كذا دخل المال القائم عند اليمين والحادث بعده. قال سيدي
الوالد: ظاهره أنه بدون التنجيز لا يشمل الحادث بعد اليمين، وهذا بخلاف الوصية.
مطلب: أوصى بثلثهن لفلان وليس له مال ثمم استفاد تصح الوصية
لما في الخانية: ولو قال أوصيت بثلث مالي لفلان وليس له مال ثم استفاد مالا ومات كان
للموصى له ثلث ما ترك، ثم قال بعده ولو قال عبيدي لفلان أو براذيني لفلان ولم يضف إلى شئ ولم
ينسبهم يدخل فيه ما كان له في الحال وما يستفيد قبل الموت ا ه‍. لكن قد يقال: الوصية في معنى
المعلق. وفي حاشية أبي السعود: وقوله والحادث بعده ظاهره ولو بعد وجود الشرط، لكن ذكر
الأبياري ما نصه: لو علقه بشرط دخل المال الموجود عند اليمين والحادث بعده إلى وجود الشرط ا ه‍.
فظاهر قول المصنف مالي أو ما أملكه الخ دخول الدين أيضا، وفيه ما قدمناه آنفا من الخلاف
والتوفيق. قوله: (فهو على جنس مال الزكاة) أي أي جنس كانت بلغت نصابا أو لا عليه دين مستغرق
أو لا، ولا يتصدق بغير ذلك من الأموال لأنها ليست بأموال الزكاة. وقال زفر: يلزمه التصدق بالكل
لان اسم المال يتناول الكل.
ولنا أنه يعتبر بإيجاب الله تعالى. قال تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * (التوبة: 301) وهو خاص
بالنقدين وعروض التجارة والسوائم والغلة والثمرة العشرية والأرض العشرية، لان المعتبر جنس ما
يجب فيه الزكاة مع قطع النظر عن قدرها وشرطها، فإن قضى دينه لزمه أن يتصدق بعده بقدره. عيني
وغيره. قال ط: ولا تدخل الأرض العشرية عند الطرفين ولا الخراجية اتفاقا ا ه‍. وخرج رقيق الخدمة
ودور السكنى وأثاث المنازل وما كان من الحوائج الأصلية.
مطلب: مالي أو ما أملك سواء في الصحيح
قال في البحر: وتسوية المصنف بين قوله مالي وبين قوله ما أملك هو الصحيح لأنهما يستعملان
استعمالا واحدا فكان فيهما القياس والاستحسان خلافا للبعض، واختاره في المجمع والهداية. وذكر
القاضي الأسبيجابي أن الفرق بين المال والملك إنما هو قول أبو يوسف، وأبو حنيفة لم يفرق بينهما،
واختاره الطحاوي في مختصره ا ه‍. قوله: (أمسك منه قدر موته) لم يبين في المبسوط قدر ما يمسك،

456
لان ذلك يختلف باختلاف العيال وباعتبار ما يتجدد له من التحصيل، فيمسك أهل كل صنعة قدر ما
يكفيه إلى أن يتجدد له شئ. قال ط: المتأخرون قدروا هذا القدر، فقالوا في المحترف يمسك لنفسه
وعياله قوت يومه، وصاحب الغلة وهو آجر الدار ونحوها يمسك قوت شهر، وصاحب الضيعة
يمسك قوت سنة، وصاحب التجارة يمسك قدر ما يكفيه إلى أن يتجدد له شئ ا ه‍. قوله: (تصدق
بقدره) أي بقدر ما أمسك.
مطلب: لو قال إن فعلت كذا فما أملكه صدقة فالحيلة في الفعل وعدم الحنث الخ
قوله: (فحيلته) أي إن أراد أن يفعل ولا يحنث. قوله: (أن يبيع ملكه) أي ما تجب فيه الزكاة.
قوله: (ثم يفعل ذلك) أي المحلوف عليه. قوله: (فلا يلزمه شئ) يعلم منه كما قال المقدسي أن
المعتبر الملك حين الحنث لا حين الحلف ا ه‍. ووجه المسألة أنه حين الحنث لا مال له.
أقول: ويعلم منه أن المشتري باسم المفعول بخيار الرؤية لا يدخل في ملكه حتى يراه ويرضى
به. قاله الشيخ أبو الطيب مدني.
أقول: الذي يظهر لي أنه يدخل في ملكه لكنه غير لازم وإلا لزم أن يخرج البدلان من ملكه، ولا
قائل به، والمسألة تحتاج إلى المراجعة، وما نقله عن البحر عزاه في البحر إلى الولوالجية في الحيل آخر
الكتاب، وتمامه فيها حيث قال: وإن كان له ديون على الناس يتصالح على تلك الديون مع رجل بثوب في
منديل ثم يفعل ذلك ويرد الثوب بخيار الرؤية فيعود الدين ولا يحنث ا ه‍. قوله: (لزمه بقدر ما يملك)
ولا يلزمه شئ بعد لأنه بمنزلة النذر بما لا يملك، وكذا يقال فيما بعد. قوله: (ولو لم يكن له شئ لا
يجب شئ) الظاهر أن التعليق ليس بشرط، حتى لو نجز النذر فقال علي أن أتصدق بألف درهم كان
الحكم كذلك، فإن كان يملك دونها يلزمه التصدق، وإن لم يكن عنده شئ لا يلزمه فراجع. رحمتي.
قال في الهداية: ومن نذر نذرا مطلقا فعليه الوفاء به لقوله صلى الله عليه وآله: من نذر وسمى فعليه الوفاء
بما يسمي وإن علق النذر بشرط فوجد الشرط فعليه الوفاء بنفس النذر لاطلاق الحديث، ولأن المعلق
بالشرط كالمنجز عنده. وعن أبي حنيفة أنه رجع عنه وقال: إذا قال إن فعلت كذا فعلي حجة أو صوم
سنة أو صدقة ما أملكه أجزأه عن ذلك كفارة يمين، وهو قول محمد، ويخرج عن العهدة بالوفاء بما
سمى أيضا، وهذا إذا كان شرطا لا يريد كونه لان فيه معنى اليمين وهو المنع، وهو بظاهره نذر فيتخير
ويميل إلى أي الجهتين شاء، بخلاف ما إذا كان شرطا يريد كونه كقوله إن شفى الله مريضي لانعدام
معنى اليمين فيه، وهذا التفصيل هو الصحيح ا ه‍. وعليه مشى في متن مجمع البحرين والدرر والغرر،
وأفتى به إسماعيل الزاهد ومشايخ بلخ وبعض مشايخ بخارى، واختاره شمس الأئمة والقاضي
المروزي. وقال في البزازية: وعليه الفتوى. وقال في الفيض: والمفتى به ما رويناه عن أبي حنيفة من
رجوعه، وقد أوضح المسألة العلامة الشرنبلالي في رسالة سماها (تحفة التحرير وإسعاف الناذر الغني

457
والفقير بالتخيير على الصحيح والتحرير) فليراجعها من رام ذلك. قوله: (وصح الايصاء) أي من
شخص لشخص على صغيره أو وصيته (1).
مطلب: لا يشترط علم الوصي بالايصاء بخلاف الوكيل
قوله: (فصح تصرفه) أي من غير علم بالايصاء، وإذا تصرف يعد قابلا له فلا يتمكن من إخراج
نفسه منه، وإلا فله إخراج نفسه إذا علم لعدم القبول، لأنه لا يخفى أن من حكم الوصي أنه لا يملك
عزل نفسه بعد القبول حقيقة أو حكما، وظاهر ما هنا تبعا للكنز، أنه يصير وصيا قبل التصرف وليس
كذلك، بل إنما يصير بعده كما نبه عليه في البحر، ولذا قال في نور العين من 23: غازيا مات وباع
وصيه قبل علمه بوصايته وموته جاز استحسانا ويصير ذلك قبولا منه للوصاية ولا يملك عزل نفسه ا ه‍.
فكان على الشارح أن يقول إن تصرف قبله بدل قوله فصح تصرفه فتنبه. قوله: (لا يصح التوكيل بلا
علم وكيل) فلو باع الوكيل قبل العلم لم يجز. بحر: أي لم يلزم فيكون بيع الفضولي فيتوقف على إجازته
بعد العلم أو على إجازة الموكل كما في منحة الخالق لسيدي الوالد. وفي البزازية عن الثاني خلافه.
مطلب: علم المشتري بالوكالة دون الوكيل يصح
وفي البحر: أما إذا علم المشتري بالوكالة واشترى منه ولم يعلم البائع الوكيل كونه وكيلا بالبيع،
بأن كان المالك قال للمشتري اذهب بعبدي إلى زيد فقل له حتى يبيعه بوكالته عني منك فذهب به إليه
ولم يخبره بالتوكيل فباعه هو منه يجوز، ومثله الاذن للعبد والصبي بالتجارة فلا يثبت إلا بعد العلم
والامر باليد حتى لو جعل أمرها بيدها لا يصير الامر بيدها ما لم تعلم، فلو طلقت نفسها قبل العلم لم
يقع. خانية.
وفي شرح المجمع لابن مالك: إذا قال المولى لأهل السوق بايعوا عبدي فلانا يصير مأذونا قبل
العلم، بخلاف ما لو قال أذنت لعبدي فلان ولم يشهد بين الناس فعلم العبد به شرط كما في البحر.
قوله: (خلافة) فلا تتوقف على العلم كتصرف الوارث ملكا وولاية، حتى لو باع الجد مال ابن ابنه بعد
موت الابن من غير علم بموته جاز.
لكن قال في البحر: ثم اعلم أنه وقع في الهداية هنا أن الوصية خلافة كالوراثة وهو مشكل،
فإن المصرح به إن ملك الموصى له ليس بطريق الخلافة كملك الوارث.
قال الصدر الشهيد في شرح أدب القضاء: إن الموصى له ليس بخليفة عن الميت، ولهذا لا
يصح إثبات دين الميت عليه، وإنما يصح على وارث أو وصي، ولو أوصى له بعبد اشتراه فوجد به
الموصى له عيبا فإنه لا يرده، بخلاف الوارث، ويصير الوارث مغرورا لو استحقت الجارية بعد الولادة
كالمورث، بخلاف الموصى له ا ه‍. ولم أر أحدا من الشارحين بينه، وقد ظهر لي أن صاحب الهداية أراد
بالخلافة أن ملك كل منهما يكون بعد الموت لا بمعنى أنه قائم مقامه. ومما يدل على عدم الخلافة ما في
التلخيص بعد بيان أن ملكه ليس خلافة أنه يصح شراء ما باع الميت بأقل مما باع قبل نقد الثمن،
بخلاف الوارث، وقدمنا تعريف المال أول كتاب البيوع ا ه‍.



(1) قوله: (أو وصيته) هكذا بالأصل، والذي في ط أو تركته.
458
أقول: وقد سبق صاحب البحر إلى ذلك صاحب الكفاية حيث قال: قوله لأنها خلافة كهي: أي
كالوراثة من حيث إنهما يثبتان الملك بعد الموت ا ه‍.
وفي البحر أيضا: ثم اعلم أن صاحب الهداية ذكر هنا أن الوصاية خلافة لا نيابة كالوراثة،
وقال قبله: إن الوصية خلافة كهي، وقدمنا ما في الثاني. وأما الأول فالمراد به أنه خليفة الميت في
التصرف كالوارث لا في الملك، بخلاف الخلافة في الوصية فإنها في الملك لا في التصرف. ومما يدل
على أن الوصي خليفة الميت ما في خزانة المفتين: لو مات عن وصي وابن صغير ودين فقبضه الوصي
بعد بلوغ الصغير جاز إلا إذا نهاه.
ثم اعلم أنهم فرقوا بين الوارث والوصي في مسألة: لو أوصى بعتق عبد ملك الوارث إعتاقه
تنجيزا وتعليقا وتدبيرا وكتابة، ولا يملك الوصي إلا التنجيز وهي في التلخيص ا ه‍. قوله: (والوكيل
نيابة) أي عن الموكل، فالموكل أثبت له ولاية التصرف في ملكه، لا بطريق الخلافة لبقاء ولاية الموكل
فلا بد من العلم، فلو أودع ألفا عند رجل ثم قال المالك أمرت فلانا بقبضها منه ولم يعلم فلان بكونه
مأمورا بالقبض فقبضه وتلف عنده فالمالك بالخيار في تضمين أيهما شاء، ولو علم المودع فقط فدفع
للمأمور المذكور فتلف عنده لا ضمان على أحد، لان المستودع دفع بالاذن، ولو لم يعل أحدهما فقال
المأمور ادفع لي وديعة فلان لأدفعها إلى صاحبها أو ادفعها إلي تكون عندي لصاحبها فدفع فضاعت
فللمالك تضمين أيهما شاء عندهما. بحر عن الخانية.
مطلب: الوصاية والوكالة يجتمعان ويفترقان
ثم اعلم أن الوصية والوكالة يجتمعان ويفترقان، فيفترقان في مسألة الكتاب وفي أن الوصاية من
الميت لا تقبل التخصيص، بخلاف وصي القاضي فإنه يتخصص، والوكالة تقبل التخصيص، وفي أنه
يشترط في الوصي أن يكون مسلما حرا بالغا عاقلا، بخلاف الوكيل إلا العقل، وفي أن الوصي إذا
مات قبل تمام المصلحة نصب القاضي غيره، ولو مات وكيل الغائب لا ينصب غيره إلا عن المفقود
للحفظ، وفي أن القاضي يعزل الوصي بخيانة أو تهمة بخلاف الوكيل عن الحي، وفي أن الوارث
يملك إعتاق الموصى بعتقه تنجيزا وتعليقا وتدبيرا وكتابة، ولا يملك الوصي إلا الأول.
قال في الحواشي الحموية على الأشباه من بحث ما افترق فيه الوكيل والوصي: إن الوكيل يملك
عزل نفسه لا الوصي بعد القبول، ولا يشترط القبول في الوكالة ويشترط في الوصاية، ويتقيد الوكيل
بما قيده الموكل ولا يتقيد الوصي، ولا يستحق الوكيل أجرة عمله بخلاف الوصي، ولا تصح الوكالة
بعد الموت والوصاية تصح، وتصح الوصاية وإن لم يعلم بها الوصي، بخلاف الوكالة، ويشترط في
الوصي: الاسلام والحرية والبلوغ والعقل، ولا يشترط في الوكيل إلا العقل. وإذا مات الوصي قبل
تمام المقصود نصب القاضي غيره، بخلاف موت الوكيل لا ينصب غيره إلا عن مفقود للحفظ، وفي
أن القاضي يعزل وصي الميت بخيانة أو تهمة بخلاف الوكيل، وفي أن الوصي إذا باع شيئا من التركة
فادعى المشتري أنه معيب ولا بينة فإنه يحلف على الثبات، بخلاف الوكيل فإنه يحلف على نفي العلم.
وهي في القنية: ولو أوصى لفقراء أهل بلخ فالأفضل للوصي أن لا يجاوز أهل بلخ، فإن أعطى
لأهل كورة أخرى جاز على الأصح. ولو أوصى بالتصدق على فقراء الحاج يجوز أن يتصدق على

459
غيرهم من الفقراء، ولو خص فقال فقراء هذه السكة لم يجز، كذا في وصايا خزانة الأكمل.
مطلب: الوصي يخالف الوكيل في هذه المسألة
وفي الخانية: ولو قال لله علي أن أتصدق على جنس فتصدق على غيره لو فعل ذلك بنفسه
جاز.
ولو أمر غيره بالتصدق ففعل المأمور ذلك ضمن ا ه‍. فهذا مما خالف فيه الوصي الوكيل. ولو
استأجر الموصي الوصي لتنفيذ الوصية كانت وصية له بشرط العمل، وهي في الخانية: ولو استأجر
الموكل الوكيل فإن كان على عمل معلوم صحت، وإلا لا ا ه‍. فهي خمس عشرة مسألة، فلتحفظ.
مطلب: وصي القاضي نائب عن الميت لا عن القاضي
ثم اعلم أن وصي القاضي نائب عن الميت لا عن القاضي. قال في البحر: ولم أر نقلا في حكم
وصايته قبل العلم.
مطلب: الناظر وكيل لا وصي
وكذا في حكم تولية الناظر من الواقف، وينبغي أن يكون على الخلاف، فمن جعل الناظر وصيا
قال ثبت قبل العلم، ومن جعله وكيلا قال لا، وصححوا أنه وكيل حتى ملك الواقف عزله بلا شرط
ا ه‍.
مطلب: تقرير في النظر بلا علمه
قال سيدي الوالد معزيا لأبي السعود: ومقتضاه أن تقريره في النظر بلا علمه لا يصح.
مطلب: الناظر له شبه بالوصي وشبه بالوكيل
ثم رأيت بخط الشيخ شرف الدين الغزي محشي الأشباه أنهم لا يجعلونه وصيا من كل وجه ولا
وكيلا كذلك، بل له شبه بالوصي حتى صح تفويضه في مرض موت، وشبه بالوكيل حتى ملك
الواقف عزله من غير شرط على قول أبي يوسف. وأما على قول محمد فهو وكيل عن الموقوف عليهم
كما ذكره في الأشباه.
قلت: وقول محمد مشكل، إذ مقتضى كونه وكيلا عنهم أن لهم عزله، مع أن الظاهر من
كلامهم أنه لا يصح، بل لو عزله القاضي لم يصح إذا كان منصوب الواقف إلا بخيانة ا ه‍.
مطلب: الناظر وكيل في حياة الواقف وصي في موته
قلت: إنه وكيل ما دام الواقف حيا وصي بعد وفاته، والظاهر أن مراد محمد أنه نظير الوكيل في
سعيه لهم، لا وكيل حقيقة، إذ ليست ولايته منهم. تأمل.
مطلب: الكتابة كالخطاب فيقع بها علم الوكيل بالوكالة
قوله: (فلو علم الخ) وفي الهداية: الكتاب كالخطاب. قوله: (ولو من مميز).
أقول: إقحامه لفظ مميز لا يظهر لأنه لا يشترط في المعلم إلا التمييز. قوله: (أو فاسق (1)) أي



(1) قوله: (اختار السرخسي قبول خبر الفاسق فتجب عليه الاحكام بخبره لان المخبر له رسول الله صلى الله عليه وآله، والعدالة لا تشترط
في الرسول كما مر وصححه الزيلعي. ورده في الفتح بأن عدم اشتراط العدالة إنما هو في الرسول الخامس للارسال
وإلا فيلزم على قوله أن لا تشترط العدالة في رواية الحديث مقدسي ا ه‍. منه.
460
إذا صدقه الوكيل، حتى لو كذبه لا يثبت، فعلى هذا لا فرق بين الوكالة والعزل، لان في العزل أيضا
إذا صدقه ينعزل. كذا في غاية البيان. يعقوبية. قوله: (ولا يثبت عزله الخ) هذا قوله، وقالا: لا
يشترط في المخبر بهذه إلا التمييز لكونها معاملة، وله أن فيها إلزاما من وجه دون وجه، فيشترط أحد
شطري الشهادة، إما العدد أو العدالة. وقال في البحر: أطلقه، وهو مقيد بأن يكون المخبر غير
الخصم ورسوله فلا يشترط فيه العدالة، حتى لو أخبر الشفيع المشتري بنفسه وجب الطلب إجماعا
والرسول يعمل بخبره، وإن كان فاسقا اتفاقا صدقه أو كذبه كما ذكر الأسبيجابي، وكذا لو كان
الرسول صغيرا، وظاهر ما في العمادية أنه لا بد أن يول له إني رسول بعزلك، ومقيد أيضا بما إذا
بلغه العزل إن كان العزل قصديا، أما إذا كان حكميا كموت الموكل فإنه يثبت وينعزل قبل العلم ا ه‍.
قوله: (إن صدقه) أي الوكيل حتى لو كذبه لا يثبت كما قدمناه على اليعقوبية. قوله: (في الأصح)
راجع للفاسقين، خلافا لما في الكنز حيث قيد بالمستورين، فإن ظاهره أنه لا يقبل خبر الفاسقين وهو
ضعيف، لان تأثير خبر الفاسقين أقوى من تأثير خبر العدل بدليل أنه لو قضى بشهادة واحد عدل لم
ينفذ، وبشهادة فاسقين نفذ، فلو أخبره بالعزل غيره من ذكر وتصرف صح تصرفه لعدم عزله كما في
البحر. قوله: (كإخبار السيد بجناية عبده) أي فإنه يشترط فيه أحد شطري الشهادة: أي العدد أو
العدالة عنده خلافا لهما. قوله: (فلو باعه كان مختار للفداء) يعني إذا أخبره أحد من ذكر ثم باعه كان
مختارا للفداء فلا يكون مختارا له بإخبار غير من ذكر فيدفعه البائع أو المشتري إلى ولي الجناية فيما إذا
باعه بعد أن أخبره فاسق مثلا بالجناية، وإنما يدفعه إذا لم يعلم بجنايته المشتري، أما إذا علم فيكون
مختارا للفداء لقدومه على شرائه مع العلم بعيبه، وأما إذا أعتق العبد كان الطلب بالأرش عليه. أفاده
أبو السعود. قوله: (والشفيع بالبيع) وهو على الخلاف أيضا، فإذا أخبر الشريك مثلا بالبيع فسكت ولم
يطلب، فإن كان المخبر عدلا أو مستورين مثلا سقطت شفعته لا إن أخبره مستور فبسكوته لا يعد
مسلما للشفعة. قوله: (والبكر بالنكاح) هو على الخلاف أيضا، فلا يكون سكوتها رضا إلا إذا أخبرها
عدل أو مستوران مثلا، أما إذا أخبرها مستور بنكاح وليها فسكتت لا يكون ذلك رضا منها.
قال في البحر: ثم اعلم أن الإمام محمد نص على خمسة منها، ولم يذكر مسألة البكر وإنما قاسها
المشايخ ا ه‍.
مطلب: الفاسق إذا أخبر من أسلم ولم يهاجر يلزمه العمل بالشرائع في الأصح
قوله: (والمسلم الذي لم يهاجر) أي الذي أسلم في دار الحرب فأخبره أحد من ذكر. قوله:
(بالشرائع) فإنه إذا أخبره مستور لا يلزمه الشرائع عنده خلافا لهما، وإذا أخبره عدل مستور إن
لزمته حتى إذا ترك الفرائض يلزمه قضاؤها.
مطلب: البكر إذا أخبرها رسول الولي بالتزويج
والأصح أنه يكفي فيه خبر الفاسق كما في المفتاح. حموي: أي فإنه يجب عليه الاحكام بخبره
كما في الرسول فإنه لا يشترط عدالته، كالبكر إذا أخبرها رسول الولي بالتزويج كما يأتي قريبا إن شاء الله

461
تعالى. قوله: (وكذا الاخبار بعيب لمريد شراء) فلو قال له رجل عدل أو مستوران هذه العين معيبة
وقدم على شرائها يكون راضيا بالعيب، لا إن أخبره فاسق. قوله: (وحجر مأذون) فإذا أخبر المأذون
بحجره عدل أو مستوران حجر، لا إذا أخبره فاسق. قوله: (وفسخ شركة) أي من أحد الشريكين لا
يثبت الفسخ عند الآخر إلا بإخبار عدل أو مستورين فيمنع عن التصرف في ماله الشركة، لا إن أخبره
فاسق. قوله: (وعزل قاض) فهو على الحكم السابق. قال في البحر: وينبغي أن يزاد أيضا عزل
القاضي ولم أره ا ه‍. قال سيدي الوالد: وهو ظاهر لأنهم صرحوا في كتاب القضاء بأنه ملحق بالوكيل
كما قدمه: أي صاحب البحر فيه ا ه‍. قوله: (ومتولي وقف) أي وعزل متولي وقف: أي على القول
بصحة عزله بلا شرط، أو على قول الكل إن كان شرط الواقف ا ه‍. بحر بحثا. وقدمنا الكلام عليه
مستوفى قبل ورقة عند الكلام على وصى القاضي. قوله: (أحد شطري الشهادة) أي العدد أو العدالة.
وفي الحواشي السعدية أقول: فيه إشارة إلى أن العدالة لا تشترط في العدد، وإن قوله عدل صفة
رجل، قال في التلويح: وهو الأصح. قوله: (ويشترط) أي في المخبر. قوله: (سائر الشروط) أي مع
العدد أو العدالة على قول الإمام الأعظم فلا يثبت بخبر المرأة والعبد والصبي وإن وجد العدد أو
العدالة، وقل من نبه على هذا سيدي الوالد. قوله: (في الشاهد) أي المشروطة في الشاهد، والمراد به
المخبر: أي من الحرية والبلوغ، وأن لا يكون أعمى ولا محدود في قذف مع العدد العدالة والمعنى،
ويشترط في المخبر ما اشترط في الشاهد مما ذكر إلا لفظ أشهد وحضور مجلس القاضي عنده خلافا
لهما كما سبق. قوله: (وقيده في البحر) أي قيد عزل الوكيل بكون المخبر لا بد أن يكون فيه أحد
شطري الشهادة بالعزل القصدي احترازا عما إذا كان حكميا كموت الموكل وجنونه مطبقا فإنه يثبت
وينعزل قبل العلم. قوله: (وربما إذا لم يصدقه) أما إذا صدقه قبل ولو فاسقا. بحر. وقد مر. قوله:
(غير المرسل) سبق قلم، وصوابه كما في البحر غير الخصم ورسوله فلو أخبر الشفيع المشتري بنفسه
وجب الطلب إجماعا، حتى إذا أخره سقط طلبه. قوله: (فإنه يعمل بخبره) أي الرسول مطلقا وإن كان
فاسقا أو صغيرا أو كذبه، وظاهره أن ذلك يجري في ما ذكر فينعزل بذلك، وتسقط الشفعة بعدم
الطلب بعده ويكون سكوت البكر بعده رضا، وقس الباقي مما يتأتى فيه ذلك، وظاهر ما في العمادية
أنه لا بد أن يقول له إني رسول بعزلك كما في البحر.
أقول: وعليه فلا بد للرسول أن يقول للمرسل إليه إني رسول إليك بكذا.
تنبيه: يثبت العزل بكتاب الموكل إذا بلغه وعلم ما فيه كما في ط عن سري الدين، وسيذكره
الشارح أواخر باب عزل الوكيل. قوله: (كما سيجئ في بابه) أي باب عزل الوكيل حيث قال:
ويثبت بمشافهته وبإرساله رسولا أو غيره اتفاقا صدقه أو كذبه إذا قال أرسلني إليك لأبلغك عزله إياك
الخ. قوله: (وإن لم يقل جعلتك أمينا في بيعه) بأن قال له بع هذا العبد فقط ولم يزد. قوله: (على
الصحيح ولولوالجية) اعلم أن أمين القاضي هو من يقول له القاضي جعلتك أمينا في بيع هذا العبد،

462
أما إذا قال بيع هذا العبد ولم يزد عليه اختلف المشايخ، والصحيح أنه لا يلحقه عهدة ذكره شيخ
الاسلام خواهر زاده كما في البحر معزيا إلى شرح التلخيص للفارسي.
أقول: والمسألة مذكورة في الفتاوي الولوالجية. منح. قوله: (عبدا لدين الغرماء) أي أرباب
الديون، ولم يذكر الوارث مع أنهما سواء، فإذا لم يكن في التركة دين: أي نقود كان العاقد عاملا له
فيرجع عليه بما لحقه من العهدة إن كان وصي الميت، وإن كان القاضي أو أمينه هو العاقد رجع عليه
المشتري لان ولاية البيع للقاضي إذا كانت التركة قد أحاط بها الدين ولا يملك الوارث البيع كما في
البحر قوله: (أو ضاع) أي هلك العبد من يد القاضي أو أمينه قبل التسليم إلى المشتري كما في
المنح. فالأنسب زيادة أو أمينه. قوله: (كالامام) وينبغي أن يجعل نائب الامام كالامام، لان القاضي
إنما قبل قوله بلا يمين لكونه نائبا عن الامام ولا ضمان عليه فلا ضمان على القاضي، فعلى هذا يقبل
قول أمين بيت المال بلا يمين، وإنما لم يضمن من ذكر لأنه يؤدي إلى تباعدهم عن قبول هذه الأمانة
فتتعطل مصالح الناس عيني. قال في البحر: وأشار إلى أن أمينه لو قال بعت وقبضت الثمن وقضيت
الغريم صدق بلا يمين وعهدة إلحاقا بالقاضي، وأما العيب إذا كان ظاهرا يرد المبيع به بنظر القاضي أو
أمينه، وإذا وجب يمين على مخدرة وجه لها القاضي ثلاثة من العدول يستحلها واحد وآخران يشهدان
على يمينها أو نكولها، فعلى هذا المستحلف ليس بأمينه وإلا قبل قوله في اليمين والنكول وحده.
ثم اعلم أن القاضي وأمينه لا ترجع حقوق عقد باشراه لليتيم إليهما، بخلاف الوكيل والأب
والوصي، فلو ضمن القاضي أو أمينه ثمن ما باعه لليتيم بعد بلوغه صح بخلافهم، وقيد بعدم ضمان
القاضي عند الاستحقاق، لأنه لو أخطأ في قضائه ضمن، كما إذا رجم محصنا بأربعة شهود وظهر
أحدهم عبدا أو محدودا في قذف فديته على القاضي ويرجع بها في بيت المال بالاجماع.
مطلب: لو أخطأ القاضي يضمن
والأصل في جنس هذه المسائل أن القاضي متى ظهر خطؤه فيما قضى بيقين فإنه يضمن ما قضى
به ويرجع بذلك على المقضي له كالمودع والوكيل، وإن كان الخطأ في المال: فإن كان قائما بيد المقضي
له أخذه القاضي ورده على المقضي عليه، وإن كان مستهلكا ضمن قيمته ورجع بذلك على المقضي له،
وإن كان في قطع أو رجم ضمن ورجع بما ضمن في بيت المال ا ه‍. وتمامه فيه.
مطلب: ملخص ما قيل في خطأ القاضي
أقول: ملخص ما قيل في خطأ القاضي في غير الجور: إن كان في مال لا في حد فخطؤه في
مال المقضي له، وإن كان في حد: فإن ترتب عليه تلف نفس أو عضو فخطؤه في بيت المال، وإن لم
يترتب عليه شئ من ذلك كالجلد فهدر، كذا عند الصاحبين. وعند الامام رحمهم الله تعالى: يكون
هدرا في الحدود ترتب عليه تلف نفس أو عضو أو لا، كذا أفاده في الخانية من الحدود والسير، وهذا
إذا لم يتعمد الجور، وإن تعمد الجور كان ذلك في مال القاضي، سواء كان في مال أو حد ترتب عليه
تلف نفس أو عضر، وتعمده الجور يظهر فيما إذا أقر هو بذلك، وخطؤه بلا جوز يظهر بإقرار المقضى
له في الأموال كأن بان أن الشهود عبيد مثلا بإقرار المقضي له أو تقوم البينة على ذلك، هذا خلاصة ما

463
تحرر من النصوص المعتمدة في هذه المسألة كشرح السير الكبير للسرخسي والهندية والخانية من الحدود
والسير والأشباه من القضاء وحواشي الطحاوي وسيدي الوالد وأبي السعود.
فالحاصل: أن خطأ القاضي، تارة يكون في بيت المال وهو إذا أخطأ في حد ترتب عليه تلف
نفس أو عضو، وتارة يكون في مال المقضى له وهو إذا أخطأ في قضائه في الأموال، وتارة يكون
هدرا وهو إذا أخطأ في حد ولم يترتب على ذلك تلف نفسه أو عضو كحد شرب مثلا، وتارة يكون في
ماله: أي مال القاضي وهو إذا تعمد الجور. قوله: (بخلاف نائب الناظر) قيد لقوله ولا يخلف فإنه
يحلف: أي كما يحلف الناظر.
قال في المنح: إن نائب الامام كهو ونائب الناظر كهو في قبول قوله، فلو ادعى ضياع مال
الوقف أو تعريفه على المستحقين فأنكروا القول له كالأصيل لكن مع اليمين، وبه فارق أمين القاضي
فإنه لا يمين عليه كالقاضي ا ه‍. قوله: (ورجع المشتري على الغرماء) لان البيع وقع لهم فكانت العهدة
عليهم عند تعذر جعلها على العاقد كما تجعل العهدة على الموكل عند تعذر جعلها على الوكيل المحجور
عليه، كما إذا كان العاقد عبدا أو صبيا يعقل البيع وكله رجل يبيع ماله فإنه لا تتعلق الحقوق بهما بل
بموكلهما، لان التزام العهدة لا يصح منهما لقصور الأهلية في الصبي وحق السيد في العبد كما في
فتح القدير. قوله: (لتعذر الرجوع على العاقد) أي لأنه عقد لم ترجع عهدته إلى عاقده فتجب على من
يقع له العقل والبيع واقع للغرماء فتكون العهدة عليهم كما في الدرر.
وفي فتح القدير: الأصل أنه إذا تعذر تعلق الحقوق بالعاقد تتعلق بأقرب الناس إلى العاقد،
وأقرب الناس إليه من ينتفع به، ألا ترى أن القاضي لا يأمر ببيعه حتى يطلب الغريم، وأقرب الناس
إليه من ينتفع بهذا العقد وهو الغريم. قوله: (ولو باعه الوصي) لا فرق بين وصي الميت
ومنصوب القاضي. مدني. قوله: (أو بلا أمره) هو مفهوم بالأولى، لأنه إذا رجع عليه في الامر فلان
يرجع عليه عند عدمه بالأولى ط. قوله: (فاستحق العبد) أي من يد المشتري. قوله: (وإن نصبه
القاضي عاقدا) الأولى حذف هذا التعليل لأنه إنما يظهر في وصي القاضي، والاقتصار على قوله لأنه
أي وصي الميت عاقد نيابة عن الميت فترجع الحقوق إليه، كما إذا وكله حال حياته كما في الهداية
ليشمل وصي الميت. قال في الكفاية: أما إذا كان الميت أوصى إليه فظاهر، وأما إذا نصبه فكذلك،
لان القاضي إنما نصبه ليكون قائما مقام الميت لا مقام القاضي. قوله: (فترجع) حذف الفاء. قوله:
(إليه) كما إذا وكله حال حياته. قوله: (لأنه عامل لهم) ومن عمل لغيره عملا ولحقه بسببه ضمان
يرجع به على من يقع له العمل. قوله: (ولو ظهر بعده للميت مال رجل الغريم فيه) أي في المال الذي
ظهر للميت. قوله: (بديته هو الأصح) قال سيدي الوالد: فيه إيجاز مخل يوضحه ما في فتح القدير،
فلو ظهر للميت مال يرجع فيه الغريم بدينه بلا شك، وهل يرجع بما ضمن للمشتري؟ فيه خلاف.

464
قيل نعم. وقال مجد الأئمة السرخكتي (1) لا يأخذ في الصحيح من الجواب، لان الغريم إنما يضمن
من حيث إن العقد وقع له فلم يكن له أن يرجع على غيره. وفي الكافي: الأصح الرجوع لأنه قضى
بذلك وهو مضطر فيه فقد اختلف التصحيح كما سمعت ا ه‍. وقوله بما ضمن للمشتري يفيد أن
الاختلاف في المسألة الأولى (2) لأنه في الثانية (3) إنما ضمن للوصي لا للمشتري، لكن قال في البحر:
وقيل لا يرجع به في الثانية، والأول أصح ا ه‍.
والحاصل: أنه في الأولى اختلف التصحيح في الرجوع، وفي الثانية الأصح عدمه، فتنبه.
ووجدت في نسخة: رجع الغريم فيه بدينه لا بما غرم هو الأصح، وهذه لا غبار عليها، قال الحلبي:
وقيل يرجع بما غرم أيضا وصحح. قوله: (كان الهالك من مالهم) لأنه نائب عنهم في القبض.
مطلب: للقاضي إفراز حصة الموصى له في المكيل والموزون إذا كان غائبا
وقوله: (لما مر) متعلق بقوله: كان الهالك من مالهم والمراد بما مر أن القاضي لا يضمن لأنه
عامل لهم، والأولى ذكرها عند معلومها، وإنما كان الهالك من مالهم لما يأتي في باب الوصي من
قوله: وصح قسمة القاضي وأخذ قسط الموصى له إن غاب الموصى له فلا شئ له إن هلك في يد
القاضي أو أمينه، لكنه قال ثمة: وهذا في المكيل والموزون، لأنه إفراز، وفي غيرها: لا يجوز لأنه
بأدلة كالبيع ومبادلة مال الغير لا يجوز، فكذا القسمة ا ه‍. فلينظر هل فرق بين أن يكون الموصى له
الغائب معينا أو مطلق الفقراء أو يجري القيد فيهما؟ وليحرر. قوله: (أمرك قاض عدل) أي وعالم، كذا
قيده في الملتقى وغيره. مدني. وكذا قيد في الكنز وهو الموافق لما في بعض نسخ المتن، وهو قيد
لا بد منه هنا بمقابلة قوله الآتي: وإن عدلا جاهلا قال في البحر: وما ذكره المصنف قول الماتريدي. وفي
الجامع الصغير لم يقيده بهما: أي العدالة والعلم، ثم رجع محمد فقال: لا يؤخذ بقوله ما لم يعاين
الحجة أو يشهد بذلك مع القاضي عدل، وبه أخذ مشايخنا ا ه‍. وبهذا يظهر لك أن كلام المصنف ملفق
من قولين، لان عدم تقييده بالعدالة والعلم مبني على ما في الجامع الصغير، والتفصيل بعده مبني على
قول الماتريدي، وحينئذ فحيث قيده الشارح بقوله عدل يجب زيادة عالم أيضا ليكون على قول
الماتريدي، ويكون قوله بعد: وقيل يقبل لو عدلا عالما مستدركا، وحقه أن يقول: وقيل يقبل ولو لم
يكن عدلا عالما، وهو ما في الجامع الصغير. كذا أفاده سيدي الوالد رحمه الله تعالى، وسيأتي تتمة
الكلام عليه قريبا إن شاء الله تعالى. قوله: (قضى به) أي بما ذكر، أشار به إلى أن إفراد الضمير
باعتبار المذكور ولا حاجة إليه لان العطف بأو.



(1) قوله: (السرخكتي) بضم السين وسكون الراء وفتح الخاء المعجمة والكاف وفي آخرها التاء المثناة للفوقية نسبة إلى
سرخكت قرية بثغر جسان سمرقند ينسب إليها محمد بن عبد الله بن فاعل ذكره عهد القادر في الطبقات ا ه‍. منه.
(2) أي مسألة بيع القاضي أو أمينه والرجوع فيها بما ضمنه المشتري ا ه‍. منه.
(3) أي مسألة بيع الوصي والرجوع فيها بما ضمنه الوصي ا ه‍. منه.
465
مطلب طاعة أولي الامر واجبة
قوله: (لوجوب طاعة ولي الأمر) بالآية الشريفة، ومن طاعته تصديقه. قال العلامة البيري في
أواخر شرحه على الأشباه والنظائر عند الكلام على شروط الإمامة: ثم إذا وقعت البيعة من أهل الحل
والعقد صار إماما يفترض إطاعته كما في خزانة الأكمل.
وفي شرح الجواهر: تجب إطاعته فيما أباحه الدين وهو ما يعود نفعه إلى العامة، كعمارة دار
الاسلام والمسلمين مما تناوله الكتاب والسنة والاجماع ا ه‍.
وفي النهاية وغيرهما: روي عن أبي يوسف لما قدم بغداد صلى بالناس العيد وكلفه هارون الرشيد
وكبر تكبير ابن عباس رضي الله عنهما. وروي عن محمد هكذا. وتأويله أن هارون أمرهما أن يكبرا
تكبير جده، ففعلا ذلك امتثالا لامره، وقد نصوا في الجهاد على امتثال أمره في غير معصية.
وفي التتارخانية عن المحيط: إذا أمر الأمير أهل العسكر بشئ فعصاه في ذلك واحد فالأمير لا
يؤدبه في أول وهلة، ولكن ينصحه حتى لا يعود إلى مثل ذلك بل يعذره، فإن عصاه بعد ذلك أدبه،
إلا إذا بين في ذلك عذرا فعند ذلك يخلي سبيله، ولكن يحلفه بالله تعالى لقد فعلت هذا بعذر ا ه‍.
وقد أخذ البيري من مجموع هذه النقول أنه لو أمر أهل بلدة بصيام أيام بسبب الغلاء أو الوباء
وجب امتثال أمره، والله تعالى أعلم. وتقدم في العيدين والاستسقاء، وانظر ما قدمه سيدي الوالد في
باب الإمامة من كتاب الصلاة. قوله: (ومنعه محمد) هذا ما رجع إليه بعد الموافقة ح. قوله: (حتى
يعاين الحجة) زاد عليه بعض المشايخ: أو يشهد بذلك مع القاضي عدل، وهو رواية عنده، ومعناه:
أو يشهد القاضي والعدل على شهادة الذين شهدوا بسبب الحد لا على حكم القاضي وإلا كان القاضي
شاهدا على فعل نفسه، واستبعده في فتح القدير بكونه بعيدا في العادة وهو شهادة القاضي عند
الجلاد، والاكتفاء بالواحد على هذه الرواية في حق يثبت بشاهدين، وإن كان في زنا فلا بد من ثلاثة
أخر. كذا ذكره الأسبيجابي. بحر.
مطلب: القضاة إذا تولوا بالرشا أحكامهم باطلة
قوله: (واستحسنوه في زماننا) لان القضاة قد فسدوا فلا يؤمنوا على نفوس الناس ودمائهم
وأموالهم ح. قال في العناية: لا سيما قضاة زماننا، فإن أكثرهم يتولون بالرشا فأحكامهم باطلة ا ه‍.
والتدارك غير ممكن. أقول: هذا في قضاة زمانهم فما بالك في قضاة زماننا، أصلح الله تعالى أحوالنا
جميعا آمين بمنه وكرمه. قوله: (وفي العيون وبه يفتى) قال في البحر: لكن رأيت بعد ذلك في شرح
أدب القضاء للصدر الشهيد أنه صح رجوع محمد إلى قولهما، رواه هشام عنه ا ه‍.
فالحاصل: أن الشيخين قالا بقبول إخبار القاضي عن إقرار الخصم بما لا يصح رجوع المقر عنه
كالقصاص وحد القذف والأموال والطلاق وسائر الحقوق، وإن محمدا وافقهما أولا ثم رجع إلى ما
ذكر عنه من أنه لا يقبل إلا بضم رجل آخر إليه ثم صح رجوعه إلى قولهما. وأما إذا أخبر القاضي
بإقراره عن شئ يصح رجوعه عنه كالحد لم يقبل قوله بالاجماع، وإن أخبر عن ثبوت الحق بالبينة فقال
قامت بذلك وعدلوا وقبلت شهادتهم على ذلك تقبل في الوجهين جميعا، وهذا في القاضي المولى.

466
أما المعزول فلا يقبل ولو شهد معه عدل كما مر عن النهر أوائل القضاء. قوله: (إلا في كتاب القاضي
للضرورة) أي ضرورة إحياء الحق، ولأن الخيانة في مثله قلما تقع، وظاهر الاقتصار على كتاب
القاضي أن القاضي لا يقبل قوله فيما عداه: أي على قول محمد سواء كان قتلا أو قطعا أو ضربا، فلو قال
: قضيت بطلاقها أو بعتقه أو ببيع أو نكاح أو إقرار لم يقبل قوله. وفي التهذيب: ويصدق فيما قال
من التصرف في الأوقاف وأموال الأيتام والغائبين من أداء وقبض. قوله: (وقيل: يقبل لو عدلا عالما)
دخول على المتن قصد به إصلاحه، وذلك أنه إذ أطلق أولا القاضي ولم يقيده بالعدل العالم تبعا للجامع
الصغير وهو ظاهر الرواية، ثم ذكر التفصيل، وهو على قول الماتريدي القائل باشتراط كونه عالما كما
مشى عليه في الكنز كما مر بيانه، وإن أردت زيادة الدراية فارجع إلى الهداية، وحيث كان مراد
الشارح ذلك فكان الصواب أن يحذف قوله: عدل في أول المسألة فإنه من الشرح على ما رأيناه، بل
الأولى حذف هذا القيل لكونه عين ما في المصنف، ثم إن هذا القيل هو قائله أبو منصور، لان عدم
الاعتماد إنما علل بالفساد والغلط وهو منتف في العالم العدل.
وذكر الأسبيجابي أن المسألة مصورة عند الامام في القاضي العالم العدل، لأنه إذا كان غير هذا
لا يولى القضاء ولا يؤتمر بأمره بالاتفاق ا ه‍. فما قاله أبو منصور كشف عن مذهب الامام ا ه‍. قوله:
(وإن عدلا جاهلا إن استفسر فأحسن تفسير الشرائط) بأن يقول في حد الزنا إني أستفسر المقر بالزنا كما
هو المعروف فيه وحكمت عليه بالرجم، ويقول في حد السرقة إنه ثبت عندي بالحجة أنه أخذ نصابا
من حرز لا شبهة فيه، وفي القصاص إنه قتل عمدا بلا شبهة. وإنما يحتاج إلى استفسار الجاهل لأنه
ربما يظن بسبب جهله غير الدليل دليلا. كفاية. قوله: (صدق) أي يجب تصديقه وقبول قوله، ثم
المراد من جهله جهله بوقائع الناس لأنها فرض كفاية، فإنه يسأل المفتي ويحكم بقوله، بخلاف جهله
بما يفترض عليه عينا فإنه يفسق فلا يكون عدلا فيكون من القسم الآتي بيانه. قوله: (فالقضاة أربعة)
لأنه إما عالم أو جاهل، وفي كل إما عدل أو فاسق. قوله: (أي سببا شرعا) للحكم فحينئذ يقبل قوله
لانتفاء التهمة ا ه‍. منح. وإنما أول الحجة بالسبب ليعم الاقرار ط. قوله: (صب دهنا لانسان عند
الشهود) لا حاجة إليه لأنه مقر ط. قوله: (لانكاره الضمان) أي الضمان بالمثل لا بالقيمة وإلا كان
مشكلا، لان المتنجس مال بدليل جواز بيعه فيجزي فيه التملك والتمليك فيكون مالا معصوما. وأيضا
فإن ظاهره أن القول له في عدم الضمان، وليس كذلك بل القول قوله في كونه متنجسا، وأما الضمان
فلا يضمن قيمته متنجسا فلا يكون القول له إلا في أنها متنجسة فيضمن قيمتها متنجسة، كما نقله أبو
السعود عن الشيخ شرف الدين الغزي محشي الأشباه، ويدل له عبارة الخانية قبيل كتاب القاضي من
الأشربة: والقول قوله مع يمينه في إنكاره استهلاك الطاهر، ولا يسع الشهود أن يشهدوا عليه أنه
صب زيتا غير نجس. وتمامه فيها فراجعها.
وفي البزازية: أراق زيت إنسان أو سمنه وقد وقعت فيه فأرة ضمنه، وحينئذ فتعين أن المراد

467
بعدم الضمان ضمان المثلي لأنه المتبادر، وأن المراد بالضمان المثبت ضمان القيمة لأنه بالتنجس صار
قيميا، لقولهم: المثلي ما حصره كيل أو وزن وكان على صفته الأصلية من الطهارة، فإن خرج عنها
بالتنجس صار قيميا كما هو صريح كلام البزازي ثانيا.
وفي فصول العمادي: وإذا أتلف زيت غيره في السوق أو سمنه أو خله أو نحو ذلك وقال
أتلفته لكونه نجسا لأنه ماتت فيه فأرة فالقول قوله، لان الزيت النجس ونحوه قد يباع في السوق،
وإن أتلف لحم قصاب في السوق وقال: أتلفته لكونه ميتة ضمن لان الميتة لا تباع في السوق، فجاز
للشهود أن يشهدوا أنها ذكية كما في الحواشي الحموية. قوله: (وأمر الدم عظيم فلا يهمل) ألا ترى أنه
حكم في المال بالنكول وفي الدم حبس حتى يقرأ ويحلف، واكتفى في المال باليمين الواحدة وبخمسين
يمينا في الدم. قوله: (بخلاف المال) قال في البحر: لو أتلف لحم طواف فطولب بالضمان فقال: كانت
ميتة فأتلفتها لا يصدق، وللشهود أن يشهدوا أنه لحم ذكي بحكم الحال. وقال القاضي: لا يضمن،
فاعترض عليه بمسألة كتاب الاستحسان المتقدمة، وهي لو قتل رجلا الخ فأجاب عنه بما نقله الشارح
عن إقرار البزازية. قوله: (صدق قاض) وكذا لا ضمان على القاطع والآخذ لو أقر بما أقر به القاضي
ووجه عدم الضمان على القاضي أنهما لما توافقا أنه فعل ذلك في قضائه كان الظاهر شاهدا له، إذ
القاضي لا يقضي بالجور ظاهرا ولا يمين عليه لأنه ثبت فعله في قضائه بالتصادق، ولا يمين على
القاضي كما في البحر. قوله: (كذا لو زعم) أي المقضي عليه، لكن لو أقر القاطع والآخذ في هذا
بما أقر به القاضي يضمنان لأنهما أقرا بسبب الضمان، وقول القاضي مقبول في دفع الضمان عن نفسه
لا في إبطال سبب الضمان عن غيره بخلاف الأول لأنه ثبت فعله في قضائه بالتصادق: أي فيدفع
قول القاضي الضمان عن نفسه وعن غيره، ولو كان المال في يد الآخذ قائما وقد أقر بما أقر به
القاضي والمأخوذ منه المال صدق القاضي في أنه فعله في قضائه، أو لا يؤخذ منه لأنه أقر أن اليد
كانت له فلا يصدق في دعوى التملك إلا بحجة، وقول المعزول ليس بحجة فيه. بحر. قوله: (لأنه
أسند) أي القاضي.
مطلب: واقعة الفتوى
قوله: (إلى حالة معهودة) فصار كما إذا قال طلقت أو أعتقت وأنا مجنون وجنونه معهود ومثله
المدهوش وهي واقعة الفتوى للخير الرملي، فإذا كانت الدهشة معهودة منه يقبل قوله، وإذا لم تكن
معهودة لا يقبل قوله إلا ببينة، ولو أقر القاطع والآخذ في هذا الفصل بما أقر به القاضي يضمنان
لأنهما أقرا بسبب الضمان، وقول القاضي مقبول في دفع الضمان عن نفسه لا في إبطال سبب

468
الضمان عن غيره، بخلاف الفصل الأول لأنه ثبت فعله في قضائه بالتصادق.
مطلب: الأصل أن المقر إذا أسند إقراره إلى حالة منافية للضمان من كل وجه
فإنه لا يلزمه شئ
وجعل بعضهم هذا أصلا فقال: الأصل أن المقر إذا أسند إقراره إلى حالة منافية للضمان من كل
وجه فإنه لا يلزمه ضمان ما ذكر.
ومنها: لو قال العبد لغيره بعد العتق قطعت يدك وأنا عبد فقال المقر له بل قطعتها وأنت حر
فالقول للعبد.
ومنها: لو قال المولى لعبد قد أعتقه أخذت منك غلة كل شهر خمسة دراهم وأنت عبد فقال
المعتق أخذتها بعد العتق كان القول للمولى.
ومنها: الوكيل بالبيع إذا قال بعت وسلمت قبل العزل وقال الموكل بعد العزل فالقول للوكيل إن
كان المبيع مستهلكا، وإن كان قائما فالقول للموكل لأنه أخبر عما لا يملك الانشاء. وكذا في مسألة
الغلة لا يصدق في الغلة القائمة لأنه أقر بالأخذ وبالإضافة يدعي عليه التمليك.
ومنها: لو قال الوصي بعد ما بلغ اليتيم أنفقت عليك كذا وكذا من المال وأنكر اليتيم كان القول
للوصي لكونه أسند إلى حالة منافية للضمان.
وأورد في النهاية على هذا الأصل ما إذا أعتق أمته ثم قال لهما قطعت يدك وأنت أمتي فقالت
هي قطعتها وأنا حرة فالقول لها، وكذا في كل شئ أخذه منها عند أبي حنيفة وأبي يوسف مع أنه
منكر للضمان بإسناد الفعل إلى حالة منافية للضمان، فأجاب بالفرق من حيث إن المولى أقر بأخذ مالها
ثم ادعى التمليك لنفسه فيصدق في إقراره ولا يصدق في دعواه التمليك، وكذا لو قال لرجل أكلت
طعامك بإذنك فأنكر الاذن يضمن المقر. وذكر الشارح: أي الزيلعي أن هذا الفرق غير مخلص، وهو
كما قال كما في البحر: أي لعدم جريانه في صورة النزاع في أخذ غلة العبد وقطع يد الأمة كما لا
يخفى كما في الحواشي السعدية. ثم قال في البحر وقد خرج هذا الفرع ونحوه بما زدناه على القاعدة
من قولنا من كل وجه، لان كونها أمة له لا ينفي الضمان عنه من كل وجه لأنه يضمن من قولنا من كل وجه، لان كونها أمة له لا ينفي الضمان عنه من كل وجه لأنه يضمن فيما لو كانت
مرهونة أو مأذونة مديونة فلم يرد. وأصل المسألة في المجمع من الاقرار.
مطلب: السلطان إذا عزل قاضيا لا ينعزل ما لم يبلغه الخبر
تتمة: السلطان إذا عزل قاضيا لا ينعزل ما لم يصل إليه الخبر، حتى لو قضى بقضايا بعد العزل
قبل وصول الخبر إليه جاز قضاؤه. وعن أبي يوسف أنه لا ينعزل وإن علم بعزله ما لم يقلد غيره مكانه
ويصل صيانة لحقوق الناس، ولو مات رجل ولا يعلم له وارث فباع القاضي داره يجوز، ولو ظهر
وارث بعد ذلك فالبيع ماض ولا ينقض.
رجل له على رجل ألف درهم جياد، فقضاه زيوفا وقال أنفقها، فإن لم ترج فردها ففعل فلم
ترج، قال أبو يوسف: له أن يردها عليه استحسانا، لان ما قبض من الدراهم ليس هو عين حقه بل
هو مثل حقه، وإنما يصير حقا له إذا رضي به، فإذا لم يرض به لم يصر حقا له فيكون القابض متصرفا

469
في ملك الدافع بأمره فلا يبطل حق القابض، وهذا بخلاف ما لو اشترى شيئا فوجده معيبا فأراد أن
يرده فقال له البائع بعه فإن لم يبع رده علي، فعرضه على البيع فلم يشتره أحد لم يرده، وذلك لان
المقبوض عين حقه إلا أنه معيب، فلم يكن قول البائع بعد إذنا له بالتصرف في ملك البائع فكان
متصرفا في ملك نفسه فيبطل حقه في الرد.
مطلب: إذا قال المقر لسامع إقراره لا تشهد له أن يشهد
بخلاف ما إذا قال له المقر له لا تشهد فلا يشهد عليه
إذا قال المقر لسامع إقراره لا تشهد علي وسعه أن يشهد عليه، لا إذا قال المقر له لا تشهد عليه
بما أقر به لا يسعه أن يشهد، فلو رجع المقر له وقال إنما نهيتك لعذر وطلب منه الشهادة فقولان.
أشباه. قوله: (منافيه للضمان) أي من كل وجه كما زاده في البحر وتقدم الكلام عليه آنفا. قوله:
(كونهما) أي الواقعتين.
مطلب: في أخذ القاضي العشر من مال الأيتام والأوقاف
قوله: (نقل في الأشباه) وعبارتها: قال في بسط الأنوار للشافعية من كتاب القضاء ما لفظه:
وذكر جماعة من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة: إذا لم يكن للقاضي شئ من بيت المال فله أخذ عشر ما
يتولى من مال الأيتام والأوقاف ثم بالغ في الانكار ا ه‍. ولم أر هذا لأصحابنا ا ه‍. وما أحببت نقل
الشارح العبارة على هذا الوجه لئلا يظن بعض المتهورين صحة هذا لنقل مع أن الناقل بالغ في إنكاره
كما ترى. كيف وقد اختلفوا عندنا في أخذه مبيت المال، فما ظنك في اليتامى. والأوقاف.
قال الشيخ خير الدين الرملي في حاشيته على الأشباه ما نصه: قوله ثم بالغ في الانكار. أقول:
يعني على الجماعتين، والمبالغة في الانكار واضحه الاعتبار، لأنه لو تولى على عشرين ألفا مثلا ولم
يلحقه فيها من المشقة شئ بماذا يستحق عشرها وهو مال اليتيم وفي حرمته جاءت القواطع؟ فما هو
إلا بهتان على الشرع الساطع، وظلمة غطت على بصائرهم، فنعوذ بالله من غضبه الواقع، ولا حول
ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ا ه‍.
مطلب: إذا كان للقاضي عمل في مال الأيتام له العشر
قال الحموي: لا وجه للمبالغة في الانكار لجواز أن يكون ذلك مقيدا بما إذا كان له عمل،
وأقله حفظ المال إلى أوان بلوغ القاصر ا ه‍.
مطلب: المراد بالعشر أجر المثل ولو زاد يرد الزائد
قال بيري زاده في حاشيتها: والصواب أن المراد من العشر أجر مثل عمله، حتى لو زاد رد
الزائد ا ه‍. مدني. قوله: (للمتولي العشر في مسألة الطاحونة) أي إذا كان له عمل. قال ط: هذه
المسألة لا محل لذكرها هنا على أنها غير محررة.

470
مطلب: لا يستوجب الاجر إلا بطريق العمل
وفي الأشباه وعبارة الخانية: رجل وقف ضيعة على مواليه فمات الواقف وجعل القاضي
الوقف في يد القيم وجعل للقيم عشر الغلات وفي الوقف طاحونة في يد رجل بالمقاطعة لا حاجة فيها
إلى القيم وأصحاب هذه الطاحونة يقبضون غلتها لا يجب للقيم عشر الغلة من هذه الطاحونة، لان
القيم ما يأخذ إلا بطريق الاجر فلا يستوجب الاجر إلا بطريق العمل ا ه‍.
وفي تلخيص الكبرى: قاض نصب قيما على غلات مسجد وجعل له شيئا معلوما يأخذه كل
سنة حل له العشرة لو كان أجر مثله ا ه‍. وقدم سيدي الكلام على ذلك في كتاب الوقف فراجعه.
وقال في فصل: يراعى شرط الواقف بعد كلام.
ثم رأيت في إجابة السائل: ومعنى قول الولوالجية بعد أن جعل القاضي للقيم عشر غلة
الوقف: أي التي هي أجر مثله، لا ما توهمه أرباب الاغراض الفاسدة الخ ا ه‍.
مطلب: للناظر ما عينه له الواقف وإن زاد على أجر مثله
قلت: وهذا فيمن لم يشترط له الواقف شيئا. وأما الناظر بشرط الواقف فله ما عينه له الواقف
ولو أكثر من أجر المثل كما في البحر، ولو عين له أقل فللقاضي أن يكمل له أجر المثل بطلبه كما بحثه
في أنفع الوسائل ا ه‍. وتمامه ثمة. قوله: (قلت لكن الخ) لا وجه لهذا الاستدراك لما علمت من أن ما
نقله عن الأشباه هو قول لبعض الشافعية فكيف يستدرك عليه بعبارة البزازية التي هي مذهب الحنفية.
قوله: (لا يحل لهما أخذ الأجر به) أي بسببه. قوله: (كإنكاح صغيرة) قال في الخلاصة يحل للقاضي
أخذ أجرة على كتبه السجلات وغيره بقدر أجرة المثل هو المختار، ولا يحل أخذ شئ على نكاح
الصغار، وفي غيره يحل، ولا يحل أخذ الأجرة على إجازة بيع مال اليتيم، ولو أخذ لا ينفذ البيع ط
عن الحموي. قوله: (وكجواب المفتي بالقول) لان أخذ الأجرة على بيان الحكم الشرعي لا يحل عندنا،
وأما الهدية له فقد تقدم الكلام عليها في كتاب القضاء، فراجعه.
مطلب: للقاضي والمفتي أخذ أجر مثل الكتابة إذا كلفا إليها
قوله: (أما بالكتابة فيجوز لهما على قدر كتبهما) لان الكتابة لا تلزمهما: أي لو كلفا للكتابة
فيجوز لهما أخذ أجر مثلهما ولا يجوز لهما الزيادة عليه، وإذا كان لا يجوز لهما قبول الهدية ولا
الدعوة الخاصة لأنهما في معنى الرشوة وهي من أقبح قبائح القضاة والمفتين فكيف يجوز لهما أن يأخذ
زائدا على أجر مثلهما: أي على مقدار ما يستحق كل منها من الأجرة على مثل تلك الخطوط اللهم
ألهمنا الصواب وجنبنا الخطأ آمين.
مطلب: لو سئل المفتي عما يتعسر أو يتعذر جوابه باللسان هل يجب عليه بالكتابة؟
قال العلامة الرملي: ومما يتعلق بذلك مسألة سئلت عنها: لو سئل المفتي عما لا يمكنه أو عما
يعسر عليه جوابه باللسان ولا يعسر عليه بالكتابة، كمسائل المناسخات التي يدق كسورها جدا ولا
تثبت في حفظ السائل، هل يفرض عليه الكتابة مع تيسرها أو لا؟ ولم أر من صرح بالحكم، لكن
النظر الفقهي يقتضي وجوبها عليه حيث تعسر أو تعذر باللسان، ويكون الجواب بالكتابة نائبا عن

471
الجواب باللسان ليخرج عن عهدة الواجب عليه من الجواب باللسان، فيكتب المفتي ما يتعذر عليه أو
يتعسر النطق بلا كتابة حيث تيسرت له آلة الكتابة لأجل القيام بالواجب فيقرأ على السائل فيخرج من
العهدة. مطلب: ليس على المفتي دفع الرقعة، وليس عليه أن يفهم السائل ما يصعب
ولا يؤاخذ المفتي بسوء حفظ السائل
ولا يجب عليه دفع الرقعة له، ولا أن يفهمه ما يشق ويحفظه ما يصعب عليه، بل كل ذلك
خارج عن التكليف، ولا يؤاخذ المفتي بسوء حفظ السائل وقلة فهمه.
مطلب: على المفتي الجواب بأي طريق كان ولو بالكتابة إذا تيسرت له
والحاصل: أن على المفتي الجواب بأي طريق يتوصل به إليه، وكل ما لا يتوصل إلى الفرض إلا
به فهو فرض.
مطلب: إذا سئل المفتي عما يتعسر أو يتعذر باللسان ويتيسر بالكتابة
لا يجب عليه بذل آلتها
وحيث كان في وسع المفتي الجواب بالكتابة لا باللسان وجب عليه الجواب بها حيث تيسرت إليه
بلا مشقة عليه بأن أحضرها له السائل، ولا يلزم المفتي بذلها من عنده له، ومقتضى القياس وجوب
تحصيلها على المفتي كماء الوضوء ليحصل به ما هو المفروض عليه، وهذا كله إذا تعين عليه الافتاء ولم
يكن في البلدة من يقوم مقامه في ذلك، والافتاء طاعة والطاعة بحسب الاستطاعة، فما يراعى في
غيره من الطاعات يراعى فيه فرضا ووجوبا واستحبابا وندبا، فليتأمل فيه ا ه‍. ومثله في الحواشي
الحموية.
مطلب: الاجر مقدر بقدر المشقة
قوله: (وتمامه في شرح الوهبانية) قال فيه: والأصح أنه: أي الاجر بقدر المشقة، وقد تزيد
مشقة الوثيقة في أجناس مختلفة بمائة على مشقة ألف ألف في النقود ونحوها.
مطلب: ما قيل في كل ألف خمسة دراهم لا يعول عليه
قلت في العمادية عن الملتقط: وما قيل في كل ألف خمسة دراهم لا يعول عليه ولا يليق ذلك
بفقه أصحابنا رحمه الله تعالى، وأي مشقة للكاتب في كثرة الثمن، وإنما له أجر مثله بقدر مشقته
وبقدر صنعته وعمله كما يستأجر الحكاك بأجرة كثيرة في مشقة قليلة.
مطلب: يجب الاجر بقدر العناء والتعب
وفي شرح التمرتاشي عن النصاب: يجب بقدر العناء والتعب، وهذا أشبه بأصول أصحابنا.
مطلب: الصحيح أنه يرجع في الأجرة إلى مقدار طول الكتاب وقصره الخ
وفي كتب السجلات: الصحيح أنه يرجع في الأجرة إلى مقدار طول الكتاب وقصره وصعوبته
وسهولته ا ه‍. قوله: (وفيها الخ) يوهم أن هذه الأبيات المذكورة من الوهبانية وليس كذلك، بل هي

472
من كلام ابن الشحنة كما أفصح به بقوله: لكميل: قال العلامة عبد البر: هل يستحق القاضي الاجر
أم لا؟ قال الزاهدي في شرحه للقدوري: لا يستحق الاجر، وإنما يستحقه إذا لم يكن له في بيت المال
شئ.
مطلب: إذا تولى القاضي قسمة التركة لا يستحق الاجر وإن لم تكن له مؤنة في بيت المال
وفي القنية عن ظهير الدين المرغيناني وشرف الأئمة المكي القاضي: إذا تولى قسمة التركة لا أجر
له وإن لم تكن له مؤنة في بيت المال. ثم رقم للمحيط وشرح بكر خواهر زاده وقال له: لا حمرة إذا لم
تكن له مؤنة في بيت المال، لكن المستحب: أي لا يأخذ. قال البديع: ما أجاب به الظهير والشرف
حسن في هذا الزمن لفساد القضاة، إذ لو أطلق لهم لا يقنعون بأجر المثل فأحببت إلحاقه، فقلت:
وذكر البيتين الأولين ثم ذكر البيت الأخير بعد كلام يتعلق بالمفتي. قوله: (وإن كان قاسما) أي
للتركات مثلا. قوله: (فالقول الأول) بوصل همزة الأول. قوله: (إذ ليس) أي المفتي قوله (في الكتب)
أي في الكتابة. قوله: (يحصر) أي يلزم ويجب عليه.
مطلب: لا بأس للمفتي أن يأخذ شيئا من كتابه جواب الفتوى
وفي ذلك الشرح عن جلال الدين أبي المحامد قالوا: لا بأس للمفتي أن يأخذ شيئا من كتابه
جواب الفتوى.
مطلب: الواجب على المفتي الجواب باللسان لا بالبنان
وذلك لان الجواب على المفتي الجواب اللسان دون الكتابة بالبنان، ومع هذا الكف عن ذلك
أولى. قوله: (على قدره) أي قدر الخط: أي والعناء، وقد سبق ما فيه من أن الكف أولى احترازا عن
القيل والقال، وصيانة لماء الوجه عن الابتذال ا ه‍. والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.

473
كتاب الشهادات
جمعها وإن كانت في الأصل مصدرا باعتبار أنواعها فإنها تكون في حد الزنا وغيره. قوله:
(أخرها عن القضاء) وإن كان المتبادر تقديمها عليه، لان القضاء موقوف عليها إذا كان ثبوت الحق بها.
وفي الحموي: أخرها لان القاضي يحتاج إليها عند الانكار فكان ذلك من تتمة حكمه، ولأن الشهادة
إنما تقبل في مجلس القضاء ولا تكون ملزمة بدون القضاء ا ه‍. قوله: (هي لغة) الضمير عائد للشهادة
المفهومة من الشهادات. قوله: (خبر قاطع) تقول منه شهد الرجل على كذا، وربما قالوا: شهد الرجل
بسكون الهاء للتخفيف، وقولهم: أشهد بكذا: أي أحلف، والمشاهدة: المعاينة، وشهده شهودا: أي
حضره، وقوم شهود: أي حضور. وهو في الأصل مصدر. وشهد أيضا مثل راكع وركع، وشهد له
بكذا شهادة: أي أدى ما عنده فهو شاهد، والجمع شهد كصاحب وصحب وسافر وسفر، وبعضهم
ينكره، وجمع الشهد شهود وأشهاد، والشهيد: الشاهد والجمع الشهداء. قوله: (أخبار صدق)
فالاخبار كالجنس، قوله: صدق: يخرج الاخبار الكاذبة: وصدق الخبر: مطابقته للواقع. قوله:
لاثبات حق يخرج قول القائل في مجلس القضاء أشهد بكذا لبعض العرفيات. قال في البحر: هي
أخبار عن مشاهدة وعيان لا عن تخمين وحسبان: أي الشهادة شرعا، وصرح الشارح بأن هذا معناها
اللغوي وهو خلاف الظاهر، وإنما هو معناها الشرعي أيضا كما أفاده في إيضاح الاصلاح.
والمشاهدة: المعاينة كما تقدم. والعيان: المعاينة. والتخمين: الحدس، وهو الظن، والحسبان بالكسر:
الظن.
وأورد على هذا التعريف الشهادة بالتسامع فإنها لم تكن مشاهدة. وأجاب في الايضاح بأن
جوازها إنما هو الاستحسان، والتعريفات الشرعية إنما تكون على وفق القياس ولكونها أخبارا عن
معاينة. قال في الخانية: إذا قرئ عليه صك ولم يفهم ما فيه لا يجوز له أن يشهد بما فيه.
مطلب: لا تحل الشهادة بسماع صوت المرأة من غير رؤية شخصها
وإن عرف بها اثنان
وفي الملتقط إذا سمع صوت المرأة ولم ير شخصها فشهد اثنان عنده أنها فلانة لا يحل له أن
يشهد عليها، وإن رأى شخصها وأقرت عنده فشهد اثنان أنها فلانة حل له أن يشهد عليها ا ه‍: أي
ويصح التعريف ولو من زوجها وابنها وممن لا يصح شاهدا لها، سواء كانت الشهادة لها أو عليها كما
في التنقيح لسيدي الوالد. قوله: (مجاز) من حيث المشابهة الصورية: أي مجاز مرسل وعلاقته الضدية
لان الزور إخبار بكذب. قوله: (كإطلاق اليمين على الغموس) فإن حقيقة اليمين عقد يتقوى به عزم
الحالف على الفعل أو الترك في المستقبل. والغموس: الحلف على ماض كذبا عمدا. قوله: (بلفظ
الشهادة) فلا يجزئ التعبير بالعلم ولا باليقين فيتعين لفظها كما يأتي. قوله: (في مجلس القاضي) خرج
به إخباره في غير مجلسه فلا يعتبر، وإنما قيد بالقاضي وإن كان المحكم كذلك لان المحكم لا يتقيد

474
حكمه بمجلس بل كل مجلس حكم فيه كان مجلس حكمه. حموي: أي بخلاف القاضي فإنه يتقيد
بمجلس حكمه المعين من الامام وبمحل ولايته ط. قوله: (كما في عتق الأمة) وطلاق الزوجة فليست
الدعوى شرط صحتها مطلقا بل كل شهادة حسبة كذلك. قال في البحر: ولم يقولوا بعد دعوى
لتخلفها عنها في عتق الأمة وطلاق الزوجة فلم تكن الدعوى شرطا لصحتها مطلقا، وقول
بعضهم: إنها إخبار بحق الغير على الغير، بخلاف الاقرار فإنه إخبار بحق على نفسه للغير، والدعوى
فإنها إخبار بحق لنفسه على الغير غير صحيح لعدم شموله لما إذا أخبر بما يوجب الفرقة من قبلها قبل
الدخول فإنه شهادة ولم يوجد فيها ذلك المعنى كما أشار إليه في إيضاح الاصلاح، وكأنه لاحظ أنه لم
يخبر بحق للغير لان ذلك موجب لسقوط المهر (1). وجوابه: أن سقوطه عن الزوج عائدا إلى أنه له فهو
كالشهادة بالابراء عن الدين فإنه إخبار بحق للمديون وهو السقوط عنه، فكذا هنا. وجعل الاخبار
أربعة، والرابع إنكار، وعزاه إلى شرح الطحاوي ا ه‍. قوله: (طلب ذي الحق) يشمل الحق تعالى في
شهادة الحسبة فإنه مطالب فيها بالأداء شرعا والآدميين في حقوقهم، فيحرم كتمانها لقوله تعالى: * (ولا
تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) * (البقرة: 382) فهو نهي عن الكتمان فيكون أمرا بضده حيث
كان له ضد واحد، وهو آكد من الامر بأدائها، ولذا أسند الاثم إلى رئيس الأعضاء وهو الآلة التي وقع
بها أداؤها لما عرف أن إسناد الفعل إلى محله أقوى من الاسناد إلى كله. واستدل في الهداية بهذه الآية
على فرضيتها مع احتمال أن يراد نهي المدينين عن كتمانها كما احتمل أن يراد نهي الشهود.
قال القاضي: * (ولا تكتموا الشهادة) * (البقرة: 382) أيها الشهود أو المدينون، والشهادة شهادتهم
على أنفسهم، فعلى الثاني المراد النهي عن كتمان الاقرار بالدين، فالأولى الاستدلال على فرضيتها
بالاجماع، واحتمل أن الضمير في قول المؤلف تلزم عائد إلى الشهادة بمعنى تحملها لا بمعنى أدائها،
فإن تحملها عند الطلب والتعين فرض (2) وأما عند عدم التعين ففرض كفاية كما في البحر. قوله: (بأن
لم يعلم بها ذو الحق) أي بشهادته. قوله: (وخاف) أي الشاهد، فلا يجب عليه الشهادة بلا طلب في
حق آدمي إلا إذا لم يعلم بشهادته ذو الحق وخاف الشاهد إن لم يشهد ضاع حق المدعي فيجب عليه
حينئذ إعلام المدعي بما يشهد، فإن طلب وجب عليه أن يشهد، وإلا لا، إذ يحتمل أنه ترك حقه كما
أفاده العلامة المقدسي. قوله: (شرائط مكانها واحد وهو مجلس القضاء) وهو من شروط الأداء كما في
البحر. والأولى أن يقول شرط مكانها ولعله إنما جمعه مع أنه واحد وهو مجلس القاضي للازدواج،
أي التناسب بقوله: وشرائط التحمل. قوله: (العقل الكامل) المراد ما يشمل التمييز بدليل ما سيأتي في
الباب الآتي، فلا يصح تحملها من مجنون وصبي لا يعقل. قوله: (وقت التحمل) قال الطحطاوي: لا



(1) قال المقدسي: وما أورد من الشهادة على امرأة بما يوجب فرقة قبل الدخول وليس لاثبات حق فجوابه أن سقوط
المهر من الزوج حق له كشهادة بإبراء من دين يثبت به حق المديون: أي سقوطه عنه انتهى.
(2) قوله: (فرض) كذا بالأصل، ولعله فرض عين بدليل مقابلة ا ه‍. مصححة.
475
حاجة إليه. قوله: (والبصر) فلا يصح تحملها من أعمى. ولا يشترط للتحمل البلوغ والحرية والاسلام
والعدالة، حتى لو كان وقت التحمل صبيا عاقلا أو عبدا أو كافرا أو فاسقا ثم بلغ الصبي وعتق العبد
وأسلم الكافر وتاب الفاسق فشهدوا عند القاضي تقبل. بحر.
أقول: ولا ينافيه ما نقله بعد عن الخانية: صبي احتلم لا أقبل شهادته ما لم أسأل عنه، ولا بد
أن يتأتى بعد البلوغ بقدر ما يقع في قلوب أهل مسجده ومحلته أنه صالح أو غيره ا ه‍. فإن ذلك
للتزكية فقط لا لرد شهادته. تأمل. قوله: (ومعاينة المشهود به) قال في البزازية: شهد أن فلانا ترك
هذه الدار ميراثا ولم يدركا الميت فشهادتهما باطلة لأنهما شهدا بملك لم يعاينا سببه، وسيصرح بها
الشارح في شهادة الإرث. قوله: (إلا فيما يثبت بالتسامع) كالشهادة بالموت والنسب والنكاح والوقت
كما يأتي. قوله: (عشرة عامة) أي في جميع أنواع الشهادة، أما العامة فهي الحرية والبصر والنطق
والعدالة، لكن هي شرط وجوب القبول على القاضي لا شرط جوازه، وأن لا يكون محدودا في
قذف، وأن لا يجر الشاهد إلى نفسه مغنما ولا يدفع عن نفسه مغرما، فلا تقبل شهادة الفرع لاصله
وعكسه وأحد الزوجين للآخر، وأن لا يكون خصما فلا تقبل شهادة الوصي لليتيم والوكيل لموكله،
وأن يكون عالما بالمشهود به وقت الأداء ذاكرا له، ولا يجوز اعتماده على خطه، خلافا لهما فإنهما
يقولان: إذا لم يكن للشاهد شبهة في الخط يشهد وإن كان في يد الخصم، وعليه الفتوى. اختيار.
وأما ما يخص بعضها دون بعض: فالاسلام إن كان المشهود عليه مسلما، والذكورة في الشهادة
في الحد والقصاص وتقدم الدعوى فيما كان من حقوق العباد وموافقتها للدعوى، فإن خالفتها لم تقبل
إلا إذا وفق المدعي عند إمكانه وقيام الرائحة في الشهادة على شرب الخمر ولم يكن سكران لا لبعد
مسافة (1)، والأصالة في الشهادة في الحدود والقصاص، وتعذر حضور الأصل في الشهادة على
الشهادة. كذا في البحر.
لكنه ذكر أولا أن شرائط الشهادة نوعان: ما هو شرط تحملها، وما هو شرط أدائها. فالأول
ثلاثة وقد ذكرها الشارح، والثاني أربعة أنواع: ما يرجع إلى الشاهد، وما يرجع
للشهادة، وما يرجع إلى مكانها، وما يرجع إلى المشهود به. وذكر أن ما يرجع إلى الشاهد السبعة عشر العامة والخاصة، وما
يرجع إلى الشهادة ثلاثة: لفظ الشهادة، والعدد في الشهادة بما يطلع عليه الرجل، واتفاق الشاهدين،
وما يرجع إلى مكانها واحد وهو مجلس القضاء، وما يرجع إلى المشهود به علم من السبعة الخاصة.
ثم قال: فالحاصل أن شرائطها إحدى وعشرون، فشرائط التحمل ثلاثة، وشرائط الأداء سبعة
عشر: منها عشر شرائط عامة، ومنها سبع شرائط خاصة. وشرائط نفس الشهادة ثلاثة، وشرائط
مكانها واحد ا ه‍. ومقتضاه أن شرائط الأداء نوعان لا أربعة كما ذكر أولا. والصواب أن يقول: إنها
أربعة وعشرون: ثلاثة منها شرائط التحمل، وإحدى وعشرون شرائط الأداء منها سبعة عشر: شرائط
الشاهد وهي عشرة عامة وسبعة خاصة، ومنها ثلاث شرائط لنفس الشهادة، ومنها واحد شرط



(1) قوله: (ولم يكن سكران لا لبعد مسافة) هكذا بالأصل وليتأمل اه‍. مصححه.
476
مكانها، وبهذا يظهر لك ما في كلام الشارح أيضا. قوله: (منها) أي العامة الضبط: أي ضبط الشاهد
المشهود عليه، بأن يكون غيرك، وأن يكون ذاكرا. قوله: (والولاية) أي تكون ولاية للشاهد على
المشهود عليه، بأن يكون من أهل دينه أو ممن دينه حق حرا بالغا، فلذا فرع عليه بقوله فيشترط
الاسلام الخ. قوله: (لو المدعى عليه مسلما) أما لو كان كافرا فتقبل شهادة المسلم والكافر عليه.
قوله: (والقدرة على التمييز) الأولى حذف القدرة لان الشرط التمييز بالفعل. قوله: (بالسمع) هذا زائد
على الشروط المذكورة. قوله: (ومن الشرائط) أي المتقدمة: أي العامة. قوله: (عدم قرابة ولاد) فلا
تقبل شهادة الأصل لفرعه كعكسه. قوله: (عدم قرابة ولاد) فلا تقبل شهادة الأصل لفرعه كعكسه. قوله: (أو زوجية) أي: وعدم الزوجية فلا تقبل شهادة أحد
الزوجين للآخر. قوله: (أو عداوة دنيوية) أي وعدم عداوة دنيوية، أما الدينية فلا تمنع الشهادة. قوله:
(لفظ أشهد) بلفظ المضارع، فلو قال شهدت لا يجوز، لان الماضي موضوع للاخبار عما وقع فيكون
غير مخبر في الحال س. قوله: (لا غير) أي لا غيره من الألفاظ كأعلم وأتحقق وأتيقن. قوله:
(لتضمنه) أي باعتبار الاشتقاق معنى مشاهدة وهي الاطلاع على الشئ عيانا. سيدي. قال ط: دخل
في ذلك الشهادة بالتسامع فإنها عن مشاهدة حكما أو أنها خارجة عن القياس اه‍. وقدمنا بيانه كافيا.
قوله: (وقسم) لأنه قد استعمل في القسم نحو أشهد بالله لقد كان كذا: أي أقسم، وقد مر في
الايمان. قوله: (وإخبار للحال) بخلاف لفظ الماضي فإنه موضوع للاخبار عما وقع كما قدمنا. قوله:
(فكأنه يقول أقسم بالله) هذا راجع إلى قوله وقسم. قوله: (لقد اطلعت على ذلك) هذا راجع إلى قوله
لتضمنه معنى مشاهدة. قوله: (وأنا أخبر به) هذا راجع إلى قوله وإخبار للحال. والحاصل أن في
كلامه نشرا على غير ترتيب اللف قوله (فتعين) فلذا اقتصر عليه احتياطا واتباعا للمأثور، ولا يخلو عن
معنى التعبد إذ لم ينقل غيره بحر. قوله: (حتى لو زاد فيما أعلم بطل للشك) لأنه يشترط أن لا يأتي
بما يدل على الشك بعد، فلو قال أشهد بكذا فيما أعلم لم تقبل كما لو قال في ظني، بخلاف ما لو
قال أشهد بكذا قد علمت، ولو قال لا حق لي قبل فلان فيما أعلم لا يصح الابراء، ولو قال لفلان
علي ألف درهم فيما أعلم لا يصح الاقرار، ولو قال المعدل هو عدل فيما أعلم لا يكون تعديلا،
بحر.
فرع: قال المقدسي: ولا بد من علمه بما يشهد به. وفي النوازل: شهد أن المتوفى أخذ من هذا
المدعى منديلا فيه دراهم ولم يعلما كم وزنها تجوز شهادتهما. وله لهما أن يشهدا بالمقدار؟ وقال: إن
كانوا وقفوا على تلك الصرة وفهموا أنها دراهم وحرروا فيما يقع عليه يقينهم من مقدارها شهدوا
بذلك. وينبغي أن يعتبرا جودتها فقد تكون ستوقة، فإذا فعلوا ذلك جازت شهادتهم اه‍.
وفي خزانة الأكمل: بيده درهما كبير وصغير فأقر بأحدهما لرجل فشهدا أنه أقر بأحدهما ولا

477
يدري بأيهما أقر يؤمر بتسليم الصغير اه‍. قوله: (وحكمها) أي صفتها لما تقدم في أول كتاب القضاء
أن من معاني الحكم الأثر الثابت بالخطاب كالوجوب والحرمة فيكون المعنى هنا وصفتها. قوله:
(وجوب الحكم) أي القضاء. قوله: (بموجبها) بفتح الجيم: أي بما تعلق بها، إذ الموجب عبارة عن
المعنى المتعلق بما أضيف إليه في ظن القاضي، فالذي أضيف إليه الموجب الشهادة، والمعنى المتعلق بها
إلزام الخصم بالمشهود به. قوله: (بعد التزكية) اشتراط التزكية قولهما، وهو المفتى به. ط عن
الشرنبلالية. قوله: (افتراضه) أي القضاء. قوله: (إلا في ثلاث قدمناها) أي قبيل باب التحكيم، وهي
رجاء الصلح بين الأقارب، وإذا استمهل المدعي وخوف ريبة عند القاضي. قوله: (بعد وجود
شرائطها) أي المتقدمة. قوله: (إن لم ير الوجوب) نقله في أول قضاء البحر عن شرح الكنز لباكير.
قوله: (ابن ملك) في شرح المجمع في مبحث القضاء بشهادة الزور. قوله: (وأطلق الكافيجي كفره)
في سألته (سيف القضاة على البغاة) حيث قال: حتى لو أخر الحكم بلا عذر عمدا قالوا إنه يكفر. كذا
في المنح. قوله: (واستظهر المصنف الأول) لما تقدم في باب الردة من الاعتماد على عدم تكفير المسلم
ولو بالرواية الضعيفة. قوله: (ويجب أداؤها) أي عينا. قوله: (بالطلب) أي طلب المدعي. قوله: (ولو
حكما كما مر) أي من أنه لو خاف فوت الحق والطالب لا يعلم بها لزمه أن يشهد بلا طلب. قال في
البحر: وإنما قلنا أو حكما ليدخل من عنده شهادة لا يعلم بها صاحب الحق وخاف فوت الحق فإنه
يجب عليه أن يشهد بلا طلب كما في فتح القدير لكونه طالبا لأدائه حكما اه‍. لكن نظر فيه المقدسي
بأن الواجب في هذا إعلام المدعي بما يشهد، فإن طلب وجب عليه أن يشهد وإلا لا، إذ يحتمل أنه
ترك حقه كما قدمنا. قوله: (بشروط سبعة) ذكر منها خمسة، منها أن يتعين عليه الأداء وهو المشار إليه
بقوله إن لم يوجد بدله، فإن لم يتعين بأن كانوا جماعة فأدى غيره ممن تقبل شهادته فقبلت لم يأثم،
بخلاف ما إذا أدعى غيره فلم يقبل، فإن من لم يؤد ممن يقبل يأثم بامتناعه.
السادس: أن لا يخبره عدلان ببطلان المشهود به، فلو شهد عن الشاهد عدلان أن المدعي قبض
دينه أو أن الزوج طلقها ثلاثا أو أن المشتري أعتق العبد أو أن الولي عفا عن القاتل لا يسعه أن يشهد
بالدين والنكاح والبيع والقتل، وإن لم يكن المخبر عدلا فالخيار للشهود، إن شاؤوا شهدوا بالدين مثلا
وأخبروا القاضي بخبر المخبرين، وإن شاؤوا امتنعوا عن الشهادة، وإن كان المخبر عدلا واحدا لا يسعه
ترك الشهادة، وكذا لو عاينا واحدا يتصرف في شئ تصرف الملاك وشهد عدلان عندهما أن هذا
الشئ لفلان آخر لا يشهدان أنه للمتصرف، بخلاف أخبار العدل الواحد.
وفي البزازية في الشهادة بالتسامع: إذ شهد عندك عدلان بخلاف ما سمعته ممن وقع في قلبك
صدقه لم يسعك الشهادة، إلا إذا علمت يقينا أنهما كاذبان، وإن شهد عندك عدل لك أن تشهد بما
سمعت، إلا أن يقع في قلبك صدقه، وينبغي ذلك جميعه في كل شهادة اه‍ بالمعنى
. السابع: أن لا يقف الشاهد على أن المقر أقر خوفا، فإن علم بذلك لا يشهد، فإن قال المقر

478
أقررت خوفا وكان المقر له سلطانا وكان المقر في يد عون من أعوان السلطان ولم يعلم الشاهد بخوفه
شهد عند القاضي وأخبره أنه كان في يد عون من أعوان السلطان اه‍ ط. قال سيدي الوالد معزيا
للجوهرة: وكذا إذا خاف الشاهد على نفسه من سلطان جائر أو غيره أو لم يتذكر الشهادة على وجهها
وسعه الامتناع اه‍.
مطلب: للشاهد أن يمتنع من أدائها عند غير العدل
قوله: (منها عدالة قاض) فله أن يمتنع من الأداء عند غير المعدل، لأنه ربما لا يقبل ويجرح،
ولو غلب على ظنه أنه يقبله لشهرته مثلا ينبغي أن يتعين عليه الأداء، وكذا المعدل لو سئل عن الشاهد
فأخبر بأنه غير عدل لا يجب عليه أن يعدله عنده. بحر.
مطلب: إذا كان موضع القاضي بعيدا من موضع الشاهد بحيث لا يغدو
ويرجع في يوم لا يأثم بعدم الأداء
قوله: (وقرب مكانه) أي أن يكون موضع الشاهد قريبا من موضع القاضي، فإن كان بعيدا
بحيث لا يمكنه أن يغدو إلى القاضي لأداء الشهادة ويرجع إلى أهله في يومه ذلك. قالوا: لا يأثم لأنه
يلحقه الضرر بذلك. وقال تعالى: * (ولا يضار كاتب ولا شهيد) * (البقرة: 282). قوله: (وعلمه بقبوله)
فلو علم أنه لا يقبلها لا يلزمه. بحر. قال الحموي: فلا شك ينظر حكمه. قوله: (أو بكونه أسرع
قبولا) أي فيجب الأداء وإن كان هناك من تقبل شهادته. فتح. وفيه تأمل. مقدسي. وكأنه لعدم
ظهور وجه الوجوب حيث كان هناك من يقوم به الحق، ط عن الحموي.
أقول: لكنه بحثه في مقابلة المنقول، فقد ذكر المسألة في شرح الوهبانية عن الخانية. قوله: (إن
لم يوجد بدله) أي بدل الشاهد، وهذا هو خامس الشروط. وأما الاثنان الباقيان تتمة السبعة فقد
قدمناهما آنفا، وهما: أن لا يعلم بطلان المشهود به، وأن لا يعلم أن المقر أقر خوفا الخ. وأل في
الشاهد للجنس فيصدق بالواحد والمتعدد.
مطلب: لو لزم الشاهد الأداء ولم يؤد ثم أدى الشهادة
ولو لزم الشاهد الأداء بالشروط المذكورة فلم يؤد بلا عذر ظاهر ثم أدى، قال شيخ الاسلام: لا
تقبل لتمكن الشبهة، فإنه يحتمل أن تأخيره كان لاستجلاب الأجرة. قال الكمال: والوجه القبول،
ويحمل على العذر من نسيان ثم تذكر أو غيره اه‍.
قال العلامة عبد البر: وعندي أن الوجه ما قاله شيخ الاسلام، لا سيما وقد فسد الزمان وعلم
من حال الشهود التوقف بمقتضى القوة، وهذا مطلق عن مسائل الفروج، والظاهر أن هذا مطرد في
كل حرفة لا يتوجه فيها تأويل اه‍. قوله: (لأنها فرض كفاية) أي إذا قام بها البعض الكافي سقط عن
الباقين. قوله: (تتعين لو لم يكن إلا شاهدان لتحمل أو أداء) قال الإمام الرازي في أحكام القرآن في
قوله تعالى: * (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) * (البقرة: 282) إنه عام في التحمل والأداء، لكن في
التحمل على المتعاقدين الحضور إليهما للاشهاد، ولا يلزم الشاهدين الحضور إليهما، وفي الأداء

479
يلزمهما الحضور إلى القاضي، لا أن القاضي يأتي إليهما ليؤديا. ويستحب الاشهاد في العقود إلا في
النكاح فإنه يجب عندنا، وكذا في الرجعة عند الشافعي وأحمد.
قال في البحر: وفي الملتقط: الاشهاد على المداينة والبيوع فرض. كذا رواه نصير. وذكر الإمام الرازي
في أحكام القرآن أن الاشهاد على المبايعات والمداينات مندوب، إلا النزر اليسير كالخبز والماء
والبقل، وأطلقه جماعه من السلف حتى في البقل اه‍. قال في التتارخانية عن المحيط: وذكر في فتاوى
أهل سمرقند أن الاشهاد على المداينة والبيع فرض على العباد، إلا إذا كان شيئا حقيرا لا يخاف عليه
التلف، وبعض المشايخ على أن الاشهاد مندوب وليس بفرض اه‍.
وفي البزازية: لا بأس للرجل أن يتحرز عن تحمل الشهادة، ولو طلب منه أن يكتب شهادته أو
يشهد على عقد أو طلب منه الأداء: إن كان يجد غيره فله الامتناع، وإلا فلا انتهى. وحينئذ فالتحمل
في الآية الكريمة محمول على ما إذا لم يوجد غيره، وإلا فالأولى الامتناع كما ذكرنا. قوله: (وكذا
الكاتب إذا تعين) صرح الإمام الرازي في أحكام القرآن بأن عليهما الكتابة إذا لم يوجد غيرهما إذا كان
الحق مؤجلا، وإلا فلا اه‍. بحر. قوله: (لكن له أخذ الأجرة لا للشاهد) في المجتبى عن الفضلي:
تحمل الشهادة فرض على الكفاية كأدائها وإلا لضاعت الحقوق، وعلى هذا الكاتب، إلا أنه يجوز أخذ الأجرة
على الكتابة دون الشهادة فيمن تعينت عليه بإجماع الفقهاء، وكذا من لم تتعين عليه عندنا، وهو
قول للشافعي. وفي قول يجوز لعدم تعينه عليه اه‍. شلبي. ا ه‍ ط. لكن ينظر مع ما تقدم من قوله كل
ما يجب على القاضي والمفتي لا يحل لهما أخذ الأجر به، وليس خاصا بهما بدليل ما ذكروه من أن
غاسل الأموات إذا تعين لا يحل له أخذ الأجر. تأمل. أفاده سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله: (حتى
لو أركبه بلا عذر) بأن كان يقدر على المشي أو مال يستأجر به دابة وأركبه من عنده. قوله: (وبه) أي
بالعذر، بأن كان شيخا لا يقدر على المشي ولا يجد ما يستأجر به دابة، وهذا التفصيل لصاحب النوازل
ط. قوله: (لحديث أكرموا الشهود) تمامه فإن الله تعالى يستخرج بهم الحقوق ويدفع بهم الظلم رواه
الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس. قوله: (وجوز الثاني الاكل مطلقا) أي سواء صنعه لأجلهم أو
لا، ومنعه محمد مطلقا، وبعضهم فصل.
قال في البحر: الشهود في الرستاق واحتيج إلى أداء شهادتهم هل يلزمهم كراء الدواب؟ قال:
لا رواية فيه، ولكن سمعت من المشايخ أنه يلزمهم.
وفي فتح القدير: ولو وضع للشهود طعاما فأكلوا: إن كان مهيئا من قبل ذلك تقبل، وإن صنعه
لأجلهم لا تقبل. وعن محمد: لا تقبل فيهما. وعن أبي يوسف: تقبل فيهما للعادة الجارية بإطعام من
حل محل الانسان ممن يعز عليه شاهدا أو لا، ويؤنسه ما تقدم من أن الاهداء إذا كان بلا شرط ليقضي
حاجته عند الأمير يجوز. كذا قيل: وفيه نظر فإن الأداء فرض بخلاف الذهاب إلى الأمير اه‍. وجزم
في الملتقط بالقبول مطلقا اه‍. قوله: (وبه يفتى بحر) نقله عن ابن وهبان في شرحه لمنظومته. قال
شارحها العلامة ابن عبد البر بن الشحنة نقلا عن مختصر المحيط للخبازي: أخرج الشهود إلى ضيعة
اشتراها فاستأجر لهم دواب ليركبوها: إن لم يكن لهم قوة المشي ولا طاقة الكراء تقبل شهادتهم، وإلا

480
فلا، فإن أكل طعاما للمشهود له لا ترد شهادته. وقال الفقيه أبو الليث: الجواب في الركوب ما قال،
أما في الطعام: إن لم يكن المشهود له هيأ طعامه للشاهد بل كان عنده طعام فقدمه إليهم وأكلوه لا ترد
شهادتهم، وإن هيأ لهم طعاما فأكلوه لا تقبل شهادتهم. هذا إذا فعل ذلك لأداء الشهادة، فإن لم يكن
كذلك لكنه جمع الناس للاستشهاد وهيأ لهم طعاما أو بعث لهم دواب وأخرجهم من المصر فركبوا
وأكلوا طعامه اختلفوا فيه. قال الثاني في الركوب: لا تقبل شهادتهم بعد ذلك وتقبل في أكل الطعام.
وقال محمد: لا تقبل فيهما، والفتوى على قول الثاني لجري العادة به، سيما في الأنكحة ونثر السكر
والدراهم، ولو كان قادحا في الشهادة لما فعلوه. كذا في الفخرية اه‍. قوله: (ويجب الأداء) أي
يفترض إما كفاية أو عينا. قوله: (لو الشهادة في حقوق الله تعالى) وجه قبول الشهادة بلا طلب فيما
ذكر أنها حق الله تعالى، وحق الله تعالى يجب على كل أحد القيام بإثباته، والشاهد من جملة من عليه
ذلك فكان قائما بالخصومة من جهة الوجوب وشاهدا من جهة تحمل ذلك فلم يحتج إلى خصم آخر
اه‍. وبعضهم جعل القائم بالخصومة القاضي ط. قوله: (أربعة عشر) ذكر منها طلاق المرأة وعتق الأمة
وتدبيرها، ومنها الوقف. قال قاضيخان: ينبغي أن يكون الجواب على التفصيل إذا كان الوقف على
قوم بأعيانهم لا تقبل البينة عليه بدون الدعوى عند الكل، وإن كان على الفقراء أو على المسجد لا تقبل
عنده بدون الدعوى، وتقبل عندهما بدونه، وبه أفتى أبو الفضل الكرماني وهو المختار. عمادية. ومنها
هلال رمضان. قال قاضيخان: الذي ينبغي أنه لا تشرط الدعوى فيه كما لا تشترط في عتق الأمة
وطلاق الحرة.
وفي العمادية عن فتاوى رشيد الدين، الشهادة بهلال عيد الفطر لا تقبل بدون الدعوى. وفي
الأضحى اختلاف المشايخ: قاسه بعضهم على هلال رمضان، وبعضهم على هلال الفطر. ومنها:
الحدود غير حد القذف والسرقة. ومنها: النسب، وفيه خلاف. حكى صاحب المحيط القبول من غير
دعوى لأنه يتضمن حرمات كلها لله تعالى: حرمة الفرج، وحرمة الأمومة والأبوة. وقيل لا تقبل من
غير خصم. ومنها: الخلع فإن الشهادة عليه بدون دعوى المرأة مقبولة اتفاقا ويسقط المهر عن ذمة
الزوج، ودخول المال في هذه الشهادة تبع. ومنها: الايلاء والظهار والمصاهرة، ويشترط أن يكون
المشهود عليه حاضرا. ومنها: الحرية الأصلية عندهما. والصحيح اشتراط الدعوى في ذلك عند الامام
كما في العتق العارض. ومنها: النكاح فإنه لا يثبت بلا دعوى كالطلاق، لان حل الفرج والحرمة حق
لله تعالى. ومنها: عتق العبد عندهما، لان الغالب عندهما فيه حق الله تعالى لان الحرية يتعلق بها حقوق
الله تعالى من وجوب الزكاة والجمعة وغيرهما كالعيد والحج والحدود، ولذا لم يجز استرقاق العبد برضاه
لما فيه من إبطال حق الله تعالى. وقال الامام لا بد في عتقه من دعوى والغالب فيه حق العبد لان
نفع الحرية عائد إليه من مالكيته وخلاصة من كونه مبتذلا كالمال، وقد تمت الأربع عشرة مسألة. وقوله
عد منها الخ يفيد أن هناك مسائل أخر هو كذلك وهي التي ذكرها بعد، وقد أعاد صاحب الأشباه
ذكر شهادة الحسبة بعد، فعد حد الزنا وحد الشرب مسألتين، وزاد الشهادة على دعوى مولى العبد نسبه
اه‍ ط.
قال سيدي الوالد: قلت: ويزاد الشهادة بالرضاع كما مشى عليه المصنف في بابه وتقدم في

481
الوقف. قوله: (بلا عذر فسق فترد) نصوا عليه في الحدود وطلاق الزوجة وعتق الأمة، وظاهر ما في
القنية: أنه في الكل، وهو في الظهيرية واليتيمة اه‍. أشباه.
وفي البحر عن القنية: أجاب بعض المشايخ في شهود شهدوا بالحرمة المغلظة بعد ما أخروا
شهادتهم خمسة أيام من غير عذر أنها لا تقبل إن كانوا عالمين بأنهما يعيشان عيش الأزواج، ثم نقل عن
العلاء الحمامي والخطيب الأنماطي وكمال الأئمة البياعي: شهدوا بعد ستة أشهر بإقرار الزوج
بالطلقات الثلاث لا يقبل إذا كانوا عالمين بعيشهم عيش الأزواج، وكثير من المشايخ أجابوا كذلك في
جنس هذا. وتمامه فيه وفي الحموي. وقيل المدار في التأخير على التمكن من الشهادة عند القاضي،
وهل ذلك خاص بالفروج أو لا؟.
قال في البزازية: إذا طلب المدعي الشاهد لأداء الشهادة فأخر من غير ظاهر لا تقبل اه‍.
فإطلاقه يفيد عدم القبول مطلقا وهو الذي اعتمده ابن الشحنة اه‍ ملخصا. وأفتى في تنقيح الحامدية
بأنه حتى أخر خمسة أيام من غير عذر إن كانوا عالمين بأنهما يعيشان عيش الأزواج فإنها لا تقبل، وعزاه
لمعين المفتي وجامع الفتاوى.
أقول: قد علمت أن ذكر خمسة أيام أو ستة أشهر ليس بقيد، بل المراد التمكن من الشهادة عند
القاضي وهو مطلق عن مسائل الفروج، بل هو مطرد في كل حرمة لا يوجد فيها تأويل كما أفاده
الحموي. قوله: (كطلاق امرأة حرة أو أمة، وقيد القبول في النهاية بما إذا كان الزوج حاضرا، أما
إذا كان غائبا فلا. قال العلامة عبد البر: وكذا يشترط حضور المولى في صورة الأمة، ولكن لا يشترط
حضور المرأة ولا الأمة على المشهور، وتقبل إن أنكر الزوجان ط. ومثله في العمادية والفصولين
والبزازية.
قال في الذخيرة: إذا غاب الرجل عن امرأته فأخبرها عدل أن زوجها طلقها ثلاثا أو مات عنها
فلها أن تعتد وتتزوج بزوج آخر، وكذا إن كان المخير فاسقا، لان هذا من باب الديانة فيثبت بخبر
الواحد، بخلاف النكاح والنسب اه‍. أقول: لكنه في التنقيح ذكر العدل دون الفاسق.
قال في الفصولين: ولو أخبرها فاسق تحرت، وهذا عند المعاينة أو المشاهدة لموته أو جنازته.
ويأتي تمامه إن شاء الله تعالى. قوله: (أي بائنا) هذا القيد لم يذكره في التنقيح بل أطلق الطلاق،
وكذلك أطلقه في الأشباه ولم يقيده بالبائن، وكذا محشوها، لكن قال ط: والتقييد به ظاهر، لأنه إذا
طلقها رجعيا لا ينكر بعده معيشتهم معيشة الأزواج لأنه يعد مراجعا لها. قوله: (وعتق أمة) أي عند
الكل لأنها شهادة بحرمة الفرج وهي حق الله تعالى، وهل يحلف حسبة في طلاق المرأة وعتق الأمة؟
أشار محمد في باب التحري أنه يحلف. كذا في شرح القدوري. وذكر السرخسي في مقدمه باب
السلسلة أنه لا يحلف، فتأمله عنده الفتوى. كذا ذكره ابن الشحنة ط. قوله: (وتدبيرها) جعل ابن
وهبان القبول يختلف بالنسبة إلى الأمة والعبد كما في عتقهما. فتقبل في الأمة عند الكل، وفي العبد
يجري الخلاف، لان التدبير فيها يتضمن حرمة فرجها على الورثة بعد موت السيد ط. قوله: (وكذا عتق
عبد) أي عندهما خلافا له، فإن دعواه شرط عنده، كما إذا شهد شاهدان على رجل بعتق عبده والعبد
والمولى ينكران ذلك لا تقبل الشهادة عند الامام. وقالا: تقبل.

482
وفي الحقائق: قد تتحقق الدعوى حكما بأن يقطع العبد يد حر فقال الحر أعتقك مولاك قبل
الجناية ولي عليك القصاص فأنكر العبد والمولى ذلك تقبل بينته ويقضى بعتقه، لان دعوى المجني عليه
العتق قائم مقام دعوى العبد حكما.
ثم اعلم أن الشهادة بلا دعوى أحد مقبولة في حقوق الله تعالى، لان القاضي يكون نائبا عن الله
تعالى فتكون شهادة على خصم فتقبل، وغير مقبولة في حقوق العبد، وهذا أصل متفق عليه، لكن
الغالب عندهما في عتق العبد حق الله تعالى، لان سبب المالكية وهي الحرية يتعلق بها حقوق الله تعالى
من وجوب الزكاة والجمعة وغيرهما: يعني كالعيد والحج والحدود ولذا لم يجز استرقاق الحر برضاه لما
فيه من إبطال حق الله تعالى، فتقبل بدون الدعوى، والغالب عنده حق العبد لان نفع الحرية عائدا إليه
من مالكيته وخلاصه من كونه مبتذلا كالمال، فلا تقبل بدون الدعوى كما في شرح المجمع لابن ملك.
قوله: (وتدبيره) قد علمت أنه على الخلاف كما ذكره ابن وهبان، ولا فرق عند الامام بين أن يشهدوا
بالعتق أو بالحرية الأصلية، والشارح مشى على قولهما وتبع الشرنبلالي في عدم الفرق بين الحرية
الأصلية والعارضة. قوله: (وهل يقبل جرح الشاهد حسبة) الجرح بفتح الجيم بمعنى تجريح، ثم قوله
حسبة يحتمل أنه حال من جرح: يعني أن المجرح يفعل ذلك حسبة، ويحتمل أنه حال من المشاهد
ذكره بعضهم ط. والأول أظهر. قال الحلبي: حسبة متعلق بالجرح لا بالشاهد. قوله: (فبلغت ثمانية
عشر) أي بزيادة عتق العبد وتدبيره والرضاع والجرح. وأما طلاق المرأة وعتق الأمة وتدبيرها فمن
الأربعة عشر ح. قال ط: وفيه أن عتق العبد من جملة الأربعة عشر اه‍.
أقول: لم يزد على ما في الأشباه غير عتق العبد وتدبيره والرضاع وهي داخلة في الأربعة عشر،
فعتق العبد وتدبيره داخل في عتق الأمة وتدبيرها على قولهما، والرضاع داخل في حرمة المصاهرة.
تأمل. قوله: (وليس لنا مدعي حسبة) الأولى مدع حسبة بحذف ياء مدعي. قوله: (إلا في الوقف)
يعني إذا ادعى الوقوف عليه أصل الوقف تسمع عند البعض، والمفتى به عدم سماعها إلا من المتولي
كما تقدم في الوقف. قال ط: فإذا كان الموقوف عليه لا تسمع دعواه فالأجنبي بالأولى. أشباه اه‍.
أقول: لكن في فتاوى الحانوتي أن الحق أن الوقف إذا كان على معين تسمع منه اه‍. فتأمل. لكن
قيده سيدي الوالد في تنقيحه بأن تكون بإذن قاض على ما عليه الفتوى قوله: (وسترها في الحدود)
أي كتمانها. قال في الهداية: والشهادة يخير فيها الشاهد في الستر والاظهار، لأنه بين حسبتين: إقامة
الحد، والتوقي عن الهتك والستر أفضل اه‍.
قال الكاكي: والحسبة ما ينتظر به الاجر في الآخرة. وفي الصحاح: احتسب كذا أجرا عند الله تعالى، والاسم الحسبة بالكسر والجمع الحسب اه‍. قوله: (أبر) أفاد أن عدمه (1) جائز إقامة للحسبة لما
فيه من إزالة الفساد أو تقليله فكان حسنا، ولا يعارضه قوله تعالى: * (إن الذي يحبون أن تشيع



(1) أي يزم الستر وهو الشهادة اه‍. منه.
483
لا لفاحشة في الذين آمنوا) * (النور: 19) الآية، لان ظاهرها أنهم يحبون ذلك لأجل إيمانهم وذلك صفة الكافر،
ولأن مقصود الشاهد ارتفاعها لا إشاعتها وكذا لا يعارض أفضلية الستر آية النهي عن كتمانها لأنها في
حقوق العباد بدليل قوله تعالى: * (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) * (البقرة: 282) إذ الحدود لا مدعى
فيها. ورد قول من قال إنها في الديون بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب كما ذكره الرازي،
أو لأنه عام مخصوص بأحاديث الستر التي بلغت مبلغا لا ينحط عن درجة الشهرة لتعدد متونها مع
قبول الأمة لها، أو هي مستند الاجماع على تخيير الشاهد في الحدود كما يفهم من البحر. وتمام الكلام
على ذلك فيه، فراجعه فإنه مهم. قوله: (ولحديث من ستر ستر) الذي في الفتح من ستر على مسلم
ستره الله تعالى وأفاد أنه في الصحيحين. قوله: (إلا لمتهتك بحر) وفيه عن الفتح. وإذا كان الستر
مندوبا إليه ينبغي أن تكون الشهادة به خلاف الأولى التي مرجعها إلى كراهة التنزيه لأنها في رتبة الندب
في جانب الفعل وكراهة التنزيه في جانب الترك، وهذا يجب أن يكون بالنسبة إلى من لم يعتد الزنا ولم
يتهتك به، أما إذا وصل الحال إلى إشاعته والتهتك به، بل بعضهم ربما افتخر به فيجب كون الشهادة
أولى من تركها، لان مطلوب الشارع إخلاء الأرض من المعاصي والفواحش بالخطابات المفيدة لذلك،
وذلك يتحقق بالتوبة من الغافلين وبالزجر لهم، فإذا ظهر حال الشهرة في الزنا مثلا والشرب وعدم
المبالاة به وإشاعته، فإخلاء الأرض المطلوب حينئذ بالتوبة احتمال يقابله ظهور عدمها ممن اتصف
بذلك، فيجب تحقيق السبب الآخر للاخلاء وهو الحدود، خلاف من زنى مرة أو مرارا مستترا متخوفا
متندما عليه فإنه محل استحباب ستر الشاهد، وقوله عليه الصلاة والسلام لهزال في ماعز لو كنت
سترته بثوبك الحديث، وذكره في غير مجلس القاضي بمنزلة الغيبة يحرم منه ما يحرم منها ويحل منه ما
يحل منها اه‍. قوله: (والأولى الخ) هذا كالاستدراك على قوله أبر، لأنه ربما يفيد عدم التعرض
بالشهادة في السرقة أصلا ويلزم منه ضياع حق الغير، فاستثنى السرقة وأثبت لها حكما خاصا، وهو
أنه يأتي بلفظ يفيد الضمان من غير قطع. فاستثنى السرقة وأثبت لها حكما خاصا، وهو أنه يأتي بلفظ يفيد الضمان من غير قطع. قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: وفيه إشارة إلى أن المراد
ستر أسباب الحدود اه‍. وبه ظهر الجواب. قوله: (أخذ) الاخذ أعم من كونه غصبا أو على ادعاء أنه
ملكه مودعا عند المأخوذ منه وغير ذلك، فلا تستلزم الشهادة بالأخذ مطلقا ثبوت الحد بها. كمال.
لكن قد يقال مع هذا الاحتمال لا إحياء للحق فيه ط.
قال في البحر: ولا يقول سرق محافظة على الستر، ولأنه لو ظهرت السرقة لوجب القطع
والضمان لا يجامع القطع فلا يحصل إحياء حقه. وصرح في غاية البيان بأن قوله أخذ أولى من سرق،
وعلى هذا فيحمل قول القدوري: وجب أن يقول أخذ على معنى ثبت لا الوجوب الفقهي، وقوله في
العناية: فتعين ذلك مع قوله لا يجوز: أي أن يقول سرق تسامح، وإنما الكلام في الأفضل، وكل
منهما جائز اه‍.
(وفيه لطيفة) حكى الفخر الرازي في التفسير: أن هارون الرشيد كان مع جماعة من الفقهاء وفيهم أبو
يوسف، فادعى رجل على آخر بأنه أخذ ماله من بيته فأقر بالأخذ، فسأل الفقهاء فأفتوا بقطع يده،
فقال أبو يوسف: لا، لأنه لم يقر بالسرقة وإنما أقر بالأخذ، فادعى المدعي أنه سرق فأقر بها فأفتوا
بالقطع. وخالفهم أبو يوسف فقالوا له: لم؟ قال: لأنه لما أقر أولا بالأخذ ثبت الضمان عليه وسقط

484
القطع. فلا يقبل إقراره بعده بما يسقط الضمان عنه فعجبوا اه‍. قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: هذا
ظاهر في أنه إذا ادعى أنه أخذ مالي أو دابتي تسمع، وإن لم يبين وجه الاخذ اه‍. قوله: (ونصابها) أي
ما تنصب عليه: أي تتوقف عليه. قال ابن الكمال: ولم يقل وشرطها: أي كما قال في الكنز، لما
سيأتي أن المرأة ليست بشرط في الولادة وأختيها. قوله: (للزنا أربعة) وذلك يشير إلى ندب الستر، لأنه
قلما يشهد به أربعة بصفته الموجبة، والدليل قوله تعالى * (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) * النساء: 15)
وقوله: * (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) * (النور: 4). فلا يجوز بالأقل، ونحن إن لم نقل بالمفهوم فالاجماع عليه، وقدم
الاستدلال بالآيتين على قوله تعالى: * (استشهدوا شهيدين من رجالكم) * (البقرة: 282) لان الأول مانع
والثاني مبيح والمانع مقدم، والدليل وإن كان في النساء مثبت في حق الرجال للمساواة. ط أخذا من
البحر بالمعنى عن فتح القدير.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: عبارة فتح القدير: وأن النص أوجب أربعة رجال بقوله تعالى
: * (أربعة منكم) * (النساء: 15) فقبول امرأتين مع ثلاثة مخالف لما نص عليه من العدد والمعدود، وغاية الامر المعارضة
بين عموم قوله تعالى: * (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) * (البقرة: 282) وبين هذه فتقدم هذه لأنها
مانعة وتلك مبيحة ا ه‍. ولا يخفى عليك ما في كلامه من المخالفة والايهام. تأمل. قال في البحر:
وقدمنا في الحدود أنه يجوز كون الزوج أحدهما، إلا في مسألتين: أن يقذفها الزوج أولا ثم يشهد مع
ثلاثة، وأن يشهد معهم على زناها بابنه مطاوعه ا ه‍. قوله: (ليس منهم ابن زوجها) أي إذا كان الأب
مدعيا أو أم الابن حية، أما إذا فقد فيجوز. قال في البحر: اعلم أنه يجوز أن يكون من الأربعة ابن
زوجها.
وحاصل ما ذكره في المحيط البرهاني أن الرجل إذا كان له امرأتان ولإحداهما خمسة بنين شهد
أربعة منهم على أخيهم أنه زنى بامرأة أبيهم تقبل، إلا إذا كان الأب مدعيا أو كانت أمهم حية اه‍.
والمنع في كون الأب مدعيا لعله مقيد بما إذا كان بعد قذفه لها لأنه يدفع بشهادته عن أبيه اللعان، وفي
كون أمهم حية للعداوة الدنيوية عادة. قوله: (ولو علق عتقه بالزنا) أي بزنا نفس المولى. قوله: (ولا
حد) أي على المولى ويستحلف إذا أنكره للعتق.
قال في البحر: ثم اعلم أن العتق المعلق بالزنا يقع بشهادة رجلين وإن لم يحد المولى، ويستحلف
المولى إذا أنكره للعتق، وفيه خلاف ذكره في الخانية وأدب القضاء للخصاف اه‍.
مطلب: في الشهادة على اللواطة
قال أبو السعود: واختلفوا في الشهادة على اللواطة: فعند الامام: يقبل فيها رجلان عدلان لان
موجبها التعزير عنده، وعندهما: لا بد فيه من أربعة كالزنا.
مطلب: في الشهادة على إتيان البهيمة
وأما إتيان البهيمة فالأصح أنه يقبل فيه شاهدان عدلان، ولا يقبل فيه شهادة النساء اه‍. قوله:
(فأعتقه القاضي) أي حكم بعتقه، وكذا قوله ورجمه. قوله: (ضمن الأولان قيمته لمولاه) لاتلاف رقبته

485
المملوكة على السيد. قوله: (ديته له) انظر هل المراد بالدية هنا قيمته لأنه رقيق أو دية الأحرار لحكم
القاضي عليه بالحرية، ويدل لذلك قوله لو وارثه فإن لو كان رقيقا لكانت الدية للسيد ولا بد ط.
قوله: (لو وارثه) بأن لم يكن له وارث غيره وإلا لوارثه. قوله: (والقود) شمل القود في النفس
والعضو، وقيد به لما في الخانية: ولو شهد رجل وامرأتان بقتل الخطأ أو بقتل لا يوجب القصاص تقبل
شهادتهم، وكذا الشهادة على الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي، لان موجب هذه الجناية المال فقيل
فيه شهادة الرجال مع النساء اه‍.
أقول: علم به قبول شهادة رجل وامرأتين في طرف الرجل والمرأة والحر والعبد وكل ما لا
قصاص فيه وكان موجبه المال، ويعلم به كثير من الوقائع الحالية. قوله: (ومنه) أي من القود. قوله:
(لمآلها) أي تؤول. قوله: (لقتله) بسبب ردته: أي إن أصر على كفره. قوله: (بخلاف الأنثى)
فإنها لا تقتل بل تحبس، فتقبل شهادة رجل وامرأتين فلذا قيد بذكر، بل في المقدسي: لو شهد
نصرانيان على نصرانية أنها أسلمت جاز وتجبر على الاسلام.
قلت: وينبغي في النصراني كذلك،، فيجبر ولا يقتل، ورأيته في الولوالجية اه‍. سائحاني. وإنما
لا يقتل لأنه لم يشهد على إسلامه مسلمان.
قال سيدي الوالد: وانظر لم لم يقل كذلك في شهادة رجل وامرأتين على إسلامه لكنه يعلم
بالأولى، وصرح به في البحر عن المحيط عند قوله والذمي على مثله، وتقدم في باب المرتد أن كل
مسلم ارتد فإنه يقتل إن لم يتب، إلا من ثبت إسلامه بشهادة رجلين ثم رجعا. ومن ثبت إسلامه
بشهادة رجل وامرأتين على رواية النوادر. ولو شهد نصرانيان على نصراني أنه أسلم وهو ينكر لم تقبل
شهادتهما وقيل تقبل في المسألتين ولو على نصرانية قبلت اتفاقا، لان المرتدة لا تقتل بخلاف المرتد،
ولكنها تجبر على الاسلام، وهذا كله قوله الامام.
وفي النوادر: تقبل شهادة رجل وامرأتين على الاسلام وشهادة نصرانيين على نصراني أنه أسلم،
وهذا هو الذي في آخر كراهية الدرر كما في ح. واعتمد قاضيخان أن قول الإمام بعدم القتل بشهادة
النساء وإن كان يجبر على الاسلام، لان أي نفس كانت لا تقتل بشهادة النساء ا ه‍. قوله: (ومثله ردة
مسلم) أي حكما وهو تقييد أو علة، قال في البحر: وأما الشهادة بردة مسلم فلا يقبل فيها شهادة
النساء كما ذكره في العناية من اليسر اه‍. قوله: (رجلان) إنما لم تقبل شهادة النساء لحديث الزهري:
مضت السنة من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله والخليفتين من بعده أن لا شهادة للنساء في الحدود والقصاص،
ولأن فيها شبهة البذلية لقيامها مقام شهادة الرجال، فلا تقبل فيها تندرئ بالشبهات. كذا في الهداية.
وإنما لم يكن فيها حقيقة البدلية لأنها إنما تكون فيما امتنع العمل بالبدل مع إمكان الأصل، وليست
كذلك فإنها جائزة مع إمكان العمل بشهادة الرجلين كما في العناية.
وفي خزانة الأكمل: لو قضى بشهادة رجل وامرأتين في الحدود والقصاص وهو يراه أو لا يراه
ثم رفع إلى آخر أمضاه ا ه‍. بحر.
أقول: والأحسن حذف قوله أو لا يراه، لان القاضي حينئذ يحكم بمقتضى مذهبه. قوله: (إلا

486
المعلق فيقع) أي إذا كان بعض الشهود نسوة ولا يحد: يعني ما علق على شئ مما يوجب الحد والقود
لا يشترط فيه رجلان، بل يثبت برجل وامرأتين وإن كان المعلق عليه لا يثبت بذلك.
وصورته كما في البحر عن الولوالجية: رجل قال إن شربت الخمر يثبت بذلك فمملوكي حر، فشهد رجل
وامرأتان أنه شرب الخمر عتق العبد ولا يحد، لان هذه شهادة لا مجال لها في الحدود، ولو قال إن
سرقت من فلان شيئا فعلى قياس ما ذكرناه ينبغي أن يضمن المال ويعتق العبد ولا يقطع اه‍. وعزى
المسألتين في الخانية إلى أبي يوسف، ثم قال: والفتوى فيهما على قول أبي يوسف.
وفي خزانة الأكمل: شهدا أنه أعتق عبده ثم شهد أربعة بأنه زنى وهو محصن فأعتقه القاضي ثم
رجمه ثم رجع الكل ضمن شاهدا الاعتاق قيمته لمولاه وشهود الزنا ديته لمولاه أيضا إن لم يكن له وارث
غيره اه‍. قوله: (كما مر) أي قريبا عند قوله ولو علق عتقه بالزنا وقع برجلين ولا حد ومر أيضا
في الزنا إذا شهد به رجلان. قوله: (وللولادة) أي في حق ثبوت النسب دون الميراث عنده ذكره
قاضيخان. وهو خبر مقدم لامرأة، ولم يذكروا الولادة في الاصلاح، لان شهادة امرأة واحدة على
الولادة إنما تكفي عندهما، خلافا له على ما مر في باب ثبوت النسب، وأما شهادتهما على الاستهلال
فتقبل بالاجماع في حق الصلاة، إنما قلنا في حق الصلاة لان في حق الإرث لا تقبل عنده خلافا
لهما. قوله: (للصلاة) متعلق بالأخيرة: أي تقبل شهادة القابلة باستهلال الصبي للصلاة عليه اتفاقا
كما في المنح، وإنما قبلت وإن كان يمكن أن يطلع عليه الرجال لكنهم لا يحضرون الولادة عادة فألحق
بما لم يطلع عليه الرجال. قوله: (وللإرث عندهما) أي تقبل شهادة القابلة باستهلال الصبي للإرث
عندهما. قوله (والبكارة) أي الشهادة عليها، فإن شهدت أنها بكر يؤجل العنين سنة، فإذا مضت فقال
وصلت إليها وأنكرت تري النساء، فإن قلن هي بكر تخير، فإن اختارت الفرقة فرق للحال، وكذا في
رد المبيع إذا اشتراها بشرط البكارة إن قلن إنها ثيب يحلف البائع لينضم نكوله إلى قولهن، فالعيب يثبت
بقولهن لسماع الدعوى وللتحليف، إذ لولا شهادتهن لم يحلف البائع وكان القول قوله بلا يمين لتمسكه
بالأصل وهو البكارة كما في البحر، وسيأتي قريبا أوضح من ذلك. قوله: (وعيوب النساء) كالإماء
المبيعة من نحو رتق وقرن، كما لو اشترى جارية فادعى أن بها قرنا أو رتقا، لكن ذكر في المنح في
باب خيار العيب عند قوله ادعى إباقا: أن ما لا يعرفه إلا النساء يقبل في قيامه للحال قول امرأة ثقة،
ثم إن كان بعد القبض لا يرد بقولها بل لا بد من تحليف البائع، وإن كان قبله فكذلك عند محمد،
وعند أبي يوسف: يرد بقولهن بلا يمين البائع اه‍. وفي الفتح قبيل باب خيار الرؤية أن لأصل أن
القول لمن تمسك بالأصل، وأن شهادة النساء بانفرادهن فيما لا يطلع عليه الرجال حجة إذا تأيدت
بمؤيد، وإلا تعتبر لتوجه الخصومة لا لالزام الخصم.
ثم ذكر أنه لو اشترى جارية على أنها بكر ثم اختلفا قبل القبض أو بعده في بكارتها يريها القاضي
النساء: فإن قلن بكر لزم المشتري لان شهادتهن تأيدت بأن الأصل البكارة، وإن قلن ثيب لم يثبت حق
الفسخ بشهادتهن لأنها حجة قوية لم تتأيد بمؤيد، لكن تثبت الخصومة ليتوجه اليمين على البائع فيحلف

487
بالله لقد سلمتها بحكم البيع وهي بكر، فإن نكل ردت عليه، وإلا فلا اه‍ ملخصا، والأولى حذف
قوله قوية أو إبداله بلفظ ضعيفة.
قال الرملي: ذكر في الدرر والغرر وللولادة واستهلال الصبي للصلاة عليه والبكارة وعيوب
النساء امرأة اه‍. فدخل في قوله: وعيوب النساء الحبل لأنه من العيوب التي يرد بها المبيع.
قال في الخانية: وفيما لا ينظر إليه الرجال كالقرن والرتق ونحوه اختلف الروايات، وآخر ما
روي عن محمد أنه إن كان قبل القبض وهو عيب لا يحدث ترد بشهادة النساء، وهو قول أبي يوسف
الآخر والمرأة الواحدة والمرأتان سواء، والمرأتان أوثق، وأما الحبل فيثبت بقول النساء في حق
الخصومة، ولا ترد بشهادتهن. قوله: (فيما لا يطلع عليه الرجال) قال الرملي: قدم: أي صاحب البحر
في باب ثبوت النسب في شرح قوله: والمعتدة إن جحدت ولادتها بشهادة رجلين الخ أفاد بقوله
بشهادة رجلين قبول شهادة الرجال على الولادة من الأجنبية، وأنهم لا يفسقون بالنظر إلى عورتها،
إما لكونه قد يتفق ذلك من غير قصد نظر ولا تعمد، أو للضرورة كما في شهود الزنا. وفي المنح نقلا
عن السراج: وقال بعض مشايخنا: تقبل شهادته أيضا وإن قال تعمدت النظر إليها.
وأقول: فثبت الخلاف في التعمد ظاهرا. ويمكن التوفيق بأن يحمل كلام النافي على التعمد لا
لتحمل الشهادة، والمثبت على التعمد لها إحياء للحقوق بإيصالها إلى مستحقها بواسطة أداء الشهادة عند
الحاجة إليها. وفي كلامهم نوع إشارة إليه، وربما أفهم كلام الزيلعي في شرح قوله ولو قال شهود
الزنا تعمدنا النظر قبلت أرجحية القبول، وأيضا عبارته في هذا المحل. ثم اختلفوا فيما إذا قال
تعمدت النظر. قال بعضهم: تقبل كما في الزنا لطرحه ذكر مقابله وقياسه على الزنا والراجح فيه
القبول. تأمل.
ثم رأيت في التتارخانية نقلا عن العتابية: واختلف المشايخ فيما إذا ادعى إلى تحمل الشهادة عليها
وهو يعلم أنه لو نظر إليها يشتهي، فمنهم من جوز ذلك بشرط أن يقصد بذلك تحمل الشهادة.
قال شيخ الاسلام: الأصح أنه لا يباح ذلك ذكره في كتاب الكراهة. قوله: (امرأة حرة مسلمة)
بالغة عاقلة عدلة. زيلعي. ودليله قوله عليه الصلاة والسلام شهادة النساء جائزة فيما لا تستطيع
الرجال النظر إليه والجمع المحلى بالألف واللام يراد به الجنس فيتناول الأقل وهو الواحد، وهو حجة
على الشافعي في اشتراط الأربع، ولأنه إنما سقط الذكورة ليخف النظر لان نظر الجنس أخف فكذا
بسقط اعتبار العدد. قوله: (والثنتان أحوط) وكذا الثلاث أحوط لما فيه من معنى الالزام. بحر.
وفيه عن خزانة الأكمل: لو شهد عنده نسوة عدول أنها امرأة فلان أو ابنته وسعته الشهادة اه‍.
وفيها: يقبل تعديل المرأة ولا يقبل ترجمتها. قوله: (والأصح قبول رجل واحد) إذا شهد بالولادة. قال
وفى المنح وأشار بقوله فيما لا يطلع عليه الرجال إلى أن الرجل لو شهد لا تقبل شهادته، وهو محمول
على ما إذا قال: تعمدت النظر، أما إذا شهد بالولادة وقال فاجأتها فاتفق نظري عليها تقبل شهادته إذا
كان عدلا كما في المبسوط اه‍. وقدمنا نحوه آنفا. قوله: (وفي البرجندي عن الملتقط الخ) ذكر

488
الحموي في شرحه عن الحاوي القدسي: تقبل شهادة النساء وحدهن في التل في الحمام في حكم
الدية لئلا يهدر الدم، ومثله في خزانة الفتاوى. وفي خير مطلوب خلافه قال: شهادة أهل السجن
بعضهم على بعض فيما يقع بينهم لا تقبل، وكذا شهادة الصبيان فيما يقع بينهم في الملاعب، وشهادة
النساء فيما يقع في الحمامات وإن مست الحاجة لعدم حضور العدول في هذه المواضع، لان الشارع لما
شرع طريقا وهو منعهن من الحمامات والصبيان عن الملاعب والامتناع عما يستحق به الحبس كان
التقصير مضافا إليهم لا إلى الشرع اه‍. وقد تقدم أن المعتمد جواز دخولهن الحما إذا لم يشتمل على
مفسدة، ومعلوم أنه قد يسجن من لا معصية منه كمعسر ومظلوم، والصبيان غير مكلفين حتى يتوجه
خطاب الدفع عليهم. فما علل به لا يظهر على أن المعصية لا تنافي إقامة الاحكام، ألا ترى أن في
حانة الخمر تجري له وعليه الاحكام، فالأظهر ما في الحاوي وخزانة المفتين لمسيس الحاجة.
قال الحموي في الملتقط من كتاب المواريث: إذا ادعت امرأة الميت أنها حبلى تعرض على امرأة
ثقة أو امرأتين، فإن لم يوقف على شئ من علامات الحمل قسم ميراثه، فإن وقف على شئ من
علامات الحمل يوقف نصيب ابنين، ونحوه عن أبي يوسف ومحمد ط. قوله: (ونصابها) أي الشهادة.
قوله: (لغيرها) أي لغير الحدود والقصاص وما لا يطلع عليه الرجال. منح. فشمل القتل خطأ والقتل
الذي لا قصاص فيه لان موجبه المال، وكذا تقبل فيه الشهادة عن الشهادة وكتاب القاضي. رملي عن
الخانية، وتمامه فيه. قوله: (سواء كان الحق مالا أو غيره) أطلقه فشمل المال وغيره. قال الرملي:
وشمل الشهادة على قتل الخطأ، وما لا يوجب القصاص من قبيل الشهادة على المال. قال في الخانية:
ولو شهد رجل وامرأتان بقتل الخطأ أو بقتل لا يوجب القصاص تقبل إلى آخر ما مر.
مطلب: لا فرق في الشهادة بين الوصية والايصاء
قوله: (ووصية) أي الايصاء إذ الكلام فيما ليس بمال قال في الشرنبلالية: ولعل الحال لا يفترق
في الحكم بين الشهادة بالوصية والايصاء اه‍. قوله: (واستهلال صبي) هذا قوله، وعندهما يثبت
بشهادة القابلة وهو الأرجح كما سلف. قوله: (ولو) في بعض النسخ لو بلا واو، والظاهر حذفها.
تأمل. قوله: (للإرث) أي والعتاق والنسب عنده، فالمصنف جرى على مذهب الامام، والشارح فيما
تقدم جرى على مذهبهما كما ترى. قوله: (إلا في حوادث صبيان المكتب) هذا مكرر مع ما تقدم.
والذي في الملتقط عدم التقييد بصبيان المكتب فيعم صبيان الحرفة، فالظاهر أن التقييد بصبيان المكتب
هنا اتفاقي. أبو السعود. قوله: (أو رجل وامرأتان) لقوله تعالى: * (فإن لم يكونا رجلين فرجل
وامرأتان) * (البقرة: 282) ومعنى الآية على ما ذكره إن لم يشهدا حال كونهما رجلين فليشهد رجل
وامرأتان، ولولا هذا التأويل لما اعتبر شهادتهن مع وجود الرجال، وشهادتهن معتبرة معهم عند
الاختلاط بالرجال، حتى إذا شهد رجال ونسوة بشئ يضاف الحكم إلى الكل حتى يجب الضمان على
الكل عند الرجوع اه‍ ط.

489
قال في البحر: والأصل في شهادة النساء القبول لوجود ما يبتني عليه أهلية الشهادة، وهي
المشاهدة والضبط والأداء، ونقصان الضبط بزيادة النسيان انجبر بضم الأخرى إليها فلم يبق بعد ذلك
إلى الشبهة، ولهذا لا تقبل فيما يندرئ بالشبهات،
وهذه الحقوق تثبت بالشبهات. وحقق الأكمل في العناية بأنه لا نقصان في عقلهن فيما هو مناط التكليف بل فيما هو العقل
بالملكة، ففيهن نقصان بمشاهدة حالهن في تحصل البديهيات باستعمال الحواس الجزئيات وبالنسبة إن
ثبتت، فإنه لو كان في ذلك نقصان لكان تكليفهن دون تكليف الرجال في الأركان، وقوله صلى الله عليه وآله
: ناقصات عقل المراد به العقل بالعقل ولذلك. لم يصلحن للولاية والخلافة والامارة اه‍ ملخصا.
وتمامه فيه. قوله: (ولا يفرق بينهما) أي المرأتين، حكي أن أم بشر شهدت هي وأم الشافعي عند
الحاكم، فقال الحاكم فرقوا بينهما، فقالت ليس لك ذلك، قال الله تعالى: * (أن تضل إحداهما فتذكر
إحداهما الأخرى) * (البقرة: 282) فسكت الحاكم كذا في البحر.
قال التاج السبكي بعد نقل هذه الحكاية: وهذا فرع حسن واستنباط جيد ومنزع غريب،
والمعروف في مذهب ولدها إطلاق القول بأن الحاكم إذا ارتاب بالشهود استحب له التفريق بينهم،
وكلامها صريح في استثناء النساء للمنزع الذي ذكرته ولا بأس به اه‍. وما ذكره في البحر من الحكاية
المذكورة ليس صريحا في أن المذهب عندنا عدم التفريق في الشهادة للنساء إذا ارتاب القاضي. ذكره
بعض الفضلاء. قوله: (لقوله تعالى فتذكر إحداهما الأخرى) ولا تذكر إلا مع الاجتماع. قوله: (لئلا
يكثر خروجهن) أي ولعدم ورود الشرع به. قوله: (وخصهن) أي خص قبول شهادتهن. قوله:
(وتوابعها) كالأجل وشرط الخيار. منح. والدليل لكل مذكور في المطولات.
والحاصل: أن أنواع الشهادة ستة (1): ما لا يقبل إلا بشهادة أربع، وما لا يقبل إلا برجلين، وما
يقبل فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وما قبل فيه شهادة المرأة، وما قبل فيه شهادة النساء
وحدهن بحكم الدية كما ذكرنا. قوله: (ولزم) أي شرط، والشرط هنا ما لا بد منه ليشمل الركن
والشرط. بحر. قوله: (من المراتب الأربع) هي الزنا وبقية الحدود وما لا يطلع عليه الرجال، والرابع
غيرها من الحقوق. وقيل لا يشترط في النساء وهو ضعيف، ولا بد من شرط آخر لجميعها وهو
التفسير، حتى لو قال أشهد مثل شهادته لا تقبل، ولو قال مثل شهادة صاحبي تقبل عند العامة،
وقيده الأوزجندي بما إذا قال لهذا المدعي على هذا المدعى عليه، وبه يفتى. خلاصة. وقال الحلواني:
إن كان فصيحا لا يقبل منه الاجمال، وإن كان عجميا يقبل بشرط أن يكون بحال إن استفسر بين.
وقال السرخسي: إن أحس القاضي بخيانة كلفه التفسير، وإلا لا. وفي البزازية: وقال
الحلواني: لو أقر المدعى عليه أو وكيله فقال الشاهد أشهد بما ادعاه هذا المدعي على هذا المدعى عليه
أو قال المدعي في يده بغير حق يصح عندنا اه‍. وفيها كتب شهادته فقرأها بعضهم فقال الشاهد أشهد
أن لهذا المدعي على هذا المدعى عليه كل ما سمى ووصف في هذا الكتاب، أو قال هذا المدعي الذي



(1) قوله: (أنواع الشهادة ستة) كذا بالأصل والمعدود خمسة وليحرر اه‍. مصححه.
490
قرئ ووصف في هذا الكتاب في يد هذا المدعى عليه بغير حق وعليه تسليمه إلى هذا المدعي يقبل،
لان الحاجة تدعو إليه لطول الشهادة ولعجز الشاهد عن البيان اه‍.
مطلب: لا تقبل الشهادة بلفظ أعلم أو أتيقن
قوله: (لفظ أشهد) حتى لو قال أعلم أو أتيقن لا تقبل شهادته، لان النصوص ناطقة بلفظ
الشهادة فلا يقوم غيرها مقامها لما فيها من زيادة توكيد، لأنها من ألفاظ اليمين فيكون معنى اليمين
ملاحظا فيها، خلافا للعراقيين فإنهم لا يشترطون لفظ الشهادة في شهادة النساء فيما لا يطلع عليه
الرجال فيجعلونها من باب الاخبار لا من باب الشهادة، والصحيح هو الأول لأنه من باب الشهادة،
ولهذا شرط فيه شرائط الشهادة من الحرية ومجلس الحكم وغيرها. يعقوبية. قوله: (بلفظ المضارع
بالاجماع) فلا يجوز شهدت لاحتمال الاخبار عما مضى فلا يكون شاهدا للحال. قوله: (كطهارة ماء)
أي ونجاسته ونحوه حيث يقبل إن عدلا، أما الفاسق فخبره في الديانات التي لا يتيسر تلقيها من
العدول كرواية الاخبار، بخلاف الاخبار بطهارة الماء ونجاسته ونحوه حيث يتحرى في خبره: أي
الفاسق، إذ قد لا يقدر على تلقيها من جهة العدول، وقول الطحاوي: أو غير عدل، محمول على
المستور كما هو رواية الحسن. سيدي الوالد من الصوم، وتمامه في حاشيته. قوله: (ورؤية هلال) أي
هلال رمضان. قوله: (فهو إخبار لا شهادة) لأنه أمر ديني فأشبه رواية الاخبار. هداية. وأما في
المعاملات فيقبل الخبر ولو من كافر أو فاسق أو عبد أو صبي إن غلب على الرأي صدقة كما في الحظر
والإباحة من الدرر. قوله: (والعدالة لوجوبه) أي وجوب القاضي على القاضي. منح.
قال العلامة عبد البر: أحسن ما قيل في تفسير العدل أنه المجتنب للكبائر غير المصر على
الصغائر، صلاحه وصوابه أكثر من فساده وخطئه، مستعملا للصدق، مجتنبا للكذب ديانة ومروءة،
وهو مروي عن أبي يوسف اه‍. ونحوه في الذخيرة. قوله: (ومنه) أي مما يطعن به فيه. قوله:
(الكذب) ذكر بعضهم أن الكذب من الصغائر إن لم يترتب عليه ما يصيره كبيرة كأكل مال مسلم أو
قذفه ونحو ذلك ط. قوله: (لا لصحته) أي لصحة القضاء: أي نفاذه. منح.
واعلم أن صاحب الكنز تبع صاحب الهداية وغيره في اشتراط العدالة كلفظ الشهادة تسوية
منهم بينهما، وليس كذلك لان لفظ الشهادة: أي أشهد شرط لصحة الأداء بل ركنه كما قدمناه. وأما
العدالة فليست شرطا في صحة الأداء، وإنما ظهورها شرط وجوب القضاء على القضاء كما قدمناه،
وبه صرح صدر الشريعة وصاحب البدائع والبحر والمنح، وتبعهم الشارح تبعا لما في الهداية، وأقره
ابن الهمام حيث قال في الهداية: لو قضى القاضي بشهادة الفاسق صح عندنا. زاد في فتح القدير:
وكان عاصيا. قوله: (فلو قضى بشهادة فاسق نفذ) هذا إذا غلب على ظنه صدقه وهو مما يحفظ. درر.
وظاهر قوله وهو مما يحفظ اعتماده. قال في جامع الفتاوى: وأما شهادة الفاسق: فإن تحرى القاضي
الصدق في شهادته تقبل، وإلا فلا اه‍. قوله: (الامام) أي الأعظم وهو السلطان بأن قال لمستنيبه لا

491
تقض بشهادة الفاسق. قوله: (فلا ينفذ) أي القضاء بشهادة الفاسق لمنع الامام القاضي عن القضاء به.
قوله: (لما مر) أي في كتاب القضاء. قوله: (يتأقت) قياس مادته يتوقت بالواو. قوله: (وقول معتمد)
وظاهره أنه إذا أطلق أوامره بالقضاء به أن يجوز القضاء به. وقد ذكروا أنه لا يجوز العمل بالقول
الضعيف إلا للانسان في خاصة نفسه إذا كان له رأي، وبعضهم منع العمل به فحينئذ لا يجوز العمل
به عند الاطلاق ولا عند التصريح، ويحرر. ويحتمل أنه راجع إلى القضاء في ذاته وإن لم يقيد بذلك
الامام ط.
أقول: تحريره ما نقل العلامة الشرنبلالي في رسالته (العقد الفريد في جواز التقليد): مقتضى مذهب
الشافعي كما قاله السبكي منع العمل بالقول المرجوح في القضاء والافتاء دون العمل لنفسه، ومذهب
الحنفية المنع عن المرجوح حتى لنفسه لكون المرجوح صار منسوخا اه‍. فليحفظ. وقيده البيري
بالعامي: أي الذي لا رأي له يعرف به معنى النصوص حيث قال: هل يجوز للانسان العمل بالضعيف
من الرواية في حق نفسه؟ نعم إذا كان له رأي. أما إذا كان عاميا فلم أره، لكن مقتضى تقييده بذي
الرأي أنه لا يجوز للعامي ذلك.
قال في خزانة الروايات: العالم الذي يعرف معنى النصوص والاخبار، وهو من أهل الدراية
يجوز له أن يعمل عليها وإن كان مخالفا لمذهبه اه‍.
قال سيدي الوالد: وهذا في غير موضع الضرورة، فقد ذكر في حيض البحر في بحث ألوان
الدماء أقوالا ضعيفة. ثم قال: وفي المعراج عن فخر الأئمة: لو أفتى مفت بشئ من هذه الأقوال في
مواضع الضرورة كان حسنا اه‍. وكذا قول أبي يوسف في المني إذا خرج بعد فتور
الشهوة لا يجب به
الغسل ضعيف. وأجازوا العمل به للمسافر أو الضيف الذي خاف الريبة وذلك من مواضع الضرورة.
قوله: (ذي المروءة) وهي آداب نفسانية تحمل على محاسن الأخلاق وجميل العادات، والهمزة وتشديد
الواو فيه لغتان، والمراد الفاسق ذو المروءة كمكاس. قوله: (فقول الثاني بحر) الذي في البحر أنه رواية
عن الثاني. قوله: (في مقابلة النص) وهو قوله تعالى: * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * (الطلاق: 2) وقوله
تعالى: * (ممن ترضون من الشهداء) * (البقرة: 282) أي فلا يقبل، وأقره المصنف. قال في البحر: إن
ظاهر النص أنه لا يحل قبول شهادة الفاسق قبل تعرف حاله فإذا ظهر للقاضي من حاله الصدق وقبله
يكون موافقا للنص، إلا أن يريد بالنص قوله تعالى: * (وأشهدوا) * (الطلاق: 2) الآية، لكن فيه أن دلالته على عدم
قبول العدل إنما هي بالمفهوم، وهو غير معتبر عندنا، ولا سيما هو مفهوم لقب، مع أن الآية الأولى
تدل على قبول قوله عند التبيين عن حاله كما قلنا. تأمل. قوله: (وهي) أي الشهادة. قوله: (على
حاضر) أي خصم حاضر، والمراد به جنس الخصم ليشمل المتداعيين. قوله: (يحتاج الشاهد) أي في
قبول شهادته. قوله: (إلى الإشارة) أي إشارة الشاهد. قوله: (مواضع) الأولى أشياء. قوله: (بأن لا

492
يشاركه في المصر غيره) لم يشترط هذا في جامع الفصولين. شرنبلالية.
مطلب: إذا عرف باللقب واشتهر به لا يلزم ذكر أبيه وجده حيث لم يشتهر بهما
قوله: (فالمعتبر التعريف لا تكثير الحروف) قال في جامع الفصولين: والحاصل أن المعتبر حصول
المعرفة وارتفاع الالتباس بأي وجه كان. وقال في أثناء الفصل السابع في تحديد العقار ودعواه ما نصه:
كما لو كان الرجل معروفا مشهورا باسمه أو بلقبه لا بأبيه وجده يكتفي بذكر ما اشتهر به، وجهالة أبيه
وجده لا تضر التعريف، بل ذكره وعدمه سواء لعدم معرفة الناس به اه‍ ونحوه في نور العين. قوله:
(أو بلقبه) وكذا بصفته كما أفتى به في الحامدية، فيمن شهد أن المرأة التي قتلت في سوق كذا يوم كذا
وقت كذا قتلها فلان تقبل بلا بيان اسمها وأبيها حيث كانت معروفة لم يشاركها في ذلك غيرها. قال
في الأشباه: وتكفي النسبة إلى الزوج لان المقصود الاعلام، وفي العبد اسمه واسم مولاه وأبي مولاه،
ولا يكفي الاقتصار على الاسم إلا أن يكون مشهورا. قوله: (جامع الفصولين) أي في الفصل
التاسع. قوله: (ولا يسأل عن شاهد) أي عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أي لا يجب على الحاكم أن
يسأل عن الشاهد، بل يجوز له الاقتصار على ظاهر العدالة في المسلم. قوله: (بلا طعن من الخصم)
قال الرملي: ولو بالجرح المجرد، ولا ينافيه قوله فيما يأتي: ولا يسمع القاضي الشهادة على جرح مجرد
لان عدم سماعها لعدم دخوله تحت الحكم، وإلا فالخبر عن فسق الشهود يمنع القاضي عن قبول
شهادتهم والحكم بها، فالطعن به مسموع منه قبل التزكية، وسيظهر من مسائل الطعن، والله تعالى أعلم
اه‍. قوله: (إلا في حد وقود) أي فإنه يسأل عنهم للاحتيال في إسقاطها فيستقصى، ولأن الشبهة فيها
دارئة.
والحاصل: أنه إن طعن الخصم سأل عنهم في الكل، وإلا سأل في الحدود والقصاص وفي
غيرها محل الاختلاف. وقيل هذا اختلاف عصر وزمان، والفتوى على قولهما في هذا الزمان. بحر
عن الهداية. قوله: (وعندهما يسأل في الكل) أي وجوبا، وليس بشرط للصحة عندهما كما أوضحه
في البحر: أي فيأثم بتركه ولا يبطل الحكم اه‍. حموي.
قال في المحيط البرهاني: لو قضى بالحد ببينة ثم ظهر أنهم فساق بعد ما رجم فإنه لا ضمان على
القاضي لأنه لم يظهر الخطأ بيقين اه‍. وهذا يدل على أن القاضي لو قضى في الحدود قبل السؤال
بظاهر العدالة فإنه يصح وإن كان آثما، فقوله في الهداية: يشترط الاستقصاء معناه يجب، ومعنى قول الإمام
يقتصر الحاكم يجوز اقتصاره لا أنه يجب اقتصاره اه‍.
فرع: في الملتقط صبي احتلم لا أقبل شهادته ما لم أسأل عنه، ولا بد أن يتأتى بعد البلوغ
بقدر ما يقع في قلوب أهل محلته ومسجده أنه صالح أو غيره اه‍. قوله: (إن جهل بحالهم بحر)
وعبارته: ومحل السؤال على قولهما عند جهل القاضي بحالهم، ولذا قال في الملتقط: القاضي إذا

493
عرف الشهود بجرح أو عدالة لا يسأل عنهم اه‍. قوله: (سرا) بأن يبعث الرقعة ويقال لها المستورة
لسترها عن أعين الناس إلى المزكي، ويكتب في ذلك البياض نسب الشاهد وحليته ومسجده الذي
يصلي فيه، ثم يكتب المزكي الذي بعث القاضي إليه عدالته، بأن يكتب: هو عدل جائز الشهادة، وإن
لم يعرفه بشئ كتب: هو مستور، ومن عرفه بفسق لم يصرح به بل يسكت تحرزا عن هتك الستر، أو
يكتب الله تعالى أعلم به، إلا إذا عدله غيره وخاف أنه إن لم يصرح به يقضي بشهادته يصرح به. كذا
في البناية. وفائدة السر أن المزكي إذا جرح الشاهد يقول القاضي للمدعي هات شاهدا آخر ولا يقول
إنه مجروح. وفي هذا صيانة عن هتك حرمة المسلم وصيانة حال المزكي. ولو تعارض الجرح
والتعديل، قال العلامة قاسم: إذا جرح واحد وعدل واحد فعندهما الجرح أولى، لان مذهبهما أن
الجرح والتعديل بثبت بقول واحد كما لو كان في كل جانب اثنان.
مطلب: لو جرحه واحد وعدله اثنان فالتعديل، وإن جرحه اثنان وعدله عشرة فالجرح
وعند محمد تتوقف الشهادة حتى يجرحه واحد أو يعدله فيثبت الجرح أو التعديل، فإن جرحه
واحد وعدله اثنان فالتعديل أولى بالاجماع، وإن جرحه اثنان وعدله عشرة فالجرح أولى، فلو قال المدعي
بعد الجرح أنا أجئ بقوم صالحين يعدلونهم. قال في العيون قبل ذلك: وفي النوادر أنه لا يقبل، وهو
اختيار ظهير الدين. وعلى قول من يقبل إذا جاء بقوم ثقة يعدلونهم فالقاضي يسأل الجارحين فلعلهم
جرحوا بما لا يكون جرحا عند القاضي لا يلتفت إلى جرحهم، وهذا ألطف الأقاويل، وبه جزم في
الخانية. وكذا لو عدل المزكي الشهود سرا وطعن الشهود عليه وقال القاضي سل عنهم فلانا وفلانا
وسمى قوما يصلحون.
مطلب: لو عدل شاهد وقضي ومضى مدة وشهد في أخرى
ولو عدل شاهد في قضية وقضى به ثم شهد في أخرى: إن بعدت المدة أعيد التعديل، وإلا
لا. وفي الظهيرية: القاضي إذا عرف أحدهما بالعدالة فسأله عن صاحبه فعدله قال نصير لا يقبل،
ولابن سلمة قولان.
مطلب: إذا ردت الشهادة لعلة ثم زالت تلك العلة
وفي البزازية: من ردت شهادته في حادثة لعله ثم زالت العلة فشهد لم تقبل إلا في أربعة:
الصبي، والعبد، والكافر على المسلم، والأعمى إذا شهد وأفردت فزال المانع فشهدوا يقبل، وقد جمعها
العلامة المقدسي في قوله:
إن زالت العلة في شهاده * ردت فلا تقبل في الإعادة
في غير ما أربعة في العد * أعمى وكافر صبي عبد
مطلب: يفرق بين المردود بتهمة أو لشبهة
وفي البحر: يفرق بين المردود لتهمة وبين المرود لشبهة، فالثاني يقبل عند زوالها، بخلاف
الأول فإنه لا يقبل مطلقا إليه أشار في النوازل. وذلك كأجير الوحد لا تقبل شهادته ما دامت الإجارة قائمة، فإذا انقضت قبلت. قوله: (وعلنا) بفتح اللام مصدر علن الامر: ظهر وانتشر. وفي المصباح:
علن الامر علونا من باب قعد: ظهر وانتشر فهو عالن، وعلن علنا من باب تعب لغة، فهو علن

494
وعلين، والاسم العلانية، بأن يجمع بين المزكي والشاهد الذي زكاه ويقول للمزكي هذا هو الذي
زكيته. حموي.
قال في البحر: لو زكى من في السر علنا يجوز عندنا، والخصاف شرط تغايرهما. كذا في
البزازية. ولو قال المؤلف: ثم علنا ليفيد أنه لا بد من تقديم تزكية السر على العلانية لكان أولى، لما في
الملتقط عن أبي يوسف: لا أقبل تزكية العلانية حتى يزكي في السر اه‍. وشمل سؤال القاضي عن
الشاهد الأصلي والفرعي فيسأل عن الكل. كذا عن أبي يوسف. وعن محمد: يسأل عن الأولين، فإن
زكيا سأل عن الآخرين. كذا في الملتقط.
تنبيه: لا تجوز التزكية إلا أن تعرفه أنت أو وصف لك أو عرفت أن القاضي زكاه أو زكى
عنده. وقال محمد: كم من رجل أقبل شهادته ولا أقبل تعديله، يعني أن الشهادة على الظواهر ولا
كذلك التعديل، كذا في الملتقط. مطلب:
يشترط في التزكية شروط
فيشترط لجوازها شروط: الأول أن تكون الشهادة عند قاض عدل عالم. الثاني أن تعرفه وتختبره
بشركة أو معاملة أو سفر. الثالث أن تعرف أنه ملازم للجماعة. الرابع أن يكون معروفا بصحة المعاملة
في الدينار والدرهم. الخامس أن يكون مؤديا للأمانة. السادس أن يكون صدوق اللسان. السابع
اجتناب الكبائر. الثامن أن تعلم منه اجتناب الاصرار على الصغائر وما يخل بالمروءة. والكل في شرح
أدب القضاء للخصاف. وفي النوازل: من قال لا أدري أنا مؤمن أو غير مؤمن لا تعدله ولا تصل
خلفه.
مطلب: عرف فسق الشاهد فغاب ثم قدم
وفي البزازية: عرف فسق الشاهد فغاب غيبة منقطعة ثم قدم، ولا يدري منه إلا الصلاح لا
يجرحه المعدل ولا يعدله.
مطلب: لو كان معروفا بالصلاح فغاب ثم عاد فهو على عدالته
ولو كان معروفا بالصلاح فغاب غيبة منقطعة ثم حضر فهو على العدالة. والشاهدان لو عدلا
بعد ما تابا يقضى بشهادتهما، وكذا لو غابا ثم عدلا، ولو خرسا أو عميا لا يقضى. تاب الفاسق لا
يعدله كما تاب، بل لا بد من مضي زمان يقع في القلب صدقه في التوبة اه‍. بحر. وفيه: وشمل
إطلاقه ما إذا كان الشاهد غريبا، فإن كان ولا يجد معدلا فإنه يكتب إلى قاضي بلده ليخبره عن حاله
أو إلى أهل بلدته ليعرف حاله، وكذا غريب نزل بين ظهراني قوم لا يعدله حتى تبعد المدة ويظهر حاله
للقوم. وكان الامام الثاني يقول: إن المدة ستة أشهر ثم رجع إلى سنة، ومحمد لم يقدره بل على ما يقع
في القلوب الوثوق، وعليه الفتوى اه‍ ملخصا. قوله: (به يفتى) مرتبط بقوله وعندهما يسأل في الكل.
قال في البحر: والحاصل أنه إن طعن الخصم سأل عنهم في الكل إلى آخر ما قدمناه قريبا،
فكان ينبغي للمصنف أن يقدمه على قوله سرا وعلنا لئلا يوهم خلاف المراد فإنه سينقل أن الفتوى
الاكتفاء بالسر، وجزم به ابن الكمال في متنه. وذكر في البحر أن ما في الكنز خلاف المفتى به، وبه
ظهر أن ما يفعل في زماننا من الاكتفاء بالعلانية خلاف المفتى به بل في البحر لا بد من تقديم تزكية
السر على العلانية إلى آخر ما قدمناه آنفا، فتنبه.

495
أقول: وعمل قضاة زماننا الآن على تزكية السر والعلانية لورود الامر السلطاني بذلك. قوله:
(لأنهما كانا في القرن الرابع) بعد تغير أحوال الناس، فظهرت الخيانة والكذب. وأبو حنيفة كان في
القرن الثالث وهم ناس شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالخير والصلاح، فقال عليه الصلاة والسلام خير
القرون قرني الذي أنا فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل
قبل أن يستحلف، ويشهد قبل أن يستشهد اه‍. زيلعي. وهذا بناء على أن القرن خمسون سنة كما نقله
الأخضري في شرح السلم اه‍. ح.
وقال ابن حجر في شرح البخاري: يطلق القرن على مدة من الزمان. واختلفوا في تحديدها من
عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، لكن لم أر من صرح بالسبعين ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال
به قائل اه‍.
مطلب: تاريخ وفاة أئمتنا الثلاثة
وذكروا أن الامام مات سنة 150 مائة وخمسين، وأبو يوسف سنة 182 مائة واثنتين وثمانين،
ومحمد سنة 187 مائة وسبع وثمانين.
فإن قلت: هلا قال الشارح في القرن الثالث عوضا عن قوله في القرن الرابع لأنهم أدركوا أبا
حنيفة وهو من التابعين الذين هم أهل القرن الثاني، كما أن الصحابة هم أهل القرن الأول؟ فيجاب:
إن الذين كانوا يتحاكمون إلى الصاحبين هم أهل القرن الرابع وهم ما بعد أتباع التابعين. قوله:
(سراجية) عبارتها كما في البحر: أو الفتوى على أنه يسأل في السر. وقد تركت التزكية في العلانية في
زماننا كي لا يخدع المزكي أو يخوف اه‍. وقد كانت العلانية وحدها في الصدر الأول. ويروى عن
محمد تزكية العلانية بلاء وفتنة اه‍. قال القهستاني: وتزكية السر أحدثها شريح، وعليه الفتوى كما في
المضمرات وغيره. ويشكل ما في الاختيار أنه يسأل سرا وعلانية وعليه الفتوى اه‍.
قلت: يمكن إرجاعه إلى قوله يسأل: أي لا يكتفي بالعدالة الظاهرة، فهو ترجيح لقولهما.
تأمل. قاله سيدي الوالد. قوله: (لثبوت الحرية بالدار درر) ونحوه في الهداية، لكن في البحر:
واختار السرخسي أنه لا يكتفي بقول هو عدل، لان المحدود في قذف بعد التوبة عدل غير جائز
الشهادة، وكذا الأب إذا شهد لابنه فلا بد من زيادة جائز الشهادة كما في الظهيرية وينبغي ترجيحه
اه‍.
وفي البزازية: ينبغي أن يعدل قطعا ولا يقول هم عندي عدول لاخبار الثقات به، ولو قال لا
أعلم منهم إلا خيرا فهو تعديل في الأصح. قوله: (الحرية) مخالف لما نقل في بعض الشروح عن
الجامع الكبير من أن الناس أحرار، إلا في الشهادة والحدود والقصاص كما لا يخفى. فليتأمل.
يعقوبية. لكن ذكر في البحر عن الزيلعي أن هذا محمول على ما إذا طعن الخصم بالرق كما قيده
القدوري. قوله: (فهو) أي لفظ عدل بعبارته: أي بمنطوقه فيه أنه لا يكون كذلك إلا إذا كانت الحرية
تفهم منطوقا من العدل، ولا يطلق على العبد عدل مع أنه ليس كذلك ط. قوله: (بعبارته) أي

496
بمنطوقه وهو ما سيق الكلام له. قوله: (وبدلالته) هو الحكم الذي يساوي المنطوق لكن لم يسق النص
إليه، وهو يفيد أن المحدود في القذف لا يكون عدلا وليس كذلك، ولذا اختار السرخسي عدم
الاكتفاء بقوله هو عدل كما قدمناه آنفا. وقد جعل الحلبي مرجع الضمير في قوله: (فهو بعبارته) إلى
الأصل فيمن كان في دار الاسلام الحرية بمفهوم الموافقة المسمى بدلالة النص، فإنه بمنطوقه جواب
عن النقض بالعبد الوارد على قول المزكي هو عدل فقط، وبدلالته الذي هو مفهوم الموافقة جواب عن
النقص بالمحدود في القذف الوارد على عبارة المزكي السابقة، وإنما دل بمفهوم الموافقة عليه لان الأصل
فيمن كان في دار الاسلام عدم الحد في القذف أيضا فهو مساو اه‍. قوله: (والتعديل) أي التزكية.
قوله: (من الخصم) أي المدعى عليه والمدعي بالأولى كتعديل الشاهد نفسه، وأطلقه فشمل ماذا عدله
المدعى عليه قبل الشهادة أو بعدها كما في البزازية، ويحتاج إلى تأمل، فإنه قبل الدعوى لم يوجد منه
كذب في إنكاره وقت التعديل وكان الفسق الطارئ على المعدل قبل القضاء كالمقارن. بحر. قوله: (لم
يصح) أي لم يصح مزكيا، لان في زعم المدعي وشهوده أن المدعى عليه كاذب في الانكار ومبطل في
الاصرار، وتزكية الكاذب الفاسق لا تصح، هذا عند الامام رحمه الله تعالى. وعندهما: يصح إن كان
من أهله بأن كان عدلا، لكن عند محمد: لا بد من ضم آخر إليه. درر. ومفاده أنه لو كان مقرا
يصح.
قال في منية المفتي: المشهود عليه إذا كان ساكتا غير جاحد للحق فقال هم عدول يقبل
بالاتفاق، فإن جحد وقال هم عدول لكن أخطؤوا أو نسوا ففي صحة التعديل روايتان اه‍. وهذا
موضوع المسألة.
وفي شرح أدب القضاء للصدر الشهيد أن يكون مقرا بقوله صدقوا فيما شهدوا به علي، وبقوله
هم عدول فيما شهدوا به علي أطلقه وقيده. في البزازية: بما إذا كان المدعى عليه لا يرجع إليه في
التعديل، فإن كان صح قوله.
مطلب: جرح الشاهد نفسه مقبول
قال في البحر: وأما جرح الشاهد نفسه فمقبول لكنه يأثم بذلك حيث كان صادقا في شهادته لما
فيه من إبطال حق المدعي.
مطلب: تعديل أحد الشاهدين صاحبه وتعديل أحد الشاهدين صاحبه
فيه اختلاف. قال في الظهيرية: شاهدان شهد الرجل والقاضي
يعرف أحدهما بالعدالة ولا يعرف الآخر فعدله الذي عرفه القاضي بالعدالة. قال نصير رحمه الله تعالى:
لا يقبل القاضي تعديله. ولابن سلمة فيه قولان: وعن أبي بكر البلخي في ثلاثة شهدوا والقاضي
يعرف اثنين منهم بالعدالة ولا يعرف الثالث فإن القاضي يقبل تعديلهما لو شهد هذا الثالث شهادة

497
أخرى، ولا يقبل تعديلهما في الشهادة الأولى وهو كما قال نصير رحمه الله تعالى. قوله: (ولا تنس ما
مر عن الأشباه) أي قبيل التحكيم من أن الامام لو أمر قضاته بتحليف الشهود وجب على العلماء أن
ينصحوه ويقولوا له لا تكلف قضاتك إلى أمر يلزم منه سخطك إن خالفوك أو سخط الخالق إذا وافقوك اه‍ ح.
وأقول: وعبارة البحر بعد ما ذكر عبارة القلانسي من أن مختار ابن أبي ليلى استحلاف الشهود.
قال قلت: ولا يضعفه ما في الكتب المعتمدة كالخلاصة والبزازية من أنه لا يمين على الشاهد لأنه عند
ظهور عدالته والكلام عند خفائها، خصوصا في زماننا أن الشاهد مجهول الحال، وكذا المزكي غالبا
والمجهول لا يعرف المجهول، لكن قال العلامة المقدسي بعد ما ذكر ما في التهذيب للقلانسي: لا
يخفى أنه مخالف لما في الكتب المعتمدة.
ولا يقال: يجب العمل به لان الشاهد مجهول كالمزكي غالبا والمجهول لا يعرف المجهول. لأنا
نقول: الامر كذلك، لكن قال الفقيه: لو استقصى مثل ذلك لضاق الامر ولا يوجد مؤمن بغير عيب
كما قيل:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها * كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
أقول: لكن صدر الامر السلطاني أنه إذا ألح الخصم على القاضي بأن يحلف الشهود قبل الحكم
لتقوية الشهادة ورأى الحاكم لزوم ذلك فله إجابته كما في مادة 1727 من المجلة.
لطيفة في الملتقط عن غسان بن محمد المروزي قال: قدمت الكوفة قاضيا فوجدت فيها مائة
وعشرين عدلا فطلبت أسرارهم فرددتهم إلى ستة ثم أسقطت أربعة، فلما رأيت ذلك استعفيت
واعتزلت.
تنبيه: قال إسماعيل بن حماد حفيد أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وهو من جملة الأئمة. أخذ عن أبي
يوسف وزاحمه في العلم، ولو عمر لفاق المتقدمين والمتأخرين، لكنه مات شابا رحمه الله تعالى: أربعة
من الشهود لا أسأل عنهم.
شاهد غريب: وهو أن يجتمع الخصوم بباب القاضي ومنهم شخص يدعي الغربة والعزم على
السفر وفوت الرفاق بالتأخير وطلب تقديمه لذلك: أي بلا قرعة كما في البحر، فلا يقبل إلا بشاهدين
على ذلك، ولا يحتاج إلى تزكيتهما لتحقق الفوات بطول المدة بالتزكية.
الثانية: العدوى، وهي ما لو سمى شخصا بينه وبين المصر أكثر من يوم وله عليه دعوى لا
يرسل القاضي خلفه حتى يقيم بينة بالحق الذي عليه، ولا يشترط تعديلها. ونقل عن محمد أنه اشترط
تعديل هذين لما فيه من الالزام على الغير، وكل ما كان كذلك سبيله التعديل، وإليه مال الحلواني
وقال: إنه روى عن الامام.
الثالثة: شاهد رد الطينة، وهو ما لو ادعى على شخص ليس بحاضر معه بحق وذكر أنه امتنع
من الحضور معه أعطاه القاضي طينة أو خاتما وقال أره إياه وادعه إلي وأشهد عليه، فإن أراه ذلك
وقال لا أحضر وشهد عند القاضي بذلك مستوران لا يسأل عنهما. قالوا: وفيما نقل عن محمد إشارة
إلى تعديلهما حيث قيد بما فيه إلزام على الغير. وقال الصدر الشهيد: إن عدم التعديل أنظر للناس وبه
نأخذ لخوف اختفاء الخصم مخافة العقوبة، فإذا شهدا كتب إلى الوالي في إحضاره.

498
الرابعة: شاهد تعديل العلانية لا يشترط تزكيته ظاهرا بعد يؤال القاضي عن الشهود المطلوب
تعديلهم في السر ممن يثق به من أمنائه وأخبره بعدالتهم، ولا بد من المغايرة بين شهود السر والعلانية،
وإنما لم تشترط عدالتهم لأنها للاحتياط إجابة للمدعي إلى ما طلب اه‍. ذكر العلامة عبد البر في شرح
الوهبانية، ومثله في شرحها لمصنفها. وذكر في البحر أن ذلك في شهادة العلانية محمول على أن
مزكيها معروف العدالة لنقل الاجماع على أن تزكيه العلانية كالشهادة، أو هو محمول عن ما إذا تقدمت
التزكية سرا، ولئن كان ما ذكره العلامة عبد البر عن الامام إسماعيل مرادا فهو ضعيف لنقل الاجماع
على أن تزكية العلانية كالشهادة اه‍. قوله: (بما سمع) أي إن كان من المسموعات، وقوله: أو رأى
أي إن كان من المرئيات، وقد يكون الشئ مسموعا ومرئيا باعتبارين، وأشار بقوله: بما سمع إلى أنه
لا بد من علم الشاهد بما يشهد به، ولهذا قال في النوازل عن رجل ادعى على ورثة ميت مالا فالامر
بإثبات ذلك فأحضر شاهدين شهدا أن المتوفى قد أخذ من هذا المدعي منديلا فيه دراهم ولم يعلما كم
وزنها هل تجوز شهادتهما، وهل يجوز للشاهدين أن يشهدا بذلك؟ قال: إن كان الشهود وقفوا على
تلك الصرة وفهموا أنها دراهم وحرزوها فيما يقع عليه يقينهم من مقدارها شهدوا بذلك، وينبغي أن
يعتبروا جودتها فإنها قد تكون ستوقة، فإذا فعلوا ذلك جازت شهادتهم اه‍.
وفي خزانة الأكمل: رجل في يده درهمان كبير وصغير فأقر بأحدهما لرجل فشهدا أنه أقر
بأحدهما ولا ندري بأيهما أقر فإنه يؤمر بتسليم الصغير اه‍. قوله: (في مثل البيع) إن عقداه بإيجاب
وقبول كان من المسموعات، وإن بتعاط كان من المرئيات: وفيه يشهدون بالأخذ والاعطاء، ولو
شهدوا بالبيع جاز. بحر عن البزازية. قال في الدرر: ويقول: أشهد أنه باع أو أقر لأنه عاين السبب
فوجب عليه الشهادة كما عاين، وهذا إذا كان البيع بالعقد ظاهر، وإن كان بالتعاطي فكذلك، لان
حقيقة البيع مبادلة المال بالمال وقد وجد. وقيل: لا يشهدون على البيع بل على الاخذ والاعطاء لأنه بيع
حكمي لا حقيقي اه‍.
في البحر عن الخلاصة: رجل حضر بيعا ثم احتيج إلى الشهادة للمشتري، يشهد له بالملك
بسبب الشراء ولا يشهد له بالملك المطلق، لان الملك المطلق ملك من الأصل والملك بالشراء حادث
اه‍.
وانظر ما قدمناه في شتى القضاء وما سنذكره في باب الاختلاف في الشهادة إن شاء الله تعالى. قوله:
(والاقرار) هو باللسان من المسموعات بأن يسمع قول المقر لفلان علي كذا. قوله: (ولو بالكتابة) في
البحر عن البزازية ما ملخصه: إذا كتب إقراره بين يدي الشهود ولم يقل شيئا لا يكون إقرارا فلا تحل
الشهادة به ولو كان مصدرا مرسوما، وإن لغائب على وجه الرسالة على ما عليه العلامة لان الكتابة قد
تكون للتجربة. وفي حق الأخرس يشترط أن يكون معنونا مصدرا وإن لم يكن الغائب. وإن كتب
وقرأ عند الشهود مطلقا أو قرأه غيره وقال الكاتب: اشهدوا علي به أو كتبه عندهم وقال: اشهدوا علي بما
فيه وعلموا به كان إقرارا وإلا فلا، وبه ظهر أن ما هنا خلاف ما عليه العامة، لكن جزم به في الفتح
وغيره، وأفتى به الشيخ سراج الدين قارئ الهداية، إذا كان على رسم الصكوك واعترف بأنه خطه أو
شهدوا عليه به وقد شاهدوا كتابته وعرفوا ما كتبه أو قرأه عليهم. هذا حاصل ما أجاب به في

499
موضعين من فتاواه، وسيأتي قريبا إن شاء الله تعالى تمام الكلام على ذلك. قوله: (وحكم الحاكم) يكون
من المسموع إن كان بالقول، ويكون من المرئيات إن كان فعلا. قوله: (والغصب والقتل) من المرئيات.
قوله: (وإن لم يشهد عليه) لو قال بدله ولو قال: لا تشهد علي لكان أفود، لما في الخلاصة: لو قال المقر
لا تشهد علي بما سمعت تسعة الشهادة اه‍. فيعلم حكم ما إذا سكت بالأولى. بحر. وفيه: وإذا سكت
يشهد بما علم، ولا يقول: أشهدني لأنه كذب.
وفي النوازل: سئل محمد بن مقاتل عن شريكين يتحاسبان وعندهما قوم فقالا: لا تشهدوا علينا
بما تسمعونه منا ثم أقر أحدهما لصاحبه بشراء أو باع شيئا فطلب المقر له بعد ذلك منهم الشهادة،
قال: ينبغي لهم أن يشهدوا بذلك، وهو قول محمد بن سيرين. وأما الحسن البصري والحسن بن زياد
فإنهما يقولان: لا يشهدون به. قال الفقيه: وروي عن أبي حنيفة أنه قال: ينبغي لهم أن يشهدوا وبه
نأخذ اه‍ ثم قال بعده: قال الفقيه: إن كان يخاف على نفسه أنه إذا أقر بشئ صدق وادعى أن شريكه
قبض لا يصدقه يقول للمتوسط: اجعل كأن هذا المال على غيري وأنا أعبر عنه ثم يقول: قبض كذا وكذا
فيبين الجميع من غير أن يضيف إلى نفسه كي لا يصير حجة عليه اه‍. قوله: (ولو مختفيا يرى وجه المقر
ويفهمه) وإن لم يروه وسمعوا كلامه لا يحل لهم الشهادة إلا إذا دخل بيتا فرأى رجلا فيه وحده فخرج
وجلس على بابه وليس له مسلك غيره فسمع إقراره من الباب من غير رؤية وجهه حل له أن يشهد بما
أقر. كذا ذكره الخصاف.
وفي العيون: رجل خبأ قوما لرجل ثم سأله عن شئ فأقر وهم يسمعون كلامه ويرونه وهو لا
يراهم جازت شهادتهم، وإن لم يروه وسمعوا كلامه لا تحل لهم الشهادة اه‍. بحر. قوله: (لكن لو
فسر) بأن قال: إني شاهد على المحتجب. قوله: (لا تقبل) إذ ليس من ضرورة جواز الشهادة القبول
عند التفسير، فإن الشهادة بالتسامع تقبل في بعض الحوادث، لكن إذا صرح لا تقبل ط. قوله: (أو
يرى شخصها) في الملتقط: إذا سمع صوت المرأة ولم ير شخصها فشهد اثنان عنده أنها فلانة لا يحل له
أن يشهد عليها، وإن رأى شخصها وأقرت عنده فشهد اثنان أنها فلانة حل له أن يشهد عليها اه‍. بحر
من أول الشهادات. واحترز برؤية شخصها عن رؤية وجهها. قال في جامع الفصولين: حسرت عن
وجهها وقالت أنا فلانة بنت فلان بن فلان وهبت لزوجي مهري فلا يحتاج الشهود إلى شهادة عدلين
أنها فلانة بنت فلان ما دامت حية، إذ يمكن الشاهد أن يشير إليها، فإن ماتت فحينئذ يحتاج الشهود إلى
شهادة عدلين بنسبها. وقال قبله: لو أخبر الشاهد عدلان أن هذه المقرة فلانة بنت فلان يكفي هذا
للشهادة على الاسم والنسب عندهما، وعليه الفتوى، ألا ترى أنهما لو شهدا عند القاضي يقضي
بشهادتهما والقضاء فوق الشهادة فتجوز الشهادة بإخبارهما بالطريق الأولى، فإن عرفها باسمهما ونسبها
عدلان ينبغي للعدلين أن يشهد الفرع على شهادتهما فيشهد عند القاضي عليها بالاسم والنسب وبالحق
أصالة اه‍. وفيه: ولا يجوز الاعتماد عليهما بإخبار المتعاقدين باسمهما ونسبهما لعلهما تسميا وانتسبا
باسم غيرهما ونسبه يريدان أن يزورا على الشهود ليخرجا المبيع من يد مالكه، فلو اعتمد على قولهما
نفذ تزويرهما وبطل أملاك الناس.

500
مطلب: ما يغفل الناس عنه كثيرا من الشهادة على المتعاقدين
باسمهما ونسبهما بأخبارهما
وهذا فصل غفل عنه كثير من الناس، فإنهما يسمعون لفظ الشراء والبيع والاقرار والتقابض من
رجلين لا يعرفونهما، ثم إذا استشهدوا بعد موت صاحب البيع شهدوا على ذلك الاسم والنسب ولا
علم لهم بذلك، فيجب أن يحترز عن مثل ذلك. وطريق علم الشهود بالنسب أن يشهد عندهم جماعة
لا يتصور تواطؤهم على الكذب عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعندهما: شهادة رجلين كاف كما في
سائر الحقوق.
أقول: يحصل للقاضي العلم بالنسب بشهادة عدلين، فينبغي أن يحصل للشهود أيضا بشهادة
عدلين كما هو قولهما اه‍. وقيد برؤية الشخص لأنه لا يشترط رؤية الوجه لصحة الشهادة على المنتقبة
كما قال به بعض مشايخنا عند التعريف. شرنبلالية وإلى هذا مال خواهر زاده. وبعضهم قال: لا
يصح التحمل عليها بدون رؤية وجهها، ذكره سري الدين. قال أبو السعود: فتحصل منه أن الفتوى
على عدم اشتراط رؤية وجه المرأة.
أقول: ولا يخفى أن هذا كله عند عدم معرفته لها، أما إذا عرفها فيشهد عليها بدون رؤية
وجهها، ولكن هذا ظاهر إذا رأى وجهها ثم تنقبت فشهد على إقرارها مثلا في حال تنقبها فهذا لا
شك أنه لا يحتاج إلى تعريف من غيره، إذ تعريف غيره حينئذ لا يزيد على معرفته. وأما إذا كانت
متنقبة وكان يعرفها قبل فعرفها بصوتها وهيئتها ولم ير وجهها وقت التنقب أو الاقرار فهل يكفي ذلك؟
ظاهر إطلاقهم أنه لا يكفي. ففي العمادية قالوا: لا يصح التحمل بدون رؤية وجهها: وبه يفتي
شمس الاسلام الأوزجندي وظهير الدين المرغيناني اه‍، ولم يفصل بين ما إذا عرفها بصوتها أو لا.
وفي البيري على الأشباه: لا يجوز أن يشهد على من سمعه من وراء حائط أو من فوق البيت
وهو لا يراه وإن عرف كلامه، لان الكلام يشبه بعضه بعضا كما في التتارخانية.
وفي منية المفتي: أقرت من وراء حجاب لا يجوز أن يشهد على إقرارها إلا إذا رأى شخصها،
ولم يشترط في النوادر رؤية وجهها انتهى. وانظر كلام الفتح فإنه يفيد ذلك أيضا. قوله: (وعليه
الفتوى) مقابله ما تقدم قريبا من أنه لا بد من شهادة جماعة. ذكر الفقيه أبو الليث عن نصير بن يحيى
قال: كنت عند أبي سليمان فدخل ابن لمحمد بن الحسن فسأله عن الشهادة على المرأة متى تجوز إذا لم
يعرفها؟ قال: كان أبو حنيفة يقول: لا تجوز حتى يشهد عنده جماعة أنها فلانة. وكان أبو يوسف
وأبوك يقولان: يجوز إذا شهد عنده عدلان أنها فلانة، وهو المختار للفتوى وعليه الاعتماد، لأنه أيسر
على الناس انتهى.
واعلم أنهما كما احتاجا للاسم والنسب للمشهود عليه وقت التحمل يحتاجان عند أداء الشهادة
إلى من يشهد أن صاحبة الاسم والنسب هذه. وذكر الشيخ خير الدين أنه يصح التعريف ممن لا تقبل
شهادته لها سواء كانت الشهادة عليها أو لها. سائحاني بزيادة من البحر وغيره. قوله: (لان عند
الأداء) كذا وقع في المنح، وفيه حذف اسم إن وهو ضمير الشأن والجملة بعدها خبرها. قوله:

501
(فيضره) أي يضر المدعى عليه بغضه للفقيه. قوله: (ظاهرة) معنى دالة فعداه بعلى. قوله: (على
أنهما كخط كاتب واحد) لفظ على معنى في أو متعلق بمحذوف تقديره تدل، والأولى حذف الكاف
من كخط كما هو في المنح، وهو كذلك في بعض النسخ. قوله: (لا يحكم عليه بالمال) لأنه لا يزيد
على أن يقول هذا خطي وأنا حررته لكنه ليس علي هذا المال وثمة لا يجب، فكذا هنا. منح. قوله:
(خانية) عبارتها من الشهادات: رجل كتب صك وصية وقال للشهود اشهدوا بما فيه ولم يقرأ وصيته
عليهم. قال علماؤنا: لا يجوز للشهود أن يشهدوا بما فيه. وقال بعضهم: وسعهم أن يشهدوا،
والصحيح أنه لا يسعهم، وإنما يحل لهم أن يشهدوا بأحد معان ثلاثة: إما أن يقرأ الكتاب عليهم
وكتبه غيره، أو قرئ الكتاب عليه بين يدي الشهود فيقول هو لهم اشهدوا علي بما فيه، أو يكتب
هو بين يدي الشاهد ويعلم بما فيه ويقول اشهدوا علي بما فيه. قال أبو علي النسفي: هذا إن لم يكن
الكتاب مكتوبا على الرسوم، فإن كان مكتوبا على الرسم وكتب بين يدي الشهود والشاهد يعلم ما في
الكتاب وسعه أن يشهد، وإن لم يقل له اشهد علي بما فيه، هكذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى
في النوادر اه‍. وتمامه فيها. قوله: (واعتمده في الأشباه) قال في أحكام الكتابة: منها: وذكر القاضي
ادعى عليه مال وأخرج خطا وقال إنه خط المدعى عليه بهذا المال فأنكر أن يكون خطه فاستكتب فكتب
وكان بين الخطين مشابهة ظاهرة دالة على أنهما خط كاتب واحد لا يحكم عليه بالمال في الصحيح، لأنه
لا يزيد على أن يقول هذا خطي وأنا حررته لكن ليس علي هذا المال وثمة لا يجب. كذا هنا. قوله:
(لكن في شرح الوهبانية الخ) هذا قول القاضي النسفي، والعامة على خلافه كما في البحر، ونصه:
قال القاضي النسفي: إن كتب مصدرا مرسوما وعلم الشاهد حل له الشهادة على إقراره كما لو أقر
كذلك وإن لم يقل اشهد علي به، وعلى هذا إذا كتب للغائب على وجه الرسالة، أما بعد ذلك فلك
علي كذا يكون إقرارا لان الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر فيكون متكلما، والعامة على خلافه
لان الكتابة قد تكون للتجربة اه‍. قوله: (وفتاوى قارئ الهداية وعبارتها) سئل: إذا كتب شخص ورقة
بخطه إن في ذمته لشخص كذا ثم ادعى عليه فجحد المبلغ واعترف بخطه ولم يشهد عليه. أجاب إذا
كتب على رسول الصكوك يلزم المال، وهو أن يكتب يقول فلان بن فلان الفلاني: إن في ذمته لفلان بن
فلان الفلاني كذا وكذا فهو إقرار يلزم به، وإن لم يكتب على هذا الرسم فالقول قوله مع يمينه اه‍. ثم
أجاب عن سؤال آخر نحوه بقوله: إذا كتب إقراره على الرسم المتعارف بحضرة الشهود فهو معتبر
فيسع من شاهد كتابته أن يشهد عليه إذا جحده إذا عرف الشاهد ما كتب أو قرأه عليه، أما إذا شهدوا
أنه خطه من غير أن يشاهدوا كتابته لا يحكم بذلك اه‍.

502
وحاصل الجوابين: أن الحق يثبت باعترافه بأنه خطه أو بالشهادة عليه بذلك إذا عاينوا كتابته أو
قرأه عليهم، وإلا فلا، وهذا إذا كان معنونا. ثم لا يخفى أن هذا لا يخالف ما في المتن. نعم يخالف ما
في البحر عن البزازية في تعليل المسألة بقوله لأنه لا يزيد على أن يقول هذا خطي وأنا حررته لكن
ليس علي هذا المال وثمة لا يجب، كذا هنا. وقد يوفق بينهما بحمله على ما إذا لم يكن معنونا، لكن
هو قول القاضي النسفي كما في البزازية، وقد قدمنا أنه خلاف ما عليه العامة. قوله: (فراجع ذلك)
أراد بذلك أن يبين أن المسألة التي أفتى بها قارئ الهداية غير مسألة قاضيخان، فإن ما في قاضيخان
هو الذي ذكره المصنف كما وقفت عليه. والذي أفتى به قارئ الهداية هو ما في شرح الوهبانية
والملتقط كما علمت.
أقول: والحاصل أنه اضطرب كلامهم في مسألة العمل بالخط، ولعله مبني على اختلاف الرواية
أو أن فيه قولين كما يشعر به التعبير بلفظ قالوا كما قدمناه، والذي قدمناه عن البحر يفيد أن عامة
علمائنا على عدم العلم بالخط، وأشار العلامة البيري إلى أن قولهم لا يعتمد على الخط ولا يعمل
بمكتوب الوقف الذي عليه خطوط القضاة الماضين الخ يستثنى منه ما وجده القاضي في أيدي القضاة
الماضين وله رسوم في دواوينهم، ويشير إليه ما قاله في الاسعاف من أن ذلك استحسان، واستثنى
أيضا في الأشباه تبعا لما في قاضيخان والبزازية وغيرهما خط السمسار والبياع والصراف، وجزم به في
البحر وكذا في الوهبانية، وحققه ابن الشحنة وكذا الشرنبلالي في شرحها، وأفتى به المصنف ونسبه
العلامة البيري إلى غالب الكتب، قال: حتى المجتبى حيث قال: وأما خط البياع والصراف والسمسار
فهو حجة وإن لم يكن معنونا ظاهرا بين الناس وكذلك ما يكتب الناس فيما بينهم يجب أن يكون
حجة للعرف اه‍.
وفي خزانة الأكمل: صراف كتب على نفسه بمال معلوم وخطه معلوم بين التجار وأهل البلد ثم
مات فجاء غريم يطلب المال من الورثة وعرض خط الميت بحيث عرف الناس خطه حكم بذلك في
تركته إن ثبت أنه خطه وقد جرت العادة بين الناس بمثله حجة اه‍ ما قاله البيري. ثم قال بعده، قال
العلامة العيني: والبناء على العادة الظاهرة واجب، فعلى هذا إذا قال البياع: وجدت في يار كاري (1)
أي دفتر بخطي أو كتبت يار كاري بيدي أن لفلان علي ألف درهم كان هذا إقرارا ملزما إياه.
قلت: ويزاد أن العمل في الحقيقة إنما هو بموجب العرف لا بمجرد الخط، والله تعالى أعلم،
وأقره الشارح في باب كتاب القاضي إلى القاضي حيث قال: وفي الأشباه لا يعمل بالخط إلا في مسألة
كتاب الأمان، ويلحق به البراءات ودفتر بياع وصراف وسمسارا الخ.
مطلب في العمل بالدفاتر السلطانية
وكتب سيدي نقلا عن المحقق هبة الله البعلي في شرحه على الأشباه ما نصه: تنبيه: مثل
البراءات السلطانية الدفتر الخاقاني المعنون بالطرة السلطانية فإنه يعمل به، وللشارح رسالة في ذلك



(1) قوله: (ياركاري) بالياء المثناة التحتية والراء المهملة آخره راء مركب: معناه المذكر، وهو هنا الدفتر. وفي بعض
الأياركار. وفي بعض في تذاكر الباعة اه‍. منه.
503
حاصلها بعد أن نقل ما هنا من أنه يعمل بكتاب الأمان. ونقل جزم ابن الشحنة وابن وهبان بالعمل
بدفتر الصراف والبياع والسمسار لعلة أمن التزوير كما جزم به البزازي والسرخسي وقاضيخان، وأن
هذه العلة في الدفاتر السلطانية أولى كما يعرفه من شاهد أحوال أهاليها حين نقلها، إذ لا تحرر أولا إلا
بإذن السلطان، ثم بعد اتفاق الجم الغفير على نقل ما فيها من غير تساهل بزيادة أو نقصان تعرض على
المعين لذلك فيضع خطه عليها ثم تعرض على المتولي لحفظها المسمى بدفتر أميني فيكتب عليها ثم تعاد
أصولها إلى أمكنتها المحفوظة بالختم، فالأمن من التزوير مقطوع به، وبذلك كله يعلم جميع أهل الدولة
والكتبة، فلو وجد في الدفاتر أن المكان الفلاني وقف على المدرسة الفلانية مثلا يعمل به من غير بينة،
وبذلك يفتي مشايخ الاسلام كما هو مصرح به في بهجة عبد الله أفندي وغيرها، فليحفظ اه‍.
فالحاصل أن للدار على انتفاء الشبهة ظاهرا، وعليه فما يوجد في دفاتر التجار في زماننا إذا مات
أحدهم وقد حرر بخطه ما عليه في دفتره الذي يقرب من اليقين أنه لا يكتب فيه على سبيل التجربة
والهزل يعمل به والعرف جار بينهم بذلك، فلو لم يعمل به لزم ضياع أموال الناس إذ غالب بياعاتهم
بلا شهود، فلهذه الضرورة جزم به الجماعة المذكورون وأئمة بلخ كما نقله في البزازية، وكفى بالامام
السرخسي وقاضيخان قدوة، وقد علمت أن هذه المسألة مستثناة من قاعدة أنه لا يعمل بالخط، فلا يرد
ما مر من أنه تحل الشهادة بالخط على ما عليه العامة، ويدل عليه تعليلهم بأن الكتابة قد تكون
للتجربة، فإن هذه العلة في مسألتنا منتفية، واحتمال أن التاجر يمكن أن يكون قد دفع المال وأبقى
الكتابة في دفتره بعيد جدا، على أن ذلك: الاحتمال موجود، ولو كان بالمال شهود فإنه يحتمل أنه قد
أوفى المال ولم يعد به الشهود. ثم لا يخفى أنا حيث قلنا بالعمل بما في الدفتر فذاك فيما عليه كما يدل
عليه ما قدمناه عن خزانة الأكمل وغيرها. أما فيما له على الناس فلا ينبغي القول به، فلو ادعى بمال
على آخر مستندا لدفتر نفسه لا يقبل لقوة التهمة الكل من التنقيح لسيدي الوالد ملخصا. وتمامه فيه.
وانظر ما قدمه في كتاب القاضي. قوله: (ولا يشهد على شهادة غيره) ولو سمعه يشهد غيره فإنه لا
يسعه أن يشهد لأنه حمل غيره ط. قوله: (ما لم يشهد عليه) أي ما لم يقل له الشاهد أشهد على
شهادتي. قال في البحر: ولو قال المؤلف كما في الهداية ما لم يشهد عليها لكان أولى من قوله عليه لما
في الخزانة: لو قال اشهد علي بكذا أو أشهد على ما شهدت به كان باطلا ولا بد أن يقول اشهد على
شهادتي إلى آخره اه‍. قوله: (فلو فيه جاز) لأنها حينئذ ملزمة والتعليل يفيد أن القاضي قضى بها.
حموي، لكن قال سيدي: والظاهر أن المراد من كونها ملزمة: أي للقاضي الحكم بها، إذ لا يجوز له
تأخير الحكم إلا في مواضع تقدمت في القضاء كما صرح به في النهاية وفتح القدير وتبعهم الشارح.
أقول: وحينئذ لا يلزم ما أفاده التعليل من قضاء القاضي بها بالفعل. قوله: (ويخالفه تصوير
صدر الشريعة) حيث قال: سمع رجل أداء الشهادة عند القاضي لم يسع له أن يشهد على شهادته اه‍
ح. فإن حمل ذلك على أنه قبل القضاء به ارتفعت المنافاة ط.
أقول: وهو مؤيد لما قلناه آنفا في القولة التي قبل هذه. قوله: (وقولهم) عطف على تصويره:

504
أي ويخالفه قولهم ووجه المخالفة الاطلاق وعدم تقييد الاشتراط بما إذا كانت عند غير القاضي. قوله:
(لا بد من التحميل) مصدر فعل المضعف في المواضع الثلاثة ح. قوله: (وقبول التحميل) فلو أشهده
عليها فقال لا أقبل فإنه لا يصير شاهدا، حتى لو شهد بعد ذلك لا تقبل كما في القنية، وينبغي أن
يكون هذا على قول محمد من أنه توكيل، وللوكيل أن لا يقبل. وأما على قولهما من أنه تحميل فلا
يبطل بالرد لان من حمل غير شهادة لم تبطل بالرد. بحر. قوله: (على الأظهر) وهو قول العامة، لما في
الخلاصة معزيا إلى الجامع الكبير: لو حضر الأصيلان ونهيا الفروع عن الشهادة، صح النهي عند عامة
المشايخ. وقال بعضهم: لا يصح، والأول أظهر اه‍. بحر. قال ط: وجه المخالفة أن الأولين لم
يوجدا، لان الشاهد عند القاضي لم يحمل السامع والسامع لم يقبل.
وقد يقال: إن هذا بمنزلة الشهادة بالحكم نفسه لكونها بعد القضاء بها. ويقال في الثاني أيضا:
إن اشتراطه قول محمد لا قولهما، فليتأمل اه‍. قوله: (وإن لم يشهدهما القاضي عليه) أي فتحمل عبارة
النهاية السابقة على أنه سمعه في مجلس القاضي وحكم القاضي بشهادته فيشهد بحكم القاضي إلا
بشهادة الشاهد، لان الشهادة على الحكم لا تحتاج إلى الاشهاد والشهادة على الشهادة تحتاج إليه بلا قيد،
كما هو صريح عبارة صدر الشريعة حيث قال: سمع رجل أداء الشهادة عند القاضي لا يسعه أن يشهد
على شهادته. أفاده د. قوله: (وقيده أبو يوسف الخ) فيه تأمل، فإن القاضي لا يجوز له قضاء في غير
مجلس قضائه إذا كان معينا له، فلو كان هذا الخلاف فيما إذا سمعا القاضي يشهد على قضائه لكان
أظهر.
وفي حاشية الشلبي عن الكاكي: لو سمع قاضيا يشهد قوما على قضائه كان للسامع أن يشهد
على قضائه بغير أمره، لان قضاء القاضي حجة ملزمة، ومن عاين حجة حل له الشهادة بها، كما لو
عاين الاقرار والبيع اه‍. لكن قد سبق أن القاضي إذا حكم في غير نوبة القضاء وأجازه فيها صح فتدبر
ط. قوله: (كفى عدل واحد) قيد بالعدل لان خبر المستور لا يقبل في هذه الأشياء وإن كان اثنين،
وكذا الديانات كطهارة الماء ونجاسته وحل الطعام وحرمته. ويقبل خبر العدل أو المستورين في عز
الوكيل وحجر المأذون وإخبار البكر بإنكاح وليها وإخبار الشفيع بالبيع والمسلم الذي لم يهاجر. قوله:
(في اثني عشر مسألة) (1) منها الأحد عشر الآتية في النظم قال فيها: وزدت أخرى: يقبل قول أمين
القاضي إذا أخبره شهادة شهود على عين تعذر حضورها كما في دعوى القنية. أشباه. قوله: (منها
إخبار القاضي) من إضافة المصدر لمفعوله: أي إخبار العدل القاضي، والأولى حذفه للاستغناء عنه بما
نقله من النظم، ومعناه أن القاضي إذا حبس شخصا في مال عوض عن مال وقد ادعى أنه معسر فإنه
لا يصدقه ويحبسه مدة يراها، فإذا أخبره عدل بعد هذه المدة بإفلاسه فإنه يقبل خبره ويطلقه ط. قوله:
(بعد المدة) أي بعد أن حبسه القاضي مدة يعلم من حاله أنه لو كان له مال لقضى دينه ولم يصبر على



(1) قوله: (في اثني عشر مسألة) كذا في الشرح وتبعه الطحطاوي، والصواب اثنتي عشرة مسألة اه‍. مصححه.
505
ذل الحبس كما تقدم. مدني. قوله: (أي تزكية السر) عندهما: ورتب محمد تزكيته على مراتب الشهادة
الأربعة المتقدمة، فالمزكي في كل مرتبة مثل الشاهد. شرنبلالية: أي يشترط في تزكية الزنا أربعة
ذكور، وفي غيره من الحدود والقصاص رجلان، وفي غيرهما من الحقوق رجلان أو رجل وامرأتان،
وفيما لا يطلع عليه الرجال امرأة واحدة ترتيبها على ترتيب الشهادة لأنها كالشهادة، وبه قالت الثلاثة.
ومحل الاختلاف ما إذا لم يرض الخصم بتزكية واحد، فإن رضي الخصم بتزكية واحد فزكى جاز
إجماعا. بحر عن الولوالجية. قوله: (وأما تزكية العلانية فشهادة إجماعا) الأحسن ما في البحر حيث
قال: وقيدنا بتزكية السر للاحتراز عن تزكية العلانية فإنه يشترط لها جمع ما يشترط في الشهادة من
الحرية والبصر وغير ذلك، إلا لفظ الشهادة إجماعا، لان معنى الشهادة فيها أظهر فإنها تختص بمجلس
القضاء، وكذا يشترط العدد فيها على ما قاله الخصاف اه‍. ويشترط في المزكي علانية عدم العداوة
للمدعى عليه، فلو زكى أعداء المدعى عليه الشهود لا تصح التزكية لأنها شهادة كما صرح به في
التنقيح.
وفي البحر أيضا: وخرج من كلامه تزكية الشاهد بحد الزنا، فلا بد في المزكي فيها من أهلية
الشهادة والعدد والأربعة إجماعا، ولم أر الآن حكم تزكية الشاهد ببقية الحدود، ومقتضى ما قالوه اشتراط
رجلين لها اه‍. قال الدمياطي: أما قوله إجماعا ففيه تأمل، لأنه لم يسبقه خلاف يقابل به الاجماع.
قال في البحر: وينبغي للقاضي أن يختار في مزكي الشهود من هو أخبر بأحوال الناس وأكثرهم
اختلاطا بالناس مع عدالته عارفا بما يكون جرحا وما لا يكون غير طماع ولا فقير كي لا يخدع بالمال،
فإن لم يكن في جيرانه ولا أهل سوقه من يثق به اعتبر تواتر الاخبار، وخص في البزازية السؤال من
الأصدقاء اه‍. قوله: (وترجمة الشاهد) فيشترط أن لا يكون المترجم أعمى عند الامام، وهذا إذا لم
يعرف القاضي لغته، فإن كان عارفا بلسان الشاهد والخصم لم يجز ترجمة الواحد. والأولى أن يقال: لا
يحتاج القاضي إلى ترجمة. وذكر بعضهم أن الأولى كون القاضي عارفا باللغة التركية، واتخاذ المترجم
وقع في الجاهلية والاسلام. ولما جاء سلمان للنبي صلى الله عليه. وآله ترجم يهودي كلامه فخان فيه، فنزل جبريل
عليه السلام بحديث طويل، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله زيد بن ثابت أن يتعلم العبرانية فكان يترجم بها
وفي المصباح: ترجم فلان كلامه: إذا بينه وأوضحه، وترجم كلام غيره: إذا عبر عنه بلغة غير لغة
المتكلم، واسم الفاعل ترجمان بفتح التاء وضم الجيم في الفصيح، وقد تضم التاء تبعا للجيم وقد تفتح
الجيم تبعا للتاء، والجمع تراجم بكسر الجيم. والتزكية: المدح. قال في الصحاح: زكى نفسه تزكية:
مدحها اه‍. قوله: (والخصم) هو أعم من المدعي والمدعى عليه. قوله: (من القاضي) وكذا من المزكي
إلى القاضي كما في الفتح: أي فيكفي العدل الواحد للتزكية والترجمة والرسالة لأنها خبر وليست
بشهادة حقيقة، ولذا جوزوا تزكية العبد والمرأة والأعمى والمحدود في القذف إذا تاب، وكذا تزكية من
لا تقبل شهادته له كتزكية أحد الزوجين للآخر وتزكية الوالد لولده وبالعكس كما في العيني وصدر الشريعة. قوله: (وجاز تزكية عبد) أي لمولاه. قوله: (ووالد) لولده وعكسه وأحد الزوجي للآخر.
قوله: (في تقوم) أي تقوم الصيد الذي أتلفه المحرم، وكذا في متلف، بأن كسر شخص لشخص شيئا

506
فادعى أن قيمته مبلغ كذا فأنكر المدعى عليه أن يكون ذلك القدر فيكفي في إثبات قيمته قول العدل
الواحد. وذكر في البزازية من خيار العيب أنه يحتاج إلى تقويم عدلين لمعرفة النقصان فيحتاج إلى الفرق
بين التقويمين، ويستثنى من كلامه تقويم نصاب السرقة فلا بد فيه من اثنين كما في العناية ط. قوله:
(وأرش يقدر أي في نحو الشجاج. قوله: (والسلم) بسكون اللام للضرورة بمعنى المسلم فيه ح: أي
إذا اختلفا فيه بعد إحضاره. بحر. قوله: (وإفلاسه) أي إذا أخبر القاضي عدل بإفلاس المحبوس بعد
مضي المدة أطلقه مكتفيا به. حموي. قوله: (الارسال) أي رسول القاضي للمزكي. قوله: (والعيب
يظهر) أي إذا اختلف البائع والمشتري في إثبات العيب يكتفي في إثباته بقول عدل، ويظهر من
الاظهار (1) ضميره إلى العدل، والعيب مفعول مقدم. قوله: (وصوم على ما مر) أي من رواية الحسن
أنه يقبل العدل الواحد في الصوم بلا علة. قوله: (أو عند علة) من غيم أو غبار ونحوه على ظاهر
المذهب. قوله: (وموت) أي موت الغائب. قوله: (إذ للشاهدين يخبر) أي إذا شهد عدل عند رجلين
على موت رجل وسعهما أن يشهدا على موته. قوله: (والتزكية للذمي الخ) وهل يكفي فيه تزكية
الكافر الواحد، يحرر. حموي.
أقول: مقتضى ما مر في تزكية السير أنها تقبل لان المزكي في كل مرتبة مثل الشاهد، وحيث قبل
الأصل فالمزكي مثله من باب أولى على ما ظهر لي، فتأمله. قوله: (بالأمانة في دينه) بأن يكون محافظ
على ما يعتقده شريعة على ما هو الظاهر ط. قوله: (ولسانه) بأن لم يعهد عليه كذب. قوله: (ويده)
لعل المراد بها المعاملة، أو أن لا يكون سارقا ط. قوله: (وأنه صاحب يقظة) أي ليس بمغفل ولا
معتوه. قوله: (سألوا عنه عدول المشركين) قال أبو السعود: من هنا يعلم أن العدالة لا تستلزم الاسلام
اه‍: أي في حق الكافر، والأولى أن يقول: سأل: أي القاضي.
وفي البحر: يسأل: أي القاضي عن شهود الذمة عدول المسلمين وإلا سأل عنهم عدول الكفار،
كذا في المحيط والاختيار. قوله: (عدل) بالبناء للمفعول. قوله: (قبلت شهادته) ولا يحتاج إلى تعديل
جديد بع الاسلام، بخلاف الصبي الذي احتلم فإنه لا يقبل القاضي شهادته ما لم يسأل عنه أهل
محلته، ويتأنى بقدر ما يقع في قلوب أهل مسجد، كما في الغريب أنه صالح أو غيره كما قدمناه عن
البحر والظهيرية. قوله: (ولو سكر الذمي لا تقبل) لان السكر من المحرمات التي ذكرت في الإنجيل
فيكون بذلك فاسقا في دينه. قوله: (ولا يشهد من رأى خطه



(1) أي من باب الافعال مزيد الثلاثي بهمزة اه‍. منه.
507
إلخ) أي لا يحل للشاهد إذا رأى خطه أن يشهد حتى يتذكر، وكذا القاضي إذا وجد في ديوانه مكتوبا شهادة شهود ولا يتذكر ولا للراوي أن
يروي اعتمادا على ما في كتابه ما لم يتذكر، وهو قول الإمام، فلا بد عنده للشاهد من تذكر الحادثة
والتاريخ ومبلغ المال وصفته، حتى إذا لم يتذكر شيئا منه وتيقن أنه خطه وخاتمه لا ينبغي له أن يشهد،
وإن شهد فهو شاهد زور. كذا في الخلاصة. ولا يكفي تذكر مجلس الشهادة. وفي الملتقط وعلى
الشاهد أن يشهد وإن لم يعرف مكان الشهادة ووقتها اه‍. وجوز محمد للكل الاعتماد على الكتاب إذا
تيقن أنه خطه وإن لم يتذكر توسعة على الناس. وجوزه أبو يوسف للراوي والقاضي دون الشاهد.
وفي الخلاصة: أن أبا حنيفة ضيق في الكل حتى قلت روايته الاخبار مع كثرة سماعه، فإنه
روى أنه سمع من ألف ومائتي رجل غير أنه يشترط الحفظ وقت السماع وفي وقت الرواية اه‍. ومحل
الخلاف في القاضي إذا وجد قضاءه مكتوبا عنده: وأجمعوا أن القاضي لا يعمل بما يجده في ديوان
قاض آخر وإن كان مختوما. كذا في الخلاصة.
وقال شمس الأئمة الحلواني: ينبغي أن يفتي بقول محمد، وهكذا في الأجناس، وجزم في
البزازية. وفي المبتغى: من وجد خطه وعرفه ونسي الشهادة وسعه أن يشهد إذا كان في حوزه وبه
نأخذ اه‍. وعزاه في البزازية إلى النوازل. بحر.
قال سيدي الوالد ناقلا عن الجوهرة من أن عدم حل الشهادة إذا رأى خطه ولم يتذكر الحادثة هو
قولهما. وقال أبو يوسف: يحل له أن يشهد.
وفي الهداية محمد مع أبي يوسف. وقيل لا خلاف بينهم في هذه المسألة أنهم متفقون على أنه لا
يحل له أن يشهد في قول أصحابنا جميعا إلا أن يتذكر الشهادة، وإنما الخلاف بينهم فيما إذا وجد
القاضي شهادة في ديوانه، لان ما في قمطره تحت ختمه يؤمن عليه من الزيادة والنقصان فحصل له
العلم، ولا كذلك الشهادة في الصك لأنها في يد غيره، وعلى هذا إذا ذكر المجلس الذي كانت فيه
الشهادة أو أخبره قوم ممن يثق بهم أنا شهدنا نحن وأنت. كذا في الهداية.
وفي البزدوي: الصغير إذا استيقن أنه خطه وعلم أنه لم يرد فيه شئ بأن كان مخبوءا عنده أو
علم بدليل آخر أنه لم يزد فيه لكن لا يحفظ ما سمع، فعندهما: لا يسعه أن يشهد وعن أبي يوسف:
يسعه. وما قاله أبو يوسف هو المعمول به. وقال في التقويم: قولهما هو الصحيح ا ه‍ ما نقله سيدي
الوالد رحمه الله تعالى. ثم إن الشاهد إذا اعتمد على خطه على القول المفتى به وشهد وقلنا بقبوله
فللقاضي أن يسأله هل شهد عن علم أو عن خط إن قال عن علم قبله، وإن قال عن الخط لا كما في
البحر، وظاهر كلام المؤلف كمسكين أن الصاحبين متفقان، وقد علمت ما قدمناه، ونحوه في العيني
والزيلعي. قال أبو السعود: ويمكن دفع التنافي بأن عن الثاني روايتين. قوله: (وجوازه لو في حوزه
وبه نأخذ) تقدم في كتاب القاضي عن الخزانة أنه يشهد وإن لم يكن الصك في يد الشاهد، لان التغير
نادر وأثره يظهر، فراجعه. ورجح في الفتح ما ذكره الشيخ وذكر له حكاية تؤيده. قوله: (بما لم
يعاينه) أي بما لم يقطع به جهة المعاينة بالعين أو بالسماع. ط عن الكمال. ومثال الثاني العقود.
قوله: (إلا في عشرة) كلها مذكورة هنا متنا وشرحا آخرها قول المتن ومن في يده شئ الخ ح.

508
قلت: بل العاشر قوله وشرائطه وفي الطبقات السنية للتميمي في ترجمة إبراهيم بن إسحاق من
نظمه:
افهم مسائل ستة واشهد بها * من غير رؤياها وغير وقوف
نسب وموت والولاد وناكح * وولاية القاضي وأصل وقوف
قوله: (منها العتق) ذكر السرخسي أن الشهادة بالسماع في العتق لا تقبل بالاجماع. وذكر شيخه
الحلواني أن الخلاف ثابت فيه. فعن أبي يوسف الجواز، فالمعتمد عدم القبول فيه كالذي بعده. وفي
البحر: شرط الخصاف للقبول في العتق عند أبي يوسف أن يكون مشهورا وللعتق أبوان أو ثلاثة في
الاسلام ولم يشترطه محمد في المبسوط. وفي شرح العلامة عبد البر: التاسعة: الشهادة في
العتق. قالوا: لا يحل عندنا خلافا للشافعي، ثم نقل عن الحلواني ما تقدم.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى في تنقيحه: والعبد إذا ادعى حرية الأصل ثم العتق العارض
تسمع، والتناقض لا يمنع الصحة. وفي حرية الأصل لا تشترط الدعوى. وفي الاعتاق المبتدأ تشترط
الدعوى عند أبي حنيفة: وعندهما ليس بشرط. وأجمعوا على أن دعوى الأمة ليس بشرط خلاصة: أي
لأنها شهادة بحرية أمة فهي شهادة بحرمة الفرج. وتمامه فيه. قوله: (والولاء عند الثاني) أي في القول
الأخير له، والقول الأول له كالامام أنها لا تحل ما لم يعاين إعتاق المولى، وقول محمد مضطرب،
والظاهر أن المعتمد قول الإمام لعدم تصحيح قول الثاني. على أن بعضهم جعل ذلك رواية عنه لا
مذهبا، والدليل للامام كما في الزيلعي أن العتق ينبني على زوال الملك ولا بد فيه من المعاينة، فكذا ما
ينبني عليه ط. قوله: (والمهر على الأصح) أي من روايتين عن محمد لأنه من توابع النكاح فكان
كأصله. قال في البحر: ومن ذلك المهر، فظاهر التقييد أنه لا تقبل فيه به، ولكن في البزازية
والظهيرية والخزانة أن فيه روايتين، والأصح الجواز اه‍. ومثله في الخلاصة والشرنبلالية، فإن حمل ما
في هذه الكتب على أن الروايتين عن محمد فلا منافاة. قال في جامع الفصولين: الشهادة بالسماع
من الخارجين من بين جماعة حاضرين في بيت عقد النكاح بأن المهر كذا تقبل لا ممن سمع من غيرهم
اه‍. قوله: (والنسب) سواء جاز بينهما النكاح أو لا. بحر. فجاز أن يشهد أنه فلان بن فلان الفلاني
من سمع من جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب عند الامام وإن لم يعاين الولادة. وعندهما: إذا
أخبره بذلك عدلان يكفي، والفتوى على قولهما كما في شرح الوهبانية عن العمادية.
وفي التتارخانية: عن المحيط: وإذا قدم عليه رجل من بلد آخر وانتسب إليه وأقام معه دهرا لم
يسعه أن يشهد على نسبه حتى يشهد له رجلان من أهل بلده عدلان أو يكون النسب مشهورا.
وذكر الخصاف هذه المسألة وشرط لجواز الشهادة شرطين: أن يشتهر الخبر. والثاني أن يمكث
فيهم سنة، فإنه قال: لا يسعهم أن يشهدوا على نسبه حتى يقع معرفة ذلك في قلوبهم، وذلك بأن
يقيم معهم سنة، وإن وقع في قلبه معرفة ذلك قبل مضي السنة لا يجوز أن يشهد. روى عن أبي
يوسف أنه قدر ذلك بستة أشهر. والصحيح أنه إذا سمع من أهل بلده من رجلين عدلين حل له أداء
الشهادة، وإلا فلا، أما إذا سمع ذلك ممن سمع من المدعي لا يحل له أن يشهد وإن اشتهر ذلك فيما
بين الناس، لكنه إن شهد عنده جماعة حتى تقع الشهرة حقيقة وعرف ووقع عنده أنه ثابت النسب من

509
فلان أو شهد عنده عدلان حتى ثبت الاشتهار شرعا حل له أن يشهد اه‍.
وفي البحر عن البزازية: وفي دعوى العمومة لا بد أن يفسر أن عمه لامه أو لأبيه أو لهما،
ويشترط أن يقول هو وارثه لا وارث له غيره، فإن برهن على ذلك أو على أنه أخو الميت لأبويه لا
يعلمون أن له وارثا غيره يحكم له بالمال، ولا يشترط ذكر الأسماء في الأقضية، (1) إلى أن قال: ادعى
على آخر أنه أخوه لأبيه: إن ادعى إرثا أو نفقة وبرهن يقبل ويكون قضاء على الغائب أيضا، حتى لو
حضر الأب وأنكر لا تقبل ولا يحتاج إلى إعادة البينة، لأنه لا يتوصل إليه إلا بإثبات الحق على الغائب،
وإن لم يدع مالا بل ادعى الاخوة المجردة لا يقبل، لان هذا في الحقيقة إثبات البنوة على الأب المدعى
عليه والخصم فيه هو الأب لا الأخ، وكذا لو ادعى أنه ابن ابنه أو أبو أبيه والابن والأب غائب أو
ميت لا يصح ما لم يدع مالا، فإن ادعى مالا فالحكم على الحاضر والغائب جميعا، بخلاف ما إذا ادعى
على رجل أنه أبوه أو ابنه أو على امرأة أنها زوجته أو ادعت عليه أنه زوجها أو ادعى العبد على عربي
أنه مولاه عتاقة أو ادعى عربي على آخر أنه معتقه أو ادعت على رجل أنها أمته أو كان الدعوى في ولاء
الموالاة وأنكره المدعى عليه فبرهن المدعي على ما قال يقبل ادعى به حقا أو لا، بخلاف دعوى الاخوة
لأنه دعوى الغير، ألا ترى أنه لو أقر أنه أبوه أو ابنه أو زوجه أو زوجته صح أو بأنه أخوه لا لكونه
حمل النسب على الغير. وتمامه فيها.
وحاصل ما ينفعنا هنا: أن الشهود إذا شهدوا بنسب فإن القاضي لا يقبلهم ولا يحكم به إلا بعد
دعوى مال إلا في الأب والابن اه‍. وأراد بدعوى المال النفقة أو الإرث أو دعوى الاستحقاق في
الوقف والوصية ونحوها. سيدي الوالد رحمه الله تعالى.
وقال في البحر: ثم اعلم أن القضاء بالنسب مما لا يقبل النقض لكونه على الكافة كالنكاح
والحرية والولاء كما في الصغرى، وقد كتبنا في الفوائد أن القضاء على الكافة في هذه الأربعة، لكن
يستثنى من النسب ما في المحيط من باب الشهادة بالتسامع: شهدا أن فلان بن فلان مات وهذا ابن
أخيه ووارثه قضى بالنسب والإرث ثم أقام آخر البينة أنه ابن الميت ووارثه ينقض الأول ويقضي
للثاني، لان الابن مقدم على ابن الأخ. ولا تنافي بين الأول والثاني لجواز أن يكون له ابن وابن أخ
فينقض القضاء في حق الميراث لا في حق النسب (2) حتى يبقى الأول وابن عم له حتى يرث منه إذا
مات ولم يترك وارثا آخر أقرب منه، فإن أقام آخر البينة أن الميت فلان بن فلان ونسبه إلى أب آخر غير
الأب الذي نسبه إلى الأول فإنه ينظر، إن ادعى ابن أخيه لا ينقض القضاء الأول لأنه لما أثبت نفسه من
الأول خرج عن أن يكون محلا لاثباته في إنسان آخر، وليس في البينة الثانية زيادة إثبات إلى آخر ما
ذكره. والمراد بقوله من يثق به غير الخصم، إذ لو أخبره رجل أنه فلان بن فلان لا يسعه أن يعتمد على



(1) قوله: (ولا يشترط ذكر الأسماء في الأقضية) قال الرملي: وفي آخر الفصل الثاني من جامع الفصولين في دعوى
الحكم بلا تسمية القاضي بعد كلام قدمه: فالحاصل أنه في دعوى للفعل والشهادة على الفعل هل تشرط تسمية
الفاعل فيه اختلاف المشايخ رحمهم الله تعالى وأدلة الكتب فيها متعرضة ثم ذكر مسائل وقال: وهذه المسائل كلها
تدل على أن تسمية الفاعل ليست بشرط لصحة الدعوى والشهادة فتأمل عند الفتوى اه‍. منه.
(2) قوله: (فينقض القضاء في حق الميراث لا في حق النسب) هذا مناف لقوله لكن يستثنى من النسب إلخ اه‍. منه و
510
خبره ويشهد بنفسه، لأنه لو جاز له ذلك جاز للقاضي القضاء بقوله. كذا في خزانة المفتين. وشرط
فيها للقبول في النسب أن يخبره عدلان من غير استشهاد الرجل، فإن أقام الرجل شاهدين عنده على
نسبه لا يسعه أن يشهد اه‍. قوله: (والموت) فإذا سمع من الناس أن فلانا مات وسعه أن يشهد على
ذلك وإن لم يعاين الموت، وللزوجة أن تعمل بالسماع.
قال في البزازية: قال رجل لامرأة: سمعت أن زوجك مات لها أن تتزوج إن كان المخبر عدلا
اه‍. ولو شهد رجل بالموت وآخر بالحياة فالمرأة تأخذ بقول من كان عدلا منهما، سواء كان العدل أخبر
بالحياة أو الموت، ولو كان كلاهما عدلين تأخذ بقول من يخبر بالموت إن لم يؤرخا، فإن أرخا وتأخر
تاريخ شهادة الحياة فهي أولى كما في الظهيرية وغيرها.
وفي المحيط: لو جاء خبر موت إنسان فصنعوا له ما يصنع على الميت لم يسعه أن يخبر بموته
حتى يخبره ثقة أنه عاين موته، لان المصائب قد تتقدم على الموت إما خطأ أو غلطا أو حيلة لقسمة المال
اه‍. ولو قال المخبر إنا دفناه وشهدنا جنازته تقبل لأنها تكون شهادة على الموت، لكن قال في جامع
الفصولين من الفصل الثاني عشر: لو أخبرها عدل أن زوجها مات أو طلقها ثلاثا فلها التزوج، ولو
أخبرها فاسق تحرت. وفي إخبار العبد بموته إنما يعتمد على خبره لو قال عاينته ميتا أو شهدت جنازته
لا لو قال أخبرني مخبر به اه‍.
قال في البزازية: ولو أخبر واحد بموت الغائب واثنان بحياته، وإن كان المخبر عاين الموت أو
شهد جنازته وعدل لها أن تتزوج، هذا إذا لم يؤرخا أو أرخا وكان تاريخ الموت آخرا، وإن كان تاريخ
الحياة آخرا فشاهد الحياة أولى. وفي وصايا عصام: شهدا بأن زوجها فلانا مات أو قتل وآخر على
الحياة فالموت أولى اه‍. قال في البحر. وظاهر إطلاقه في الموت أنه لا فرق في الموت بين أن يكون
مشهورا أو لا، وقيده في المعراج معزيا إلى رشيد الدين في فتاواه بأن يكون عالما أو من العمال. أما إذا
كان تاجرا أو مثله فإنها لا تجوز إلا بالمعاينة اه‍. قال العلامة عبد البر: ولا نظفر بهذه الرواية في شئ
من الكتب في غير فتاواه اه‍. ومثله في جامع الفصولين. قال ط: فكأنه لم يسلم له هذا القيد لأنه لم
يستند إلى نص اه‍. فتأمل. قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى في التنقيح عازيا لصور المسائل: والنسب
والنكاح يخالف الموت، فإنه لو أخبره بالموت رجل أو امرأة حل له أن يشهد، وفي غيره لا بد من
إخبار عدلين. وأما في الموت فإنه يكفي فيه العدل ولو أنثى، هو المختار، إلا أن يكون المخبر منهما
كوارث وموصى له، كما في شرح الوهبانية شرح الملتقى للعلائي من الشهادة: شهد أنه شهد: أي
حضر دفن زيد أو صلى عليه فهو معاينة، حتى لو فسر للقاضي يقبله إذ لا يدفن إلا الميت ولا يصلي
إلا عليه درر آخر الشهادات اه‍. والقتل كالموت فيترتب عليه أحكامه من جواز اعتداد المرأة إذا أخبرت
بقتله كموته للتزوج كما نبه عليه العلامتان صاحب البحر والمقدسي لا من جهة ترتب القصاص.
قوله: (والنكاح) فلمن سمع به من جمع عند الامام وعدلين عندهما أن يشهد به. قهستاني.
وفي القنية: نكاح حضره رجلان ثم أخبر أحدهما جماعة أن فلانا تزوج فلانة بإذن وليها والآن
يجحد هذا الشاهد يجوز للسامعين أن يشهدوا على ذلك: وفي العمادية: وكذا تجوز الشهادة بالشهرة
والتسامع في النكاح، حتى لو رأى رجلا يدخل على امرأة وسمع من الناس أن فلانة زوجة فلان

511
وسعه أن يشهد أنها زوجته وإن لم يعاين عقد النكاح اه‍. ويشهد من رأى رجلا وامرأة بينهما انبساط
الأزواج أنها عرسه اه‍. درر.
وفي الخلاصة: إذا شهد تعريسه وزفافه أو أخبره بذلك عدلان حل له أن يشهد أنها امرأته. قال
في جامع الفصولين: الشهرة الشرعية أن يشهد عنده عدلان أو رجل وامرأتان بلفظ الشهادة من غير
استشهاد ويقع في قلبه أن الامر كذلك، ومثله في الظهيرية. قوله: (والدخول بزوجته) فإنها تقبل
بالسماع. ذكر في الخلاصة خلافا في الدخول، ففي فوائد أستاذنا ظهير الدين: لا يجوز لهم أن
يشهدوا على الدخول بالمنكوحة بالتسامع، ولو أراد أن يثبت الدخول يثبت الخلوة الصحيحة اه‍. لكن
أفاد العلامة عبد البر أنها تقبل بالسماع، ويترتب على قبولها أحكام كالعدة والمهر والنسب اه‍. قوله:
(وولاية القاضي) أي كونه قاضيا في ناحية كذا، فإنه لم سمعه من الناس جاز أن يشهد به، قهستاني.
وإن لم يعاين تقليد الإمام اه‍. عبد البر. وفي البحر وظاهر ما في المعراج أن الأمير كالقاضي فيزاد
الامرة اه‍. وصرح به في البزازية حيث قال: وكذا يجوز الشهادة على أنه قاضي بلد كذا أو والي بلد
كذا وإن لم يعاين التقليد والمنشور اه‍. وصرح به في الخلاصة أيضا: قال في البحر: وكذا إذا رأى
شخصا جالسا مجلس الحكم يفصل الخصومات جاز له أن يشهد على أنه قاض.
مطلب: إذا لم يكن الوقف قديما لا بد من ذكر واقفه في الشهادة عليه
قوله: (وأصل الوقف) بأن يشهد أن هذا وقف على موضع أو جماعة كذا، وهل ذكر المصرف شرط؟
في الكافي عن المرغياني نعم. وفي الخزانة: لا يشترط على المختار إن كان وقفا قائما ينصرف إلى
الفقراء. وذكر الشيخ ظهير الدين المرغيناني: إذا لم يكن الوقف قديما لا بد من ذكر واقفه ط. وفي
فتاوى قارئ الهداية: صورة الشهادة بالتسامع على أصل الوقف أن يشهدوا أن فلانا وقفه على الفقراء
أو على القراء أو على أولاده من غير أن يتعرضوا إنه شرط في وقفه كذا وكذا، فإن شهدوا على شرط
الواقف وأنه قال للجهة الفلانية كذا وللجهة الفلانية كذا فلا تسمع بالتسامع على شروط الواقف، لان
الذي يشتهر إنما هو أصل الوقف وأنه على الجهة الفلانية، أما الشروط فلا تشتهر فلا تجوز الشهادة على
الشروط بالتسامع اه‍. وتقدم في الوقف أنه تقبل الشهادة فيه من غير بيان الواقف لو قديما عند أبي
يوسف وأن الفتوى عليه، فراجعه. وهذا بالنسبة لنفس الوقف. أما الدعوى به بأن ادعى أن هذه
الأرض وقف وقفها فلان علي وذو اليد يجحد ويقول هي ملكي فيشترط بيان الواقف وأنه وقفه وهو
يملكه. قوله: (قيل وشرائطه على المختار) قال الطحطاوي: ولا وجه لذكر قيل فإنهما قولان
مصححان.
قال في البحر: وفي الفصول العمادية من العاشر: المختار أن لا تقبل الشهادة بالشهرة على
شرائط الوقف اه‍. وفي المجتبى: المختار أن تقبل على شرائط الوقف اه‍. واعتمده في المعراج، وأقره
الشرنبلالي وعزاه إلى العلامة قاسم، وقواه في الفتح بقوله: وأنت إذا عرفت قولهم في الأوقاف الذي
انقطع ثبوتها ولم يعرف لها مصارف وشرائط أنه يسلك بها ما كانت في دواوين القضاة لم تتوقف عن
تحسين ما في المجتبى، لان ذلك هو معنى الثبوت بالتسامع اه‍. أي لان الشهادة بالتسامع هي أن يشهد
بما لم يعاينه والعمل بما في دواوين القضاة عمل بما لم يعاين. وأيضا قولهم المجهولة شرائطه ومصارفه

512
يفهم منه أن ما لم يجهل منها يعمل بما علم منها، وذلك العلم قد لا يكون بمشاهدة الواقف بل
بالتصرف القديم، وبه صرح في الذخيرة حيث قال: سئل شيخ الاسلام عن وقف مشهور اشتبهت
مصارفه وقدر ما يصرف إلى مستحقيه قال: ينظر إلى المعهود من حاله فيما سبق من الزمان من أن قوامه
كيف يعملون فيه وإلى من يصرفونه، فيبني على ذلك لان الظاهر أنهم كانوا يفعلون ذلك على موافقة
شرط الواقف وهو المظنون بحال المسلمين فيعمل على ذلك اه‍. فهذا عين الثبوت بالتسامع. وفي
الخيرية: إذا كان للوقف كتاب في ديوان القضاة المسمى في عرفنا بالسجل وهو في أيديهم اتبع ما فيه
استحسانا إذا تنازع أهله فيه، وإلا ينظر إلى المعهود من حاله فيما سبق من الزمان من أن قوامه كيف
كانوا يعملون، وإن لم يعلم الحال فيما سبق رجعنا إلى القياس الشرعي، وهو أن من أثبت بالبرهان
حقا حكم له به اه‍. لكن قولهم المجهولة شرائطه الخ يقتضي أنها لو علمت ولو بالنظر إلى المعهود من
حاله فيما سبق من تصرف القوام لا يرجع إلى ما في سجل القضاة، وهذا عكس ما في الخيرية، فتنبه
لذلك.
أقول: ثم إن المراد من الشرائط والجهات كما وقع في عبارة الاسعاف وأوضحه الرملي أن
يقول: إن قدرا من الغلة لكذا ثم يصرف الفاضل إلى كذا بعد بيان الجهة، وليس معنى الشروط أن
يبين الموقوف عليه لأنه لا بد منه في إثبات أصل الوقوف كما تقدم آنفا. قال الرملي: والمراد بأصل
الوقف أن هذه الضيعة وقف على كذا، فبيان المصرف داخل في أصل الوقف. أما الشرائط فلا يحل
فيها الشهادة بالتسامع، وهو معنى قوله في فتح القدير: وليس في معنى الشروط أن يبين الموقوف عليه
اه‍. ويأتي تمام الكلام عليه قريبا إن شاء الله تعالى.
تنبيه: قال في البحر: ومسألة الشهادة بالوقف أصلا وشروطا لم تذكر في ظاهر الرواية، وأنها
قاسها المشايخ على الموت.
وقد اختلف فيها المشايخ: بعضهم قال يحل وبعضهم قال لا يحل، وبعضهم فصل كما سبق،
ولكن نقل الشلبي عن شرح المجمع للمصنف في كتاب الوقف أن قبول الشهادة بالتسامع في أصل
الوقف قول محمد، وبه أخذ الفقيه أبو الليث وهو المختار اه‍. قوله: (في بابه) أي باب الوقف في
فصل يراعى شرط الواقف، وتقدم هناك تحقيقه في الحاشية، فراجعه. قوله: (هو كل ما تعلق به
صحته) كأن يكون منجزا مسلما مجعولا آخره لجهة لا تنقطع ونحو ذلك مما ذكر في شروط صحته.
قال المصنف في الوقف: وبيان المصرف من أصله: أي لتوقف صحة الوقف عليه: أي فتقبل شهادة
على المصرف بالتسامع كأصله، وكونه وقفا على الفقراء أو على مسجد كذا تتوقف عليه صحته، بخلاف
اشتراط صرف غلته لزيد أو للذرية فهو من الشرائط لا من الأصل.
قال سيدي الوالد: ولعله هذا مبني على قول محمد باشتراط التصريح في الوقف بذكر جهة لا
تنقطع، وتقدم ترجيح قول أبي يوسف بعدم اشتراط التصريح به، فإذا كان ذلك غير لازم في كلام
الواقف فينبغي أن لا يلزم في الشهادة بالأولى لعدم توقف الصحة عليه عنده، ويؤيد هذا ما في الاسعاف
والخانية: لا تجوز الشهادة على الشرائط والجهات بالتسامع اه‍. ولا يخفى أن الجهات هي بيان المصارف،
فقد ساوى بينهما وبين الشرائط، إلا أن يراد بها الجهات التي لا يتوقف صحة الوقف عليها.

513
وفي التتارخانية: وعن أبي الليث تجوز الشهادة في الوقف بالاستفاضة من غير الدعوى، وتقبل
الشهادة الوقف وإن لم يبينوا وجها ويكون للفقراء اه‍.
وفي جامع الفصولين: ولو ذكر الواقف لا المصرف تقبل لو قديما ويصرف إلى الفقراء اه‍.
وهذا صريح فيما قلنا من عدم لزومه في الشهادة، والظاهر أنه مبني على قول أبي يوسف، وعليه فلا
يكون بيان المصرف من أصله، فلا تقبل فيه الشهادة بالتسامع كما سمعت نقله عن الخانية والاسعاف،
والظاهر أن هذا إذا كان المصرف جهة مسجد أو مقبرة أو نحوهما، أما لو كان للفقراء فلا يحتاج إلى
إثباته بالتسامع، لما علمت من أنه يثبت بالشهادة على مجرد الوقف، فإن ثبت الوقف بالتسامع يصرف
إلى الفقراء بدون ذكرهم كما علم من عبارة التتارخانية والفصولين.
وقد ذكر الخير الرملي توفيقا آخر بين ما ذكره المصنف وبين ما نقلناه عن الاسعاف والخانية،
بحمل جواز الشهادة على ما إذا لم يكن الوقف ثابتا على جهة، بأن ادعى على ذي يد يتصرف بالملك
بأنه وقف على جهة كذا فشهدوا بالسماع للضرورة في الأول دون الثاني، لان أصل جواز الشهادة فيه
بالسماع للضرورة والحكم يدور مع علته وجازت إذا قدم. قال: وقد رأيت شيخنا الحانوتي أجاب
بذلك اه‍ ملخصا. قوله: (وإلا) أي وإلا تتوقف عليه صحته كذكر الجهات من إمام ومؤذن أو تأبيد،
فإنه لا يشترط فيه في رواية عن الثاني، وعليها الافتاء كما تقدم آنفا. قوله: (بذلك) أي بالتسامع،
وإنما جازت الشهادة في هذه المواضع مع عدم المعاينة إذا أخبره بها من يثق به استحسانا دفعا للحرج
وتعطيل الاحكام إذ لا يحضرها إلا الخواص، فالنكاح لا يحضره كل أحد، والدخول لا يقف عليه
أحد، وكذا الموت لا يعاينه كل أحد وسبب النسب الولادة ولا يحضرها إلا القابلة. وسبب القضاء
التقليد ولا يعاين ذلك إلا الوزير ونحوه من الخواص، وكذا الوقف تتعلق به، وكذا بما مر أحكام
تبقى على مر الدهور، فلو لم يقبل فيها التسامع أدى إلى الحرج وتعطيل الاحكام. وتمامه في الحموي
ط. قوله: (من يثق الشاهد به من خبر جماعة) قال في الفتاوى الصغرى: الشهادة بالشهرة في النسب
وغيره بطريق الشهرة الحقيقية أو الحكمية. فالحقيقية أن يشتهر ويسمع من قوم كثيرين لا يتصور
تواطؤهم على الكذب، ولا يشترط في هذا العدالة بل يشترط التواتر. والحكمية أن يشهد عنده عدلان
من الرجال أو رجل وامرأتان بلفظ الشهادة، لكن الشهرة في الثلاثة الأول: يعني النسب والنكاح
والقضاء لا تثبت إلا بخبر جماعة لا يتوهم تواطؤهم على الكذب أو خبر عدلين بلفظ الشهادة وفي باب
الموت بخبر العدل الواحد وإن لم يكن بلفظ الشهادة. كذا في باب النسب من شهادات خواهر زاده
وكذا ذكر عدالة المخبر في الموت صاحب المختصر. شرنبلالية.
وفي الزيلعي: ولا يشترط في الموت لفظ الشهادة لأنه لا يشترط فيه العدد فكذا لفظ الشهادة.
وفي شهادة الواحد بخبر الموت قولان مصححان. ووجه القبول أن الموت قد يتفق في موضع لا يكون
فيه إلا واحد، فلو قلنا إنه لا تسمع الشهادة إلا بعدد لضاعت الحقوق ط. قوله: (لا يتصور تواطؤهم
على الكذب) هذا هو المتواتر عند الأصوليين، فإنه كما في المنار: الذي رواه قوم لا يحصى عددهم ولا
يتوهم تواطؤهم على الكذب. قال شارحه: ولا يشترط في التواتر عدد معين خلافا للبعض. قوله:
(بلا شرط عدالة) أي لا يشترط العدالة والاسلام في المخبرين حتى لو أخبر جمع غير محصورين من

514
كفار بلدة بموت ملكهم حصل لنا اليقين كما في شرح المنار. قوله: (أو شهادة عدلين) بالجر عطف
على خبر جماعة: يعني ومن في حكمهما وهو عدل وعدلتان كما في الملتقى: يعني أن الشهرة لها
طريقان: حقيقي وهو بالمتواتر، وحكمي وهو ما كان بشهادة عدلين، فقد ذكر ظهير الدين أن الاشتهار
بشهادة عدلين أو رجل وامرأتين بلفظ الشهادة بدون اشتهار ويقع في قلبه أن الامر كذلك، وقد تقدم
عن الصغرى. قوله: (إلا في الموت) قال في جامع الفصولين: شهد أن أباه مات وتركه ميراثا له إلا
أنهما لم يدركا الموت لا تقبل، لأنهما شهدا بملك للميت بسماع فلم تجز اه‍. قوله: (فيكفي العدل) أي
بالنسبة للشهادة. وأما القضاء فلا بد فيه من شهادة اثنين، لقولهم: وفي الموت مسألة عجيبة، هي إذا
لم يعاين الموت إلا واحد، ولو شهد عند القاضي لا يقضي بشهادته وحده ماذا يصنع؟ قالوا: يخبر
بذلك عدلا مثله، وإذا سمع منه حل له أن يشهد على موته فيشهد هو مع ذلك الشاهد فيقضي
بشهادتهما اه‍. ولا بد أن يذكر ذلك المخبر أنه شهد موته أو جنازته ودفنه حتى يشهد الآخر معه كما
قدمناه.
قال في الخلاصة: ولا يشترط أن يتلفظ المخبر بالموت بلفظ الشهادة عند من يشهد. أما الذي
يشهد عند القاضي يتلفظ الشهادة. وأما الفصول الثلاثة التي يشترط فيها شهادة العدلين ينبغي أن
يشهد عنده بلفظ الشهادة. قال أستاذنا ظهير الدين في الأقضية: وهذا اختيار الصدر الامام الشهيد
برهان الأئمة. وفي مختصر القدوري: إنما تجوز الشهادة بالتسامع إذا أخبره من يثق به، فهذا يدل على
أن لفظ الشهادة ليس بشرط اه‍.
وفي شرح ابن الشحنة: والجواب في القضاء والنكاح نظير الجواب في النسب، فقد فرقوا جميعا
بين الموت والأشياء الثلاثة فاكتفوا بخبر الواحد في الموت دونها. والفرق أن الموت قد يتفق في موضع
لا يكون فيه إلا واحد، بخلاف الثلاثة لان الغالب كونها بين جماعة. ومن المشايخ من لم يفرق. وتمامه
فيه.
وفي جامع الفصولين: والصحيح أن الموت كنكاح وغيره لا يكتفي فيه بشهادة الواحد، ومن
المشايخ من قال لا فرق بين الموت والثلاثة، وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع، موضوع مسألة
الموت إذا أخبره واحد عدل ولم يذكر العدل في الثلاثة، فلو كان المخبر في الثلاثة عدلا أيضا حل لهم
أن يشهدوا، ثم في الثلاثة إذا ثبت الشهرة عندها بخبر عدلين يجب الاخبار بلفظ الشهادة، وفي الموت
لما ثبت بخبر الواحد بالاجماع لا يجب بل يكتفي بمجرد الاخبار. قوله: (ولو أنثى) قال العلامة عبد
البر: إنها تجوز إذا سمع من محدود في قذف أو النسوان أو العبيد إذا كان الصدق ظاهرا، ولا يجوز من
الصبيان إلا إذا كان مميزا كلامه معتبر اه‍. قوله: (وهو المختار) لأنه قد يتحقق في موضع ليس فيه إلا
واحدة. بخلاف غيره. عيني. قوله: (وقيده شارح الوهبانية) عبد البر نقلا عن السير الكبير. قوله:
(كوارث وموصى له) كما قدمناه. قوله: (ومن في يده شئ) نقدا كان أو عرضا أو عقارا، وقد تقدم
أن هذه تمام العشرة، لكن في عدها من العشرة نظر. ذكره في البحر والفتح، ويأتي الكلام عليه قريبا
إن شاء الله تعالى. قوله: (سوى رقيق) يعم العبد والأمة. قوله: (علم رقه) صوابه لم يعلم رقه كما

515
هو ظاهر لمن تأمل. مدني. قال ط: إلا وجه لهذه الجملة، والذي أوقعه: أي الشارح في ذكرها عبارة
الشرنبلالية، ونصها: قوله سوى الرقيق المعبر: يعني إذا لم يعرف أنه رقيق لا يشهد به بمعاينة اليد،
وفي غير المعبر شهد برقه اه‍: أي بمعاينة اليد، ومراده أن الذي يعبر عن نفسه لا يشهد برقه بمعاينة
اليد إلا إذا علم رقه له، وهذا المعنى لم يفده المؤلف، فلو قال سوى رقيق يعبر عن نفسه ولم يعلم رقه
ثم يأتي بمفهومه لأصاب.
فالحاصل: أن المعنى فيه أنه لا يجوز له أن يشهد في رقيق لم يعلم رقه ويعبر عن نفسه إذا رآه في
يد غيره أنه ملكه، لان للرقيق يدا على نفسه تدفع يد الغير عنه فانعدم دليل الملك، حتى إذا ادعى أنه
حر الأصل كان القول قوله، ولا يمكن أن يعتبر فيه التصرف وهو الاستخدام، لان الحر يستخدم
طائعا كالعبد، إلا إذا علم رقه أو كان صغيرا لا يعبر عن نفسه فإنه كالمتاع لا يد له، فله أن يشهد فيه
لذي اليد أنه ملكه، وهذا هو المراد كما يظهر من عبارة البحر وغيرها، لكن الذي أوقع الشارح ما
نقلناه. قوله: (ويعبر عن نفسه) أي سواء كان بالغا أو غير بالغ وهذا تفسير للكبير
الواقع في عبارتهم سواء كان ذكرا أو أنثى كما في النهاية. والوجه فيه أن لهما: أي العبد والأمة
الكبيرين يدا على أنفسهما تدفع يد الغير عنهما فانعدم دليل الملك، حتى لو ادعيا الحرية الأصلية يكون
القول قولهما. وعن أبي حنيفة أنه يحل له أن يشهد فيهما أيضا اعتبارا بالثياب، والفرق ما بيناه، وإن
كانا صغيرين لا يعبران عن أنفسهما كالمتاع لا يد لهما فله أن يشهد بالملك لذي اليد بشرط أن لا يخبره
عدلان بأنه لغيره كما في البحر. قوله: (فلك أن تشهد به) أخرج المصنف عن مراده وإن كان الحكم
ظاهرا، وإنما جازت الشهادة بالشئ لواضع اليد لان اليد أقصى ما يستدل به على الملك إذ هي مرجع
الدلالة في الأسباب كلها فيكتفي بها.
صورته رجل رأى عينا في يد إنسان ثم رأى تلك العين في يد آخر والأول يدعي الملك يسعه أن
يشهد أنها للمدعي ط. قوله: (أنه له) أي لمن في يده بلا منازع. قوله: (إن وقع في قلبك ذلك) أي
إذا شهد بذلك قبلك وصدقه، وأسند هذا القيد في الظهيرية إلى الصاحبين. قال في البحر: وعن أبي
يوسف أنه يشترط مع ذلك أن يقع في قلبه أنه قالوا له: يعني المشايخ، ويحتمل أن يكون هذا تفسيرا
لاطلاق محمد في الرواية. قال في فتح القدير: قال الصدر الشهيد: وبه نأخذ، فهو قولهم جميعا اه‍.
قال الرازي: هذا قولهم جميعا إذ الأصل في حل الشهادة اليقين، فعند تعذره يصار إلى ما يشهد
له القلب، لان كون اليد مسوغا بسبب إفادتها ظن الملك، فإذا لم يقع في القلب ذلك الظن لم يفد مجرد
اليد، ولهذا قالوا: إذا رأى إنسان درة ثمينة في يد كناس أو كتابا في يد جاهل ليس في آبائه من هو
أهل له لا يسعه أن يشهد بالملك له، فعرف أن مجرد اليد لا يكفي. شرنبلالية. ويشترط أن لا يخبره
عدلان بأنها لغيره، فلو أخبره لم تجز الشهادة بالملك خلاصة، بخلاف ما إذا شهد به عدل واحد، لان
شهادة الواحد لا تزيل ما كان في قلبك أنه للأول، فلا يحل لك أن تمتنع عن الشهادة إلا أن يقع في
قلبك أن هذا الواحد صادق، فحينئذ لا يحل لك أن تشهد أنه للأول اه‍. شلبي. في الحاشية عن
الخانية: وكما جاز له أن يشهد أنه ملك بوضع اليد جاز له شراؤه إن لم يكن رآه قبله في يد غيره، فإن
كان وأخبره بانتقال الملك إليه أو بالوكالة منه حل الشراء، وإلا لا، كما إذا رأى جارية في يد إنسان
ثم رآها في بلدة أخرى وقالت أنا حرة الأصل لا يحل له أن ينكحها اه‍. وأفاد المصنف بعبارته أنه

516
عاين اليد وواضعا ليد، فلو لم يعاينهما وإنما سمع أن لفلان كذا فلا يجوز له الشهادة لأنه مجازفة، كما
لو عاين المالك لا الملك لأنه لم يحصل له العلم بالمحدود.
تنبيه: نقل الصدر حسام الدين في شرح أدب القاضي أنه إن عاين الملك دون المالك، بأن عاين
محدودا ينسب إلى فلان بن فلان الفلاني وهو لم يعاينه بوجهه ولا يعرفه بنفسه القياس أن لا تحل. وفي
الاستحسان: تحل لان النسب مما يثبت بالتسامع والشهرة فيصير المالك معروفا بالتسامع والملك معروف
فترتفع الجهالة، وكذا إذا أدرك الملك ولم يعاين الملك، والمالك امرأة لا يراها الرجال ولا تخرج، فإن
كان ذلك مشهورا عند العوام والناس فالشهادة على ذلك جائزة، يريد به إذا عاين الملك ووقع في قلبه
أن الامر كما اشتهر، وهذا قاصر على هذه الصورة. ذكره عبد البر. ولم يسمع مثل هذا لضاعت
حقوق الناس لان فيهم المحجوب ولا يبرز أصلا ولا يتصور أن يراه متصرفا فيه، وليس هذا إثبات
الملك بالتسامع وإنما هو إثبات النسب بالتسامع وفي ضمنه إثبات الملك به وهو لا يمتنع إثباته قصدا.
عيني تبعا للزيلعي. وعزاه في البحر إلى النهاية، وهذا هو النص، وقد بحث فيه الكمال بأن مجرد
ثبوت نسبه بالشهادة عند القاضي لم يوجب ثبوت ملكه لتلك الضيعة لولا الشهادة به، وكذا المقصود
ليس إثبات النسب بل الملك في الضيعة اه‍.
وفي البزازية: شهد أن فلان بن فلان مات وترك هذه الدار ميراثا ولم يدركا الميت فشهادتهما
باطلة، لأنهما شهدا بملك لم يعاينا سببه ولا رآياه في يد المدعي، ولو شهد دابة تتبع دابة وترضع منها
له أن يشهد بالملك والنتاج اه‍ ط.
وفي البحر: ولو رآه على حمار يوما لم يشهد أنه له لاحتمال أنه ركبه بالعارية، ولو رآه على حمار
خمسين يوما أو أكثر ووقع في قلبه أنه لو وسعه أن يشهد أنه له، لان الظاهر أن الانسان لا يركب دابة
مدة كثرة إلا الملك اه‍. قوله: (أي إذا ادعاه المالك) أشار به إلى التوفيق بينه وبين ما في الزيلعي متابعا
لصاحب البحر. وقد ذكره مجيبا به عن التنافي الواقع بين قول من قال إنه يقضي بمعاينة وضع اليد
كما في الخلاصة والبزازية، وبين قول الشارح أن القاضي لا يجوز له أن يحكم بسماع نفسه ولو تواتر
عنده ولا برؤية نفسه في يد إنسان، فحمل صاحب البحر كلام الأولين على ما إذا حصلت دعوى
وكلام الشارح على ما إذا لم تحصل دعوى. ورده المقدسي وحمل كلام الشارح على أن القاضي لا يقضي
قضاء محكما مبرما، بحيث لو ادعى الخصم لا يقبل منه، فلا ينافي أنه يقضي قضاء ترك، بمعنى أنه
يترك في يد ذي اليد ما دام خصمه لا حجة له، وقد صرح بذلك الشارح أول كلامه. وأما حمله على
ما إذا لم تحصل دعوى فغير صحيح، لان القضاء بغير دعوى لا يقع أصلا فلا يتوهم إرادته.
قال السيد أبو السعود: ولا حاجة إلى هذا التكلف لان المسألة مختلف فيها، فما في الزيلعي
يبتنى على قول المتأخرين من أن القاضي ليس له أن يقضي بعلمه، وهو المفتى به. وما في الخلاصة
والبزازية يبتنى على مقابله. قال في الحواشي السعدية: ولا يتوهم المخالفة بين ما ذكر الزيلعي وما في
النهاية، فإن ما في شرح الكنز هو ما إذا رأى القاضي قبل حال القضاء ثم رأى حال قضائه في يد
غيره كما لا يخفى اه‍. قوله: (وإن فسر الشاهد الخ) أي فيما يشهد فيه بالتسامع. وقالوا: ينبغي

517
للشاهد به أن يطلق الشهادة ولا يفسرها. حموي. قوله: (بالتسامع أو بمعاينة اليد) أي بأن يقول أشهد
لأني رأيته في يده يتصرف فيه تصرف الملاك والشهادة بالتسامع كما يذكرها الشارح أن يقول الشاهد
أشهد بالتسامع. قوله: (إلا في الوقف) لما تقدم من أنه يفتى بكل ما هو أنفع للوقف فيما اختلف
العلماء فيه، كما أشار إلى وجهه في الدرر بقوله: حفظا للأوقاف القديمة عن الاستهلاك.
وذكر المصنف عن فتاوى رشيد الدين أنه تقبل وإن صرحا بالتسامع، لان الشاهد ربما يكون
سنة عشرين سنة وتاريخ الوقف مائة سنة فيتيقن القاضي أنه يشهد بالتسامع لا بالعيان، فإذن لا فرق
بين السكوت والافصاح أشار إليه ظهير الدين المرغياني، وهذا بخلاف ما تجوز فيه الشهادة بالتسامع
فإنهما إذا صرحا به لا تقبل اه‍: أي بخلاف غير الوقف من الخمسة المارة فإنه لا يتيقن فيها بأن
الشهادة بالتسامع فيفرق بين السكوت والافصاح.
والحاصل: أن المشايخ رجحوا استثناء الوقف منها للضرورة وهي حفظ الأوقاف القديمة عن
الضياع، ولأن التصريح بالتسامع فيه لا يزد على الافصاح به، والله سبحانه أعلم. سيدي الوالد رحمه
الله تعالى. قوله: (على الأصح) هذا مخالف لما في المتون من الشهادات.
ففي الكنز وغيره: ولا يشهد بما لم يعاين إلا النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القاضي
وأصل الوقف، فله أن يشهد بها إذ أخبره بها من يثق به، ومن في يده شئ سوء الرقيق لك أن
تشهد أنه له، وإن فسر للقاضي أنه يشهد بالتسامع أو بمعاينة اليد لا تقبل. قال العيني: وإن فسر
للقاضي أنه يشهد بالتسامع في موضع يجوز بالتسمع أو فسر أنه يشهد له بالملك بمعاينة اليد، يعني
برؤية في يده لا تقبل، لان القاضي لا يزيد علما بذلك فلا يجوز له أن يحكم الخ، ومثله في الزيلعي.
مبسوط.
وفي شهادات الخيرية: الشهادة على الوقف بالسماع فيها خلاف، والمتون قاطبة قد أطلقت القول
بأنه إذا فسر أنه يشهد بالسماع لا تقبل، وبه صرح قاضيخان وكثير من أصحابنا اه‍. ومثله في فتاوى
شيخ الاسلام علي أفندي مفتي الروم اه‍ ملخصا من مجموعة ملا علي التركماني.
أقول: ولا تنس ما قدمناه آنفا من التصحيح في الوقف حفظا له عن الاستهلاك. قوله: (بل في
العزمية) أي حاشية عزمي زاده على الدرر، ونقله المصنف عن الخلاصة والبزازية. قوله: (معنى
التفسير) أي الذي ترد به الشهادة في غير الوقف والموت. قوله: (ولكنه اشتهر عندنا) أفاد العلامة نوح
في كتاب الوقف أن الشهرة للشئ بكونه مشهورا معروفا اه‍. وهذا يقتضي شهرته عند كل الناس أو
جلهم. وأما السماع من الناس الذي وقع في العبارة الأولى لا يفيد ذلك، لان كقول الشاهد أنا أشهد
بالسماع، وفسره في الدرر بأن يقولوا عند القاضي نشهد بالتسامع. وفي شهادات الخيرية: الشهادة
على الوقف بالسماع أن يقول الشاهد أشهد به لأني سمعته من الناس
أو بسبب أني سمعته من الناس ونحوه اه‍. وفسر الشارح الشهرة بالسماع فأفاد أنهما شئ واحد كما نبه عليه سيدي الوالد رحمه الله

518
تعالى. وفي حاشية نوح أفندي: الشهادة بالشهرة أن يدعي المتولي أن هذه الضيعة وف على كذا مشهور
ويشهد الشهود بذلك. والشهادة بالتسامع أن يقول الشاهد أشهد بالتسامع ا ه‍. ولا يخفى أن المآل واحد
وإن اختلفت المادة، فافهم. أفاده سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله: (جازت في الكل) أي فيما يجوز
فيه الشهادة بالتسامع كما في الخانية.
قال سيدي الوالد: أقول: بقي لو قال أخبرني من أثق به، وظاهر كلام الشارح أنه ليس من
التسامع، لكن في البحر عن الينابيع أنه منه اه‍.
وعبارة البحر: وفي الينابيع: تفسيره أن يقول في النكاح لم أحضر العقد، وفي غيره أخبرني من
أثق به أو سمعت ونحوه.
وحاصل ما يقال أنه إن أطلقا بأن يقولا نشهد على موت رجل فإنه يقبل، وإن قالا لم نعاين موته
وإنما سمعنا من الناس: فإن لم يكن موته مشهورا فلا تقبل بلا خلاف، وإن كان مشهور أذكر في
الأصل أنه تقبل. وقال بعضهم: لا تقبل، وبه أخذ الصدر الشهيد. وفي الغياثية: هو الصحيح، وإن
قالا نشهد أنه مات لأنه أخبرنا من شهد موته ممن نثق به جازت. وقال بعضهم: لا يجوز كما في
الحامدية. قوله: (وصححه شارح الوهبانية) أي العلامة عبد البر في شرحه عليها، وقد نظم جميع ما
تجوز به الشهادة بالشهرة والتسامع بقوله:
وقد جوزوها في النكاح بسمعه * وإن بينا ردت وتقبل أظهر
كذا نسب ثم الطريق سماعه * من الجمع ما كذب لهم يتصور
وأفتوا بما قالا بعدلين يكتفى * قضاء وفي موت كفى العدل يخبر
وقيل لكل والمصحح أن ذا * كما مر والاخبار فيه مؤثر
وفي غيره فالشرط لفظ شهادة * به أخذ الصدر الشهيد المصدر
وإن أطلقا سمعا ونفى عيانه * ترد إذا ما الموت لم يك يشهر
وأطلق بعض (1) ردها ثم صححوا * قبولا إذا قال الموثق يخبر
وبعض يقلبها بالسماع بموت من * غدا غير مشهور ولا بد ينظر
وقد جوزوها في الدخول ورجحوا * جواز المهر ثم في الوقف يذكر
خلاف شيوخ والصحيح جوازها * على الأصل دون الشرط فيما يحرر
وجوزها الثاني أخيرا على الولا * وفي العتق بعض قال والبعض ينكر
وفي الملك محدودا ويعزى لمالك * ولم يدر عينا إذ الامر أشهر
ويعزى إلى الخصاف في ذا جوازها * ومن دائن والخصم حي وموسر
فضمير بينا لشاهدي التسامع أي بينا أن شهادتهما بالتسامع ردت: أي الشهادة وضمير تقبل أيضا
لها، وقولي أظهر إشارة إلى تصحيح القبول، وضمير سماعه لمن يشهد، وضمير أفتوا للمشايخ،
وضمير قالا للصاحبين، والمراد بكل كل المسائل المتقدمة، والإشارة بذا إلى الموت كما مر في أنه لا بد



(1) قوله: (وأطلق بعض إلخ) هكذا بالأصل ولعله وأطلق بعض ردها ثم صححوا، وقوله وبعض يقبلها هكذا بالأصل
أيضا وهو غير مستقيم الوزن فليحرر
519
من إخبار عدلين، وضمير فيه للموت وترد للشهادة، وضمير قال للشاهد، والله تعالى أعلم.
قال في القنية بعد أن رقم لنجم الأئمة البخاري والقاضي البديع: تقبل شهادة المديون لرب
الدين. وفي المحيط: ولا تقبل شهادة رب الدين لمديونه إذا كان مفلسا. وشمس الأئمة الحلواني ووالد
صاحب المحيط قال: تقبل وإن كان مفلسا. وفي شرح الجامع للعتابي: لا تقبل بعد الموت لتعلق حقه
بالتركة، وكذا الموصى له بألف مرسلة أو شئ بعينه لأنه يزداد به محل الوصية أو سلامة عينه، ثم رمز
لقاضيخان وقال: إنه يجوز شهادته للحي دون الميت، هذا خلاصة ما في القنية، وقد ذكر فيها في
موضع بعد أن رقم لبرهان الدين صاحب المحيط: ادعى الكفيل عليها الكفالة فأنكرت تقبل شهادة
البائع بكفالتها كرب الدين إذا شهد لمديونه. وحاصله القبول إذا كان موسرا حيا. والقولان في المفلس
وعدم القبول بعد الموت قولا واحدا لتعلق حقه بالتركة كالموصى له، لكن رأيت في جامع الفتاوى
لحافظ الدين البزازي تقييد الجواز بما إذا شهد بما سوى جنس حقه، وهذا لا إشعار للنظم به كما لا
إشعار بالاختلاف في صورة المفلس، بل مفهوم عدم القبول في انعدام الحياة واليسار. والله تعالى
أعلم اه‍.
نقل الطحطاوي عن الحموي أن من صار خصما في حادثة لا تقبل شهادته فيها، ومن كان
بعرضية أن ينتصب خصما ولم ينتصب تقبل، وشهادة أجير الوحد لأستاذه لا تجوز في تجارته وغيرها
وإن كان عدلا وإن كان أجير مياومة أو مشاهرة أو مسانهة استحسانا، ولو مضت الإجارة وأعاد
شهادته تقبل، بخلاف الأجير المشترك حيث تقبل شهادته لأنه غير مملوك لا رقبة ولا منفعة، وتجوز
شهادة الدائن لمديونه ولو مفلسا بما هو من جنس دينه، ولو شهد لمديونه بعد موته لم تقبل. لان الدين
لا يتعلق بمال المديون حال حياته ويتعلق به بعد وفاته، وتقبل شهادة المديون لدائنه اه‍. والله تعالى
أعلم.
باب القبول وعدمه
لما فرغ (1) من بيان ما تسمع فيه الشهادة وما لا تسمع، وقدم ذلك على هذا لأنه محل والمحل
مشروط والشرط مقدم على المشروط. ثم معنى القبول لغة يقال: قبلت القول حملته: على الصدق. كذا
في المصباح. قوله: (لصحة الفاسق) أي لصحة القضاء بشهادته: أي وقد ذكره مما لا يقبل، وكما
يصح القضاء بشهادته الفاسق يصح بشهادة الأعمى والمحدود في القذف إذا تاب وبشهادة أحد
الزوجين مع آخر لصاحبه وبشهادة الوالد لولده وعكسه، حتى لا يجوز للثاني إبطاله وإن رأى بطلانه
اه‍. بحر عن خزانة المفتين.
أقول: لعله محمول على ما إذا كان القاضي يرى ذلك، بخلاف الحنفي بقرينة قوله حتى لا يجوز
للثاني الخ. تأمل. واستظهر الطحطاوي.



(1) قوله: (ولما فرغ إلخ) هكذا بالأصل وليحرر.
520
وذكر في منية المفتي في بحث القضاء في المجتهد فيه: قضى بشهادة محدودين في قذف وهو لا
يعلم بذلك ثم ظهر لا ينفذ قضاؤه، وعليه أن يأخذ المال من المقضى له، وكذا لو علم أنهما عبدان أو
كافران أو أعميان، وقيل ينفذ فإنه ذكر: إذا قضى بشهادة محدودين قد تابا ثم عزل أو مات ورفع ذلك
إلى قاض آخر لا يراه أمضى القضاء الأول اه‍.
قال سيدي الوالد: أقول: وسيذكر الشارح: أي صاحب البحر نفاذ القضاء بشهادة العدو على
عدوه وهل يقال مثل ذلك في شهادة الأجير الخاص؟ صارت واقعة الفتوى ولم أرها، لان العلة التهمة
لا الفسق على ما يحرره المؤلف فيما سيأتي في شهادة العدو، وهذه مثلها. قوله: (مثلا) أشار به إلى
أحد القولين من نفاذ القضاء بشهادة الأعمى أو أحد الزوجين أو الوالد لولده أو عكسه، فالمراد من
عدم القبول عدم حله كما في البحر. وفيه أنه لا يجوز للثاني إبطاله وإن رأى بطلانه في كل ذلك اه‍،
وهذا إذا لم يؤيد قضاءه بأرجح الأقوال كما مر. قوله: (كما حققه المصنف تبعا ليعقوب باشا) أفاد عنه
أن كل شهادة يكون سبب ردها الفسق إذا قبلها يصح كالمخنث والنائحة والمغني، ومن يلعب بالطيور
أو الطنبور أو يغني للناس، ومن يظهر سب السلف ومن ارتكب ما يحد له.
ويصح قبول شهادة الأعمى لقول مالك بقبولها مطلقا كالبصير، أما المملوك لا يصح قبول
شهادته، وكذا العدو بسبب الدنيا لأنه ليس بمجتهد فيه، وكذا السيد لعبده ومكاتبه والأجير لما ذكر،
وكذا من يبول في الطريق أو يأكل فيه لأنه لم ينقل فيه خلاف حتى يكون مجتهدا فيه، ولم يصرحوا
بكونه فسقا حتى يدخل في حكمه اه‍. وسيأتي تحقيقه. قوله: (تقبل من أهل الأهواء) أي قبولا عاما
على المسلمين وغيرهم، بل المراد أصل القبول، فلا ينافي أن بعضهم كفار كما يأتي قريبا إن شاء الله
تعالى لان فسقهم من حيث الاعتقاد، وما أوقعهم فيه إلا التعمق والغلو في الدين، والفاسق إنما ترد
شهادته لتهمة الكذب، فصاروا كمن يشرب المثلث أو يأكل متروك التسمية عمدا مستبيحا لذلك من
حيث التعاطي.
قال في المغرب: أهل الأهواء من زاغ عن طريقة أهل السنة والجماعة وكان من أهل القبلة.
والأهواء جمع هوى مصدر هويته من باب تعب، إذا أحبه واشتهاه، ثم يسمى به المهوى والمشتهى
محمودا كان أو مذموما ثم غلب في المذموم. والهواء ممدود: هو المسخر بين السماء والأرض، والجمع
أهوية. وأهل الأهواء ليسوا بطائفة بعينها، بل يطلق على كل من خالف السنة بتأويل فاسد. قوله: (لا
تكفر) فمن وجب إكفاره منهم فالأكثر على عدم قبوله كما في التقرير. وفي المحيط البرهاني: وهو
الصحيح، وما ذكره في الأصل محمول عليه. بحر.
وفيه عن السراج: وأن لا يكون ماجنا، ويكون عدلا في تعاطيه، واعترضه بأنه ليس مذكورا
في ظاهر الرواية، وفيه نظر، فإن العدالة شرطت في أهل السنة والجماعة فما ظنك في غيرهم.
تأمل.
وفي فتح القدير: قال محمد بقبول شهادة الخوارج إذا اعتقدوا ولم يقاتلوا، فإذا قاتلوا ردت
شهادتهم لاظهار الفسق بالفعل. قوله: (كجبر) أهله طائفة نافون لقدرة العبد، والأولى حذف الكاف

521
ويقول والهوى الجبر الخ. ويكون بيانا لأهل الأهواء في ذاتهم لا من تقبل شهادته منهم. قوله:
(وقدر) هم النافون للقضاء والقدر عنه تعالى، والقائلون إن العبد يخلف أفعال نفسه. قوله: (ورفض)
هم الملعونون اللاعنون الصهرين وغيرهما من الاخبار. كذا في القهستاني. فهم من أهل الأهواء وإن لم
تقبل شهادتهم، بخلاف من يفضلهما وعليا (1) على الشيخين. قوله: (وخروج) هم المكفرون للختنين
وطلحة والزبير ومعاوية. قوله: (وتشبيه) ذكر بدله القهستاني المرجئة وهم النافون ضرر الذنب مع
الايمان. ثم قال بعد كل: من كفر منهم كالمجسمة والخوارج وغلاة الروافض والقائلين بخلق القرآن
لا تقبل شهادتهم على المسلمين. كذا في المشارع اه‍. فعد هؤلاء الفرق لبيان أهل الأهواء في ذاتهم لا
لمن تقبل شهادته منهم، ويدل عليه ما في البحر عن النهاية أن أصول الهوى ستة وذكر ما ذكره
المؤلف. قوله: (وتعطيل) هم القائلون بخلو الذات عن الصفات. قوله: (فصاروا اثنتين وسبعين) فرقة
كلهم في النار، والفرقة الزائدة على هذا العدد هي الناجية، وهي ما كانت على ما كان عليه النبي صلى
الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، ففي الحديث الشريف: وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها
في النار إلا واحدة، قلنا: من هي يا رسول الله، قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي وإضافة
الفرقة الناجية من النار وهم أهل السنة والجماعة في الحديث الشريف إلى ما ذكر تكملة إلى الثلاث
والسبعين فرقة.
ولنذكرها على طريق الاجمال فنقول: أصناف الخوارج اثنا عشر: الأزرقية والإباحية والخازمية
والتغلية والخلقية والكوزية والمكتوية والمعتزلة (2) والميمونية والمجلية والأخنسية والمشراقية.
وأصناف الروافضة اثنا عشر أيضا: العلوية والاموية والشعيبية والإسحاقية والزيدية والعباسية
والإسماعيلية والامامية والمتناسخة والأعينية والراجعية والمرشية.
وأصناف القدرية اثنا عشرة أيضا الخمرية والشعرية والكيسانية والشيطانية والشركية والوهمية
والعروندسية والمناسية والمتبرية والباسطية والنظامية والمعتزلة.
وأصناف الجبرية اثنا عشر أيضا: المطرية والافعالية والمركوعية والصنجارية والمباينة والصبية
والسابقية والحرفية والكرفية والخشية والحشرية والمعينية.
وأصناف الجهمية: أي التعطيل اثنا عشر أيضا: المعطلة واللازقية والمواردية والخرقية والمملوقية
والقهرية والغائية والزنادقة والراهفية والقطية والمرسية والعبرية.
وأصناف المرجئة اثنا عشر أيضا: التاركية والسبئية والراجية والشاكية والبهشية والعملية والمشبهة
والأقربة والبدعية والمنبسية والحشوية والبعوضية كما في فتاوى الشيخ أمين الدين بن عبد العال. قوله:
(إلا الخطابية) نسبة إلى أبي الخطاب. واختلف في اسمه. قيل محمد بن وهب الأجدع، وقيل محمد بن



(1) بخلاف من يفضلها وعليا) كذا بالأصل ولعل الصواب من يفضل عليا إلخ فليحرر اه‍. مصححه
(2) قوله: (والمعتزلة) سيأتي بعدهم في أصناف القدرية فلعل أحدهما محرر عن لفظ آخر، وبالجملة فلتنظر هذه الأسماء
جميعها في محل آخر اه‍. مصححه.
522
أبي زينب الأسدي الأجدع، وكان يقول بإمامة إسماعيل بن جعفر، فلما مات إسماعيل رجع إلى القول
بإمامة جعفر وغلوا في ذلك غلوا كبيرا. وقال في شرح الأقطع: هم قوم ينسبون إلى أبي الخطاب:
رجل كان بالكوفة حارب عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن عباس وأظهر الدعوة إلى جعفر فتبرأ
منه ودعا عليه فقتل هو وأصحابه، قتله وصلبه عيسى بالكناسة بالضم: محل بالكوفة لأنه كان يزعم أن
عليا هو الاله الأكبر وجعفر الصادق هو الاله الأصغر، وكانوا يعتقدون أن من ادعى منهم شيئا على
غيره يجب أن يشهد له بقية شيعته، وذكر شمس الأئمة السرخسي أنهم ضرب من الروافض يجوزون
أداء الشهادة إذا حلف المدعي بين أيديهم أنه محق في دعواه ويقولون المسلم لا يحلف كاذبا. قوله:
(يرون الشهادة لشيعتهم) أي واجبة. قهستاني. قوله: (ولكل من حلف أنه محق) الأولى التعبير بأو كما في الفتح بدل الواو لأنهما قولان كما
في البحر والفتح وغيرهما واختلطا في عبارة الشارح. نعم في
شرح المجمع كما هنا.
وفي تعريفات السيد الشريف ما يفيد أنهم كفار، فإنه قال ما نصه: قالوا الأئمة الأنبياء وأبو
الخطاب نبي اه‍، وهؤلاء يستحلون شهادة الزور لموافقيهم على مخالفيهم وقالوا: الجنة نعيم الدنيا والنار
آلامها اه‍. قوله: (فردهم) أي عن أداء الشهادة. قوله: (لا لبدعتهم لأنها غير مكفرة) إذا لم يعتقدوا
اعتقاد رئيسهم. قوله: (بل لتهمة الكذب) ومن التهمة المانعة أن يجر الشاهد بشهادته إلى نفسه نفعا أو
يدفع عن نفسه مغرما. خانية. قوله: (ولم يبق لمذهبهم ذكر) لفنائهم وانقراضهم. قوله: (ومن الذمي
الخ) لأنه عليه الصلاة والسلام أجاز شهادة النصارى بعضهم على بعض، ولأنه من أهل الولاية على
نفسه وأولاده الصغار فيكون من أهل الشهادة على جنسه، والفسق من حيث الاعتقاد غير مانع لأنه
يجتنب عما يعتقده محرم دينه، والكذب محرم في الأديان كلها، قيد بالذمي لان المرتد لا شهادة له لأنه
لا ولاية له.
مطلب: شهادة المرتد
واختلفوا في شهادة مرتد على مثله، والأصح عدم قبولها بحال. كذا في المحيط البرهاني.
مطلب: في شهادة الدرزي
ويلحق به الدرزي كما أفتى به الخير الرملي والعلامة علي أفندي المرادي في رسالته (أقوال الأئمة
العالنة في أحكام الدروز والتيامنة) قال العلامة السيد محمود أفندي حمزة مفتي دمشق الشام في فتواه في
جواب سؤال رفع إليه ي شهادة أهل الأهواء الكفرة: هل تقبل على بعضهم سواء كانوا متفقين في
الاعتقاد أم مختلفين، وسواء كانوا أهل كتاب أم لا؟ فكتب حفظه الله تعالى جوابا حاصله بعد ذكر
النقول والتفصيل: وأما شهادة الكفارة الذين لا يقرون على ما هم عليه من العقيدة كأهل الأهواء المكفرة
والمنافقين والباطنية والزنادقة والمجوس والدروز والتيامنة والنصيرية والمرتدين فلا تقبل شهادتهم على
أحد، سواء كان مثلهم في الاعتقاد أو مخالفا لهم لعم ولايتهم. قال في الداماد شرح الملتقى: أي لا
تقبل شهادة المستأمن على الذمي لقصور ولايته عليه اه‍. فمجوز الشهادة التي تدور عليه إنما هو
الولاية، ولكمالها في المسلم صحت شهادته على الجميع، ولنقصانها في أهل الذمة صحته على بعضهم

523
وعلى من دونهم سوى المرتد للشبهة، ولقصورها في المستأمن صحت على من هو مثله، ولعدم الولاية
في غيرهم من الكفار المار ذكرهم وهم الذين لا يقرون على ما هم عليه من الاعتقاد لم تصح شهادتهم
على أحد أصلا.
قال في شرح الداماد: وتقبل شهادة أهل الأهواء مطلقا، سواء كانت على أهل السنة أو بعضهم
على بعض أو على الكفرة إذا لم يكن اعتقادهم مؤديا إلى الكفر كما في الذخيرة، ومن المعلوم أن الشرط
إذا تعقب المتعاطفات فإنه يرجع للجميع. فمفهوم هذه الجملة أن اعتقاد أهل الأهواء إذا كان مؤديا إلى
الكفر فلا تقبل شهادتهم على أهل السنة ولا على بعضهم ولا على الكفرة. ومن المقرر أن مفاهيم الكتب
حجة عندنا، وإذا لم يكن من مر ذكرهم من أهل الأهواء المكفرة من الكفار فهم شر منهم فلا تقبل
شهادتهم على أحد أصلا.
مطلب: الدروز والتيامنة والنصيرية والبادنية كلهم كفار
على أن المولى عبد الرحمن أفندي العمادي نص في فتاويه في كتاب السير على أن الدروز والتيامنة
والنصيرية والباطنية كلهم كفار ملا حدة زنادقة في حكم المرتدين. وعلى تقدير قبول توبتهم يعرض
عليهم الاسلام وإن يسلموا أو يقتلوا، ولا يجوز لولاة الأمور تركهم على ما هم عليه أبدا اه‍ بتصرف
اه‍ ملخصا.
قال سيد الوالد: شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة إذا كانوا عدولا في دينهم،
اتفقت مللهم أو اختلفت.
أقول: والظاهر أن عداوتهم دينية وإلا لم تقبل. فتأمل.
مطلب: إذا سكر الذمي لا تقبل شهادته
قوله: (لو عدلا في دينهم) قدمنا في البحر أن تزكية الذمي أن يزكي بالأمانة في دينه ولسانه
ويده، وأنه صاحب يقظة ويزكيه المسلمون إن وجدوا، وإلا فيسأل من عدول الكفار، وأنه إذا سكر
الذمي لا تقبل شهادته. قوله: (على مثله) فلا تقبل على مسلم لقوله تعالى: * (ولن يجعل للكافرين
على المؤمنين سبيلا) * (النساء: 141) ولأنه لا ولاية له على المسلم، ولأنه يتقول عليه لأنه يغيظه قهره
إياه (1).
قال في الهندية: مات وعليه دين المسلم بشهادة نصراني ودين لنصراني بشهادة نصراني. قال أبو
حنيفة رحمه الله تعالى ومحمد وزفر: بدئ بدين المسلم، هكذا في محيط السرخسي، فإن فضل شئ
كان ذلك للنصراني، هكذا في المحيط.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن التركة تقسم بينهما على مقدار دينهما، فتاوى الأنقروي
عن التتارخانية والمحيط اه‍. وتمام المسألة فيها وفي حاشية الخير الرملي على البحر.



(1) قوله: (لأنه يغيضه قهره إياه) قال الرملي: الضمير في أنه ويغيضه راجع الذمي، وفي قهره راجع للمسلم: أي لأنه
بسبب قهر المسلم إياه وإذلاله له يتقول عليه، بخلاف ملل الكفر لأنه ملة السلام قاهرة للكل، فلم يبقى له غيرة
يستظهرون بها انتهى منه.
524
أقول: في الذخيرة نصراني مات وترك ألف درهم وأقام مسلم شهودا من النصارى على ألف
على الميت وأقام نصراني آخرين كذلك تدفع الألف المتروكة للمسلم ولا يتحاصان عنده. وعند أبي
يوسف: يتحاصان. والخلاف راجع إلى أن بينة النصراني مقبولة عنده في حق إثبات الدين على الميت لا
في حق إثبات الشركة بينه وبين المسلم. وعلى قول أبي يوسف مقبولة فيهما اه‍.
والحاصل: أنه على قول الإمام يلزم من إثبات الشركة والمحاصة الحكم بشهادة الكافر على
المسلم. قوله: (إلا في خمس مسائل) الأولى فيما إذا شهد نصرانيان على نصراني أنه قد أسلم وهو يجحد
لم تجز شهادتهما، وكذا لو شهد عليه رجل وامرأتان من المسلمين وترك على دينه، ولو شهد نصرانيان
على نصرانية أنها أسلمت جاز وأجبرت على الاسلام ولا تقتل، وهذا قول الإمام اه‍. قال العلامة المقدسي: ينبغي أن يكون الكافر الذكر كذلك يجبر ولا يقتل، كما لو أسلم مكرها
أو سكران، وهو كذلك في الولوالجية والمحيط. ونصه: لو شهد على إسلام النصراني رجل وامرأتان
من المسلمين وهو يجحد أجبر على الاسلام ولا يقتل، ولو شهد رجلان من أهل دينه وهو يجحد
فشهادتهما باطلة، لان في زعمهما أنه مرتد ولا شهادة لأهل الذمة على المرتد ا ه‍. الثانية: فيما إذا
شهدا على نصراني ميت وهو مديون مسلم: أي والتركة لا تفي. الثالثة: فيما إذا شهدا عليه بعين
اشتراها من مسلم والمسلم ينكر البيع. الرابعة: فيما إذا شهد أربعة على نصراني أنه زنى بمسلمة إلا
إذا قال استكرهها فإنه يحد الرجل وحده. الخامسة: فيما إذا ادعى مسلم عبدا في يد كافر فشهد
كافران أنه عبده وقضى به فلان القاضي المسلم اه‍. قوله: (وتبطل بإسلامه) أي شهادة الذمي على
مثله بإسلامه: أي المشهود عليه قبل القضاء، لأنه لو قضى عليه لقضى على مسلم بشهادة الكافر.
قوله: (وكذا بعده لو بعقوبة) كقود. بحر. لان المعتبر إسلامه حال القضاء لا حال أداء الشهادة ولا
حال الشهادة، لما في البحر عن الولوالجية: نصرانيان شهدا على نصراني بقطع يد أو قصاص ثم أسلم
المشهود عليه بعد القضاء بطلت الشهادة لان الامضاء من القضاء في العقوبات اه‍. وهل تجب الدية؟
ذكر الخصاف أنها تجب الدية، فقيل إنه قول الكل، وقيل عنده ينفذ القضاء فيما دون النفس ويقضي
بالدية في النفس. وعندهما: يقضي بالدية فيهما اه‍. شرنبلالية. قوله: (وإن اختلفا ملة) لان الكفر
كله ملة واحدة. قوله: (والذمي على المستأمن) لان الذمي أعلى حالا منه لكونه من أهل دارنا ولذا
يقتل المسلم بالذمي ولا يقتل بالمستأمن. منح. قوله: (لا عكسه) لقصور ولايته عليه لكونه أدنى حالا
منه. منح. قوله: (ولا مرتد على مثله) والوجه فيه أنه لا ولاية له على أحد كما قدمناه. قوله: (
في الأصح) أي أنها لا تقبل بحال غيره كما قدمناه عن المحيط. قوله: (وتقبل منه) أي من المستأمن قيد
به لأنه لا يتصور غيره، فإن الحربي لو دخل بلا أمان قهرا استرق ولا شهادة للعبد على أحد. فتح.
قوله: (مع اتحاد الدار) أي بأن يكونا من أهل دار واحدة، فإن كانوا من دارين كالروم والترك لم
تقبل. هداية. لا يخفى أن الضمير في كانوا للمستأمنين في دارنا، وبه ظهر عدم صحة ما نقل عن
الحموي من تمثيله لاتحاد الدار بكونهما في دار الاسلام وإلا لزم توارثهما حينئذ وإن كانا من دارين
مختلفين.

525
وفي الفتح: وإنما تقبل شهادة الذمي على المستأمن وإن كانا من أهل دارين مختلفين، لان الذمي
بعقد الذمة صار كالمسلم وشهادة المسلم تقبل على المستأمن فكذا الذمي. قاله سيدي الوالد رحمه الله
تعالى. ويأتي تأييده في المقولة الآتية إن شاء الله تعالى. قوله: (لان اختلاف داريهما) قال في البحر:
ويستثنى من الحربي على مثله ما إذا كانا في دارين مختلفين كالإفرنج والحبش لانقطاع الولاية بينهما،
ولهذا لا يتوارثان، والدار تختلف باختلاف المنعة والملك اه‍. والذي في المنح ونحوه في القهستاني
التعبير بما إذا كانا من دارين، فيفيد أنهما لو كانا في دارنا وهما من دارين لا تقبل شهادتهما على
الآخر، لان الإرث يمتنع في هذه الصورة لوجود، الاختلاف الحكمي، وهذا هو الظاهر: خلافا لما
أفاده الحموي كما تقدم في المقولة السابقة، فإنهما إذا كانا في داريهما لا وجه للقضاء بشهادته لان دار
الحرب ليست دار أحكام. فليتأمل ط. قوله: (عدو) العدو: من يفرح لحزنك ويحزن لفرحك، وقيل
يعرف بالعرف. بحر. ومثله في فتاوى علي أفندي عن خزانة المفتين.
قال العلامة التحرير السيد الشريف محمود أفندي حمزة مفتي دمشق الشام في فتاواه بعد كلام:
فتحصل من هذا أن من يفرح لحزن الآخر ويحزن لفرحه فهو عدوه، وكل عدو ترد شهادته إذا كانت
دنيوية، فمن يفرح لحزن الآخر ويحزن لفرحه ترد شهادته، فالصغرى مسلمة لما في البحر وعلي أفندي
من تعريف العدو والكبرى مسلمة للحديث الشريف (1) الذي هو دليل المجتهد، فأنتج لذاته أن من
يفرح لحزن الآخر ويحزن لفرحه ترد شهادته، ثم إذا حكم بها حاكم لا ينفذ حكمه لما في البحر أيضا:
وكيف لا ترد شهادة من اتصف بهذه الصفة وهي مما تتناهى به العداوة، وقد وصف الله تعالى بها
المنافقين في كتابه العزيز: * (إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) * (آل
عمران: 120). قال القاضي: بيان تناهي عداوتهم إلى حد حسد وأمانا لهم من خير ومنفعة وتمنوا ما
أصابهم من ضرر وشدة، فخذ الجواب مع الدليل والبرهان والله تعالى أعلم اه‍. قوله: (لأنها من
التدين) فيدل على كمال دينه وعدالته، وهذا لان المعاداة قد تكون واجبة، بأن رأى فيه منكرا شرعا ولم
ينته بنهيه وقد قبلوا شهادة المسلم على الكافر مع ما بينهما من العداوة الدينية. حموي. قوله: (بخلاف
الدنيوية) كشهادة المقذوف على القاذف، والمقطوع عليه الطريق على القاطع، والمقتول وليه على القاتل،
والمجروح على الجارح، والزوج على امرأته بالزنا إذا كان قذفها أو لا، فالعداوة ليس كما يتوهمه بعض
المتفقهة، أو الشهود أن كل من خاصم شخصا في حق وادعى عليه أن يصير عدوه فيشهد بينهما
بالعداوة، بل العداة إنما تثبت بنحو ما ذكرنا.
وفي القنية: أن العداوة بسبب الدنيا لا تمنع به ما لم يفسق بسببها أو يجلب منفعة أو يدفع بها عن
نفسه مضرة، وهو الصحيح وعليه الاعتماد اه‍.
وفي فتاوى المصنف: سئل عن رجل شتم آخر وقذفه فهل تثبت العداوة الدنيوية بينهما بهذا
القدر، حتى لو شهد لا تقبل؟ أجاب: ظاهر كلامهم أن العداوة الدنيوية تثبت بهذا القدر، فقد صرح



(1) هو قوله عليه الصلاة والسلام (لا تجوز شهادة ذي الظنة ولا ذي الحنة) رواه الحاكم والبيهقي، وهو حديث صحيح.
وذو الحنة: قال في النهاية: الحنة العداوة.
526
في شرح الوهبانية أنها: أي العداوة تثبت بنحو القدف وقتل الولي اه‍.
مطلب الفسق لا يتجزأ
ولا تقبل شهادة من فيه عداوة دنيوية على عدوه، ولا على غيره بل تكون قادحة في حق جميع
الناس، فإن الفسق لا يتجزأ حتى كون فاسقا في حق شخص لا في حق غيره، ويقاس على عدم
تجزئ الفسق ما لو كان ناظرا على أوقاف عديدة وثبت فسقه بسبب خيانة في واحد منها، فإن يسرى
في كلها فيعزل منها جميعا كما أفتى به المفتي أبو السعود العمادي المفسر في فتاويه، ولو ادعى شخص
عداوة آخر يكون اعترافا منه بفسق نفسه، ولو شهد الشاهد على آخر فخاصم المشهود عليه الشاهد قبل
القضاء لا يمتنع القضاء بشهادته إلا إذا ادعى أنه دفع إليه كذا لئلا يشهد عليه وطلب الرد وأثبت دعواه
ببينة أو إقرار أو نكول فتبطل شهادته، وهو جرح مقبول كما صرحوا به، لكن قال سيدي الوالد في
جواب سؤال عمن شهد عليه شهود بحق وزكوا فتعلل المدعى عليه أن الشهود من زكاهم أعداء له
بسبب تشاجر معهم على قمار ولعب. فأجاب بعد كلام حاصله: ففي الحادثة المسؤول عنها ربما أنه
فسق بها، إذ العداوة جرت بينهما على ما قاله المدعى عليه بسبب قمار ولعب محرمين شرعا، ولكن
المتأخرون على الأول من الاطلاق سواء فسق بها أو لا، والحديث الشريف شاهد لما عليه المتأخرون كما
رواه أبو داود مرفوعا لا تجوز شهادة خائن ولا ذي غمر على أخيه والغمر: الحقد. ويمكن حمله على
ما إذا كان غير عدل بدليل أن الحقد فسق للنهي عنه كما أفاده في البحر.
مطلب: العداوة إذا فسق بها لا تقبل شهادته على أحد،
وإن لم يفسق بها تقبل على غير عدوه
وقال العلامة الخير الرملي في فتواه: فتحصل من ذلك أن شهادة العدو على عدوه لا تقبل وإن
كان عدلا، وصرح يعقوب باشا في حاشيته بعدم نفاذ قضاء القاضي بشهادة العدو على عدوه، والمسألة
دوارة في الكتب فإذا أثبت المدعى عليه العداوة ثبوتا شرعيا فتجري الأحكام المذكورة من عدم صحة
أداء الشهادة والتزكية المذكورة لثبوت عداوتهم بالسببين المرقومين المحرمين شرعا، وسبب الحقد وأنهم
ممن يفرحون لحزنه ويحزنون لفرحه اه‍. وتمامه فيه.
فإن قلت: العدالة الدنيوية فسق لأنه لا يحل معاداة المسلم لأجل الدنيا، فهلا استغنى عنه بقوله
لا تقبل شهادة الفاسق.
قلت: للفرق بينهما، فإنه لو قضى بشهادة الفاسق صح وأثم كما مر، ولو قضى بشهادة العدو
بسبب الدنيا لا ينفذ، لأنه ليس بمجتهد فيه كما نقله المصنف عن يعقوب باشا، لكن قال المنلا عبد
الحليم في حاشيته على الدرر: وقد جاءت الرواية بعدم قبول شهادة عدو بسبب الدنيا مطلقا.
والتحقيق فيه أن من العداوة المؤثرة في العدالة كعداوة المجروح على الجارح وعداوة ولي المقتول على
القاتل. ومنها غير مؤثرة كعداوة شخصين بينهما وقعت مضاربة أو مشاتمة أو دعوى مال أو حق في
الجملة، فشهادة صاحب النوع - الأول لا تقبل كما هو المصرح في غالب كتب أصحابنا والمشهور على
ألسنة فقهائنا، وشهادة صاحب النوع الثاني تقبل لأنه عدل، وبهذا التحقيق يحصل التوافق بين الروايتين
وبين المتن والشرح وإن لم يهتد المصنف إليه، الحمد لله الذي هدانا لهذا اه‍.

527
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى بعد كلام: والحاصل أن في المسألة قولين معتمدين.
أحدهما: عدم قبولها على العدو، وهذا اختيار المتأخرين وعليه صاحب الكنز والملتقى، ومقتضاه
أن العلة العداوة لا لفسق وإلا لم تقبل على غير العدو أيضا
ثانيهما: أنها تقبل إلا فسق بها، واختاره ابن وهبان وابن الشحنة اه‍. وهل حكم القاضي في
العداوة حكم الشاهد؟ قال شارح الوهبانية: لم أقف عليه في كتب أصحابنا. وينبغي أن يكون الجواب
فيه على التفصيل إن كان قضاؤه عليه بعلمه لا ينفذ، وإن كان بشهادة من العدول وبمحضر من الناس
في مجلس الحكم بطلب خصم شرعي ينفذ. ذكره الحموي. وسياق كلام البرجندي يفيد أن شهادة
العدو لعدوه مقبولة لعدم التهمة، وهذا بناء على أن العلة التهمة، أما إذا كانت العلة الفسق فلا فرق.
وقد اختلف تعليل المشايخ في ذلك. قال أبو السعود: ولعل في المسألة قولين: منهم من علل بالأول،
ومنهم من علل بالثاني اه‍.
أقول: قد علمت ما قدمناه عن سيدي الوالد أنهما قولان معتمدان، وأن المتون على عدم قبولها
وإن لم يفسق بها للتهمة. قوله: (إلا إذا كانت الصداقة متناهية) أي فإنها لا لا تقبل للتهمة. قوله: (بلا
إصرار) أي تقبل من مرتكب صغيرة بلا إصرار، لان الالمام من غير إصرار لا يقدح في العدالة، إذ لا
يوجد من البشر من هو معصوم سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيؤدي اشتراط العصمة إلى سد
باب الشهادة وهو مفتوح. أما إذا أصر عليها وفرح بها أو استخف، إن كان عالما يقتدى به فهي كبيرة
كما ذكره بعضهم. قوله: (إن اجتنب الكبائر كلها وغلب صوابه على صغائره) الأولى أن يقول على
خطئه، وأشار إلى أنه كان ينبغي أن يزيد وبلا غلبة. قال ابن الكمال: لان الصغيرة تأخذ حكم الكبيرة
بالاصرار، وكذا بالغلبة على ما أفصح عنه في الفتاوى الصغرى حيث قال: العدل من يجتنب الكبائر
كلها، حتى لو ارتكب كبيرة تسقط عدالته، وفي الصغائر العبرة للغلبة والدوام على الصغيرة لتصير
كبيرة ولذا قال: وغلب صوابه. قوله: (وهو معنى العدالة) قال الكمال: أحسن ما نقل فيها عن أبي
يوسف أن لا يأتي بكبيرة ولا يصر على صغيرة ويكون ستره أكثر من هتكه، وصوابه أكثر من خطئه،
ومروءته ظاهرة، ويستعمل الصدق ويجتنب الكذب ديانة ومروءة اه‍.
قال القهستاني: من اجتنبي الكبائر وفعل مائة حسنة وتسعا وتسعين صغيرة فهو عدل، وإن فعل
حسنة وصغيرتين ليس بعدل اه‍. قال في البحر: هي الاستقامة، وهي بالاسلام واعتدال العقل،
ويعارضه (1) هوى يضله ويصده، وليس لكمالها حد يدرك مداه، ويكتفي لقبولها بأدناه كي لا تضيع
الحقوق، وهو رجحان جهة الدين والعقل على الهوى والشهوة اه‍. وتمامه فيه. قوله: (كل فعل
يرفض المروءة والكرم فهو كبيرة) أي كل فعل من الذنوب والمعاصي فهو كبيرة، إذ يبعد أن يقال: إن



(1) قوله: (ويعارضه إلخ) لعله ومعارضه فليحرر.
528
الاكل في السوق مثلا لغير السوقي كبيرة، بل قالوا: إنما يحرم عليه ذلك إذا كان متحملا شهادة لئلا
يضيع حق المشهود له. وعبارة الخلاصة بعد أن نقل القول بأن الكبيرة ما فيه حد بنص الكتاب. قال:
وأصحابنا لم يأخذوا بذلك وإنما بنوا على ثلاثة معان: أحدها ما كان شنيعا بين المسلمين وفيه هتك
حرمة. والثاني أن يكون فيه منابذة المروءة والكرم، فكل فعل يرفض المروءة والكرم فهو كبيرة.
والثالث أن يكون مصرا على المعاصي أو الفجور اه‍ وتعقبه في فتح القدير بأنه غير منضبط وغير
صحيح اه‍. ولذا قال المحشي فيما ذكره الشارح عنها، قال: إلا أن يراد الكبيرة من حيث منع
الشهادة. قال القهستاني: هذا التعريف غير الأصح.
قال في الذخيرة: الأصح أن ما كان شنيعا بين المسلمين وفيه هتك حرمة الدين فهو من الكبائر،
وكذا ما فيه نبذ المروءة والكرم، وكذا الإعانة على المعاصي والحث عليها. وفي معين المفتي: رفض
المروءة ارتكاب ما يعتذر منه ويضعه على رتبته عند أهل الفضل.
قال العيني: اختلفوا في الكبيرة، فقال أهل الحجاز وأهل الحديث: هي السبع المذكورة في
الحديث المشهور، وهي: الاشراك بالله، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وبهت
المؤمن، والزنا، وشرب الخمر. وزاد بعضهم عليها: أكل الربا، وأكل أموال اليتامى بغير حق. وقيل
ما ثبت حرمته بدليل مقطوع به فهو كبيرة، وقيل ما فيه حد أو قتل فهو كبيرة، وقيل كل ما أصر عليه
المرء فهو كبيرة. وما استغفر عنه فهو صغيرة.
والأوجه ما ذكره المتكلمون أن كل ذنب فوقه ذنب وتحته ذنب، فبالنسبة إلى ما قومه فهو
صغيرة، وإلى ما تحته فهو كبيرة. والأصح ما نقل عن شمس الأئمة الحلواني أنه قال: كل ما كان شنيعا
بين المسلمين وفيه هتك حرمة الله تعالى والدين فهو من جملة الكبائر اه‍. قوله: (ومتى ارتكب كبيرة
سقطت عدالته) غير أن الحكم بزوال العدالة بارتكاب الكبيرة يحتاج إلى الظهور، فلذا شرط في شرب
المحرم الادمان اه‍. حموي.
وفي القهستاني عن قضاء الخلاصة: المختار اجتناب الاصرار على الكبائر، فلو ارتكب كبيرة مرة
قبلت شهادته. قال في الفتح: وما في الفتاوى الصغرى: العدل من يجتنب الكبائر كلها، حتى لو
ارتكب كبيرة تسقط عدالته. وفي الصغائر العبرة للغلبة لتصير كبيرة حسن. ونقله عن أدب القضاء
لعصام وعليه المعول، غير أن الحكم بزوال العدالة بارتكاب الكبيرة يحتاج إلى الظهور، فلذا شرط في
شرب المحرم والسكر والادمان، والله سبحانه أعلم اه‍. وإذا سقطت عدالته تعود إذا تاب، لما صرحوا
بأن المحدود في القذف إذا تاب فهو عدل: أي وإن لم تقبل شهادته، لكن في البحر: وفي الخانية:
الفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته ما لم يمض عليه زمان يظهر التوبة، ثم بعضهم قدره بستة أشهر،
وبعضهم قدره بسنة. والصحيح أن ذلك مفوض إلى رأي القاضي والمعدل.
وفي الخلاصة: ولو كان عدلا فشهد بزور ثم تاب فشهد تقبل من غير مدة اه‍. وسيأتي الكلام
عليه في هذا الباب وقبل باب الرجوع عن الشهادة في كلام الشارح، وقدمنا أن الشاهد إذا كان فاسقا
سرا لا ينبغي أن يخبر بفسقه كي لا يبطل حق المدعي، وصرح به في العمدة أيضا والخانية، والظاهر
أنه لا يحل له ذلك كما استظهر سيدي الوالد رحمه الله تعالى.

529
قال في الخانية قبل التزكية: والتعديل المعروف بالعدالة إذا شهد بزور عن أبي يوسف أنه لا تقبل
شهادته أصلا أبدا لأنه لا تعرف توبته. وروى الفقيه أبو جعفر أنه تقبل شهادته وعليه الاعتماد اه‍.
وفيها: من اتهم بالفسق لا تبطل عدالته، والمعدل إذا قال الشاهد هو متهم بالفسق لا تبطل عدالته اه‍.
ولا بأس بذكر أفراد سقطت عدالتهم نص عليها: منها إذا ترك الصلاة بجماعة بعد كون الامام
لا طعن فيه في دين ولا حال، وإن كان متأولا في تركها بأن يكون معتقدا فضيلة أول الوقت والامام
يؤخر الصلاة أو غير ذلك لا تسقط عدالته بالترك، وكذا من ترك الجمعة من غير عذر، فمنهم من
أسقطها بمرة واحدة كالحلواني، ومنهم من شرط ثلاث مرات، والأول أوجه. وذكر الأسبيجابي أن
من أكل فوق الشبع سقطت عدالته عند الأكثر، ولا بد من كونه في غير إرادة التقوى على صوم الغد
أو مؤانسة الضيف اه‍. والإعانة على المعاصي والحث عليها كبيرة، ولا تقبل شهادة الطفيلي والرقاص
والمجازف في كلامه والمسخرة بلا خلاف، ولا من يحلف في كلامه كثيرا. ولا تقبل شهادة البخيل
والذي أخر الفرض بعد وجوبه لغير عذر، إن كان له وقت معين كالصلاة بطلت عدالته، وإن لم يكن
له وقت معين كالزكاة والحج اختلفت فيه الرواية والمشايخ. وذكر الخاصي عن قاضيخان أن الفتوى
على سقوطها بتأخير الزكاة من غير عذر. بخلاف تأخير الحج، وبركوب بحر الهند لأنه مخاطر بنفسه
ودينه من سكنى دار الحرب وتكثير سوادهم وعددهم لأجل المال ومثله لا يبالي بشهادة الزور. ولا
تقبل شهادة من يجلس مجلس الفجور والمجانة والشرب وإن لم يشرب كما في الهندية، وتمام ذلك في
المطولات. وفي البحر عن العتابية: من آجر بيته لمن يبيع الخمر لم تسقط عدالته اه‍. قوله: (ومن
أقلف) إذ تقبل شهادة الكبير الذي لم يختتن، لان العدالة لا تخل بترك الختان لكونه سنة عندنا. كذا
أطلقه في الكنز وغيره وتبعهم المصنف. قوله: (لو لعذر) بأن يتركه خوفا على نفسه، أما إذا تركه بغير
عذر لم تقبل ما قيده قاضيخان، وقيده في الهداية بأن لا يتركه استخفافا بالدين، أما إذا تركه
استخفافا لم تقبل لأنه لم يبق عدلا، وكما تقبل شهادته تصح إمامته كما في فتح القدير.
مطلب: في وقت الختان
واختلفوا في وقته، فالامام لم يقدر له وقتا معلوما لعدم ورود النص به، وهذه إحدى المسائل
التي توقف الامام في الجواب عنها، وقدره المتأخرون واختلفوا. والمختار أن أول وقته سبع وآخره اثنتا
عشرة. كذا في الخلاصة من باب اليمين في الطلاق والعتاق. ولعل أن سبع سنين أول وقت استغناء
الصبي عن الغير في الأكل والشرب واللبس والاستنجاء حيث يتحمل بمثله ووقت الاحتياج إلى
التأديب وتهذيب الأخلاق، ولذلك كان ذلك نهاية مدة الحضانة بل وقت كونه مأمورا بالصلاة ولو
ندب، ومن جملته الختان أيضا، وكونه ابن اثنتي عشرة سنة وقت المراهقة البتة واحتمال البلوغ فيه،
فحينئذ يجري عليه قلم التكليف فرضا ووجوبا وسنة وندبا، ومن جملته كشف العورة وهو حرام على
البالغين من غير محرم، فظهر أن وقت الختان على الوجه المسنون يتم عنده، فلو قال رجل إن بلغ ولدي
الختان فلم أختنه فامرأتي طالق: فإن نوى أول الوقت لا يحنث ما لم يبلغ سبع سنين. وإن نوى آخره
قال الصدر الشهيد: المختار أنه اثنتا عشرة سنة، وهو سنة للرجال مكرمة للنساء، إذ جماع المختونة
ألذ. وكان ابن عباس لا يجيز ذبيحة الأقلف ولا شهادته اه‍. وفيه فائدة من كراهية
فتاوى العتابي. وقيل في ختان الكبير: إذا أمكن أن يختن نفسه فعل، وإلا لم يفعل إلا أن يمكنه أن

530
يتزوج أو يشتري ختانة تختنه. وذكر الكرخي في الكبير: يختنه الحمامي، وكذا عن ابن مقاتل.
مطلب: لا بأس للحمامي أن يطلي عورة غيره بالنورة إذا غصن بصره حالة الضرورة
لا بأس للحمامي أن يطلي عورة غيره بالنورة انتهى. لكن قال في الهندية بعد أن نقل عن
التتارخانية أن أبا حنيفة كان لا يرى بأسا بنظر الحمامي إلى عورة الرجل، ونقل أنه ما يباح من النظر
للرجل من الرجل يباح المس، ونقله عن الهداية ونقل ما نقلناه، لكن قيده بما إذا كان يغص بصره.
ونقل عن الفقيه أبي الليث أن هذا في حالة الضرورة لا في غيرها، وقال: وينبغي لكل واحد أن يتولى
عانته بيده إذا تنور كما في المحيط، فليحفظ.
أقول: ومعنى ينبغي هنا الوجوب كما يظهر، فتأمل. قوله: (بحر) ومثله في التتارخانية. قوله:
(والاستهزاء بشئ من الشرائع كفر) أشار إلى فائدة تقييده في الهداية بأن لا يترك الختان استخفافا
بالدين. قوله: (ابن كمال) عبارته: والأقلف لأنه لا يخل بالعدالة إذا تركه استخفافا بالدين. قال
الرازي: لم يرد بالاستخفاف الاستهزاء، لان الاستهزاء بشئ من الشرائع كفر، وإنما أراد به التواني
والتكاسل اه‍ ح. وكذا ذكر مثله عزمي زاده مؤولا عبارة الدرر.
مطلب: في شهادة الخصي
قوله: (وخصي) بفتح الخاء: منزوع الخصا، لان عمر رضي الله تعالى عنه قبل شهادة علقمة
الخصي على قدامة بن مظعون، رواه ابن شيبة (1) ولأنه قطع منه عضو ظلما فصار كمن قطعت يده
ظلما فهو مظلوم. نعم لو كان ارتضاه لنفسه وفعله مختارا منع. فتح. قوله: (وأقطع) إذا كان عدلا،
لما روى أن النبي صلى الله عليه وآله قطع يد رجل في السرقة، ثم كان بعد ذلك يشهد فيقبل
شهادته. منح. قوله: (وولد الزنا) لان فسق الوالدين لا يوجب فسق الولد ككفرهما. منح. قوله:
(ولو بالزنا) أي ولو شهد بالزنا على غيره تقبل، أطلقه فشمل ما إذا شهد بالزنا أو بغيره، خلافا لمالك
في الأول كما في المنح. قوله: (كأنثى) فيقبل مع رجل وامرأة في غير حد وقود. قوه: (لو مشكلا)
في كل الاحكام. شرنبلالية، والأولى أن يقول وهو كأنثى. قوله: (وعتيق لمعتقه) أي تقبل شهادته،
لان شريحا قبل شهادة قنبر لعلي وهو عتيقه. وأشار باللام إلى أن شهادته على المعتق تقبل بالأولى كما
صرح به متنا بقوله. (وعكسه) وقنبر بفتح القاف، وأما بضم القاف فجد سيبويه. ذكره الذهبي في
مشتبه الأنساب والأسماء.
مطلب: في ترجمة شريح القاضي
وشريح بن الحارث بن قيس الكوفي النخعي القاضي أبو أمية، تابعي ثقة. وقيل له صحبة،
مات قبل الثمانين أو بعدها وله مائة وثمان سنين أو أكثر، واستقضاه عمر رضي الله تعالى عنه على
الكوفة، ولم يزل بعد ذلك قاضيا خمسا وسبعين سنة، إلا ثلاث سنين امتنع فيها من القضاء في فتنة
الحجاج في حق ابن الزبير حيث استعفى الحجاج من القضاء فأعفاه، ولم يقض إلى أن مات الحجاج



(1) قوله: (ابن شيبة) هكذا بأصله ولعل الصواب ابن أبي شيبة فليحرر اه‍. مصححه.
531
كما في البحر وشرح جلال الدين التباني على المنار. قوله: (أن الثمن كذا) ولو شهدا بإيفائه وإبرائه
تقبل. مقدسي. قوله: (لجر النفع بإثبات العتق) لأنه لولا شهادتهما لتحالفا وفسخ البيع المقتضي
لابطال العتق. منح. لكن تقدم في آخر باب الإقالة أنه لا يخالف بعد خروج المبيع عن ملكه، لأنه
يشترط قيام المبيع عند الاختلاف في التحالف إلا إذا استهلكه في يد البائع غير المشتري، فراجعه
وتأمل. قوله: (ومن محرم رضاعا) كابنه منه.
وفي الأقضية: تقبل لأبويه من الرضاع، ولمن أرضعته امرأته، ولام وامرأته وابنها. بزازية من
الشهادة. قوله: (أو مصاهرة) كأم امرأته وبنتها وزوج بنته وامرأة أبيه وابنه، لان الأملاك بينهم متميزة
والأيدي متحيزة، ولا بسطوة لبعضهم في مال بعض فلا تتحق التهمة، بخلاف شهادته لقرابته
ولادا. درر. ومثله في البحر. قوله: (إلا إذا امتدت الخصومة) أي سنين كما في المنح عن القنية،
والظاهر أنه اتفاقي. قال ابن وهبان: وقياس ذلك أن يطرد في كل قرابة، والفقه فيه أنه لما كثر منه
التردد مع المخاصم صار بمنزلة الخصم للمدعى عليه. قال أبو السعود: والتقييد بعدم الخصام على
القول به لا يخص الشهادة للأخ ونحوه اه‍.
قال المنلا عبد الحليم: ولا يذهب عليك أن المعتمد عليه قبول شهادة عدو بسبب الدنيا لو
عدلا: أي بمجرد الخصومة على ما تقدم، وذا لا ينافي ذلك لان المتردد المذكور بمنزلة المدعي لا بمنزلة
العدو. تدبر. قوله: (على ما في القنية) يعني إذا كان مع المدعي
أخ أو ابن عم يخاصمان له مع المدعى عليه ثم شهدا لا تقبل شهادتهما في هذه الحادثة بعد هذه الخصومة، وكذا كل قرابة وصاحب تردد في
المخاصمة سنين، لأنه بطول التردد صار بمنزلة الخصم للمدعى عليه كما في الوهبانية. قوله: (وفي
الخزانة الخ) أي خاصماه عند أداء الشهادة عليه بأن نسبهما إلى الكذب فدفعا عن أنفسهما، ومسألة
القنية فيما إذا خاصماه مع قريبه على الحق الذي يدعيه. قوله: (تقبل لو عدولا) قال في المنح عن
البحر: وينبغي حمله على ما إذا لم يساعد المدعي في الخصومة أو لم يكثر ذلك توفيقا اه‍. وفق الرملي
بغيره حيث قال: مفهوم قوله لو عدولا أنهم إذا كانوا مستورين لا تقبل وإن لم تمتد الخصومة للتهمة
بالمخاصمة، وإذا كانوا عدولا تقبل لارتفاع التهمة مع العدالة. فحمل ما في القنية على ما إذا لم يكونوا
عدولا توفيقا، وما قلناه أشبه لان المعتمد في باب الشهادة العدالة. قوله: (على عبد كافر مولاه مسلم)
لان هذه شهادة قامت على إثبات أمر على الكافر قصدا ولزم منه الحكم على المولى المسلم ضمنا، على أن
استحقاق مالية المولى غير مضاف إلى الشهادة، لأنه ليس من ضرورة وجوب الدين عليه استحقاق مالية
المولى لا محالة بل ينفك عنه في الجملة. قوله: (لا يجوز عكسه) وهو ما إذا كان العبد مسلما مولاه
كافر: يعني لا تجوز شهادة الكافر على عبد مسلم مولاه كافر، وعلى وكيل مسلم موكله كافر: فإن كان
مسلما له عبد كافر أذن له بالبيع والشراء فشهد عليه شاهدان كافر ان بشراء وبيع جازت شهادتهما

532
عليه، لان هذه شهادة قامت على إثبات أمر على الكافر قصدا وعلى المسلم ضمنا كما تقدم، ولو أن
مسلما وكل كافرا بشراء أو بيع فشهد على الوكيل شاهدان كافران بشراء أو بيع لا تقبل شهادتهما عليه
لأنها شهادة كافر قامت لاثبات حق على مسلم قصدا كما في الدرر والغرر. قوله: (إن لم يكن عليه
دين لمسلم) هذا ظاهر إن كانت التركة لا يخرج منها الدينان، وأما إذا كانت متسعة لم يكن فيها شبهة
أنه تنقيص شهادة على حق مسلم.
وفي المنح: نصراني مات عن مائة فأقام مسلم شاهدين نصرانيين عليه بمائة ومسلم ونصراني
بمثله فالثلثان له والباقي بينهما اه‍: أي لان شهادة أهل الذمة على المسلم لا تقبل وهنا لا تقبل في
مشاركة الذمي للمسلم في المائة.
والحاصل: أنها أثبتت الدين على الميت دون المشاركة مع الغريم المسلم، وأن المسلم لما ادعى المائة
مع النصراني صار طالبا نصفها والمنفرد بطلب كلها فتقسم عولا عند الامام، فلمدعي الكل الثلثان لأنه
له نصفين وللمسلم الثلث لان له نصفا فقط، ولكن لما ادعاه مع النصراني قسم بينهما.
قال سيدي الوالد: نصراني مات وترك ألف درهم وأقام مسلم شهودا من النصارى على إلف
على الميت وأقام نصراني آخرين كذلك، فالألف المتروكة للمسلم عنده. وعند أبي يوسف: يتحاصان،
والأصل أن القبول عنده في حق إثبات الدين على الميت فقط دون إثبات الشركة بينه وبين المسلم.
وعلى قول الثاني في حقهما. ذخيرة ملخصا. وبه ظهر أن قبولها على الميت غير مقيد بما إذا لم يكن
عليه دين لمسلم. نعم هو قيد لاثباتها الشركة بينه وبين المدعي الآخر، فإذا كان الآخر نصرانيا أيضا
يشاركه، وإلا فالمال للمسلم، إذ لو شاركه لزم قيامها على المسلم، وظهر أيضا أن المصنف ترك قيدا
لا بد منه وهو ضيق التركة عن الدينين، وإلا لا يلزم قيامها على المسلم كما لا يخفى، هذا ما ظهر لي
بعد التنقير التام. قوله: (بحر) نص عبارته: وتقبل شهادة الذمي بدين على ذمي ميت وإن كان وصيه
مسلما بشرط أن لا يكون عليه دين لمسلم، فإن كان فقد كتبناه عن الجامع اه‍. والذي كتبه هو قوله
نصراني مات عن مائة فأقام مسلم شاهدين عليه بمائة ومسلم ونصراني بمثله فالثالثان له والباقي بينهما،
والشركة لا تمنع لأنها بقرار اه‍.
ووجهه أن الشهادة الثانية لا تثبت للذمي مشاركته مع المسلم كما قدمناه، ولكن المسلم لما ادعى
بطلب كلها فتقسم عولا فلمدعي الكل الثلثان لان له نصفين وللمسلم الآخر الثلث لان له نصفا
فقط، لكن لما ادعاه مع النصراني قسم الثلث بينهما، وهذا معنى قوله والشركة لا تمنع لأنها بإقراره.
قال سيدي الوالد: ويقدم دين الصحة وهو ما كان ثابتا بالبينة أو الاقرار في حال الصحة، وقد
يرجح بعضهم على بعض كالدين الثابت على نصراني بشهادة المسلمين فإنه مقدم على الثابت بشهادة أهل
الذمة عليه، والدين الثابت بدعوى المسلم عليه يقدم على الدين الثابت عليه بدعوى كافر إذا كان
شهودهما كافرين أو شهود الكافر فقط، أما إذا كان شهودهما مسلمين أو شهود الكافر فقط فهما سواء
اه‍. فافهم. وتمام الكلام على هذه المسألة وفروعها يطلب من البحر وحاشيته لسيدي الوالد.
قال الرملي في حاشيته على البحر: فتحصيل أن الوصي يخالف الوكيل في البيع والشراء، وقد
تقرر أن الوكيل في الحقوق المتعلقة بهما: أي البيع والشراء أصيل والوصي قائم مقام الوصي، وقول

533
صاحب الظهيرية استحسانا صريح في أن العمل به، وقد صرح صاحب المحيط بما في الظهيرية اه‍.
قوله: (كما مر) أي في العبد الكافر وسيده مسلم والوكيل الكافر وموكله مسلم. وزاد في الأشباه:
عليها إثبات توكيل كافر كافرا بكافرين بكل حق له بالكوفة على خصم كافر فيتعدى إلى خصم مسلم
اه‍. قوله: (أو ضرورة في مسألتين) حمل القبول فيهما في الشرنبلالية بحثا على ما إذا كان الخصم
المسلم مقرا بالدين منكرا منكرا للوصاية والنشب، فتقيل شهادة الذميين لأنها شهادة على النصراني الميت، أما
لو كان منكرا للدين كيف تقبل شهادة الذميين عليه. قوله: (وأحضر) أي الوصي. قوله: (ابن الميت)
أي النصراني: قوله: (فادعى على مسلم بحق) أي ثابت: أي وأقام شاهدين نصرانيين نسبه تقبل
استحسانا.
مطلب: حادثة الفتوى
قوله: (ووجهه في الدرر) حيث قال فيها: وجه الاستحسان أن المسلمين لا يحضرون موت
النصارى، والوصايا تكون عند الموت غالبا وسبب ثبوت النسب النكاح وهم لا يحضرون نكاحهم،
فلو لم تقبل شهادة النصارى على المسلم في إثبات الايصاء الذي بناؤه على الموت والنسب الذي بناءه
على النكاح أدى إلى ضياع الحقوق المتعلقة بالايصاء فقبلت ضرورة كما قبلت شهادة القابلة اه‍.
مطلب: أسلم زوجها ومات تقبل شهادة أهل الذمة على مهرها
قال عبد الحليم في حاشيته: وفيه إشارة إلى حادثة الفتوى، وهي: ذمية أسلم زوجها ثم مات
فادعت مهرها عليه بوجه خصم شرعي قبلت شهادة أهل الذمة لثبوت مهرها عليه لضرورة عدم
حضور المسلمين نكاحهم. قوله: (والعمال) بضم العين وتشديد الميم جمع عامل، وهم الذين يأخذون
الحقوق الواجبة كالخراج ونحوه عند الجمهور، لان نفس العمل ليس بفسق، فبعض الصحابة رضي الله
عنهم عمال. قوله: (للسلطان) هذا هو المراد بهم عند عام المشايخ كما في البحر.
وفيه عن السراجية معزيا إلى الفقيه أبي الليث: إن كان العامل مثل عمر بن عبد العزيز فشهادته
جائزة، وإن كان مثل يزيد بن معاوية فلا اه‍. وفي إطلاق العامل على
الخليفة نظر، والظاهر منه أنه
من قبل عملا من الخليفة اه‍. قوله: (إلا إذا كانوا أعوانا على الظلم الخ) أي كعمال زماننا. قال فخر
الاسلام. لكن نقل في البحر عن الهداية أن العامل إذا كان وجيها في الناس ذا مروءة لا يجازف في
كلامه تقبل شهادته، كما مر عن أبي يوسف في الفاسق لأنه لوجاهته لا يقدم على الكذب: يعني ولو
كان عونا على الظلم كما في العناية اه‍.
مطلب: في شهادة مختار القرية وموزع النوائب
قوله: (كرئيس القرية) هو المسمى شيخ البلد، وهم من أعون الناس على الظلم لغيرهم غير

534
ظلم الناس لأنفسهم خاصة، ويسمى في بلادنا شيخ الضيعة ومختار القرية. قال في الفتح: وقدمنا عن
البزدوي أن القائم بتوزيع هذه النوائب السلطانية والجبايات بالعدل بين المسلمين مأجور وإن كان أصله
ظلما فعلى هذا تقبل شهادته اه‍. قوله: (والجابي) أي جابي الظلم. قوله: (والصراف) الذي يجمع عنده
المال ويأخذه طوعا. قوله: (والمعرفون) بالواو، وفي بعض النسخ المعرفين بالياء عطف على المجرور
وهو الصواب، وهم الذين يعرفون عن قدر الاشخاص الذين في المركب ليأخذ الحاكم منهم شيئا
معلوما مصادرة. قوله: (والعرفاء في جميع الأصناف) هم مشايخ الحرف.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى بعد كلام: وبه يعلم أن شهادة الفلاحين لشيخ قريتهم وشهادتهم
للقسام الذي يقسم عليهم وشهادة الرعية لحاكمهم وعاملهم ومن له نوع ولاية عليهم لا تجوز اه‍.
أقول: لكنه مقيد بما سيأتي قريبا عن الهندية من أنهم إذا كانوا يحصون وهم ما إذا كانوا مائة
فأقل. تأمل. قوله: (ومحضر قضاة العهد) أي الذي يحضر الأخصام للقاضي لقبولهم الرشا ولعدم
المروءة فيهم، والمراد بالعهد الزمن أي قضاة زمنهم فيكف الحال في زماننا ط. قوله: (والوكلاء
المفتعلة) لعل المراد بهم من يتوكل في الدعاوي والخصومات، وذلك لأنه قد شوهد منهم قلة المبالاة
في الاحكام وأخذ الرشا وغير ذلك، وإنما جعلوا مفتعلة لان الناس لا يقصدون منهم إلا الإعانة على
أغراضهم بحيلهم ولم يقصدوا التوكيل حقيقة فقط. قوله: (والصكاك) بضم الصاد المهملة جمع صكاك
بفتحها. قال في البزازية: من الشهادات والصكاك تقبل في الصحيح. وقيل: لا لأنهم يكتبون اشترى
وباع وضمن الدرك وإن لم يقع فيكون كذبا ولا فرق بين الكذب بالكتابة أو التكلم. قلنا: الكلام في
كاتب غلب عليه الصلاح ومثله يحقق ثم يكتب. ط. عن الحموي: أي وما ذكر من الكذب عفو لأنهم
يحققون ما كتبوا.
قال الرملي في حاشية المنح: وفي إجازات البزازية لا تقبل شهادة الدلال ومحضر قضاة العهد
والوكلاء المفتعلة والصكاك اه‍.
أقول وسيأتي في شرح قوله أو يبول أو يأكل على الطريق أنها لا تقبل شهادة النحاس وهو
الدلال إلا إذا كان عدلا لا يحلف ولا يكذب، ونقله عن السراج هنا، وقد رأيناه في كلامهم كثير.
وأقول: قد ظهر من هذا أن شهادة الدلال والصكاك ونحوهما لا ترد لمجرد الصناعة بل لمباشرة
ما لا يحل شرعا، وإنما تنصيص العلماء على من ذكر لاشتهار ذلك منه. تأمل. قوله: (وضمان
الجهات) بضم الضاد المعجمة وتشديد الميم. وقال الكمال عاطفا على من لا تقبل شهادته ما نصه: وكذا
كل من شهد على إقرار باطل، وكذا على فعل باطل مثل من يأخذ سوق النخاسين مقاطعة أو شهد على
وثيقتها اه‍. وقال المشايخ: إن شهدوا حل عليهم اللعن أنه شهادة على باطل، فكيف هؤلاء الذين
يشهدون من مباشري السلطان على ضمان الجهات وعلى المحبوسين عندهم هؤلاء والذين في ترسيمهم اه‍.
قوله: (كمقاطعة سوق النخاسين) كمن يأخذها بقطعة من المال يجعلها عليه مكسا ويوجد في بعض
الكتب بالخاء المعجمة جمع نخاس، وهو بائع الدواب والرقيق، والاسم النخاسة بالكسر والفتح، من
نخس من باب نصر: إذا غرز مؤخر الدابة بعود ونحوه كما في القاموس، وقد جعل في الأسواق

535
التي تباع فيها الحمير مكاسون فلا تقبل شهادتهم. قوله: (حتى حل لعن الشاهد) أي الذي شهد على
صك مقاطعة النخاسين كما في المنح، وليس المراد لعن العين لعدم جوازه، بل المراد بأن يقال: لعن
الله شاهد ذلك.
مطلب: لا تصح المقاطعة بمال لاحتساب قرية
قال الخير الرملي في فتواه في رجل قاطع على مال معلوم احتساب قرية هل يصح ذلك أم لا؟
أجاب: لا يصح ذلك بإجماع المسلمين، فلا يطالب المحتسب بما التزمه من المال ولا يصح الدعوى في
ذلك، ولا تقام البينة عليه، ولا يحل للقاضي سماع مثل هذه الدعوى سواء وقعت بلفظ المقاطعة أو
الالتزام كما رأيناه بخط الثقات اه‍. ووجهه أن المقاطعة لا يتصور أن تكون بيعا لعدم وجود المبيع
ولزومه شرعا ولا إجارة لأنها بيع المنافع، وإذا وقعت باطلة كانت كالعدم، ولا فرق بين مقاطعة
الاحتساب ومقاطعة القضاء، فعلى المقاطع على القضاء ما على المقاطع على الاحتساب، ولا يسأل عن
جوازه بل يسأل عن كفره مستحله ومتعاطيه كما في البزازية.
قال مؤيد زاده: سئل الصفار عن رجل أخذ سوق النخاسين مقاطعة من الديوان وأشهد على
كتاب المقاطعة إنسانا هل له أن يشهد؟ قال: إذا شهد حل عليه اللعن، ولو شهد على مجرد الاقرار وقد
علم السبب فهو أيضا ملعون، ويجب التحرز عن تحمل مثل هذه الشهادة، وكذا كل إقرار بناءه على
حرام. قوله: (ورعاياهم) أي رعايا العمال والنواب. قوله: (لا تقبل) لجهلهم وميلهم خوفا منه. قال
في البحر: وفي شرح المنظومة: أمير كبير ادعى فشهد له عماله ودواوينه ونوابه ورعاياهم لا تقبل اه‍.
قال الرملي: يؤخذ منه أن شهادة خدامه الملازمين له كملازمة العبد لمولاه كذلك لا تقبل، وهو ظاهر
ولا سيما في زماننا هذا. تأمل، وقد أفتيت به مرارا، والله الموفق للصواب، ومثله في شهادات جامع
الفتاوى بصيغة أعوان الحكام والوكلاء على باب القضاة لا تسمع شهادتهم، لأنهم ساعون في إبطال
حق المستحق وهم فساق. والله تعالى أعلم.
مطلب: الجند إذا كانوا يحصون لا تقبل شهادتهم لأمير وإلا تقبل وحد الاحصاء مائة
قال في الهندية: شهادة الجند للأمير لا تقبل إن كانوا يحصون، وإن كانوا لا يحصون تقبل، نص
في الصيرفية في حد الاحصاء مائة وما دونه وما زاد عليه فهؤلاء لا يحصون. كذا في جواهر
الأخلاطي اه‍ ناقلا عن الخلاصة. قوله: (كشهادة المزارع لرب الأرض) فإنها لا تقبل لفساد الزمان اه‍،
ذكره عبد البر، وظاهره: وإن كانت الشهادة تتعلق بالمزارعة ط.
قال الرحمتي: قيده في القنية فيما إذا كان البذر من رب الأرض. ووجهه أن وجوه المزارعة
الجائزة ثلاثة: أن يكون الأرض والبذر والبقر لواحد والعمل من الآخر، فيكون الزرع لصاحب البذر
ويكون ما يأخذه العامل في مقابلة عمله فهو أجير خاص فلا تقبل شهادته لمستأجره. وكذا إن كان
الأرض والبذر لواحد والعلم والبقر لآخر فيكون أجيرا بما يأخذه من المشروط والبقر تبع له آلة
للعمل. الثالث أن تكون الأرض لواحد والباقي لآخر فيكون الخارج لرب النذر، وما يأخذه رب

536
الأرض آجرة أرضه، والمزارع مستأجر للأرض بما يدفعه لصاحبها من المشروط. ومن استأجر أرضا
من آخر تصح شهادته له، ولا تصح المزارعة في غير هذه الوجوه الثلاثة كما حرر في بابها. قوله:
(وقيل أراد بالعمال) هذا ممكن في مثل عبارة الكنز فإنه لم يقل: إلا إذا كانوا أعوانا الخ. قوله:
(المحترفين) أي والذين يؤجرون أنفسهم للعمل، فإن بعض الناس رد شهادة أهل الصناعات الخسيسة
فأفردت هذه المسألة على هذا الاظهار مخالفتهم، وكيف لا وكسبهم أطيب المكاسب كما في البحر. قال
الرملي: فتحرر أن العبرة للعدالة لا للحرفة، وهذا الذي يجب أن يعول عليه ويفتى به. فإنا نرى بعض
أصحاب الحرف الدنيئة عنده من الدين والتقوى ما ليس عند كثير من أرباب الوجاهة وأصحاب
المناصب وذوي المراتب. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. اه‍. فيكون في إيراد الشارح هذا القول رد على
من رد شهادة أهل الحرفة الخسيسة.
قال في الفتح: وأما أهل الصناعات الدنيئة كالقنواتي والزبال والحائك والحجام فقيل لا تقبل،
والأصح أنها تقبل لأنه قد تولاها قوم صالحون، فما لم يعلم القادح لا يبنى على ظاهر لصناعة، وتمامه
فيه فراجعه. قوله: (وهي حرفة آبائه وأجداده) ظاهره أنها إذا كانت حرفتهم لا تكون دنيئة ولو كانت
دنيئة في ذاتها وهو خلاف ما يعطيه الكلام الآتي. قوله: (وإلا فلا مروءة له) أي بأن كان أبوه تاجرا
واحترف هو الحياكة أو الحلاقة وغير ذلك. قوله: (فلا شهادة له) أي لارتكابه الدناءة، وفيه نظر لأنه
مخالف لما قدمه: يعني صاحب البحر قريبا من أن صاحب الصناعة الدنيئة كالزبال والحائك مقبول
الشهادة إذا كان عدلا في الصحيح اه‍. قوله: (لما عرف في حد العدالة) قال القهستاني بعد قول
النقاية: ومن اجتنب الكبائر ولم يصر على الصغائر وغلب صوابه على خطئه ما نصه: كان عليه أن يزيد
قيدا آخر: أي في تعريف العدالة، وهو أن يجتنب الافعال الدالة على الدناءة وعدم المروءة كالبول في
الطريق اه‍. وهو يقتضي رد شهادة ذي الصناعة الرديئة لخرم المروءة بها وإن لم تكن معصية، فتأمل ط.
وتحقيقه ما نذكره في المقولة الآتية. قوله: (فتح) لم أره في الفتح، بل ذكره في البحر بصيغة ينبغي
حيث قال: وينبغي تقييد القبول بأن تكون تلك الحرفة لا ثقة به، بأن تكون حرفة آبائه وأجداده، وإلا
فلا مروءة له إذا كانت حرفة دنيئة فلا شهادة له له لما عرف في حد العدالة اه‍. قال الرملي: وعندي في
هذا التقييد نظر يظهر لمن نظر، فتأمل اه‍: أي في التقييد بقوله: بحرفة لائقة الخ.
قلت: ووجهه أنهم جعلوا العبرة للعدالة لا للحرفة، فكم من دنئ صناعة أتقى من ذي منصب
ووجاهة. على أن الغالب أنه لا يعدل عن حرفة أبيه إلى أدنى منها إلا لقلة ذات يده أو صعوبتها عليه،
ولا سيما إذا علمه إياها أبوه أو وصيه في صغره ولم يتقن غيرها، فتأمل. وفي حاشية أبي السعود: فيه
نظر، لأنه مخالف لما قدمه هو قريبا من أن صاحب الصناعة الدنيئة كالزبال والحائك مقبول الشهادة إذا
كان عدلا في الصحيح اه‍. وقدمناه قريبا.
قال سيدي الوالد: ويدفع بأن مراده أن عدوله عن حرفة أبيه إلى أدنى منها دليل على عدم
المروءة، وإن كانت حرفة أبيه دنيئة فينبغي أن يقال هو كذلك إن عدل بلا عذر. تأمل اه‍.
أقول: فالحاصل أن المعتبر العدالة، ولا نظر إلى الحرفة إلا إذا عدل عن حرفة آبائه الشريفة إلى

537
الحرفة الخسيسة إذا كان بلا داع إليه من عجز أو عدم أسباب أو قلة يد تقصر عن حرفة أبيه، ولا سيما
إذا كان أبوه أو وصيه علمه في صغره هذه الحرفة الدنيئة فكبر وهو لا يعرف غيرها. أما إذا كان بلا
داع فيدل على رزالته وعدم مروءته ومبالاته، هذا مما يسقط العدالة. أما لو كان انتقاله لاحد هذه
الاعذار المذكور فتقبل إذا كان عدلا ولا وجه لرد شهادته فتعين ما قلنا. قوله: (لا تقبل من أعمى)
في شئ من الحقوق دينا أو عينا، منقولا أو عقارا. قهستاني. والعلة فيه أن الأداء يفتقر إلى التمييز
بالإشارة بين المشهود له والمشهود عليه، ولا يميز الأعمى إلا بالنغمة فيخشى عليه التلقين من الخصم،
إذ النغمة تشبه النغمة. قوله: (ولو قضى صح) أي قاضي ولو حنيفا كما يفيده إطلاقه، أو يحمل على
قاض يرى قبولها كمالكي ط. قوله: (ما لو عمي بعد الأداء) لان المراد بعدم قبولها عدم القضاء بها،
لان قيام أهليتها شرط وقت القضاء لصيرورتها حجة عنده. قوله: (وما جاز بالسماع) أي كالنسب
والموت، وما تجوز الشهادة عليه بالشهرة والتسامع كما في الخلاصة. قوله: (خلافا للثاني) أي فيما لو
عمي بعد الأداء قبل القضاء، وما جاز بالسماع كما في فتح القدير. ولزفر، وهو مروي عن الامام،
واستظهر قول بالأول صدر الشريعة فقال: وقوله أظهر، لكن رده في اليعقوبية بأن المفهوم من سائر
الكتب عدم أظهريته. وأما قوله بالثاني فهو مروي عن الامام أيضا، قال في البحر: واختاره في
الخلاصة ورده الرملي بأنه ليس في الخلاصة ما يقتضي ترجيحه واختياره. نعم، قال ط: وجزم به في
النصاب من غير ذكر خلاف كما في الحموي اه‍.
أقول: وهو ترجيح له، لكن عزاه في الخلاصة إلى النصاب. وفي النصاب: لم يتعرض لحكاية
الخلاف. وفي حاشية الخير الرملي على المنح عند قوله ودخل تحته ما كان طريقه السماع خلافا لأبي
يوسف كما في فتح القدير.
أقول: عبارة فتح القدير: وقال أبو يوسف: يجوز فيما طريقه السماع، وما لا يكفي فيه السماع
إذا كان بصيرا وقت التحمل أعمى عند الأداء إذا كان يعرفه باسمه ونسبه اه‍.
أقول: فحق العبارة: خلافا لأبي يوسف فيما طريقه السماع أولا، ولزفر فيما طريقه السماع،
وقد تبع الشارح شيخه في ذلك، فإن هذه عبارة حرفا بحرف، ولا يخفى ما فيها من إيهام اختصاص
مذهب أبي يوسف بما طريقه السماع وليس كذلك. وفى الفتح:. قيد في الذخيرة قول أبي يوسف بما
إذا كانت شهادته في الدين والعقار، أما في المنقول فأجمع علماؤنا أنها لا تقبل.
أقول: وفى الحقائق: وقال في العون: الخلاف فيما لا يحتاج فيه إلى الإشارة وفي غير الحدود.
وقال في الذخيرة: الخلاف فيما لا تجوز الشهادة بالشهرة والتسامع، أما في خلافه تقبل شهادة الأعمى
فلا خلاف اه‍ وهذا مخالف لما في أكثر الكتب من أنه لا تقبل شهادته عند أبي حنيفة ومحمد فيما طريقه
السماع أو لا، فارجع إلى الشروح والفتاوى إن شئت.
قال في صدر الشريعة في مسألة الأعمى: العمى بعد الأداء قبل القضاء خلافا لأبي يوسف،
وقوله أظهر. قال أخي راده في حاشيته: وجه الأظهر إن العمى إذا لم يكن مانعا عن الأداء إذا تحمل
بصيرا عند أبي يوسف، فعدم كونه مانعا عن القضاء بعد أدائه بصيرا يكون في غاية الظهور عندهما،

538
لأنه لا تأثير في نفس قضاء القاضي للعمى العارض للشاهد بعد أدائه شهادته اه‍. قوله: (مطلقا)
سواء كان فيما يجري فيه التسامع أم لا. وفي البحر: ولا تقبل شهادته سواء كانت بالإشارة أو
بالكتابة. قوله: (بالأولى) لان في الأعمى إنما تتحقق التهمة في نسبته. وهنا تتحقق في نسبته وغيرها
من قدر المشهود به وأمور أخر. كذا في الفتح، ولأنه لا عبارة له أصلا، بخلاف الأعمى. وفي
المبسوط أنه بإجماع الفقهاء لان لفظة الشهادة لا تتحقق. وتمام الكلام على ذلك في الفتح.
تنبيه: نصوا على أن نعمة السمع أفضل من نعمة البصر لعموم منفعتها فإنه يدرك من كل
الجهات، بخلاف البصر، ولأنه لا أنس في مجالسة أخرس، بخلاف الأعمى، ولأنه يدرك التكاليف
الشرعية بخلافه ط. قوله: (ومرتد) لان الشهادة من باب الولاية ولا ولاية له على أحد فلا تقبل
شهادته، ولو على كافر أو مرتد مثله في الأصح كما قدمناه موضحا. قوله: (ومملوك) ولو مكاتبا أو
مدبرا أو أم ولد إذ لا ولاية له على نفسه كالصبي، فعلى غيره أولى.
قال في الحواشي السعدية: الوكالة ولاية كما يعلم من أوائل عزل الوكيل، والعبد محجورا كان
أو مأذونا تجوز وكالته، فتأمل في جوابه اه‍.
قال سيدي الوالد: ومثله توكيل صبي يعقل. وقد يقال: ولايتهما في الوكالة غير أصلية.
تأمل. قوله: (أو مبعضا) أشار بهذا إلى أن المراد من المملوك من فيه رق، وإلا فالمملوك لا يتناول
المكاتب والمبعض.
قال سيدي الوالد: والمعتق في المرض كالكاتب في زمن السعاية عند أبي حنيفة، وعندهما: حر
مديون اه‍.
أقول: والمراد بالمرض مرض الموت، وكان الثلث يضيق عن قيمته ولم تجزه الورثة.
تنبيهات: مات عن عم وأمتين وعبدين فأعتقهما العم فشهدا ببنوة إحداهما بعينها للميت: أي
أنه أقر بها في صحته لم تقبل عنده، لان في قبولها ابتداء بطلانها انتهاء، لان معتق البعض كمكاتب لا
تقبل شهادته عنده لا عندهما لأنه حر مديون ولو شهد أن الثانية أخت الميت قبل الشهادة الأولى أو
بعدها أو معها لا تقبل بالاجماع، لأنا لو قبلنا لصارت عصبة مع البنت فيخرج العم عن الوراثة. بحر
عن المحيط.
أقول: هذا ظاهر عند وجود الشهادتين، وأما عند سبق شهادة الأختية فالعلة فيها هي علة البنتية
فتفقه.
وفي المحيط: مات عن أخ لا يعلم له وارث غيره فقال عبدان من رقيق الميت إنه أعتقنا في
صحته وإن هذا الآخر ابنه فصدقهما الأخ في ذلك لا تقبل في دعوى الاعتاق لأنه أقر بأنه لا ملك له
فيهما، بل هما عبدان للآخر لاقرار الأخ أنه وارث دونه فتبطل شهادتهما في النسب، ولو كان مكان
الآخر أنثى جاز شهادتهما وثبت نسبهما، ويسعيان في نصف قيمتها لأنه أقر أن حقه في نصف الميراث
فصح بالعتق لأنه لا يتجزأ عندهما، إلا أن العتق في عبد مشترك فتجب السعاية للشريك الساكت.
وأقول: عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يعتقان كما قالا، غير أن شهادتهما بالبنتية لم تقبل لان
معتق البعض لا تقبل شهادته فتفقه.

539
مطلب: يبطل القضاء بظهور الشهود عبيدا
فائدة: قضى بشهادة فظهروا عبيدا تبين بطلانه، فلو قضى بوكالة ببينة وأخذ ما على الناس من
الديون ثم وجدوا عبيدا لمن تبرأ الغرماء، ولو كان بمثله في وصاية برئوا لان قبضه بإذن القاضي وإن لم
يثبت الايصاء كإذنه لهم في الدفع إلى أمينه، بخلاف الوكالة إذ لا يملك الاذن لغريم في دفع دين
الحي لغيرة، قال المقدسي: فعلى هذا ما يقع الآن كثيرا من توليه شخص نظر وقف فيتصرف فيه
تصرف مثله من قبض وصرف وشراء وبيع ثم يظهر أنه بغير شرط الواقف أو أن إنهاءه باطل ينبغي أن
لا يضمن لأنه تصرف بإذن القاضي كالوصي، فليتأمل.
قلت: وتقدم في الوقف ما يؤيده اه‍. قوله: (وصبي) مطلقا لعدم الولاية كالمملوك، وقدمنا أن
الصبي إذا بلغ فشهد فإنه لا بد من التزكية، وكذا الكافر إذا أسلم، وإن الكافر إذا عدل في كفره
لشهادة ثم أسلم فشهد فإنه يكفي التعديل الأول، وأن الفرق بين الصبي والكافر هو أن الكافر كان له
شهادة مقبولة قبل إسلامه بخلاف الصبي. قوله: (ومغفل) قال محمد في رجل عجمي صوام قوام
مغفل يخشى عليه أن يلقن فيأخذ به، قال: هذا شر من الفاسق في الشهادة. وعن أبي يوسف أنه قال:
إنا نرد شهادة أقوام نرجو شفاعتهم يوم القيامة. معناه: أن شهادة المغفل وأمثاله لا تقبل وإن كان عدلا
صالحا. تتارخانية.
وفي البحر: وعن أبي يوسف: أجيز شهادة المغفل ولا أجيز تعديله، لان التعديل يحتاج فيه إلى
الرأي والتدبير والمغفل لا يستقصي في ذلك اه‍. وفي مؤيد زاده: ومن اشتدت غفلته لا تقبل شهادته.
قوله: (ومجنون إلا في حال صحته) أي وقت كونه صاحيا.
قال في المحيط: ومن يجن ساعة ويفيق أخرى فشهد في حال صحته تقبل لان ذلك بمنزلة
الاغماء، وقدر بعض مشايخنا جنونه بيوم أو يومين، فإذا شهد بعدهما وكان صاحيا تقبل اه‍. وقد علم
أن قوله إلا في حال صحته استثناء من مجنون. قوله: (إلا أن يتحملا) أي المملوك والصبي. قوله:
(والتمييز) إنما عدل عن قول حافظ الدين والصغر، لان التحمل بالضبط وهو إنما يحصل بالتمييز إذ
لا ضبط قبله. قال فخر الاسلام: إن الصبي أو حاله كالمجنون: يعني إذا كان عديم العقل والتمييز،
وأما إذا عقل فهو والمعتوه العاقل سواء في كل الاحكام. أفاده المصنف. قوله: (وأديا بعد الحرية) أي
النافذة، فلو أعتق عبده في مرض موته ولا مال له غيره ثم شهد لا تقبل عند الامام لان عتقه
موقوف. بحر. قوله: (كما مر) في قوله: وعتيق لمعتقه. قوله: (وبعد البلوغ) لان الصبي والرقيق
والمملوك أهل للتحمل، لان التحمل بالشهادة والسماع ويبقى إلى وقت الأداء بالضبط وهما لا ينافيان
ذلك وهما أهل عند الأداء، وأطلقه فشمل ما إذا لم يؤدها إلا بعد الأهلية، وأداها قبلها فردت ثم زالت
العلة فأداها ثانيا. قوله: (وكذا بعد إبصار) أي بشرط أن يتحمل وهو بصير أيضا، بأن كان بصيرا
فتحمل ثم عمي ثم أبصر فأدى فافهم. قاله سيدي الوالد. وعبارة الشارح توهم أنه إذا تحمل أعمى
وأدى بصيرا أنها تقبل، وليس كذلك لما تقدم من أن شرط التحمل البصر، فتعين ما قاله سيدي
الوالد. قوله: (والاسلام) قال في البحر: وأشار إلى أن الكافر إذا تحملها على مسلم ثم أسلم فأداها

540
تقبل كما في فتح القدير. قوله: (وتوبة فسق) أي بأن تحمل فاسقا فأدى بعد توبة فإنها تقبل.
والصحيح أن تقدير المدة في التوبة مفوض إلى رأى المعدل والقاضي كما قدمناه، احترز بتوبة الفسق
عن توبة القذف كما يأتي قريبا. قوله: (وطلاق زوجة) يعني إذا تحمل وهو زوج وأدى بعد زوال
الزوجية حقيقة وحكما: أي إن لم يكن حكم بردها لما يأتي قريبا. قوله: (وفي البحر) أي عن
الخلاصة. قوله: (برده) أي الشاهد. قوله: (فشهد بها) أي بتلك الحادثة، أما في غيرها فلا مانع.
قوله: (لم تقبل) أي الشهادة. قوله: (إلا أربعة الخ) فعلى هذا لا تقبل شهادة الزوج والأجير والمغفل
والمتهم والفاسق بعد ردها اه‍. بحر.
وفيه أيضا قبل هذا الباب: اعلم أنه يفرق بين المردود لتهمة وبين المردود لشبهة، فالثاني يقبل
عند زوال المانع، بخلاف الأول فإنه لا يقبل مطلقا، وإليه أشار في النوازل اه‍. وأطلق عدم القبول
فشمله ولو من قاض آخر.
قال الوبري: من رد الحاكم شهادته في حادثة لا يجوز لحاكم آخر أن يقبله في تلك الحادثة وإن
اعتقده عدلا.
قال سيدي الوالد: أما ما سوى الأعمى فظاهر، لان شهادتهم ليست شهادة، وأما الأعمى
فلينظر الفرق بينه وبين أحد الزوجين. ثم رأيت في الشرنبلالية: استشكل قبول شهادة الأعمى اه‍.
أقول: ويمكن أن يقال بأن الفرق ظاهر بينهما، وهو أن الأعمى ليس أهلا للشهادة مطلقا
كالعبد والصبي، وأما الزوج فأهل لها لكن عدم قبولها لتهمته. تأمل. ويأتي قريبا إن شاء الله تعالى.
قوله: (عبد الخ) وجه القبول فيها بعد الرد أن المردود أولا ليس بشهادة، بخلاف الفاسق إذا ردت
شهادته، أحد الزوجين إذا ردت شهادته ثم شهد، لا تقبل لان المردود أولا شهادة فيكون في قبولها
بعض نقض قضاء قد أمضى بالاجتهاد. وقوله: (وأعمى) يحمل على ما إذا تحمل بصيرا وأدى كذلك
وقد تخلل العمى بينهما، وعليه يحمل قوله: وكذا بعد إبصار السابق كما نقلناه عن سيدي الوالد رحمه
الله تعالى. قوله: (وإدخال الكمال) مع أنه صرح في صدر عبارته بخلافه، ومثله في التتارخانية
والجوهرة والبدائع.
قال في خزانة المفتين: ومن ردت شهادته لعلة ثم زالت العلة لا تقبل إلا في خمسة مواضع، إلى
أن قال: الخامسة إذا تحمل المملوك شهادة لمولاه فلم يؤد حتى عتق ثم شهد بها تقبل، وكذا الزوج إذا
أبان امرأته ثم شهد لها جاز، فظاهر جعله من المستثنيات يؤيد كلام الكمال، وتصويره لا يساعده لأنه
قال لم يؤد حتى عتق فليس فيه أنها ردت لذلك ثم شهد بها. وقال: إذا أبان امرأته ثم شهد لها ولم
يذكر أنها ردت قبل الإبانة كما نذكر تصويره قريبا عن الجوهرة والبدائع إن شاء الله تعالى، فتأمل.
قوله: (سهو) لان الزوج له شهادة وقد حكم بردها بخلاف العبد ونحوه. تأمل.
والعجب أنه ذكر أولا أنها لا تقبل، كما لو ردت لفسق ثم تاب ثم قال فصار الحاصل الخ فذكر
أحد الزوجين مع من يقبل، فالظاهر أنه سبق قلم لمخالفته صدر كلامه، ولما صرح به في التتارخانية

541
والخلاصة: لا تقبل إلا في أربعة، ولما في الجوهرة: إذا شهد الزوج الحر لزوجته فردت ثم أبانها
وتزوجت غيره ثم شهد لها بتلك الشهادة لم تقبل لجواز أن يكون توصل بطلاقها إلى تصحيح شهادته،
وكذا إذا شهدت لزوجها ثم أبانها ثم شهدت له اه‍. ولما في البدائع: لو شهد الفاسق فردت أو أحد
الزوجين لصاحبه فردت ثم شهدا بعد التوبة والبينونة لا تقبل. ولو شهد العبد أو الصبي أو الكافر
فردت ثم عتق وبلغ وأسلم وشهد في تلك الحادثة بعينها تقبل.
ووجه الفرق أن الفاسق والزوج لهما شهادة في الجملة فإذا ردت لا تقبل بعد، بخلاف الصبي
والعبد والكافر إذ لا شهادة لهم أصلا اه‍. كذا في الشرنبلالية.
وفيها قال في الفتاوى الصغرى: لو شهد المولى لعبده في النكاح فردت ثم شهد له بذلك بعد
العتق لم يجز، لان المردود كان شهادة. ثم قال: والصبي أو المكاتب إذا شهد فردت ثم شهدها بعد
البلوغ والعتق جاز، لان المردود لم يكن شهادة بدليل أن قاضيا لو قضى به لا يجوز. فإذا عرفت يسهل
عليك تخريج المسائل أن المردود لو كان شهادة لا تجوز بعد ذلك أبدا، ولو لم يكن شهادة تقبل عند
اجتماع الشرائط اه‍. ولكن يشكل عليه شهادة الأعمى، إذ لو قضى بها جاز فهي شهادة وقد حكم
بقبولها بزوال العمى. قوله: (ومحدود في قذف) أي بسببه، وقيد به لان الرد في غيره للفسق وقد
ارتفع بالتوبة. وأما فيه فلان عدم قبول شهادتهم من تمام الحد والحد لا يزول بالتوبة، وأشار به إلى أن
الشهادة لا ترد بالقذف مؤبدا بل بالحد. قوله: (تمام الحد) أي لا تسقط شهادته ما لم يضرب تمام الحد،
لان الحد لا يتجزأ فما دونه لا يكون حدا وهو صريح المبسوط، لان المحدود من ضرب الحد: أي
تماما، لان ما دونه يكون تعزيرا غير مسقط لها وهو ظاهر الرواية. قوله: (وقيل بالأكثر) كما هو
رواية، وقد علمت أن ظاهر الرواية تمامه، واختاره في المحيط لان المطلق يحمل على الكمال. وفي
رواية: ولو بسوط كما في المنبع، ولا فرق في عدم إتمامه بين أن يكون ضرب ناقصا أو فر قبل إتمامه،
لأنه ليس بحد حينئذ. قوله: (وإن تاب) إن وصلية: أي لا تقبل شهادة المحدود في القذف وإن تاب.
قوله: (بتكذيبه نفسه) الباء للسببية: أي بسبب تكذيبه نفسه لان تكذيبه ناشئ عن كذبه وكذبه ذنب
يقتضي التوبة، فليس التكذيب توبة لصحة الشهادة، ويمكن أن تكون الباء للتصوير، ويؤيده ما في
الشرنبلالية فراجعها وتأمل. قوله: (لان الرد) أي رد شهادة المحدود في القذف. قوله: (من تمام الحد
بالنص) وهو قوله تعالى: * (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) * (النور: 4) ووجه الاستدلال أن الله تعالى نص
على الأبد وهو ما لا نهاية له، والتنصيص عليه ينافي القبول في وقت ما، وأن معنى قوله لهم
للمحددين في القذف وبالتوبة لم يخرج عن كونه محدودا في قذف، ولأنه يعني رد الشهادة من تمام الحد
لكونه مانعا عن القذف كالجلد والحد وهو الأصل فيبقى بعد التوبة لعدم سقوطه بها، فكذا تتمة اعتبارا
له بالأصل كما في العناية.
وفي العيني على الهداية: وإنما كان رد الشهادة من تمام الحد: أي لكون تمام الحد مانعا: أي عن
القذف لكونه زاجرا لأنه يؤلم قلبه كالجلد يؤلم بدنه، ولأن المقصود منه رفع العار عن المقذوف وذلك
في إهدار قول القاذف أظهر، لأنه بالقذف آذى قلبه فجزاؤه أن لا تقبل شهادته. لأنه فعل لسانه وفاقا
لجريمته فيكون من تمام الحد فيبقى: أي الرد بعد التوبة كأصله: أي كأصل الحد اعتبارا بالأصل اه‍.

542
قوله: (والاستثناء منصرف لما يليه) أي قوله تعالى: * (إلا الذين تابوا) * (النور: 5) راجع إلى قوله:
* (وأولئك هم الفاسقون) النور: 4) لقوله: * (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) * بخلاف آية المحاربين،
فإن قوله تعالى: * (إلا الذين تابوا) * (النور: 5) راجع إلى الحد لا لقوله: * (ولهم عذاب عظيم) * لأنه لو
رجع إليه لما قيد الاستثناء بقبل القدرة، لان التوبة نافعة مطلقا، ففائدة التقييد به سقوط الحد به. وقال
الشافعي ومالك وأحمد: تقبل، لقوله تعالى: * (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا
الذين تابوا) * (النور: 4 - 5) فإن الاستثناء إذا تعقب جملا بعضها معطوف على البعض ينصرف إلى الكل
كقول القائل: مرأته طالق وعبده حر وعليه حجة إلا أن يدخل الدار، فإن الاستثناء ينصرف إلى جميع
ما تقدم، لان هذا افتراء على عبد من عبيد الله تعالى، والافتراء على الله تعالى وهو الكفر لا يوجب رد
الشهادة على التأبيد، بل إذا أسلم يقبل فهذا أولى.
ولنا أن قوله تعالى: * (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) * (النور: 4) معطوف على قوله * (فاجلدوهم) *
(النور: 4) والعطف للاشتراك فيكون رد الشهادة من حد القذف والحد لا يرتفع بالتوبة. ولا نسلم أن
الاستثناء في الآية تعقب جملا بعضها معطوف على بعض، بل تعقب جملة منقطعة عن جمل بعضها
معطوف على بعض، لأنه يعقب جملة * (أولئك هم الفاسقون) * (النور: 4) وهي جملة مستأنفة لان ما قبلها أمر
ونهي فلم يحسن عطفها عليه، بخلاف المثال فإن الجمل كلها فيه إنشائية معطوفة فيتوقف كلها على
آخرها، حتى إذا وجد الغير في الأخير تغير الكل، والقياس على الكفر ممتنع لفقد شرطه، وهو أن لا
يكون في الفرع نص يمكن العمل به، وها هنا نص وهو التأبيد. شمني.
وفي العناية: ولا يمكن صرف الاستثناء إلى الجميع لأنه منصرف إلى ما يليه، وهو قوله تعالى:
* (وأولئك هم الفاسقون) * (النور: 4) وهو ليس بمعطوف على ما قبله، لان ما قبله طلبي وهو إخباري.
فإن قلت: فجعله بمعنى الطلب ليصح كما في قوله تعالى: * (وبالوالدين إحسانا) * (الاسراء: 23)
قلت: يأباه ضمير الفصل، فإنه يفيد حصر أحد المسندين في الآخر وهو يؤكد الاخبارية. سلمناه لكن
يلزم جعل الكلمات المتعددة كالكلمة الواحدة وهو خلاف الأصل. سلمناه لكنه كان إذا ذاك جزاء فلا
يرتفع بالتوبة كأصل الحد وهو تناقض ظاهر. سلمناه لكنه كان أبدا مجازا عن مدة غير متطاولة وليس
بمعهود. سلمناه لكن جعله ليس بأولى من جعل الاستثناء منقطعا بل جعله منقطعا أولى دفعا
للمحذورات، وتمام الصور على هذا البحث يقتضي مطالعة تقريرنا في تقريرنا في الاستدلالات
الفاسدة اه‍. قوله: (إلا أن يحد كافرا في القذف فيسلم فتقبل) لان للكافر شهادة فكان ردها من تمام
الحد، وبالاسلام حدثت شهادة أخرى فتقبل على المسلمين والذميين. قوله: (بعد الاسلام) قال في
البحر: وضع هذه المسألة يدل على أن الاسلام لا يسقط حد القذف، وهل يسقط شيئا من الحدود؟
قال الشيخ عمر قارئ الهداية: إذا سرق الذمي أو زنى ثم أسلم، فإن ثبت عليه ذلك بإقراره
أو بشهادة المسلمين لا يدرأ عنه الحد، وإن ثبت بشهادة أهل الذمة فأسلم سقط عنه الحد اه‍. وينبغي
أن يقال كذلك في حد القذف.
وفي اليتيمة من كتاب السير أن الذمي إذا وجب التعزير عليه فأسلم لم يسقط عنه، ولم أر حكم

543
الصبي إذا وجب التعزير عليه للتأديب فبلغ. ونقل الفخر الرازي عن الشافعي سقوطه لزجره بالبلوغ،
ومقتضى ما في اليتيمة أنه لا يسقط إلا أن يوجد نقل صريح اه‍. قوله: (على الظاهر) أي ظاهر
الرواية، وظاهر كلام المصنف أنه أسلم بعد ما ضرب تمام الحد، فلو أسلم بعد ما ضرب بعضه فضرب
الباقي بعد إسلامه ففيه ثلاث روايات: في ظاهر الرواية لا تبطل شهادته على التأبيد، فإذا تاب قبلت.
وفي رواية: تبطل إن ضرب الأكثر بعد إسلامه. وفي رواية: تبطل ولو بسوط. بحر عن السراج: أي
لأنه لم يوجد في حقه ما ترد به شهادته التي تقبل منه في كفره ولا التي تقبل منه في إسلامه. لأنه في
حال كفره لم يقم عليه تمام الحد ولا ترد الشهادة إلا بذلك. وفي الاسلام لم يقم عليه تمام أيضا فلم
تسقط شهادته. قوله: (بخلاف عبد حد فعتق لم تقبل) لأنه لا شهادة للعبد أصلا في حال رقه فتوقف
الرد على حدوثها، فإذا حدثت كان رد شهادته بعد العتق من تمام الحد.
والفرق بينه وبين الكافر هو أن الكافر في حال كفره له شهادة، فإذا حد للقذف سقطت تلك
الشهادة فإذا أسلم فقد استفاد بالاسلام بعد الحد شهادة فلم يخلفها رد، بخلاف العبد إذا حد ثم
أعتق حيث لا تقبل شهادته لأنه لم يكن له شهادة على أحد وقت الجلد فلم يتم الرد إلا بعد الاعتاق.
قوله: (على زناه) أي المقذوف: قوله: (أو اثنين) أو رجل وامرأتين. منح. قوله: (كما لو برهن قبل
الحد بحر) ونصه: لأنه لو أقام أربعة بعد ما حد على أنه زنى قبلت شهادته بعد التوبة في الصحيح،
لأنه لو أقامها قبل لم يحد فكذا لا ترد شهادته، وإنما قيد بقوله على أنه زنى، لأنه لو أقام بينة على
إقرار المقذوف بالزنا لا يشترط أن يكونوا أربعة، لما في فتح القدير من باب حد القذف: فإن شهد
رجلان أو رجل وامرأتان على إقرار المقذوف بالزنا يدرأ الحد عن القاذف، لان الثابت بالبينة كالثابت
بالمعاينة الخ، فكذا إذا أقام رجلين بعد حده على إقراره بالزنا تعود شهادته كما لا يخفى.
ثم اعلم أن الضمير في قوله لهم عندنا عائد إلى المحدودين. وعند الشافعي إلى القاذفين العاجزين
عن الاثبات كما ذكره الفخر الرازي، فلو لم يحد تقبل شهادته عندنا خلافا له، ولو قذف رجلا ثم شهد
مع ثلاثة على أنه زنى: فإن كان حد لم يحد المشهود عليه، وإن لم يحد القاذف حد المشهود عليه. كذا في
البزازية اه‍. قوله: (الفاسق إذا تاب تقبل شهادته) قدمنا أن الفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته ما لم يمض
عليه زمان يظهر أثر التوبة عليه، وأن بعضهم قدر ذك بستة أشهر وبعضهم قدر بسنة، وأن الصحيح أنه
مفوض إلى رأي القاضي والمعدل، فراجعه. قوله: (والمعروف بالكذب) أي المشهور به، فلا تقبل شهادته
فإنه لا يعرف صدقه من توبته، بخلاف الفاسق إذا تاب عن سائر أنواع الفسق فإن شهادته تقبل. بحر عن
البدائع. قوله: (وشاهد الزور الخ) قال ط: صنيعه يقتضي أنه ذكر ذلك في البحر، وقد اقتصر فيه على
الأولين، فلو قال وفي الملتقط وساق العبارة لكان أولى اه‍.
أقول: نعم ذكره في البحر في هذا الباب عند قول الكنز: ومن ألم بصغيرة إن اجتنب الكبائر،
وقدمنا عبارته في هذا الباب عند قوله: ومتى ارتكب كبيرة سقطت عدالته. قوله: (لو عدلا لا تقبل

544
أبدا) لأنه لا تعرف توبته ولا تعتمد عدالته: أي من غير ضرب مدة كما في البحر عن الخلاصة قبيل
قوله والأقلف.
وفي الخانية: المعروف بالعدالة إذا شهد بزور عن أبي يوسف أنه لا تقبل شهادته أبدا لأنه لا
تعرف توبته، وقيد بالعدل لان غير العدل إذا شهد بزور ثم تاب تقبل شهادته كما قدمناه. قوله:
(لكن سيجئ ترجيح قبولها) أي قبيل باب الرجوع عن الشهادة. قال في الخانية: تقبل وعليه
الاعتماد، وجعل الأول رواية عن الثاني. وروى الفقيه أبو جعفر أنه تقبل وعليه الاعتماد، وكلام
الشارح فيما يأتي: أي قبيل باب الرجوع عن الشهادة صريح في أن الرواية الثانية عن أبي يوسف
أيضا. تأمل. قوله: (ومسجون) ولو تعدد، ولذا عبر في الدرر: يشهد بعضهم على بعض، والتعليل
يفيده. قال في المنح: يعني إذا حدث بين أهل السجن حادثة في السجن وأراد بعضهم أن يشهد في
تلك الحادثة لم تقبل لكونهم متهمين. كذا في الجامع الكبير ومثله في البزازية اه‍. قوله: (وكذا لا تقبل
شهادة الصبيان) ظاهر عبارة المصنف: وعبارة الصغرى يفيد أنها لا تقبل شهادة البالغ الذي حضر
الملاعب لفسقه بالحضور. قوله: (لمنع الشرع عما يستحق به السجن) لان العدل لا يحضر السجن.
والبالغ لا يحضر ملاعب الصبيان والرجال لا تحضر حمام النساء، والشرع شرع لذلك طريقا آخر وهو
الامتناع عن حضور الملاعب وعما يستحق به الدخول في السجن، ومنع النساء عن الحمامات، فإذا لم
يمتثلوا كان التقصير مضافا إليهم لا إلى الشرع اه‍. وقد تقدم الكلام على أنه قد يسجن الشخص من
غير جرم، والمنع إنما يظهر في حق المسجون، والنساء في الحمام لا في الصبيان لعدم تكليفهم.
ذكر في إجارة المنبع معزيا إلى المبسوط أن عند أكثر العلماء والمجتهدين لا بأس باتخاذ الحمام
للرجال والنساء للحاجة إليها خصوصا في الديار الباردة، وما روي من منعهن محمول على دخولهن
مكشوفات العورة. وقال المقدسي: وهو الصحيح. قوله: (وصغرى وشرنبلالية) ما في الشرنبلالية
نقله عن الصغرى، فالأولى شرنبلالية عن الصغرى. قال في جامع الفتاوى: وقيل في كل ذلك
يقبل، والأصح الأول كما في القنية اه‍. قوله: (تقبل شهادة النساء وحدهن) قدم في الوقف أن
القاضي لا يمضي قضاء قاض آخر بشهادة النساء وحدهن في شجاج الحمام. سائحاني. وحمله سيدي
الوالد على القصاص بالشجاج. قوله: (في القتل) فلا تقبل في نحو الأموال والشجاج. قوله: (بحكم
الدية) الأوضح في حكم الدية وهو متعلق بتقبل في نحو الأموال والشجاج. قوله: (بحكم الدية) الأوضح في حكم الدية وهو متعلق بتقبل: أي لا في ثبوت القصاص، فإنه لا يثبت بالنساء،
وظاهر ذلك أنه يحكم بالدية مع شهادتهن بالعمد ط. قوله: (المعلم) ولو لغير قرآن. قوله: (والزوجة
لزوجها وهو لها) أي ولو كانت الزوجة أمة لقوله عليه الصلاة والسلام لا تجوز شهادة الوالد لولده،
ولا الولد لوالده، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته، ولا العبد لسيده، ولا السيد لعبده، ولا

545
الشريك لشريكه، ولا الأجير لمن استأجره كما في الفتح مرفوعا من رواية الخصاف ومن قول شريح
وساقه بسنده، ولأن المنافع بين هؤلاء متصلة، ولهذا لا يجوز أداء بعضهم الزكاة إلى بعض فتكون
شهادته لنفسه من وجه فلا تقبل. قيل ما فائدة قول لسيده: فإن العبد لا شهادة له في حق أحد؟
وأجيب بأن ذكره على سبيل الاستطراد، فإنه عليه الصلاة والسلام لما عد مواضع التهمة ذكر العبد مع
السيد، فكأنه قال: لو قبلت شهادة العبد في موضع من المواضع على سبيل الفرض لم تقبل في حق
سيده. قوله: (وجاز عليها) أي وعليه. قوله: (إلا في مسألتين في الأشباه) وفي البحر أيضا: الأولى:
قذفها الزوج ثم شهد عليها بالزنا مع ثلاثة لم تقبل، لأنه يدفع اللعان عن نفسه. الثانية: شهد الزوج
وآخر بأنها أقرت بالرق لفلان وهو يدعي ذلك لم تقبل. ولو قال المدعي أنا أذنت لها في نكاحه إلا إذا
كان دفع لها المهر بإذن المولى. كذا في النوازل. بحر. وكأن وجهه أن إقدامه على نكاحها وتسليمها
المهر مناف لشهادته إذا لم يعترف المدعي بإذنه بالنكاح وبقبض المهر.
قال في البحر: ثم علم أن من لا تقبل شهادته له لا يجوز قضاؤه، فلا يقضي لاصله وإن علا،
ولا لفرعه، وإن سفل، ولو وكيل من ذكرنا كما في قضائه لنفسه كما في البزازية.
ومنها أيضا: اختصم رجلان عند القاضي ووكل أحدهما ابن القاضي أو من لا تجوز شهادته له
فقضى القاضي لهذا الوكيل لا يجوز، وإن قضى عليه يجوز. وفي الخزانة: وكذا لو كان ولده وصيا
قضى له ولو كان القاضي وصي اليتيم لم يجز قضاؤه في أمر اليتيم، ولو كان القاضي وكيلا لم يجز
قضاؤه لموكله. وتمامه فيها اه‍. قوله: (ولو شهد لها ثم تزوجها) أي قبل القضاء، وكذا لو شهد ولم
يكن أجيرا ثم صار أجيرا قبل أن يقضي بها. تتارخانية. قال ط: وانظر ما لو طلقها وانقضت عدتها،
والمسألة بحالها هل يقضى بها؟ والمناسب للمؤلف زيادة مسألة أخرى يزيد التفريع بها وضوحا، وهي
أنه لو شهد لامرأته وهو عدل ولم يرد الحاكم شهادته حتى طلقه بائنا وانقضت عدتها فإنه تنفذ شهادته
كما في الخانية اه‍. قوله: (فعلم منع الزوجية) ولو الحكمية كما في المعتدة، لكن الذي يعلم مما ذكره
منع الزوجية عند القضاء، وأما منعها عند التحمل أو الأداء فلا يعلم مما ذكر فلا بد من ضميمة ما
ذكره.
في المنح عن البزازية: لو تحملها حال نكاحها ثم أبانها وشهد لها: أي بعد انقضاء عدتها تقبل،
وما قدمناه في المقولة السابقة قبل هذه عن ط وهي: لو شهد لامرأته وهو عدل الخ. قوله: (لا تحمل)
أي لا تمنع الزوجية عن التحمل، فلو تحمل أحدهما حال الزوجية وأدى بعد انقضاء العدة يجوز. قوله:
(أو أداء) كما في المسألة المنقولة عن الخانية. قال الرحمتي: وهو معطوف على القضاء: أي يمنع
الزوجية عن القضاء أو الأداء لا عند التحمل، فلو تحملت في النكاح أو العدة وأدت بعدها جاز
كتحمل الزوج، ولا يصح القضاء بشهادة أحد الزوجين ولا أداؤهما للشهادة في حال قيام الزوجية أو
العدة، وهذا هو المتفرع على عبارة الخانية حيث قال: ثم تزوجها بطلت: أي لا يقضى بها بعد أدائها
قبل الزوجية، كما لا يصح الأداء حال قيام الزوجية اه‍. وهو مخالف لما قدمناه عن الخانية من نفاذ

546
شهادة العدل لزوجته حال الزوجية إذا أبانها وانقضت عدتها قبل رد الحاكم شهادته، وهو الموافق لظاهر
عبارة الشارح، لان الظاهر عطف قوله أو أداء على قوله لا تحمل من غير تكلف لما قاله الرحمتي
كما سمعت، فتكون الزوجية غير مانعة عند التحمل وعند الأداء، إلا أن يشهد لما قاله الرحمتي نقل.
فتأمل.
قال في البحر: والحاصل أنه لا بد من انتفاء التهمة وقت القضاء، وأما في باب الرجوع إلى
الهبة فهي مانعة منه وقت الهبة لا وقت الرجوع، فلو وهب لأجنبية ثم نكحها فله الرجوع، بخلاف
عكسه كما سيأتي. وفي باب إقرار المريض: الاعتبار لكونها زوجة وقت الاقرار، فلو أقر لأجنبية ثم
نكحها ومات وهي زوجته صح. وفي باب الوصية: الاعتبار لكونها زوجة وقت الموت لا وقت
الوصية اه‍. قوله: (والفرع لاصله) ولو كان فرعا من وجه كولد الملاعنة لا تقبل شهادته لأصوله أو
هوله أو لفروعه لثبوت نسبه من وجه بدليل صحة دعوته منه وعدمها من غيره. وتحرم مناكحته ووضع
الزكاة فيه، ولا إرث ولا نفقة من الطرفين كولد العاهر، ولو باع أحد التوأمين وقد ولدا في ملكه
وأعتقه المشتري فشهد لبائعه تقبل، فإن ادعى الباقي ثبت نسبهما وانتقض البيع والعتق والقضاء، ويرد
ما قبض أو مثله إن هلك للاستناد لتحويل العقد، وإن كان القضاء قصاصا في طرف أو نفس فأرشه
عليه دون العاقلة. وتمامه في تلخيص الجامع من باب شهادة ولد الملاعنة. ولا تقبل شهادة ولد أم
الوالد المنفي من السيد ولا يعطيه الزكاة كولد الحرة المنفي باللعان. كذا في المحيط البرهاني. وفي فتح
القدير: تجوز شهادته لابنه رضاعا.
وفي خزانة الأكمل: شهد ابناه أن الطالب أبرأ أباهما واحتال بدينه على فلان لم تجز إذا كان
الطالب منكرا، وإن كان المال على غير أبيهما فشهدا أن الطالب أحال به أباهما والطالب ينكر والمطلوب
يدعي البراءة والحوالة جازت انتهى.
وفي المحيط البرهاني: إذا شهدا على فعل أبيهما فعلا ملزما لا تقبل إذا كان للأب منفعة اتفاقا،
وإلا فعلى قولهما لا تقبل. وعن محمد روايتان، فلو قال إن كلمك فلان فأنت حر فادعى فلان أنه
كلمه وشهد ابناه به (1) لم تقبل عندهما، وكذا إن علق عتقه بدخوله الدار، ولو أنكر الأب جازت
شهادتهما، وكذا الحكم في كل شئ كان من فعل الأب من نكاح أو طلاق أو بيع. وإن شهد ابنا
الوكيل على عقد الوكيل فهو على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يقر الموكل والوكيل بالامر والعقد. وهو على وجهين، فإن ادعاه الخصم قضى
القاضي بالتصادق لا بالشهادة، وإن أنكر فعلى قولهما لا تقبل ولا يقضي بشئ، إلا في الخلع فإنه
يقضي بالطلاق بغير مال لاقرار الزوج به وهو الموكل. وعند محمد: يقضي بالعقد إلا بعقد ترجع
حقوقه إلى العاقد كالبيع.
الثاني: أن ينكر الوكيل والموكل، فإن جحد الخصم لا تقبل، وإلا تقبل اتفاقا.
الثالث: أن يقر الوكيل بهما ويجحد الموكل العقد فقط، فإن ادعاه الخصم يقضي بالعقود كلها،



(1) قوله: (فادعى فلان أنه كلمه وشهد ابناه به) أي ابنا فلان وكذا الضمير في قوله بدخوله لفلان اه‍. منه.
547
إلا النكاح على قول أبي حنيفة. وتمامها فيه. قوله: (وإن علا) كجده وجد جده إلى ما لا نهاية، سواء
كان جده لأبيه أو لامه. قوله: (إلا إذا شهد الجد الخ) محل هذا الاستثناء بعد قوله: وبالعكس إذ الجد
أصل لا فرع، وأنت خبير بأن هذه ليست من جزئيات شهادة الفرع لاصله بل الامر بالعكس، وحينئذ
فلا محل له بعد قوله وبالعكس. وقياسه هنا أن يقال: إلا إذا شهد ابن الابن على أبيه لجده، وهذا تبع
فيه صاحب الأشباه ابن الشحنة كما نقله منه في المنح، ويظهر لك بيانه قريبا.
ثم إن صاحب المحيط جعل ذلك في صورة مخصوصة، وهي ما إذا ولدت امرأة ولدا فادعت أنه
من زوجها هذا وجحد الزوج ذلك فشهد أبوه وابنه على إقرار الزوج أنه ولده من هذه المرأة تقبل
شهادتهما، لأنها شهادة على الأب اه‍. ومثله في الخانية.
أقول: وتتمة عبارتها: ولو شهد أبو المرأة وجدها على إقرار الزوج بذلك لا تقبل شهادتهما
لأنهما يشهدان لولدهما، ولو ادعى الزوج ذلك والمرأة تجحد فشهد عليها أبوها أنها ولدت وأقرت
بذلك اختلفت فيه الرواية. قال في الأصل: لا تقبل شهادتهما في رواية هشام، وتقبل في رواية أبي
سليمان. وإذا شهد الرجل لابن ابنه على ابنه جازت شهادته انتهت. ونقلها في التتارخانية بحروفها.
ووجه الأولى أنها شهادة على الابن للمرأة صريحا بجحوده وادعائها، وفي الثانية بالعكس،
والقبول في الأولى يقتضي القبول في الثانية وترجيح رواية أبي سليمان، إذ لا فرق يظهر، ولم يصر
الولد المجحود ابن ابن إلا بعد الشهادة في المسألتين، وعلى هذا فلا فرق بين الأموال والنسب في
القبول.
وفي المنح عن شرح العلامة عبد البر نقلا عن الخانية: القبول مطلقا من غير تقييد بحق. قال
المصنف: ولعل وجه القبول أن إقدامه على الشهادة على ولده وهو أعز عليه من ابنه دليل على صدقه
فتنفي التهمة التي ردت لأجلها الشهادة، وهذا خلاف ما مشى عليه صاحب البحر من أنه مقيد
بشهادة الأب على إقرار ابنه ببنوة ولده في الأموال ونقله قبله أنها لا تقبل، وحمله على أنها في غير
مسألة المحيط المذكورة، وتعقب المصنف كلامه بكلام ابن الشحنة.
ونص قاضيخان فيمن لا تقبل شهادته للتهمة أو إذا شهد الرجل لابن ابنه على ابنه جازت
شهادته كما ذكرنا اه‍.
قال الشلبي في فتاويه: سئلت عما لو شهدت الام لبنتها على بنت لها أخرى هل تقبل شهادتهما؟
فأجبت بما حاصله: إن شهادة الام على إحدى البنتين وإن كانت مقبولة لكن لما تضمنت الشهادة
للأخرى ردت فلا تقبل شهادتهما للتهمة، والله الموفق. ويشهد لما أجبت به قول الزيلعي رحمه الله تعالى
في كتاب النكاح: ولو تزوجها بشهادة ابنيهما ثم تجاحدا لا تقبل مطلقا لأنهما يشهدان لغير المنكر
منهما اه‍. ثم أجاب عن سؤال الآخر بما نصه: شهادة الأب على ولده لابنته غير صحيحة، والله تعالى
أعلم اه‍.
أقول: ويظهر على اعتماد عدم القبول أيضا لأنه منطوق المتون، فتأمل. قوله: (قال) أي صاحب
الأشباه. قوله: (إلا إذا شهد على أبيه لامه) في مال لا طلاق ادعته عليه كما في تنوير الأذهان

548
والضمائر معزيا فيه لفتاوى شمس الأئمة الأوزجندي من أن الام وإن ادعت الطلاق تقبل شهادتهما وهو
الأصح، لان دعواها لغو، فإن الشهادة تقبل حسبة من غير دعواها فصار وجود دعواها وعدمها سواء
ط. قوله: (ولو بطلاق ضرتها) لأنها شهادة لامه. قوله: (والام في نكاحه) الواو للحال. ووجهه
الشريف الحموي بأن فيه جر نفع للام. وأخذ السيد أبو السعود من كلام الأوزجندي السابق أن القبول
هنا أولى، لان الام لم تدع والشهادة في الطلاق مقبولة حسبة.
قال في البحر: وذكر في القضاء من الفصل الرابع: رجل شهد عليه بنوه أنه طلق أمهم ثلاثا
وهو يجحد: فإن كانت الام تدعي فالشهادة باطلة، وإن كانت تجحد فالشهادة جائزة، لأنها إذا كانت
تدعي فهم يشهدون لأمهم لأنهم يصدقون الام فيما تدعي ويعيدون البضع إلى ملكها بعد ما خرج عن
ملكها. وأما إذا كانت تجحد فيشهدون على أمهم لأنهم يكذبونها فيما تجحد ويبطلون عليها ما استحقت
من الحقوق على زوجها من القسم والنفقة وما يحصل لها من منفعة عود بضعها إلى ملكها فتلك منفعة
مجحودة يشوبها مضرة فلا تمنع قبول الشهادة اه‍. وهذه من مسائل الجامع الكبير.
وأورد عليه أن الشهادة بالطلاق شهادة بحق الله تعالى، فوجود دعوى الام وعدمها سواء لعدم
اشتراطها. وأجيب بأن مع كونه حقا لله تعالى فهو حقها أيضا، فلم تشترط الدعوى للأول واعتبرت
إذا وجدت مانعة من القبول للثاني عملا بهما.
وفي المحيط البرهاني معزيا إلى فتاوى شمس الاسلام الأوزجندي: أن الام إذا ادعت الطلاق
تقبل شهادتهما، قال: وهو الأصح لان دعواها لغو. قال مولانا: وعندي أن ما ذكره في الجامع أصح
اه‍.
ويتفرع على هذا مسائل ذكرها ابن وهبان في شرحه.
الأولى: شهدا أن امرأة أبيهما ارتدت وهي تنكر: فإن كانت أمهما حية لم تقبل ادعت أو
أنكرت لانتفاعها، وإلا فإن ادعى الأب لم يقبل، وإلا قبلت.
الثانية: طلق امرأته قبل الدخول ثم تزوجها فشهد ابناه أنه طلقها في المدة الأولى ثلاثا ثم تزوجها
بلا محلل: فإن كان الأب يدعي لا تقبل، وإلا تقبل.
الثالثة: شهد ابناه على الأب أنه خلع امرأته على صداقها: فإن كان الأب يدعي لم تقبل، دخل
بها أولا، وإلا تقبل ادعى أو لا.
الرابعة: شهد ابنا الجارية الحران أن مولاها أعتقها على ألف درهم: فإن كانت تدعي لم تقبل،
وإلا فتقبل. وإن شهد ابنا المولى وهو يدعي لم تقبل وعتقت لاقراره بغير شئ وإلا تقبل. بخلاف ما
إذا شهدا على عتق أبيهما بألف فإنها لا تقبل مطلقا لان دعواه شرط عنده. ولو شهد ابنا المولى: فإن
ادعى المولى لم تقبل، وإن جحد وادعى الغلام تقبل ويقضى بالعتق وبوجوب المال، وإن أنكر لم تقبل.
الخامسة: جارية في يد رجل ادعت أنه باعها من فلان وأن فلانا الذي اشتراها أعتقها والمشتري
يجحد فشهد ابنا ذي اليد بما ادعت الجارية: فإن ادعى الأب لم تقبل، وإلا تقبل اه‍. وهذه كلها
مسائل الجامع الكبير ذكرها الصدر الشهيد سليمان في باب من الشهادات. وزاد: قالت: بعتني منه
وأعتقني وشهد ابنا البائع: إن داعي لا تقبل وعتقت بإقراره، وإن كذبه قبلت وثبت الشراء والعتق لأنه

549
خصم، كالشفيع في يده جارية قال بعتها من فلان بألف وقبضها وباعها مني بمائة دينار وشهد ابنا
الباع يقضى بالبيعين وبالثمنين. وعند محمد: يشترط تصديقه ولا يحبس به، وإن ادعى الأب لا تقبل
ويسلم له إقراره إلى آخر ما فيه.
وفي البزازية: وفي المنتقى: شهدا على أن أباهما القاضي قضى لفلان على فلان بكذا لا تقبل،
والمأخوذ أن الأب لو كان قاضيا يوم شهد الابن على حكمه تقبل، ولو شهد الابنان على شهادة أبيهما
تجوز بلا خلاف وكذا على كتابه اه‍. ثم قال: قضاء القاضي بشهادة ولده وحافده يجوز.
وفي الخانية: ولو ولدت ولدا وادعت أنه من زوجها وجحد الزوج ذلك فشهد على الزوج أبوه
وابنه أنه أقر أن هذا ولده من هذه المرأة. قال في الأصل: جازت شهادتهما، ولو ادعى الزوج ذلك
والمرأة تجحد فشهد عليها أبوها أنها ولدت وأنها أقرت بذلك اختلف فيه الرواية اه‍، وتقدم نقل مسألة
الخانية فلا تنسه. قوله: (لا تقبل شهادة الانسان لنفسه) قال مؤيد زاده: شهادة الانسان فيما باشره
مردودة بالاجماع، سواء كان لنفسه أو لغيره وهو خصم في ذلك أولا، فلا تجوز شهادة الوكيل بالنكاح
اه‍. قوله: (إلا في مسألة القاتل إذا شهد بعفو ولي المقتول) أل في القاتل للجنس الصادق بالتعدد.
وصورتها كما في الحلبي عن الأشباه: ثلاثة قتلوا رجلا عمدا ثم شهدوا بعد التوبة أو الولي قد
عفا عنا. قال الحسن: لا تقبل إلا أن يقول اثنان منهم عفا عنا وعن هذا الواحد، ففي هذا الوجه قال
أبو يوسف: تقبل في حق الواحد. وقال الحسن: تقبل في حق الكل اه‍. قال البيري: الذي رأيناه في
تلخيص الكبرى وخزانة الأكمل وعن الحسن في ثلاثة قتلوا رجلا عمدا ثم تابوا وأقروا وشهدوا أنه
عفا عنا لا يجوز. وإن قال اثنان عفا عنا وعن هذا، قال أبو يوسف: تقبل في حق الواحد. وقال
الحسن: يجوز في الوجهين. وفي تلخيص الكبرى: والفتوى على قول أبي يوسف اه‍. ثم على قول أبي
يوسف: لا شهادة لانسان لنفسه بل شهادتهما للثالث، ولا تهمة فيها لعدم الاشتراك لوجوب القتل
على كل واحد منهما كملا فلم تجز منفعة اه‍. وأما على قول الحسن بالقبول فقد قبلت شهادة الانسان
لنفسه بالنظر لهما. وقوله: وقال الحسن يجوز في الوجهين فيه نظر، فإنه ذكر عن الحسن فيما إذا قال
الثلاثة عفا عنا لا يجوز، فإن عبارتي الأشباه والبيري متفقتان على عد القبول فيما إذا قال عفا عنا فقط
عند الحسن. والظاهر أن أبا يوسف معه إذ لم يذكر خلافه إلا في الثانية، فإن أريد بالوجهين الثالث
والشاهدان وافق عجز عبارة الأشباه السابقة، ولا وجه لقول البيري: والذي رأيناه الخ فإنه يفيد
المخالفة بين العبارتين ط.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: إن كان المراد بقول الحسن تقبل إذا قال اثنان منه عفا عنا
وعن هذا الواحد تقبل إن القاتل اثنان فقط كما هو المتبادر من ظاهر العبارة، فالظاهر أن القبول في
حق سقوط القود عن الكل، وعليه فتجب الدية على الشاهدين فقط، وإن كان المراد أن كل اثنين قال
ذلك أو كل واحد قال ذلك فتسقط الدية عن الكل، وانظر ما وجه قول أبي يوسف هذا وقد جعل
المسألة في الأشباه مستثناة من قاعدة: لا تقبل شهادة الانسان لنفسه، فقال محشيها الحموي تبعا للرملي:
لا يصح استثناء هذه المسألة من الضابط المذكور، لأنه ليس فيها شهادة الانسان لنفسه، ولا على
قول الحسن، بل إنما قبلت على قوله في الوجه المذكور لأنها شهادة الاثنين كل منهم على عفو الولي عن
الثالث. وأما شهادة كل لنفسه فلا قائل بها.

550
والوجه في ذلك أن شهادة الاثنين للآخر لا تهمة فيها لعدم الاشتراك لوجوب القتل على كل
واحد منهم كملا فلم تجر منفعة فهي كشهادة غريمين لغريمين، فتأمل.
وفي حاشيتها للكفيري: قال أبو حنيفة: تقبل في حق الواحد ويسقط القصاص عن الاثنين
ويلزمهما بقية الدية، وذلك لان الشهادة ليست لأنفسهما. وقال الحسن: تقبل في حق الكل، وذلك
لما فيه من اعتبار أن كل اثنين تكون شهادتهما لغيرهما، وإذا فرض ذلك فتحصل الشهادة في المعنى لكل
من الاثنين للآخر فتقبل شهادة الكل اه‍. نقله بعض الفضلاء. وعلى هذا التقرير يصح الاستثناء لان
فيه قبول شهادة الانسان لنفسه، فتأمل اه‍.
قال في البحر: ونظيره أي نظير مسألة القاتل ما في الخانية أيضا: لو قال إن دخل داري أحد
فعبدي حر فشهد ثلاثة أنهم دخلوها، قال أبو يوسف: إن قالوا دخلناها جميعا لا تقبل، وإن قالوا
دخلنا ودخل هذا تقبل. وسأل الحسن بن أبي يوسف عنها فقال: إن شهد ثلاثة بأنا دخلناها جميعا
تقبل، وإن شهد اثنان لا تقبل، فقال له الحسن أصبت وخالفت أباك اه‍. قوله: (وسيد لعبده) أي
وأمته وأم ولده وتقبل عليهم. قهستاني قوله: (ومكاتبه) لأنه شهادة لنفسه من كل وجه إن لم يكن
عليه دين ومن وجه إن كان عليه دين لان الحال موقوف مراعى.
وفي منية المفتي: شهد العبد لمولاه فردت ثم شهد بها عبد العتق تقبل، ولو شهد المولى لعبده
بالنكاح فردت ثم شهد له بعد العتق لم يجز لان المردود كان شهادة، وكذا الصبي أو المكاتب إذا شهد
فردت ثم شهد بها بعد البلوغ والعتق جازت لان المردود لم يكن شهادة اه‍. بحر. وقدمنا الكلام عليه
مستوفى في هذا الباب فراجعه. قوله: (والشريك لشريكه) سواء كانت شركة أملاك أو شركة عقد عنانا
أو مفاوضة أو وجوها أو صنائع، وخصصه في النهاية بشريك العنان. قال: وأما شهادة أحد المفاوضين
لصاحبه فلا تقبل إلا في الحدود والقصاص والنكاح لان ما عداها مشترك بينهما، وتبعه في العناية
والبناية، وزاد في فتح القدير على الثلاثة: الطلاق والعتاق وطعام أهله وكسوتهم. وتعقبه الشارح بأنه
سهو فإنه لا يدخل في الشركة إلا الدراهم والدنانير ولا يدخل فيه العقار ولا العروض، ولهذا قالوا:
لو وهب لأحدهما مال غير الدراهم والدنانير لا تبطل الشركة، لان المساواة فيه ليس بشرط اه‍. وكذا
قال في الحواشي السعدية: فيه بحث لأنه إذا كان ما عداهما مشتركا يدخل في عموم قوله ما ليس من
شركتهما، فيشمل كلام المصنف شركة المفاوضة أيضا، فلا وجه للاخراج فتأمل، إلا أن يخص بالاملاك
بقرينة السياق. ثم إن قوله لان ما عداهما مشترك بينهما غير صحيح فإنه لا يدخل في الشركة إلا
الدراهم والدنانير الخ، وما ذكره في النهاية هو صريح كلام محمد في الأصل كما ذكره في المحيط
البرهاني. ثم قال: وشهادة أحد شريكي العنان فيما لم يكن من تجارتهما مقبولة لا فيما كان منها، ولم
يذكر هذا التفصيل في المفاوضة لان العنان قد تكون خاصا وقد تكون عاما، فأما المفاوضة فلا تكون إلا
في جميع الأموال، وقد عرف ذلك في كتاب الشركة. وعلى قياس ما ذكره شيخ الاسلام في كتاب
الشركة أن المفاوضة تكون خاصة يجب أن تكون المفاوضة على التفصيل الذي ذكرنا في العنان اه‍.
مطلب: شهد الشريكان أن لهما ولفلان على هذا الرجل كذا فهي على ثلاثة أوجه
وشمل كلام المؤلف ما إذا شهد أن لهما ولفلان على هذا الرجل ألف درهم وهي على ثلاثة أوجه:
الأول: أن ينصا على الشركة بأن شهدا أن لفلان ولهما على هذا الرجل ألف درهم مشترك بينهم
فلا تقبل.

551
الثاني: أن ينصا على قطع الشركة بأن قالا نشهد أن لفلان على هذا خمسمائة بسبب على حدة ولنا
عليه ضمانه بسبب على حدة فتقبل شهادتهما في حق فلان.
الثالث: أن يطلقا فلا تقبل لاحتمال الاشتراك.
مطلب شهد الشريكان أن لهما ولفلان على هذا الرجل كذا فهي على ثلاثة أوجه
وشمل كلام المؤلف ما إذا شهد أن لهما ولفلان على هذا الرجل ألف درهم وهي على ثلاثة أوجه:
الأول: أن ينصا على الشركة بأن شهدا أن لفلان واهما على الرجل ألف درهم مشترك بينهم فلا تقبل.
الثاني: أن ينصا على قطع الشركة بأن قالا نشهد أن لفلان على هذا خمسمائة بسبب على حدة ولنا
عليه ضمانه بسبب على حدة فتقبل شهادتهما في حق فلان.
الثالث: أن يطلقا فلا تقبل لاحتمال الاشتراك.
مطلب: شهدا أن الدائن أبرأهما وفلانا عن الألف
ولو كان لواحد على ثلاثة دين فشهد اثنان منهم أن الدائن أبرأهما وفلانا عن الألف الذي كان له
عليه وعليهما فإن كانوا كفلاء لم تقبل، وإلا فإن شهدوا بالابراء بكلمة واحدة فكذلك وإلا تقبل. كذا
في المحيط البرهاني. بحر بزيادة. قال في الهندية: وكذلك: أي لا تقبل شهادة أجير أحد الشريكين
للشريك الآخر كما في المبسوط اه‍. قوله: (فيما هو من شركتهما) أي فيما ليس من شركتهما تقبل
لانتفاء التهمة.
قال في البحر: وهنا مسائل متفرعة على عدم شهادة الشريك لشريكه:
الأولى: شهدا أن زيدا أوصى بثلث ماله لقبيلة بني فلان وهما من تلك القبيلة صحت ولا شئ
لهما منها.
الثانية: لو أوصى لفقراء جيرانه وهما منهم فالحكم كذلك.
الثالثة: لو أوصى لفقراء بيته أو لأهل بيته وهما منهم لم تصح، ولو كانا غنيين صحت. والفرق
بين الأولين والثالثة أنه يجوز فيهما تخصيص البعض منهم بخلافه في الثالثة.
الرابعة: لو أوصى لفقراء جيرانه فشهد من له أولاد محتاجون منهم لم تقبل مطلقا في حق الأولاد
وغيرهم. والفرق بينهما وبين أولادهما أن المخاطب لم يدخل تحت عموم خطابه فلم يتناولهما الكلام،
بخلاف الأولاد فإنهم داخلون تحت الشهادة، وإنما أدخلنا المتكلم في مسألة لفقراء أهل بيته
باعتبار أنهم يحصون، بخلاف فقراء جيرانه وبني تميم.
وذكر قاضيخان في فتاواه من الوقف: لو شهدا أنها صدقة موقوفة على فقراء جيرانه وهما منهم
جازت ولو على فقراء قرابته لا. قال الناطفي في الفرق: إن القرابة لا تزول والجوار يزول فلم تكن
شهادة لنفسه لا محالة اه‍. وأهل بيت الانسان لا يزول عنهم لأنهم أقاربه الذين في عياله فلهذا لم تقبل
فيها، ولكن يشكل بمسألة القبيلة فإن الاسم عنهم لا يزول مع قبولها ولكن لا يدخلان. ويمكن
الفرق بين الوصية والوقف بما أشار إليه ابن الشحنة اه‍. وعلى هذا شهادة أهل المدرسة بوقفها جائزة
كما يأتي قريبا في كلام الشرح. قوله: (لأنها لنفسه من وجه) وهو البعض الذي هو حصة وذلك
باطل، وإذا بطل في البعض بطل في الكل لكونها غير متجزئة إذ هي شهادة واحدة. عناية. قوله:
(برق) فإذا طعن المدعى عليه في الشهود أنهم عبيد فعلى المدعي إقامة البينة على حريتهم. بحر عند
قوله: إلا أن يتحملا في الرق والصغر، لكل نقل بعده عن الخلاصة في الكلام على الجرح المجرد أنه

552
يقال للشاهدين أقيما البينة على الحرية وهو صريح ما قدمه في شرح قوله والمملوك، وما هنا صريح في
أن ذلك على المدعي وهو قوله فعلى المدعي إقامة البينة على حريتهم، فتأمل. قوله: (وحد) فلو قال هم
محدودون في قذف فعلى الطاعن إقامة البينة. حموي. وله الطعن ولو بعد الحكم ولو عدلهم الخصم
قبلها فله الطعن ولو عدلهم بعد الشهادة لا يقبل طعنه ط. قوله: (وشركة) أي إذا ادعى الخصم أن
الشاهد شريك المدعي وأقام بينة تقبل شهادة بينته ولا يكلف المدعي إقامة بينة على أنه ليس شريكا له
على الظاهر لأنها بينة نفي ط. قوله: (بزيادة الخراج) أي الذي لم يكن معينا لا تقبل لأنه يدفع عن نفسه
بها مغرما. قوله: (ما لم يكن خراج كل أرض معينا) فإن الشاهد بشهادته لا يجر لنفسه مغنما ولا يدفع
بها مغرما، وكذا يقال فيما بعد. قوله: (أو لا خراج للشاهد) أي عليه كما في الهندية عن الخلاصة.
قوله: (شهدوا على ضيعة) أي يعود نفعها لجميعهم أما إذا كانت لجماعة معينين فلا مانع من القبول
فيما يظهر ط. وعبارة البزازية على قطعة لكن في الفتح كما هنا على ضيعة وفي القاموس:
الضيعة: العقار والأرض المغلة.
قال في الهندية: أهل القرية أو أهل السكة الغير النافذة شهدوا على قطعة أرض أنها من قريتهم
أو سكنهم لا تقبل، وإن كانت نافذة: إن ادعى لنفسه حقا لا تقبل، وإن قال لا آخذ شيئا تقبل. كذا
في الوجيز للكردري. قوله: (يشهدون بشئ من مصالحه) بأن شهدوا على قطعة أرض أنها من سكتهم
كما قدمناه عن الهندية. قوله: (وفي النافذة الخ) صورته: ادعى أهل السكة قطعة أرض أنها من السكة
وشهد بعضهم: إن كان الشاهد لا غرض له إلا إثبات نفع عام لا جر مغنم له تقبل، وإن أراد أن
يفتح بابا فيها لا تقبل ط. قوله: (لا تقبل) وقيل تقبل مطلقا في النافذة. فتح. قوله: (وإن قال لا
آخذ شيئا تقبل) في قاضيخان: دار بيعت ولها شفعة وأنكر البائع البيع فشهد بذلك بعض الشفعاء: إن
كان لا يطلب الشفعة وقال أبطلت شفعتي جازت شهادته، وإلا لا لان حق الشفعة مما يحتمل الابطال.
أما في المسألة الآتية في الوقف على المدرسة من كان فقيرا من أصحاب المدرسة يكون مستحقا للوقف
استحقاقا لا يبطل بإبطاله، فإنه لو قال أبطلت حقي كان له أن يطلب ويأخذ بعد ذلك، فكان شاهدا
لنفسه فيجب أن لا تقبل شهادته. وعن بعض المشايخ: إذا شهد اثنان من أهل سكة على وقف تلك
السكة: إن كان الشاهد يطلب لنفسه حقا لا تقبل شهادته، وإن كان لا يطلب تقبل ونظر فيه اه‍
ملخصا. ويؤيده ما نذكره من الكلام عليها في المقولة الآتية فاحفظه. قوله: (وكذا) أي تقبل في وقف
المدرسة: أي في وقفية وقف على مدرسة كذا وهم من أهل تلك المدرسة، وكذلك الشهادة على وقف
مكتب وللشاهد صبي في المكتب، وشهادة أهل المحلة في وقف عليها، وشهادتهم بوقف المسجد،
والشهادة على وقف المسجد الجامع، وكذا أبناء السبيل إذا شهدوا بوقف على أبناء السبيل فالمعتمد
القبول في الكل، بزازية. وقيد بالشهادة بوقف المدرسة، لان شهادة المستحق فيما يرجع إلى الغلة
كشهادته بإجارة ونحوها لا تقبل لان له حقا في المشهود به فكان متهما. بحر.
قال ابن الشحنة: ومن هذا النمط مسألة قضاء القاضي في وقف تحت نظره أو مستحق فيه اه‍.
وهذا كله في شهادة الفقهاء بأصل الوقف، أما شهادة المستحق فيما يرجع إلى الغلة كشهادته بإجارة
ونحوها لم تقبل لان له حقا فيه فكان متهما.

553
وقد كتبت في حواشي جامع الفصولين أن مثله شهادة شهود الأوقاف المقررين في وظائف
الشهادة بما يرجع إلى الغلة لما ذكرنا، وتقريره فيهما لا يوجب قبولها. وفائدتها إسقاط التهمة عن
المتولي فلا يحلف، ويقويه أن البينة تقبل لاسقاط اليمين، كالمودع إذا ادعى الرد أو الهلاك فالقول له مع
اليمين، فإن برهن فلا يمين. بحر ملخصا، فراجعه. قال الرملي: ويعلم من قوله ومن هذا النمط الخ
جواز شهادة الناظر في وقف تحت نظره، لان القضاء والشهادة من باب واحد كما تقدم. وقد أفتى به
شيخ الاسلام الشيخ محمد الغزي في واقعة الحال بقوله الظاهر قبولها، كما شهد بوقف مدرسة وهو
صاحب وظيفة بها. والله تعالى أعلم، فتأمل اه‍.
ويرد على ما مر من الفرق في البزازية من قوله: أهل القرية إذا شهدوا على قطعة أرض أنها من
أراضي قريتهم لا تقبل. وأجاب عنه التمرتاشي بحمله على قرية مملوكة كما في التنقيح. قوله: (انتهى)
أي ما في فتاوى النسفي، ونقله عنه في الفتح آخر الباب. قوله: (والأجير الخاص) وذلك لان منافعه
مستحقة للمستأجر ولهذا لا يجوز له أن يؤجر نفسه من آخر في تلك المدة، فلو جازت شهادته
للمستأجر كانت شهادة بالاجر لان شهادته من جملة منافعه، فلا تقبل شهادته في تجارة أستاذه ولا في
شئ آخر اه‍. شلبي. وقيد بالخاص لان شهادة المشترك كالخياط تقبل لأنه لا يستوجب أجرا إلا
بعلمه، فإذا لم يستوجب بإجارته شيئا انتفت التهمة عن شهادة اه‍. وتقبل شهادة من استأجره يوما في
ذلك اليوم استحسانا كما في البزازية، ولا تقبل شهادة المستعير لمعيره بالمستعار، ولو رهن دارا فشهد
له من استأجره للبناء يقبل، وإن شهد له من استأجره لهدمها لا.
قال في الهندية: رجل ادعى دارا في يد رجل فشهد له شاهدان بها وأن المدعي استأجرهما على
بنائها وغير ذلك مما لا يجب عليه الضمان في ذلك جازت شهادتهما، وإن قالا استأجرنا على هدمها
فهدمناها لا تقبل شهادتهما بالملك للمدعي ويضمنان قيمة البناء للمدعى عليه، كذا في فتاوى
قاضيخان. وشهادة الأستاذ للتلميذ مقبولة، وكذا المستأجر للأجير. فتح. ولا تقبل شهادة المستأجر
للآجر بالمستأجر. بحر.
لو استأجر دارا شهرا فسكن الشهر كله ثم جاء مدع آخر فشهد بها المستأجر ورجل آخر معه
فالقاضي يسأل المدعي عن الإجارة أكانت بأمره أو بغير أمره؟ فإن قال كانت بأمري لم تقبل شهادة
المستأجر لأنه مستأجر شهد بالمستأجر للآجر، وإن قال كانت بغير أمري تقبل شهادته لأنه ليس
بمستأجر في حقه، ولو لم يسكن الشهر كله لم تجز شهادته وإن لم يدع المدعي أن الإجارة كانت بأمره.
ولو شهد المستأجران أن المدعي للذي آجرهما لاثبات الإجارة أو لانسان آخر على المؤجر لفسخ
الإجارة، قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: جازت شهادتهما سواء كانت الأجرة رخيصة أو غالية. وقال
أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا تجوز شهادتهما في فسخها لأنهما يدفعان عن أنفسهما الأجرة، وإن كانا
ساكنين في الدار بغير أجر جازت شهادتهما. هندية عن المحيط.
وفيها إذا شهد الأجير لأستاذه وهو أجير شهر فلم ترد شهادته ولم يعدل حتى مضى الشهر ثم

554
عدل لم تقبل شهادته، فمن شهد لامرأته ثم طلقها قبل التعديل لا تقبل شهادته، وإن شهد ولم يكن
أجيرا ثم صار أجيرا قبل القضاء بطلت شهادته ولو أن القاضي لم يرد شهادته وهو غير أجير ثم صار
أجيرا ثم مضت مدة الإجارة لا يقضى بتلك الشهادة وإن لم يكن أجيرا عند القضاء ولا عند الشهادة،
فلو أن القاضي لم يبطل شهادته ولم يقبل فأعاد الشهادة بعد انقضاء مدة الإجارة جازت شهادته اه‍. ولا
تجوز شهادة الكيال بخلاف الذراع، وشهادة الدائن لمديونه تقبل وإن كان مفلسا كما في الهداية. وفي
المحيط: لا تقبل بدين له بعد موته. بحر. قال العلامة التمرتاشي في فتاويه: تقبل شهادة رب الدين
لمديونه حال حياته إذا لم يكن مفلسا قولا واحدا.
واختلف فيما إذا شهد له في حال كونه مفلسا: ففي المحيط: لا تقبل. وشمس الأئمة الحلواني
والد صاحب المحيط قال: تقبل. وأما إذا شهد له بعد الموت فلا تقبل قولا واحدا لتعلق حقه بالتركة
كالموصى له. كذا في شرح الوهبانية اه‍. قوله: (أو مشاهرة) أو مياومة هو الصحيح، جامع الفتاوى.
ومثله في الخلاصة، ويلحق به المزارع فإنه لا يلزم أن تكون مسانهة أو مشاهرة، فقد يزارعه على إنهاء
هذا الزرع لكنه في حكمه فلا تصح شهادته لرب البذر كما تقدم. قوله: (أو الخادم أو التابع) يحرر
الفرق بين المذكورين.
وقد يقال: إن المراد بالخادم من يخدم بغير أجر، والتابع من يكون يتعيش في منزل المشهود له
من غير خدمة كملازم في البيت، والمراد بالتلميذ الصناع التابعون لكبيرهم ط. وفي الخلاصة: هو
الذي يأكل معه وفي عياله وليس له أجر معلوم. وقيل المراد الأجير مسانهة أو مشاهرة أو مياومة.
وتمامه في الفتح. وكان بين الخادم وبين الأجير عموم وخصوص من وجه، فالأجير يستأجر لغير
الخدمة الخاصة به، كما لو استأجره لرعي الغنم أو للخياطة أو الخبز مسانهة أو مشاهرة والخادم قد
بخدمة بلا أجر طمعا في طعامه أو أمر آخر، فيجتمعان فيمن استأجره مسانهة أو مشاهرة للخدمة، وينفرد الأجير فيما لو استأجره للخياطة مثلا كذلك، وينفرد الخادم فيما إذا كان يخدمه طمعا في طعامه
وشرابه بدون استئجار، والتابع هو الذي يكون عالة عليه وإن لم يخدمه، والتلميذ هو الذي يتعلم منه
علما أو غيره من الصنائع ويدخله في نفقته، وهو الذي أراد بقوله يعد ضرر أستاذه الخ بدليل قوله
: وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام الخ. قوله: (من القنوع) الضم. قنع يقنع قنوعا: إذا سأل،
فيكون المراد به السؤال كما هو أحد معانيه. قال تعالى: * (وأطعموا القانع) * (الحج: 63) قال بعضهم: القانع هو
السائل الذي لا يلح في السؤال ويرضى بما يأتيه عفوا، ويطلق على التذلل. ومن دعائهم: نسأل الله
القناعة ونعوذ به من القنوع، ويطلق على الرضا بالقسم فهو ضد. وفي المثل: خير الغنى القنوع، وشر
الفقر الخضوع، والفعل كمنع واسم الفاعل قانع وقنيع. أما القناعة فالرضا فالقسم كالقنع محركا والفعل
كفرح واسم الفاعل قنع وقانع وقنيع. أفاده في القاموس وبهذا علمت أن قوله من القناعة:
يعني أن المراد بالقنوع إما السؤال وإما التذلل، وعلمت أن القنوع يأتي بمعنى القناعة. ط بزيادة.
قوله: (لا من القناعة) الاجتزاء باليسير من الاعراض المحتاج إليها، يقال قنع يقنع قناعة وقنعانا إذا
رضي، وللحن البابين أشار الشاعر بقوله:

555
العبد حر إن قنع * والحر عبد إن طمع
فاقنع ولا تطمع فما * شئ أضر من الطمع
قوله: (ومفاده) أي الحديث الخ صرح به في الفتح جازما به، ونقله في الشرنبلالية: أي إذا كان
العلة في عدم قبوله شهادتهما هو طلب معاشهم من المشهود له، إذ حينئذ يتمتعون بما يحصل له من
الخير، وذلك لا يوجد في المستأجر والأستاذ فتصح شهادتهم. لكن في التتارخانية عن الفتاوى
الغيائية: ولا تجوز شهادة المستأجر للأجير.
وفي حاشية الفتال عن المحيط للسرخسي قال أبو حنيفة في المجرد: لا ينبغي للقاضي أن يجيز
شهادة الأجير لأستاذه ولا الأستاذ لأجيره اه‍. وهو مخالف لما استنبطه من الحديث. قوله: (من يفعل
الردئ) أي من أفعال النساء من التزين بزينتهن والتشبه بهن في الفعل والقول، فالفعل مثل كونه محلا
للواطة، والقول مثل تليين كلامه باختياره تشبها بالنساء اه‍. مغرب. وجعل بعضهم الواو في قوله
والقول بمعنى أو، فأحدهما كاف لان التشبيه بقولهن حرام للرجال. وجعل القهستاني المخنث خلقة
بمنزلة امرأة واحدة في الشهادة، وهو غريب ط. قال في الهندية: أما إذا كان في كلامه لين وفي
أعضائه تكسر خلقة ولم يشتهر بشئ من الافعال الرديئة فهو عدل مقبول الشهادة، هكذا في التبيين
اه‍. وإنما كانت معصية لو بقصده لحديث لعن الله المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء.
قوله: (ومغنية) ولو بشعر في حكمة. قهستاني. لأنه صلى الله عليه وآله نهى عن الصوتين الأحمقين: المغنية،
والنائحة. وصف الصوت بصفة صاحبه.
اعلم أن التغني للهو أو لجمع المال حرام بلا خلاف والنوح كذلك خصوصا إذا كان من المرأة،
لان رفع الصوت منها حرام بلا خلاف ا ه‍. شلبي. قوله: (لحرمة رفع صوتها) ظاهره أنه يحرم رفع
صوتها في مكانها الخاص بها بحيث لا يسمعها الأجنبي.
قال في النهاية: فلذا أطلق في قوله مغنية وقيد في غناء الرجال بقوله للناس. وتمامه في
الفتح. ويأتي إن شاء الله تعالى عند قوله: ومن بغني للناس لكن نظر فيه الطحطاوي واستظهر عليه
بما في الهندية عن شرح أبي المكارم، فلا تسمع شهادة مغنية تسمع الناس صوتها وإن لم تتغن لهم اه‍.
قال في السعدية: وما ذكره: أي صاحب الدرر من قوله ولو لنفسها الخ جار في النوح بعينه، فما باله
لم يكن مسقطا للعدالة إذا ناحت في مصيبة نفسها اه‍.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: يمكن الفرق بأن المراد رفع صوت يخشى منه الفتنة اه‍. قوله:
(وينبغي تقييده الخ) مثله كل من أتى بابا من أبواب الكبائر. أفاده الكمال. وإنما خص الظهور عند
القاضي بالمداومة، لان الشهادة على ذلك جرح مجرد، لكن فيه أنه تقبل الشهادة عليه سرا. تأمل.
قوله: (ونائحة في مصيبة غيرها) في المغرب: ناحت المرأة على الميت: إذا ندبته، وذلك أن تبكي عليه
وتعدد محاسنه. والنياحة الاسم، ومنها الحديث على ما قرأته في الفائق ثلاثة من أمر الجاهلية: الطعن

556
في الأنساب والنياحة، والأنواء فالطعن معروف، والنياحة ما ذكر. والأنواء جمع نوء: هي منازل
القمر والعرب كانت تعتقد أن الأمطار والخير كلها تجئ منها، وقيل النوح: بكاء معه صوت اه‍. رملي
على المنح.
قال في البحر: قولهم إن النائحة لا تسقط عدالتها إلا إذا ناحت في مصيبة غيرها مع أن النياحة
كبيرة للتوعد عليها لكن لا تظهر إلا في مصيبة غيرها غالبا اه‍. وهذا الذي ينبغي التعليل به، وأما
الذي يذكره الشارح عن الواني فلا ينبغي تضييع المراد به، إذ ظاهره أنه يباح لها حينئذ، وهو خلاف
المعلوم من الدين بالضرورة.
قال في التتارخانية معزيا للمحيط: لا تقبل شهادة النائحة، ولم يرد به التي تنوح في مصيبتها،
وإنما أراد التي تنوح في مصيبة غيرها واتخذت ذلك مكسبة اه‍. ونقله في الفتح عن الذخيرة. ثم
قال: ولم يتعقب هذا من المشايخ أحد فيما علمت، لكن بعض متأخري الشارحين نظر فيه بأنه معصية
فلا فرق بين كونه للناس أو لا. قال صلى الله عليه وآله: لعن الله الصالقة والحالقة والشاقة وقال: ليس منا من
ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية وهي في صحيح البخاري. ولا شك أن النياحة
ولو في مصيبة نفسها معصية، لكن الكلام في أن القاضي لا يقبل شهادتها لذلك وذلك يحتاج فيه إلى
الشهرة ليصل إلى القاضي، فإنما قيد بكونها للناس لهذا المعنى، وإلا فهو يرد عليه مثله في قولهم:
ولا مدمن الشرب على اللهو، يريد شرب الأشربة المحرمة خمرا أو غيره. ولفظ محمد في الأصل: ولا
شهادة مدمن خمر، ولا شهادة مدمن السكر، يريد ولو من الأشربة المحرمة التي ليست خمر فقال هذا
الشارح يشترط الادمان في الخمر وهذه الأشربة: يعني الأشربة المحرمة لسقوط العدالة مع أن شرب
الخمر كبيرة بلا قيد الادمان، ولهذا لم يشترط الخصاف في شرب الخمر الادمان، لكن نص عليه في
الأصل كما سمعت فما هو جوابه؟ هو الجواب في تقييد المشايخ بكون النياحة للناس، ثم هو نقل
كلام الشيخ في توجيه اشتراط الادمان أنه إنما شرط ليظهر عند الناس، فإن من شربها سرا لا تسقط عدالته ولم يتنفس فيه بكلمة واحدة، فكذا التي ناحت في بيتها لمصيبتها لا تسقط عدالتها لعدم اشتهار
ذلك عند الناس، وانظر إلى تعليل المصنف بعدم ذكر الادمان بأنه ارتكب محرم دينه مع أن ذلك ثابت
بلا إدمان، فإنما أراد أنه إذا أدمن حينئذ يظهر أنه مرتكب محرم دينه فترد شهادته، بخلاف التي
استمرت تنوح للناس لظهوره حينئذ، فيكون كالذي يسكر ويخرج سكرانا وتلعب به الصبيان في رد
شهادته، وصرح بأن الذي يتهم بشرب الخمر لا تسقط عدالته. ومنهم من فسر الادمان بنيته، وهو أن
يشرب ومن نيته أن يشرب مرة أخرى، وهذا هو معنى الاصرار، وأنت تعلم أنه سيذكر رد من يأتي
بابا من أبواب الكبائر التي يتعلق بها الحد، وشرب الخمر منها من غير توقف على نية أن يشرب، ولأن
النية أمر مبطن لا يظهر للناس، والمدارات (1) التي يتعلق بوجودها حكم القاضي لا بد أن تكون ظاهرة
لا خفية لأنها معرفة، والخفي لا يعرف والظهور بالادمان الظاهر لا بالنية. نعم بالادمان الظاهر يعرف
إصراره، لكن بطلان العدالة لا يتوقف في الكبائر على الاصرار بل أن يأتيها ويعلم ذلك، وإنما ذلك



(1) قوله: (والمدارات) المدارات بفتح الميم والراء والدال المهملات أي مدار الامر لعدم قبول الشهادة النية وهي أمر
خفي لا بد أن تكون إلخ اه‍. منه.
557
في الصغائر، وقد اندرج فيما ذكرنا شرح ذلك اه‍. قوله: (بأجر) أطلق في مسكين وأشار إليه في
الكافي، وكذا في القهستاني كما يأتي النفل عنه قريبا. قوله: (زاد العيني فلو في مصيبتها تقبل) اعلم
أن هذا التفريع بعض من المفهوم السابق، فالعجب من قوله زاد الخ بل في اقتصار العيني وتعليل
الواني إشارة إلى أنهما نقصا من العبارة السابقة اشتراط الاجر، ولهذا قال القهستاني: ولو بلا أجر،
وتقدم الكلام على ما في ظاهر التعليل، فافهم. قوله: (بزيادة اضطرارها) أي وفي النوح تخفيف هذه
الضرورة، وإنما قلنا ذلك ليظهر قوله فكان كالشرب للتداوي ط. قوله: (واختيارها) مقتضاه لو
فعلته عن اختيارها لا تقبل. سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله: (فكان كالشرب) أي شرب محرم
للتداوي فإنه يجوز عند الثاني للضرورة. قوله: (وعدو) أي على عدوه كما في الملتقى. قوله: (بسبب
الدنيا) لان المعاداة لأجلها حرام، فمن ارتكبها لا يؤمن من التقول عليه. أما إذا كانت دينية فإنها لا
تمنع لأنها تدل على كمال دينه وعدالته. وهذا لان المعاداة قد تكون واجبة بأن رأى فيه منكرا شرعا ولم
ينته بنهيه، بدليل قبول شهادة المسلم على الكافر مع ما بينهما من العداوة الدينية، والمقتول وليه على
القاتل، والمجروح على الجارح، أو الزوج على امرأته بالزنا. ذكره ابن وهبان.
وفي خزانة المفتين: والعدو من يفرح لحزنه ويحزن لفرحه. وقيل يعرف بالعرف اه‍. ومثال
العداوة الدنيوية أن يشهد المقذوف على القاذف والمقطوع عليه الطريق على القاطع، وفي إدخال الزوج
هنا نظر، فقد صرحوا بقبول شهادته عليها بالزنا إلا إذا قذفها أولا، وإنما المنع مطلقا قول الشافعي.
وفي بعض الفتاوى: وتقبل شهادة الصديق لصديقه اه‍: أي إلا إذا كانت متناهية بحيث يتصرف
أحدهما بمال الآخر كما تقدم.
ثم اعلم أن المصرح به في غالب كتب أصحابنا والمشهور على ألسنة فقهائنا ما ذكره المؤلف من
التفصيل.
ونقل في القنية أن العداوة بسبب الدنيا لا تمنع، ما لم يفسق بسببها أو يجلب منفعة أو يدفع بها
عن نفسه مضرة، وهو الصحيح وعليه الاعتماد. وما في الواقعات وغيرها اختيار المتأخرين. وأما
الرواية المنصوصة فبخلافها. وفي كنز الرؤوس: شهادة العدو على عدوه لا تقبل لأنه متهم. وقال أبو
حنيفة: تقبل إذا كان عدلا. قال أستاذنا: وهو الصحيح وعليه الاعتماد، لأنه إذا كان عدلا تقبل
شهادته، وإن كان بينهما عداوة بسبب أمر الدنيا اه‍. واختاره ابن وهبان، ولم يتعقبه ابن الشحنة، لكن
الحديث شاهد لما عليه المتأخرون كما رواه أبو داود مرفوعا: لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان
ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه والغمر: الحقد. ويمكن حمله على ما إذا كان غير عدل بدليل أن
الحقد فسق للنهي عنه.
وقد ذكر ابن وهبان رحمه الله تعالى تنبيهات حسنة لم أرها لغيره.
الأول: الذي يقتضيه كلام صاحبه القنية والمبسوط أنا إذا قلنا إن العداوة قادحة في الشهادة
تكون قادحة في حق جميع الناس لا في حق العدو فقط، وهو الذي يقتضيه الفقه، فإن الفسق لا
يتجزأ حتى يكون فاسقا في حق شخص عدلا في حق آخر اه‍.

558
قلت: ولهذا لم يقل المؤلف على عدوه بل أطلقه، ويقاس على قولهم إن الفسق لا يتجزأ الناظر
إذا كان عليه أنظار وقف عديدة وثبت فسقه بسبب خيانته في واحد منها، فهل يسري فسقه في كلها
فيعزل؟ أجاب سيدي الوالد بالسريان وأنه يعزل منها جميعا، وبه أفتى أبو السعود، وكتب الرملي هنا:
الظاهر من كلامهم أن عدم القبول إنما هو للتهمة لا للفسق، ويؤيده ما يأتي عن ابن الكمال، وما
صرح به يعقوب باشا وكثير من علمائنا صرحوا بأن شهادة العدو على عدوه لا تقبل، فالتقييد بكونها
على عدوه ينفي ما عداه وهو المتبادر للأفهام، فتأمله اه‍.
أقول: أنت خبير بأن فعل الكبيرة والاصرار على الصغيرة قادح في العدالة، وقد شرط في القنية
لعدم القبول كونه فسق بتلك العداوة. وعلى هذا فعدم قبولها مطلقا ظاهر، وينبغي تقييده بما إذا كانت
عداوة ظاهرة كما يفيده ما يأتي عن الفتح في شرح قوله أو يرتكب ما يوجب الحد. فتحرر أن الوجه
عدم القبول مطلقا، والتعليل بالاتهام كما مر عن كنز الرؤوس لا ينافيه، لان الفاسق لا يقبل للاتهام
أيضا، وما يأتي عن ابن الكمال يمكن حمله على ما إذا لم يفسق بها فليتأمل اه‍. قاله سيدي الوالد رحمه
الله تعالى.
الثاني: لو ادعى شخص عداوة آخر يكون مجرد دعواه اعترافا منه بفسق نفسه، ولا يكون ذلك
قادحا في عدالة المدعي أنه عدو ما لم يثبت المدعي أنه عدو له.
الثالث: لو قضى القاضي بشهادة العدو على عدوه أو على غير عدوه هل يصح أو لا؟ قلنا: إن
المانع من قبول الشهادة هو الفسق فيكون حينئذ صحيحا نافدا، لان القاضي إذا قضى بشهادة الفاسق
نفذ قضاؤه ويصح، وإن قلنا: إنه لمعنى آخر أقوى من الفسق لا يصح في حق العدو ويصح في حق
غيره. وذكر ابن الكمال في إصلاح الايضاح أن شهادة العدو لعدوه جائزة عكس شهادة الأصل لفرعه
اه‍. وهذا يدل على أنها لم تقبل للتهمة لا للفسق اه‍.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: قوله لان القاضي إذا قضى بشهادة الفاسق نفذ قضاؤه ويصح.
قال الرملي: وصرح يعقوب باشا في حاشيته بعدم نفاذ قضاء القاضي بشهادة العدو على عدوه.
وأقول: وقياسه يقتضي أن العصبية كذلك، فلا ينفذ ضاء القاضي بشهادته لأنه الذي يبغض الرجل
لكونه من بني فلان أو من قبيله كذا كما سيأتي قريبا منقولا عن معين الحكام، فتأمل اه‍.
الرابع: قد يتوهم بعض المتفقهة والشهود أن كل من خاصم شخصا في حق وادعى عليه حقا أنه
يصير عدوه فيشهد بينهما بالعداوة وليس كذلك، بل العداوة إنما تثبت بنحو ما ذكرت. نعم لو
خاصم الشخص آخر في حق لا تقبل شهادته عليه في ذلك الحق، كالوكيل لا تقبل شهادته فيما هو
وكيل فيه ونحو ذلك، لأنه إذا تخاصم اثنان في حق لا تقبل شهادة أحدهما على الآخر لما بينهما من
المخاصمة اه‍.
قلت: ويدل له ما في فتاوى قاضيخان من باب ما يبطل دعوى المدعي: رجل خاصم رجلا في
دار أو في حق ثم إن هذا الرجل شهد عليه في حق آخر جازت شهادته إذا كان عدلا اه‍.
واعلم أنه لو شهد على رجل آخر فخاصمه في شئ قبل القضاء لا يمتنع القضاء بشهادته إلا إذا
ادعى أنه دفع له كذا لئلا يشهد عليه وطلب الرد وأثبت دعواه ببينة أو إقرار أو نكول فحينئذ بطلت

559
شهادته، وهو جرح مقبول كما صرحوا به، وسيأتي في بيان الجرح.
الخامس: إذا قلنا: لا تجوز شهادة العدو على عدوه إذا كانت دنيوية هل الحكم في القاضي
كذلك حتى لا يجوز قضاء القاضي على من بينه وبينه عداوة؟ لم أقف عليه في كتب أصحابنا، وينبغي
أن يكون الجواب فيه على التفصيل: إن كان قضاؤه عليه بعلمه ينبغي أن لا ينفذ، وإن كان بشهادة
العدول وبمحضر من الناس في مجلس الحكم بطلب خصم شرعي ينبغي أن ينفذ. وفرق الماوردي من
الشافعية بينهما بأن أسباب الحكم ظاهرة وأسباب الشهادة خافية. بحر. وقدمنا أوائل الباب أن في
المسألة قولين معتمدين.
أحدهما: عدم قبولها على العدو، وهو اختيار المتأخرين، وعليه صاحب الكنز والملتقى،
ومقتضاه أن العلة العداوة لا الفسق، وإلا لم تقبل على غير العدو أيضا.
ثانيهما: أنها تقبل إلا إذا فسق بها، واختاره ابن وهبان وابن الشحنة فراجعه، وكذا تقدم في
أول القضاء الكلام على ذلك فارجع إليه.
وفي فتاوى الحانوتي: سئل في شخص ادعى عليه وأقيمت عليه بينة فقال إنهم ضربوني خمسة
أيام فحكم عليه الحاكم ثم أراد أن يقيم البينة على الخصومة بعد الحكم فهل تسمع؟ الجواب: قد وقع
الخلاف في قبول شهادة العدو على عدوه عداوة دنيوية، وهذا قبل الحكم، وأما بعده فالذي يظهر عدم
نقض الحكم، كما قالوا: إن القاضي ليس له أن يقضي بشهادة الفاسق ولا يجوز له، فإذا قضى لا
ينقض اه‍. لكن يعارضه ما قدمناه آنفا عن الرملي، وصرح يعقوب باشا في حاشيته بعدم نفاذ قضاء
القاضي بشهادة العدو على عدوه.
وأقول: وقياسه يقتضي أن العصبية كذلك، فلا ينفذ قضاء القاضي بشهادته لأنه الذي يبغض
الرجل لكونه من بني فلان أو من قبيلته كما في معين الحكام اه‍.
أقول: وقدم الشارح عبارة اليعقوبية أول القضاء وأقرها سيدي الوالد، وكذا الخير الرملي في
فتاواه فتنبه. قوله: (فتقبل له لا عليه) هذا يفيد قبولها لغير عدوه إذا لم يفسق به كما يأتي. قوله:
(واعتمد في الوهبانية والمحبية قبولها الخ) قد علمت ما تحصل مما سبق أن شهادة العدو على عدوه لا
تقبل وإن كان عدلا وعد نفاذ القضاء بها، والمسألة دوارة في الكتب فاحفظه. قوله: (ما لم يفسق
بسببها) وهي الرواية المنصوصة والاطلاق اختيار المتأخرين. وفي القهستاني ما يفيد أن ما عليه
المتأخرون هو الصحيح في زمانهم وزماننا ا ه‍. وينبغي أن يقال فيه ما قيل في مدمن الخمر من
الاشتهار ط. قوله: (قالوا والحقد فسق للنهي عنه) فسره في الطريقة المحمدية بأن يلزم نفسه بغضه
وإرادة الشر له. وحكمه: إن لم يكن بظلم أصابه منه بل بحق وعدل كالأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر فحرام، وإن كان بظلم أصابه منه فليس بحرام، وإن لم يقدر على أخذ الحق فله تأخيره إلى يوم
القيامة. قال الله تعالى: * (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين
يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم) * (الشورى: 41 - 42) وساق
للنهي أحاديث دالة عليه. منها قوله صلى الله عليه وآله: لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك. ومنها قوله

560
صلى الله عليه وآله: لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث، فإذا مرت به ثلاث فليلقه وليسلم عليه، فإن رد
عليه فقد اشتركا في الاجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وهذا محمول على الهجر لأجل الدنيا،
وأما لأجل الآخرة والمعصية والتأديب فجائز بل مستحب من غير تقدير اه‍. قوله: (سواء شهد على
عدوه أو غيره) أو لهما قيل عليه مفاده أن عدو الشخص لا تقبل شهادته على الشخص ولا على غيره
ولا معنى له، إذ شهادة عدو زيد على عمرو مقبولة، فلعل في العبارة سقطا اه‍.
أقول: حيث كان عدم قبول شهادة العدو على عدوه مبنيا على أنه يفسق بالمعاداة والفسق مما لا
يتجزأ فله معنى، وليس في العبارة سقط حينئذ لا فرق بين ذلك الشخص وغيره، وإنما يفرق الحال
لو كان عدم القبول مبنيا على التهمة. فتأمل. ذكره الحموي. قوله: (لا تقبل شهادة الجاهل) قال في
معين الحكام: ولا من لا يحكم فرائض الوضوء والصلاة. ومن سافر فاحتاج للتيمم فلم يحسنه ولا
المنجم وإن اعتقد عدم تأثير النجوم وادعى أنها أدلة ويؤدب حتى يكف عن هذا الاعتقاد ولا يصدق
لقوله تعالى: * () * (الجن: 26 - 27). قوله: (على
العالم) ليس بقيد بدليل التفريع والتعليل ح. قوله: (لفسقه بترك ما يجب تعلمه شرعا) قدم في باب
التعزير أن للقاضي أن يسأل عن سبب فسق الشاهد، فلو قال الطاعن هو ترك واجب سأل القاضي
المشتوم عما يجب عليه بعلمه من الفرائض، فإن لم يعرفها ثبت فسقه لما في المجتبى: من ترك الاشتغال
بالفقه لا تقبل شهادته، والمراد ما يجب تعلمه منه اه‍. قوله: (والعالم الخ) أتى به دفعا لتوهم أن العالم
المدرس. قوله: (من يستخرج المعنى) السين والتاء زائدتان، والمراد بإخراجه من التركيب فهمه منه،
والظاهر أن المراد به من يعلم العلوم الشرعية وبعض آلاتها ط. قال في الأشباه: والأهلية للتدريس لا
تخفى على من له بصيرة، والذي يظهر أنها بمعرفة منطوق الكلام ومفهومه وبمعرفة المفاهيم، وأن
تكون له سابقة الاشتغال على المشايخ بحيث صار يعرف الاصطلاحات ويقدر على أخذ المسائل من
الكتب، وأن يكون له قدرة على أن يسأل ويجيب إذا سئل، ويتوقف ذلك على سابقة اشتغال في النحو
والصرف بحيث صار يعرف الفاعل من المفعول إلى غير ذلك، وإذا قرأ لا يلحن، وإذا لحن قارئ
بحضرته رد عليه اه‍.
أقول: لكن يؤيد أن المراد به من يعلم العلوم الشرعية ما قاله قاضيخان: أوصى لأهل العلم
ببلخ يدخل أهل الفقه والحديث اه‍. قوله: (ومجازف في كلامه) هو المكثر منه الذي لا يتحرى
الصدق، فإن من كثر كلامه كثر سقطه. والمجازفة: هي التكلم بلا معيار شرعي.
روي أن الفضل بن الربيع وزير الخليفة شهد عند أبي يوسف فرد شهادته، فعاتبه الخليفة وقال:
لم رددت شهادته؟ قال: لأني سمعته يوما يقول للخليفة أنا عبدك، فإن كان صادقا فلا شهادة للعبد،
وإن كان كاذبا فكذلك، لأنه إذا لم يبال في مجلسك بالكذب فلا يبالي في مجلسي، فعذره الخليفة اه‍.
زاد في فتح القدير بعده: والذي عندي أن رد أبي يوسف شهادته ليس للكذبة، لان قول الحر لغيره أنا

561
عبدك إنما هو مجاز باعتبار معنى القيام بخدمتك وكوني تحت أمرك ممتثلا له على إهانة نفسي في ذلك،
والتكلم بالمجاز على اعتبار الجامع، فإن وجه التشبه ليس كذبا محظورا شرعا، ولذا وقع المجاز في
القرآن، ولكن رده لما يدل عليه خصوص هذا المجاز من إذلال نفسه وطاعته لأجل الدنيا، فربما يضر
هذا الكلام إذا قيل للخليفة فعدل إلى الاعتذار بأمر يقرب من خاطره اه‍. قوله: (أو يحلف فيه) أي في
كلامه كثيرا: أي وإن كان في صدق فإن جرأته على ذلك تقتضي قلة مبالاته بأمور الدين، ولأنه ربما
أداه ذلك إلى الكذب فيه. وقد عده في الطريقة المحمدية من جملة آفات اللسان وساق آيات وأحاديث،
ثم قال: إن الحلف بالله تعالى صادقا جائزا بلا خلاف، لكن إكثاره مكروه لقوله صلى الله عليه وآله: الحلف حنث أو
ندم وتمامه فيها. قوله: (أو اعتاد شتم أولاده أو غيرهم) كمماليكه وأهله، فإن كان ذلك يصدر منه
أحيانا لا يؤثر في إسقاط العدالة، لان الانسان قلما يخلو منه: هندية.
قال في الفتح: وقال نصير بن يحيى: من يشتم أهله ومماليكه كثيرا في كل ساعة لا يقبل، وإن
كان أحيانا يقبل، وكذا الشتام للحيوان كدابته اه‍.
قال في شرح أدب القاضي: إن من سب واحدا من المسلمين لا يكون عدلا كما في
الشرنبلالية: وحرر ابن وهبان مسألة الشتم حيث قال: والفقه في ذلك أن الشتم لا يخلو إما أن يكون
بما فيه أو بما ليس فيه في وجهه أو غيبته، فإن كان في غيبته فهو غيبة وإنها توجب الفسق، وإن كان
في وجهه ففيه إساءة أدب، وإنه من صنيع رعاع الناس وسوقتهم الذين لا مروءة لهم ولا حياء فيهم،
وإن ذلك مما يسقط العدالة، وكذا إذا كان السب باللعنة والابعاد كما يفعله من لا خلاق لهم من
السوقة وغيرهم اه‍: أي وإن كان بما ليس فيه كذب وحكمة ظاهر، ومما يؤيد ذلك ما ورد في
الحديث: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر قال ابن الأثير في النهاية: السب: الشتم، يقال سبه يسبه
سبا وسبابا، قيل هذا محمول على من سب أو قاتل مسلما بغير تأويل، وقيل إنما قال ذلك على جهة
التغليظ لا أنه يخرجه إلى الكفر والفسق. وأقول: هذا خلاف الظاهر اه‍. قوله: (لأنه) أي الاعتياد.
قوله: (كبيرة) أي إذا أصر عليه بالعود ولذا قيده بالاعتياد، وإلا فهو صغيرة. قوله: (كترك زكاة) أي
من غير عذر وبه أخذ الفقيه. قال الامام فخر الدين: والفتوى عليه. وذكر الخاصي عن قاضيخان أن
الفتوى على سقوط العدالة بتأخيرها من غير عذر لحق الفقراء دون الحج خصوصا في زماننا. كذا في
شرح النظم الوهباني. منح في الفروع آخر الباب. والصحيح أن تأخير الزكاة لا يبطل العدالة كما في
الهندية. قوله: (أو حج) قال في الهندية: كل فرض له وقت معين كالصلاة والصوم إذا أخر من غير
عذر سقطت عدالته. وما ليس له وقت معين كالزكاة والحج. روى هشام عن محمد رحمه الله تعالى أن
تأخيره لا يسقط العدالة وبه أخذ محمد بن مقاتل. وقال بعضهم: إذا أخر الزكاة والحج من غير عذر
ذهبت عدالته، وبه أخذ الفقيه أبو الليث. وبتأخير الحج لا تسقط خصوصا في زماننا كما في
المضمرات. قوله: (على رواية فوريته) في العام الأول عند الثاني، وأصح الروايتين عن الامام ومالك
وأحمد: أي فيفسق وترد شهادته بتأخير سنين، لان تأخيره صغيرة، وبارتكابه مرة لا يفسق إلا
بالاصرار. بحر.
ووجهه أن الفورية ظنية، لان دليل الاحتياط ظني، ولذا أجمعوا أنه لو تراخى كان أداء وإن أثم

562
بموته قبله كما نقله الشارح في الحج. قوله: (أو ترك جماعة) قال في الفتح: منها ترك الصلاة بالجماعة
بعد كون الامام لا طعن عليه في دين ولا حال، وإن كان متأولا في تركها كأن يكون معتقدا أفضلية
أول الوقت والامام يؤخر الصلاة أو غير ذلك لا تسقط عدالته بالترك.
أقول: والجماعة سنة مؤكدة في قوة الواجب، وقيل واجبة، وقيل فرض
كفاية، وقيل فرض عين. والقول بوجوبها هو قول عامة مشايخنا، وبه جزم في التحفة وغيرها. قال في البحر: وهو
الراجح عند أهل المذهب، وهو أعدل الأقوال وأقواها ولذا قال في الأجناس: لا تقبل شهادته إذا
تركها استخفافا بأن لا يستعظم أمرها كما يفعله العوام أو مجانة أو فسقا إما سهوا أو بتأويل، ككون
الامام من أهل الأهواء أو فاسقا فكره الاقتداء به ولا يمكنه أن يصرفه، أو لا يراعى مذهب المقتدي
فتقبل. والقائل بالفرضية لا يشترطها للصحة فتصح صلاته منفردا، وتسميتها سنة لوجوبها بالسنة.
وتمام الكلام في شرحنا على (نور الايضاح المسمى بمعراج النجاح) فراجعه، فإن فيه فوائد خلت عنها أكثر
الشروح. قوله: (أو جمعة) من غير عذر، فمنهم من أسقطها بمرة واحدة كالحلواني، ومنهم من شرط
ثلاث مرات كالسرخسي، والأول أوجه. فتح. لكن قدمنا عنه أن الحكم بسقوط العدالة بارتكاب
الكبيرة يحتاج إلى الظهور. تأمل. سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قال في تهذيب القلانسي قال: في ترك
الجماعة مجانا شهرا. وفي الذخيرة: هذا إن لم يستخف بالدين وإن استحق فهو كافر اه‍. قوله: (أو
أكل فوق شبع) عند الأكثرين. والظاهر أن المراد بالشبع ما لا يضره، وبما زاد عليه ما يضره لأنه هو
الذي يحرم ط. قوله: (بلا عذر) راجع إلى الثلاثة قبله. ومثال العذر في الاكل مؤانسة الضيف وقصد
التقوي على صوم الغد كما في الشرنبلالية والفتح. ومن العذر ما إذا أكل أكثر من حاجته ليتقايأه. قال
الحسن: لا بأس به، قال: رأيت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يأكل ألوانا من الطعام ويكثر ثم
يتقايأ وينفعه ذلك. خانية.
أقول: وهل مثله ما إذا كان مضيفا ولا يرضى صاحب الطعام إلا بذلك؟ بحر. والذي في
حفظي أنه عذر أيضا فليراجع. أما مسألة الضيف فالظاهر إذا لم يكن بينهما مباسطة تامة، أما إذا كان
فلا يكون عذرا وليحرر أيضا. قوله: (وخروج لفرجة قدوم أمير) في الهندية: إذا قدم الأمير بلدة
فخرج الناس وجلسوا في الطريق ينظرون إليه، قال خلف: بطلت عدالتهم إلا أن يذهبوا للاعتبار
فحينئذ لا تبطل عدالتهم، والفتوى على أنهم إذا خرجوا لا لتعظيم من يستحق التعظيم ولا للاعتبار
تبطل عدالتهم. كذا في الظهيرية وقاضيخان. وعلله في الفتاوى الصغرى بشغله الطريق فصار مرتكبا
للحرام لأنه حق العامة ولم يعمل للجلوس اه‍. وهذا التعليل يفيد أنه إذا تجرد عن شغل الطريق لا
يكون قادحا مطلقا، ولا ينافيه ما تقدم إذا تأملته، لكن كلام قاضيخان يفيد خلافه. قال ابن وهبان:
وينبغي أن يكون ذلك على ما اعتاده أهل البلد، فإن كان من عادة أهل البلد أنهم يفعلون ذلك ولا
ينكرون ولا يستخفون فينبغي أن لا يقدح. وذكر ابن الشحنة بعده: فقول المصنف وينبغي الخ ليس
كما ينبغي اه‍. ومثله في البحر. قال الخير الرملي: أقول فتحرر من مجموع ما ذكر أنه إن كان الأمير
غير صالح قدح في العدالة مطلقا. وإن كان صالحا ولم يشغل الطريق لا يقدح، وإن شغله قدح،
وأنت على علم بأن الحكم يدور مع العلة والعلة في القدح ارتكاب ما هو محظور وتعظيم الفاسق
كذلك، فعلى ذلك يدور الحكم. تأمل اه‍.

563
أقول: هذا بمعزل عما قدمناه فيما إذا خرج للاعتبار ولم يجلس في الطريق وكان الأمير صالحا
أو فاسقا ولم يقصد تعظيمه فحينئذ لا يقدح كما علمت، فافهم. قوله: (وركوب بحر) أي بحر الهند،
وهو البحر الأحمر المعروف الآن ببحر السويس بأنه إذا ركب البحر إلى الهند فقد خاطر بنفسه ودينه،
ومنها سكنى دار الحرب وتكثير سوادهم وعددهم وتشبهه بهم لينال بذلك مالا ويرجع إلى أهله غنيا،
فإذا كان لا يبالي بما ذكر لا يأمن أن يأخذ من عرض الدنيا فيشهد بالزور. وقال ظهير الدين: لا
يمنع.
قال العلامة عبد البر: والذي يظهر أن المانع ليس الركوب له مطلقا بل مع ما اقترن به، وهذا
حين كان الهند كله كفرا كما يرشد إليه التعليل. كيف والنص القطعي أباح ركوب البحر مطلقا إلا
عند ظن الهلاك، وما زال السلف يركبون البحار من غير إنكار، ونص القرآن العظيم أعظم دليل على
الجواز اه‍ بتصرف. وفي القهستاني: وقيل يشهد راكب البحر للتجارة وغيرها، وهو الصواب اه‍ ط.
أقول: لا سيما في زماننا الآن فإنه لا مخاطرة بالنفس، ولا محل لظن الهلاك في السفن المخترعة
الآن وهي المعروفة ببابور النار، فإن سيرها بالعجل لا بالريح، فإن سيرها بالعجل يدور ببخار الماء
المغلي بالنار فلا يخشى من تلف إلا نادرا من غفلة الملاحين. قوله: (ولبس حرير) إلى قوله أو قمر
محمل ذلك فيما يظهر على من شهر بذلك ط. أما لبس الحرير فلحرمته إلا ما استثنى. وأما البول في
السوق فلاخلاله بالمروءة. وأما استقبال الشمس والقمر في البول فلكراهة ذلك لأنهما آيتان عظيمتان
من آيات الله الباهرة، وقيل لأجل الملائكة الذين معهما، والمراد بالاستقبال استقبال عينهما، فلو كان
في مكان مستور ولم تكن عينهما بمرأى منه بأن كان ساتر يمنع عن العين ولو سحابا فلا كراهة، كما
إذا لم يكونا في كبد السماء كما حررته في (معراج النجاح على نور الايضاح).
أقول: ومثل لبس الحرير استعمال ما يحرم شرعا كفضة وذهب، وقوله: أو إلى قبلة ظاهره ولو
في بناء مع أن الأئمة يقولون بعدم الكراهة فيه، فالظاهر أن يقيد هو وما يعده في الصحراء. قوله:
(وطفيلي) يتتبع الدعوات من غير أن يدعي وصار عادة له وإن أثم بمرة: أي بلا خلاف كما في
البحر. قوله: (ومسخرة) لرفضه المروءة إن اعتاد ذلك واشتهر، ولارتكاب المحظورات غالبا بلا
خلاف كما في الهندية. قوله: (ورقاص) ومنه الكوشت والحربية والمعروف بالسماع كل ذلك حرام،
فمن اعتاده واشتهر عنه يقدح في عدالته دون ما يقع ممن غلب عليهم الحال ويفعلون ذلك بدون
اختيار، نفعنا الله تعالى بهم، كما أوضح ذلك سيدي الوالد في رسالة (شفاء العليل وبل الغليل في
حكم الوصية بالختومات والتهاليل). قوله: (وشتام للدابة) محمول على الاعتياد. أفاده في الهندية.
قوله: (وفي بلادنا يشتمون بائع الدابة) فيجري فيه التفصيل في الاعتياد وعدمه، وكثيرا ما يلعنون
الدابة وبائعها فلا يجوز لعن الدابة وغيرها من الجماد، وقد ورد التصريح بالنهي عن اللعن. قوله: (لا
تقبل شهادة البخيل) ذكره في الهندية عن المحيط. قوله: (يستقصي) بالصاد المهملة: أي يبالغ. قوله:
(فيما يتقرض) وفي نسخة يقبض وهو كذلك في الخلاصة. والذي في شرح الوهبانية لعبد البر

564
والشرنبلالي يقرض بالياء المثناة تحت والقاف اه‍ ح. قوله: (ولا شهادة الاشراف من أهل العراق
لتعصبهم) لأنهم قوم يتعصبون، فإذا ناب قوم أحد منهم نائبة أتى سيد قومه فيشفع فلا يؤمن أن يشهد
له بزور اه‍. وعلى هذا كل متعصب لا تقبل شهادته. بحر.
قال الرملي: قال الغزي قلت: وفي الخلاصة من كتاب القضاء: فإن عدله اثنان وجرح اثنان
فالجرح أولى، إلا إذا كان بينهم تعصب فإنه لا يقبل جرحهم لان أصل الشهادة لا تقبل عند العصبية
فالجرح أولى اه‍. وفي معين الحكام في موانع قبول الشهادة قال: ومن العصبية أن يبغض الرجل
الرجل لأنه من بني فلان أو من قبيلة كذا اه‍.
أقول: من التعصب أن يبغضه لأنه من حزب فلان أو من أصحابه أو من أقاربه أو منسوبيه اه‍.
قال عبد الحليم في حاشية الدرر: ولا يذهب عليك أن أكثر طائفة القضاة بل الموالي في عصرنا بينهم
تعصب ظاهر لأجل المناصب والرتب، فينبغي أن لا تقبل شهادة بعضهم على بعض ما لم يتبين عدالته
كما لا يخفى اه‍. قوله: (ولا من انتقل من مذهب أبي حنيفة الخ) أي استخفافا لأنه لا يكون أهلا
للشهادة فلا يعتمد عليه. منح، وتقدم في باب التعزير أن من ارتحل إلى مذهب بدون حاجة شرعية
يعزر فكان ذلك معصية موجبة لرد شهادته، ولأنه ليس للعامي أن يتحول من مذهب إلى مذهب
ويستوي فيه الحنفي والشافعي، وقيل لمن انتقل إلى مذهب الشافعي ليزوج له أخاف أن يموت مسلوب
الايمان لاهانته بالدين بجيفة قذرة. قنية من كتاب الكراهية.
وفي آخر هذا الباب من المنح: وإن انتقل إليه لقلة مبالاة في الاعتقاد والجرأة على الانتقال من
مذهب إلى مذهب كما يتقوله ويميل طبعه إليه لغرض يحصل له فإنه لا تقبل شهادته اه‍. فعلم
بمجموع ما ذكرناه أن ذلك غير خاص بانتقال الحنفي، وأنه إذا لم يكن لغرض صحيح، فافهم ولا
تكن من المتعصبين فتحرم بركة الأئمة المجتهدين نفعنا الله تعالى بهم أجمعين في الدنيا والآخرة آمين.
وتقدم هذا البحث مستوفى في فصل التعزير فارجع إليه. قوله: (وكذا بائع الأكفان والحنوط) أي إذا
ابتكر وترصد لذلك، أما إذا كان يبيع الثياب ويشتري منه الأكفان تجوز شهادته. جامع الفتاوى وبحر.
وفي الهندية: إذا كان الرجل يبيع الثياب المصورة أو ينسجها لا تقبل شهادته اه‍: أي صورة ذي روح.
قوله: (لتمنيه الموت) وإن لم يتمنه بأن كان عدلا تقبل. كذا قيده شمس الأئمة. قال الرحمتي: وينبغي
أن يكون مثله بائع الطعام لتمنيه الغلاء والشدة على الناس اه‍.
أقول: وهذا أيضا إن لم يتمنه بأن كان عدلا تقبل. قوله: (وكذا الدلال) أي فيما عقده لعدم
صحة الشهادة على فعل نفسه أو مطلقا لكثرة كذبه.
في التنقيح لسيدي الوالد: سئل في شهادة الدلال العدل الذي لا يحلف ولا يكذب هل تقبل؟
الجواب نعم إذا كان كذلك تقبل. قال في البحر: وكذا لا تقبل شهادة النخاس، وهو الدلال إلا إذا
كان عدلا لم يكذب ولم يحلف اه‍. وقدمنا عن الفتح أن أهل الصناعات الدنيئة الأصح أنها تقبل كالزبال
والحجام لأنها تولاها قوم صالحون، فما لم يعلم القادح لا يبني على ظاهر الصناعة، وكذا الدلالون

565
والنخاسون، ويحتمل أن المراد الدلال إذا شهد على البيع، فإنه قال في الهندية: الوكيلان بالبيع
والدلالان إذا شهدا قالا نحن بعنا هذا الشئ من فلان لا تقبل شهادتهما اه‍. قوله: (والوكيل) أي
بالنكاح. قوله: (ولو بإثبات النكاح) أي لا تقبل بإثبات النكاح لأنها شهادة على فعله، وقوله: لو
بإثبات النكاح للتمثيل لا للتقييد، ومثله سائر العقود التي باشرها لا يصح شهادته بها إذا صرح بأنه
باشرها وكالة، أما إذا شهد أنه ملكه أو في إجارته تقبل. وفي بعض نسخ الشرح زيادة واو قبل لو:
أي ولو بإثبات النكاح ترقيا إذ هو هنا سفير وهي الأولى. قوله: (أما لو شهد أنها امرأته تقبل) لأنه
شهد بقيام النكاح لا بعقده. قوله: (والحيلة الخ) مقتضاه أن من لا تقبل شهادته لعلة يجوز له أن يخفيها
ويشهد، كما إذا كان عبدا للمشهود له أو ابنه أو نحو ذلك، فليتأمل. سيدي الوالد رحمه الله تعالى.
أقول: وسيأتي قريبا عن البحر عن الملتقط أن لشارب الخمر أن يشهد إذا لم يطلع عليه، وأنه لا
يحل له أن يهتك ستره بذكر فسقه وإبطال حق المدعي. قوله: (بالنكاح) أي بإثباته، ولا يذكر الوكالة:
أي أن كان وكيلا فيه. قوله: (بزازية) عبارتها: وشهادة الوكيلين أو الدلالين إذا قالا نحن بعنا هذا
الشئ، أو الوكيلان بالنكاح أو بالخلع إذا قالا نحن فعلنا هذا النكاح أو الخلع لا تقبل، أما لو شهد
الوكيلان بالبيع أو النكاح أنها منكوحته أو ملكه تقبل.
وذكر أبو القاسم: أنكر الورثة النكاح فشهد رجل قد تولى العقد والنكاح يذكر النكاح ولا يذكر
أنه تولاه انتهت. قوله: (وملخصه) أي ملخص ما ذكره المصنف في كتاب الإجارة من كتابه المسمى
بالمعين. قوله: (الدلالين والصكاكين) إذا كان غالب حالهم الفساد لكثرة الكذب منهم غالبا، أما إذا
غلب عليهم الصلاح فالصحيح أنها تقبل كما في الهندية، وقدمناه آنفا. قوله: (والمحضرين والوكلاء
المفتعلة على أبوابهم) أي القضاة، وهو متعلق بالثاني وحذف من الأول نظيره. قال ح: الوكلاء المفتعلة
الذين يجتمعون على أبواب القضاة يتوكلون للناس في الخصومة اه‍.
قال فخر الدين: لما سئل عن شهادة أعوان الحاكم والوكلاء على أبواب القضاة. قال: لا تسمع
شهادتهم لأنهم ساعون في إبطال حق المستحقين فهو فسق فلا تسمع. قوله: (وفيها) مكرر مع ما يأتي
متنا. قوله: (أخرج من الوصاية) نص على المتوهم، لأنه إذا لم يخرج فشهادته للميت بدين أو غيره
باطلة سواء كانت الورثة كبارا أو صغارا، ولو شهد على الميت بدين قبلت على كل حال. هندية.
قوله: (بعد قبولها) أما إذا لم يقبل بعد موت الموصي ولم يرد فشهد فالقاضي يقول له أتقبل الوصاية؟
فإن قبل أبطلها، وإن رد أمضاها، وإن لم يخبر بشئ توقف القاضي. ملتقط. قوله: (للميت) ولا
لليتيم. هندية. قوله: (أبدا) أي وإن لم يخاصم. هندية. قوله: (وكذا الوكيل) أي شهادة الوكيل

566
للموكل. قوله: (فكذلك) أي لا تقبل عند أبي يوسف وتقبل عند الامام ومحمد. كذا في الذخيرة.
وإنما اقتصر المؤلف على قول الثاني لما قيل إن الفتوى والقضاء على قوله في الوقف والقضاء ط. قوله:
(ومدمن الشرب) قال في النهاية معزيا إلى الذخيرة: أراد به الادمان في النية: يعني يشرب ومن نيته أن
يشرب بعد ذلك إذا وجده. قال الرملي في حاشية المنح: بخلاف ما إذا أقلع عنه فإنه فاسق تاب فتقبل
شهادته اه‍. فإذا تم هذا فلا فرق بين الخمر وغيره، لأنه وإن كان بقطرة منها ارتكب الكبيرة وترد
شهادته، لكن بالتوبة يزول فسقه ويعود عدلا وتقبل شهادته، لكن لا تتم بالتوبة بمجرد نية عدم
الشرب، بل لا بد من الندم والاقلاع في الحال والعزم على أن لا يعود. وإذا علمت معنى الادمان وأن
غير المدمن تائب بأنه قد أقلع عنه ونوى أن لا يعود إليه سقط هذا الكلام كله، لان التائب
تقبل شهادته سواء تاب عن الصغيرة أو الكبيرة.
أقول: لكن قدمنا عن الفتح عند الكلام على النائحة أن تفسير الادمان بالنية أمر خفي لا يصلح
أن يكون مدارا لعدم قبول الشهادة. فتأمل. قوله: (لان بقطرة منها) فيه حذف اسم أن. قوله:
(يرتكب الكبيرة) لأنه يحرم قليلها وكثيرها، والقليل يطلق على القطرة بالاجماع، خلافا للمعتزلة فإنهم
يقولون بإباحة القليل.
قال في الهداية: وهذا كفر لأنه جحود للكتاب فإنه سماه رجسا. والرجس: ما هو محرم العين،
وقد جاءت السنة متواترة أن النبي صلى الله عليه وآله حرم الخمر وعليه انعقد إجماع الأمة، ولأن قليله يدعو إلى
كثيره، وهذا من خواص الخمر، ولأنه لو أقر بشرب قطرة واحدة يلزمه الحد كما قرر في محله. قوله:
(فترد شهادته) أي من غير إدمان، هذا مخالف لما في الكافي حيث قال: وإنما شرط الادمان ليكون
ذلك ظاهرا منه، فإن من شرب الخمر سرا ولا يظهر منه ذلك لا يخرج من أن يكون عدلا وإن شربها
كثيرا وإنما تسقط عدالته إذا كان ذلك يظهر منه أو يخرج سكران فتلعب به الصبيان فإنه لا مروءة لمثله
ولا يحترز عن الكذب عادة، وكذا من يجلس مجلس الفجور والمجانة في الشرب لا تقبل شهادته وإن لم
يشرب.
وفي فتاوى قاضيخان: لا تقبل شهادة مدمن الخمر ولا مدمن السكر لأنه كبيرة. وفي الذخيرة:
لا تقبل شهادة مدمن الخمر. زيلعي وعيني. وفي النهاية: الادمان شرط في الخمر أيضا في حق
سقوط العدالة اه‍. فهذه نقول صريحة في عدم الفرق في اشتراط الادمان بين الخمر وغيره، فما ذكره
الشرح تبعا لصاحب البحر لا يعول عليه. أبو السعود. وقد تقدم أنه يشترط الاشتهار في كل من أتى
بابا من أبواب الكبائر. ط بزيادة.
أقول: وكذلك صحح شرط الادمان في شرب الخمر لسقوط العدالة. البرجندي وصاحب
التتمة، وعليه كلام الدرر حيث عمم الشرب شرب الخمر والعرقي والوزج ونحوها كما في عبد
الحليم. قوله: (وما ذكره ابن الكمال) من أن شرب الخمر ليس بكبيرة فلا يسقط العدالة إلا بالاصرار
عليه. قوله: (كما حرره في البحر) قال فيه: وذكر ابن الكمال: أن شرب الخمر ليس بكبيرة فلا
تسقط العدالة إلا بالادمان عليه.

567
قال في الفتاوى الصغرى: ولا تسقط عدالة شارب الخمر بنفس الشرب، لان هذا الحد لم يثبت
بنص قاطع إلا إذا داوم على ذلك اه‍. وهو غلط من ابن الكمال لما قدمناه عن المشايخ من التصريح بأن
شربها كبيرة، ولمخالفتها للحديث المشهور في الكبائر أنها سبع، وذكر منها شرب الخمر اه‍. بل إنما
شرط الادمان عليها للاشتهار لا لأنها صغيرة، لان الشهادة لا ترد إلا بالادمان وظهوره بالاشتهار.
وأما مجرد الشرب مع قطع النظر عن سقوط الشهادة فقد علمت أنه كبيرة ولو بقطرة، فلو تغفل.
قال السائحاني: أقول: نسبة الغلط إلى هذا الهمام في الفرق بين شرط الادمان للخمر وغيره من
الأشربة غير مسلمة لما صرح قاضيخان في فتاواه. وعبارته: ولا تقبل شهادة مدمن الخمر ولا مدمن
السكر لأنها كبيرة، وإنما شرط الادمان ليظهر ذلك عند الناس، فإن من اتهم بشرب الخمر في بيته لا
تبطل عدالته وإن كانت كبيرة، وإنما تبطل إذا ظهر ذلك أو يخرج سكران يسخر منه الصبيان، لان مثله
لا يحترز عن الكذب. وذكر الخصاف رحمه الله تعالى أن شرب الخمر يبطل العدالة. وقال محمد رحمه الله
تعالى: ما لم يظهر ذلك يكون مستور الحال اه‍. وفي المقدسي: ومحمد شرط الادمان وهو الصحيح.
نعم إذا حمل الغلط على قول ابن الكمال إن شرب الخمر ليس بكبيرة يظهر لما قدمناه قريبا من أن شرب
قطرة منه كبيرة. وفي البدائع: شرب الخمر أحيانا للتقوي لا للتلهي يكون عدلا، وعامة المشايخ لا
يكون عدلا لان شرب الخمر كبيرة محضة اه‍. قوله: (قال وفي غير الخمر) قد علمت أنها يشترط
فيها أيضا. قوله: (يشترط الادمان) قدمنا أنه اختلف في الادمان هل هو في الفعل أو النية على قولين
محكيين فيه؟ وفي الاصرار، قال ابن كمال: إن الادمان بالعزم أمر خفي لا يصلح أن يكون مدارا لعدم
قبول الشهادة، ومحصله أن ابن الكمال يميل إلى ترجيح اشتراط الادمان بالفعل لا بالنية، فراجعه.
قوله: (على اللهو) أي لأجل اللهو: أي وهو معروف، وأصله ترويح النفس بما لا تقتضيه الحكمة.
بحر عن المصباح، والمراد به أن لا يكون للتداوي فيدخل في اللهو الشرب للاعتياد.
قال في البحر: فأطلق اللهو على المشروب، وظاهره أنه لا بد من الادمان في حق الخمر أيضا.
قال في المنح: هو خلاف الظاهر من العبارة، لان الظاهر منها أن معنى مدمن الشرب: أي مداوم
شرب الخمر على اللهو. قال الزيلعي: أي مداوم شرب الخمر لأجل اللهو لان شربها كبيرة. وقال منلا
خسرو: ومدمن الشرب: أي شرب الأشربة المحرمة، فإن إدمان شرب غيرها لا يسقط الشهادة ما لم يكن
على اللهو اه‍. فأفاد كلامه أن الشرب على اللهو إنما هو شرط في غير الأشربة المحرمة، أما فيها فلا
يشترط، وهذا يوافق كلام صاحب البحر. والظاهر أن هذا هو الذي أحوجه إلى ذكره من حمل اللهو في
كلام الكنز على المشروب، وهو مخالف لكلام الزيلعي، فإنه جعله شرطا في الخمر أيضا، وربما يناسبه
كلام الشارح هنا، والظاهر خلافه لان شرب الخمر كبيرة ترد الشهادة بها سواء شربت على اللهو أم لا،
وظاهر كلامهم أنه لابد من الادمان في حق الخمر أيضا. وأما إدمان شرب غير المحرم لا يسقط الشهادة
ما لم يكن على اللهو، فجعل اللهو قيدا للشرب وحمله على شرب غير المحرمة هو الذي يظهر كما يظهر لي
من كلامهم، والله تعالى الموفق. قوله: (لشبهة الاختلاف) قال في البحر: في قوله على اللهو إشارة إلى أنه
لو شربها للتداوي لم تسقط عدالته لان للاجتهاد فيه مساغا اه‍. قال ط: والأصح الحرمة. نعم لو شرب
لغصة شئ في حلقه ونحوه مما ينفسه لا محالة كان مباحا. قهستاني.

568
وفي العتابية: لا تسقط عدالة أصحاب المروءات بالشرب ما لم يشتهر. وفي الظهيرية: من سكر
من النبيذ بطلت عدالته في قول الخصاف لان السكر حرام عند الكل. وقال محمد: لا تبطل عدالته إلا
إذا اعتاد ذلك اه‍. قال في البحر: وهو عجيب من محمد لأنه قال بحرمة قليله ولم يسقطها بكثيرة،
وظاهره أنه يقول بأن السكر منه صغيرة فشرط الاعتياد اه‍. قال سيدي الوالد: قوله وهو عجيب من
محمد الخ فيه نظر ظاهر يعلم مما قدمه عن الصدر الشهيد من أن الادمان على شرب الخمر شرط
لسقوط العدالة عند محمد مع أنه ممن يقول بأن مجرد شرب الخمر ولو بدون إدمان وإسكار، ولهذا قال
المقدسي: وإنما فعل ذلك محمد: يعني حيث اشتراط الاعتياد على السكر من النبيذ للاحتياط فمنع
القليل: يعني من المسكر، ولم يسقط العدالة إلا إذا اعتاد ولم يكتف بالكثرة اه‍.
فإن قلت: لم اشترط الادمان في الشرب دون غيره مما يوجب الحد؟ قلت: ذكر البرجندي أن
الوقوع في الشرب أكثر من الوقوع في غيره، فلو جعل مجرد الشرب مسقطا للعدالة أدى إلى الحرج
اه‍. قال في البحر: ولشارب الخمر أن يشهد إذا لم يطلع عليه، لما في الملتقط: وإذا كان في الظاهر
عدلا وفي السر فاسقا فأراد القاضي أن يقضي بشهادته لا يحل له أن يذكر فسقه لأنه هتك الستر
وإبطال حق المدعي اه‍. ولا فرق في السكر المسقط لها بين المسلم والذمي لما قدمناه أنه إذا أسكر الذمي
لا تقبل شهادته. قوله: (وممن يلعب بالصبيان) في الهندية: حكي عن أبي الحسن أن شيخا لو صارع
الاحداث في المجامع لم تقبل شهادته اه‍. قال ط: والمراد الاحداث المشتهون لا الأطفال الصغار
لتسليتهم عن البكاء أو لحبهم، ويدل عليه التعليل بعدم المروءة. ويحتمل أن المراد بهم ما يعم ما ذكر
ويحمل على الكثرة وحرره اه‍.
أقول: قد ثبت عنه صلى الله عليه وآله ملاعبته للحسن ولأمامة، ولو كان فيها أدنى ما يخل لما فعله، وبه يتعين
أن المراد الاحداث المشتهون. تأمل. قوله: (والطيور) أي من يلعب بها جمع طير وهو جمع طائر.
واللعب بالكسر: فعل قصد به مقصد صحيح. قاله الراغب قهستاني. وإنما ردت شهادته لأنه يورث
غفلة، وهو محمول على ما إذا كان يقف على عورات النساء لصعوده سطحه ليطير طيره اه‍. بحر.
قوله: (للاستئناس) أو لحمل الكتب كما في بلاد مصر والشام: أي سابقا، وفي بلاد فارس الآن.
قوله: (إلا أن يجر حمام غير) أي المملوك فتفرخ في وكرها فيأكل ويبيع، بحر. وإن لم يصعد
السطوح. قال في الهندية: ولا شهادة من يلعب بالحمام يطيرهن، فأما إذا كان يمسك الحمام يستأنس
بها ولا يطيرها عادة فهو عدل مقبول الشهادة، كذا في المبسوط، وهكذا في الكافي وفتاوى
قاضيخان، إلا إذا كانت تجر حمامات أخر مملوكة لغيره فتفرخ في وكرها فيأكل ويبيع منه اه‍. قوله:
(لاكله للحرام) قال في الهندية: لا تقبل شهادة آكل الربا المشهور بذلك المقيم عليه. كذا في المبسوط.
ولا تقبل شهادة من اشتغل بأكل الحرام. جوهرة ط. قوله: (والطنبور) بالضم. قهستاني. وفسره في
الهداية بالمغني. قوله: (وكل لهو شنيع) من عطف العام على الخاص. قال في البحر: وأراد المؤلف
بالطنبور: كل لهو كان شنيعا بين الناس احترازا عما لم يكن شنيعا كضرب القضيب كما ذكره الشرح
عن البحر.
قال في المحيط: الرجل يلعب بشئ من الملاهي وذلك لم يشغله عن الصلاة ولا عما يلزمه من

569
الفرائض: ينظر إن كانت مستشنعة بين الناس كالمزامير والطنابير لم تجز شهادته، وإن لم يكن شنيعا لا
يمنع قبولها إلا أن يتفاحش بأن يرقصوا بهد فيدخل في حد المعاصي والكبائر فتسقط به العدالة اه‍. وقد
ذكر الشيخ هنا حديثا مرفوعا ما أنا من دد ولا الدد مني والدد: اللعب واللهو: أي ما أنا من شئ من
اللهو.
وفي الولوالجية: إن لعب بالصولجان يريد به الفروسية جازت شهادته لأنه غير محظور. بحر
ملخصا. قال في الخانية: وإن لعب بشئ من الملاهي ولم يشغله ذلك عن الفرائض لا تبطل عدالته،
وملاعبته الأهل والفرس لا تبطل العدالة ما لم يشغله عن الفرائض، فإن لم يشغله لكنه شنيع بين الناس
كالمزامير والطنابير فكذلك، وإن لم يكن شنيعا كالحداء وضرب القضيب فلا، إلا إذا فحش بأن يرقصوا
عند ذلك اه‍. قوله: (نحو الحداء) أي للإبل. قال الشاعر الماهر:
أو ما ترى الإبل التي * هي ويك أغلظ منك طبعا
تصغي إلى صوت الحداة * وتقطع البيداء قطعا
ولم يذكر الشعر. وفي الهندية: الشاعر إذا كان يهجو لا تقبل شهادته، وإن كان يمدح وكان أغلب مدحه الصدق
قبلت والذي يعلم شعر العرب، إن كان تعلم لأجل العربية لا تبطل عدالته وإن كان فيه فحش اه‍.
قال سيدي الوالد بعد كلام: إن المكروه منه ما داوم عليه وجعله صناعة له حتى غلب عليه
وأشغله عن ذكر الله تعالى وعن العلوم الشرعية، وبه فسر الحديث المتفق عليه، وهو قوله صلى الله عليه وآله: لان
يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا فاليسير من ذلك لا بأس به إذا قصد به إظهار
النكات واللطافات والتشابيه اللطيفة والمعاني الرائقة وإن كان في وصف الخدود والقدود، فإن علماء
البديع قد استشهدوا من ذلك بأشعار المولدين وغيرهم لهذا القصد.
وقد ذكر المحقق ابن الهمام في فتح القدير: ومن المباح أن يكون فيه صفة امرأة مرسلة، بخلاف
ما إذا كانت بعينها حية. وعمم بعضهم المنع إلا أنا عرفنا من هذا أن التغني المحرم هو ما كان في
اللفظ بما لا يحل كصفة الذكور والمرأة المعينة الحية ووصف الخمر المهيج إليها والحانات والهجاء لمسلم
أو ذمي إذا أراد المتكلم هجاءه، لا إذا أراد إنشاء الشعر للاستشهاد به أو لتعلم فصاحته وبلاغته، ويدل
على أن وصف المرأة كذلك غير مانع ما سلف في كتاب الحج من إنشاد أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
وهو محرم:
قامت ترك رهبة أن تهضما * ساقا بخنداة (1) وكعبا أدرما
وإنشاد ابن عباس شعرا: إن تصدق الطير ننك لميسا
لأن المرأة فيهما ليست معينة، فلولا أن إنشاد ما فيه وصف امرأة كذلك جائز لم تقله الصحابة



(1) قوله: (بخنداة) البخنداة كعلنداة المرأة التامة للقصب كالبخندي وقوله أدري مادرم الساق كفرج استوى، وللكعب أو
العظم واراه اللحم حتى لم يبين له حجم اه‍. قاموس اه‍. مصححه.
570
رضي الله عنهم. ومما يقطع به في هذا قول كعب بن زهير بحضرة النبي صلى الله عليه وآله.
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا * إلا أغن غضيض الطرف مكحول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت * كأنه منهل بالراح معلول
وكثير في شعر حسان من هذا كقوله وقد سمعه النبي صلى الله عليه وآله ولم ينكره في قصيدته التي أولها:
تبلت فؤادك في المنام خريدة * تسقي الضجيع ببارد بسام
فأما الزهريات المجردة عن غير ذلك المتضمنة وصف الرياحين والأزهار والمياه المطردة كقول ابن
المعتز:
سقاها بغابات خليج كأنه * إذا صافحته راحة الريح مبرد
يعني سقي تلك الرياض، وقوله:
وترى الرياح إذا سبحن غديره * صقيلة تنفين كل قذاة
ما إن يزال عليه ظبي كارعا * كتطلع الحسناء في المرآة
فلا وجه لمنعه على هذا. نعم إذا قيل ذلك على الملاهي امتنع وإن كان مواعظ وحكما للآلات
نفسها لا لذلك التغني، والله أعلم.
وفي الذخيرة عن النوازل: قراءة شعر الأدب إذا كان فيه ذكر الفسق والخمر والغلام يكره،
والاعتماد في الغلام على ما ذكرنا في المرأة: أي من أنها كانت معينة حية يكره، وإن كانت ميتة فلا
اه‍. وتقدم الكلام على ذلك في صدر الكتاب قبل رسم المفتي، وكذا يأتي في الحظر والإباحة.
ونقل قبيل الوتر والنوافل عن الضياء المعنوي: العشرون من آفات اللسان الشعر. سئل عنه صلى الله عليه وآله؟
فقال: كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح ومعناه أن الشعر كالنثر يحمد حين يحمد ويذم حين يذم، ولا
بأس باستماع نشيد الاعراب وهو إنشاد الشعر من غير لحن، ويحرم هجر مسلم ولو بما فيه، فما كان
منه في الوعظ والحكم وذكر نعم الله تعالى وصفة المتقين فهو حسن، وما كان من ذكر الأطلال
والأزمان والأمم فمباح، وما كان من هجو وسخف فحرام، وما كان من وصف الخدود والقدود
والشعور فمكروه. كذا فصله أبو الليث السمرقندي. ومن كثر إنشاده وإنشاؤه حين تنزل به مهماته
ويجعله مكسبة له تنقص مروءته وترد شهادته اه‍.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى في الحظر والإباحة: وأما وصف الخدود والأصداغ وحسن القد
والقامة وسائر أوصاف النساء والمرد، قال بعضهم: فيه نظر. وقال في المعارف: لا يليق بأهل
الديانات، وينبغي أن لا يجوز إنشاده عند من غلب عليه الهوى والشهوة لأنه يهيجه على إجالة فكره
فيمن لا يحل، وما كان سببا لمحظور فهو محظور اه‍. لكن قدمنا أن إنشاده للاستشهاد لا يضر، ومثله
فيما يظهر إنشاده أو عمله لتشبيهات بليغة واستعارات بديعة. قوله: (وضرب القصب) الذي في البحر
وغيره القضيب والظاهر أن المراد بهما واحد وهو الزمر في الغاب لأنه هو الذي يرقصون حوله،
ويدل له ما في البحر عن المعراج حيث قال: الملاهي نوعان: محرم وهو الآلات المطربة من غير غناء
كالمزمار سواء كان من عود أو قصب كالشبابة أو غيره كالعود والطنبور، لما روى أبو أمامة أنه عليه
الصلاة والسلام قال: إن الله تعالى بعثني رحمة للعالمين، وأمرني بمحق المعازف والمزامير ولأنه

571
مطرب مصد عن ذكر الله. والنوع الثاني مباح، وهو الدف في النكاح، وفي معناه ما كان من حادث
سرور، ويكره في غيره لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه لما سمع صوت الدف (1) بعث فنظر:
فإنه كان في وليمة سكت، وإن كان في غيره عمده بالدرة، وهو مكروه للرجال على كل حال للتشبه
بالنساء اه‍. ونقله في فتح القدير ولم يتعقبه. قال في السراجية: هذا إذا لم يكن للدف جلاجل ولم
يضرب على هيئة التطرب اه‍. قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: وينبغي أن يكون طبل المسحر في
رمضان لايقاظ النائمين للسحور كبوق الحمام يجوز. تأمل. والشبابة، سميت به لما فيها من الشباب
بالكسر: وهو النشاط ورفع اليدين. قوله: (إلا إذا فحش بأن يرقصوا به خانية) وعبارتها: وإن لعب
بشئ من الملاهي ولم يشغله عن الفرائض لا تبطل عدالته، وملاعبته الأهل والفرس لا تبطل العدالة ما
لم يشغله ذلك عن الفرائض، فإن لم يشغله لكنه شنيع بين الناس كالمزامير والطنابير فكذلك، وإن لم
يكن شنيعا كالحداء وضرب القضيب فلا، إلا إذا فحش بأن يرقصوا عند ذلك. مقدسي. قوله: (ومن
يغني للناس) رد الشهادة لاعلان الفسق لا للفسق. قهستاني. وفي ضياء الحلوم: الغناء على وزن
فعال: صوت المغني. والغنى: كثرة المال، فالأول ممدود والثاني مقصور اه‍ ط. قوله: (لأنه يجمعهم
على كبيرة) قال في البحر: وظاهره أن الغناء كبيرة وإن لم يكن للناس بل لاسماع نفسه دفعا للوحشة،
وهو قول شيخ الاسلام خواهر زاده، فإنه قال بعموم المنع، والامام السرخسي إنما منع ما كان على
سبيل اللهو. ومنهم من جوزه للناس في عرس أو وليمة. ومنهم من جوزه لاسماع نفسه دفعا
للوحشة، ومنهم من جوزه ليستفيد به نظم القوافي وفصاحة اللسان اه‍. وتمامه فيه وقدمنا بعضه.
أقول: ويمكن حمل كونه كبيرة على ما قاله السرخسي، بأن يكون كبيرة بسبب الاجتماع عليه،
ويؤيده كلام النسفي في الكافي، وهو المتبادر من لفظ يغني للناس وعلى ذلك حمله في العناية، ويؤيده
ما يأتي عن ابن الكمال والعيني، من أنه لو كان لنفسه ليزيل الوحشة عنها لا تسقط عدالته في
الصحيح، فهذا التصحيح موافق لهذا المتن كغيره من المتون فكان عليه المعول فلا تغفل.
قال العيني في شرحه على البخاري: أما الغناء فلا خلاف في تحريمه لأنه من اللهو واللعب
المذموم بالاتفاق، أما ما يسلم من المحرمات فيجوز القليل منه في الأعراس والأعياد وشبههما.
وسئل أبو يوسف عن الدف أتكرهه في غير العرس لمثل المرأة في منزلها والصبي؟ قال: لا
أكرهه. وأما الذي يجئ منه اللعب الفاحش والغناء فإني أكرهه، إلى أن قال: أي العيني: وقال
الملهب: الذي أنكره أبو بكر رضي الله عنه كثرة التنغيم وإخراج الانشاد عن وجهه إلى معنى التطريف
بالألحان، ألا ترى أنه لم ينكر الانشاد وإنما أنكر مشابهته الزمر بما كان في الغناء الذي فيه اختلاف
النغمات وطلب الاطراب فهو الذي يخشى منه، وقطع الذريعة فيه أحسن، وما كان دون ذلك من
الانشاد ورفع الصوت حتى لا يخفى معنى البيت وما أراده الشاعر بشعره فغير منهي عنه. وقد روي
عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه رخص في غناء الاعراب وهو صوت كالحداء يسمى النصب إلا أنه
رقيق اه‍ ملخصا. قوله: (وكلام سعدي أفندي يفيد تقييده بالأجرة) وقيده القهستاني بأن يكون من



(1) قوه: (لما سمع صوت الدف الخ) لعل الظاهر كان إذا سمع.
572
الشعر مع التصفيق بالكف كما قيده في البناية باللهو، وعبارة الزيادات تفيد التقييد بالشهرة، بأن يكون
للناس، فافهم وتأمل. قوله: (فتأمل) والوجه أن اسم مغنية ومغن إنما هو في العرف لمن كان الغناء
حرفته التي يكتسب بها المال وهو حرام، ونصوا على أن المغني للهو أو لجمع المال حرام بلا خلاف،
وحينئذ فكأنه قال: لا تقبل شهادة من اتخذ التغني صناعة يأكل بها. وتمامه في الفتح وسيأتي قريبا.
قوله: (وأما المغني لنفسه لدفع وحشيته) من غير أن يسمع غيره فلا بأس به ولا تسقط عدالته في
الصحيح، كذا في التبيين. وهو خلاف قول شيخ الاسلام كما علمت مما تقدم. وسئل ابن شجاع عن
الذي يترنم في نفسه؟ قال: لا يقدح في عدالته. وفي البحر عن الفتح: التغني المحرم هو ما كان
في اللفظ ما لا يحل كصفة الذكر والمرأة والمعينة الحية ووصف الخمر المهيج إليها، إلى أن قال: وأما القراءة
بالألحان فأباحها قوم وحظرها قوم، والمختار إن كانت الألحان لا تخرج الحروف عن نظمها وقدوراتها
فمباح وإلا فغير مباح، كذا ذكر، وقدمنا في باب الاذان ما يفيد أن التلحين لا يكون إلا مع تغيير
مقتضيات الحروف فلا معنى لهذا التفصيل اه‍. قوله: (في العرس) والوليمة والأعياد. ومنهم من
جوزه ليستفيد نظم القوافي إلى آخر ما قدمنا قريبا. قوله: (والمذهب حرمته مطلقا) هكذا حرر صاحب
البحر مستدلا لما في الزيادات: إذا أوصى بما هو معصية عندنا وعند أهل الكتاب، وذكر منها الوصية
للمغنين والمغنيات.
أقول، هذا على إطلاقه لان كلامنا في أنه متى يكون معصية على أن من أباحه مطلقا عمدة في
المذهب وله دراية في كلام الزيادات، على أن تصحيح العيني وإطباق المتون هو المذهب كما لا يخفى.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: إن أراد أنه حرام مطلقا فهو مخالف لما حمله علي في البناية
والعناية، فإنهما استدلا بعبارة الزيادات على أنه معصية لقصد اللهو فلم يجرياه على عمومه، فهو موافق
لما قاله الامام السرخسي: فكان محتملا لكل من القولين. نعم ظاهره الاطلاق. وقد يقال: لفظة المغنين
ظاهرة في أن المراد من اتخذه حرفة وعادة، ثم رأيت في الفتح قال: إن اسم مغنية ومغن إنما هو في
العرف لما كان الغناء حرفته التي يكتسب بها المال، ألا ترى أنه إذا قيل ما حرفة فلان أو ما صناعته،
يقال مغن كما يقال خياط وحداد إلى آخر كلامه.
وفي إيضاح الاصلاح: إنما قال يغني للناس: أي يسمعهم، لأنه لو كان لاسماع نفسه حتى
يزيل الوحشة عن نفسه من غير أن يسمع غيره لا بأس به، ولا يسقط عدالته في الصحيح اه‍. وهكذا
قال في شرح العيني، وإن أنشد شعرا فيه وعظ وحكمة فهو جائز بالاتفاق الخ ونحوه ما مر عن الفتح
من قوله: المحرم هو ما كان الخ فتدبر اه‍.
أقول: وأنت خبير بأن ما ذكره من النصوص لا يؤيد الاطلاق. وعبارة الزيادات تفيد التقييد
بالشهرة، وإنما يكون بها إذا كان للناس، وقد تبع الشارح المصنف في ذكر الاطلاق في منحه،
والصحيح التفصيل كما علمت عن الهندية.

573
تتمة: قال الفتال في حاشيته: أقول: إنما سمي الغناء غناء لان النفس تستغني به عن غيره من
الملاذ البدنية في حال سماعه.
وقال بعض الحكماء: فضل الغناء كفضل النطق على الخرس، والدينار المنقوش على القطعة من
الذهب. وفي كلام بعضهم: الغناء يحرك الهوى الساكن ويسكن ألم الهوى المتحرك. وفي كلام
بعضهم: الصوت الشجي يوصل إلى نعيم الدنيا والآخرة لأنه يؤنس الوحيد، ويريح التعبان، ويسلي
الكئيب، ويحض على الشجاعة، واصطناع المعروف. وقال أفلاطون: هذا العلم: أي علم الغناء لم
يضعه الحكماء للهو واللعب، ولكن للمنافع الذاتية، ولذة الروح الروحانية، وبسط النفس، وترطيب
اليبوسات، وتعديل السوداء، وترويق الدم اه‍.
وأقول: فعلى هذا ينبغي جوازه لأجل التداوي به إذا لم يوجد شئ يقوم مقامه، كما قالوا في
التداوي بالمحرم، فتأمل اه‍.
قال في الخيرية: في جواب سؤال بعد كلام في سماع السادة الصوفية نفعنا الله تعالى بهم: ولو
قيل هل يجوز السماع لهم؟ فيقال: إن كان السماع سماع قرآن وموعظة فيجوز، ويستحب إن لم تخرج
الحروف عن نظمها وقدرها، وإن كان سماع غناء فهو حرام.
ومن أباحه من المشايخ الصوفية فبشروط: أن يخلو عن اللهو، ويتحلى بالتقوى، ويحتاج إليه
احتياج المريض إلى الدواء، وله شرائط.
أحدها: أن لا يكون فيهم أمرد. والثاني: أن لا يكون جميعهم إلا من جنسهم، ليس فيهم فاسق ولا أهل الدنيا ولا امرأة.
والثالث: أن تكون نية القول الاخلاص لا أخذ الأجر والطعام.
والرابع: أن لا يجتمعوا لأجل طعام أو فتوح.
والخامس: أن لا يقوموا إلا مغلوبين. والسادس: لا يظهرون وجدا إلا صادقين.
وفي التتارخانية: عن الذخيرة: ومنهم من قال لا بأس به في الأعياد. روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله
كان جالسا في بيته يوم العيد وفي الدهليز جاريتان يتغنيان بالدف، فجاء أبو بكر رضي الله عنه وقال
لهما: أتغنيان في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال: دعهما فإن هذا اليوم يوم عيد.
ثم ذكر عن المحيط تفصيلا آخر في التغني حاصله أن يفترق الحكم بين التغني لإزالة الوحشة
فيحل أو للهو المجرد فلا. ومنهم من فصل بمشاهدة التسبيح في الآلة عيانا فيحل، وإلا يحرم،
وشبهوه بسوق الدابة إن احتيج إليه حل، وإلا حرم.
وقد صنف الفقهاء في ذلك مصنفات كثيرة وكذلك أهل التصرف. وأجمع عبارة فيه ما قاله
الشيخ عبد الرحمن أفندي العمادي وقد سئل عن السماع باليراع وغيره من الآلات المطربة هل ذلك
حلال أو حرام؟ فأجاب: قد حرمه من لا يعترض عليه لصدق مقاله، وأباحه من لم ينكر عليه لقوة
حاله، فمن وجد في قلبه شيئا من نور المعرفة فليتقدم، وإلا فرجوعه إلى ما نهاه عنه الشرع أسلم
وأحكم، والله أعلم. وتمام الكلام على السماع وعلى جواز ضرب النوبة للتنبيه لتذكر النفختين يأتي في

574
الحظر والإباحة في كلام الشارح وسيدي الوالد رحمه الله تعالى، فراجعهما. قوله: (أو يجلس مجلس
الغناء) أي وإن اشتغل عنه بذكر ونحوه أو يتبع صوت المغنية ولا من يسمع الغناء بحر عن الملتقط.
وقوله ولا من يسمع الغناء أي وإن لم يجلس مجلسه ليغاير ما قبله، وينبغي أن يقيد بالشهرة كما سبق
في نظائره ط. قوله: (أو مجلس الفجور) كمجالس المجالة والانكات فإنها محرمة، بل تؤدي إلى الكفر
كما قد شوهد مرارا، وليس عند قائلها شئ من الدين كما يفيد بعض الآثار. قوله: (لان اختلاطه
الخ) لان حضور مجلس الفسق فسق كما في البدائع. قوله: (وتركه الامر بالمعروف) أي عند توفر
شروطه من نحو أمنه على نفسه من ضرر ورجاء قبوله ونحو ذلك كما بين في تبيين المحارم، فراجعه.
قوله: (ومراده من يرتكب كبيرة) بشرط إعلانها. قهستاني عن النظم. وكذا نقله في الشرنبلالية عن
الفتح، فيحمل قولهم من يأتي بابا من الكبائر على الاتيان به شهرة، ولذا قال بعضهم: أو يرتكب ما
يحد به ما شأنه أن يحد به، ولا يكون ذلك إلا بإشهار واطلاع الشهود عليه، وليس المراد ارتكاب ما
يحد به بالفعل اه‍. من شرح الملتقى. وبه علم أن قيد الشهرة يأتي في كل ما ذكر.
قال الزيلعي: الأوجه في تعريف الكبيرة والصغيرة ما ذكره المتكلمون أن الكبيرة والصغيرة
اسمان إضافيان لا يعرفان بذاتهما بل بالإضافة، فكل ذنب إذا نسبه إلى ما دونه فهو كبيرة، وإذا نسبه
إلى ما فوقه فهو صغيرة اه‍. وقيل أصح ما نقل فيه عن الحلواني: ما كان شنيعا بين المسلمين وفيه هتك
حرمة الله تعالى والدين فهو كبيرة اه‍ ط. وقد تقدم أيضا في أوائل الباب فراجعه. قوله: (أو يدخل
الحمام بغير إزار) لان إبداء العورة فسق. وقيده في الذخيرة بما إذا لم يعلم رجوعه عنه اه‍. در
منتقى. قوله: (أو يلعب بنرد) هو الطاولة: أي إذا علم منه ذلك فتح. وخصه بالذكر لان اللعب فيه
فسق بالنص وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ملعون من يلعب بالنرد ومثله غيره من الملاهي. والنرد
وضعه أزدشير بن بابك ولهذا يقال النردشير، وهو أول ملوك الفرس الأخيرة. وضع النرد وضربها
مثلا للقضاء والقدر، وأن الانسان ليس له تصرف في نفسه، لا يملك لها نفعا ولا يدفع عنها ضررا
ولا يقدر أن يجلب لها موتا ولا حياة ولا سعدا ولا شقاء، بل هو مصرف على حكم القضاء والقدر
معرض طورا للنفع وطورا للضرر، وجعلها أيضا تمثيلا للحظ الذي يناله العاجز بما يجري لديه من
الملك والحرمان الذي يبتلي به الحازم بما دار به عليه الفلك. وضعها على مثال الدنيا وأهلها، فرتب
الرقعة اثني عشر بيتا بعدد شهور السنة والبروج، وجعل القطع ثلاثين قطعة بعدد أيام كل شهر والدرج
التي هي لكل برج ثلاثين درجة إلى آخر ما ذكره الشيخ إبراهيم الكتبي في كتابه غرر الخصائص
الواضحة. قال في الفتح بعد كلام: ولذا نقول إذا علم القاضي أن الشاهد يلعب بالنرد ردت شهادته
سواء قامر به أو لم يقامر لما في حديث أبي داود: من لعب بالنردشير فقد عصى الله ورسوله اه‍.
قوله: (أو طاب) أي طاب دك: هو نوع من اللعب يرمى بأربع قصب. قال في الفتح: ولعب الطاب
في بلادنا مثله لأنه يطرح ويرمى بلا حساب وإعمال فكر، وكل ما كان كذلك مما أحدث الشيطان
وعمله أهل الغفلة فهو حرام سواء قومر به أو لا اه‍.

575
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: ومثله اللعب بالصينية والخاتم في بلادنا وإن تورع ولم يلعب
ولكن حضر في مجلس اللعب بدليل: من جلس مجلس الغناء، وبه يظهر جعل بعض أهل الورع
البارد. قوله: (أما الشطرنج) بكسر أوله ولا يفتح، والسين فيه لغة. قاموس. وجعل الحموي الكسر
فيه مختارا.
والحاصل: إن فيه أربع لغات كسر الشين وفتحها مع الاعجام والاهمال، وكذا حكاها ابن
مالك، لكن الاعجام هو الأشهر كما في شجرة وسجرة بالسين المهملة والشين المعجمة، ويجمع على
شطارج وأصله بالعجمة شش رنك. ومعناه ستة ألوان، لان شش ستة ورنك ألوان، وهي: أعني
الستة: الشاه، والفرزان، والفيل، والفرس، والرخ، والبيدق.
وإذا علم هذا فأول من وضعه فيما ذكره ابن خلكان وصاحب الغرر صصه بمهملة مكسورة ثم
مشددة ابن داهر الهندي. وضعه لبلهيت، ويقال له شهرام بكسر الشين المعجمة مضاهاة لازدشير أول
ملوك الفرس الأخيرة حيث وضع النرد مضاهاة للدنيا وأهلها، وافتخرت الفرس به، فقضت حكماء
ذلك العصر بترجيحه على النرد، بكونه ضربها مثلا على أن لا قدر، وأن الانسان قادر بسعيه واجتهاده
يبلغ المراتب العلية والخطط السنية، وإن هو أهملها صارت به من الخمول إلى الحضيض، وأخرجته من
روض العيش الأريض، ومما جعله دليلا على ذلك أن البيدق ينال بحركته وسعيه منزلة الفرزان في
الرياسة، وجعلها مصورة تماثيل على صورة الناطق والصامت، وجعلها درجات ومراتب، وجعل الشاه
المدبر الرئيس والفرس والفيل مركوبين له والفرزان وزيره والبيادق رعاياه، فكما أن الواحد من الرعية
إذا أعطى الاجتهاد حقه في تهذيب نفسه (1) وتهذيبها كان ذلك عونا على أن ينال رتبة الفرزان، فكذلك
الفرزان إذا علت همته وتمكنت قدرته طمحت نفسه إلى نيل رتبة الشاة وقتاله، وكذلك ما يليها من
القطع، وقيل وضعها بعض الحكماء ليبين لهم فيها ما خفي عنهم من مكايد الحروب، وكيفية ظفر
الغالب وخذلان المغلوب وبين فيها التدبير والحزم والاحتياط والمكيدة والاحتراس والتعبية والنجدة
والقوة والجلد والشجاعة والبأس، فمن عدم شيئا من ذلك علم موضع تقصيره ومن أين أتى بسوء
تدبيره، لان خطأها لا يستقال، والعجز فيها متلف المهج والأموال.
واعلم أن ترك الحزم ذهاب الملك، وضعف الرأي جالب للعطب والهلك، والتقصير سبب
الهزيمة والتلاف وعدم المعرفة بالتعبية داع إلى الانكشاف وتمامه ثمة. قوله: (فلشبهة الاختلاف) علة
مقدمة على معلولها: أي اختلاف مالك والشافعي في قولهما بإباحته، وهو رواية عن أبي يوسف،
واختاره ابن الشحنة إذا كان لاحضار الذهن، واختار أبو زيد الحكيم حله كما في البحر معزيا للمحيط
البرهاني عن شمس الأئمة السرخسي، وأقره ط وغيره، فكان مقدما على رد السائحاني بقوله: هذه
الرواية ذكرها في المجتبى ولم تشتهر في الكتب المشهورة، بل المشهور الرد على الإباحة، وابن الشحنة لم
يكن من أهل الاختيار اه‍.
أقول: يكفينا نقل صاحب البحر لها وإقراره لها وكذلك غيره كما علمت وكفى بهم قدوة، فإن



(1) قوه: (في تهذيب نفسه الخ) هكذا بأصله، ولعل الصواب تأديب فليحرر اه‍. مصححه.
576
ابن الشحنة أدرى وأعلم من السحائاني رحمهم الله تعالى، لا سيما وقد صححها أيضا المصنف في
شرحه على الجامع الصغير، ونقل اختيار ابن الشحنة في منحه وأقره. قال في شرح الكنز: يجوز
اللعب به لاحضار الذهن إذا لم يخل بالواجب.
قال ابن الشحنة: قلت: ولا يخفى أن ما ذكر من المعاني أولا من الاخلال بالواجب ثانيا يخل
بكل ما اقترن به لأنها أمور منهية، فتنبه لذلك وقال بعد نقله الرواية عن وسيط المحيط: وهذا مما ابتلى
به جمع من الحنفية، ففي هذا الفرع رخصة عظيمة لهم، فألحقته بقولي ولا بأس بالشطرنج، وهو رواية
عن الحبر قاضي الشرق والغرب تؤثر، وهو الإمام أبو يوسف لان ولايته شملت المشارق والمغارب،
لأنه كان قاضي الخليفة الرشيد اه‍.
قال القهستاني معزيا للجواهر: إن مجرد اللعب بالشطرنج قادح، وقيل هذا إذا اتخذه صنعة، فقد
ورد روحوا القلوب ساعة فساعة اه‍. وللعلامة السخاوي تلميذ العلامة ابن حجر كتاب ألفه في
الشطرنج وسماه عمدة المحتج في حكم الشطرنج وذكر فيه الأحاديث في المنع عنه وطعن فيها، ثم
ذكر قسمين: قسما فيمن كرهه وذمه من الصحابة والأئمة، وسرد روايتهم في ذلك وضعف بعضها،
وقسما في الصحابة المنسوب إليهم أنهم لعبوه أو أقروا عليه، وأورد ما قيل في ذلك وطعن فيه، ثم
عقد بابا ذكر فيه ما جاء عن المجتهدين وعن التابعين وتابعي التابعين في ذلك من التحريم والإباحة
واللعب به والنهي عنه، ثم جعل خاتمة ذكر فيها اختلاف العلماء فيه على مذاهب إلى آخر ما قال فيه،
فراجعه.
قال بعض المحققين: إنما حرم النرد ولم يحرم الشطرنج لان المخطئ في الشطرنج إنما يجعل
خطأه على فكره والمخطئ في النرد يحيله على القدر وهذا كفر، وما يفضي إلى الكفر حرام كما في
يبايع المصابيح في باب التصوير. قوله: (شرط) أي لسقوط العدالة به. قوله: (أو يقامر) القمار
الميسر. وفي القاموس: قامره مقامرة وقمارا فقمره كنصره راهنه فغلبه وهو التقامر اه‍. وذكر النووي
أنه مأخوذ من القمر، لأن ما له نارة يزداد إذا غلب وينتقص إذا غلب كالقمر يزيد وينقص اه‍. قوله:
(حتى يفوت وقتها) أي فليس المراد بالترك عدم الفعل أصلا. قوله: (أو يحلف عليه كثيرا) قيده
الزيلعي كالأتقاني بالكذب، وهو يفيد أن كثرة الحلف بدون الكذب أو الكذب فيه بدون كثرة لا ترد به
شهادته، لأنه إنما يشتهر به إذا كثر منه. أبو السعود بتصرف ط. قوله: (أو يلعب به على الطريق)
المراد به أن يكون بمرأى من الناس إذ هو لازمه. قال في الفتح: وأما ما ذكر من أن يلعبه على
الطريق ترد شهادته فلاتيانه الأمور المحقرة. قوله: (أو يذكر عليه فسقا) أي ما يكون به فاسقا كالشم
والقذف والغناء ط. قوله: (أو يداوم عليه) لان المداومة عليه دليل التلهي به، ويلزمه غالبا الاخلال
ببعض المطلوب، وهذا هو سادس الشروط الستة الذي شرط وجود واحد منها لحرمته ولسقوط
العدالة.
قال في البحر: والحاصل أن العدالة إنما تسقط بالشطرنج إذا وجد واحد من خمس القمار وفوت
الصلاة بسببه وإكثار الحلف عليه واللعب به على الطريق كما في فتح القدير، أو يذكر عليه فسقا كما

577
في السراج اه‍. أو يداوم عليه كما ذكره الشارح. قوله: (أو يأكل الربا) أي يأخذ القدر الزائد على ما
يستحق لأنه من الكبائر، فالمراد بالاكل الاخذ، وإنما ذكره تبعا للآية الكريمة: * (الذين يأكلون الربا)
* (البقرة: 572) وإنما ذكر في الآية لأنه أعظم منافع المال ولأن الربا شائع في المطعومات، والمراد بالربا
القدر الزائد لا الزيادة، وهي المرادة في قوله تعالى: * (وحرم الربا) * (البقرة: 571) كما بيناه في بابه
بحر. قوله: (قيدوه بالشهرة) لان الانسان قلما ينجو من العقود الفاسدة وكل ذلك كالربا، فلو أطلق
عدم القبول عن قيد الشهرة للزم الحرج. قال في البحر: وهو أولى مما قيل لان الربا ليس بحرام محض
لأنه يفيد الملك بالقبض كسائر البياعات الفاسدة وإن كان غاصبا مع ذلك فكان ناقصا في كونه كبيرة،
بخلاف أكل مال اليتيم ترد شهادته بمرة.
والأوجه ما قيل لأنه إن لم يشتهر به كان الواقع ليس إلا تهمة أكل الربا ولا تسقط العدالة به،
ولا يصح قوله إنه ليس بحرام محض بعد الاتفاق على أنه كبيرة، والملك بالقبض شئ آخر وهذا أقرب
ومرجعه إلى ما ذكر في وجه تقييد شرب الخمر بالادمان. وأما أكل مال اليتيم فلم يقيد أحد، وأنت
تعلم أنه لا بد من الظهور للقاضي فلا فرق بين الربا ومال اليتيم.
والحاصل: أن الفسق في نفس الامر مانع شرعا، غير أن القاضي لا يرتب ذلك إلا بعد ظهوره
له فالكل سواء في ذلك. وأما الكل مال اليتيم فلم يقيده أحد، ونصوا أنه بمرة، وأنت تعلم أنه لا بد
من الظهور للقاضي لان الكلام فيما يرد به القاضي الشهادة فكان بمرة يظهر لأنه يحاسب فيعلم أنه
انتقص من المال. فتح مع زيادة. قوله: (ولا يخفى أن الفسق) أي ولو بأكل مال اليتيم. قوله:
(يمنعها) أي الشهادة. قوله: (لا يثبت ذلك) أي الفسق المانع. قوله: (إلا بعد ظهوره له) انظر هل
يكفي في الظهور له إخبار الشاهدين له؟ والمراد بالشهرة حينئذ أن يشتهر عندهما حاله. قوله: (فالكل)
أي كل المفسقات لا خصوص الربا. سائحاني. قوله: (سواء) خلافا لمن فرق فقال: يأكل مال اليتيم
مرة ترد، ويشترط الشهرة في الربا وقد علمت ما عليه المعول فلا تغفل. قوله: (بحر) وأصل العبارة
للكمال في الفتح كما قدمناها مع زيادة. قوله: (فليحفظ) أي هذا التوفيق.
أقول: لكن نظر فيه السائحاني بقوله: والصواب ما قالوه من أن الربا يفيد الملك بالقبض والملك
مبيح للاكل فكان ناقصا في كونه كبيرة اه‍. والأولى أن يقولوا: فكان ناقصا في إسقاط العدالة، وإلا
هو كبيرة كما لا يخفى كما قدمناه قريبا، وأما أكل مال اليتيم فبمرة تسقط عدالته: يعني لعدم الشبهة.
قوله: (أو يبول أو يأكل على الطريق) أي في الطريق على حد: * (ودخل المدينة على حين غفلة) *
(القصص: 51) ولا بد أن يكون بمرأى من الناس، وإنما منعا لدلالتهما على ترك المروءة، وإذا كان
الشاهد لا يستحي من مثل ذلك لا يمتنع من الكذب فيتهم، وانظر حكم ما لا يعد أكلا عرفا كتعاطي
شرب ومص قصب ونحوه ط.
أقول: الذي يظهر أن هذا مسقط لعدالة أهل الوجاهة من أشراف الناس وعلمائهم، ويدل عليه
ما قاله في الأشباه في وصية الامام لأبي يوسف رحمه الله تعالى: ولا تشرب من السقاء والسقائين،

578
ومن جملة ما علله الحموي بسقوط المروءة. تأمل. قوله: (وكذا كل ما يخل بالمروءة) عبارة الهداية:
ولا من يفعل الأشياء المستحقرة، وفي بعض النسخ المستقبحة، وفي بعضها المستخفة: أي التي
يستخف الناس فاعلها، أو الخصلة التي يستخفها الفاعل فيبدو منه ما لا يليق. وعلى هذا المعنى قوله
تعالى: * (ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) * (الروم: 60) ومن يفعل فعلا يعد منه خفة وسوء أدب وقلة
مروءة وحياء، لان من يكون كذلك لا يبعد منه أن يشهد بالزور، وفي الحديث عنه عليه الصلاة
والسلام: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فافعل ما شئت كما في الفتح،
ومنه إدمان حلق اللحية سواء كان عادة لأهل بلد الشاهد أم لا كما حرره سيدي الوالد رحمه الله تعالى
في تنقيحه. قال في البحر: كل ما يخل بالمروءة بمنع قبولها وإن لم يكن محرما. والمروءة أن لا يأتي
الانسان بما يعتذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل. وقيل السمت الحسن، وحفظ اللسان،
وتجنب السخف والمجون، والارتفاع عن كل خلق دنئ. والسخف: رقة العقل، من قولهم: ثوب
سخيف إذا كان قليل الغزل. وفي الغاية: قال محمد: وعندي المروءة الدين والصلاح اه‍. وقد ذكروا
منها المشي بسراويل فقط والبخل، وقيد مالك بالمفرط لأنه يؤديه إلى منع الحقوق، ومن يعتاد الصياح
في الأسواق، ومد الرجل عند الناس، وكشف رأسه في موضع يعد فعله خفة وسوء أدب، وسرقة
لقمة، والافراط في المزح المفضي إلا الاستخفاف، وصحبة الأراذل، والاستخفاف بالناس، ولبس
الفقهاء قباء، ولعل هذا الأخير كان من مخلات المروءة في الزمن السابق: وأما الآن فلا.
ثم اعلم أنهم اشترطوا في الصغيرة الادمان، وما شرطوه في فعل ما يخل بالمروءة فيما رأيت،
وينبغي اشتراطه بالأولى، وإذا فعل ما يخل بها سقطت عدالته، وإن لم يكن فاسقا حيث كان مباحا
ففاعل المخل بها ليس بفاسق ولا عدل، فالعدل من اجتنب الثلاثة، والفاسق من فعل كبيرة أو أصر
على صغيرة، ولم أر من نبه عليه. بحر. قال في النهاية: وأما إذا شرب الماء أو أكل الفواكه على
الطريق لا يقدح في عدالته، لان الناس لا تستقبح ذلك. منح.
أقول: لكن في زماننا يعدونه قادحا من البعض كما قدمناه آنفا. قوله: (ليستنجي من جانب
البركة) بخلاف كشفها للبول والغائط إذا لم يجد ما يستتر به فإنه لا يفسق به اه‍. ط عن أبي السعود.
قوله: (أو يظهر سب السلف) السب: هو التكلم في عرض الانسان بما يعيبه. قال القهستاني: ونعم
ما قيل: من طعن في علماء الأمة لا يلومن إلا أمه كما في الكرماني، ولذا قال أبو يوسف: لا أقبل
شهادة من يشتم أصحابه عليه الصلاة والسلام، لأنه لو شتم واحدا من الناس لم تقبل شهادته، فهاهنا
أولى كما في المحيط، فعلى هذا لا يبعد أن يكون السلف شاملا للمجتهدين كلهم كما ذكره المصنف
وغيره. على أن السلف في الشرع كل من يقلد مذهبه في الدين كأبي حنيفة وأصحابه فإنهم سلفنا،
والصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم فإنهم سلفهم كما في الكفاية، ولم يوجد أصل، لما في
المستصفى أنه جمع سالف، والمشهور أنه في الأصل مصدر سلف: أي مضى. وسلف الرجل: آباؤه
والجمع أسلاف. قوله: (لسقوط العدالة بسب المسلم) في الحديث: سباب المسلم فسوق، وقتاله

579
كفر قال ابن الأثير في النهاية: السب: الشتم، يقال سب يسبه سبا وسبابا، قيل هذا محمول على من
سبه أو قاتله من غير تأويل، وقيل إنما قال ذلك على جهة التغليظ لا أنه يخرجه إلى الكفر والفسق.
أقول: هذا خلاف الظاهر اه‍ ط.
قال في شرح المجمع للعيني: لا تقبل شهادة من يظهر سب السلف بالاجماع، لأنه إذا أظهر
ذلك فقد أظهر فسقه، بخلاف من يكتمه لأنه فاسق مستور. ومثله في الجوهرة. وفي شرح الكنز
للزيلعي: أو يظهر سب السلف: يعني الصالحين منهم وهم الصحابة والتابعون، لان هذه الأشياء تدل
على قصور عقله وقلة مروءته. ومن لم يمتنع عن مثلها لا يمتنع عن الكذب عادة، بخلاف ما لو كان
يخفي السب اه‍. قوله: (منهم أبو حنيفة) كذا ذكره الكردري في مناقبه، وتبعه صاحب العناية والحافظ
الذهبي والحافظ العسقلاني وغيرهم.
وفي اصطلاح الفقهاء كما قال الشيخ عبد العال في فتاويه: السلف: الصدر الأول إلى محمد بن
الحسن، والخلف: من محمد بن الحسن إلى شمس الأئمة الحلواني، والمتأخرون منه إلى الامام حافظ
الدين البخاري. قوله: (عن أبي يوسف) الظاهر أن حكم هذا الفرع متفق عليه، لما سبق من قبول
شهادة أهل الأهواء، إلا هوى يكفر به صاحبه لكفره إذا لم يكن فيه شبهة اجتهاد كهوى المجسمة
والاتحادية والحلولية ونحوهم من غلاة الروافض ومن ضاهاهم، فإن أمثالهم لم يحصل منهم بذل وسع
في الاجتهاد. فإن من يقول علي هو الاله أو بأن جبريل غلط ونحو ذلك من السخف إنما هو متبع
مجرد الهوى، وهو أسوأ حالا ممن قال * (ما نعبدهم لا ليقربونا إلى الله زلفى) * (الزمر: 3) فإنه بلا شبهة كفر ومن
أشد الكفر. أما من له شبهة فيما ذهب إليه وإن كان ما ذهب إليه عند التحقيق في حد ذاته كفرا
كمنكر الرؤية وعذاب القبر ونحو ذلك، فإن فيه إنكار حكم النصوص المشهور والاجماع، إلا أن لهم
شبهة قياس الغائب على الشاهد ونحو ذلك مما علم في الكلام، وكمنكر خلافة الشيخين والساب لهما
فإن فيه إنكار حكم الاجماع القطعي، إلا أنهم ينكرون حجية الاجماع باتهامهم الصحابة، فكان لهم
شبهة في الجملة وإن كانت ظاهرة البطلان بالنظر إلى الدليل، فبسبب تلك الشبهة التي أدى إليها
اجتهادهم لم يحكم بكفرهم مع أن معتقدهم كفر احتياطا، بخلاف مثل ما ذكرنا من الغلاة.
وحاصله: أن المحكوم بكفره من أداه هواه وبدعته إلى مخالفة دليل قطعي لا يسوغ فيه تأويلا
أصلا، كرد آية قرآنية أو تكذيب نبي، أو إنكار أحد أركان الاسلام ونحو ذلك، بخلاف غيرهم كمن
اعتقد أن عليا هو الأحق بالخلافة وصاروا يسبون الصحابة، لأنهم منعوه حقه ونحوه فلا يحكم بكفرهم احتياطا وإن كان معتقدهم في نفسه كفرا: أي يكفر به من اعتقده بلا شبهة تأويل، وإنما نسب لأبي
يوسف لأنه مخرجه. قوله: (من سب الصحابة) لأنه لو سب واحدا من الناس لا تقبل شهادته، فهذا
أولى. قهستاني.
والحاصل: أن الحكم بالكفر على ساب الشيخين أو غيرهما من الصحابة مطلقا قول ضعيف لا
ينبغي الافتاء به ولا التعويل عليه كما حققه سيدي الوالد رحمه الله تعالى في كتابه تنبيه الولاة والحكام
فراجعه.

580
وقال فيه أيضا: اعلم أن من القواعد القطعية في العقائد الشرعية أن قتل الأنبياء أو طعنهم في
الأشياء كفر بإجماع العلماء، فمن قتل نبيا أو قتله نبي فهو أشقى الأشقياء.
وأما قتل العلماء والأولياء وسبهم فليس بكفر، إلا إذا كان على وجه الاستحلال أو
الاستخفاف، فقاتل عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما لم يقل بكفره أحد من العلماء، إلا الخوارج في
الأول والروافض في الثاني. وأما قذف عائشة فكفر بالاجماع، وهكذا إنكار صحبة الصديق لمخالفة
نص الكتاب، بخلاف من أنكر صحبة عمر أو علي وإن كانت صحبتهما بطريق التواتر إذ ليس إنكار
كل متواتر كفرا، ألا ترى أن من أنكر جود حاتم بل وجوده أو عدالة أنور شروان وشهوده لا يصير
كافرا، إذ ليس مثل هذا مما علم من الدين بالضرورة.
وأما من سب أحدا من الصحابة فهو فاسق ومبتدع بالاجماع، إلا إذا اعتقد أنه مباح أو يترتب
عليه ثواب كما عليه بعض الشيعة، أو اعتقد كفر الصحابة فإنه كافر بالاجماع، فإذا سب أحدا منهم
فينظر، فإن كان معه قرائن حالية على ما تقدم من الكفريات فكافر وإلا ففاسق، وإنما يقتل عند
علمائنا سياسة لدفع فسادهم وشرهم، وهذا في غير الغلاة من الروافض، وإلا فالغلاة منهم كفار
قطعا فيجب التفحص، فحيث ثبت أنه منهم قتل لأنهم زنادقة ملحدون، وعلى هؤلاء الفرقة الضالة
بحمل كلام العلماء الذين أفتوا بكفرهم وسبي ذراريهم، لأنهم لا ينفكون عن اعتقادهم الباطل في
حال إتيانهم بالشهادتين وغيرهما من أحكام الشرع كالصوم والصلاة فهم كفار لا مرتدون ولا أهل
كتاب اه‍. وإن أردت توضيح المقام فعليك به فإن فيه تمام المرام. وقد ذكر سيدي الوالد رحمه الله تعالى
أيضا نبذة من ذلك في باب المرتد فراجعها والسلام. قوله: (ممن تبرأ منهم) كالخوارج فإنهم من أهل
الأهواء غير المكفرة. قوله: (لأنه يعتقد دينا) قال في المنح: وفرقوا بأن إظهاره سفه لا يأتي به إلا
الاسقاط المستخفة وشهادة السخيف لا تقبل، ولا كذلك المتبرئ لأنه يعتقد دينا وإن كان على باطل
فلم يظهر فسقه. قوله: (شهد أن أباهما) مثل الابنين كل من لا تقبل شهادته للموكل. وأما حكم
الأجنبيين إذا شهدا بذلك بعد الدعوى فإنها تقبل قياسا واستحسانا. والقياس فيما ذكره أن لا تقبل
للتهمة ولكونها شهادة للشاهد لعود المنفعة إليه. قوله: (أوصى إليه) هذا إضمار قبل الذكر، والأولى
إظهاره بأن يقول أوصى إلى زيد، والمراد هنا جعله وصيا، يقال أوصى إليه: إذا جعله وصيا، أوصى
له بكذا: أي جعله موصى له. قوله: (فإن ادعاه) أي الايصاء المفهوم من أوصى، والمراد من قوله
ادعاه: أي رضي به.
قال في الحواشي السعدية: أي والوصي يرضى هكذا سنح للبال. ثم رأيت في شرح الجامع
الصغير لمولانا علاء الدين الأسود ما نصه: والمراد من الدعوى في قوله والوصي يدعي هو الرضا؟ إذ
الجواز لا يتوقف على الدعوى بل للقاضي أن يغصب وصيا إذا رضي هو به اه‍.
أقول: لكن الدعوى تستلزم الرضا بطريق ذكر الملزوم وإرادة اللازم. قاله الداماد. قوله:
(استحسانا) لأنه لم يثبت بهذه الشهادة شئ لم يكن للقاضي فعله، وإنما كان له نصب الوصي فاكتفى
بهذه الشهادة مؤنة التعيين، إذ لولا شهادتهما لكان القاضي يتأمل فيمن يتعين فيعين من ثبت صلاحيته

581
نظرا للميت وإن لم يوص لأنه نصب ناظرا لمصالح المسلمين، وحينئذ فإنه يكون وصي القاضي لا
وصي الميت كما حرره المقدسي.
قال في البحر ولا بد من كون الموت معروفا في هذه المسائل: أي ظاهرا إلا في مسألة غريمي
الميت فإنها تقبل وإن لم يكن الموت معروفا، لأنهما يقران على أنفسهما بثبوت ولاية القبض للمشهود
له، فانتفت التهمة وثبت موت رب الدين بإقرارهما في حقهما. وقيل: معنى الثبوت أمر القاضي إياهما
بالأداء إليه لا برأتهما عن الدين بهذا الأداء، لان استيفاءه منهما حق عليهما والبراءة حق لهما فلا
تقبل. كذا في الكافي اه‍ ملخصا. قوله: (كشهادة دائني الميت) أي لرجل بأنه وصي وكذا فيما بعد.
قوله: (والموصى لهما) بذلك بأن أباهما أوصى إلى فلان: أي أن الموصى لهما بشئ من المال شهدا أن
الميت أوصى إلى زيد يكون وصيا على أولاده. عيني. قوله: (ووصيه) أورد على هذه أن الميت إذا كان
له وصيان فالقاضي لا يحتاج إلى نصب آخر. وأجيب بأن يملكه لاقرارهما بالعجز عن القيام بأمور
الميت. كذا في البحر. قال ط: وفيه تأمل. قوله: (لثالث) أي لرجل ثالث متعلق بشهادة كقوله على
الايصاء: أي على أن الميت جعله وصيا، وهذا مرتبط بالمسائل الأربع لا بالأخيرة كما لا يخفى،
فافهم. ولا تنس ما قدمناه قريبا عن البحر من أنه لا بد من كون الموت معروفا في الكل: أي ظاهرا
إلا في الخ. قوله: (لا يملك إجبار أحد على قبول الوصية) ظاهر في أن الوصي من جهة القاضي كما
قدمناه خلافا لما في البحر.
أقول: وبيان هذه المسائل كما في الفتح: رجل ادعى أنه وصي فلان الميت فشهد بذلك اثنان
موصى لهما بمال أو وارثان لذلك الميت أو غريمان لهما على الميت دين أو للميت عليهما دين أو
وصيان فالشهادة جائزة استحسانا. والقياس أن لا تجوز لان شهادة هؤلاء تتضمن جلب نفع الشاهد،
أما الوارثان لقصدهما نصب من يتصرف لهما ويريحهما ويقوم بإحياء حقوقهما، والغريمان الدائنان
والموصى لهما لوجود من يستوفيان منه، والمديونان لوجود من يبرآن بالدفع إليه. والوصيان من يعنيهما
في التصرف في المال والمطالبة، وكل شهادة جرت نفعا لا تقبل.
وجه الاستحسان أنا لم نوجب بهذه الشهادة على القاضي شيئا لم يكن لا تقبل واجبا عليه، بل إنما
اعتبرناها على وزان القرعة لا يثبت بها شئ. ويجوز استعمالها لفائدة غير الاثبات كما جاز استعمالها
لتطييب القلب في السفر بإحدى نسائه ولدفع التهمة عن القاضي في تعيين الأنصباء، فكذا هذه
الشهادة في هذه الصور لم تثبت شيئا، وإنما اعتبرناها لفائدة إسقاط تعيين الوصي عن القاضي، فإن
للقاضي أو عليه إذا ثبت الموت ولا وصي أن ينصب وصيا، فلما شهد هؤلاء بوصاية هذا الرجل فقد
رضوه واعترفوا له بالأهلية الصالحة لذلك، فكفى القاضي لذلك مؤنة التفتيش على الصالح وعين هذا
الرجل بتلك الولاية لا بولاية أوجبتها الشهادة المذكورة، وكذلك وصيا الميت لما شهدا بالثالث، فقد
اعترفا بعجز شرعي منهما عن التصرف إلا أن يكون هو معهما، أو بعجز علمه الميت منهما حتى
أدخل معهما فينصب القاضي الآخر، وفي الصور كلها ثبوت الموت شرط لان القاضي لا يملك نصب
وصي قبل الموت، إلا في شهادة الغريمين المديونين فإنه لا يشترط في إثبات ذلك الوصي الذي شهدا
له ثبوت لأنهما مقران على أنفسهما بثبوت حق قبض الدين لهذا الرجل، فضررهما في ذلك أكثر من

582
نفعهما فتقبل شهادتهما بالوصية والموت جميعا، وهذا بخلاف المسألة الآتية: أعين مسألة ما لو شهدا أن
أباهما الغائب وكله بقبض ديونه الخ.
ورأيت سؤالا وجوابا أحببت ذكرهما هنا لمناسبة لا تخفى على الفطن النبيه، وهما من فتاوى مفتي
دمشق الشام محمود أفندي الحمزاوي حفظه الله تعالى. سئل عن صورة دعوى مضمونها في الوصي إذا
أثبت وصاية على تركه وحكم الحاكم بها ثم بعد ذلك أتى رجل آخر وادعى أن الميت أخرج الأول
وجعل ذلك وصيا محله فهل لا تسمع هذه الدعوى من الآخر لتضمنها إبطال القاضي الأول أم لا؟
أجاب بقوله: حيث أثبت المدعى عليه قبلا كونه وصيا شرعيا وقضى القاضي بصحة وصايته بوجهها
الشرعي فلا تسمع دعوى المدعي الآن ولا الشهادة بأن الميت أخرج المدعى عليه وجعل مورث موكلته
وصيا، لان في سماع مل هذه الدعوى والشهادة إبطال القضاء، والقضاء يصان عن الالغاء ما أمكن.
قال في شرح الزيادات للإمام محمد: شهد شاهدان أن الميت أوصى إلى هذا الرجل وقضى
القاضي بها ثم شهد آخران بالايصاء إلى رجل آخر لا تقبل لان فيه نقض القضاء الأول، وكذلك في
شرح الزيادات لقاضيخان حيث قال: وإن ذكر الشاهدان رجوعا من الوصية الأولى لا تقبل شهادتهما،
لان هذه الشهادة تضمنت إبطال القضاء انتهى. وكلاهما صريح في عدم صحة سماع الدعوى
والشهادة، والله تعالى أعلم بالصواب اه‍.
أقول: لكن يشكل على ذلك قولهم الدفع ودفع الدفع صحيح قبل القضاء وبعده على الصحيح،
ولعله مبني على القول المرجوح من أن الدفع بعد الحكم لا يقبل. تأمل. قوله: (كما لا تقبل الخ) هذا
إذا كان المطلوب يجحد الوكالة وإلا جازت الشهادة لأنه يجبر على دفع المال بإقراره بدون الشهادة، وإنما
قامت الشهادة لابراء المطلوب عند الدفع إلى الوكيل إذا حضر الطالب وأنكر الوكالة فكانت شهادة على
أبيهما فتقبل، وفرق بينها وبين من وكل رجل بالخصومة في دار بعينها وقبضها وشهد ابنا الموكل بذلك
لا تقبل، وإن أقر المطلوب بالوكالة لأنه لا يجبر على دفع الدار إلى الوكيل بحكم إقراره بل بالشهادة
فكانت لأبيهما فلا تقبل. بحر ملخصا عن المحيط. قوله: (أن أباهما) أشار إلى عدم قبول شهادة ابني
الوكيل بالأولى، والمراد عدم قبولها في الوكالة من كل من لا تقبل شهادته للموكل، وبه صرح في
البزازية. بحر. قوله: (الغائب) قيد به لأنه لو كان حاضرا لا يمكن الدعوى بها ليشهد، لان التوكيل
لا تسمع الدعوى به لأنه من العقود الجائزة، لكن يحتاج إلى بيان صورة شهادتهما في غيبته مع جحد
الوكيل لأنها لا تسمع إلا بعد الدعوى. ويمكن أن تصور بأن يدعي صاحب وديعة عليه بتسليم وديعة
الموكل في دفعها فيجحد فيشهدان به ويقبض ديون أبيهما، وإنما صورناه ذلك لان الوكيل لا يجبر
على فعل ما وكل به إلا في رد الوديعة ونحوها كما سيأتي فيها. بحر. ونظر في ذلك سيدي الوالد
رحمه الله تعالى بقوله: قوله تسليم وديعة الموكل في دفعها: أي التي وكله الغائب بدفعها لصاحبها،
وقوله فيشهدان به: أي بتسليم الوديعة الذي ادعاه المدعي، وقوله وبقبض ديون أبيهما لم تجر فيه
الدعوى فما معنى شهادتهما به مع أن المقصود جريانها فيه مع إجبار الوكيل ولا إجبار هنا، فتأمل.
قوله: (أو أنكر) صورته كما تقدمت عن البحر فإنها لا تقبل. قوله: (والفرق) إنما يحتاج إلى الفرق في
صورة الدعوى فيهما، وأما في صورة الانكار فالحكم متحد وقدم وجهه في الوصي، وهو أن القاضي
لا يملك إجباره على قبول الوصية ط.

583
أقول: ويمكن أن يقال للفرق: أي إذا لم يحضر الوكيل خصما ولم يحضر غير ابني الموكل لا
يملك القاضي نصب وكيل عن غائب. وأما إذا أحضر خصما وشهد غير ابني الموكل فالقاضي يثبت
الوكالة عن الغائب ويكون من قبيل الاثبات لا النصب. وأما شهادة ابني الموكل فلا تثبت الوكالة لعدم
كونها شهادة وللتهمة أيضا، إذ يمكن أن يتواضعا مع الوكيل على أخذ المال فيصير لنفعهما فلا تقبل
كما في شرح الملتقى للداماد. يؤيد ذلك ما سيأتي في الوصايا من قول الشارح: لان القاضي لا يملك
نصب الوكيل عن الحي بطلبهما اه‍. فانظر لقوله بطلبهما ولم يقل بشهادتهما، فإنه يشير إلى أنها غير
شهادة بل كناية عن الطلب، ويظهر لي القبول لو ادعى بكر الشراء من وكيل زيد المنكر واستشهد بابني
زيد على ذلك. قوله: (عن الغائب) لعدم الضرورة إليه لوجود رجاء حضوره إلا في المفقود كما في
البحر. قوله: (بخلاف الوصي) أي وصي القاضي وإنما يحتاج إلى هذا الفرق في صورة الدعوى، أما
في صورة الانكار فالحكم متحد، لان القاضي لا يملك إجباره على قبول الوصية كما قدمناه قريبا.
قوله: (أي وصي الميت) في بعض النسخ أو بدل أي. قوله: (بحق للميت) أو لليتيم، واحترز
بذلك عن شهادته بدين عليه فإنها تقبل كما في الهندية. قوله: (بعد ما عزله القاضي) وكذا قبله
بالأولى، فكان الأولى أن يقول ولو بعد ودلت المسألة على أن القاضي إذا عزل الوصي ينعزل.
بزازية.
ويمكن أن يقال: عزله بجنحة. سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قال في الخانية: ليس لقاض أن
يخرج الوصي من الوصاية ولا يدخل غيره معه، فإن ظهرت منه خيانة أو كان فاسقا معروفا بالشر
أخرجه أو نصب غيره معه وإن كان ثقة إلا أنه ضعيف عاجز عن التصرف أدخل غيره معه. قوله: (أو
بعد ما أدركت) أي بغلت. قوله: (في ماله أو غيره) أي في ماله الذي تحت يده أو غيره. قال بعضهم
أو غيره: أي كمال إذا شهد أن طلب الشفعة أو أن فلانا أبرأه من كذا، وحمل بعضهم معنى قوله: أو
غيره على نحو النسب.
وفي معين المفتي: شهد الوصي بدين للميت والورثة صغار أو بعضهم لا تقبل، ولو كانوا كبارا
جازت. ولو شهد على الميت بدين جازت على كل حال.
وفي المنح: ولو شهد لكبير على أجنبي تقبل في ظاهر الرواية. ولو شهد للوارث الكبير
والصغير في غير ميراث لا تقبل اه‍. ويمكن حمل أو غيره على هذا فيكون معطوفا على الميت. قوله:
(لحلول الوصي محل الميت) هذا لا يظهر إلا إذا بقيت وصايته، أما إذا عزل عنها فلا يظهر إلا باعتبار
ما كان ط. قوله: (فكان كالميت نفسه) أي فكأنه شهد لنفسه. قوله: (ولو شهد الوكيل الخ) أصل
المسألة في البزازية حيث قال: وكله بطلب ألف قبل فلان والخصوم فخاصم عند غير القاضي ثم عزل
الوكيل قبل الخصومة في مجلس القضاء ثم شهد الوكيل بهذا المال لموكله يجوز. وقال الثاني: لا يجوز

584
بناء على أن نفس الوكيل قام مقام الموكل اه‍. فالمراد هنا أنه خاصم فيما وكل به، فإن خاصم في غيره
ففيه تفصيل أشار إليه الشارح فيما يأتي، وكأن العبارة مجملة وتفصيلها في الهندية، فإنه قال فيها:
وشهادة الوكيل للموكل بعد العزل إن خاصم لا تقبل، وإن لم يخاصم تقبل، وهو قول أبي حنيفة
ومحمد رحمهما الله تعالى. كذا في الذخيرة، ولو وكله بكل حق قبل فلان بحضرة القاضي فخاصمه في
ألف فعزل: فإن شهد بذلك الألف ردت، وإن شهد بمال آخر لم ترد، وإن لم يعلم القاضي بوكالته
وأنكر فلان وكالته وأثبتها بالبينة ثم عزله وشهد ردت شهادته للموكل في كل حق قائم وقت التوكيل،
إلا إذا شهد بحق حادث بعد تاريخ الوكالة فحينئذ تقبل كما في الكافي. قوله: (اتفاقا للتهمة) أي
تهمة تصديق نفسه فيما خاصم فيه. قوله: (وإلا قبلت لعدمها) لان الموكل حي وهو قائم في حق نفسه
دون الوكيل، وللوكيل أن يخرج نفسه متى شاء من الوكالة وهو يفعل من ذلك ما أمره به الموكل، فإذا
عزل قبل الخصومة لم يلحقه تهمة فيما شهد به فقبلت شهادته اه‍. منح. قوله: (فجعله كالوصي) فلا
تقبل شهادته مطلقا بناء على أن عنده بمجرد قبول الوكالة يصير خصما وإن لم يخاصم، ولهذا لو أقر
على موكله في غير مجلس القضاء نفذ إقراره عليه. وعندهما: لا يصير خصما بمجرد القبول ولهذا لا
ينفذ إقراره. ذخيرة ملخصا.
أقول: وقد بسط المسألة في التتارخانية في الفصل السابع فقال: أما شهادة الوكيل فنقول:
الوكيل خاص وعام، أما الخاص وهو إذا وكله بطلب ألف درهم قبل رجل معين والخصومة فيها إذا
خاصمه عند غير القاضي ثم عزله الموكل قبل الخصومة عند القاضي ثم شهد بهذا الألف لموكله جازت
شهادته، وعند أبي يوسف: لا يجوز بناء على أن عنده بنفس الوكالة قام مقام الموكل، فلو أن القاضي
جعله خصما ثم أخرجه الموكل من الوكالة فشهد بعد ذلك بحق قد كان له يوم وكله أو حدث له بعد
ذلك قبل أن يخرجه من الوكالة لم تجز شهادته جعله وكيلا فيما يحدث. والمسألة محفوظة أنه لو وكله
بالخصومة في كل حق له وقبضه على رجل معين فإنه لا يتناول ما حديث. أما إذا وكله بطلب كل حق
له قبل الناس أجمعين بالخصومة ينصرف إلى الحقوق القائمة، وما يحدث استحسانا فيحمل ما ذكرنا على
الوكالة العامة إذا خاصم هذا الوكيل المطلوب في ألف درهم للموكل عليه فأخرجه الموكل من الوكالة
ثم شهد له بألف دينار لا تقبل شهادته له أو شهد الوكالة العامة، وما تقدم لأنه لو لم تكن عامة تقبل
في الدنانير، وإنما لا تقبل في الدنانير إذا كانت واجبة عليه قبل الاخراج. وأما إذا شهد بدنانير
وجبت عليه بعد العزل تقبل شهادته. وأما العامة لو وكل رجل رجلا بالخصومة في كل حق له وقبضه
جاز لا مؤقتة: يعني قبل الناس مطلقا أو في معين فقدم رجلا وأقام عليه البينة وجعله القاضي خصما
ثم أخرج الموكل من الوكالة لم تجز شهادته له على هذا الرجل ولا على غيره ممن كان للموكل عليه حق
من يوم وكله ولا ما حدث على الناس بعد ذلك يوم أخرجه من الوكالة اه‍ ما رأيته في النسخة التي
حصلت في يدي وهي محرفة، فلتراجع نسخة أخرى. قوله: (وهذان الأصلان متفق عليهما) قدمنا آنفا
أن أبا يوسف لم يجوز شهادة الوكيل خاصم أو لا، ففي هذا الاتفاق نظر، لان أبا يوسف جعل الوكيل

585
كالوصي وإن لم يخاصم مع أنه بعرضية أن يخاصم. قوله: (وتمامه فيه) أي في الزيلعي. وعبارته بعد
قوله متفق عليهما: غير أنهما يجعلان أهل المحلة مما له عرضية أن يصير خصما وهو يجعلهم ممن
انتصب خصما، وعلى هذين الأصلين يتخرج كثير من المسائل، فمن جنس الأول الوكيل بالخصومة إذا
خاصم عند الحاكم ثم عزل لا تقبل شهادته، والشفيع إذا طلب الشفعة ثم تركها لا تقبل شهادته
بالبيع، ومن جنس الثاني أن الوكيل إذا لم يخاصم والشفيع إذا لم يطلب وشهدا تقبل شهادتهما، ولو
ادعى الولي على رجل بعينه من أهل المحلة فشهد شاهدان من أهلها عليه لم تقبل شهادتهما عليه، لان
الخصومة قائمة مع الكل والشاهد يقطعها عن نفسه فكان متهما، إلا رواية عن أبي يوسف ذكرناها من
قبل اه‍. قوله: (ثم عزله) أي الموكل قبل الخصومة عند القاضي. قوله: (عندهما) أي خلافا للثاني،
فإنه كالوصي عنده كما قدمناه قريبا، كما لو شهد في غير ما وكل به أو عليه. قوله: (أو عليه) عطف
على في غير ما وكل به: أي شهد على موكله.
وفي شرح تحفة الاقران: الوكيل بقبض الدين تجوز شهادته بالدين، ثم قال الكفيل بنفس المدعى
عليه إن شهد أن المدعى عليه قضى المال الذي كانت الكفالة لأجله هل تقبل شهادته؟ اختلف المشايخ.
سائحاني. قوله: (وفي البزازية) بيان لقوله في غير ما وكل فيه. قوله: (عند القاضي) متعلق بقوله
وكله لا بالخصومة. قوله: (بألف درهم) متعلق بخاصم. قوله: (مائة دينار) أي مال غير الموكل به،
بخلاف ما مر. قوله: (تقبل) لأنه مال آخر لان المائة دينار مال آخر غير الذي خاصم فيه أو لا.
قوله: (وخاصم) أي فإنها لا تقبل مطلقا، وذلك بأن أنكر المدعى عليه وكالته فأثبتها بالبينة ثم عزل
وشهد ردت شهادته للموكل في حق كل قائم وقت التوكيل، إلا إذا شهد بحق حادث بعد تاريخ
الوكالة فحينئذ تقبل، وقد نقلناه عن الكافي.
وقد أوضح المقام في جامع الفتاوى: فقال: ولو وكل بغير محضر القاضي فخاصم المطلوب
بألف درهم وأقام البينة على الوكالة ثم عزله الموكل فشهد له على المطلوب بعد الوكالة لم تجز شهادته،
لأنه لما اتصل القضاء بالوكالة صار الوكيل خصما في جميع حقوق الموكل، فإذا شهد بالدنانير فقد شهد
بما هو خصم فيه، أما إذا وكله عند القاضي فلا يحتاج لاثباتها للعلم، ومع ذلك فعلم القاضي بها ليس
بقضاء فلم يصر خصما في غير ما وكل به وهو الدراهم فيجوز شهادته بعد العزل في حق آخر اه‍.
وسنوضحه في القولة الآتية بأوضح من هذا. قوله: (وتمامه فيها) حيث قال: بخلاف ما لو وكله عند
غير القاضي وخاصم المطلوب بألف وبرهن على الوكالة ثم عزله الموكل عنها فشهد له على المطلوب
بمائة دينار، فما كان للموكل على المطلوب بعد القضاء بالوكالة لا يقبل، لان الوكالة لما اتصل بها
القضاء صار الوكيل خصما في حقوق الموكل على غرمائه فشهادته بعد العزل بالدنانير شهادة الخصم
فلا تقبل، بخلاف الأول لان علم القاضي بوكالته ليس بقضاء، فلم يصر خصما في غير ما وكل به

586
وهو الدراهم فتجوز شهادته بعد العزل في حق آخر اه‍. بزيادة من الذي قدمناه عن الجامع. وزاد في
الذخيرة: لا أن يشهد بمال حادث بعد تاريخ الوكالة فحينئذ تقبل شهادتهما عنده اه‍. ولهذا قال في
البزازية بعد ما مر: وهذا غير مستقيم فيما يحدث، لان الرواية محفوظة فيما إذا وكله بالخصومة في كل
حق له وقبضه على رجل معين أنه لا يتناول الحادث، أما إذا كان وكله بطلب كل حق له قبل الناس
أجمعين فالخصومة تنصرف إلى الحادث أيضا استحسانا، فإذن تحمل المذكورة على الوكالة العامة.
ثم قال: والحاصل أنه في الوكالة العامة بعد الخصومة لا تقبل شهادته لموكله على المطلوب ولا
على غيره في القائمة ولا في الحادثة إلا في الواجب بعد العزل اه‍. يعني وأما في الخاصة فلا تقبل
فيما كان له على المطلوب قبل الوكالة وتقبل في الحادث بعدها أو بعد العزل، وإنما جاء عدم الاستقامة
من التقييد بقوله مما كان للموكل على المطلوب بعد القضاء بالوكالة، ولذا لم يقيد بذلك في الذخيرة بل
صرح بعده بأن الحادث تقبل فيه كما قدمناه، فاغتنم هذا التحرير الفريد الذي حرره سيدي الوالد رحمه
الله تعالى.
أقول: والذي يظهر لي أن هذا كله على قول أبي يوسف، وإلا ناقض الكلام بعضه. تأمل.
قوله: (كما قبلت شهادة اثنين بدين على الميت لرجلين الخ) قال عطاء الله أفندي في فتاويه: شهد
رجلان لرجلين على الميت بألف درهم شهم المشهود لهما للشاهدين على الميت بألف درهم فالشهادة
باطلة. وذكر في الجامع الصغير والجامع الكبير أن الشهادة جائزة. وروى صاحب الكتاب رواية ثالثة
عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنهم إن جاؤوا جميعا وشهدوا فالشهادة باطلة، وإن شهد اثنان لاثنين
قبلت شهادتهما ثم ادعى الشاهدان بعد ذلك على الميت بألف درهم فشهد لهما الغريمان الأولان
فشهادتهما جائزة، فصار في المسألة ثلاث روايات.
وجه ما ذكر ها هنا أن الدين إذا ثبت على الميت حل في التركة فتصير التركة مشتركة بين
الغرماء. فما يقبض أحد الشريكين حل للآخر مشاركته فيه، فصار كل فريق شاهدا على شئ لهما
فيه.
وجه رواية الجامعين أن الشهادة لهما إنما كانت على الميت بالدين والدين ثبت في ذمة الميت ثم
يتحول إلى التركة لا تحول القرار، فإن الوارث لو أراد أن يقضي الدين من ماله وتتخلص التركة لنفسه
له ذلك فيصير كأنهم شهدوا عليه في حياته.
وجه رواية الحسن: أنهم إذا جاؤوا معا كان ذلك معنى المعاوضة فتفاحش التهمة، ثم استدل في
الكتاب للرواية الأولى بدلائل على كيفية الشركة، فقال: ألا ترى أن الميت لو لم يترك الألف درهم
فإنهم يتحاصون فيها فتكون بينهم، وألا ترى لو أن أحد الفريقين حضروا فأعطاهم القاضي نصف
الألف ثم ضاع النصف الآخر ثم جاء الغريم الآخر له أن يشاركهم فيما قبضوا، فيدل هذا على أن
التركة مشتركة بينهم. كذا في أدب القاضي.
أقول: وقيد بالدين لأنه لو كان المشهود عليه حيا تقبل اتفاقا كما في الكافي،
وتمام الكلام على ذلك موضح في التتارخانية فراجعه. قوله: (وهي) أي الذمة. قوله: (له) أي

587
للشاهد. قوله: (في ذلك) أي فيما في الذمة، وإنما تثبت الشركة في المقبوض بعد القبض. ووجه
قول أبي يوسف بعدم القبول أن أحد الفريقين إذا قبض شيئا من التركة بدينه شاركه الفريق الآخر فصار
كل شاهدا لنفسه كما ذكرناه آنفا. قوله: (بخلاف الوصية بغير عين) كما لو شهد كل فريق للآخر بأن
الميت أوصى له بالثلث فإنها لا تقبل اتفاقا، لان حقهم في التركة وهو الثلث وهو مقسوم بينهما فهي
شهادة في مشترك بينهم وهو حق شائع في جميع المال، فكانت شهادة الشريك لشريكه وهو لا يصح،
بخلاف شهادة اثنين أن الميت أوصى بهذا المعين لهذين الشخصين ثم شهد المشهود لهما للشاهدين
بمعين آخر فإنه لا شركة في ذلك لان كلا شهد بعين أخرى فلم يبقوا شركاء، فافهم. قوله: (على
أجنبي) الظاهر أنه غير قيد. تأمل. ذكره سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله: (في ظاهر الرواية) لعدم
التهمة. قوله: (بالغ) احترز به عن الصبي فإن شهادته له لا تقبل للتهمة. قوله: (ولو شهدا في ماله)
بأن شهدا للكبير بشئ على الميت. قوله: (ولو لصغير) أو لصغير وكبير جميعا على أجنبي كما في
الهندية. قوله: (وسيجئ في الوصايا) حاصله أنه لو شهد الوصيان لكبير بمال الميت لا تقبل
شهادتهما، لأنهما يثبتان ولاية الحفظ وولاية بيع المنقول لأنفسهما عند غيبة الوارث، بخلاف شهادتهما
للكبير في غير التركة لعدم التهمة، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقالا: إذا شهد الوارث كبير
يجوز في الوجهين، لا ولاية التصرف لا تثبت لهما في مال الميت إذا كانت الورثة كبارا. أفاده
العيني. وهذا التفصيل لم يذكره فيما يأتي. قوله: (على جرح بالفتح) أي فتح الجيم لغة من جرحه
بلسانه جرحا: عابه ونقصه، ومنه جرحت الشاهد: إذا أظهرت فيه ما ترد به شهادته. كذا في
المصباح. وفي الاصطلاح: إظهار فسق الشاهد، فإن لم يتضمن ذلك إثبات حق لله تعالى أو للعبد فهو
جرح مجرد. وإن تضمن إثبات حق الله تعالى أو للعبد فهو غير مجرد، والأول هو المراد من إطلاقه كما
أفصح به في الكافي وهو غير مقبول، مثل أن يشهدوا أن شهود المدعي فسقة أو زناة أو أكلة ربا إلى
آخر ما يذكره المصنف، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. وأما الثاني: أعني غير المجرد فهو كما لو
أقام المدعى عليه البينة أنهم زنوا ووصفوا الزنا أو شربوا الخمر أو سرقوا مني كذا ولم يتقادم العهد إلى
آخر ما يذكره المصنف أيضا. قوله: (أي فسق) هذا المعنى لا يوافق واحدا مما ذكرنا من تفسير الجرح،
إلا أن يكون بتقدير مضاف: أي إظهار فسق. قوله: (مجرد عن إثبات حق الله تعالى الخ) في
القهستاني: المجرد ما لم يترتب عليه ما يترتب على الجرح من رفع الخصومة عن المشهود عليه عن إثبات
حق لله تعالى كالحد، فلا يدخل التعزير لأنه يدفعه بالتوبة، لان التعزير إذا كان حقا لله تعالى يسقط
بالتوبة، بخلاف الحد فإنه لا يسقط بها، ويدل عليه أنهم مثلوا للمجرد بأكل الربا مع أنه يوجب التعزير
فتعين إرادة الحدود اه‍. بحر. وفيه من باب التعزير: قال له يا فاسق ثم أراد أن يثبت بالبينة فسقه
ليدفع التعزير عن نفسه لا تسمع بينته، لان الشهادة على مجرد الجرح والفسق لا تقبل، بخلاف ما إذا
قال يا زاني ثم أثبت زناه بالبينة تقبل لأنه متعلق الحد، ولو أراد إثبات فسقه ضمنا لما تصح فيه

588
الخصومة كجرح الشهود إذا قال رشوته بكذا فعليه رده تقبل البينة، كذا هذا اه‍. وهذا إذا شهدوا على
فسقه ولم يبينوه... وأما إذا بينوه بما يتضمن إثبات حق لله تعالى أو للعبد فإنها تقبل كما إذا قال له يا
فاسق فلما رفع إلى القاضي ادعى أنه رآه قبل أجنبية أو عانقها أو خلا بها ونحو ذلك ثم أقام رجلين
شهدا أنهما رأياه فعل ذلك فلا شك في قبولها وسقوط التعزير عن القاتل، لأنها تضمنت إثبات حق لله
تعالى وهو التعزير على الفاعل، لان الحق لله تعالى لا يختص بالحد بل أعم منه ومن التعزير، وكذلك
يجري هذا في جرح الشاهد بمثله وإقامة البينة عليه، وينبغي على هذا القاضي أن يسأل الشاتم عن
سبب فسقه، فإن بين سببا شرعيا طلب منه إقامة البينة عليه، وينبغي أنه إن بين أن سببه بترك
الاشتغال بالعلم مع الحاجة إليه أن يكون صحيحا، وفي مثل هذا لا يطلب منه البينة بلا يسأل المقول
له عن الفرائض التي يفترض عليه معرفتها، فإن لم يعرفها ثبت فسقه فلا شئ على القائل له يا فاسق،
لما صرح به في المجتبى من أن من ترك الاشتغال بالفقه لا تقبل شهادته اه‍.
أقول: أما قوله فلا شك في قبولها الخ، فإنه يأتي قريبا من الجرح المجرد الذي لا يقبل لو
شهدوا على شهود المدعي بأنهم فسقة أو زناة أو أكلة الربا أو شربة الخمر أو على إقرارهم أنهم شهدوا
بزور وأنهم أجراء في هذه الشهادة إلى آخر ما يأتي، ولا يخفى أن إقرارهم بشهادة الزور موجب للتعزير
كما نذكر تمامه قريبا إن شاء الله تعالى، فتأمل. قوله: (فإن تضمنته) أي ما ذكر من حق الله تعالى أو
العبد كما يأتي في المركب. قوله: (وإلا لا تقبل) لا حاجة إليه لأنه نفس المتن فهو تكرار. قوله: (بعد
التعديل) ذكر في البحر: أن هذا التفصيل فيما إذا ادعاه الخصم وبرهن عليه
جهرا، أما إذا أخبر
القاضي به سرا وكان مجردا طلب منه البرهان عليه جهرا، فإذا برهن عليه سرا أبطل الشهادة لتعارض
الجرح والتعديل فيقدم الجرح، فإذا قال الخصم للقاضي سرا إن الشاهد أكل ربا وبرهن عليه رد
شهادته، كما أفاده في الكافي اه‍. ووجهه أنه لو كان البرهان جهرا لا يقبل على الجرح المجرد لفسق
الشهود به بإظهار الفاحشة، بخلاف ما إذا شهدوا سرا كما بسطه في البحر.
وحاصله: أنها تقبل على الجرح ولو مجردا أو بعد التعديل لو شهدوا به سرا، وبه يظهر أنه لا بد
من التقييد لقول المصنف لا تقبل بعد التعديل بما إذا كان جهرا، وظاهر كلام الكافي أن الخصم لا
يضره الاعلان بالجرح المجرد كما في البحر: أي لأنه إذا لم يثبته بالشهود سرا وفسق بإظهار الفاحشة لا
يسقط حقه، بخلاف الشهود فإنها تسقط شهادتهم بفسقهم بذلك، وكذا يقبل عند سؤال القاضي.
قال في البحر أول الباب المار: وقد ظهر من إطلاق كلامهم هنا أن الجرح يقدم على التعديل
سواء كان مجردا أو لا عند سؤال القاضي عن الشاهد، والتفصيل الآتي من أنه إن كان مجردا لا تسمع
البينة به أولا فتسمع إنما هو عند طعن الخصم في الشاهد علانية اه‍. هذا وقد مر قبل هذا الباب أنه
لا يسأل عن الشاهد بلا طعن من الخصم، وعندهما يسأل مطلقا، والفتوى على قولهما من عدم
الاكتفاء بظاهر العدالة، وحينئذ فكيف يصح القول برد الشهادة على الجرح المجرد قبل التعديل؟
وأجاب السائحاني بأن من قال تقبل أراد أنه لا يكفي حينئذ ظاهر العدالة، ومن قال ترد أراد أن
التعديل لو كان ثابتا أو أثبت بعد ذلك لا يعارضه الجرح المجرد فلا تبطل العدالة ا ه‍. ويشير إلى هذا
قول ابن الكمال: فإن قلت: أليس الخبر عن فسق الشهود قبل إقامة البينة على عدالتهم يمنع القاضي
عن قبول شهادتهم والحكم بها؟

589
قلت: نعم، لكن ذلك للطعن في عدالتهم لا لثبوت أمر يسقطهم عن حيز القبول، ولذا لو
عدلوا بعد هذا تقبل شهادتهم، ولو كانت الشهادة على فسقهم مقبولة لسقطوا عن حيز الشهادة ولم يبق
لهم مجال التعديل ا ه‍. وهذا معنى كلام القهستاني. وكذلك صدر الشريعة ومنلا خسرو يرجع إلى ما
ذكره ابن الكمال كما يأتي توضيحه قريبا.
والحاصل: أن البينة القاضية على الجرح المجرد غير مقبولة إلا أنها تورث شبهة فلذلك لا يكون
للقاضي أن يقضي ما لم تزك الشهود، وأن الذي ذكره في البحر عن الكافي لا ينافيه ما بعده، فإن الرد
كان لسؤال القاضي عن الشهود لا لمجرد دعوى الخصم إذ هي غير مسموعة، وبالله تعالى التوفيق.
قوله: (ولو قبله قبلت) أي من حيث كونها طعنا في العدالة حتى يمنع القاضي عن قبول شهادتهم
والحكم بها حتى يعدلوا، فإذا عدلوا بعد هذا الطعن تقبل شهادتهم، وليس المراد أن هذا الطعن أثبت
أمرا فيهم يسقطهم عن حيز القبول ولو عدلوا، وهذا ما قاله ابن الكمال، وهو لا ينافي ما ذكره
صاحب الدرر من قبولها قبل التعديل على الجرح المجرد، فإنه وإن قال بذلك يقول إنهم لو عدلوا بعده
تقبل شهادتهم، فرجع الخلاف لفظيا.
والذي ذكره الواني مجيبا به عن ابن الكمال حاصله: أن مراده أن الشهادة بالفسق المجرد ليست
شهادة حقيقية سواء كانت قبل التعديل أو بعده، بل هو إخبار محض بدليل قبول خبر الواحد: أي قبل
التعديل، فإذا لم تكن شهادة لا يكون مما نحن فيه، لان الباب معقود لمن تقبل شهادته ومن لا تقبل إلا
في الأعم، فقول ابن الكمال لا تعتبر: أي لا تعد شهادة ولو قبل التعديل ا ه‍. إذ لو عدت شهادة لما
قبلت شهادة المطعون فيهم به إذا عدلوا، وأنت ترى أن هذا راجع إلى ما ذكرناه أولا اه‍. ط.
أقول: وأنت إذا حققت النظر يظهر لك عدم المخالفة بين كلامهم جميعا كما تقدم، فكلام
السراج محتمل لقبولها على المجرد قبل التعديل. نعم ظاهره عدم القبول، والمراد به أنها لا تثبت أمرا
يسقطهم عن حيز القبول، أما ثبوت الطعن بها وعدم الحكم بشهادة المجروحين ما لم يعدلوا فلا كلام
فيه، وهذا ما قاله صدر الشريعة في شرح الوقاية، وهو ما حققه منلا خسرو أيضا من أنها أفادت
الدفع: أي عدم العمل بتلك قبل التعديل ولذا استوضح عليه بقبول خبر الواحد.
وحاصله: تسليم إفادتها مجرد الطعن لا إثبات فسق الشاهدين الرافع لقبول ما لم تمض مدة يظهر
فيها حسن حالهما ويعدلوا بعدها، وهذا أيضا معنى قول القهستاني: لا يلتفت إلى هذه الشهادة: أي
لا يثبت بها فسقهم فتدبره. قوله: (وذكر وجهه) أي منلا خسرو في الدرر حيث قاله جوابا عن سؤال
حاصله: لماذا قبل خبر الواحد قبل التعديل وإن كان بمجرد ولم يقبل بعد التعديل إلا نصاب شهادة ولا
بد أن يكون غير مجرد ما نصه:
أقول: تحقيقه أن جرح الشاهد قبل التعديل دفع للشهادة قبل ثبوتها وهي من باب الديانات،
ولذا قبل فيه خبر الواحد، وبعد التعديل رفع الشهادة بعد ثبوتها حتى وجب على القاضي العمل بها إذا
لم يوجد الجرح المعتبر. ومن القواعد المقررة أن الدفع أسهل من الرفع، وهو السر في كون الجرح

590
المجرد مقبولا قبل التعديل ولو من واحد وغير مقبول بعده، بل يحتاج إلى نصاب الشهادة وإثبات حق
الشرع أو العبد ا ه‍. وهذا لا ينافي قبول شهادة المطعون فيهم بالجرح المجرد إذا عدلوا، لان هذا
الطعن ليس شهادة عليهم أخرجتهم عن حيز القبول وهو ما أراده ابن الكمال ط. قوله: (وأطلق ابن
الكمال ردها) أي رد شهادة الطاعن بالفسق المجرد ولو قبل التعديل: أي فلم يعتبرها: أي على أنها
شهادة مخرجة للمطعون فيه بالمجرد عن حيز القبول، ويدل على أن هذا مراده ما ذكره من السؤال
والجواب بقوله. فإن قلت: أليس الخبر عن فسق الشهود قبل إقامة البينة على عدالتهم يمنع القاضي
عن قبول شهادتهم والحكم بها؟
قلت: نعم، لكن ذلك للطعن في عدالتهم لا لثبوت أمر يسقطهم عن حيز القبول، ولذا لو
عدلوا بعد هذا تقبل شهادتهم، ولو كانت الشهادة على فسقهم مقبولة لسقطوا عن حيز الشهادة ولم يبق
لهم مجال التعديل ا ه‍. قوله: (وذكر وجهه) حيث قال: إنما لا تقبل البينة على الجرح المجرد لأنه لا
يدخل تحت الحكم، والبينة إنما تقبل فيما يدخل تحت الحكم، وفي وسع القاضي إلزامه، وهذا لا
يختلف بكونه قبل إقامة البينة على العدالة وكونه بعدها. قوله: (وفيه) أي كلام النقاية حيث جعل عدم
قول التفسيق المجرد في الشاهد المعدل، وهو يفيد أنه يقبل في غير المعدل. قوله: (لم يلتفت لهذه
الشهادة) الأولى لا يلتفت: أي لا يعتبرها على أنها شهادة مسقطة لشهادة الشهود ولو عدلوا، بل تمنعه
عن الحكم إلى أن يعدلوا، فإذا عدلوا قبل شهادتهم، فآل إلى الكلام السابق. قوله: (ولكن يزكي الخ)
ولو كانت شهادة مقبولة لما طلب التزكية بعدها.
أقول: أعلم أن القهستاني نقل أولا عن مصنف متنه أن القضاء قبل التعديل لا يجوز، فكيف إذا
وجد الجرح، فنظر في هذا بقوله: وفيه أن القاضي الخ.
وأقول: الذي يؤخذ من المذهب وإليه ترجع هذه العبارات بالعناية أن مذهب الامام أن ظاهر
العدالة يجوز الحكم قبل ثبوت حقيقتها إن لم يطلب الخصم التعديل. وقالا: لا بد من حقيقتها مطلقا،
ومن البين أن الجرح المجرد أقل ما هناك ينبئ عن طلب التعديل فحينئذ لا بد من التعديل باتفاق،
فمن قال قبلت شهادته مراده أنه لا يكفي حينئذ ظاهر العدالة، ومن قال ردت مراده أن التعديل لو
كان ثابتا أو أثبت بعد ذلك لا يعارضه الجرح المجرد فلا يبطل العدالة كالجرح الغير المجرد كما قدمناه
قريبا. قوله: (وجعله البرجندي) أي جعل قبول الشهادة إذا عدلوا على قولهما الخ. قد علمت أنه لا
حاجة إلى ذلك وأن الخلاف لفظي.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: والمتبادر منه رجوعه إلى قوله: لكن يزكي الشهود سرا وعلنا.
أما على قول الإمام فيكتفي بالتزكية علنا كما نقدم، وهذا محله ما إذا لم يطعن الخصم، أما إذا طعن كما
هنا فلا اختلاف بل هو على قول الكل من أنهم يزكون سرا وعلنا، فتأمل وراجع. ولعل هذا هو وجه
أمر الشارح بقوله فتنبه، والظاهر أن الضمير راجع إلى الاطلاق المفهوم من قوله وأطلق الكمال ا ه‍.
وهذا أولى مما ذكره بعض الأفاضل بقوله: وجعله البرجندي على قولهما: يعني إنما يحتاج إلى تزكية

591
الشهود سرا وعلنا لو جرحوا قبل التعديل إنما هو قول الامامين المشترطين لذلك لجواز القضاء بشهادة
الشهود لا على قول الإمام القائل أن القاضي يكتفي بظاهر العدالة، كما تقدم بيان الخلاف بينهم فجعل
وجود هذا الجرح كعدمه، فلا يصح قول صدر الشريعة: قبلت الشهادة قبل الجرح لأنه لا معنى لقبولها
إلا الحكم لها، ولو حكم بفسقهم بهذه الشهادة لم يصح تزكيتهم بعدها كما قاله ابن الكمال، ولم يجز
الحكم بشهادتهم على قول أحد من أئمتنا فيخالف ما قاله البرجندي، فمن قال: إن الخلف هنا لفظي فمن
عدم علمه بما يقول كما هو عادته ا ه‍. لأنا نقول: إعمال الكلام أولى من إهماله. ثانيا: لما علمت من
إرجاع الأقوال لبعضهم وعدم المخالفة بين كلامهم جميعا، فارجع إلى ما قدمناه وعض عليه بالنواجذ.
قوله: (على الجرح المجرد) الأولى الاتيان بالباء بدل على وفي نسخة المفرد ولا حاجة إليه، بل زيادة
محضة لان الكلام في التمثيل له. قوله: (بأنهم فسقة الخ) إنما لم تقبل لان البينة إنما تقبل على ما يدخل
تحت الحكم وفي وسع القاضي إلزامه، والفسق مما لا يدخل تحت الحكم، وليس في وسع القاضي
إلزامه لأنه يدفعه بالتوبة، ولأن الشاهد صار بهذه الشهادة فاسقا لان فيها إشاعة الفاحشة بلا ضرورة
وهي حرام بالنص. والمشهود به لا يثبت بشهادة الفاسق ولا يقال فيه ضرورة، وهي كف الظالم عن
الظلم بأداء الشهادة الكاذبة، وقال قال عليه الصلاة والسلام: انصر أخاك ظالما أو مظلوما لأنه لا
ضرورة إلى هذه الشهادة على ملا من الناس، ويمكنه كفه عن الظلم بإخبار القاضي بذلك سرا. بحر.
وفي القنية من الحدود: ولو قال له: يا فاسق ثم أراد أن يثبت فسقه لا تقبل. قوله: (أو زناة) أي عادتهم
الزنا أو أكل الربا أو الشرب، وفي هذا لا يثبت الحد، بخلاف ما يأتي من أنهم زنوا أو سرقوا مني الخ
لأنها شهادة على فعل خاص موجب للحد، هكذا ظهر لسيدي الوالد رحمه الله تعالى. قال ط: وهو في
لأول محمول على ما إذا كان السبب متقادما، وفي الثاني على غير المتقادم، والتقادم بزوال
الريح في غيره بشهر.
قال المقدسي: ويمكن أن يفرق بما هو أظهر من ذلك بأن قولهم شربة أو زناة أو أكلة ربا اسم
فاعل، وهو قد يكون بمعنى الاستقبال فلا يقطع بوصفهم بما ذكر، بخلاف الماضي من قولهم شربوا
أو زنوا أو نحوه ا ه‍ بتصرف. وهذا هو المتبادر من تخصيصهم في التمثيل للأول باسم الفاعل وللثاني
بالماضي، فالظاهر أنه هو المراد. والله تعالى أعلم. وفي الكلام الآتي ما يفيد أنهم قالوا زنوا ووصفوه أو
سرقوا مني كذا وبينه أو شربة خمر ولم يتقادم العهد ا ه‍، فيحمل ما هنا على أنهم لم يقولوا ذلك ا ه‍.
قال الكمال: قد وقع في صور عدم القبول أن يشهدوا بأنهم فسقة أو زناة أو شربة الخمر، وفي صور
القبول أن يشهدوا بأنه شرب أو زنى، لأنه ليس جرحا مجردا لتضمنه دعوى حق الله تعالى وهو الحد
ويحتاج إلى جمع وتأويل ا ه‍.
قال في الشرنبلالية: قلت وبالله التوفيق: الجمع بينهما والتأويل بما ذكره الزيلعي أن الشاهد إذا
أطلق في أنه زنى أو شرب الخمر أو سرق ولم يبين وقته لا تقبل للتقادم، فيحمل ما في صور الجرح
على هذا، وإن بينه ولم يكن متقادما يقبل وعليه يحمل ما في صور القبول وهذه عبارته، وما ذكره
الخصاف أن الشهادة على الجرح المجرد مقبولة، تأويله إذا أقامها على إقرار المدعي بذلك أو على
التزكية، وعلى هذا ما ذكره في الكافي وغيره من أن الشهود لو شهدوا أن الشهود زناة أو شربة خمر لم
تقبل، وإن شهدوا أنهم زنوا أو شربوا الخمر أو سرقوا تقبل، يحمل الأول على أنه إذا كان متقادما،

592
وإلا فلا فرق بين قولهم زناة أو شربوا الخ ا ه‍. فالمصنف تبع ما أول الزيلعي به كلامهم، فتنبه.
قولهم: (أو على إقرارهم أنهم شهدوا بزور) الأحسن إفراد الضمير اعتراض بأنها شهادة بإقرارهم
الداخل تحت الحكم. وأجيب بأنه فيه هتك الستر وبه يثبت الفسق والمشهود به لا يثبت بشهادة
الفاسق، وفيه أن الشهادة على إقرار الشهود تكون حكاية للهتك عن قولهم فهو كالشهادة على إقرار
المدعي بفسقهم. أفاده الواني، ومثله في الحواشي اليعقوبية. قوله: (أو أنهم أجراء في هذه الشهادة)
إنما لم تقبل لأنها شهادة على جرح مجرد، والاستئجار وإن كان أمرا زائدا على الجرح ولكنه لا خصم
في إثباته إذ لا تعلق له بالأجرة. بحر. قوله: (فلا تقبل الخ) هذا بعينه قد تقدم وزيادة عليه فهو
تكرار محض، وإنما لم تقبل هذه الشهادة بعد التعديل لان العدالة بعد ما ثبتت لا ترتفع إلا بإثبات حق
الشرع أو العبد كما عرفت، وليس في شئ مما ذكر إثبات واحد منهما، بخلاف ما إذا وجدت قبل
التعديل لأنها كافية في الدفع كما مر كذا قاله منلا خسرو وغيره.
فإن قلت: لا نسلم أنه ليس فيما ذكر إثبات واحد منهما: يعني حق الله تعالى وحق العبد، لان
إقرارهم بشهادة الزور أو شرب الخمر مع ذهاب الرائحة موجب للتعزير، وهو هنا من حقوق الله
تعالى. قلت: والظاهر أن مرادهم بما يوجب حقا لله تعالى الحد لا التعزير لقولهم: وليس في وسع
القاضي إلزامه لأنه يدفعه بالتوبة، لان التعزير حق الله تعالى يسقط بالتوبة، بخلاف الحد لا يسقط بها،
والله تعالى أعلم ا ه‍.
قلت: لكن صرح في تعزير البحر أن الحق لله تعالى لا يختص بالحد بل أعم منه ومن التعزير،
وصرح هناك أيضا بأن التعزير لا يسقط بالتوبة، إلا أن يقال: مراده به ما كان حقا للعبد لا يسقط بها.
تأمل. قوله: (على الجرح المركب) إنما كان مركبا بالنظر لما يترتب عليه من رد شهادتهم فكأنه هو وما
يترتب عليه شيئان. قوله: (كإقرار المدعي بفسقهم) يعني إذا شهد شهود المدعى عليه على المدعي أنه
أقر أن شهودي فسقه تقبل، لأنهم ما شهدوا بإظهار الفاحشة وإنما حكوا إظهارها عن غيرهم فلا
يصيرون فسقه بذلك، لان المظهر والحاكي ليسا سواء، والاقرار مما يدخل تحت الحكم ويقدر القاضي
على الالزام به لأنه لا يترفع بالتوبة.
قال في البحر: لا يدخل تحت الجرح ما إذا برهن على إقرار المدعي بفسقهم أو أنهم أجراء أو لم
يحضروا الواقعة أو على أنهم محدودون في قذف أو على رق الشاهد أو على شركة الشاهد في العين،
ولذا قال في الخلاصة: للخصم أن يطعن بثلاثة أشياء: أن يقول هما عبدان أو محدودان في قذف أو
شريكان، فإذا قال هما عبدان يقال للشاهدين أقيما البينة على الحرية. وفي الآخرين يقال للخصم أقم
البينة على أنهم كذلك ا ه‍. فعلى هذا الجرح في الشاهد إظهار ما يخل بالعدالة لا بالشهادة مع العدالة،
فإدخال هذه المسائل في الجرح مقبول كما فعل ابن الهمام مردود بل من باب الطعن كما في

593
الخلاصة. وفي خزانة الأكمل: لو برهن على إقرار المدعي بفسقهم أو بما يبطل شهادتهم يقبل، وليس هذا
بجرح وإنما هو من باب إقرار الانسان على أنه ا ه‍. وهذا لا يرد على المصنف، فكان على الشارح أن
لا يذكره قوله الجرح المركب فإنها زيادة ضرر. سيدي الوالد رحمه الله تعالى.
أقول: فقوله كإقرار المدعي الخ تنظير لا تمثيل، إذا ليس فيه شهادة على جرح مركب بل إنها
تبطل شهادتهم بهذه الشهادة، لان في إقرار المدعي اعترافا بأنه مبطل في دعواه فتبطل
البينة عليها لأنها إنما تصح بعد صحة الدعوى. قال في الهداية: إلا إذا شهدوا على إقرار المدعي
بذلك، لان الاقرار مما يدخل تحت الحكم ا ه‍. وأما لو شهدوا على إقرار الشهود بأنهم شهدوا زورا أو
أنهم أجراء أو أن المدعي مبطل فإنه جرح مجرد لا يبتنى عليه حق لله تعالى ولا حق عبد فلا تقبل. وأما
إذا شهدوا أنهم قالوا لا شهادة لنا فإنهم لو صرحوا به ثم شهدوا تقبل شهادتهم كما سيذكره المصنف.
قوله: (أو أنهم عبيد) أي إذا أقام البينة أنهم عبيد لان الرق حق لله تعالى. قهستاني. لا يتوقف الطعن
بالرق على دعوى سيدهما، وإثباته لا ينحصر في الشهادة بل إذا أخبر القاضي برقهما أسقط شهادتهما،
والأحسن أن يكون بالشهادة، وإذا سألهما القاضي فقالا أعتقنا سيدنا وبرهن ثبت عتق السيد في غيبته
فإذا حضر لا يلتفت إلى إنكاره. ط عن خزانة الأكمل. قال الرحمتي: وأما كونهم عبيدا فلما أنه يثبت
الرق وهو ضعف حكمي أثره في سلب الولاية وهو حق الله تعالى فكان جرما مركبا. قوله: (أو
محدودون في قذف) لان من تمام حده رد شهادته وهو من حقوق الله تعالى كما تقدم، وإنما قبلت لأنها
ليس فيها إشاعة فاحشة لان الاظهار حصل بالقضاء، وإنما حكوا إظهار الفاحشة عن الغير كما في
البحر عن الكافي. قوله: (أو أنه ابن المدعي) أو مملوكه أو أحد الزوجين لأنه من قبيل الدفع بالتهمة
ليس فيه إظهار فاحشة. قوله: (أو قاذف الخ) إنما قبلت لأنها توجب حق الله تعالى وهو
الحد. قهستاني. قوله: (والمقذوف يدعيه) أشار به أن ما كان فيه حق العبد لا تقبل فيه إلا بعد دعوى
صاحب الحق. قوله: (أو أنهم زنوا ووصفوه الخ) ذكر المصنف الزنا والشرب في كل من صور الجرح
المجرد وغيره وحمله ما قدمناه قريبا عند قوله: أو زناة فلا تغفل. قال ط: وفيه أن هذه شهادة اثنين
وهي توجب القذف عليهما ولا توجب حقا لله تعالى ولا للعبد إلا أن يفرض أن الشهود أربعة. قوله:
(ولم يتقادم العهد) بأن لم يزل الريح في الخمر ولم يمض شهر في الباقي قيد بعدم التقابض، إذ لو كان
متقادما لا تقبل لعدم إثبات الحق به لان الشهادة بحد متقادم مردودة. منح. وما ذكره المصنف بقوله
ولم يتقادم العهد وفق به الزيلعي بين جعلهم زناة شربة الخمر من المجرد وجعلهم زنوا أو سرقوا من
غيره: أي المجرد.
ونقل عن المقدسي أن الأظهر أن قولهم زناة أو فسقة أو شربة خمر أو أكلة ربا اسم فاعل إلى آخر
ما قدمناه عنه قريبا فلا تنساه. قوله: (كما مر في بابه) أي في باب حد الشرب. قوله: (أو قتلوا
النفس عمدا) فيه أن هذه شهادة لا توجب حقا لله تعالى ولا للعبد لعدم تعين ولي الدم، ولاحتمال أنه
قتل عمدا بحق كأن قتل المقتول ولي القاتل، أما إذا تعين ولي الدم وكان القتل بغير حق والولي يدعيه

594
فإنها تقبل: أي شهادة الجرح. قوله: (أو شركاء المدعي والمدعى مال) يشتركون فيه، والمراد أن الشاهد
مفاوض، فمهما حصل من هذا الباطل يكون له فيه منفعة لا أن يراد أنه شريكه في المدعى به، وإلا
كان إقرارا بأن المدعى به لهما. فتح ومثله في القهستاني. وما في البحر من حمله على الشركة عقدا
يشمل بعمومه العنان ولا يلزم منه نفع الشاهد فكأنه سبق قلم، وعلى ما قلنا فقول الشارح والمدعى
مال أي مال تصح فيه الشركة ليخرج نحو العقار وطعام أهله وكسوتهم مما لا تصح فيه. قوله:
(وأعطاهم ذلك مما كان لي عنده) أي ليصلح أن يكون مدعيا لماله، والظاهر أن يقول وأنا أطلب منهم
ذلك لتصح دعواه كما سيأتي في المسألة التي بعدها. قوله: (لدعواه الخ) علل الزيلعي عدم القبول إذا
ادعى أن أعطاهم من ماله بقوله لان دعواه صحيحة، لما فيه من وجوب رد المال على المشهود عليه وهو
مما يدخل تحت الحكم، ولو لم يقله لا تقبل الشهادة لان الدعوى غير صحيحة، فكان جرحا مجردا لأنه
لم يدع قبله حقا يمكن القضاء به، ودعوى الاستئجار وإن كانت صحيحة لكنه يدعيها لغيره، وليس له
ولاية إلزام غيره لغيره ا ه‍ ط. قوله: (أو أني صالحتهم على كذا) أي شهدوا على قول المدعي أني
صالحتهم الخ.
قال في البحر: وكذا إذا ادعى أجنبي أنه دفع لهم كذا لئلا يشهدوا على فلان بهذه الشهادة
وطلب رده وثبت إما ببينة أو إقرار أو نكول فإنه يثبت به فسق الشاهد فلا تقبل شهادته وقيد بدفع
المال، ومفهومه لو ادعى المدعي أنه استأجرهم لئلا يشهدوا عليه ولم يدع دفع المال فأقروا لم تسقط
العدالة، وبه صرح الشارحون. قوله: (ودفعته إليهم أي رشوة) أي لدفع ظلمهم وأقام على ذلك بينة
فشهدت على مقالته. قوله: (وإلا فلا صلح بالمعنى الشرعي) كما في الحواشي السعدية، ولو قال أو
شهدوا بأنه صالحهم على كذا الخ لكان أولى. قوله: (شهد عدل) أي ثابت العدالة عند القاضي أو سأل
عنه فعدل، وهو احتراز عن المستور لا عن الفاسق فإنه لا شهادة له. بحر. قوله: (فلم يبرح) أي لم
يفارق مكانه، وليس المراد كونه على الفور بل ما لم يبرح عن مكانه، أشار إليه بقوله يعني بعدما شهد
تذكر، لأنه لو قام لم يقبل منه ذلك لجواز أنه غره الخصم بالدنيا. قوله: (ولم يطل المجلس) هكذا جعل
في المحيط إطالة المجلس كالقيام عنه، وهو رواية هشام عن محمد. بحر. قوله: (ولم يكذبه المشهود له)
قيد به تبعا للمحيط، لأنه إذا كذبه لا تقبل شهادته. قوله: (حتى قال أوهمت) أو شككت أو غلطت
أو نسيت: أي أخطأت لنسيان عراني بزيادة باطلة، بأن كان شهد بألف فقال إنما هي خمسمائة أو
بنقص بأن شهد بخمسمائة فقال أوهمت إنما هي ألف جازت شهادته، وإذا جازت فبماذا يقضي؟
قيل: بجميع ما شهد به، لان ما شهد به صار حقا للمدعي على المدعى عليه فلا يبطل حقه بقوله
أوهمت، ولا بد من دعوى المدعي الزيادة بأن يدعي المدعي ألفا وخمسمائة فيشهد بألف ثم يقول

595
أوهمت إنما هو ألف وخمسمائة لا ترد شهادته بألف وخمسمائة. وعبارة العناية تفيد أنه لا يقضي
بالزيادة، وقيل بما بقي فقط، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي.
وروى الحسن عن أبي حنيفة إذا شهد شاهدان لرجل بشهادته ثم زاد فيها قبل القضاء أو بعده
وقالا أوهنا وهما غير متهمين قبل منهما، وظاهر هذا أنه يقضي بالكل. كذا في الفتح، وبه يعلم أنه لا
فرق بين كونه قبل القضاء أو بعده، وبه صرح.
قال: وذكر في النهاية أن الشاهد إذا قال أوهمت في الزيادة أو في النقصان يقبل قوله إذا كان
عدلا، ولا يتفاوت بين أن يكون قبل القضاء أو بعده. رواه الحسن عن أبي حنيفة وبشر عن أبي
يوسف ا ه‍. وظاهر الخانية أن عليه الفتوى. قوله: (أخطأت) قال في البحر: معنى قوله أوهمت
أخطأت بنسيان ما كان يحق علي ذكره أو بزيادة كانت باطلة، ولو قال تعمدت ولم أغلظ ثم بدا لي
فرجعت كان ذلك رجوعا عن شهادة.
قال السائحاني: فيعاقبه القاضي ولا يقبل منه الثاني ولا غيره حتى يحدث توبة. قوله: (بعض)
منصوب على نزع الخافض: أي في بعض شهادتي. يعقوبية. وفي قوله بعض يفيد أنه لو قال أوهمت
الحق إنما هو لفلان آخر لا لهذا لم يقبل. بحر. قوله: (ولا مناقضة) كما إذا قال هو لفلان ثم قال
لفلان آخر. قوله: (قبلت شهادته) لأنه قد يبتلي بالغلط لمهابة مجلس القاضي فوضح العذر فيقبل إذا
تداركه في أوانه ط. قوله: (بجميع ما شهد به) لأنه صار حقا للمشهود له فلا يبطل بقوله أوهمت،
واختاره في الهداية. وقيل يقضي بما بقي إن تداركه بنقصان، وإن بزيادة يقضي بها إن ادعاها المدعي،
لان ما يحدث بعدها قبل القضاء يجعل كحدوثه عندها وإليه مال السرخسي، واقتصر عليه قاضيخان
وعزاه إلى الجامع الصغير، ومثله في البحر.
قال: وعليه فمعنى القبول العمل بقوله الثاني، ومشى على هذا في الملتقى، ومن هنا يعلم أن
الشارح كان الأولى له أن يحرر هكذا لا أن يستدرك بقول على قول، وأيضا الذي في الخانية: والفتوى
على ما في المجرد وهو بعينه ما في الملتقى بزيادة أو بعد ما قضى فقد أساء التحرير أيضا، وأيضا في
الخانية: لم يقيد هذا بما إذا لم يبرح بل أطلقه، ونقل قبل ما في المجرد عن الجامع الصغير وصدر به أنه
إذا شهد ولم يبرح حتى قال أوهمت بعض شهادتي إن كان عدلا جازت شهادته فيما بقي، وإن برح لا
تقبل شهادته، وكذا لو نسي بعض الحدود أو بعض النسبة ثم تدارك في مجلسه جازت شهادته إذا كان
عدلا. قوله: (ولو بعد القضاء) ولا يضمن إذا رجع بعده جزما.
معراج. قوله: (وعليه الفتوى) أي على القبول بعد القضاء. قوله: (لكن عبارة الملتقى) لا معنى
للاستدراك بعبارته، والخلاف صريح بين أهل المذهب كما علمت. قوله: (قبول قوله أوهمت) لان ما
حدث بعدها قبل القضاء يجعل كحدوثه عندها كما قدمناه قريبا. قوله: (بما بقي) أي أو بما زاد كما
صرح به غيره كما علمت مما سبق قريبا. قوله: (وظاهر كلام الأكمل وسعدى ترجيحه) واقتصر عليه

596
قاضيخان، والتعاليل المتقدمة تظهر عليه. قوله: (فتنبه وتبصر) في كلام الشارح عفي عنه في هذا المقام
نظر من وجوه:
الأول: أن قوله ولو بعد القضاء ليس في محله، لان الضمير في قول المصنف قبلت راجع
إلى الشهادة كما نص عليه في المنح وهو مقتضى صنيعه هنا، وحينئذ فلا معنى لقبولها بعد القضاء، بل
الصواب ذكره بعد عبارة الملتقى.
الثاني: أنه لا محل للاستدراك هنا لان في المسألة قولين، ولا يقبل الاستدراك بقول على آخر إلا
أن يعتبر الاستدراك بالنظر إلى ترجيح الثاني.
الثالث: أن قوله وكذا لو وقع الغلط في بعض الحدود أو النسب يقتضي أنه مفرع على القول
المذكور في المتن وليس كذلك.
الرابع: أنه يقتضي أن لا يقبل قوله بذلك وليس كذلك. وعبارة الزيلعي تدل على ما قلنا من
أوجه النظر المذكور حيث قال: ثم قيل بجميع ما شهد به أولا، حتى لو شهد بألف ثم قال
غلطت في خمسمائة يقضي بالألف، لان المشهود به أولا صار حقا للمدعي ووجب على القاضي
القضاء به فلا يبطل برجوعه، وقيل يقضي بما بقي لان ما حدث بعد الشهادة قبل القضاء كحدوثه
عند الشهادة، ثم قال: وذكر في النهاية أن الشاهد إذا قال أوهمت في الزيادة أو في النقصان يقبل قوله
إذا كان عدلا، ولا يتفاوت بين أن يكون قبل القضاء أو بعده. رواه عن أبي حنيفة. وعلى هذا: أي
على اعتبار المجلس في دعوى التوهم لو وقع الغلط في ذكر بعض حدود العقار، كما لو ذكر الشرقي
مكان الغربي أو بالعكس، أو في بعض النسب كما لو ذكر محمد بن أحمد بن عمر بدل محمد بن علي بن
عمر ثم تذكر تقبل لأنه قد يبتلي به في مجلس القضاء، فذكره ذلك للقاضي دليل على صدقه واحتياطه
في الأمور: أي إن تداركه قبل البراح عن المجلس قبلت، وإلا فلا كما في العناية. تأمل ا ه‍. قوله:
(لا تقبل) لجواز أنه غره الخصم بالدنيا، وقيد في الهداية والزيلعي شرط عدم البراح بما إذا كان موضع
شبهة كالزيادة والنقصان في قدر المال، وإلا فلا بأس بإعادة الكلام وإن برح عن المجلس مثل أن يترك
لفظ أشهد أو اسم المدعي أو المدعى عليه أو الإشارة إلى أحد الخصمين وما يجري مجراه. شرنبلالية.
لان تعيين المحتمل وتقييد المطلق يصح من الشاهد ولو بعد الافتراق كما في البزازية والخانية، وإنما
يتصور ذلك قبل القضاء لان لفظ الشهادة وبيان اسم المدعي والمدعى عليه والإشارة إليهما شرط
القضاء ا ه‍. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يقبل في غير المجلس أيضا إذا كان عدلا، والظاهر ما
ذكرناه ا ه‍.
(أقول): التقييد بالزيادة والنقصان في قدر المال يشترط فيه المجلس وعدم البراح، بخلاف ما ذكر
بعده. قوله: (في بعض الحدود أو النسب) فإن كان الشاهد عدلا ولم يبرح عن مجلس القاضي ولم يطل
المجلس ولم يكذبه المشهود له ولم تكن مناقضة قبلت، وإلا لا. والمراد بالحدود حدود الدار مثلا كما
قدمناه، لأنه قد يبتلي بالغلط في مجلس القاضي.
وفي البزازية: ولو غلطوا في حد أو حدين ثم تداركوا في المجلس أو غيره يقبل عند إمكان

597
التوفيق بأن يقولوا كان اسمه فلانا ثم صار اسمه فلانا أو باع فلانا واشتراه المذكور ط.
(أقول): وكذا إذا وفق بأن قال له اسمان كما في دعوى التنقيح.
والحاصل: أن الظاهر الأول: أي التقييد بالمجلس وعدم البراح عنه هو ظاهر الرواية، فعلم أن
ما في البزازية ليس على إطلاقه إن لم يحمل على خلاف ظاهر الرواية كما أفاده سيدي الوالد رحمه الله
تعالى. قوله: (أولى من بينة الموت بعد البرء) يعني تقدم عليها وكأنه لان فيها إسنادا إلى السبب
الظاهر، وهذا موافق لما في القنية من باب البينتين المتضادتين، وتبعه في البحر في باب الاختلاف في
الشهادة، لكن في آخر كتاب الدعوى من الخلاصة أقاما البينة هذا على الصحة وهذا على الموت
بالضرب، فبينة الصحة أولى، وكذا في البزازية ومشتمل الاحكام، وبه أفتى المولى أبو السعود كما في
تعارض البينات للشيخ غانم، وكان الأولى ذكر هذه ونحوها في باب ما يدعيه الرجلان أواخر باب
الاختلاف في الشهادة تذييلا كما لا يخفى ولكن ذكر ها هنا الأدنى ملابسة. قوله: (لم يجرحني ولم
يقتلني) لا يقال بينة زيد على النفي لأنها أقيمت على القول. قوله: (وبينة الغبن) على مشتر من وصي
يتيم. قوله: (من يتيم بلغ) متعلق بينة. قوله: (أولى من بينة كون القيمة الخ) وهي بينة المشتري، هذا
إذا اجتمعنا عند الحاكم وشهدنا على نحو ما ذكر، أما لو قضى بإحداهما أولا بطلت الأخرى، وقد
أفتى بذلك الشلبي وهي في فتاويه مستدلا بمسألة ما لو شهد بقتل زيد يوم النحر بمكة وآخران بقتله
بالكوفة فراجعه إن شئت. كذا في الحواشي الخيرية. قوله: (ما اشتراه) أي المدعى عليه المعلوم من
المقام وهو المشتري. قوله: (من وصيه) أي وصي اليتيم وكذا من أبيه. كذا أفاده سيدي الوالد رحمه الله
تعالى، ويظهر لحل العبارة وجه آخر. وهو أن يقال: ما اشتراه من وصيه من مال اليتيم على ما صور
المسألة. مؤيد زاده عن الحاوي بقوله: وصي باع كرم الصغير وادعى غبنا وأقام بينة وأقام المشتري بينة
أن ثمن الكرم في ذلك الوقت مثل الثمن فبينة الغبن أولى ا ه‍.
(أقول): لكنه يحتاج إلى تقدير لفظ وصي عند قول الشارح السابق من يتيم: أي من وصي يتيم،
لكن يعكر على هذا التقدير لفظ بلغ كما مثل به المصنف في منحه فيكون على عبارة الشارح أن الدعوى
حصلت من التيم عند بلوغه كما فسره المصنف عازيا للعمادية، ويؤيده ما في جامع الفتاوى: ولو
ادعى الابن بعد بلوغه الغبن بحكم الحال لو لم تكن المدة قدر ما يتغير السعر وإلا يصدق المشتري وبينة
الزيادة أولى ا ه‍. وحينئذ فلا غبار على عبارة الشارح، فافهم. قوله: (في ذلك الوقت) أي وقت العقد
وهو ظرف القيمة ح. قوله: (خلافا لما في الوهبانية) أقول: ليس في الوهبانية سوى مسألة الكره
والطوع، وقدم بينة الطوع على الكره وبينة الطوع على بينة الصحة وغير بيتها العلامة عبد البر فقال:
وبيننا كره وطوع أقيمتا فتقديم ذات الكره صحح الأكثر
قال الشرنبلالي: ونقل الشارح: اختلف في الصحة والفساد، فالبينة بينة من يدعي الفساد باتفاق
الروايات، فتأمل.

598
قال المصنف في منحه: وفي القنية ادعى عليه محدودا في يده إرثا من أبيه وأقام ذو اليد البينة أنه
اشتراه من وصيه بمثل القيمة وأقام المدعي البنية أن القيمة زائدة على ما أثبت ذو اليد فقبول البينة المثبتة
للزيادة أولى ا ه‍. وقال كثير منهم: المثبتة لقلة الزيادة أولى ا ه‍. وقد اعتمد في النظم الوهباني ما عليه
الأكثر من تقديم البينة المثبتة لقلة الزيادة، وحكي ما عن العمادية بصيغة قيل. وقال شيخ الاسلام في
شرحه: والظاهر عندي رجحان قبول بينة الزيادة الذي جزم به في العمادية ويرشد إليه كلام القنية
والنظم مشعر بخلافه ا ه‍.
وفي البزازية: لو شهدوا أن الحاكم باع مال اليتيم وقيمته أكثر يفسخ. قوله: (أما بدون البينة
الخ) قال عبد البر: إذا اختلف المتبايعان أحدهما يدعي الصحة والآخر يدعي الفساد فالقول قول مدعي
الصحة والبينة بينة من يدعي الفساد باتفاق الروايات كما قدمناه قريبا. قوله: (منية) لعلها قنية لأني
لم أجد المسألة في المنية ورأيتها في مؤيد زاده معزوة للقنية. قوله: (وبينة كون المتصرف في نحو تدبير
الخ) أي أو بيع كما في دعوى القنية، يعني إذا قامت الأمة بينة أن مولاها دبرها في مرض موته وهو
عاقل وأقامت الورثة بينة أنه كان مخلوط العقل فبينة الأمة أولى، وكذا إذا خلع امرأته ثم أقام الزوج بينة
أنه كان مجنونا قبل الخلع وأقامت بينة على كونه عاقلا حينئذ أو كان مجنونا وقت الخصومة فأقام وليه بينة
أنه كان مجنونا والمرأة على أنه كان عاقلا فبينة المرأة أولى في الفصلين. كذا في الدرر. لكن قال الشيخ
غانم البغدادي في ترجيح البينات. بينة كون البائع معتوها أولى من بينة كونه عاقلا، وبينة العقل أولى
من كونه مجنونا وقت الخلع، وبينة كون المتصرف عاقلا أولى من بينة كونه مجنونا.
قال في البحر: برهنت الأمة على أنه دبرها في مرض موته وهو عاقل وبرهنت الورثة على أنه
كان مخلوط العقل فبينة الأمة أولى، وكذا الخلع ا ه‍.
قال في مخزن النوادر: ولو ظهر جنونه وهو مفيق يجحد الإفاقة وقت بيعه فالقول له، وبينة
الإفاقة أولى أولى من بينة الجنون. وعن أبي يوسف: إذا ادعى شراء الدار فشهد شاهدان أنه كان مجنونا
عندما باعه وآخران أنه كان عاقلا فبينة العقل وصحة البيع أولى.
وفي الأشباه: اختلفا في كون الاقرار للوارث في الصحة في أو المرض فالقول لمن ادعى أنه في
المرض، أو في كونه في الصغر أو البلوغ فالقول لمن ادعى الصغر، وكذا لو طلق أو أعتق ثم قال كنت
صغيرا فالقول له، وإن أسند إلى حال الجنون: فإن كان معهودا قبل، وإلا فلا.
وفي جامع الفتاوى: بينة العته أولى لكنها مخالفة للمتن موافقة للشيخ غانم، ولذا عزاها في هذا
الجامع لبعض الفتاوى ولم يعين.
وفي القنية: بينة العقل أولى من بينة العته أو الجنون في البيع ا ه‍.
أقول: ولعل في المسألة قولين بناء على أن ظاهر الحال من الانسان هو المرض أو الصحة، فمن
قال المرض رجح بينة الصحة، ومن قال الصحة رجح بينة الصحة، ومن قال الصحة رجح بينة المرض، لان البينات شرعت لاثبات خلاف
الظاهر والذي ينبغي التعويل عليه هو الأول، حيث أطبقت النقول كما سمعت على ترجيح بينة العقل
إلا ما ندر، والفتوى على ما عليه الأكثر، وممن أفتى بذلك مطلقا المرحوم علي أفندي مفتي الديار
الرومية بنص العته أول ترجيح البينات من فتاويه. وما وقع في ترجيح البينات للشيخ غانم في البيوع

599
فقد ذكر خلافه هو أول كتاب الطلاق وقال: الأصل في ذلك: إن بينة كون المتصرف عاقلا أولى من
بينة كونه مجنونا أو مخلوط العقل ا ه‍. العته: نقص العقل كما في المصباح، على أنه قد استدرك
الشيخ غانم نفسه على هذه الرواية كما في بعض النسخ فلا تعارض ما في المعتبرات، فاغتنم هذا
التحرير الذي لا تجده إلا بعد التنقير ثم بعد كتابتي لهذا المحل رأيت في المحبية آخر الشهادات: بينة الغبن بلا اشتباه * قدم كذا بينة الاكراه
قدم على الطوع وإن شخصان * جاءا لدى القاضي يشهدان
وآخران أنه قد كانا * مخلوط عقل ذلك الزمانا
أو كان مجنونا لأولي الأولى * والحكم هكذا أتى منقولا
وفي ترجيح البينات من نور العين عند ذكره أن الأصل في ترجيح البينات بين العقل وكونه
مجنونا أو معتوها أن بينة العقل أولى. وقال بعد ذلك ما نصه: يقول الحقير: وفي جامع الفتاوى: باع
أرضا فادعى أخوه على المشتري أن البائع معتوه وأنا وصيه فيها وقال المشتري بل هو عاقل وبرهنا فبينة
المعتوه أولى ا ه‍. وهذا غير موافق لما مر آنفا فلعل في المسألة روايتين اه‍. فظهر من هذا أن من قال
بتقديم بينة العته فقد مشى على ما في جامع الفتاوى، غير أن أكثر الكتب على خلافه كما ظهر مما ذكر
من النقول، والله تعالى أعلم. قوله: (أولى من بينة كونه مخلوط العقل أو مجنونا) لان الورثة يدعون أمرا
عارضا وهو تغير العقل وهو ينكره، فالقول للمنكر عند عدم البينة. قوله: (ولو قال الشهود) أي
بطلاق وعتاق. منح: أي والمدعي يدي الصحة والمدعى عليه يدعي المرض. قوله: (لا ندري كان في
صحة أو مرض فهو على المرض) أي لان تصرفه أدنى من تصرف الصحة فيكون متيقنا، ولأن الحادث
يضاف إلى أقرب أوقاته، فلما ترددوا حمل على الأقرب. أما لو اختلفوا فبينة الصحة مقدمة، كما لو
ادعى الزوج بعد وفاتها أنها كانت أبرأته من الصداق حال صحتها وأقام الوارث بينة أنها أبرأته في
مرض موتها فبينة الصحة أولى، وقيل بينة الورثة أولى كما في جامع الفتاوى ومشتمل الاحكام.
وفي الجامع أيضا: ولو أقر الوارث ثم مات فقال المقر له أقر في صحته وقال بقية الورثة في
مرضه فالقول للورثة والبينة للمقر له، وإن لم يقم بينة وأراد استحلافهم له ذلك.
ادعت المرأة البراءة عن المهر بشرط وادعاها الزوج مطلقا وأقام البينة فبينة المرأة أولى، إن كان
الشرط متعارفا يصح الابراء معه، وقيل البينة من الزوج أولى، ولو أقامت المرأة بينة على المهر على أن
زوجها كان مقرا به إلى يومنا هذا وأقام الزوج بينة أنها أبرأته من هذا المهر فبينة البراءة أولى، وكذا بينة
الدين لان بينة مدعي الدين بطلت لاقرار المدعى عليه بالدين ضمن دعواه البراءة كشهود بيع وإقالة،
فإن بينتها لم يبطلها شئ، وتبطل بينة البيع لان دعوى الإقالة إقرار به. قوله: (فهو على المرض) لم
يذكر ما إذا اختلفا في الصحة والمرض.
وفي الأنقروي: ادعى بعض الورثة أن المورث وهبه شيئا معينا وقبضه في صحته وقالت البقية
كان في المرض فالقول لهم، وإن أقاموا البينة فالبينة لمدعي الصحة، ولو ادعت أن زوجها طلقها في
مرض الموت وهي في العدة وادعى الورثة أنه في الصحة فالقول لها، وإن برهنا وقتا واحدا

600
فبينة الورثة أولى. قوله: (ولو قال الوارث الخ) هذا مطلق شامل لكل دعوى إلا أنه لم يذكر فيه
تعارض البينتين. قوله: (كان يهذي) الظاهر أن المراد أنه كان مختلط العقل للمقابلة. وذكر البيري أنهما
إذا اختلفا في الجد والهزل فالقول لمدعي الهزل، إلا أن يعطيه بعض الثمن فلا تسمع دعوى الهزل ا
ه‍. قوله: (وبينة الاكراه) قال في البحر: تعارضت بينة الاكراه والطوع في الإجارة فبينة الطواعية
أولى، وإن قضى ببينة الاكراه في الإجارة نفذ، وإن تعارضت بينة البيع صحيحا أو مكرها فقولان ا
ه‍. قال الحموي: والذي يظهر أن الأصح العمل ببينة المكره لأنه يدعي خلاف الظاهر والبينة لمن
يدعيه ويؤيده ما سيصرح به قريبا. تأمل. قوله: (في إقراره) وكذا في البيع والإجارة والصلح على ما
في الأشباه. قال الباقاني: تعارضت بينة الاكراه والطوع في البيع والصلح والاقرار فبينة الاكراه أولى ا
ه‍. وعزاه إلى الخانية. وفيها: وهو الصحيح من الجواب، وكذا في ترجيح البينات.
قال سيدي الوالد في تنقيحه: لو أثبت إقرار إنسان بشئ طائعا فأقام المدعى عليه بينة أني كنت
مكرها في ذلك الاقرار فبينة الاكراه أولى، لأنها تثبت خلاف الظاهر وهو الأصح كما في الفصول
العمادية، وعليه الفتوى كما في الخلاصة ا ه‍.
قال في البزازية عن الملتقط: ادعى عليه الاقرار طائعا وبرهن على ذلك وبرهن المدعى عليه أن
ذلك الاقرار كان بالكره فبينة المدعى عليه أولى، وإن لم يؤرخا أو أرخا على التعاقب فبينة المدعي أولى ا
ه‍.
وفي التتارخانية من الدعوى في الفصل الثالث والعشرين معزيا للناصري: ولو ادعى الاقرار
طائعا فأقام المدعى عليه بينة أنه كان هذا الاقرار بذلك التاريخ عن إكراه فالبينة بينة المدعى عليه، وإن
لم يؤرخا أو أرخا على التفاوت فالبينة للمدعي ا ه‍. قوله: (واتحد تاريخهما) لعل وجهه أنهما إذا أرخا
واتحد التاريخ كانا الاقرار واحدا، والظاهر الطوع فيعمل به عند عدم البينة لأنها لاثبات خلاف
الظاهر. تأمل. قوله: (فإن اختلفا أو لم يؤرخا فبينة الطوع أولى) لعل وجهها أنه إذا اختلف التاريخ
كنا إقرارين: أحدهما بالطوع، والآخر بالاكراه، وإن لم يؤرخا احتمل التعدد فيعمل ببينة الطوع فيهما.
والله تعالى أعلم.
والظاهر أن هذا توفيق بين القولين، قال الشرنبلالي في شرحه على الوهبانية: تعارضت بينة
الطوع والكره فبينة الطوع أولى، ولو قضى القاضي ببينة الاكراه ينفذ قضاؤه إن عرف الخلاف. وقال
أبو حامد: بينة الاكراه أولى.
ونقل المصنف: لو اختلفا في الصلح والاقرار كان القول قول من يدعي الطوع والبينة بينة الآخر
في الصحيح من الجواب. وفي العمادية: بينة الاكراه أحق بالقبول لأنها تثبت خلاف الظاهر ا ه‍.
وفي فتاوى مؤيد زاده: اجتمعت بينة الاكراه على البيع وبينة الطواعية. روي عن أبي يوسف:
أن بينة الاكراه أولى، وإليه ذهب بعض مشايخنا. وقال بعض المتأخرين: الطواعية أولى، وعزاه للوجيز
ثم قال: لو ادعى أحدهما الاقرار بدين كذا طائعا والآخر مكرها فالقول لمن يدعي الطواعية والبينة لمن
يدعي الاكراه. قاضيخان.

601
قال المصنف في منحه: أقول: كلامه يقتضي أن بينة الاكراه إنما تقدم على بينة الطوع عند
التعارض، وأما إذا لم يحصل التعارض فبينة الطوع أولى فتكون المسألة ثلاثية، وهي إما أن يؤرخا أو
لا، فإن كان الأول وهو ما إذا أرخا فإما أن يتحد التاريخ أو يختلف، فإن كان الأول فبينة الاكراه
أولى، وإن كان الثاني وهو ما إذا اختلف التاريخ أو لم يؤرخا فبينة الطوع أولى ا ه‍.
تتمة: قال في العمادية: لا حاجة في دعوى الاكراه إلى تعيين المكره كما لا حاجة في دعوى
السعاية إلى تعيين العوان، وقيل لا بد من تعيين العوان، والأول أصح ا ه‍.
فائدة: بينة الحرية مقدمة على غيرها لأنها تثبت أمرا زائدا وهو ولاية التصرف وأهلية الشهادة
وغير ذلك كما في جامع الفصولين.
فائدة أخرى: بينة الرجوع عن الوصية أولى من بينة كونه موصيا مصرا إلى الوفاة. حامدية عن
أبي السعود.
أقول: وهذا إذا لم يقض بالبينة الأولى، فإن قضى بالوصية وأقيمت بينة أخرى على الرجوع لا
تقبل الشهادة ولا الدعوى لأنها تتضمن نقض القضاء، والقضاء يصان عن الالغاء ما أمكن كما قدمناه
عن شرح الزيادات في هذا الباب فراجعه، وانظر ما سنذكره آخر الباب. قوله: (واعتمده المصنف)
حيث أقره. قوله: (بينة الفساد) تكرار مع مسألة الغبن المتقدمة. قوله: (فالقول لمدعي البطلان) لأنه
منكر للعقد، والظاهر أن البينة بينة الصحة لأنها أكثر إثباتا، فإن بينة البطلان لم تفد أمرا جديدا.
حموي. ومثله في شرح المجمع لابن ملك عن الفتاوى الصغرى. قوله: (لمدعي الصحة) مفاده أن البينة
بينة الفساد، لان مدعي الفساد يدعي أمرا زائدا وهو المفسد كالشرط الفاسد، ومدعي الصحة ينكره
والقول للمنكر أيضا، وهذا باتفاق الروايات إن كان يدعي فسادا بشرط فاسد أو أجل فاسد، وإن كان
يدعي فسادا في صلب العقد بأن ادعى الشراء بألف ورطل من خمر وأنكر الآخر فيه روايتان، وظاهر
الرواية عنه كالأول. قوله: (إلا في مسألة الإقالة) كما تقدم في بابها. وهي: لو ادعى المشتري أنه باع
المبيع من البائع بأقل من الثمن قبل النقد وادعى البائع الإقالة فالقول للمشتري مع أنه يدعي فساد
العقد، وهذا ليس مما نحن فيه لان كلامنا فيما إذا اتفقا على عقد واحد ادعى أحدهما صحته والآخر
فساده فالقول لمدعي الصحة لأنه الأصل في العقود والأليق بحال المسلم، وهنا قد اتفقا على صحة
البيع ثم ادعى البائع فسخه بالإقالة وأنكر ذلك المشتري والقول قول المنكر غير أن المشتري أقر بعقد
فاسد يجب رفعه وإبطاله، لكن صاحب الأشباه بعد ذكر المسألة قال: ولو كان على القلب تحالفا،
ظاهره أنه إذا ادعى البائع الشراء الفاسد والمشتري الإقالة فلينظر وجهه. قال الحموي: قيل ينبغي أن
يكون هذا الفرع داخلا تحت الأصل المذكور ليحتاج إلى استثنائه، لأنه لم يدع صحة العقد وإنما ادعى
الإقالة والمشتري ينكرها فيكون القول قوله ا ه‍.
أقول: فيما قاله نظر، فإن ادعاء الإقالة مستلزم لادعاء صحة البيع، إذ الإقالة لا تكون في غير
الصحيح.

602
وأقول: كان وجه التحالف على ما قاله الحموي أن المشتري بدعواه الإقالة يدعي أن الثمن الذي
يستحقه بالرد مائة مثلا والبائع بدعوا الشراء بأقل مما باع يدعي أن الثمن الذي يجب تسليمه إلى
المشتري خمسون مثلا فنزل اختلافهما فيما يجب تسليمه إلى المشتري منزلة اختلافهما في قدر الثمن
الموجب للتحالف بالنص، وإلا فالمائة التي هي الثمن الأول إنما ترد إلى المشتري بحكم الإقالة في البيع
الأول وهي غير الخمسين التي هي الثمن في البيع الثاني كما ترى ا ه‍. قوله: (وفي الملتقط اختلفا في
البيع والرهن فالبيع أولى) يعني بينته أولى كما يأتي، وقياس ما بعده عكسه لان الوفاء رهن حقيقة على
ما هو المعتمد فيه، ولأن اشتراط الوفاء زائد والأصل عدمه والقول لمنكره، إلا أن يقال: إن صورته
صورة البيع وفيه شرط زائد، بخلاف الرهن البحت. قال في التتارخانية: القول لمدعي الرهن لتمسكه
بالأصل وهو عدم البيع، والبينة لمدعي البيع لأنه خلاف الظاهر. قوله: (اختلفا في البتات والوفاء
فالوفاء أولى استحسانا) وإنما كان القول لمدعي البتات لأنه الأصل في العقود، إلا بقرينة كنقصان
الثمن كثيرا كما تقدم.
وحاصل عبارة الملتقط أن الاستحسان في الاختلاف في البينة ترجيح بينة الوفاء، وفي الاختلاف
في القول ترجيح بينة مدعي البتات، وهذا الذي حرره الرملي فيما مر فتدبر، خلافا لما مشى عليه
الشارح قبيل الكفالة فراجعه، وذكر ثمة الكلام على بيع الوفاء مستوفى. قوله: (شهادة قاصرة يتمها
غيرهم تقبل) قال في الدرر: لان الحاجة إلى الشهادة لاثبات يد المدعى عليه حتى يصير خصما في
إثبات الملك للمدعي، ولا فرق في ذلك بين أن يثبت كلا الحكمين بشهادة فريق واحد أو فريقين، ثم
إذا شهد أنها في يد المدعى عليه سألهم القاضي: أعن سماع تشهدون أنها في يده أو عن معاينة؟ لأنهم
ربما سمعوا إقراره أنها في يده وظنوا أن ذلك يطلق لهم الشهادة ا ه‍. أي أن سماعهم إقراره بأنها في
يده يجوز لهم الشهادة وليس كذلك، بل المجوز لهم معاينتهم أنها في يده، هذا هو المراد وهو الموافق لما
سبق تقريره على كلام الشارح من أنه ظاهر الرواية والمختار في الكافي والهداية في الشهادة بالملك لذي
اليد. نعم فرق بين هذه الشهادة وتلك، إذ شهادتهم هنا في مجرد كونها في يد المدعى عليه وثمة في أنها
ملكه لرؤيتهم إياها في يده، ولا يلزم من اشتراط الرؤية في الشهادة بالملك اشتراطها في الشهادة
بمجرد كونها في اليد، ولذلك جوز كثير من الفقهاء شهادتهم بمجرد سماعهم عن المدعى عليه بأنها في
يده، ولكن مختار عماد الدين عدم الجواز، وتبعه في الدرر والغرر، واختار محشيها الملا عبد الحليم
الاطلاق هنا لما بينهما من الفرق، فتدبر. قوله: (فشهد به آخران) لأنه يحتاج إلى هذا لاثبات يد المدعى
عليه حتى يصير خصما. قوله: (أو شهدا بالملك بالمحدود وآخران بالحدود) وفي البزازية: لو علما
بالحدود من الثقات وفسرا للقاضي تقبل. وفيها أيضا: شهدوا بالدار للمدعي بحدودها فشهد آخران
أن المحدود هذا يقبل ويجعل كأن الأولين شهدا بكل ذلك.
قال في الهندية من الباب الخامس من الشهادات: ولو شهد أن الدار التي في بلدة كذا في محلة
فلان تلاصق دار فلان بن فلان الفلاني وهي في يد فلان المدعى عليه هذا لهذا ولكن لا نعرف
حدودها ولا نقف عليها، فقال المدعي للقاضي أنا آتيك بشهود آخرين يعرفون حدود هذه الدار وأتى

603
بشاهدين شهدا أن حدودها كذا وكذا، اختلف جواب هذه المسألة في النسخ: ذكر في بعضها أن
القاضي يقبل ذلك ويحكم بها للمدعي، وذكر في بعضها أنه لا يقبل ولا يحكم بها للمدعي، وكذا
القرى والضياعات والحوانيت وجميع العقارات على هذا. كذا في الظهيرية. ذكر ظهير الدين المرغيناني
هذه المسألة في شروطه وقال: اختلفت الروايات في هذه المسألة، والأظهر أنها تقبل لان تحمل الشهادة
غالبا يكون على هذا الوجه، فإنه إذا أشهد البائع على البيع في البلدة والأرض أو الكرم في السواد
فالظاهر أن الشهود لا يعرفون حدود المبيع لكن سمعوا ذكر الحدود فيشهدون على تلك الحدود المذكور
في البيع وإن كانوا لا يعلمون الحدود على الحقيقة. كذا في الفصول العمادية وهو الأصح. كذا في
القنية وهو الصحيح. كذا في الذخيرة: وإن لم يأت المدعي بشاهدين يشهدان على الدار المدعى بها على
تلك الحدود فطلب من القاضي أن يبعث له أمينين من أمنائه إلى الدار حتى يتعرفا عن حدود الدار
وأسماء جيرانها
أجابه القاضي إلى ذلك، فإن بعثهما وتعرفا: إن كانت حدود الدار وأسماء جيرانها
توافق على تلك الحدود التي ذكرها الشهود وأخبر الأمينان القاضي بذلك قضى القاضي بالدار للمدعي
بشهادتهم. كذا في المحيط. هذا كله إن لم تكن الدار مشهورة، فإن كانت مشهورة نحو دار عمرو بن
حريث بالكوفة وشهد بها الشاهدان لانسان ولم يذكرا الحدود لا تقبل شهادتهما في قول أبي حنيفة رحمه
الله تعالى وتقبل في قول صاحبيه، والضيعة إذا كانت مشهورة على هذا الخلاف أيضا. كذا في فتاوى
قاضيخان ا ه‍.
قوله: (فشهد آخران أنه المسمى به) أي بذلك الاسم. قال في الهندية في أواخر الباب الرابع: رجل ادعى عبدا في يد رجل وقال بعتني هذا العبد
بألف درهم ونقدتك الثمن فأنكر المدعى عليه البيع وقبض الثمن فشهد للمدعي شاهدان على إقرار
البائع بالبيع وقالا لا نعرف العبد ولكنه قال لنا عبدي زيد وشهد شاهدان آخران أن هذا العبد اسمه
زيد أو أقر البائع أن اسمه زيد قال لا يتم البيع بهذه الشهادة، وإن شهد الشاهدان أن البائع أقر أنه باعه
عبده زيد المولد فنسبوه إلى شئ يعرف من عمل أو صناعة أو عيب أو حلية فوافق ذلك هذا العبد
يقبل استحسانا، وكذا الأمة ا ه‍. ملخصا.
فائدتان: إذا شهد ابنا القاضي لرجل أن أباهما قضى لهذا على هذا لم تقبل عند الامام، وله قول
آخر بالقبول، وبه نأخذ. خانية. قال رجل يا زاني فقال آخر صدقت هو كما قلت قاذفا، وأكثر
المشايخ لا، وعليه الفتوى. قوله: (وعليه الفتوى) صحح في غير هذا المحل القبول، وأفتى به في
الرحيمية. قوله: (شهادة النفي المتواتر) أي عند الناس مقبولة بأن علم الكل عدم كون المدعى عليه في
ذلك المكان والزمان لا تسمع عليه: أي بأنه أقرضه فيهما كذا مثلا ويقضى بفراغ ذمته لئلا يلزم
تكذيب الثابت للضرورة والضروريات مما لا يدخلها الشك، وأما إذا لم يتواتر فلا تقبل بينته إلا في
عشر مسائل مذكورة في الأشباه من القضاء.
وفي النوادر عن الثاني: شهد عليه بقول أو فعل يلزم عليه بذلك إجارة أو كتابة أو بيع أو مال

604
أو طلاق أو عتاق أو قتل أو قصاص في موضع وصافه أو في يوم سمياه فبرهن المشهود عليه أنه لم
يكن ثمة يومئذ لا تقبل إلا إذا تواتر. ووجه عدم قبولها أن الشهادة متضمنة للمشاهدة وذلك بالعلم
ولم يحصل بالنفي. وتمامه في حواشي الأشباه. قال في الذخيرة: إلا أن تأتي العامة وتشهد بذلك
فيؤخذ بشهادتهم ا ه‍.
وفي المحيط: إن تواتر عند الناس وعلم الكل عدم كونه في ذلك المكان والزمان لا تسمع
الدعوى عليه ويقضى بفراغ ذمته لأنه يلزم تكذيب الثابت بالضرورة والضروريات مما لم يدخلها شك
عندنا إلى كلام الثاني، وكذا كل بينة قامت على أن فلانا لم يقم ولم يفعل ولم يقر. كذا في البزازية.
قال سيدي الوالد في تنقيحه: البينة إذا قامت على خلاف المشهور المتواتر لا تقبل، وهو أن
يشتهر ويسمع من قوم كثير لا يتصور اجتماعهم على الكذب. كذا في الفتاوى الصغرى للامام
الخاصي. وكذلك الشهادة التي يكذبها الحس ا ه‍. وتمامه فيها.
أقول: واحترز بالمتواتر عن غيره فلا يقبل سواء كان صورة أو معنى، وسواء أحاط به علم
الشاهد أو لا كما يقع في هذه الأمان من غير إسناد حسن، ويسمونه متواترا لأنه كثير ما يظهر كذبه،
وانظر إلى ما عرفوا به المتواتر من أنه ما نقله جمع عن جمع، فإن قالوا سمعنا فلا بد أن يكون عن
مثلهم، أو يقولون رأينا بأعيننا أو نحوه، وانظر لما تقدم في باب اليمين بالبيع والشراء من قبول بينة في
الشروط وراجعه. قوله: (الشهادة إذا بطلت في البعض الخ) كما إذا ادعى أخ وأخت أرضا فيشهد لها
زوجها ورجل آخر ترد في حقها وحق أخيها. وإذا شهد بشئ لمن لا تجوز شهادتهما له ولغيره لا تجوز
لمن لا تجوز له اتفاقا. واختلف في الآخر، والمعتمد عدم الجواز كما يفيده إطلاقهم، وهذا مذهب
محمد. وعند الثاني: يجوز أن تبطل الشهادة في البعض وتبقى في البعض كما في الظهيرية، وكما لو
شهدا أنه قذف أمهما وفلانة لا تقبل شهادتهما، وكما لو شهدا له على رجل بألف وعلى آخر بمائة
فصدقهم في الأول وكذبهم في الثاني بطلت.
فروع: في الخانية: شهد الرجل أن فلانا غصب عبده لكنه رده عليه فمات عنده فقال إنما مات
عند الغاصب وقال الغاصب ما غصبته ولا رددته ضمن القيمة. كما لو قالوا غصبته فقتله عندك مولاه
فقال الغاصب ما قتله عندي ولا غصبته يضمن القيمة، وكما لو شهدا أن له ألفا لكنه أبرأه فقال ما
كان له شئ ولا أبرأني من شئ يقضى عليه بألف، ولو ادعى أنه أوصى له بألف وبرهن ثم ادعى أنه
ابنه ولم يبرهن فله الأقل من الميراث ومن الألف. وقال محمد: الوصية باطلة. قوله: (إلا في عبد بين
مسلم ونصراني الخ) أقول: الاستثناء المذكور إنما يصح على قول محمد، لان عنده إذا بطلت الشهادة
في البعض بطلت في الكل. أما عند أبي يوسف فلا، لان عنده يجوز أن تبطل الشهادة في البعض
وتبقى في البعض كما قدمناه آنفا، ومثله في الحموي عن الظهيرية. قوله: (قبلت في حق النصراني)
ويكون العبد معتق البعض من أحد الشريكين فيجري فيه الخيارات المشهورة. قوله: (وزاد محشيها
خمسة أخرى) الأولى: قال لعبده: إن دخلت هذه الدار فأنت حر وقال نصراني: إن دخل هو هذه الدار

605
فامرأته طالق فشهد نصرانيان على دخوله الدار: إن العبد مسلما لا تقبل، وإن كافرا تقبل في حق
وقوعا الطلاق لا العتق. الثانية: لو قال إن استقرضت من فلان فعبده حر فشهد رجل وأبو العبد أنه
استقرض من فلان والحالف ينكر يقبل في حق المال لا في حق عتق العبد لان فيها شهادة الأب
للابن. الثالثة: لو قال إن شربت الخمر فعبده حر فشهد رجل وامرأتان على تحققه يقبل في حق العتق
لا في حق لزوم الحد. الرابعة: لو قال: إن سرقت فعبده حر فشهد رجل وامرأتان عليه بها يقبل في
حق العتق لا في حق القطع الكل من البزازية، وإنما لا تقبل لان شهادة النساء في الحدود غير
مقبولة.
قلت: رأيت مسألة أخرى فزدتها وهي الخامسة: لو قال لها إن ذكرت طلاقك إن سميت
طلاقك إن تكلمت به فعبده حر فشهد شاهد أنه طلقها اليوم والآخر على طلاقها أمس يقع الطلاق لا
العتاق، وهي في البزازية أيضا. كذا في حاشية تنوير البصائر.
أقول: لعل ذلك موقت بأن يكون أصل الكلام: إن ذكرته اليوم، وحينئذ فعدم عتق العبد من
حيث إنه لم يقم عليه نصاب الشهادة وإلا فهو مشكل. تأمل. وزاد البيري ما في خزانة الأكمل من
اللقطة، وذلك: لقطة في يد مسلم وكافر فأقام صاحبها شاهدين كافرين عليها تسمع على ما في يد
الكافر خاصة استحسانا، وما لو مات كافر فاقتسم ابناه تركته ثم أسلم أحدهما ثم شهد كافران على أبيه
بدين قبلت في حصة الكافر خاصة ا ه‍.
أقول: قد ذكر سيد الوالد في تنقيحه جملة مسائل في ترجيح البينات لخصها تلخيصا حسنا
بأوجز عبارة، وقد ذكر أنه قصد ذكر ذلك خدمة لصاحب الشرع الشريف (ص) فأحببت الاقتداء به،
كذلك خدمة لجناب جدي سيد الأنبياء والمرسلين مستمدا بمدده ومددهم صلى الله تعالى عليه وعليهم
وسلم أجمعين، وإنما ذكرت ذلك هنا وإن لم يكن محلها هذا الباب كما نبهت على ذلك فيما تقدم قريبا
اتباعا للمصنف والشارح رحمهما الله تعالى ونفعني بهما والمسلمين، آمين.
(نكاح) بينة الأسبق تاريخا أولى في رجلين ادعيا نكاح امرأة.
بينة رد البكر النكاح عند تزويج وليها أولى من بينة سكوتها، وبينة الزوج على رضاها أو إجازتها
أولى من بينة ردها.
بينة زيد أنها امرأته أولى من بينتها أنها امرأة عمرو المنكر.
بينة المسلم أولى من بينة النصراني إذا أقام بينة نصرانية. على نكاح نصرانية.
بينة فساد النكاح أولى من بينة صحته.
بينة المرأة في قدر المهر أولى من بينة الزوج إن شهد مهر المثل للزوج.
بينة المرأة أن أباها زوجها وهي بالغة ولم ترض أولى من بينة الزوج أنها كانت قاصرة.
بينة المرأة أن الدار التي يسكنانها ملكها أولى من بينة الزوج أنها ملكه.
بينة الزوج في متاع النساء أنه ملكه أولى من بينة المرأة.
بينة الصحة أولى فيما لو ادعى الزوج الابراء من المهر في الصحة وورثتها أنه في المرض.

606
بينة المرأة أنها أبرأته من المهر بشرط أولى من بينة الزوج أنه بلا شرط.
بينة الزوج أنها أبرأته من المهر أولى من بينة المرأة أنه كان مقرا به إلى الآن.
بينة المرأة أنه تزوجها في رجب أولى من بينة ورثته أنه مات في صفر.
طلاق بينة المرأة أنه كان عاقلا وقت الخلع أولى من بينة الرجل أنه كان مجنونا، والأصل في ذلك
أن بينة كون المتصرف عاقلا أولى من بينة كونه مجنونا.
بينة الابن أن أباه أبانها وانقضت عدتها أولى من بينة المرأة أنه مات وهي على نكاحه، وهو
الصحيح.
نفقة بينة المرأة أنه موسى فعليه نفقة الموسرين أولى من بينة الزوج أنه معسر.
بينة الزوجة أولى فيما لو اختلفا في مقدار المفروض أو زمانه لأنها تثبت الزيادة.
بينة الزوجة أن الثوب المبعوث أو الدراهم هدية أولى من بينة الزوج أنه من الكسوة أو المهر.
خانية. وفي الخلاصة بالعكس.
بينة الابن الغائب أن أباه حين أنفق مال الابن على نفسه كان موسرا أولى من بينة الأب الاعسار.
بينة الابن الزمن أن زيدا أبوه فعليه نفقته أولى من بينة زيد أن رجلا آخر هو أبو الزمن.
بينة الظئر المشروط عليها الارضاع بنفسها أنها أرضعت الصبي بلبنها الاجر أولى من بينة أبيه
أنها أرضعته بلبن شاة.
عتق بينة الأمة أنه أعتقها قبل الولادة فولدها حر أولى من بينة السيد أنها ولدت قبل الاعتاق.
بينة البنت أن أبي مات حر الأصل أولى من بينة المدعي أنه كان عبدي فأعتقته وولاؤه لي.
بينة المولى في قدر بذل الكتابة أولى من بينة العبد لاثباتها الزيادة.
بينة الأمة أنه دبرها في مرض موته وهو عاقل أولى من بينة الورثة أنه كان مختلط العقل.
بينة مدعي فساد الكتابة أولى من بينة مدعي صحتها.
بينة المكاتب أن الكتابة على نفسه وماله أولى من بينة المولى أنها على نفسه فقط.
وقف بينة الأسبق تاريخا أولى فيما لو برهن ذو اليد أنها وقف عليه والقيم أنها وقف على المسجد.
بينة مدعي الوقف بطنا بعد بطن أولى من بينة مدعي الاطلاق.
بينة الخارج على الملك أولى من بينة المتولي ذي اليد على أنه وقف، وبه يفتى.
بينة الخارج أنها وقف على مطلق أولى من بينة ذي اليد أن بائعي اشتراها من الواقف إلا إن أثبت
ذو اليد تاريخا سابقا على الوقف.

607
بينة فساد الوقف أولى من بينة الصحة إن كان الفساد بشرط مفسد، وبينة الصحة أولى إن كان
الفساد لمعنى في المحل أو غيره.
بيع بينة مدعي فساد البيع أولى من بينة الصحة اتفاقا إن كان الفساد بشرط أو أجل فاسدين،
وبينة مدعي الفساد أولى أيضا ولو لمعنى في صلب العقد كالشراء بألف ورطل خمر في ظاهر الرواية.
بينة مدعي البيع كرها أولى من بينة مدعيه طوعا في الصحيح.
بينة الغبن أولى من بينة العكس.
بينة الدائن أن الورثة باعوا عبدا من التركة المستغرقة أولى من بينتهم أن البائع مورثهم.
بينة مدعي البيع وفاء أولى من بينة مدعيه بابا.
بينة المشتري على الإقالة أولى من بينة البائع على البيع لبطلان الثانية بإقرار مدعي الإقالة.
بينة ذي اليد أني بعتكما هذا العبد بألفين أولى من بينة أحدهما أني اشتريته منك بألف.
بينة أني بعتك كذا في يوم كذا في مكان كذا أولى من بينة الآخر أني لم أكن ذلك اليوم في ذلك
المكان.
بينة ذي اليد أن فلانا أودعني الدار أولى من بينة الخارج على الشراء من ذي اليد.
بينة من بلغ فادعى أن الوصي باع كذا بغبن أولى من بينة المشتري، وقال كثير بالعكس.
بينة المشتري أن أباك باعها مني في صغرك أولى من بينة الابن أنه كان بالغا، وقيل بالعكس.
بينة المشتري أنك بعت مني بعد بلوغك أولى من بينة البائع أنه قبله لاثباتها العارض.
بينة المشتري إجازة المالك بيع الفضولي أولى من بينة المالك الرد لأنها ملزمة.
بينة الخارج أني اشتريته من أبيك أولى من بينة ذي اليد أنه ملك أبيه إلى حين موته.
بينة الخارج أني اشتريته من أبيك منذ عشر سنين أولى من بينة ذي اليد أن أباه مات منذ عشرين
سنة.
بينة مثبت الزيادة أولى فيما لو اختلفا في قدر الثمن أو قدر المبيع.
بينة البائع في الثمن وبينة المشتري في المبيع أولى لو اختلفا في قدر الثمن والمبيع جميعا بأن قال
قال البائع بعت العبد الواحد بألفين وقال المشتري بل بعت العبدين بألف فيحكم للبائع بألفين وللمشتري
بعبدين.
بينة الصحة أولى فيما لو ادعيا الشراء من ثالث أحدهما شراء صحيحا والآخر فاسدا.
بينة ذي اليد أن زيدا قال لا حق لي في الدار قيل شرائك منه أولى من بينة مدعي الشراء من
زيد.
بينة الخارج على دعوى ملك مطلق أولى من بينة ذي اليد أنك شريته مني ثم تقايلنا.
بينة البائع أني بعتك الجارية بهذا العبد أولى من بينة المشتري أن البيع بألف.

608
بينة البائع أولى فيما لو اشترى زيد منه عبدين فهلك أحدهما ورد الآخر بعيب ثم اختلف في
قيمة الهالك.
بينة البائع أن المبيع هلك في يد المشتري أولى من بينة المشتري أنه هلك في يد البائع.
بينة ما ليس له الخيار لأحدهما واختلفا في الإجازة والنقض في المدة،
وبينة مدعي النقض أولى لو اختلفا بعد المدة.
بنية رب السلم أولى فيما لو اختلفا في قدر المسلم فيه أو جنسه أو صفته أو ذرعه.
بينة المسلم إليه أولى فيما لو اختلفا في رأس المال أو في مضي الاجل لاثباتها الزيادة.
بينة المؤرخ أو الأسبق تاريخا في دعوى الشراء من ثالث أولى من بينة الآخر، وفيها تفصيل
طويل.
بينة ذي اليد أنها نتجت في ملك بائعه أولى من بينة الخارج النتاج في ملك بائعه.
(شفعة) بينة الشفيع أولى من بينة المشتري فيما إذا اختلفا في قدر الثمن، وعند الثاني بالعكس.
بينة المشتري أولى فيما لو هدم البناء واختلف مع الشفيع في قيمته عند الثاني، وعند الثالث
بالعكس.
بينة المشتري أولى فيما لو قال اشتريت البناء ثم العرصة فلا شفعة لك في البناء وبرهن الشفع
على شرائهما جميعا عند الثاني، وقال الثالث بالعكس.
بينة الشفيع أولى من بينة المشتري على أنه أحدث هذا البناء والشجر.
بينة الشفيع أنك اشتريتها من زيد أولى من بينة المدعى عليها أن عمرا أودعنيها.
(إجارة) بينة المستأجر أنه استأجرها بعشرة ليركبها إلى موضع كذا أولى من بينة المؤجر أنه بعشرة
إلى نصفه.
بينة الراعي أنك شرطت على الراعي في هذا الموضع الذي هلكت فيه أولى من بينة صاحبها على
موضع آخر.
بينة المؤجر أنه استأجر منه الحانوت طائعا أولى من بينة الآخر على الاكراه.
أقول: تقدم في البيع أن بينة مدعيه كرها أولى في الصحيح، فلعل هذا مبني على خلاف
الصحيح. تأمل.
بينة المستأجر أولى فيما لو سقط أحد مصراعي باب الدار فادعاه كل منهما.

609
بينة المؤجر أنه سلمه الدار في المدة أولى من بينة المستأجر أنها كانت في يد الآجر هذه المدة.
بينة المؤجر أولى في قدر الأجرة وبينة المستأجر أولى في قدر المدة.
بينة راكب السفينة أولى فيما لو قال لصاحبها استأجرتني لأحفظ لك السكان.
بينة رب الدابة أولى فيما لو قال له الراكب استأجرتني لأبلغها إلى فلان.
(هبة) بينة مدعي الهبة المشروطة بعوض أولى من بينة الرهن وغير المشروطة بالعكس، ودلت
المسألة على أن بينة البيع أولى من بينة الرهن.
بينة الشراء من ذي اليد أولى من بينة الهبة والقبض منه إلا إذا أرخ الثاني فقط أو كان تاريخه
أسبق.
بينة مدعي نكاح الأمة أولى ن بينة مدعي الهبة أو الصدقة أو الرهن ما لم يسبق تاريخ الآخر أو
يكن أحدهما زائدا والآخر خارجا، وفي المسألة بحيث يطلب من الأصل.
بينة الوارث أن المورث وهبه كذا في الصحة أولى من بينة الآخرين على المرض.
(عارية ووديعة) بينة المعير أنها هلكت بعد ما جاوز الموضع أولى من بينة المستعير أنه ردها إليه.
بينة المودع أن رب الوديعة عزلك من الوكالة بقبضها أولى من بينة الوكيل بالقبض.
بينة الخارج عن الملك أولى من بينة ذي اليد على الايداع بعد قوله هو في يدي ما لم يقل أولا إنه
في يدي وديعة.
بينة المودع على الرد أو على ضياعها عنده أولى من بينة المالك على الاتلاف، وقيل بالعكس.
بينة مدعي الايداع عند ذي اليد أولى من بينة ثالث على ملك مطلق.
بينة ذي اليد أن فلانا أودعنيها أولى من بينة آخر إني اشتريتها منك.
(غصب) بينة المالك على الاتلاف أولى من بينة الغاصب على المالك.
بينة الغاصب أن المغصوب مات عند المالك أولى من بينة الموت عند الغاصب عند محمد، وعند
الثاني بالعكس.
بينة الغصب فيما في يد آخر أولى من بينة ثالث الملك المطلق.
بينة أن ذا اليد غصب الجارية منه اليوم أولى من بينة ثالث غصبها منه منذ شره، ويضمن المدعى
عليه قيمتها للثالث في قياس قول الإمام، وفي قياس قول أبي يوسف هي للثالث ولا ضمان. خانية.
(جنايات) بينة الموت من الجرح أولى من بينة الموت بعد البرء كما في الدرر والقنية. وفي
الخلاصة بالعكس، وبه أفتى المولى أبو السعود أفندي.
بينة أنه قتل أباه يوم كذا أولى من بينة الخصم أن أباه كان ميتا ذلك اليوم.
بينة أنك أمرت صبيا بضرب حمار فمات أولى من بينة الآخر أن الحمار حي لأنه نفي مقصور.

610
(إقرار) بينة أنه أقر لوارثه في الصحة أولى من بينة أنه أقر له في المرض.
بينة الاقرار مكرها أولى من الاقرار طوعا.
بينة المقضى عليه بالدار أن المدعي أقر قبل القضاء بأن لا حق له فيها أولى، ولو بأنه أقر بعد
القضاء لا يبطل القضاء.
بينة أن الميت كان أقر أنه لا حق له في الدار أولى من بينة الوارث الإرث.
(صلح) بينة مدعي الصلح عن كره أولى من بينة مدعيه عن طوع.
(رهن) بينة الراهن أولى فيما لو اختلفا في قيمة الرهن بعد هلاكه.
بينة الراهن على عدم الرد أولى من بينة المرتهن أني أخذت المال ورددت الرهن.
بينة المرتهن في تعيين الرهن أولى من بينة الراهن.
بينة الراهن أولى فيما لو ادعى كل منهما هلاكه عند الآخر.
بينة المرتهن أنك رهنتني الثوبين أولى من بينة الراهن أنه رهنه أحدهما.
بينة الراهن أن العبد كانت قيمته قبل اعوراره مثل الدين أولى من بينة المرتهن أنه مثل نصفه.
بينة الراهن أنه رهنه سليما قيمته عشرة أولى من بينة المرتهن أنه رهنه معيبا قيمته خمسة.
بينة الشراء من زيد أولى من بينة الرهن منه إلا إذا أرخ الآخر فقط أو كان تاريخه أسبق.
بينة ذي اليد لو كانت العين في يد أحدهما أولى في ذلك إلا إذا سبق تاريخ الخارج.
(مزارعة) بينة المزارع أولى فيما لو اختلف مع رب الأرض والبذر في قدر المشروط بعد ما نبت،
وبينة الآخر أولى لو كان البذر من قبل المزارع بعد ما نبت أيضا.
بينة رب الأرض أولى فيما لو قال بعد النبات شرطت لي نصف الخارج وقال الآخر عشرين
قفيزا.
بينة المزارع أولى لو عكست الدعوى ولم تخرج الأرض شيئا: أي لاثباتها عدم لزوم أجرة
الأرض.
بينة مدعي الصحة أولى من بينة مدعي الفساد باشتراط أقفزة معينة.
بينة رب الأرض والبذر أني شرطت لك النصف وعشرين قفيزا أولى من بينة الآخر على شرط
النصف فقط.
(مضاربة) بينة القابض أن المال قرض أولى من بينة الدافع أنه مضاربة أو بضاعة، وبينة الدافع أن
المال قرض أولى من بينة القابض أنه مضاربة.
بينة المضارب أولى فيما لو اختلف في قدر المشروط من الربح.
بينة رب المال أولى فيما لو اختلفا في التخصيص بتجارة أو بيع بنقد وعدمه.
بينة المضارب أولى في المضاربة الخاصة إذا اختلفا في التجارة.

611
بينة المضارب أولى فيما لو قال: قسمنا الربح بعد قبضك رأس المال وأنكر الآخر قبضه.
بينة المضارب أنك شرطت لي الثلث أولى من بينة الآخر على الثلث إلا عشرة.
بينة المضارب أنك شرطت لي مائة أو لم تشرط لي شيئا فلي عليك أجل المثل أولى من بينة الآخر
شرط النصف.
(شركة) بينة الآمر أولى فيما لو أمر أحد الشريكين رجلا بشراء عبد وأنه اشتراه قبل تفرقهما
حتى يكون للشركة وبرهن الآخر أنه بعده ليكون للآمر وحده، وبينة غير الآمر أولى فيما لو برهن
الآمر أن الشراء بعد التفرق ليكون العبد له خاصة.
بينة الخارج على شركة المفاوضة مع الميت أولى من بينة الورثة أنه ترك المال ميراثا بلا ش
(قسمة) بينة من يدعي بيتا في يد آخر أنه وقع في قسمته أولى من بينة الآخر.
(دعوى) بينة البراءة أولى من البينة على المال إن لم يؤرخا، أو أرخ أحدهما فقط أو أرخا سواء.
بينة المطلوب على أنك أقررت ببراءة أولى من بينة الطالب على أنك أقررت بالمال بعد إقراري بالبراءة وبينة الطالب أولى إن قال إنك أقررت بالمال بعد دعواك إقراري بالبراءة.
بينة الأسبق تاريخا أولى فيما لو ادعيا ملكية عين في يد ثالث أو في أيديهما، وكذا لو أرخ
أحدهما فقط، وإلا فبينهما.
بينة الخارج أولى إلا إذا ادعى ذو أيد النتاج ونحوه مما لا يتكرر كجز الصوف وحلب اللبن، أو
أرخا وتاريخه أسبق فبينته أولى.
بينة الخارج أولى في دعوى النتاج إن أرخا ووافق سن الدابة تاريخه.
بينة الخارج أيضا فيما إذا برهنا على النتاج ثم برهن على إقرار ذي اليد ببيعها وشرائها من
فلان لأنه إذا باع ثم اشترى كان ملكا حادثا فيبطل دعوى النتاج ونحوه.
بينة من وافق سن الدابة تاريخه أولى فيما لو ادعيا النتاج على ثالث ذي يد وإن لم يوافق أحدهما
فبينهما.
بينة مدعي النتاج خارجا أو صاحب يد أولى من بينة المدعي الملك.
بينة ذي اليد أولى فيما لو ادعى أن هذا العبد ولد في ملكه من أمته وعبده وبرهن الخارج على
مثل ذلك.
بينة الخارج أولى فيما لو برهن على أن هذه أمته ولدت هذا العبد في ملكه وبرهن ذو اليد
كذلك.
بينة مدعي كل الدار أولى من بينة مدعي نصفها لو كانت في أيديهما، ولو في يد ثالث فلمدعي
الكل ثلاثة أرباعها وللآخر ربعها عند الامام.
بينة رب الدين على اليسار أولى من بينة المديون على الاعسار.
بينة الأقرب تاريخا أولى فيما لو برهن أحدهما أن العين في يده منذ شهر وبرهن الآخر أنها في
يده منذ جمعة أو الساعة.

612
بينة ذي اليد أولى فيما لو برهن أن العبد عبده منذ عشرين سنة وبرهن الخارج أنه كان في يده
منذ سنة حتى اغتصبه ذو اليد منه.
بينة الخارج أن قاضي كذا قضى له بهذه الجارية أو الدابة أولى من بينة ذي اليد على النتاج،
خلافا لمحمد.
بينة الشراء أولى فيما إذا برهن على ذي اليد شراءها من زيد وبرهن آخر على الهبة منه: أي من
زيد وآخر على الصدقة منه وآخر على الإرث منه وإن ادعى كل واحد ذلك من رجل فبينهم أرباعا.
بينة الأسبق تاريخا أولى فيما لو برهن أن الدار كانت لزيد الميت منذ سنتين ثم مات وتركها ميراثا
لي وبرهن آخر أنها كانت لعمرو الميت منذ سنة ثم مات وتركها ميراثا لي، بخلاف ما لو أرخا الموت
فتنصف بينهما ويلغى التاريخ.
بينة الابن أن فلانا قتل أباه يوم السبت أولى من بينة المرأة أن أباه تزوجها يوم الأحد.
بينة المرأة أولى لو برهن الابن على الموت لان وقت الموت لا يدخل في القضاء، بخلاف القتل.
بينة المدعي أنه ابن عمر الميت لأبيه مع ذكر النسب أولى من بينة المدعى عليه أن الميت فلان آخر
أو أن أباك أقر في حياته أنه أخو فلان لامه لا لأبيه.
بينة المسلم أولى فيما لو أقام مسلم ونصراني شهودا نصارى على دين في تركة نصراني فيبدأ بدين
المسلم، وقال الثاني: يتحاصان.
وبينة المسلم أولى فيما لو أقاما شهودا نصرانية على عبد في يد نصراني حي، وعن الثاني أنه
ينصف بينهما.
وبينة المسلم أولى أيضا فيما لو مات نصراني له ابنان مسلم وكافر وأقام المسلم بينة مسلمة أو
كافرة على موته مسلما وبرهن الكافر على موته كافرا فيقضى بالإرث للمسلم ويصلى على الميت.
بينة المقضى عليه بالأرض أنه أحدث البناء فيها أولى، إلا إذا قضى عليه بالأرض والبناء.
بينة المدعى عليه أن أباك أقر بأنه ملكي أولى من بينة مدعي الإرث من أبيه، إلا إذا برهن
المدعي أنك أقررت أنه ملك أبي فيتعارض الدفعان وتبقى بينة الإرث بلا معارض.
بينة الورثة أن سن المدعي ثمان عشرة سنة أولى من بينة المدعي أنه ابن الميت وهو ابن عشرين
سنة.
بنية المرأة أنها كانت حلالا وقت الموت أولى من بينة الورثة أنها كانت حراما قبل موته بسنة.
بينة من يدعي أن الكنيف في طريق العامة محدث أولى من بينة صاحبه أنه قديم، والصحيح أنه
لا فرق بين الكنيف وغيره، فتقدم بينة الحدوث على بينة القدم طلقا إذا كان بدون ذكر تاريخ، أما لو
أرخا فالأسبق تاريخا أرجح كما جزم به أصحاب المتون وغيرهم.
بينة الأمانة أولى من بينة الشراء.

613
بينة البائع على النتاج بحضرة المشتري، والمستحق منه أولى من بينة المستحق على النتاج.
بينة ذي اليد أولى فيما ل ادعى أن أباه بنى الدار وتركها ميراثا له وبرهن الخارج على مثل ذلك.
بينة مدعي الإرث من جدته أولى من بينة ذي اليد أنه كان للجدة ابن غائب لم يعلم موته إلى الآن
لأنه أجنبي في إثبات ملك الغير.
بينة من يدعي زيادة الإرث أولى فيما لو اختلف الورثة في تاريخ موت الأقارب وبرهنوا.
بينة مدعي البنوة أولى في حق الإرث فيما لو برهن واحد أنه عم الميت وآخر أنه أخوه وآخر أنه
ابنه وكل قال لا وارث له غيره فيقضى بنسب الكل والمراث للابن فقط.
(شهادات) بينة أن فلانا قال أو فعل كذا أولى من بينة أنه لم يقل أو لم يفعل.
بينة أن زوج فلانة قتل أو أنه مات أولى من بينة أنه حي إلا إذا أخبر بحياته بتاريخ لاحق.
بينة الجرح أولى من بينة التعديل.
بينة الطلاق أو العتق أولى من بينة النكاح أو الملك.
بينة حرية الأصل أولى من بينة الرق.
(مأذون) بينة العبد أو الصبي المأذون على ما أقر به من غصب أو وديعة أو عارية استهلكها أو
مضاربة قبل إذنه أولى من بينة المقر له أنه في حال الاذن.
(حجر) بينة المشتري أولى فيما لو قال اشتريت منك حال صلاحك وبرهن المحجور أنه حال
الحجر.
(سرقة) بينة ذي اليد أن المتاع ملك فلان ورثه من أبيه منذ سنة ثم اشتريته منه أولى من بينة
الخارج أنه سرق منه منذ شهر.
بينة الخارج أن الحمار ملكه سرق منه منذ شهر أولى من بينة ذي اليد أنه ملكي وفي يدي منذ
سنة.
(وصية) بينة الرجوع عن الوصية أولى من كونه موصيا مصرا إلى الوفاة.
قال في نور العين ادعى الوصية وأنكرها الوارث فبرهن الموصى له فادعى الوارث الرجوع قيل
لا يسمع وقيل يسمع وهو الأصح لأنه مما يخفى لعل الموصي أوصى ثم رجع ولم يعلم بهما الوارث
فأنكر فلما أخبر ادعى الرجوع والتناقض في مثله لا يضر ولو برهن على جحود الموصي الوصية يقبل
على رواية كون الجحود رجوعا لا على رواية أنه ليس برجوع.
يقول الحقير: الظاهر أن الرواية الأولى هي الأصح والأولى إذ تقدم أن جحود ما عدا النكاح
فسخ له ا ه‍.
قال في البحر: فإن قضى بإحدى البينتين أولا بطلت الأخرى، لان الأولى ترجحت باتصال
القضاء بها فلا تنتقض بالثانية ونظيره لو كان مع رجل ثوبان أحدهما نجس فتحرى وصل بأحدهما ثم
وقع تحريه على طهارة الآخر لا تجوز له الصلاة فيه لان الأول اتصل بحكم الشرع فلا ينتقض بوقوع
التحري في الآخر ا ه‍.

614
. قال الرملي يدل بظاهره على أنه في المسائل التي سردها، وفيها ترجيح إحدى البينتين لو قضى
بالمرجوحة تقبل المرجحة ولو اتصل القضاء بالأخرى التي هي مرجوحة لأنها كانت مرجحة قبل القضاء
بخلاف المتساوية فإنها ما ترجحت إلا باتصالها بالقضاء كما هو ظاهر.
والحاصل: أنه يفرق بين ما إذا تساويا فترجح الأولى باتصال القضاء بها أو سبق القضاء بالمرجحة
إذ لا معارض لها وقته، وبين ما إذا كانت إحداهما أولى بالقبول فقضى بغيرها ثم أقيمت عليها يعمل
بها ولو اتصل القضاء بغيرها، لأولويتها يؤيده ما ذكره الزيلعي في شرح ما يأتي من مسألة ما لو برهنا
على نكاح امرأة من قوله في تعليل كونها لمن سبقت بينته لكونها أقوى لاتصال القضاء بها، لأنها لما
سبقت وحكم بها تأكدت فلا تنتقض بغير المتأكدة اه‍. فإن المرجحة أقوى قبل اتصال القضاء بها فهي
متأكدة، فينقض القضاء بغيرها لأرجحيتها قبله، لكن علل الزيلعي مسألة القتل بأنه لما حكم بأنه قتل
بمكة صار ذلك حكما بأنه لم يقتل في غيرها إذ قتل شخص واحد في مكانين لا يتصور، وهذا
يقتضي أنه في المسائل التي سردها لا ينقض الحكم السابق مطلقا لأنه حكم بنفي مقابله، إذ لا يتصور
مثلها في بيع واحد أنه بغبن فاحش وبمثل القيمة، وكذا في نظائره كما هو ظاهر، ثم رأيت في فتاوى
شيخ مشايخي الشهاب الحلبي في كتاب الوقف إذا حكم الحاكم بالبينة الأولى لا تسمع البينة الثانية،
لان الأولى ترجحت باتصال القضاء بها.
قال قاضيخان: لو أقامت المرأة البينة أن الميت تزوجها يوم النحر بمكة وحكم القاضي بشهادتهم
ثم أقامت أخرى أنه تزوجها في ذلك اليوم بخراسان لم تقبل ا ه‍. والله تعالى أعلم وأستغفر الله
العظيم.

615
باب الاختلاف في الشهادة
قال في المصباح: خالفته مخالفة وخلافا وتخالف القوم واختلفوا: إذا ذهب كل واحد إلى خلاف
ما ذهب إليه الآخر ا ه‍. ثم الاختلاف من العوارض، والأصل الاتفاق ولذلك أخر هذا الباب،
وأطلق هذا الاختلاف فشمل مخالفتها للدعوى كما شمل اختلاف الشاهدين، واختلاف الطائفتين من
المشهود فسيظهر هذا الشمول في المسائل الآتية كما لا يخفى. قوله: (مبنى الباب) أي بناء أحكام
مسائله فهو مصدر ميمي لا اسم مكان، لان المكان هو الباب. قوله: (منها أن الشهادة على حقوق
العباد لا تقبل بلا دعوى) من مدع لان ثبوت حقوقهم يتوقف على مطالبتهم ولو بالتوكيل. درر.
قوله: (بخلاف حقوقه تعالى) حيث لا تشترط فيها الدعوى، لان إقامة حقوق الله تعالى واجبة على كل
أحد، وكل أحد خصم في إثباتها فصار كأن الدعوى موجودة. درر. لكن ما ذكره الشارح من هذا
الأصل ليس من هذا الباب، لأنه في الاختلاف في الشهادة لا في قبول الشهادة وعدمها كما أفاده
الشرنبلالي، لكن يأتي قريبا ما ينافيه عند قول المصنف فإذا وافقتها. قوله: (بأكثر من المدعى باطلة)
لان المدعي مكذب لهم إلا إذا وفق.
قال في البحر: ومن المخالفة المانعة ما إذا شهد بأكثر، ومن فروعها دار في يد رجلين اقتسماها
وغاب أحدهما فادعى رجل على الحاضر أن له نصف هذه الدار مشاعا فشهدوا أن له النصف الذي في
يد الحاضر فهي باطلة لأنها بأكثر من المدعى به، ولو ادعى دارا واستثنى طريق الدخول وحقوقها
ومرافقتها فشهدوا أنها له ولم يستثنوا شيئا لا تقبل، وكذا لو استثنى بيتا ولم يستثنوه إلا إذا وافق فقال:
كنت بعت هذا البيت منها فتقبل. كذا في فتح القدير. ومن أمثلة كون المشهود به أقل في الخلاصة:
ادعى النقرة الجيدة وبين الوزن فشهدوا على النقرة والوزن ولم يذكروا جيدة أو رديئة أو وسطا تقبل
ويقضى بالردئ، بخلاف ما إذا ادعى قفيز دقيق مع النخالة فشهدوا من غير نخالة أو منخولا فشهدوا
على غير المنخول لا تقبل ا ه‍. مع أنهم شهدوا بأقل بما إذا شهدوا به غير منخول والدعوى بالمنخول
بدليل عكسه. وادعى الاتلاف وشهدوا بقبضه نقبل، ولو ادعى أنه قبض مني كذا درهما بغير حق
وشهدوا أنه قبض بجهة الربا تقبل، ولو ادعى الغصب
وشهدوا بقبضه بجهة الربا لا تقبل، إذ الغصب قبض بلا إذن والقبض بجهة الربا قبض بإذن، ولو
ادعى أنه غصب منه وشهدا أنه مالك المدعي وفي يده: أي يد المدعى عليه بغير حق لا تقبل لا على
الملك لأنهما لم يقولا غصبه منه ولا على الغصب لأنهما شهدا أنه بيده بغير حق، ويجوز أن يكون بيده
بغير حق لا من جهة المدعي بأنه غصبه من غير المدعي لا منه ا ه‍.
أقول: وهذا يدفع تنظير صاحب جامع الفصولين في تعليل المسألة، وقوله: أن هذا الاختلاف
لا يمنع قبول الشهادة لأنهما شهدا بأقل مما ادعى، إذ في دعوى الغصب منه دعوى أنه بيده بغير حق
مع زيادة دعوى الفعل فينبغي أن يقبل، مع أن عدم القبول في أمثاله يفضي إلى التضييق وتضييع كثير
من الحقوق والحرج مدفوع شرعا ا ه‍. فتدبر. ثم قال في البحر: ادعى أنه قبض من مالي كذا قبضا

616
موجبا للرد وشهدا أنه قبضه ولم يشهد أنه قبض قبضا موجبا للرد يقبل في أصل القبض فيجب رده،
ولو شهدا أنه أقر بقبضه ينبغي أن تقبل قياسا على الغصب. ادعى أنه أهلك أقمشتي كذا وعليه قيمتها
وشهدا أنه باع وسلم لفلان يقبل لأنه إهلاك، ولو ذكرا بيعا لا تسليما لا يكون شهادة بإهلاك. ثم
قال: ادعى شراء منه فشهدا بشراء من وكيله ترد، وكذا لو شهدا أن فلانا باع وهذا المدعى عليه أجاز
بيعه، ثم قال: ادعى أن مولاي أعتقني وشهدا أنه حر ترد لأنه يدعي حرية عارضة، وشهدا بحرية
مطلقة فيصرف إلى حرية الأصل: وهي زائدة على ما ادعاه، وقيل تقبل لأنهما لما شهدا أنه حر شهد
بنفس الحرية قال: والأمة لو ادعت أن فلانا أعتقني وشهدا أنها حرة تقبل إذ الدعوى ليست بشرط هنا
فعلى هذا ينبغي أن يكون الخلاف المذكور في القن على قول أبي حنيفة، أما على قولهما ينبغي أن يقبل
في القن رواية واحدة كما في الأمة، إذ الدعوى ليست بشرط في القن عندهما كالأمة، ولو ادعى
حرية الأصل وشهدا أن فلانا حرره قيل ترد وقيل تقبل لأنهما شهدا بأقل مما ادعاه انتهى وبه علم
أن المطابقة بين الدعوى والشهادة إنما هي شرط فيما كانت الدعوى فيه شرطا، وإلا فلا، ولذا لو
ادعت الطلاق فشهدا بالخلع تقبل كما سيأتي.
والحاصل: أنهم إذا شهدوا بأل مما ادعي تقبل بلا توفيق ا ه‍.
وسنذكر تتمة الكلام على ذلك في مسألة دعوى النتاج إن شاء الله تعالى، وإن كان بأكثر لم تقبل إلا
إذا وفق، فلو ادعى ألفا فشهدا بألف وخمسمائة فقال المدعي كان لي عليه ألف وخمسمائة إلا أني أبرأته
من خمسمائة أو قال استوفيت منه خمسمائة ولم يعلم به الشهود يقبل، وكذا في الألف والألفين ولا
يحتاج إلى إثبات التوفيق بالبينة، لان الشئ إنما يحتاج إلى إثباته بالبينة إذا كان سببا لا يتم بدونه ولا ينفرد
بإثباته، كما إذا ادعى الملك بالشراء فشهد الشهود بالهبة فإن ثمة يحتاج إلى إثباته بالبينة، أما الابراء فيتم به
وحده، ولو أقر بالاستيفاء يصح إقراره ولا يحتاج إلى إثباته، لكن لا بد من دعوى التوفيق هنا استحسانا.
والقياس أن التوفيق إذا كان ممكنا يحمل عليه، وأن لم يدع التوفيق تصحيحا للشهادة وصيانة لكلامه وجه
الاستحسان أن المخالفة بين الدعوى والشهادة ثابتة صورة، فإن كان التوفيق مرادا تزول المخالة، وإن لم
يكن التوفيق مرادا لا تزول بالشك، فإذا ادعى التوفيق ثبت التوفيق وزالت المخالفة. وذكر الشيخ الامام
المعروف بخواهر زاده أن محمدا شرط في بعض الموضع دعوى التوفيق، ولم يشترط في البعض، وذاك
محمول على ما إذ ادعى التوفيق أو ذاك جواب القياس فلا بد من دعوى التوفيق، فلو قال المدعي ما كان
لي عليه إلا ألف درهم فقط لا تقبل شهادتهم. كذا في الخانية. ولا فرق في كون المشهود به أقل بين أن
يكون في الدين أو في العين، فلو ادعى كل الدار فشهدا بنصفها قضى بالنصف من غير توفيق. كذا في
الخانية. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى أن المدعي إذا أكذب شهوده في جميع ما شهدوا به له أو بعضه
بطلت شهادتهم، إما لأنه تفسيق للشاهد، أو لان الشهادة لا تقبل بدون الدعوى، فلو شهد الشهود بدار
لرجل فقالوا هذا البيت من هذه الدار لفلان رجل آخر غير المدعي فقال المدعي لي هو لي فقد
أكذب شهوده، وإن قال هذا قبل القضاء لا يقضى له ولا لفلان بشئ، فإن كان بعد القضاء فقال هذا
البيت لم يكن لي إنما هو لفلان، قال أبو يوسف: أجزت إقراره لفلان وجعلت له البيت وأرد ما بقي من
الدار على المقضي عليه ويضمن قيمة البيت للمشهود عليه، ولاني يوسف قول آخر أنه يضمن قيمة البيت
للمشهود عليه ويكون ما بقي من الدار للمشهود له. كذا في الخانية.

617
ثم اعلم أن المدعي إذا كذب شهوده إنما ترد شهادتهم إذا كذبهم فيما وقعت الدعوى به، أما إذا
صدقهم فيها وكذبهم في شئ زادوه فإنها تقبل له فيما ادعاه وإن لم يدعه المدعى عليه: يعني إن لم يدع
الزائد لا ما ادعاه المدعي، وعلى هذا قال في الخانية: شهدا لرجل أن فلانا غصب عبده ولكن قد رده
عليه بعده فمات عند مولاه فقال المغصوب من لم يرده علي وإنما مات عند الغاصب وقال المشهود
عليه ما غصبته عبدا ولا رددته عليه وما كان من هذا من شئ، قال: إذا لم يدع شهادتهما ضمنته
القيمة، كذا لو شهدا أنه غصبه عبدا له فجاء مولاه قتله عند الغاصب فقال المغصوب منه ما قتلته
ولكنه قد غصبته ومات عنده وقال المشهود عليه ما غصبته عبدا ولا قتل هذا المدعي عبدا له في
يدي كان عليه قيمته، وكذا لو شهدا أن لهذا علي ألف درهم ولكنه قد أبرأه منها وقال المدعي ما
أبرأته عن شئ وقال المشهود عليه ما كان له علي شئ ولا أبرأني عن شئ، قال: إذا لم يدع
شهادتهما على البراءة قضيت عليه ألف ا ه‍.
ثم اعلم أن المدعي إذا تكلم بكلام يحتمل أن يكون تكذيبا: فإن كان قبل القضاء لا يقضى له،
وإن كان بعده لم يبطل إلا أن يكون تكذيبا للشاهد قطعا، فلو قضي له بالدار بالبينة فأقر أنها لرجل
غير المقضي عليه لا حق للمدعي فيها وصدقه فلان أو كذبه لم يبطل القضاء، لاحتمال النفي من
الأصل، واحتمال أنه ملكها إياه بعد القضاء، وإن كان في مجلس القضاء فلا يبطل بالشك، فلو قال
بعد القضاء هي لفلان لم تكن لي قط: فإن بدأ بالاقرار وثنى بالنفي أو عكسه: فإن صدقه المقر له في
الجميع بطل القضاء ويرد على المقضي عليه ولا شئ للمقر له، وإن كذبه في النفي وصدقه في الاقرار
كانت للمقر له وضمن المقر قيمة الدار للمقضي عليه سواء بدأ بالاقرار أو بالنفي. كذا ذكر في
الجامع. قالوا: هذا إن بدأ بالنفي وثنى بالاقرار موصولا، أما إن كان مفصولا لم تصح. وتمامه في
الخانية. بخلاف المقر له إذا قال هي لفلان ما كان لي قط لان ثمة لا منازع للثالث فيسلم وهنا
المقضى عليه ينازعه. كذا في التلخيص.
وفي المحيط البرهاني: قضى له بالدار ببنائها ببينة ثم قال ليس البناء لي وإنما هو للمدعى عليه
بطل القضاء لأنه إكذاب للشاهد، بخلاف ما إذا قال البناء له فليس بإكذاب. هكذا في الأقضية.
وفرق بين ما إذا ذكروا البناء في شهادتهم فيكون إكذابا أو لا فلا في شهادات الأصل. وإذا ذكروه فلا
فرق بين النفي والاثبات فقط في كونه تكذيبا؟ ولو ادعى قدرا وبرهن عليه ثم أقر بقبض بعضه، فإن
أقر بما يدل على قبضه قبل الدعوى والبينة فهو تكذيب لشهوده وإلا فلا، ولو ادعى أربعمائة درهم
وقضى له ببينة ثم أقر أن للمدعى عليه مائة سقط عنه مائة اتفاقا، وهل تسقط الثلاثمائة؟ قولان في
المحيط وغيره، والفتوى على عدمه كما في الملتقط.
وفي المحيط: شهد له على رجل بألف وعلى آخر بمائة فصدقهم في الأول وكذبهم في الثاني
بطلتا، وكذا لو شهدا بغصب ثوبين فصدقهما في أحدهما وكذبهما في الآخر بطلت فيهما، ولو قضى
لثلاث بميراث عن أبيهم ثم قال أحدهم ما لي فيه حق وإنما هو لأخوي كان الكل لهما، فإن قال
لم يكن لي فيه حق وإنما هو لهما بطلت حصته عن المقضي عليه، ولو ادعى أنه أوصى له بألف
درهم وبرهن ثم ادعى أنه ابن الموصي ولم يبرهن فله الأقل من الميراث ومن الألف. وقال محمد:
الوصية باطلة ولا شئ له ا ه‍.

618
وفي البزازية: ادعى المديون الايفاء فشهدا على إبراء الدائن أو على أنه حلله تقبل، كما لو ادعى
الغصب فشهدا بالاقرار به تقبل.
ادعى الكفيل بالامر الايفاء وشهدا على البراءة تقبل، ووضع المسألة على الايفاء ليعلم أن الايفاء
غير مقتصر عليه، ولهذا لا يرجع الكفيل على الأصيل ويرجع الطالب على الأصيل كأنه إبراء الكفيل،
وإبراء الكفيل لا يوجب إبراء الأصيل، وإنما ذكره ليؤذن أن المقضى به براءة الكفيل لا الايفاء، وهذا
لان دعوى الكفيل تضمن البراءة مع تمكنه بالرجوع على الأصيل وشاهداه شهدا على القطع ببعض
دعواه، فيقبل في ذلك لا في الزائد ا ه‍.
وفي السراجية: ادعى عشرة آلاف درهم فشهدا له بمبلغ عشرة آلاف درهم لم تقبل، لان مبلغ
هذا المال مال آخر.
شهدا على دعوى أرض أنها خمسة مكاييل وأصابا في بيان حدودها وأخطأ في المقدار قبلت ا ه‍.
وفي عرفنا المبلغ هو القدر فإنهم يقولون قبض مبلغ كذا: أي قدر كذا لا مال آخر، فينبغي أن تقبل
الشهادة في عرفنا.
ادعت على زوجها أنه وكل وكيلا فطلقني وشهدا أنه طلقها بنفسه يقع الطلاق.
ادعى الطلاق وشهدا بالخلع تسمع، لان وجه التوفيق ممكن، ولو ادعى المديون الابراء وشهدوا
أن المدعى عليه بمال معلوم تقبل شهادتهم إن كان الصلح بجنس الحق لحصول الابراء
عن البعض بالاستيفاء، وعن البعض بالاسقاط.
ادعت أنها اشترت هذه الجارية من زوجها بمهرها وشهدوا أن زوجها أعطاها مهرها من غير أن
يجري البيع بينهما تقبل ا ه‍. قوله: (ومنها أن الملك المطلق الخ) هذا من فروع الذي قبله لا أصل
مستقل ط. قيل وكان الظاهر إرجاع هذا الأصل إلى أصل قبله كما هو المتضح من تعليل قوله
وبعكسه لا ا ه‍. وأيضا الظاهر أن هذا وما قبله يرجعان إلى موافقة الشهادة للدعوى وعدمها لما أنهما
متفرعان عليها كما في البدائع، بل التحقيق فيه أن كليهما نوعا عدم الموافقة بينهما فلا يناسب إرجاع
أحدهما للآخر كما لم يناسب إرجاعهما لذلك. تدبر. قوله: (لثبوته) أي المطلق من الأصل: أي غير
مقيد بوقت بقرينة المقابلة فكأنه نتاج. قوله: (لفظا ومعنى) واختلاف لفظهما الذي لا يوجب اختلاف
المعنى لا يضر. منح. كالنكاح والتزويج والهبة والعطية. قوله: (معنى فقط) كما إذا ادعى غصبا فشهدا
بإقراره به تقبل، وكما لو ادعى دارا بلفظ البيت تكفي في عرف من يطلقه على الدار وهو
الأشبه والأظهر. هندية.
قال في الخانية: ولو ادعى أنه اشترى الأمة منه بعبد منذ شهر ثم جاء بشهود فشهدوا أنه
اشتراها منه منذ سنة أو قبل ذلك لا تقبل لمكان التناقض، إلا أن يوفق فيقول اشتريتها منه منذ سنة
كما شهد به الشهود ثم بعتها ثم اشتريتها منذ شهر، فإذا وفق على هذا الوجه أو شهد الشهود بالبيع
والشراء بعد ذلك يصح التوفيق ويقضى له ا ه‍. وفي ذلك نظر لأنه صار مدعيا بالأخير وهما شهدا
بالأول إلا إذا أعاد الشهادة بالاطلاق وربما أشار لذلك بقوله بعد ذلك.

619
وفي البزازية: ادعى الشراء منذ شهرين فشهدا بالشراء منذ شهر قبلت وبقلبه لا. قوله: (تقدم
الدعوى في حقوق العباد شرط قبولها) فيه إشارة إلى أن ما لا يشترط فيه الدعوى لا يضر فيه مخالفتها
للشهادة ا ه‍، أي لان الشهادة حيث قبلت بلا دعوى فوجود المخالفة كلا وجود.
وفي جامع الفتاوى: ادعت على زوجها أنه وكل وكيلا على الطلاق فطلقني فشهد الشهود أنه
طلقها بنفسه يقع الطلاق.
قال في العناية: الشهادة إذا وافقت الدعوى قبلت وإن خالفتها لم تقبل، قد عرفت معنى الشهادة
فأعلم أن الدعوى هي مطالبة حق في مجلس من له الخلاف عند ثبوته، وموافقتها هو أن يتحدا نوعا
وكما وكيفا ومكانا وزمانا وفعلا وانفعالا ووصفا وملكا ونسبة، فإنه إذا ادعى على آخر عشرة دنانير
وشهد الشاهد بعشرة دراهم، أو ادعى عشرة دراهم وشهد بثلاثين، أو ادعى سرق ثوب أحمر وشهد
بأبيض، أو ادعى أنه قتل وليه يوم النحر بالكوفة وشهد بذلك يوم الفطر بالبصرة، أو ادعى شق زقه
وإتلاف ما فيه به وشهد بانشقاقه عنده، أو ادعى عقارا بالجانب الشرقي من ملك فلان وشهد بالغربي
منه، أو ادعى أنه ملكه وشهد أنه ملك ولده، أو ادعى أنه عبده ولدته الجارية الفلانية وشهد بولادة
غيرها لم تكن الشهادة موافقة للدعوى. وأما الموافقة بين لفظيهما فليست بشرط، ألا ترى أن المدعي
يقول ادعى علي غريمي هذا والشاهد يقول أشهد بذلك، واستدل المصنف رحمه الله تعالى على
ذلك بقوله: لان تقدم الدعوى في حقوق العباد شرط قبول الشهادة وقد وجدت فيما توافقها
وانعدمت فيما تخالفها، أما تقدمها فيما شرط لقبولها فلان القاضي نصب لفصل الخصومات فلا بد
منها، ولا نعني بالخصومة إلا الدعوى. وأما وجودها عند الموافقة لعدم ما يهدرها من التكذيب. وأما
عدمها عند المخالفة فلوجود ذلك، لان الشهادة لتصديق الدعوى، فإذا خالفتها فقد كذبتها فصار
وجودها وعدمها سواء. وفيه بحث من وجهين.
أحدهما: أنه قال: تقدم الدعوى شرط قبول الشهادة وقد وجدت فيما توافقها وهو مسلم،
وجود الشرط لا يستلزم وجود المشروط.
والثاني: أنه عند المخالفة تعارض كلام المدعى والشاهد، فلما المرجح لصدق الشاهد حتى اعتبر
دون كلام المدعي؟ والجواب عن الأول أن علة قبول الشهادة التزام الحاكم سماعها عند صحتها وتقدم
الدعوى شرط ذلك، فإذا وجد فقد انتفى المانع فوجب القبول بوجود العلة وانتفاء المانع، لا أن وجود
الشرط استلزم وجوده. وعن الثاني بأن الأصل في الشهود العدالة لا سيما على قول أبي يوسف ومحمد
رحمهما الله تعالى، ولا يشترط عدالة المدعي لصحة دعواه فرجحنا جانب الشهود عملا بالأصل اه‍.
قال في الحواشي السعدية: أما وجودها عند الموافقة فظاهر، وأما عدمها عند المخالفة فكذلك
لظهور أن ليس المراد من تقدم الدعوى تقدم أية دعوى كانت بل تقدم دعوى ما يشهد به الشهود.
وتمامه فيها. قوله: (فإذا وافقتها قبلت) أي وافقتها معنى، وصدر الباب بهذه المسألة مع أنها ليست من
الاختلاف في الشهادة لكونها كالدليل لوجوب اتفاق الشاهدين، ألا ترى أنهما لو اختلفا لزم اختلاف
الدعوى والشهادة كما لا يخفى على من له أدنى بصيرة. سعدية.

620
قال سيد الوالد رحمه الله تعالى: وبه ظهر وجه جعل ذلك من الأصول.
ثم إن التفريع على ما قبله مشعر بما قاله في البحر من أن اشتراط المطابق بين الدعوى والشهادة
إنما هو فيما إذا كانت الدعوى شرطا فيه وتبعه في تنوير البصائر، وهو ظاهر لان تقدم الدعوى إذا لم
يكن شرطا كان وجودها كعدمها فلا يضر عدم التوافق. ثم إن تفريعه على ما قبله لا ينافي كونه أصلا
لشئ آخر وهو الاختلاف في الشهادة فافهم، وبما تقرر اندفع ما في الشرنبلالية من أن قوله منها أن
الشهادة على حقوق العبد الخ، ليس من هذا الباب لأنه في الاختلاف في الشهادة لا في قبولها
وعدمه، فتدبر ا ه‍. قوله: (قبلت) كما إذا ادعى ألفا قرضا فشهدا به تقبل لامكان القضاء. قوله:
(وإلا توافقها لا تقبل) بأن ادعى قرضا وشهدا بثمن متاع لا تقبل لأنها خالفت فلم يمكن القضاء بها،
وذلك أن الشهادة لأجل تصديق الدعوى، فإذا خالفتها فقد كذبتها والدعوى الكاذبة لا تعتبر فانعدم
الشرط وهو تقدم الدعوى فلم يحكم بها. عيني. ولا تنس ما قدمناه قريبا عن العناية من معنى
موافقتها إياها.
قال في فصول الاستروشني من الفصل الخامس عشر: لو ادعى الغصب وشهد أحدهما أنه أداه
والآخر على الاقرار بالغصب لا تقبل. وإذا اشترى جارية ثم وجد بها عيبا وأراد أن يردها على البائع
فأنكر البائع أن يكون باعها بهذا العيب فشهد أحد الشاهدين أنه اشترى هذه الجارية وهذا العيب بها
وشهد الآخر على إقراره البائع لم تجز هذه الشهادة، لأنهما شهدا على أمرين مختلفين ا ه‍.
وفي الخلاصة من الفصل الرابع عن الفتاوى الصغرى: إذا اختلف الشاهدان لا يخلو عن ثلاثة
أوجه: إما في زمان أو مكان أو إنشاء وإقرار: وكل منها لا يخلو عن أربعة أوجه: إما في الفعل أو
في القول أو في فعل ملحق بالقول أو عكسه. أما الفعل كغصب وثبوت نسب يكون بالولادة وهي
فعل فيمنع قبول الشهادة في الوجوه الثلاثة. وأما القول المحض كبيع أو رهن فلا يمنع قبولها مطلقا.
وأما الفعل الملحق بالقول وهو القرض فلا يمنع. وأما عكسه كنكاح فإنه يمنع ا ه‍.
قال في البحر عن الكافي: وإذا اختلف الشاهدان في الزمان أو المكان في البيع والشراء
والطلاق والعتق والوكالة والوصية والرهن والدين والقرض والبراءة والكفالة والحوالة والقذف، تقبل،
وإن اختلفا في الجناية والغصب والقتل والنكاح لا تقبل، والأصل أن المشهود به إذا كان قولا كالبيع
ونحوه، فاختلاف الشاهدين فيه في الزمان أو المكان لا يمنع قبول الشهادة لان القول مما يعاد ويكرر
، وإن المشهود به فعلا كالغصب ونحوه أو قولا، لكن الفعل شرط صحتها كالنكاح فإنه قبول وحضور
الشاهدين فعل وهو شرط، فاختلافهما في الزمان والمكان يمنع القبول، لان الفعل في زمان أو مكان
غير الفعل في زمان أو مكان آخر فاختلف المشهود به ا ه‍.
وفي الأقضية: وإذا شهد الشاهدان على إقرار رجل بدين أو إبراء من مال أو ما أشبه ذلك
واختلفا في الزمان والمكان فالشهادة مقبولة، لان الاقرار مما يعاد ويكرر فيكون عين الأول فلم يختلف
المشهود به فتقبل شهادتهما من المحيط البرهان ف 21.
في البزازية: ولو سألهما القاضي عن الزمان أو المكان فقالا لا نعلم تقبل لأنهما لم يكلفا به ا ه‍.
وفي الفتح وغيره: ولا يكلف الشاهد إلى بيان الوقت والمكان شرح الملتقى للعلائي.

621
وفي التنقيح: إذا خالف الشهادة الدعوى ثم أعيدتا تقبل ما دام في المجلس ولم يبرح عنه، وهو
ظاهر الرواية. قوله: (وهذا أحد الأصول المتقدمة) نبه عليه دون ما قبله لدفع توهم عدم أصليته بسبب
كونه مفرعا على ما قبله فإنه لا تنافي كما قدمناه، وإلا فما قبله أصل أيضا كما علمت، فتنبه. قوله:
(فلو ادعى ملكا مطلقا) كان الأنسب أن يفرع بقوله فلو ادعى ألفين وشهدا بألف قبلت اتفاقا لوجود
التطابق معنى، وهذا التفريع مشعر بما قاله في البحر من أن اشتراط المطابقة بين الدعوى والشهادة إنما
هو فيما كانت الدعوى شرطا فيه كما قدمناه قريبا. قوله: (بسبب) حال من الضمير المجرور العائد
على الملك. قوله: (كشراء أو إرث) تبع فيه الكنز، والمشهور أنه كدعوى الملك المطلق كما في البحر،
وسيذكره الشارح بقوله قلت فلو أسقط هنا لكان أولى. حلبي. قوله: (قبلت الخ) توضيح المسألة
كما في الفوائد الزينية: ادعى ملكا مطلقا فشهدا بسبب وسأل القاضي المدعي هل هو لك بهذا السبب
الذي شهدوا به أم بسبب آخر؟ فإن قالوا بالسبب الذي شهدوا به تقبل، وإلا لا كما في الخلاصة وهو
مجمل قوله.
قال في البحر: وأشار المؤلف إلى أنه لو ادعاه بسبب فشهدا بسبب آخر كألف من ثمن مبيع
فشهدا بألف من ثمن مغصوب هالك لا تقبل كما في الخلاصة. هذا إذا اختلفا فيما هو المقصود، فإذا
اتفقا فيه كدعوى ألف كفالة عن فلان فشهدا بألف كفالة عن آخر فإنها تقبل كما في الخلاصة أيضا.
ولو شهدا أنه أقر أنه كفله بألف عن زيد وقال الطالب نعم إنه أقر كذلك لكن كانت الكفالة عن
خالد بها له أن يأخذ المال وتقبل الشهادة لاتفاقهما على المقصود فلا يضره اختلاف السبب. ولو قال
الطالب: لم يقر كذلك بل أقر أنها كفالة خالد فإنها لا تقبل لأنه أكذب شهوده. كذا في البزازية:
وكما في أسباب ملك العين كما في البزازية أيضا، قال: والملك بسبب الهبة كالملك بالشراء، وكذا كل
ما كان عقدا فهو حادث ا ه‍. فعلى هذا لو ادعى عينا بسبب شراء فشهدا بأنها ملكه بالهبة تقبل ا ه‍ مع
زيادة وتغيير. قوله: (وعكسه لا) لكن في الخانية: ادعى دينا بسبب فشهدا بدين مطلق، قيل لا تقبل.
والصحيح أنها تقبل.
وفي البزازية: ادعى ألفا دينا فشهدا أنه دفع إليه ألفا لا ندري بأي جهة، قيل لا يقبل، والأشبه
أن يقبل. قال في البحر: ادعى دارا إرثا أو شراء فشهدا بملك مطلق لغت: أي لا تقبل البينة لأنهما شهدا
بأكثر مما ادعاه المدعي لأنه ادعى ملكا حادثا وهما شهدا بملك قديم وهما مختلفان، فإن الملك في المطلق
يثبت من الأصل حتى يستحق المدعي بزوائده، ولا كذلك في الملك الحادث، وترجع الباعة بعضهم
على بعض فصارا غيرين والتوفيق متعذر، لان الحادث لا يتصور أن يكون قديما ولا القديم حادثا ا
ه‍.
قال في الخانية: والملك المطلق يظهر في حق الزوائد، وفي رجوع الباعة بعضهم على بعض،
فصار كأنهم شهدوا له بالزائد قضاء فلا تقبل شهادتهم، وأشار محمد في الكتاب إلى معنى آخر فقال
المدعي أقر بالملك لمن ادعى الشراء منه ثم ادعى الانتقال إلى نفسه بالشراء ولم يثبت الانتقال لأنهم لم
يشهدوا بالانتقال فلا تقبل شهادتهم ا ه‍.

622
أقول: وبهذا المعنى الآخر يظهر وجه مسألة قبول الشهادة فيما لو ادعى الشراء من مجهول
وشهدوا بالمطلق. قوله: (بأن ادعى بسبب) أي ادعى العين لا الدين. بحر. قوله: (لكونها بالأكثر)
وفيه لا تقبل إلا إذا وفق. بحر. قوله: (قلت وهذا في غير دعوى إرث) لان مساو للملك المطلق على
المشهور كما قدمناه.
قال في البحر: وقد جعل المؤلف رحمه الله تعالى دعوى الإرث كدعوى الشراء، والمشهور أنه
كدعوى المطلق. كذا في فتح القدير وجزم به في البزازية ا ه‍.
أقول: وكذا جزم به في الخلاصة، وقيد بالدار للاحتراز عن الدين فإن فيه اختلافا.
وفي فتح القدير: لو ادعى الدين بسبب القرض فشهدا بمطلق لا تقبل. وفي المحيط ما يدل على
القبول. وعندي: الوجه القبول لان أولوية الدين لا معنى له، بخلاف العين ا ه‍.
قال الرملي: قال في التتارخانية ناقلا عن المحيط: ولو ادعى على رجل ألف درهم وقال خمسمائة
منها ثمن عبد اشتراه مني وقبضه وخمسمائة منها ثمن متاع اشتراه مني وقبضه وشهد الشهود له
بالخمسمائة مطلقا قبلت الشهادة على الخمسمائة، فهذه المسألة تنصيص على أن المدعي إذا ادعى الدين
بسبب وشهدا الشهود مطلقا أنه تقبل على الدين، وبه كان يفتي الشيخ الامام ظهير الدين
المرغيناني، والمسألة مرت من قبل ا ه‍. وهو ما تفقه به في فتح القدير. ا ه‍.
قلت: وفي نور العين: وقيل تقبل وهو الصحيح. والفرق بين الدين والعين أن العين تحتمل
الزوائد في الجملة، وحكم المطلق أن يستحق بزوائده والملك بسبب بخلافه فيصير بالسبب مكذبا
لشهوده بالمطلق، بخلاف الدين لأنه لا يحتمل الزوائد فلا إكذاب فافترقا ا ه‍. وهكذا حرره منلا علي
التركماني في مجموعته الكبرى. قوله: (ونتاج) لان المطلق أقل منه لأنه يفيد الأولية على الاحتمال
والنتاج على اليقين، ولو ادعى النتاج وشهدا على الشراء لا تقبل، إلا أن يوفق المدعي فيقول نتجت
عندي ثم بعتها منه ثم اشتريتها فتقبل كما في البحر.
وفي البحر أيضا: والحاصل أنهم إذا شهدوا بأكثر مما ادعى، فإن وفق المدعي قبلت في المسائل
كلها وإلا لا، وهذا مما يجب حفظه ا ه‍.
أقول: أما قول البحر: ادعى النتاج وشهدا على الشراء لا تقبل الخ لا يخفى الشهادة على
الشراء شهادة على الملك بسبب وهو أقل من النتاج فتكون شهادته بالأقل، وقد مر أن الشهادة بأقل مما
ادعى تقبل بلا توفيق، ويظهر من كلام الخانية أن الشهادة بالأقل تقبل إذا صلح ذلك الأقل بيانا لما
ادعاه، فإنه ذكر أولا أنه إذا ادعى دارا في يد رجل أنها له وشهدا أنه اشتراها من ذي اليد جازت لان
شهادتهم بالأقل مما ادعى، وما شهدوا به يصلح بيانا لما ادعاه المدعي فإنه لو قال ملكي لأني اشتريتها
من ذي اليد يصح ويكون آخر كلامه بيانا للأول، بخلاف ما إذا ادعى أولا النتاج وشهد بالشراء من
ذي اليد لا تقبل إلا أن يوفق، وإلا فلا، لان دعو النتاج على ذي اليد لا يحتمل دعوى ملك حادثة
من جهته، لأنه لو قال هذه الدابة ملكي بالنتاج من جهة ذي اليد لا يصح كلامه، فلا يمكن أن يجعل
آخر كلامه بيانا للأول، ولا تقبل الشهادة بدون التوفيق ا ه‍. فتأمل.

623
وفي نور العين: ولو ادعاه نتاجا فشهدا بمطلق تقبل لا في عكسه، لان دعوى المطلق دعوى
أولية الملك بالاحتمال وشهادة النتاج أولية الملك باليقين فقد شهدا بأكثر مما ادعاه فترد، وهذه المسألة
تدل على أنه لو ادعى نتاجا ثم مطلقا يقبل لا عكسه ط. ادعى نتاجا وشهدا بسبب ترد. وفي
التتارخانية عازيا للينابيع: والشهادة بالنتاج بأن يشهدا بأن هذا كان يتبع هذه الناقة ولا يشترط أداء
الشهادة على الولادة كما في الهندية في باب تحمل الشهادة. قوله: (وشراء من مجهول) كما لو ادعى
أنه ملكه اشتراه من رجل أو من زيد ولا يعرف وشهدوا على الملك المطلق فإنها تقبل، والظاهر المساواة
للملك المطلق، لأنه لما لم يبين البائع صار كأنه لم يذكره، وكأنه ادعى الملك المطلق حينئذ.
قال في نور العين: أما لو ادعى من مجهول بأن يقول شريته من محمد أو أحمد فبرهن على الملك
المطلق يقبل، لان أكثر ما فيه أنه أقر بالملك لبائعه، وهو لم يجز لأنه أقر لمجهول وهو باطل فكأنه لم
يذكر الشراء. فش: قيل لا يقبل في المجهول أيضا لأنهم شهدوا بأكثر مما يدعيه ا ه‍.
قال في البحر: وترك المؤلف رحمه الله تعالى شرطين في دعوى الشراء:
الأول: أن يدعيه من رجل معروف بأن يقول ملكي اشتريته من فلان، وذكر شرائط المعرفة،
أما إذا قال قال ملكي اشتريته من رجل أو قال من محمد والشهود شهدوا الملك المطلق يقبل. كذا
في الخلاصة.
الثاني: أن لا يدعي القبض مع الشراء، فإن ادعاهما فشهدوا على المطلق تقبل. وحكى في الفتح
خلافا: قيل تقبل لان دعوى الشراء مع القبض دعوى مطلق الملك حتى لا يشترط لصحة هذه
الدعوى تعيين العبد، وقيل لا، لان دعوى الشراء معتبرة في نفسها لا كالمطلق، ألا ترى أنه لا يقضى
له بالزوائد في ذلك ويد بما يكون له أسباب متعددة للاحتراز عما إذا كان للملك سبب واحد
فشهدوا بالمطلق تقبل، كما لو ادعى أنها امرأته بسبب أنه تزوجها بكذا فشهدوا أنها منكوحته ولم
يذكروا أنه تزوجها تقبل، ويقضي بمهر المثل إذا كان بقدر المسمى أو أقل، فإن زاد على المسمى لا
يقضي بالزيادة. كذا في الخلاصة، وأشار المؤلف إلى أن الملك المؤرخ أقوى منه بلا تاريخ، فلو أرخ في
دعوى الملك وأطلق شهوده لا تقبل. وفي عكسه المختار القبول كما في الخلاصة. ولو ادعى الشراء
وأشار المؤلف إلى أن الملك المؤرخ أقوى منه فلا تاريخ، فلو أرخ في دعوى الملك وأطلق شهوده لا تقبل. وفي عكسه المختار القبول كما في الخلاصة. ولو ادعى الشراء وأرخه فشهدوا له بلا تاريخ تقبل لأنه أقل، وعلى القبل لا تقبل، ولو كان للشراء شهران فأرخوا
شهرا تقبل، وعلى القلب لا تقبل. كذا في فتح القدير ا ه‍.
أقول: وذكره في الخلاصة أيضا، وانظر ما الفرق بينه وبين ما قبله، والذي ظهر لي أن الشهادة
بالملك المطلق بدون تاريخ أقوى منه بعد دعواه مؤرخا، لأنه بدون تاريخ محتمل الأولوية، ففي الشهادة
به زيادة. قال في البحر: ومثله شراء مع دعوى قبض، فإذا ادعاهما فشهدا على المطلق تقبل ا ه‍.
أقول: لعل وجهه أن شهادة الشهود في الملك المطلق إنما تبنى على مشاهدة اليد زمانا بحيث يقع
في قلبهم أنه ملكه، وهذا لا يتأتى إلا بعد القبض، فإن شهدوا ولم يدع القبض يكون مكذبا بالشهود.
تأمل. قوله: (واستثنى في البحر ثلاثة وعشرين) الأولى: تقديم هذا عند قول المصنف فإذا وافقتها
قبلت وإلا لا كما فعل صاحب البحر، وقال في بيانها: ادعى المديون الايفاء فشهدا على إبراء الدين
أو على أنه حلله يقبل.
الثانية: ادعى الغصب فشهدا بالاقرار به تقبل.

624
الثالثة: ادعى الكفيل الايفاء وشهد على البراءة تقبل، ولا يرجع الكفيل على الأصيل ويرجع
الطالب على الأصيل كأنه أبرأ الكفيل، وإبراء الكفيل لا يوجب إبراء الأصيل.
الرابعة: ادعى عشرة آلاف فشهدوا له بمبلغ عشرة آلاف تقبل، لان المبلغ في عرفنا هو القدر،
فإنهم يقولون قبضت مبلغ كذا: أي قدره.
الخامسة: ادعت على زوجها أنه وكل وكيلا فطلقها وشهدا أنه طلقها بنفسه تقبل.
السادسة: ادعت الطلاق فشهدا بالخلع تقبل لان وجه التوفيق ممكن.
السابعة: ادعى المديون الابراء وشهدوا أن المدعي صالح المدعى عليه بمال معلوم تقبل إن كان
الصلح بجنس الحق لحصول الابراء عن البعض بالاسقاط.
الثامنة: ادعى عليه خمسة دنانير بوزن سمرقند وشهدوا بها بوزن مكة تقبل إن تساوي الوزنان أو
وزن مكة أقل لا أكثر.
التاسعة: ادعت أنها اشترت هذه الجارية من زوجها بمهرها وشهدا أن زوجها أعطاها إياها
مهرها من غير أن يجري العقد بينهما تقبل.
العاشرة: ادعى المديون الايصال إلى الدائن متفرقا وشهد شهوده بالايصال مطلقا أو جملة لا تقبل،
فالمستثنى ثلاثة عشر. قلت: إنما يكون من ذلك بحذف لا من الأخيرتين، لكن ما يأتي في الفروع
صريح في ذلك لا قال: وسيأتي قريبا ثمانية ذكرت منها أربعة عند قوله: وكذا في كل قول جمع مع
فعل، والأربعة الباقية هو الايداع والغصب والعارية والديون. الثانية والعشرون: الشراء من مجهول
المذكورة في الشرح. الثالثة والعشرون: إذا ادعى القبض مع الشراء فشهدا على الملك المطلق تقبل ا ه‍.
ثم اعلم أنه في الحقيقة لا استثناء، لان المخالفة المانعة أن يكون المشهود به أكثر، ففي كل صورة
قالوا بالمنع إنما هو لكونه أكثر من المدعي، وفي كل موضع قالوا بالقبول مع صورة المخالفة فإنما هو
لكون المشهود به أقل أو كان ذلك في عتق الجارية وطلاق المرأة يعرف ذلك بالتأمل في كلامهم.
قوله: (وكذا تجب مطابقة الشهادتين لفظا ومعنى) أي عند أبي حنيفة، ويكفي عندهما الاتفاق بالمعنى،
والمراد باتفاقهما لفظا تطابق لفظيهما على إفادة المعنى بطريق الوضع لا بطريق التضمن، فلو ادعى على
آخر مائة درهم فشهد واحد بدرهم وآخر بدرهمين وآخر بثلاثة وآخر بأربعة وآخر بخمسة لم تقبل عنده
في شئ لعدم الموافقة لفظا، وعندهما يقضي بأربعة، وكذا إن شهد أحدهما بألف والآخر بألفين لم
تقبل عنده، وعندهما تقبل على الألف إذا كان المدعي يدعي ألفين. ويأتي تمامه قريبا. قوله: (إلا في
اثنين وأربعين مسألة الخ) أقول: قد وجد في كثير من النسخ زيادة عقيب الوقف عد فيها هذه عن
الزواهر سردا، ومع ذلك فهي خالية عن الأربعة المذكورة هاهنا شرحا: أعني ما لو شهد أحدهما ببيع
أو قرض أو طلاق أو عتاق والآخر بالاقرار به وأحببت ذكرها هنا لفائدة لا تخفى. قال في البحر:
وخرج عن ظاهر قول الإمام مسائل وإن أمكن رجوعها إليه في الحقيقة.
الأولى: شهد أحدهما أن له عليه ألف درهم وشهد الآخر أنه أقر له بألف درهم تقبل ا ه‍. كذا
في العمدة، وهذا قول أبي يوسف ورجحه الصدر، وقالا: لا تقبل، ومثلها كما في خزانة الأكمل،
إذا شهد أحدهما بالطلاق والآخر بالاقرار به، وزاد في الولوالجية: ما لو شهد أحدهما على قرض مائة
درهم والآخر على إقرار بذلك ط.

625
الثانية: ادعى كر حنطة فشهد أحدهما بأنها جيدة والآخر رديئة والدعوى بالأفضل يقضي
بالأقل.
الثالثة: ادعى مائة دينار فقال أحدهما نيسابورية والآخر بخارية والمدعي يدعي النيسابورية
وهو أجود يقضي بالبخارية بلا خلاف ينقل، ومثله ما لو شهد أحدهما بألف بيض والآخر بألف سود
والمدعي يدعي الأفضل تقبل على الأقل. ووجهه في المسائل الثلاث أنهما اتفقا على الكمية، وانفرد
أحدهما بزيادة وصف، ولو كان المدعي يدعي الأقل لا تقبل إلا أن وفق بالابراء. وتمامه في فتح
القدير.
الرابعة: مسألة الهبة والعطية: أي لو اختلف الشاهدان فقال أحدهما وهبه والثاني أعطاه، ولا
يشترط في الموافقة لفظا أن يكون بعين ذلك، بل إما بعينه أو مرادفه، حتى لو شهد أحدهما بالهبة
والآخر بالعطية يقبل كما نقله سيدي الوالد رحمه الله تعالى، وحينئذ لا وجه للاستثناء، لكن ما قدمناه
أول المستثنيات من كلام البحر وقد خرج عن ظاهر قول الإمام الخ، وحينئذ فالاستثناء مبني على ظاهر
قول الإمام لا على ما هو التحقيق في المقام، كما أفاده الحموي.
الخامسة: مسألة النكاح والتزويج وقدمناهما: أي لو اختلفا في لفظ النكاح والتزويج، وفيها ما
تقدم في التي قبلها.
السادس: شهد أحدهما أنه جعلها صدقة موقوفة أبدا على أن لزيد ثلث غلتها وشهد آخر أن لزيد
نصفها تقبل على الثلث والباقي للمساكين. كذا في أوقاف الخصاف. وهكذا الحكم لو شهد أحدهما
بالكل والآخر بالنصف فإنه يقضي بالنصف المتفق عليه. حموي. ومحله ما إذا كان المدعي يدعي
الأكثر، ولا فرق بين كون المدعى عليه يقر بالوقف وينكر الاستحقاق أو ينكرهما وأقيمت البينة بما
ذكر ط.
السابعة: ادعى أنه باع بيع الوفاء فشهد أحدهما به والآخر أن المشتري أقر بذلك تقبل كما في
الفتح، لان في البيع يتحد لفظ الانشاء ولفظ الاقرار، ولا خصوصية لبيع الوفاء ولا للبيع، بل كل
قول كذلك فإذا شهد أحدهما بالبيع والآخر بالاقرار به تقبل كما في جامع الفصولين، بخلاف الفعل
كما فيه أيضا والنكاح كالفعل ا ه‍.
الثامنة: شهد أحدهما أنها جاريته والآخر أنها كانت له تقبل كما في الفتح أيضا لان الأصل
بقاء ما كان على ما عليه كان.
التاسعة: ادعى ألفا مطلقا: أي غير مقيد بقرض ولا وديعة فشهد أحدهما على إقراره بألف
قرض والآخر بألف وديعة تقبل، فإن ادعى أحد الألفين لا تقبل لأنه أكذب شاهده. كذا في البزازية.
بخلاف ما إذا شهد أحدهما بألف قرض والآخر بألف وديعة فإنها لا تقبل، ولعل وجهه أن القرض
فعل والايداع فعل آخر، بخلاف الشهادة على الاقرار بالقرض والاقرار بالوديعة، فإن الاقرار بكل
منهما قول وهو جنس واحد، والمقر به وإن كان جنسين لكن الوديعة مضمونة عند الانكار، والشهادة
إنما قامت بعد الانكار فكانت شهادة كل منهما قائمة على إقراره بما يوجب الضمان. تأمل. ثم رأيت
في البزازي علل بقوله لاتفاقهما على أنه وصل إليه منه الألف وقد جحد فصار ضامنا.

626
العاشرة: ادعى الابراء فشهد أحدهما به والآخر على أنه وهبه أو تصدق عليه أو حلله جاز،
بخلاف ما إذا شهد أحدهما على الهبة والآخر على الصدقة لا تقبل. كذا في البزازية.
الحادية عشرة: ادعى الهبة: أي أن الدائن وهبه فشهد أحدهما بالبراءة والآخر بالهبة أو أنه حلله
جاز.
الثانية عشرة: ادعى الكفيل الهبة فشهد أحدهما بها والآخر بالابراء جاز، ويثبت الابراء لا الهبة
لأنه أقلهما فلا يرجع الكفيل على الأصيل وهما في البزازية: أي لان إبراء الطالب للكفيل لا يوجب
رجوع الكفيل على الأصيل، بخلاف هبة الطالب الكفيل، فافهم.
الثالثة عشرة: ادعى رجل عبدا في يد رجل فأنكره المدعى عليه فشهد أحدهما على إقراره أنه
أخذ منه العبد والآخرة على إقراره بأنه أودعه منه هذا العبد تقبل لاتفاقهما على الاقرار بالأخذ.
الرابعة عشرة: شهد أحدهما أنه غصبه منه والآخر أن فلانا أودعه منه هذا العبد يقضى للمدعي
ولا يقبل من المدعى عليه ببينة بعده، لان الشاهدين شهدا على الاقرار بالأخذ لكن بحكم الوديعة أو
الاخذ مفردا.
الخامسة عشرة: شهد أحدهما أنها ولدت منه والآخر أنها حبلت منه تقبل لاتفاقهما على الحبل
منه، وصورتها فيما لو علق طلاقها على الحبل فإن الولادة يلزمها الحبل، فقد اتفق الشاهدان عليه، ولا
يصح تعليقها على الولادة، فإن الحبلى قد لا تلد لموتها أو موت الولد في بطنها، فافهم.
السادسة عشرة: شهد أحدهما أنها ولدت ذكرا وقال الآخر أنثى تقبل. كذا في البزازية. وهذه
متحدة مع التي قبلها في التصوير، فالأنسب أن يذكر بدلها ما في البزازية: شهد أحدهما أنه أقر أنه
غصب من فلان كذا والآخر أنه أقر بأنه أخذه منه تقبل.
السابعة عشرة: شهد أحدهما أن المدعى عليه أقر أن الدار للمدعي والآخر أنه سكن فيها تقبل:
أي أن المدعي سكن فيها فهي شهادة بثبوت يد المدعى عليها، والأصل في اليد الملك فقد وافق في
الأولى. تأمل.
الثامنة عشرة: أنكر إذن عبده فشهد أحدهما على أنه أذن له في الثياب والآخر أنه أذن له
في الطعام تقبل، لان الاذن في نوع يعم الأنواع كلها لأنه لا يتخصص بنوع كما ذكروه في المأذون،
بخلاف ما إذا قال أحدهما أذنه صريحا وقال الآخر رآه يبيع ويشتري فسكت لا يقبل.
التاسعة عشرة: اختلف شاهد الاقرار بالمال في كونه أقر بالعربية أو بالفارسية تقبل، بخلافه في
الطلاق. قال في الأشباه: والأصح القبول فيهما.
العشرون: شهد أحدهما أنه قال لعبده أنت حر وقال الآخر له آزدي تقبل، لان آزدي
كلمة فارسية معناها حر.
الحادية والعشرون: قالا لامرأته إن كلمت فلانا فأنت طالق فشهد أحدهما أنها كلمته غدوة
والآخر عشية طلقت، لان الكلام يتكرر فيمكن أنها كلمته في الوقتين.
الثاني والعشرون: إن طلقتك فعبدي حر فقال أحدهما طلقها اليوم وقالا الآخر طلقها

627
أمس: أي في اليوم الذي قبل يوم الشهادة لا قبل يوم التعليق يقع الطلاق والعتاق، لان المعلق عليه
طلاق مستقبل.
الثالثة والعشرون: شهد أحدهما أنه طلقها ثلاثا البتة والآخر أنه طلقها ثنتين البتة يقضي
بطلقتين ويملك الرجعة، لأنه لا يحتاج إلى قوله البتة في ثلاث لان الثلاث طلاق بائن، فقوله البتة لغو
فكأنه لم يذكره، وانفرد بذكره الشاهد الثاني فصار الاختلاف بين الشاهدين في مجرد العدد، وقد اتفقا
على الثنتين فيقضي بهما وتلغو الثالثة لانفراد أحدهما كما لغا لفظ البتة لذلك فلذا كان الطلاق رجعيا،
فافهم. لكن الظاهر أن قبول الشهادة هنا مبني على قول محمد لأنه في البزازية عزاه إليه. وعند أبي
حنيفة: لا تقبل أصلا لما في البحر عن الكافي. شهد أحدهما بألف والآخر بألفين لم تقبل عنده.
وعندهما: تقبل على ألف إذا كان المدعي يدعي ألفين، وعلى هذا المائة والمئتان والطلقة والطلقتان
والطلقة والثلاث، ثم ذكر في البحر بعد ورقة مستدركا على ما في البزازية أن ما في الكافي هو
المذهب.
الرابعة والعشرون: شهد أحدهما أنه أعتق بالعربي والآخر بالفارسي تقبل للاتفاق في المعنى،
وهي مكررة مع المسألة العشرين.
الخامسة والعشرون: اختلفا في مقدار المهر يقضى بالأقل كما في البزازية، لكن في جامع
الفصولين: شهدا ببيع أو إجارة أو طلاق أو عتق على مال واختلفا في قدر البدل لا تقبل إلا في
النكاح ويرجع في المهر إلى مهر المثل، وقالا: لا تقبل في النكاح أيضا ا ه‍.
قلت: والظاهر أن هذا فيما إذا أنكر الزوج النكاح من أصله، وكذا البيع ونحوه، وما ذكره في
البحر فيما إذا اتفقا على النكاح واختلفا في قدر المهر. ووجه عدم القبول في البيع ونحوه أن العقد
بألف مثلا غير العقد بألفين، وكذا النكاح على قولهما، وعلى قوله باستثناء النكاح أن المال في غير
مقصود ولذا صح بدون ذكره، بخلاف البيع ونحوه، وينبغي أن يكون ما ذكرناه عن البحر على
الخلاف المار آنفا عن الكافي.
السادسة والعشرون: شهد أحدهما أنه وكله بخصومة مع فلان في دار سماه وشهد الآخر أنه
وكله بخصومة فيه وفي شئ آخر تقبل في دار اجتمعا عليه: أي فيما اتفق عليه الشاهدان من
الخصومة في دار كذا دون ما زاده الآخر، إذ الوكالة تقبل التخصيص، وفيما اتفق عليه الشاهدان تثبت
الوكالة لا فيما تفرد به أحدهما، فلو ادعى وكالة معينة فشهد أحدهما بها والآخر بوكالة عامة ينبغي أن
تثبت المعينة.
السابعة والعشرون: شهد أحدهما بأنه وقفه في صحته والآخر بأنه وقفه في مرضه قبلا إذا شهد
بوقف بات، إلا أن حكم المرض ينتقض فيما لا يخرج من الثلث وبهذا لا تمتنع الشهادة، كما لو شهد
أحدهما أنه وقف ثلث أرضه والآخر أنه وقف ربعها. كذا في جامع الفصولين من كتاب الوقف من
أحكام المرضى. قال في الاسعاف: ثم إن خرجت من ثلث ماله كانت كلها وقفا وإلا فبحسابه، ولو
قال أحدهما وقفها في صحته وقال الآخر جعلها وقفا بعد وفاته لم تقبل إن خرجت من الثلث،
لان الثاني شهد بأنها وصية وهما مختلفان ا ه‍.

628
الثامنة والعشرون: لو شهد أنه أوصى له يوم الخميس والآخر أنه أوصى له يوم الجمعة جازت
لأنها كلام لا تختلف بزمان ومكان. كذا في وصايا الولوالجية.
التاسع والعشرون: ادعى مالا فشهد أن المحتال عليه أحال غريمه بهذا المال وشهد الآخر أنه
كفل عن غريمه بهذا المال تقبل. كذا في القنية.
صورته: ادعى زيد على عمرو مالا فأقام زيد شاهدين شهد أحدهما أن عمرا محال عليه: يعني
أن دائنة أحال زيدا عليه بما له عليه من الدين وشهد الثاني أن عمرا كفل عن مديون زيد بهذا المال.
وحاصله: أن المال على عمرو غير أن أحد الشاهدين شهد أن المال لزمه بطريق الإحالة عليه
والآخر شهد أن المال لزمه بطريق الكفالة يقضى بالكفالة لأنها الأقل، لكن هذا التصوير لا يوافق عبارة
البحر، والموافق لها ما لو كان لزيد على عمرو ألف مثلا فأحال عمرو زيد بالألف على بكر ودفعها بكر
ثم ادعى بها بكر على عمرو، فشهد أحد الشاهدين بما ذكر وشهد الآخر أن بكر كفل عمرا بإذنه وأنه
دفع الألف لزيد، لكن عبارة القنية: ادعى ما لا فشهد أحدهما أن المحتار عليه احتال عن غريمه هذا
المال الخ والغريم يطلق على الدائن وهو المراد بالأول وعلى المديون وهو المراد بالثاني، وعلى هذا فغريمه
في كلام البحر بالرفع فاعل أحال، والمراد به عمرو المديون لأنه المحيل لزيد على بكر، وهذا معنى قول
القنية أن المحتال عليه احتال عن غريمه: أي أن بكرا قبل الحوالة عن غريمه عمرو.
الثلاثون: شهد أحدهما أنه باعه بكذا إلى شهر وشهد الآخر بالبيع ولم يذكر الاجل تقبل.
الحادية والثلاثون: شهد أحدهما أنه باعه شرط الخيار ثلاثة أيام ولم يذكر الآخر الخيار تقبل
فيهما: أي في هذه المسألة والتي قبلها، لكن في التي قبلها صرح بقوله تقبل فلا حاجة إلى قوله فيهما،
والمراد أنه يثبت البيع وإن لم يثبت الاجل، والشرط كما ذكره الزيلعي في باب التحالف.
الثانية والثلاثون: من وكالة منية المفتي: شهد وادح أنه وكله بالخصومة في هذه الدار عند قاضي
البصرة وآخر قال عند قاضي الكوفة جازت شهادتهما: أي على أصل الوكالة بالخصومة.
الثالثة والثلاثون: في أدب القضاء للخصاف من باب الشهادة بالوكالة: شهد أحدهما أنه وكله
في القبض والآخر أنه جرأه تقبل، لان الجراية والوكالة سواء والجري والوكيل سواء، فقد اتفق
الشاهدان في المعنى واختلف في اللفظ وأنه لا يمنع. قال في الصحاح في باب الألف المقصورة:
الجري: الوكيل والرسول.
الرابعة والثلاثون: شهد أحدهما أنه وكله بقبضه والآخر أنه سلطه على قبضه تقبل.
الخامسة والثلاثون: شهد أحدهما أنه وكله بقبضه والآخر أنه أوصى إليه بقبضه في حياته تقبل،
لان الوصاية في الحياة وكالة، كما أن في الوكالة بعد الموت وصاية كما صرحوا به، فالمراد بالوصاية
هنا الوكالة حقيقة لتقييدها بقوله في حياته، فافهم.
السادسة والثلاثون: شهد أحدهما أنه وكله بطلب دينه والآخر بتقاضيه تقبل.
السابعة والثلاثون: شهد أحدهما أنه وكله بقبضه والآخر بطلبه تقبل.
الثامنة والثلاثون: شهد أحدهما أنه وكله بقبضه والآخر أنه أمره بأخذه أو أرسله ليأخذ تقبل،
وهي في أدب القضاء وما قبلها.

629
التاسعة والثلاثون: اختلف في زمن إقراره بالوقف تقبل. قال في جامع الفصولين: لو اختلف
الشاهدان في زمان أو مكان أو إنشاء وإقرار بأن شهد أحدهما على إنشاء والآخر على إقرار وإن كان
هذا الاختلاف في فعل حقيقة أو حكما: يعني في تصرف فعل كجناية وغصب أو في قول ملحق
بالفعل كنكاح لتضمنه فعلا وهو إحضار الشهود يمنع قبول الشهادة، وإن كان الاختلاف في قول
محض كبيع وطلاق وإقرار وإبراء وتحرير أو في فعل ملحق بالقول وهو القرض لا يمنع القبول، وإن
كان القرض لا يتم إلا بالفعل وهو التسليم، لان ذلك محمول على قول المقترض أقرضتك فصار
كطلاق وتحرير وبيع ا ه‍.
قلت: ووجهه أن القول إذا تكرر فمدلوله واحد لم يختلف، بخلاف الفعل وإطلاق الاقرار
يفيد أن الوقف غير قيد.
الأربعون: اختلفا في مكان إقراره به تقبل.
الحادية والأربعون: اختلف في وقف، في صحته أو في مرضه تقبل، وهي مكررة مع السابعة
والعشرين.
الثانية والأربعون: شهد أحدهما بوقفها على زيد والآخر على عمرو تقبل وتكون وقفا على الفقراء
لاتفاق الشاهدين على الوقف وهو صدقة. انتهى ما في البحر مع زيادة من حاشية سيدي الوالد رحمه
الله تعالى.
أقول: وتقدم في آخر الوقف ما زاده الشيخ صالح ابن المصنف رحمهما الله تعالى فارجع إليه.
قوله: (تركتها خشية التطويل) يعني ها هنا، وإلا فقد ذكرها في آخر الوقف. قوله: (بطريق الوضع)
أي بمعناه المطابقي، وهذا جعله الزيلعي تفسير للموافقة في اللفظ حيث قال: والمراد بالانفاق في
اللفظ تطابق اللفظين على إفادة المعنى بطريق الوضع لا بطريق التضمن، حتى لو ادعى رجل مائة درهم
فشهد شاهد بدرهم وآخر بدرهمين وآخر بثلاثة وآخر بأربعة وأخر بخمسة لم تقبل عند أبي حنيفة رحمه
الله تعالى لعدم الموافق لفظا. وعندهما: يقضي بأربعة ا ه‍.
والذي يظهر من هذا أن الامام اعتبر توافق اللفظين على معنى واحد بطريق الوضع، وأن
الامامين اكتفيا بالموافق المعنوية ولو بالتضمن ولم يشترطا المعنى الموضوع له كل من اللفظين، وليس
المراد أن الامام اشتراط التوافق في اللفظ والتوافق في المعنى الوضعي، وإلا أشكل ما فرعه عليه من
شهادة أحدهما بالنكاح والآخر بالتزويج، وكذا الهبة والعطية فإن اللفظين فيهما مختلفان، ولكنهما
توافقا في معنى واحد أفاده كل منهما بطريق الوضع، ويدل على هذا التوفيق أيضا ما نقله الزيلعي عن
النهاية حيث قال: إن كانت المخالفة بينهما في اللفظ دون المعنى تقبل شهادته، وذلك نحو أن يشهد
أحدهما على الهبة والآخر على العطية، وهذا لان اللفظ ليس بمقصود في الشهادة بل المقصود ما تضمنه
اللفظة وهو ما صار اللفظ علما عليه، فإذا وجدت الموافقة في ذلك لا تضر المخالفة فيما سواها. قال:
هكذا ذكره ولم يحك فيه خلافا انتهى. وهذا بخلاف الفرع السابق الذي نقلناه عنه فإن الخمسة معناها
المطابقي لا يدل على الأربعة بل تتضمنها، ولذا لم يقبلها الامام وقبلها صاحباه لاكتفائهما بالتضمن.

630
والحاصل: أنه لا يشترط عند الامام الاتفاق على لفظ بعينه، بل إما بعينه أو بمرادفه، وقول
صاحب النهاية: لان اللفظ ليس بمقصود، مراده به أن التوافق على لفظ بعينه ليس بمقصود لا مطلقا
كما ظن، فافهم. قوله: (لا التضمن) هذا تأكيد لقوله يجب مطابقة الشهادتين: أي دلالتهما على المعنى
مطابقة، وهي دلالة اللفظ على تمام معناه، والتضمن دلالته على جزء المعنى. قوله: (واكتفيا) أي
الصاحبان بالموافقة، المعنوية فيحكمان بالأقل في مسألة الألف والألفين والمائة والمائتين والطلقة
والثلاث.
فإن قيل: يشكل على قول الكل ما لو شهد أحدهما أنه قال لها أنت خلية والآخر أنت برية لا
يقضى ببينونة أصلا مع إفادتهما معناها. وأجيب بمنع الترادف بل هما متباينا المعنيين يلزمهما لازم
واحد وهو وقوع البينونة، والمتباينات قد تشترك في لازم واحد، فاختلافهما ثابت في اللفظ والمعنى،
فلما اختلف المعنى منهما كان دليل اختلاف تحملهما، فإن هذا يقول ما وقعت البينونة إلا بوصفها
بخلية والآخر يقول لم تقع إلا بوصفها ببرية وإلا فلم تقع البينونة. وتمامه في الفتح. قوله: (ولو شهد
أحدهما بالنكاح الخ) أشار بذلك إلى أنه لا يشترط عند الامام في الموافقة أن تكون بعين اللفظ بل بعينه
أو بمراده كما ذكرنا، لان كلا من النكاح والتزويج يدلان على المعنى المشهود به بالمطابقة فكانا
متحدين على المعنى الذي أردنا، ولذلك رجعت مسائل من المستثنيات إلى هذا. قوله: (لا تحاد معناهما)
أي مطابقة فصار كأن اللفظ متحد أيضا فافهم وهذا التعليل يصلح لقولهما ولقول الامام أيضا لما مر
آنفا من أنه يعتبر الاتحاد ولو بمرادف اللفظ، فمن قال هنا إن التعليل لا يظهر إلا على قولهما فغير
ظاهر، فتدبر.
فإن قلت: شرط في المتن الاتحاد لفظا ومعنى أن يكون كل لفظ دالا على ذلك المعنى بطريق
الوضع لا التضمن، والمراد بالموافقة المعنوية غير الكافية للقبول أن يدل أحد اللفظين على المعنى المشهود
به بالمطابقة والآخر بالتضمن، فقوله هنا لاتحاد معناهما: أفاد أن كلا من النكاح والتزويج يدلان على
المعنى المشهود به بالمطابقة، فكانا متحدين لفظا ومعنى على المعنى الذي عناه بذلك كما قدمنا الإشارة
إليه سابقا. قوله: (وكذا الهبة الخ) أي لان الكل يؤذن بالتبرع، بخلاف ما لو شهد أحدهما بأنه دفع
على وجه الأمانة والآخر اقتصر على لفظا أعطاه، لان الثاني وهو أعطى يدل على التبرع، فلا يضره
التفريط، بخلاف الأول وهو دفعه أمانة، وقوله: ونحوهما أي من كل لفظين دلا على معنى واحد
بالمطابقة، فإن الاختلاف فيهما لا يمنع القبول، كما إذا ادعى الابراء فشهد أحدهما به والآخر على أنه
وهبه له أو تصدق عليه به أو ملكه منه. قوله: (ردت) هذا هو المذهب، وقيل يقضى بالطلاق بالأقل
اتفاقا لأنه إذا لم يثبت الألفان لم يثبت ما في الضمن من الألف. حموي. قوله: (لاختلاف المعنيين) أي
بالمعنى الذي قدمه، لان دلالة اللفظين على المعنى بالمطابقة يسميه اتحادا لفظا ومعنى، ودلالة أحد
اللفظين بالتضمن يسميه اتحادا معنى فقط. قوله: (لم تقبل) وجه عدم القبول أن اختلافهما في الانشاء

631
والاقرار وقع في الفعل فمنع قبول الشهادة، وهذا بخلاف ما لو شهد أحدهما بالبيع أو القرض أو
الطلاق أو العتاق والآخر بالاقرار به فإنها تقبل، لان صيغتي الانشاء والاقرار في هذه التصرفات
واحدة، فإنه يقول في الانشاء بعت وأقرضت، وفي الاقرار كنت بعت وأقرضت فلم يمنع قبول
الشهادة محيط ط.
قال الرملي: ذكر في باب اختلاف الشهادات من شهادات الجامع: وليس الاختلاف بين الشاهدين
بمنزلة الاختلاف بين الدعوى والشهادة، لان شهادة الشاهدين ينبغي أن تكون كل واحدة منهما
مطابقة للأخرى في اللفظ الذي لا يوجب خللا في المعنى. أما المطابقة بين الدعوى والشهادة فينبغي
أن تكون في المعنى خاصة ولا عبرة للفظ، حتى لو ادعى الغصب وشهد أحدهما على الغصب والآخر
على الاقرار بالغصب لا تقبل، ولو شهدا على الاقرار بالغصب تقبل. وتمامه في الفصول العمادية ا ه‍.
وفي جامع الفصولين: ادعى قتلا وشهد به وآخر أنه أقر به ترد، إذ الاقرار يتكرر لا القتل.
قال الرملي في حاشيته عليه: أقول: فلو اتفقا على الشهادة بالاقرار كما هو ظاهر، وقد صرح به
في التتارخانية عن المحيط قال بعد أن رمز للمحيط وصور المسألة: إذا شهد أحدهما على إقراره أنه
قتله عمدا بالسيف وشهد الآخر على إقراره أنه قتله عمدا بالسكين فقال ولي القتيل إنه أقر بما قالا
ولكنه والله ما قتله إلا بالسيف أو قال صدقا جميعا ولكنه والله ما قتله إلا بالرمح فهذا كله سواء
ويقتص من القاتل ا ه‍. تدبره.
هذا، وقد صرح أيضا في شرح الغرر بالمسألة فقال بعد ما ذكر المسألة التي هنا: بخلاف ما إذا
شهدا بالاقرار به حيث تقبل انتهى. قوله: (ولو شهدا بالاقرار به قبلت) مقتضاه أنه لا يضر الاختلاف
بين الدعوى والشهادة في قول مع فعل، بخلاف اختلاف الشاهدين بذلك لان الموافقة المعنوية يكتفي
بها بين الشهادة والدعوى، وأما بين الشهادتين فلا بد من الموافقة في اللفظ والمعنى عند أبي حنيفة رحمه
الله تعالى، وتقبل عندهما فيهما. قوله: (وكذا لا تقبل في كل قول جمع مع فعل) بأن يكون القول من
أحدهما والفعل في لفظ الآخر.
أقول: ومن ذلك ما ذكره في جامع الفصولين من الفصل الحادي عشر من اختلاف الدعوى
والشهادة لو شهد أحدهما بنكاح والآخر بإقراره به لا يقبل كالغصب. ومنه ادعى رهنا فشهد بمعاينة
القبض وشهد آخر أن الراهن أقر بقبض المرتهن لا يقبل. ومنه شهد أحدهما أن المدعي بيد المدعي
والآخر أنه أقر أنه بيده لا يقبل، ولو شهدا أحدهما بإيداعه والآخر أنه قر بإيداعه فعلى قياس الغصب
لا تقبل ا ه‍. قوله: (لا تسمع للجمع بين قول وفعل) بخلاف ما إذا شهد أحدهما بألف للمدعي على
المدعى عليه وشهد الآخر على إقرار المدعى عليه بألف فإنه يقبل لأنه ليس بجمع بين قول وفعل. أفاده
سيدي الوالد عن منلا علي. قوله: (إلا إذا اتحدا لفظا) الظاهر أن الاستثناء منقطع لأنه لا فعل مع قول
في هذه الصور، بل قولان، لان الانشاء والاقرار به كل منهما قول بدليل قول الشارح بعد سطر
لاتحاد صيغة الانشاء الخ. قوله: (ببيع الخ) هذه الأربع كما تقبل مع اختلاف الشاهدين فهي أيضا
من الثلاثة والعشرين المستثناة في البحر المتقدمة التي لا يشترط فيها موافقة الدعوى الشهادة بأن ادعى

632
البيع ونحوه وشهدا بالاقرار، وقدمنا الإشارة إليه. قوله: (فتقبل لاتحاد صيغة الانشاء والاقرار) أي
باعتبار آخر صيغة الاقرار وإلا ففيها زيادة لفظ كنت ولا حاجة إلا إثبات لفظ كنت لأنه يقول في
الاقرار بعت ونحوه مريدا به الاخبار ط. قوله: (لعدم تكرر الفعل) أي
الواحد وهو القتل هنا: أي لعدم إمكان تكرره. قوله: (محيط وشرنبلالية) الأولى شرنبلالية عن المحيط فإنه نقله عنه. قوله: (بألف
ومائة) بخلاف العشر والخمسة عشر حيث لا تقبل لأنه مركب كالألفين إذ ليس بينهما حرف العطف
ذكره الشارح: أي الزيلعي بحر، وتعليلهم في هذه المسألة وفي المسألة السابقة يقتضي في السابقة أنه
لو شهد أحدهما بألف والآخر بألف وألف على طريق العطف تقبل في الألف اتفاقا، فإذا ادعى الأكثر
أو وفق في دعواه بالأقل ثم أورد صاحب الكافي وغيره العشر وخمسة عشر كما قدمناه في صدر
العبارة من أنها لا تقبل فيها. وفي القنية: ينبغي أن تقبل.
أقول: هو الأشبه لان العاطف مقدر فيه ولذلك بنى المقدر كالملفوظ، بخلاف التثنية، ولأن
جزء لفظه يدل على جزء معناه إذ ليس هو علما.
هذا، وقد صرح بخلافه في البزازية وهو محل تأمل كما لا يخفى. وقول البحر: حيث لا
تقبل: أي شهادة مثبت الزيادة الآن المدعي الخ، إلا إذا وفق المدعي فحينئذ تقبل لما سبق، فظهر أن الشهادة
لو كانت بأكثر من المدعى به لا تقبل بلا توفيق، ولا يكفي إمكانه بل لا بد منه بالفعل، وأما إذا كانت
بأقل منه تقبل. قوله: (إن المدعي ادعى الأكثر) أطلقه فشمل من مائه إلى تسعمائة، فقول المصنف على
ألف في بألف ومائة مثال من جملة الأمثلة لم يخص به شمول الأكثر وعمومه هنا. قوله: (لا الأقل)
فلا تقبل لان المدعى كذب من شهد بالزيادة، والفرق بين هذا وما تقدم ما إذا شهد بألف وألفين فإنهما
هنا متفقان على ألف في شهادة أحدهما بألف والآخر بألف ومائة وفيما تقدم غير متفقين في شهادة
أحدهما بألف والآخر على ألفين. كذا في صدر الشريعة. قوله: (إلا أن يوفق) أي المدعي كأن يقول
كان لي عليه كما شهدا إلا أنه أوفاني كذا بغير علمه فإنها تقبل للتصريح بالتوفيق.
وعلم من ذلك أن أحوال من يدعي أقل المالين إذا اختلفت الشهادة لا يخلو عن ثلاثة: إما أن
يكذب الشاهد بالزيادة، أو يسكت عن التصديق والتوفيق، أو يوفق. وجواب الأولين بطلان
الشهادة والقضاء دون الآخر كما في العناية. وفي البحر: ولا يحتاج هنا إلى إثبات التوفيق بالبينة
لأنه يتم به، بخلاف ما لو ادعى الملك بالشراء فشهدا بالهبة فإنه يحتاج لاثباته بالبينة. قوله: (وهذا
في الدين) أي اشتراط الموافقة بين الشهادتين لفظا بحسب الوضع في الدين الخ، فاسم الإشارة
راجع إلى معلوم من الأصول السابقة. قوله: (تقبل على الواحد) أي الذي عينه أحدهما. قوله:
(وفي العقد لا تقبل) قال في البحر: وذكر علاء الدين السمرقندي أن الشهادة تقبل في مسألة الكتاب،

633
لان التوفيق ممكن لأن الشراء الواحد قد يكون بألف ثم يصير بألف وخمسمائة فقد اتفقا على شراء
واحد، بخلاف ما لو شهد أحدهما بألف درهم وشهد الآخر بمائة دينار، لأن الشراء لا يكون بألف
درهم ثم يصير بمائة دينار ا ه‍. وهو عجيب منه، فإن المسألة نص محمد في الجامع الصغير، وقد
أجاب في العناية عن دليله بأنه إذا اشترى بألف ثم زاد خمسمائة لا يقال اشترى بألف وخمسمائة ولهذا
يأخذ الشفيع بأصل الثمن انتهى. قوله: (سواء الخ) وسواء كان المدعي البائع أو المشتري. قوله:
(عزمي زاده) ليس هذا في كلامه بل هي عبارة الدرر ولم يكتب عليها عزمي شيئا. قوله: (أو كتابته
على ألف) هذا شامل لما إذا ادعاها العبد وأنكر المولى وهو ظاهر، لان مقصوده هو العقد ولما إذا كان
المدعي هو المولى كما زاده صاحب الهداية على الجامع. قال في الفتح: لان دعوى السيد المال على عبده
لا تصح، إذ لا دين له على عبد إلا بواسطة دعوى الكتابة فينصرف إنكار العبد إليه للعلم بأنه لا
يتصور له عليه دين إلا به، فالشهادة ليست إلا لاثباتها ا ه‍. وفي البحر والتبيين: وقيل لا تفيد بينة
المولى لان العقد غير لازم في حق العبد لتمكنه من الفسخ بالتعجيز ا ه‍. وجزم بهذا القيل العيني،
وهو موافق لما يفهم من عبارة الجامع. أفاده سيدي الوالد رحمه الله تعالى رحمة واسعة. قوله: (ردت)
قدمنا قريبا عن علاء الدين السمرقندي أن الشراء الواحد قد يكون بألف الخ، وأن المسألة نص عليها
محمد في الجامع الصغير وخلاف المنقول ليس محل التخريج، وكون المدعي البائع كذلك من غير فرق
كما في الشروح المعتبرة إذ الزيادة كالحط كما سبق في كتاب البيع، فلا يصح القول بالقبول في الشراء
دون البيع على أن هذا التخريج ليس بصحيح، إذ لو صح لزم القضاء ببيع بلا ثمن لأنه لم يثبت أحد
الثمنين بشهادتهما فتعود الخصومة كما كانت كما في الفتح. نعم لو صرح بالتوفيق ينبغي أن تقبل على
الأقل، ولم أر من صرح به، فحينئذ يحمل عليه ما نقل عن السمرقندي. تدبر. قوله: (وهو يختلف)
أشار إلى أنهما لو شهدا بالشراء ولم يبينا الثمن لم تقبل. وتمامه في البحر. وقال الخير الرملي في حاشيته
عليه: المفهوم من كلامهم في هذا الموضع وغيره أنه فيما يحتاج فيه إلى القضاء بالثمن لا بد من ذكره
وذكر قدره وصفته، وما لا يحتاج فيه إلى القضاء به لا حاجة إلى ذكره. تنبه.
وفي المبسوط: وإذا ادعى رجل شراء دار في يد رجل وشهد شاهدان ولم يسميا الثمن والبائع
ينكر ذلك فشهادتهما باطلة، لان الدعوى إن كانت بصفة الشهادة فهي فاسدة، وإن كانت مع تسمية
الثمن فالشهود لم يشهدوا بما ادعاه المدعي، ثم القاضي يحتاج إلى القضاء
بالعقد، ويتعذر عليه القضاء بالعقد إذا لم يكن الثمن مسمى، لأنه كما لا يصح البيع ابتداء بدون تسمية الثمن، فكذلك لا يظهر
القضاء بدون تسمية الثمن، ولا يمكنه أن يقضي بالثمن حين لم يشهد به الشهود، ثم قال: فإن شهدا
على إقرار البائع بالبيع ولم يسميا ثمنا ولم يشهدا بقبض الثمن فالشهادة باطلة، لان حاجة القاضي إلى
القضاء بالعقد، ولا يتمكن من ذلك إذا لم يكن الثمن مسمى، وإن قالا: أقر عندنا أنه باعها منه
واستوفى الثمن ولم يسميا الثمن فهو جائز، لان الحاجة إلى القضاء بالملك للمدعي دون القضاء بالعقد
فقد انتهى حكم العقد باستيفاء الثمن، ولأن الجهالة إنما تؤثر لأنها تقضي إلى منازعة مانعة من

634
التسليم والتسلم، ألا ترى أن ما لا يحتاج إلى قبضه فجهالته لا تضر وهو المصالح عنه، بخلاف ما
يحتاج إلى قبضه وهو المصالح، فإذا أقر باستيفاء الثمن فلا حاجة هنا إلى تسليم الثمن فجهالته لا تمنع
القاضي من القضاء بحكم الاقرار. قوله: (فلم يتم العدد) أي نصاب الشهادة، وهو شهادة الاثنين
على واحد منهما فاختلف المشهود به لاختلاف الثمن، وأيضا فإن المدعي يكذب أحد الشاهدين فإن
البيع بألف غير البيع بألف وخمسمائة. قوله: (على كل واحد) لفظ كل مما لا حاجة إليه. سعدية.
قوله: (ومثله العتق بمال) أي بأن قال مولى العبد أعتقتك على ألف وخمسمائة والعبد يدعي الألف،
أو قال ولي القصاص صالحتك على ألف وخمسمائة والقاتل يدعي الألف وكذا الباقيات كما في
الدرر. قوله: (والرهن) أي بأن كان المدعي هو المرتهن فهو كدعوى الدين يثبت أقلهما، وإن كان
الراهن فلا تقبل الشهادة لأنه ليس له أن يلزمه الرهن إذ الرهن غير لازم في حق المرتهن، وله أن
يفسخه في أي وقت شاء فلا فائدة في إقامة البينة، ولأنه حق عليه والانسان لا يقيم البينة على حق
عليه، وإنما يقيمها على حق له.
قال في البحر: وظاهر الهداية أن الرهن إنما هو من قبيل دعوى الدين ا ه‍: أي في وجوبها،
وذا لأنه إذا ادعى أكثر المالين فشهد به شاهد والآخر بالأقل إن كان الأكثر بعطف مثل ألف وخمسمائة
قضى بالأقل اتفاقا وإن كان بدونه كألف وألفين فكذلك عندهما، وعند أبي حنيفة: لا يقضي بشئ،
ووجهه أنه إذا أثبت العفو والعتق والطلاق باعتراف صاحب الحق فبقي الدعوى في الدين كما في
فتح القدير. ويتفرع عليه التوفيق والتكذيب والسكوت حيث تقبل في الأول وترد في الأخيرين كما
في البيانية.
أقول: وتعقب الهداية صاحب العناية تبعا للنهاية بأن عقد الرهن بألف غيره بألف وخمسمائة،
فيجب أن لا تقبل البينة وإن كان المدعي هو المرتهن لأنه كذب أحد شاهديه. وأجيب بأن العقد غير
لازم في حق المرتهن حيث كان له ولاية الرد متى شاء فكان في حكم العدم، فكان الاعتبار لدعوى
الدين لان الرهن لا يكون إلا بدين فتقبل البينة كما في سائر الديون، ويثبت الرهن بألف ضمنا وتبعا
ا ه‍.
وفي الحواشي اليعقوبية: ذكر الراهن في التبيين ليس على ما ينبغي، وصور الزيلعي دعوى
الرهن أن يدعي أنه رهنه ألفا وخمسمائة وادعى أنه قبضه ثم أخذه الراهن فيطلب الاسترداد منه فأقام
بينة فشهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمائة ثبت أقلهما. قوله: (إن ادعى) تقييد لمسألة العتق بمال
فقط إن أجرى قول المصنف أو كتابة على عمومه موافقة لما قاله صاحب الهداية أو لهما إن خص بما
إذا ادعى الكتاب العبد موافقة لما في الجامع ولما في العيني. قوله: (والمرأة) قال في البحر: وإن كان
المدعي هو الزوج وقع الطلاق بإقرار، فيكون دعوى دين فثبت الأقل وهو ما اتفقا عليه ا ه‍. قوله:
(إذ مقصودهم إثبات العقد كما مر) أي وهو مختلف. قوله: (كالمولى مثلا) أي في مسألة العتق، وأشار
بالكاف إلى أن ولي المقتول في الصلح والمرتهن في الرهن والزوج في الخلع كذلك. قوله: (فكدعوى
الدين) أي الدين المنفرد عن العقد إذا ثبت العفو والعتق والطلاق باعتراف صاحب الحق فتبقى الدعوى

635
في الدين كما في الهداية. قوله: (إذ مقصودهم المال) أي العقد والعتق والعفو والطلاق فيثبت
باعتراف صاحب الحق، فلم تبق الدعوى إلا في الدين. فتح. زاد في الايضاح: وفي الرهن إن كان
المدعي هو الراهن لا تقبل لأنه لاحظ له في الرهن فعريت الشهادة عن الدعوى، وإن كان المرتهن فهو
بمنزلة دعوى الدين ا ه‍. وتقدم قريبا عن اليعقوبية أن ذكر الراهن مما لا ينبغي. قوله: (فتقبل على
الأقل) أي اتفاقا إن شهد شاهد الأكثر بعطف مثل ألف وخمسمائة، وإن كان بدونه كالألف والألفين
فكذلك عندهما، وعنده: لا يقضي بشئ. فتح. قوله: (والإجارة كالبيع لو في أول المدة) أي لا تثبت
بالاختلاف، سواء كان المدعي هو المؤجر أو المستأجر بأن ادعى الإجارة سنة بألف وخمسمائة فشهد
أحدهما كذلك والآخر بألف لا تثبت الإجارة كالبيع. كذا في الفتح. وقوله: في أول المدة أي قبل
استيفاء المنافع، سواء كان المدعي هو المؤجر أو المستأجر. قوله: (لاثبات العقد) فلا تقبل شهادتهما إذا
اختلفا كما في البيع، لان العقد يختلف باختلاف البدل فلا تثبت الإجارة. فتح. قوله: (وكالدين) إذ
ليس المقصود بعد المدة إلا الأجرة. فتح. قوله: (بعدها) استوفى المنفعة أو لا بعد أن تسلم. فتح.
قوله: (لو المدعي المؤجر) إذا سلمت العين المؤجرة إلى المستأجر انتفع بها أو لا، فشهد أحدهما بألف
والآخر بألف وخمسمائة والمؤجر يدعي الأكثر يقضي بالألف، وإن كان يدعي الأقل لا تقبل شهادة من
يشهد بالأكثر لأنه كذبه المدعي، وإن شهد الآخر بألفين والمدعي يدعيهما لا يقضي بشئ عنده،
وعندهما بألف، وإن كان المدعي هو المستأجر فهو دعوى العقد بالاتفاق لأنه معترف بمال الإجارة
فيقضي عليه بما اعترف به فلا يعتبر اتفاق الشاهدين ولا اختلافهما فيه، ولا يثبت العقد للاختلاف
كما في الفتح. قوله: (فدعوى عقد) لأنه معترف بمال الإجارة فيقضي عليه بما اعترف به الخ. قوله:
(وصح النكاح بالأقل أي بألف) الأولى أن يقول بألف أي بالأقل ليكون إشارة إلى أن الألف مثال لا
قيد، والأولى أن يقول: ولو اختلف شاهدا النكاح صح بالأقل: أي وذلك استحسان عند الامام لان
الأصل في النكاح الحل، وأما المال فتبع ولا اختلاف بالأصل، فلا يضر الاختلاف في التبع. سائحاني
عن البحر. قوله: (مطلقا) أي سواء كان المدعي الزوج أو الزوجة والمدعي يدعي أقل المالين أو الأكثر
هو الصحيح، وذكر في الفتح أنه مخالف للرواية، فإن محمدا رحمه الله تعالى في الجامع قيده بدعوى
الأكثر حيث قال: جازت الشهادة بألف وهي تدعي ألفا وخمسمائة والمفهوم معتبر رواية، وبقوله ذلك
أيضا يستفاد لزوم التفصيل في المدعي به بين كونه الأكثر، فيصح عنده أو الأقل، فلا يختلف في
البطلان لتكذيب المدعي شاهد الأكثر كما عول عليه محققو المشايخ، فإن قول محمد: وهي تدعي الخ،
يفيد تقييد جواب قول أبي حنيفة بالجواز إذا كانت هي المدعية للأكثر دونه، فإن الواو فيه للحال
والأحوال شروط فيثبت العقد باتفاقهما ودين ألف ا ه‍.
وفي الشرنبلالية قلت: إلا أن الزيلعي رحمه الله تعالى أشار إلى جواب هذا فقال: ويستوي فيه
دعوى أقل المالين في الصحيح لاتفاقهما في الأصل وهو العقد، فالاختلاف في التبع لا يوجب خللا
فيه، لكنه لا بد من وجوب المال فيجب الأقل لاتفاقهما عليه، ولا يكون بدعوى الأقل تكذيبا للشاهد
لجواز أن الأقل هو المسمى ثم صار الأكثر بالزيادة ا ه‍. قوله: (خلافا لهما) حيث قالا: هي باطلة،

636
ولا يقضي بشئ كما في البيع لان المقصود من الجانبين إثبات السبب والنكاح بألف
غير النكاح بألف وخمسمائة. ولأبي حنيفة: أن المال في النكاح تابع ولهذا يصح بلا تسمية المهر، ومن حكم التابع أن لا
يغير الأصل، ألا ترى أنه لا يبطل بنفيه ولا يفسد بفساده، فكذا لا يختلف باختلافه إذا اتفقا على ما
هو الأصل، وهو الملك والحل والازدواج فوجب القضاء به، وإذا وجب بقي المهر مالا منفردا فوجب
القضاء بأقل المقدارين كم في المال المنفرد لاتفاقهما عليه. قوله: (ولزم في صحة الشهادة الجر الخ)
يعني إذا ثبت شئ أنه ملك المورث بأن ادعى الوارث عينا في يد إنسان أنها ميراث أبيه وأقام شاهدين
فشهدا أن هذه كانت لأبيه لا يقضي له حتى يجرا الميراث فيقولا مات وتركها ميراثا له أو يقولا
كانت لأبيه يوم موته أو كانت في يده أو في يد من يقوم مقامه من المستعير وغيره، والأصل فيه أن
الجر شرط صحة الدعوى لا كما يتوهم من كلام الكنز من أنه شرط القضاء بالبينة فقط: أي يشترط
أن يقول في الدعوى مات وتركه ميراثا كما يشترط في الشهادة، وإنما لم يذكره لان الكلام في
الشهادة، لكن إذا ثبت ملكه أو يده عند موته كان جرا لأنه أثبت ملكه، أو أن الانتقال إلى الوارث
فيثبت الانتقال ضرورة فيكون إثباتا للانتقال، وكذا إذا ثبتت يده عند الموت، لان يده إن كانت يد
ملك فهو على ما بينا، وإن كانت يد أمانة فكذلك الحكم، لان الأيدي في الأمانات عند الموت تنقلب
يد ملك بواسطة الضمان إذا مات مجهلا لتركه الحفظ به، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف
الجر ليس بشرط ا ه‍ كما في البحر، لان ملك الوارث يتجدد في حق العين، ولذا يجب عليه الاستبراء
في الجارية المورثة، ويحل للوارث وطؤها ولو كانت حراما للمورث أو بالعكس، ويحل للوارث الغني
ما كان صدقة على المورث الفقير، والمتجدد يحتاج إلى النقل لئلا يكون استصحاب الحال مثبتا. وعند
أبي يوسف: لا يلزم لان الوارث يملكه خلافة عن مورثه حتى يرد بالعيب ويرد عليه، فصارت
الشهادة بالملك للمورث شهادة به للوارث.
قال سعدي: وفيه بحث، فإن من اجتمع عنده أموال الصدقة ثم استغنى بالإرث أو غيره له يحل له
أكل ما عنده من الصدقات مع أنه لم يوجد تجدد الملك ا ه‍. فظاهر كلام سعدي الميل إلى قول أبي
يوسف. قوله: (الجر الخ) أي أن يشهدا بالانتقال، وذلك إما نصا كما صوره الشارح، أو بما يقوم
مقامه من إثبات الملك للميت عند الموت أو إثبات يده أو يد نائبه عند الموت أيضا، وهو ما أشار إليه
بقوله: إلا أن يشهد الخ وهذا عندهما خلافا لأبي يوسف، فإنه لا يشترط شيئا. ويظهر الخلاف فيما
إذا شهدا أنه كان ملك الميت بلا زيادة وطولبا بالفرق بين هذا وبين ما يأتي من أنه لو شهد الحي أنه
كان في ملكه تقبل، والفرق ما في الفتح بين هذا وما إذا شهدا لمدعي عين في يد رجل بأنها كانت
ملك المدعي، أو أنه كان ملكها حيث يقضي بها وإن لم يشهدا أنها ملكه إلى الآن، وكذا لو شهد
المدعي عينا في يد إنسان أنه اشتراها من فلان الغائب ولم يقم بينة على ملك البائع وذو اليد ينكر
ملك البائع فإنه يحتاج إلى بينة على ملكه، فإذا شهدا بملكه قضى للمشتري به وإن لم ينصوا على أنها
ملكه يوم البيع، وهذه أشبه بمسألتنا، فإن كلا من الشراء والإرث يوجب تجدد الملك.
والجواب: أنهما إذا لم ينصا على ثبوت ملكه حالة الموت فإنما يثبت بالاستصحاب، والثابت به
حجة لابقاء الثابت لا لاثبات ما لم يكن وهو المحتاج إليه في الوارث، بخلاف مدعي العين فإن الثابت
بالاستصحاب بقاء ملكه لا تجدده، وبخلاف مسألة الشراء فإن الملك مضاف إليه لا إلى ملك البائع،

637
وإن كان لا بد لثبوت ملك المشتري من بقائه، لأن الشراء آخرهما وجودا وهو سبب موضوع للملك،
حتى لا يتحقق لو لم يوجبه فيكون مضافا إلى الشراء وهو ثابت بالبينة، أما هنا فثبوت ملك الوارث
مضاف إلى كون المال ملكا للميت وقت الموت لا إلى الموت، لأنه ليس سببا موضوعا للملك، بل عنده
يثبت إن كان له مال فارغ. والله سبحانه وتعالى أعلم ا ه‍. قوله: (بشهادة إرث) بأن ادعى الوارث عينا
في يد إنسان أنها ميراث أبيه وأقام شاهدين فشهدا أن هذه كانت لأبيه لا يقضى له حتى يجرا الميراث
بأن يقولا مات وتركه ميراثا للمدعي كما تقدم وكما صوره الشارح. قوله: (ميراثا للمدعي) أي أو ما
يقوم مقامه من إثبات يده أو يد نائبه عند الموت أيضا وهو ما أشار إليه المصنف بقوله: إلا أن يشهد
بملكه الخ. قوله: (بملكه) أي المورث، قوله: (عند موته) لا بد من هذا القيد كما علمت، وكان
ينبغي ذكره بعد الثلاثة، يؤيده ما في البزازية حيث قال: شهد أن هذه الدار كانت لجده لا تقبل لعدم
الجر، ولو شهدا على إقرار المدعى عليه أنها كانت لجده يقبل، ثم ذكر أن قولهم كانت في يده كهذا،
وجعل في الخانية الدين كالعين أنه كان لأبي المدعي على المدعى عليه كذا فتجوز. وذكر شيخنا أن
قولهم كانت لأبيه ليس بجر، وظاهر تعليل الشارح الآتي أن قوله: عند موته قيد للشهادة باليد أيضا،
وأنت خبير أنه بالأولى بل صريحه حيث قال لان الأيدي عند الموت الخ.
وفي البدائع: شهدوا أنه مات وهو ساكن في هذه الدار تقبل، وعند أبي يوسف لا. ومراد
الشارح أن الجر يكون صريحا كالمثال الذي ذكره وحكميا فيما استثنى. قوله: (أو يده) إنما كان ذلك
مثبتا، لان الظاهر من حال المسلم في ذلك الوقت أن يسوي الأسباب، ويبين ما كان بيده من
المغصوب والودائع، فإذا لم يبين فالظاهر من حاله أن ما في يده ملكه فتجعل اليد عند الموت دليل
الملك. قوله: (أو يد من يقوم مقامه) قال في الدرر: يعني إذا مات رجل فأقام وارثه بينة على دار أنها
كانت لأبيه أعارها أو أودعها الذي هي في يده فإنه يأخذها ولا يكلف البينة أنه مات وتركها ميراثا له
بالاتفاق. أما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإنه لا يوجب الجر في الشهادة. وأما عندهما فلان قيام اليد
عند الموت يغني عن الجر وقد وجدت، لان وجه المستعير والمودع يد المعير والمودع ا ه‍. وشمل هذا
الأمين وغير كالغاصب والمرتهن. قوله: (لان الأيدي) أي أيدي الواضعين أيديهم على شئ، وهذا
تعليل للاستغناء بالشهادة على يد الميت عن الجر، وبيان ذلك أنه إذا أثبت يده عند الموت: فإن كانت
يد ملك فظاهر لأنه أثبت ملكه، أو أن الانتقال إلى الوارث فيثبت الانتقال ضرورة كما لو شهدا
بالملك، وإن كانت يد أمانة فكذلك الحكم لان الأيدي في الأمانات عند الموت تنقلب يد ملك بواسطة
الضمان إذا مات مجهلا لتركه الحفظ، والمضمون يملكه الضامن على ما عرف فيكون إثبات اليد في
ذلك الوقت إثباتا للملك، وترك تعليل الاستغناء بالشهادة على يد من يقوم مقامه لظهوره، لان إثبات
يد من يقوم مقامه إثبات ليده فيغني إثبات الملك وقت الموت عن ذكر الجر فاكتفى به عنه. أفاده سيدي
الوالد رحمه الله تعالى. قوله: (تنقلب) أي تصير يد ملك، إذ لو كانت لغيره لبينه في الوقت الذي
يصدق فيه الكذوب ويرجع فيه العاصي، لان الظاهر من حال المسلم في ذلك الوقت: أي وقت
الموت كذلك، وأن يسوي أسبابه ويبين ما كان بيده في الودائع والغصوب، فإذا لم يبين فالظاهر من

638
حال أن ما في يده ملكه، فتجعل اليد عند الموت دليل الملك. لا يقال: قد تكون اليد يد أمانة ولا
ضمان فيها لتنقلب بواسطته يد ملك لان الأمانة تصير مضمونة بالتجهيل بأن يموت ولم يبين أنها وديعة
فلان لأنه حينئذ ترك الحفظ وهو تعد يوجب الضمان. قوله: (بواسطة الضمان) أي إذا مات مجهلا
لتركه الحفظ فيضمن الوديعة. قوله: (ثبت الجر ضرورة) أي لا قصدا. قوله: (ولا بد مع الجر من بيان
سبب الوراثة الخ) أي وهو أنه أخوه مثلا ولا يكفي مجرد أنه وارثه.
قال في الفتح: وينسبا الميت والوارث حتى يلتقيا إلى أب واحد، ويذكرا أيضا أنه وارث، وهل
يشترط قوله ووارثة في الأب والام والولد؟ قيل: يشترط، والفتوى على عدمه، وكذا كل من لا
يحجب بحال، وفي الشهادة بأنه ابن ابن الميت أو بنت ابنه لا بد منه، وفي أنه مولاه لا بد من بيان أنه
أعتقه ا ه‍. ولم يذكر هذا الشرط متنا ولا شرحا، والظاهر أن الجر مع الشرط الثالث يغني عنه.
فتأمل. وقدمنا الكلام على ذلك مستوفى في شتى القضاء عند قول المصنف تركة قسمت بين الورثة أو
الغرماء الخ. قوله: (من بيان سبب الوراثة) أي الخاص كالاخوة بقيد كونها للأب ومثل الأخ العم،
ولا بد في الشهادة للمولى أن يقولا: هو مولاه أعتقه ولا نعلم له وارثا غيره، لان لفظ المولى مشترط
ط. قوله: (وبيان أنه أخوه لأبيه الخ) ذكر في البحر عن البزازية: أنهم لو شهدوا أنه ابنه ولم يقولوا
ووارثه الأصلح أنه يكفي، كما لو شهدوا أنه أبوه أو أمه، فإن ادعى أنه عم الميت يشترط لصحة
الدعوى أن يفسر فيقول عمه لأبيه وأمه أو لأبيه أو لامه. ويشترط أيضا أن يقول: ووارثه، وإذا
أقام البينة لا بد للشهود من نسبة الميت والوارث حتى يلتقيا إلى أب واحد، وكذلك هذا في الأخ
والجد ا ه‍ ملخصا.
شهدا أن هذا ابن الميت أو وارثه ولم يشهدا أنا لا نعلم له وارثا غيره فالقاضي يتلوم ثم يدفع
إليه، ومدة التلوم مفوضة إلى رأي القاضي. تتارخانية من الثامن في كتاب الشهادة. وعندهما مقدر
بحول كما هو مفاد مما ذكره الطحاوي في مختصره: ادعى أنه أخوه لأبيه وأمه وشده الشهود ولم
يذكروا اسم الام أو الجد لا تقبل، لأنه لا يحصل التعريف، وقيل: يصح ويثبت لأنه ذكر محمد في
الكتاب: من ادعى أنه أخوه لأبيه وأمه وأقام البينة تقبل، ولم يشترط ذكر الجد. وقال شمس الأئمة
السرخسي في الأخ: لا يشترط ذكر اسم الجد وغيره، وأما إذا ادعى أنه ابن عمه لا بد أن يذكر اسم
الأب والجد. عمادية من السادس.
رجل طلب الميراث وادعى أنه عم الميت يشترط لصحته أن يسر فيقول عمه لأبيه وأمه أو لأبيه
أو لامه وأن يقول أيضا وارثه لا وارث له غيره، وإذا أقام البينة لا بد للشهود أن ينسبوا الميت،
ولوارث حتى يلتقيا إلى أب واحد ويقول هو وارثه لا وارث له غيره، فإن شهدوا بذلك أو شهدوا أنه
أخو الميت لأبيه وأمه أو لأبيه أو وارثه لا يعلمون له وارثا غيره جاز، ولا يشترط في هذا ذكر
الأسماء. قاضيخان.
رجل ادعى إرثا عن ميت وزعم أنه ابن عم الميت لأبيه وأقام بينة على النسب وذكر الشهود اسم
أبيه وجده واسم أبي الميت وجده كما هو الرسم والمدعى عليه أقام البينة أن جد الميت فلان غير ما
أثبته المدعي لا تقبل، لان البينات للاثبات لا للنفي، وبينة المدعى عليه قامت للنفي، وهو ليس
بخصم في إثبات جد المدعي. خانية.

639
تنبيه: الشرط أي سماع بينة الإرث إحضار الخصم، وهو إما وارث أو غريم الميت وله على
الميت دين أو مودع الميت أو الموصى له أو به لا فرق بين أن يكون مقرا بالحق أو منكرا. بزازية في
العاشر من كتاب الدعوى. قوله: (وبقي شرط ثالث الخ) ينافيه ما قدمه في مسائل شتى من التفصيل
في قول الشهود: لا نعلم له وارثا غيره، وعدمه إذ لو كان قولهم ذلك شرطا لما تأتي التفصيل،
والذي في البحر عن البزازية قول الشاهد: لا أعلم له وارثا غيره عندنا بمنزلة لا وارث له غيره انتهى. علم
أنه شرط لاسقاط التلوم لا لصحة القضاء. قوله: (وارثا غيره) في البزازية قول الشاهد:
لا أعلم له وارثا غيره عندنا بمنزلة لا وارث له غيره انتهى. قوله: (غيره) قال في فتح القدير: وإذا
شهدوا أنه كان لمورثه تركة ميراثا له ولم يقولوا لا نعلم له وارثا غيره: فإن كان ممن يرث في حال دون
حال لا يقضى لاحتمال عدم استحقاقه أو يرث، على كل حال يحتاط القاضي وينتظر مدة هل له وارث
آخر أو لا، فإن لم يظهر يقضى بكله، وإن كان نصيبه يختلف في الأحوال يقضى بالأقل فيقضى في
الزوج بالربع والزوجة بالثمن إلا أن يقولوا لا نعلم له وارثا غيره. وقال محمد وهو رواية عن أبي
حنيفة: يقضى بالأكثر، والظاهر الأول ويأخذ القاضي كفيلا عندهما، ولو قالوا لا نعلم له وارثا
بهذا الموضع كفى عند أبي حنيفة خلافا لهما ا ه‍. وتقدمت المسألة قبيل كتاب الشهادات، وذكرها في
السادس والخمسين من شرح أدب القضاء منوعة ثلاثة أنواع، فارجع إليه، ولخصها هناك صاحب
البحر بما فيه خفاء. وقد علم بما مر أن الوارث إن كان ممن قد يحجب حجب حرمان فذكر هذا
الشرط لأصل القضاء، وإن كان ممن قد يحجب حجب نقصان فذكره شرط للقضاء بالأكثر، وإن كان
وارثا دائما ولا ينقص بغيره فذكره شرط للقضاء حالا بدون تلوم، فتأمل. وقدمنا الكلام عليه مستوفى
في شتى القضاء فارجع إليه. قوله: (ورابع) أي في الشهادة بالإرث، أما الشهادة بالنسب فقد سبق
أنه يثبت بالتسامع قال في البزازية: شهدا أن فلان بن فلان مات وترك هذه الدار ميراثا ولم يدركا
الميت فشهادتهما باطلة، لأنهما شهدا بملك لم يعاينا سببه ولا رأياه في يد المدعي انتهى.
أقول: قال الصدر الشهيد في شرح أدب القاضي: وإن عاين الملك دون المالك بأن عاين ملكا
لجدوده ينسب إلى فلان بن فلان الفلاني وهو لم يعاينه بوجهه ولا يعرفه بنسبه القياس فيه أن لا يحل،
والاستحسان يحل لان النسب مما يثبت بالتسامع والشهرة، فيصير المالك معروفا بالتسامع والملك
معروف فترفع الجهالة، لكن إنما تقبل إذا لم يفسر الشاهد، أما إذا فسر فلا. قوله: (ذكرهما البزازي)
وكذا في الفتح. قوله: (وذكر اسم الميت الخ) حتى لو شهدا أنه جده أو أبيه أو أمه ووارثه ولم يسميا
الميت تقبل. بزازية. قوله: (وإن شهدا بيد حي الخ) يعني إذا كان دار في يد رجل فادعى آخر أنها له
وأقام بينة أنها كانت في يده لا تقبل. وقال الثاني: تقبل لان الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم، ولو
أقر المدعى عليه به وقعت إلى المدعي اتفاقا، ولهما أن هذه شهادة قامت على مجهول وهو اليد فإنها الآن
منقطعة ويحتمل أنها كانت يد ملك أو وديعة أو إجارة أو غصب فلا يحكم بإعادتها بالشك. درر. ولو
شهدا أنها كانت له تقبل بلا خلاف كما في الخانية. ولو شهدا بأن المدعى عليه أخذها من المدعي فإنها

640
تقبل وترد الدار إلى المدعي، وقيد بقول بيد حي لأنهم لو شهدوا أنها كانت في يد فلان مات تقبل
بالاتفاق. مسكين. قوله: (سواء قالا مذ شهر الخ) لان قولهما ذلك وجوده كعدمه، والخلاف ثابت
أيضا بدون ذكره، فإنه ذكر التمرتاشي في الجامع الصغير: شهدوا لحي أن العين كانت في يده لم تقبل.
قوله: (ردت) أي عند أبي حنيفة ومحمد، وعن أبي يوسف: أنها تقبل كما ذكرنا. قوله: (لتنوع يد
الحي) علة لقوله بمجهول وذلك أنه يحتمل أنها كانت يد ملك أو وديعة أو إجارة أو غصب فلا يحكم
بإعادتها. درر: أي فلا يقضى بالشك.
قال في الغرر: إلا أن يقولا أن المدعى عليه أحدث اليد فيه فيقضى للمدعي، ويؤمر المدعى
عليه بالتسليم إليه، ولكن لا يصير المدعى عليه مقضيا عليه حتى لو برهن بعده على أنه ملكه تقبل ا
ه‍. وإذا كانت وديعة مثلا تكون باقية على حالها، أما الميت فتنقلب ملكا له إذا مات مجهلا لها كما
تقدم. قوله: (بخلاف ما لو شهدا أنها كانت ملكه) أي فتقبل لان الشهادة بالملك المنقضي مقبولة لا
باليد المنقضية، لان الملك لا يتنوع واليد تتنوع باحتمال أنه كان له فاشتراه منه، لان الأصل إبقاء ما
كان على الذي عليه كان، وقدمنا قريبا ما لو شهد المدعي ملك عين في يد رجل أنها كانت ملك
المدعي حيث يقضي بها، وما لو شهد أنها كانت لمورثه بدون إضافة الملك إلى وقت الموت حيث اختلف
في قبولها، والفرق بينهما عن الفتح فلا تنسه. قوله: (أو أقر) معطوف على قوله شهدا. قوله: (في
يد المدعي) قيد بالاقرار باليد مقصودا، لأنه لو أقر له بها ضمنا لم تدفع إليه كما سيأتي في الاقرار.
قوله: (بذلك) أي بيد الحي أو وملكه، ومن اقتصر على الثاني فقد قصر. أفاده سيدي الوالد رحمه الله
تعالى. قوله: (دفع للمدعي) الأولى أن يقول: فإنه يدفع للمدعي كما يظهر بالتأمل.
وفي البحر: وإنما قال دفع إليه دون أن يقول أنه إقرار بالملك، لأنه لو برهن على أنه ملكه
فإنه يقبل ا ه‍: أي في مسألة الاقرار باليد أو الشهادة عليه لأنهما المذكورتان في الكنز دون مسألة
الشهادة بالملك، لما في جامع الفصولين: أخذ عينا من يد آخر وقال إني أخذته من يده لأنه كان
ملكي وبرهن على ذلك تقبل، لأنه وإن كان ذا يد بحكم الحال لكنه لما أقر بقبضه منه فقد أقر أن اليد
في الحقيقة هو الخارج، ولو أقر المدعى عليه إني أخذته من المدعي لأنه كان ملكي: فلو كذبه المدعي
في الاخذ منه لا يؤمر بالتسليم إلى المدعى لأنه رد إقراره وبرهن على ذي اليد، ولو صدقه يؤمر بتسليمه
إلى المدعي، فيصير المدعي ذا يد فيحلف أو يرهن الآخر ا ه‍. وقوله دفع للمدعي، قال في الدرر: لكن
لا يصير المدعى عليه بزوال اليد عنه مقضيا عليه، حتى لو برهن المدعى عليه بعده على أنه ملكه يقبل.
كذا في العمادية ا ه‍. قوله: (لمعلومية الاقرار) أي إقرار المدعى عليه أنها كانت في يد المدعي فيؤاخذ
به. قوله: (وجهالة المقر به) من كون اليد أمانة أو ملكا. قوله: (لا تبطل الاقرار) أي في حق الدفع.
قال ط: ظاهره أنهما شهدا عليه أنه أقر بأن الدار التي في يده كانت لفلان، ولم يعاينا الدار. قوله:
(بالملك المنقضي) أي كيد الميت كما في صورة الجر السابقة عن البحر. قوله: (لا باليد المنقضية) أي كيد
الحي. قوله: (لتنوع اليد) أي لاحتمال أنه كان له فاشتراه منه. قوله: (المفتى به نعم) لأنه أقر باليد

641
وادعى أنها بغير حق فيؤاخذ بإقراره ولا تثبت الدعوى الأخرى إلا ببرهان قوله: (قبلت بألف) أي ولا
يسمع قوله قضاه لكمال النصاب، ولا يكون رده من المدعي تكذيبا له، كما إذا شهد له بألف وخمسمائة
والمدعي يدعي ألفا لأنه لم يذكره فيما شهد له به وإنما كذبه فيما شهد به عليه وذلك لا يمنع، كما
إذا شهد له بشئ ثم شهد عليه بآخر، ولا تقبل إلا إذا ادعى الألف، فإذا ادعى خمسمائة والمسألة
بحالها لا تقبل. قوله: (إلا إذا شهد معه آخر) أي لكمال النصاب. قوله: (ولا يشهد) أي بالألف
كلها: أي يجب عليه أن لا يشهد كما في الزيلعي والدرر. قوله: (من علمه) فعل ماض: أي علم
قضاء خمسمائة. قوله: (حتى يقر المدعي به) أي يقر المدعي عنه الناس به: أي بما قبض لئلا يتضرر
المدعى عليه عند تقريره الدعوى، ولئلا يكون إعانة على الظلم.
قال في البحر: والمراد من ينبغي في عبارة الكنز معنى يجب فلا تحل له الشهادة. قوله: (شهد
بسرقة بقرة الخ) هذه من مسائل الجامع الصغير، وصورتها عن محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة رحمهم
الله تعالى في شاهدين شهدا جميعا على أنه سرق بقرة واختلفا في لونها، قال: أجيز الشهادة وأقطعه،
وقال أبو يوسف ومحمد: لا نجيز الشهادة ولا نقطعه ا ه‍. له أن التوفيق ممكن لان التحمل في السرقة
يكون ليلا غالبا واللونان يتشابهان ويجتمعان، فيكون السواد من جانب وهذا يبصره والبياض من
جانب آخر وهذا يشاهده وإذا كان التوفيق ممكنا وجب القبول كما إذا اختلف شهود الزنا في بيت
واحد، وفيه بحث من وجهين أحدهما: أن طلب التوفيق هنا احتيال لاثبات الحد، وهو القطع والحد
يحتال لدرئه لا لاثباته. والثاني: أن التوفيق وإن كان ممكنا ليس بمعتبر ما لم يصرح به فيما يثبت
بالشبهات فكيف يعتبر إمكانه فيما يدرأ بها؟
والجواب عن الأول: إن ذلك إنما كان احتيالا لاثباته أن لو كان في اختلاف ما كلفا نقله وهو
من صلب الشهادة لبيان قيمة المسروق ليعلم هل كان نصابا فيقطع به أو لا، أما إذا كان في اختلاف
ما لم يكلفا نقله كلون ثياب السارق وأمثاله فاعتبار التوفيق فيه ليس احتيالا لاثباته الحد لامكان ثبوته
بدونه، ألا ترى أنهما لو سكتا عن بيان لون البقرة ما كلفهما القاضي بذلك، فتبين أنه ليس من صلب
الشهادة ولم يكلفا نقله إلى مجلس الحكم، بخلاف الذكورة والأنوثة فإنهما يكلفان النقل بذلك، لان
القيمة تختلف باختلافهما، فكان اختلافا في صلب الشهادة.
والجواب عن الثاني: بأن جواب للقياس لان القياس اعتبار إمكان التوفيق، أو يقال التصريح
بالتوفيق يعتبر فيما كان في صلب الشهادة وإمكانه فيما لم يكن فيه، هذا وأطلق في اللون فشمل جميع
الألوان وهو الصحيح، ولهما أن السواد غير البياض فلم يتم على كل نصاب شهادة وصار كالغصب،
لان أمر الحد أهم كالذكورة والأنوثة، وعلى هذا الخلاف لو ادعى سرقة ثوب مطلقا فقال أحدهما
هروي والآخر مروي ا ه‍. شلبي. وتكلم الشرح على القطع، ولم يتكلم على الضمان والظاهر وجوبه،
وحرره نقلا ا ه‍ ط بزيادة. قوله: (خلافا لهما) حيث قالا: لا يقطع لأنهما اختلفا في المشهود به

642
فيمتنع به بالقبول، كما إذا اختلفا في الذكورة والأنوثة أو في اللون في الغصب بل أولى، لان الثابت
بالغصب ضمان لا يسقط الشبهات والثابت هنا حد يسقط بها ا ه‍. درر. قوله: (واستظهر صدر
الشريعة قولهما) لكن صحح في الهداية قول الإمام رحمه الله تعالى. قوله: (وهذا إذا لم يذكر المدعي
لونها) أما لو عين لونها كحمراء فقال أحدهما سوداء لم يقطع إجماعا، لأنه كذب أحد شاهديه كما
في الفتح. قوله: (أو جملة لم تقبل) أما الأول: فلان الاطلاق أزيد من المقيد، وأما الثاني فلاختلاف
الشهادة والدعوى للمباينة بين المتفرق والجملة، وتقدمت هذه المسألة آنفا. قوله: (شهد في دين الحي
الخ) قال في البحر: لم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألتين: إحداهما: ما إذا ادعى شيئا للحال
فشهدا به مما مضى وعكسه. الثانية: إذا ادعى الانشاء فشهد بالاقرار وعكسه، أما الأول ففي المحيط
نقلا عن الأقضية إذا ادعى الملك للحال: أي في العين فشهدوا أن هذا المعين كان قد ملكه تقبل، لأنها
أثبتت الملك في الماضي فيحكم بها في الحال ما لم يعلم المزيل. قال رشيد الدين بعدما ذكرها أمر ضروري
ميدانت ا ه‍. ومعنى تحكيمها في الحال الخ. قال في نور العين: هذا عمل بالاستصحاب وهو حجة
في الدفع لا للاستحقاق، فكان ينبغي أن لا تقبل شهادتهما فيه لكن فيه حرج فيقبل دفعا للحرج.
(يقول الحقير) قوله دفعا للحرج تعليل عليل كما لا يخفى على ذي فهم جليل ا ه‍. وقال في
البحر أيضا: ومعنى هذا لا يحل للقاضي أن يقول أتعلمون أنه ملكه اليوم. نعم ينبغي للقاضي أن
يقول هل تعلمون أنه خرج عن ملكه فقط. ذكره في المحيط. قال العمادي: فعلى هذا إذا ادعى الدين
فشهدا أنه كان له عليه كذا ينبغي أن يقبل كما في العين، ومثله ما لو ادعى أنها زوجته فشهدوا أنه كان
تزوجها ولم يتعرضوا للحال تقبل ا ه‍. لكن اعترض الرملي قوله نعم ينبغي للقاضي الخ بأن المنصوص
خلافه، وإن البحث لا يعارض المنصوص، إذ لا عبرة للأبحاث في معارضة النصوص ا ه‍. وقال
أيضا: معنى لا ينبغي للقاضي أن يقول الخ: أي لأنهم لو قالوا لا نعلم أنه ملكه اليوم لا تقبل
شهادتهم، فيضيع حق المدعي ظاهرا فلا يسألهم، بخلاف ما إذا قال لهم: هل تعلمون أنه خرج عن
ملكه؟ فإنهم إذا قالوا لا نعلم أنه خرج عن ملكه لا تبطل شهادتهم كما هو ظهر ا ه‍. وهذا كله إذا
شهدوا بالملك في الماضي، أما لو شهدوا باليد له في الماضي لا يقضى به في ظاهر الرواية، وإن كانت
اليد تسوغ الشهادة في الملك على ما أسلفناه. وعن أبي يوسف: يقضى بها.
وخرج العمادي على هذا في الواقعات: لو أقر بدين عند رجلين ثم شهد عدلان عند
الشاهدين أنه قضى دينه أن شاهدي الاقرار يشهدان أنه كان له عليه دين ولا يشهد أن له عليه فقال
هذا أيضا دليله على أنه إذا ادعى العين وشهدوا أنه كان له عليه تقبل. وهذا غلط، فإنه إنما تعرض لما
يسوغ له أن يشهد به لا للقبول وعدمه، بل ربما يؤخذ من منعه من إحدى العبارتين دون الأخرى
بثبوت القبول في إحداهما دون الأخرى، كيف وقد ثبت بشهادة العدلين عند الشاهدين أنه قضاه فلا
يشهدان، حتى يخبر القاضي بذلك، وأن القاضي حينئذ لا يقضي بشئ. كذا في فتح القدير.
وفي البزازية: شهد أنه زوجت نفسها، ولا نعلم أنها في الحال امرأته أو لا، أو شهدا أنه باع
منه هذه العين ولا ندري أنها ملكه في الحال أو لا يقضي بالنكاح والملك في الحال بالاستصحاب،
والشاهد في العقد شاهد في الحال.

643
والحاصل أن المنصوص عليه في العين ما سمعت، وأما في الدين فالمنصوص عليه عدم القبول.
قال في القنية: شهدا على إقرار رجل بدين فقال المشهود عليه: أتشهد أن هذا القدر علي الآن فقال لا
أدري أهو عليك الآن أم لا، لا تقبل الشهادة ا ه‍. وقاع قبله: ادعى علي آخر دينا على مورثه فشهدوا
أنه كان على الميت دين لا تقبل حتى يشهدوا أنه مات وهو عليه ا ه‍. فموضوع الأولى في الشهادة على
الاقرار، وإن الشاهد قال لا أدري أهو عليك الآن أم لا وهو ساكت عما إذا شهدوا أنه كان له
عليه كذا، وقد بحث العمادي أنه ينبغي القبول وليس بمعارض للمنصوص عليه كما علمت ا ه‍.
أقول: بل هو داخل في قولهم الشهادة بالملك المنقضي مقبولة، وأما الثانية: أعني ما إذا ادعى
الانشاء فشهد بالاقرار وعكسه، فقال في جامع الفصولين: ادعى الوديعة فشهد أن المودع أقر بالايداع
تقبل كما في الغصب، وكذا العارية ادعى نكاحا وشهدا بإقرارهما بنكاح تقبل كما في الغصب، وكذا
العارية ولو ادعى دينا فشهد بإقراره بالمال تقبل، وتكون إقامة البينة على إقراره كإقامة البينة على
السبب، وأفتى بعضهم بعدم القبول. ادعى قرضا وشهد بإقراره بالمال تقبل بلا بيان السبب انتهى.
فتقبل بالايداع والغصب والعارية والديون والنكاح، وأما البيع فقال في جامع الفصولين: ادعى بيعا
وشهدا أنه أقر بالبيع واختلفا في زمان ومكان تقبل. وفيه قبله: ادعى مائة قفيز بر بسبب سلم صحيح
وشهدا أن المدعى عليه أقر أن له عليه مائة قفيز بر ولم يزيدا قيل تقبل، لأنه اختلاف في سبب الدين
فلا يمنع، وقيل لا وهو الأصح، لأنهما لم يذكرا إقراره بسبب السلم، والاختلاف بسبب الدين إنما
يمنع قبولها لو لم يختلف الدين باختلاف السبب، ودين السلم مع دين آخر يختلفان، إذ الاستبدال قبل
القبض لم يجز في السلم، وجاز في دين البر بلا سبب، فلم يشهدا بدين يدعيه فلا تقبل، بخلاف ما
ادعى بسبب القرض تقبل انتهى. ثم قال: ادعى قضاء دينه
وشهد أنه أقر باستيفائه تقبل انتهى.
وفي القنية: ادعى عبدا فشهد أحدهما بملك مرسل، والآخر بإقرار ذي اليد بملكيته للمدعي
تقبل، ولو كان هذا في دعوى الأمة والضيعة لا تقبل، والفرق فيها. وأما عكسها: أعني ما إذا ادعى
الاقرار فشهد بالانشاء فغير متصور شرعا إذ لا تسمع الدعوى بالاقرار لما في البزازية معزيا إلى الذخيرة.
ادعى أن له عليه كذا وإن العين الذي في يده له لما أنه أقر له بعد أو ابتدأ بدعوى الاقرار وقال أنه
أقر أن هذا لي أو أقر أن لي عليه كذا قيل يصح، وعامة المشايخ على أنه لا تصح الدعوى لعدم صلاح
الاقرار للاستحقاق، كالاقرار كاذبا فلا يصح الاقرار لإضافة الاستحقاق إلي، بخلاف دعوى الاقرار
من المدعى عليه على المدعي بأنه برهن على أنه أقر أنه لا حق له فيه أو بأنه ملك المدعي حيث تقبل.
وتمامه فيها. وسنتكلم عليها إن شاء الله تعالى بأوضح من ذلك في الدعوى.
أقول: أما قول فغير متصور شرعا، قال الغزي: ممنوع، لأنه لو ادعى أنه ملكي وأنه أقر له به
تسمع، لكن قد يقال: رجع إلى دعوى الملك والكلام ليس فيه فيستقيم الكلام. قوله: (وفي دين الميت
لا تقبل مطلقا) أي سألهما الخصم عن بقائه أو لم يسألهما، ولكن الذي ردت في الشهادة في دين الحي
إنما هو في صورة الاقرار لما قدمناه قبل أسطر عن البحر عن القنية: شهد على إقرار رجل بدين الخ،
ولذا قال بعده وهو ساكت الخ.

644
قال في البحر: وفي مسألة دين الميت لا بد في القبول من شهادتهما بأنه مات، وهو عليه
احتياطا في أمر الميت، ولذا يحلف المدعي مع إقامة البينة، بخلافه في دين الحي فتحرر أنهما إذا شهدا
في دين الحي بأنه كان له عليه كذا تقبل، إلا إذا سألهما الخصم عن البقاء فقالا لا ندري، وفي دين
الميت لا تقبل مطلقا ا ه‍. قوله: (قلت) القول صاحب المنح. قوله: (من ثبوته بمجرد بيان سببه الخ)
قال الرملي نقلا عن المحيط: إنه يثبت الدين على الميت بمجرد بيان الشاهد سببه من غير حاجة إلى أن
يقولا مات، وعليه شهدا على رجل أنه جرحه، ولم يزل صاحب فراش حتى مات يحكم به وإن لم
يشهدوا أنه مات من جراحته لأنه لا علم لهم به. بزازية معين الحكام. كذا رأيته بخط بعض العلماء.
وأقول: ما في المحيط لا يعارض ما في القنية إذ ما فيها فيما إذا ادعى الدين للحال فشهدا به
كذلك بحيث أنهما لم يقولا كان، وبه يحصل التوفيق، فتأمل.
ونقل بعض الفضلاء عن المقدسي أنه قوى ما في معين الحكام وأنه قال: إن الأول ضعيف وإن
الاحتياط في أمر الميت يكفي فيه تحليف خصمه مع وجود بينة، وأن في هذا الاحتياط ترك احتياط
آخر في وفاء دينه الذي يحجبه عن الجنة، وتضييع حقوق أناس كثيرين لا يجدون من يشهد لهم على
هذا الوجه ا ه‍. وبه اعترض في نور العين على صاحب جامع الفصولين. قوله: (والاحتياط لا يخفى)
قد علمت أن الاحتياط في عدم اشتراط ذلك، وأن اشتراطه ضعيف، لكن قال الرحمتي: والاحتياط لا
يخفى لان الامر فيه مشكل دائر بين تضييع حق الدائن أو إلزام الميت بما ليس في ذمته، فيحتاج
القاضي والمفتي أن يتفحصا كما التفحص ويتتبعا القرائن وأحوال المدعي والمدعى عليه، فإن ظهر له
بقاء الدين يفتي المفتي بقول من يقول: لا حاجة إلى الجر، ويقضي القاضي به، وإن غلب على ظنه
استيفاء الدائن للدين أو سقوطه بوجه من المسقطات يفتى بالقول الثاني، ويقضي به القاضي حفظا
لأموال الناس وأديانهم، ولذا قال: والاحتياط لا يخفى، ولم يبين بماذا يكون الاحتياط والله أعلم.
لكن عبارة المنح: وفي مسألة دين الميت لا بد في القبول في شهادتهما بأنه مات وهو عليه احتياطا في
أمر الميت ا ه‍.
فأفاد أن الاحتياط إنما هو في أمر الميت لأنه لا يجب عن نفسه، والوارث لا يعلم ما فعل
مورثه، ثم نقل القولين فكتب الخير الرملي في هامشه، قوله قلت الخ.
أقول: ما في المحيط لا يعارض ما في القنية، إذ ما فيها فيما إذا ادعى الدين للحال فشهدا
بالماضي فلذلك أقحم: أي الشاهدان لفظ كان وما فيه فيما إذا ادعى الدين للحال فشهدا به كذلك
ولذا لم يقولا كان، وبه يحصل التوفيق فتأمل ا ه‍. وبهذا يتضح ما ذكره الشارح. قوله: (ادعى ملكا
في الماضي) أي بأن قال ملكي وشهدا أنه له قال في الفصولين، ولو ادعى ملكا في الماضي شهدا به
في الحال بأن قال كان هذا ملكي وشهدا أنه له قيل تقبل، وقيل لا، وهو الأصح. وكذا لو ادعى أنه
كان له وشهدا أنه كان له لا تقبل. قوله: (كما لو شهدا بالماضي أيضا) أي لا تقبل لان إسناد المدعي

645
يدل على نفي الملك في الحال، إذ لا فائدة للمدعي في الاسناد مع قيام ملكه في الحال، بخلاف
الشاهدين لو أسندا ملكه إلى الماضي لان إسنادهما لا يدل على النفي في الحال لأنهما لا يعرفان بقاءه إلا
بالاستصحاب، والشاهد قد يحترز عن الشهادة باستصحاب الحال لعدم تيقنه، بخلاف المالك، إذ كما
يعلم ثبوت ملكه يقينا يعلم بقاءه يقينا. بحر. وبهذا ظهر الفرق بين ما هنا وبين ما تقدم متنا من قوله
: بخلاف ما لو شهدا أنها كانت ملكه.
فرع مهم: قال المدعي: إن الدار التي حدودها مكتوبة في هذا المحضر ملكي وقال الشهود أن
الدار التي حدودها مكتوبة في هذا المحضر ملكه صح الدعوى والشهادة، وكذا لو شهودا أن المال
الذي كتب في هذا الصك عليه تقبل. والمعنى فيه أنه أشار إلى المعلوم لو شهدا يملك المتنازع فيه
والخصمان تصادقا على أن المشهود به هو المتنازع فيه ينبغي أن تقبل الشهادة في أصل الدار وإن لم تذكر
الحدود لعدم الجهالة المفضية إلى النزاع في أصل الدار. جامع الفصولين في آخر الفصل السابع. والله
تعالى أعلم وأستغفر الله العظيم.
باب الشهادة على الشهادة
إنما أخرها لأنها فرع عن شهادة الأصل فاستحقت التأخير، لان الأصل مقدم على الفرع ولأنها
بمنزلة المركب من المفرد، وجوازها استحسان، والقياس لا يقتضيه لان الأداء عبادة بدنية لزمت
الأصل لا حق للمشهود له لعدم الاجبار عليها، ولعدم جواز الخصومة فيها، والنيابة لا تجري في
العبادات البدنية لان كون قول الانسان ينفذ على مثله، ويلزمه ما نسبه إليه، وهو ينفيه ويبرأ منه إنما
عرف حجة شرعا عند قدر من احتمال الكذب، وهو ما في شهادة الأصول لعدم العصمة من
الكذب والشهود، فلا يكون حجة كذلك عن زيادة الاحتمال، فكيف إذا كان الثابت ضعف ذلك
الاحتمال، وهو في شهادة الفرعين، وإن اختلف محل الأداء فإن محله في الأصلين في إثبات حق
المدعي، وفي الفرعين ما يشهدان به من شهادة الأصلين، ثم يرجع إلى الحق المدعى به، إلا أنهم
استحسنوا جوازها في كل حق لا يسقط بالشبهة لشدة الاحتياج إليها، لان الأصل قد يعجز عن
أدائها لبعض العوارض، فلو لم تجز لادى إلى ضياع كثير من الحقوق. ولهذا جوزت وإن كثرت:
أعني الشهادة على شهادة الفروع وإن بعدت، إلا أن فيها شبهة من حيث البدلية، لان البدل مما لا
يصار إليه إلا عند العجز عن الأصل، وهذه كذلك. واعترض بأنه لو كان فيها معنى البدلية لما جاز
الجمع بينهما لعدم جوازه بين البدل والمبدل، لكن لو شهد أحد الشاهدين وهو أصل وآخران على
شهادة شاهد آخر جاز. وأجيب بأن البدلية إنما هي في المشهود به، فإن المشهود به بشهادة الفروع
هو شهادة الأصول، والمشهود به بشهادة الأصول هو ما عاينوه مما يدعيه المدعي، وإذا كان كذلك لم
تكن شهادة الفروع بدلا عن شهادة الأصول فلم يمتنع إتمام الأصول بالفروع، فإذا ثبتت البدلية فيها
لا تقبل فيما يسقط بالشبهات كشهادة النساء مع الرجال وكالحدود والقصاص، وعند الأئمة الثلاثة:
تقبل فيما يسقط بها أيضا. عناية بزيادة. فإن قيل: ذكر في المبسوط أن الشاهدين لو شهدا على شهادة
شاهدين أن قاضي بلدة كذا حد فلانا في قذف تقبل حتى ترد شهادة فلان. أجيب بأن لا نقض فإن
المشهود به فعل القاضي، وهو ما يثبت مع الشبهات، والمراد من الشهادة بالحدود الشهادة بوقوع

646
أسبابها الموجبة لها، فما ورد أن فعل القاضي موجب لردها وردها من حده فهو موجب للحد.
أجيب بالمنع بل الموجب لردها إذا كان من حده ما يوجب الحد والذي يوجبه هو القذف نفسه، على
أن في المحيط ذكر محمد في الديات: لا تقبل هذه الشهادة. فتح قوله: (وإن كثرت) أي تعددت:
أعني الشهادة على شهادة الفروع بأن يحمل الفرع شهادته لاثنين، وأحد الاثنين لآخرين وهكذا.
ويشترط الشروط الآتي ذكرها في كل فرع مع أصله. قوله: (في كل حق على الصحيح) أي لا
يسقط بشبهة كما في الهداية. قال في البحر: أطلقه فشمل الوقف وهو الصحيح إحياء له وصونا عن
اندراسه وشمل التقرير، وهو مصرح به في الأجناس وقضاء القاضي وكتابه كما في الخانية والنسب
كما في خزانة المفتين.
وفي القنية: أشهد القاضي شهودا أني حكمت لفلان على فلان بكذا فهو إشهاد باطل لا عبرة
به، والحضور شرط اه‍.
وفي يتيمة الدهر: كتبت إلى الحسن بن زياد إذا أشهد القاضي على قضائه الشاهدين اللذين
شهدا في تلك الحادثة هل يصح إشهاده إياهما؟ فقال: نعم، لكنه ينفصل عن القبول في الحكم ا ه‍.
قال في فتح القدير: الشهادة عن الشهادة جائزة في كل حق يثبت مع الشبهة، فخرج ما لا
يثبت معها وهو الحدود والقصاص، فأما التعزير ففي الأجناس من نوادر ابن رستم عن محمد: يجوز
في التعزير العفو والشهادة على الشهادة، ونص الفقيه أبو الليث على أن كتاب القاضي إلى القاضي لا
تجوز فيه الشهادة على الشهادة، وفي فتاوى قاضيخان: الشهادة على الشهادة جائزة في الأقارير
والحقوق وأقضية القضاة وكتبهم وكل شئ، إلا الحدود والقصاص، وبقولنا هذا قال أحمد والشافعي
في قول، وأصح قوليه وهو قول مالك: يقبل في الحدود والقصاص، أيضا، لان الفروع عدول
نقلوا شهادة الأصول، فالحكم بشهادة الأصول لا بشهادتهم وصاروا كالمترجم وسيندفع ا ه‍. قوله:
(إلا في حد) أي ما يوجب الحد فلا يرد أنه إذا شهد على شهادة شاهدين أن قاضي بلد كذا ضرب
فلانا حدا في قذف فإنها تقبل، حتى ترد شهادته إلى آخر ما ذكرنا آنفا، وفيه إشعار بأنها تقبل في
التعزير، وهذه رواية عن أبي يوسف، وعن أبي حنيفة أنها لا تقبل كما في الاختيار قهستاني. قوله:
(وجاز الاشهاد مطلقا) أي بعذر أو غيره وسواء تعذر حضور الأصل أو لا، لان تحمل الشهادة أسهل
من أدائها. قال في خزانة المفتين: والاشهاد على شهادة نفسه يجوز وإن لم يكن بالأصول عذر، حتى
لو حل بهم العذر من مرض أو سفر أو موت شهد الفروع ا ه‍. فتبين أن اشتراط العذر وقت الأداء
لا وقت التحمل.
قال في البحر: وقيد شهادة الفرع: أي عند القاضي لان وقت التحمل لا يشترط أن يكون في
الأصل عذر لما في خزانة المفتين، وساق عبارتها المذكورة. قوله: (بشرط تعذر حضور الأصل) قال
في البحر: لان جوازها عند الحاجة، وإنما تمس عند عجز الأصل.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: أشار إلى أن المراد بالمرض ما لا يستطيع معه الحضور إلى مجلس
القاضي كما قيده في الهداية، وأن المراد بالسفر الغيبة مدته كما هو ظاهر كلام المشايخ، وأفصح به

647
في الخانية والهداية لا مجاوزة البيوت وإن أطلقه كالمرض في الكنز ولم يصرح بالتعذر، ولكن ما ذكرنا
هو المراد لان العلة العجز، فافهم. قوله: (وما نقله القهستاني) حيث قال: لكن في قضاء النهاية وغيره
أن الأصل إذا مات لا تقبل شهادة فرعه فيشترط حياة الأصل. قوله: (فيه كلام) ويؤيد كلام القهستاني
قوله الآتي وبخروج أصله عن أهليتها. قوله: (فإنه نقله عن الخانية عنها) أي بواسطتها أراد أنه نقل عن
قضاء النهاية عن الخانية، ولفظ عنها هو على ما في أكثر النسخ، وفي بعضها هناك بدل عنها: أي
في كتاب القضاء وفي شرحه على الملتقى ما يشعر بذلك، وهو الأحسن.
أقول: وليس في القهستاني ذلك كما علمت من عبارته المتقدمة، ولعل الشارح اطلع عليه في
عبارة النهاية أو تحريف في القهستاني الذي رآها، والأولى للشارح أن يقول: فإنه نقله عنها في الخانية
كما تدل عليه عبارته في شرح الملتقى فإنه قال فيه، لكن في قضاء النهاية عن قاضيخان الأصل إذا
مات لا تقبل شهادة فرعه فتشترط حياة الأصل. كذا ذكره القهستاني.
أقول: فيه أن استدراك القهستاني بقوله لكن في قضاء النهاية الخ يخالف المشهور. قوله: (وهو
خطأ) أي ما ذكره قاضيخان في القضاء خطأ. قوله: (والصواب ما هنا) أي في باب الشهادة على
الشهادة. قال في الدر المنتقى بعد ذكر عبارة القهستاني السابقة: وتعقبه بعضهم بأنه أخطأ وأن
قاضيخان وغيره ذكره هنا كغيره فأصاب، وخالفه ثمة فأخطأ ا ه‍. ثم قال: لكن نقل البرجندي عن
الخلاصة والقهستاني عن الخزانة وكذا في البحر والمنح والسراج وغيرها أنه إذا خرج الأصل عن أهلية
الشهادة بأن خرس أو فسق أو عمى أو جن أو ارتد بطل الاشهاد ا ه‍: أي وبالموت خرج الأصل عن
الأهلية، وفيه أنهم جوزوا الشهادة بعد الموت نصا فهي مستثناة ط.
أقول: وقد يقال: إن المقصود من تحميل الشهادة عدم ضياع الحق بموته ولا كذلك بما ذكر
لأنها أمور عارضية. قال في الهندية: لا تقبل شهادة شهود الفرع إلا أن يموت شهود الأصل أو
يمرضوا مرضا لا يستطيعون حضور مجلس القاضي أو يغيبوا مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فصاعدا. كذا
في الكافي. هذا ظاهر الرواية والفتوى عليه. كذا في التتارخانية. قوله: (أو مرض) أي مرضا لا
يستطيع معه الحضور لمجلس الحاكم ا ه‍. منح.
وفي شرح المجمع: المرض الذي لا يتعذر معه الحضور لا يكون عذرا ا ه‍. قوله: (أو سفر) ظاهر
الكنز وغيره من المتون أن سفر الأصل يتحقق بأن يجاوز بيوت مصره قاصدا ثلاثة أيام وإن لم يسافر ثلاثة،
وظاهر كلام المشايخ أنه لا بد من غيبة الأصل ثلاثة أيام ولياليها كما أفصح به في الخانية. منح. والذي
في الخانية: الشهادة على الشهادة لا تجوز، إلا أن يكون المشهود على شهادته مريضا في المصر لا يقدر أن
يحضر لأداء الشهادة، أو يكون ميتا أو غائبا غيبة السفر ثلاثة أيام ولياليها. وعن أبي يوسف: إذا كان
شاهد الأصل في موضع لو حضر لأداء الشهادة لا يبيت في منزله جازت الشهادة على الشهادة. وعن
محمد في النوادر أنه تجوز الشهادة على الشهادة وإن كان صحيحا في المصر ا ه‍.
لكن اعترض سيدي على عبارة المنح من قوله: وظاهر الكنز وغيره من المتون أن سفر الأصل
الخ في كون ظاهر المتون ذلك نظر حيث كانت العلة العجز، وإلا لزم أن يكون المرض الذي لا يتعذر
معه الحضور عذرا، وليس كذلك فالمتبادر غيبته مدة السفر، ولذا أتى في الهداية برديفه فقال: أو

648
يغيبوا مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فصاعدا كما علمت مما قدمناه آنفا. قوله: (واكتفى الثاني بغيبته الخ)
وعن محمد: تجوز الشهادة كيفما كان حتى روي عنه أنه إذا كان الأصل في زاوية المسجد فشهد الفرع
على شهادته في زاوية أخرى من ذلك المسجد تقبل شهادتهم وإلا قطع، صرح به عنهما فقال: وقال
أبو يوسف ومحمد: تقبل وإن كانوا في المصر ا ه‍ ط.
وفي النهاية عن السرخسي والسعدي: إذا شهد الفروع على شهادة الأصول والأصل في المصر
يجب أن تجوز على قولهما لا على قول أبي حنيفة، بناء على أن التوكيل بغير رضا الخصم لا يجوز عنده،
وعندهما: يجوز وجه البناء أن المدعى عليه لا يملك إنابة غيره مناب نفسه في الجواب إلا بعذر، فكذا
لا يملك الأصل إنابة غيره مناب نفسه إلا بعذر. والجامع أن استحقاق الجواب على المدعى عليه
كاستحقاق الحضور على الشهود، وعندهم: لما ملك المدعى عليه إنابة غيره مناب نفسه في الجواب من
غير عذر، فكذا في الحضور إلى مجلس الحكم. زيلعي. فعلى هذا لا يشترط لأداء الفروع أن يكون
بالأصل عذرا أصلا عندهما. قوله: (واستحسنه غير واحد) قال الكمال: كثير من المشايخ أخذ بهذه
الرواية، وبه أخذ الفقيه أبو الليث، وذكر محمد في السير الكبير ا ه‍. قوله: (وفي القهستاني) عبارته
وتقبل عند أكثر المشايخ، وعليه الفتوى كما في المضمرات، وذكر القهستاني أيضا أن الأول ظاهر
الرواية وعليه الفتوى. وفي البحر قالوا: الأول أحسن، وهو ظاهر الرواية كما في الحاوي. والثاني
أوفق، وبه أخذ الفقيه وكثير من المشايخ. وقال فخر الاسلام: إنه حسن. وفي السراجية: وعليه
الفتوى ا ه‍. قوله: (وأقره المصنف) أي في منحه. قوله: (أو كون المرأة مخدرة) قال البزدوي: هي من
لا تكون برزت بكرا كانت أو ثيبا ولا يراها غير المحارم من الرجال، أما التي جلست على المنصة فرآها
رجال أجانب كما هو عادة بعض البلاد لا تكون مخدرة. خانية.
قال في البحر: وظاهر كلام المصنف الحصر في الثلاثة: أي الموت والمرض والسفر وليس
كذلك، وذكر مسأل المخدرة المذكورة هنا. قوله: (لا المخالط الرجال) هو تعريف المخدرة كما في
القنية، ونقله في البحر والهندية عنها، وكذا نقله العلامة الأنقروي برمز بم. قوله: (وفيها لا يجوز
الاشهاد لسلطان وأمير) أي على شهادتهما إذا كان في البلد الاعلى قول محمد على ما سلف. قوله:
(وهل تجوز لمحبوس الخ) قال في السراج: إذا كان شاهد الأصل محبوسا في المصر فأشهد على شهادته
هل يجوز للفرع أن يشهد على شهادته، وإذا شهد عند القاضي هل يحكم بها؟ قال في الذخيرة: اختلف
فيه مشايخ زماننا، قال بعضهم: إذا كان محبوسا في سجن هذا القاضي لا يجوز لان القاضي يخرجه من
سجنه حتى يشهد ثم يعيده إلى السجن، وإن كان في سجن الوالد ولا يمكنه الخروج للشهادة يجوز ا
ه‍. وأطلق في التهذيب جوازها بحبس الأصل ا ه‍.
أقول: ووجهه ظاهر لان المحبوس لا يملك الخروج بل هو مجبور على عدمه. قال ط: ويمكن
حمله على ما ذكر من التفصيل ا ه‍.

649
وأقول: قدمنا إنه الآن في زماننا لا فرق بين حبس القاضي والوالي، بل المحبس واحد، فإن من
لزمه أداء شهادة يخرج لأدائها بمحافظ معه كما علمت، فتنبه.
وفي الهندية: إن كان الأصل معتكفا، قال القاضي بديع الدين: لا يجوز سواء كان منذورا أو
غير منذور ا ه‍. قوله: (ذكره المصنف في الوكالة) ونقله المصنف أيضا عن السراج عن الذخيرة.
قوله: (عند الشهادة) أي أدائها عند القاضي. قال في المنح: وهو أي قوله عند القاضي متعلق بتعذر
وما عطف عليه. قوله: (قيد للكل) أي فيكون الظرف متعلقا بحضور الأصل. قوله: (لاطلاق جواز
الاشهاد) يعني يجوز أن يشهد وهو صحيح أو سقيم ونحوه، ولكن لا تجوز الشهادة عند القاضي إلا وما
ذكره من الشروط موجود في الأصل.
قال في البحر نقلا عن خزانة المفتين: والاشهاد على شهادة نفسه يجوز وإن لم يكن بالأصول
عذر، حتى لو حل بهم العذر يشهد الفروع ا ه‍. ومثله في المنح عن السراجية. قوله: (كما مر) أي
في قوله: وجاز الاشهاد مطلقا. قوله: (شهادة عدد) قال في فتح القدير: لا تجوز شهادة الشاهد
حتى يكون اثنين، ولأن شهادة كل من الأصلين هي المشهود بها، فلا بد أن يجتمع على كل
مشهود به شاهدان حتى لو كانت امرأة شاهدة مع الأصول لا يجوز على شهادتها إلا رجلان أو رجل
وامرأتان.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى في أحد قوليه: لا يجوز إلا أن يشهد على شهادة كل منهما شاهدان
غير اللذين على شهادة الآخر، فذلك أربع على كل أصل اثنان. واختاره المزني لان كل فرعين
يقومان مقام أصل واحد فصار كامرأتين، فلا تقوم الحجة بهما لان المرأتين لما قامتا مقام رجل واحد لم
تتم حجة القضاء بشهادتهما، ولأن أحدهما لو كان أصلا فشهد شهادتهما الأصلية ثم شهد شهادة فرعية
مع فرع على شهادة الأصل الآخر لا يجوز اتفاقا، فكذا إذا شهدا جميعا على شهادة الأصلين.
وفي قول آخر للشافعي: يجوز، وهو قول مالك وأحمد لنا ما روي عن علي رضي الله عنه: لا
يجوز شهادة الشاهد حتى يكونا اثنين، فإنه بإطلاقه يفيد الاكتفاء باثنين من غير تقييد بأن
يكون بإزاء كل أصل فرعان، ولأن حاصل أمرهما أنهما شهدا بحق هو شهادة الأصلين، ثم شهد بحق
آخر هو شهادة الأصل الآخر، ولا مانع من أن يشهد شاهدان بحقوق كثيرة، بخلاف أداء الأصل
شهادة نفسه الأصلية، ثم شهادة فرعية على الأصل الآخر مع فرع آخر غيره، فإنه إنما لا تجوز لان فيه
يجتمع البدل والمبدل، بخلاف ما لو شهد شهادته وشهد اثنان على شهادة الأصل الآخر حيث تجوز،
وبخلاف شهادة المرأتين فإن النصاب لم يوجد لأنهما بمنزلة رجل واحد، ولا يقبل شهادة واحد
خلافا لمالك رحمه الله تعالى. قال: الفرع قائم مقام الأصل معبر عنه بمنزلة رسوله في إيصال شهادته
إلى مجلس القاضي، فكأنه حضر وشهد بنفسه، واعتبر هذا برواية الاخبار، فإن رواية الواحد عن
الواحد مقبولة، ولنا ما روينا عن علي رضي الله تعالى عنه وهو ظاهر الدلالة على المراد، ولأنه حق من
الحقوق فلا بد من نصاب الشهادة، بخلاف رواية الاخبار. كذا في الفتح مع زيادة.

650
أقول: وجه الاستدلال بذلك أن عليا رضي الله تعالى عنه جوز شهادة رجلين على شهادة رجل
لم ينف شهادتهما على شهادة رجل آخر، ولم يشترط أن يكون بإزاء كل أصل فرعان على حدة، فدل
إطلاقه على جواز شهادة الفرعين جميعا على شهادة الأصلين، ولم يرو عن غير علي خلافه فحل محل
الاجماع.
قلت: وفيه تأمل. كذا في العيني. قوله: (وما في الحاوي) أي من أنه لا تقبل شهادة النساء على
الشهادة قوله: (بحر) عبارته: وكذا لا يشترط أن يكون المشهود على شهادته رجلا، لان للمرأة أيضا
أن تشهد على شهادتها رجلين أو رجلا وامرأتين، ويشترط أن يشهد على شهادة كل امرأة نصاب
الشهادة، كذا ذكر الشارح. وقد توهم القدسي في الحاوي أنه قيد احترازي فقال: ولا تقبل شهادة
النساء على الشهادة ا ه‍. وهو غلط ا ه‍. قوله: (عن كل أصل) متعلق بقوله وشهادة عدد فلو شهد
عشرة على شهادة واحد تقبل، ولكن لا يقضي حتى يشهد شاهد آخر، لان الثابت بشهادتهم شهادة
واحد. بحر عن الخزانة. وأفاد أنه لو شهد واحد على شهادة نفسه وآخران على شهادة غيره يصح،
وصرح به في البزازية. قوله: (ولو امرأة) لما قدمنا أنه لا بد من نصاب الشهادة على شهادتهما، فيجوز
للمرأة أن تشهد على شهادتهما رجلين أو رجلا وامرأتين. قوله: (لا تغاير فرعي هذا وذاك) أي يكفي
شاهدان عن كل أصل، ولا يلزم لكل شاهد شاهدان متغايران حتى لو شهد أحدهما على شهادته
رجلين وأشهدهما الآخر بعينهما جاز، ولو قال لا تغاير فرعيهما لكان أولى. قوله: (خلافا للشافعي)
فإنه قال: لا يجوز حتى يشهد على كل واحد منهما رجلان غير الذي أشهدهما صاحبه فيكون شهود
أربعة. قوله: (ولو ابنه) مستدرك بما سيأتي متنا. قوله: (أشهد على شهادتي أني أشهد بكذا) لأنه لا بد
من التحميل والتوكيل، لان الفرع كالنائب عنه وهما يكونان بشينين، ولا بد أن يشهد عنده كما يشهد
عند القاضي لينقله إلى مجلس القاضي، وهو بالشين الثالثة، وإنما قالوا الفرع كالنائب ولم يجعلوه نائبا
لان له أن يقضي بشهادة أصل وفرعين عن أصل آخر، ولو كان الفرع نائبا حقيقة لما جاز الجمع بين
الأصل والخلف. نهاية. وأجاب الزيلعي بعدم الجمع بينهما لان الفرعين ليسا ببدل عن الذي شهد
معهما بل عن الذي لم يحضر.
قال في البحر: ولم يذكر المؤلف بعد قوله أقر عندي بكذا وأشهدني على نفسه لأنه ليس بشرط،
لان من سمع إقرار غيره حل له الشهادة وإن لم يقل له اشهد كما قدمنا، وقيد بقوله: اشهد لأنه لو لم
يقل له اشهد لم يسعه أن يشهد على شهادته وإن سمعها منه، وهذا فيما إذا سمعه في غير مجلس
القضاء. أما لو سمع في مجلس القضاء شاهدا يشهد جاز له أن يشهد على شهادته كما في السراج عن
النهاية، وقيد بقوله على شهادتي لأنه لو قال اشهد علي ذلك لم تجز له الشهادة، لأنه لفظ محتمل
لاحتمال أن يكون الاشهاد على نفس الحق المشهود به فيكون أمرا بالكذب، وقيد بعلي لأنه لو قال
بشهادتي لم يجز له لاحتمال أن يكون أمر بأن يشهد مثل شهادته بالكذب، وقيد بالشهادة على الشهادة
لان الشهادة بقضاء القاضي صحيحة وإن لم يشهدهما القاضي عليه. وذكر في الخلاصة اختلافا بين أبي

651
حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى فيما إذا سمع الشاهد أن القاضي في غير مجلس القضاء، فجوزه
أبو حنيفة وهو الأقيس، ومنعه أبو يوسف وهو الأحوط ا ه‍ كلام البحر مع زيادة عليه. قال في
البزازية: سمعا من الحاكم يقول: حكمت لهذا على هذا بكذا ثم نصب حاكم آخر لهما أن يشهدا به
عليه أن سمعاه منه في المصر، وهو الأحوط، والذي علي علم الهدى والمتأخرون أن كلام العالم
والعادل مقبول وكلام الظالم والجاهل لا، إلا الجاهل العادل إن أحسن التفسير يقبل، وإلا فلا.
مطلب: علم القاضي ليس بحجة إلا في كتاب القاضي للضرورة ا ه‍ منه
ولا خفاء أن علم قضاة بلادنا ليس بشبهة فضلا عن الحجة، إلا في كتاب القاضي للضرورة ا
ه‍. قوله: (ويكفي سكوت الفرع) أي عند تحميله. قوله: (قنية) عبارتها أو قال: لا أقبل ينبغي أن لا
يصير شاهدا حتى لو شهد بعد ذلك لا تقبل ا ه‍. تأمل. قوله: (ولا ينبغي الخ) الظاهر أن ذلك على
المنع والاحتياط في الحقوق واجب، وهذا الفرع نقله في البحر، ثم قال بعد ورقة: وفي خزانة
المفتين: الفرع إذا لم يعرف الأصل بعدالة ولا غيرها فهو مسئ في الشهادة على شهادته بتركه الاحتياط
ا ه‍.
مطلب: في معنى قولهم الإساءة أفحش من الكراهة والكراهة أفحش من الإساءة
وقالوا: الإساءة أفحش من الكراهة ا ه‍. لكن ذكر الشارح في شرحه على المنار أنها دونها،
ورأيت مثله في التقرير شرح البزدوي والتحقيق شرح الإحسكتي وغيرهما أن الإساءة دون الكراهة،
ولعل مراد من قال دون الكراهة، ولعل مراد من قال دون الكراهة أراد بها التحريمية، ومن قال أفحش أراد بها التنزيهية. تأمل. قوله:
(ويقول الفرع أشهد أن فلانا الخ) أي ويذكر اسمه واسم أبيه وجده فإنه لا بد منه كما في البحر،
وقوله فلان تمثيل، وإلا فلا بد من بيان شاهد الأصل، حتى لو قالا نشهد أن رجلين نعرفهما
أشهدانا على شهادتهما أنهما يشهدان بكذا وقالا لا نسميهما أو لا نعرف أسماءهما لم تقبل، لأنهما
تحملا مجازفة لا عن معرفة كما في الصغرى.
مطلب: فلان بدون الألف واللام كناية عن الأناسي وبهما كناية عن البهائم
وفي أبي السعود فلان وفلانة بدون ألف ولام كناية عن الأناسي، وبهما كناية عن البهائم،
تقول: ركبت الفلان وحلبت الفلانة ا ه‍. قوله: (هذا أوسط العبارات) قال صاحب الهداية، وخير
الأمور أوساطها، وهو الذي عليه القدوري، وذكر أبو النصر شارحه أنه أولى وأحوط. وفي المنبع
واختارها شمس الأئمة الحلواني ا ه‍. وتبعه صاحب الدرر والغرر. قوله: (وفيه خمس شينات)
والأطول أن يقول: الفرع عند القاضي أشهد أن فلانا شهد عند أن لفلان على فلان كذا، وأشهدني
على شهادته وأمرني أن أشهد على شهادته، وأنا الآن أشهد على شهادته بذلك، ففيه ثمان شينات. قال
في المنية: أقل ما يكفي في الاشهاد ثلاث شينات وهي أشهد عندكم بكذا فأشهدوا على شهادتي
بذلك، وبعض المشايخ قالوا: يقول الأصل أشهد بكذا وأني أشهدك على شهادتي فاشهد على شهادتي،
وفيه خمس شينات، والأحسن الأقصر قول أبي جعفر: أن يقول الأصل اشهد علي شهادة بكذا،
ويقول الفرع: أشهد على شهادة فلان بكذا من غير احتياج إلى زيادة كما يأتي، وهو اختيار الفقيه أبي

652
الليث وأستاذه أبو جعفر. قوله: (وعليه فتوى السرخسي وغيره) قال في الفتح: وهو اختيار الفقيه أبي
الليث وأستاذه أبي جعفر، وهكذا ذكره محمد في السير الكبير وبه قالت الأئمة الثلاثة. وحكى أن
فقهاء زمن أبي جعفر خالفوه، واشترطوا زيادة طويلة، فأخرج أبو جعفر الرواية من السير الكبير
فانقادوا له. قال في الذخيرة: فلو اعتمد أحد على هذا كان أسهل، وكلام المصنف: أي صاحب
الهداية يقتضي ترجيح كلام القدوري المشتمل على خمس شينات حيث حكاه، وذكر أن ثم أطول منه
وأقصر، ثم قال: وخير الأمور أوساطها. وذكر أبو نصر البغدادي شارح القدوري أقصر آخر بثلاث
شينات وهو أشهد أن فلانا أشهدني على شهادته أن فلانا أقر عنده بكذا، ثم قال: وما ذكره القدوري
أولى وأحوط، ثم حكى خلافا في أن قوله: وقال لي اشهد على شهادتي شرط عند أبي حنيفة ومحمد فلا
يجوز تركه، لأنه إذا لم يقله احتمل أنه أمره أن يشهد مثل شهادته وهو كذب، وأنه أمره على وجه
التحمل، فلا يثبت بالشك. وعند أبي يوسف: يجوز لان أمر الشاهد محمول على الصحة ما أمكن
فيحمل لذلك على التحميل ا ه‍. والوجه في شهود الزمان القول بقولهما، وإن كان فيهم العارف
المتدين، لان الحكم للغالب خصوصا المتخذ بها مكسبة للدراهم ا ه‍ ما في الفتح باختصار.
وحاصله: أنه اختار ما اختاره في الهداية وشرح القدوري من لزوم خمس شينات في الأداء،
وهو ما جرى عليه في المتون كالقدوري والكنز والغرر والملتقى والاصلاح ومواهب الرحمن وغيرها.
قوله: (ويكفي تعديل الفرع لاصله) في ظاهر الرواية وهو الصحيح لأنه من أهل التزكية. هداية.
ولأن الفرع ناقل عبارة الأصل إلى مجلس القاضي، وبالنقل ينتهي حكم النيابة فيصير أجنبيا، فيصح
تعديله إذا عرفه القاضي كما في الشروح. قال الملا عبد الحليم محشي الدرر: أشار بعنوان الصحة أن
فيه اختلافا لما أنه عن محمد عدم الصحة لتهمة المنفعة، وله الصحة ظاهر الرواية وصححها في
الصغرى وهكذا في المنصورية. قوله: (وإلا لزم تعديل الكل) هذا عند أبي يوسف. وقال محمد: لا
تقبل لأنه لا شهادة إلا بالعدالة، فإذا لم يعرفوها لم ينقلوا الشهادة فلا تقبل. ولأبي يوسف أن المأخوذ
عليهم النقل دون التعديل، لأنه قد يخفى عليهم فيتعرف القاضي العدالة كما إذا شهدوا بأنفسهم. كذا
في الهداية وفي البحر. وقوله وإلا صادق بصور الأولى أن يسكتوا، وهو المراد هنا كما أفصح به في
الهداية الثانية أن يقولوا لا يخبرك، فجعله في الخانية على الخلاف بين الشيخين. وذكر الخصاف أن عدم
القبول ظاهر الرواية، وذكر الحلواني أنها تقبل وهو الصحيح، لان الأصل بقي مستورا إذا يحتمل الجرح
والتوقف فلا يثبت الجرح بالشك، ووجه المشهور أنه جرح للأصول، واستشهد الخصاف بأنهما لو قالا
إنا نتهمه في الشهادة لم يقبل القاضي شهادتهما على شهادته، وما استشهد به هو الصورة الثالثة، وقد
ذكرها في الخانية ا ه‍. ملخصا. وحيث كان المراد الأولى فقول الشارح وإلا لزم الخ تكرار ما في
المتن. قوله: (أحد الشاهدين صاحبه في الأصح) كذا اختاره في الهداية: أي إذا كان العدل وهو أحد
الشاهدين معروفا بالعدالة عند القاضي، ونقل فيه قولين في النهاية.
والحاصل كما في الخانية: أن القاضي إن عرف الأصول والفروع بالعدالة قضى بشهادتهم، وإن
عرف أحدهما دون الآخر سأل عمن لم يعرفه، وإذا شهد الفرع على شهادة أصل فردت شهادته لفسق

653
الأصل لا تقبل شهادة أحدهما بعد ذلك ا ه‍. منح وبحر. قوله: (لان العدل لا يتهم بمثله) أي بتعديل
مثله، ولو اتهم بمثله لا يتهم في شهادته على نفس الحق بأنه أنما يشهد ليصير قوله مقبولا عند الناس
وإن لم تكن له شهادة ا ه‍ ط عن الشلبي.
أقول: لكن الأولى فيه أن يقال: فقوله: لا يتهم بمثله أي بهذا الاتهام المنافي للعدالة، فمثل
مقحمة: يعني لان عدالته تمنعه أن يعدل غير العدل. كذا علل في البحر، لكن في عود الضمير على
غير مذكور. وأصل العبارة في الهداية حيث قال: وكذا إذا شهد شاهدان فعدل أحدهما الآخر يجوز لنا
قلنا: أي من أنهم أهل التزكية، غاية الامر أن فيه منفعة من حيث القضاء بشهادته، ولكن العدل لا
يتهم بمثله كما لا يتهم في شهادة نفسه، كيف وأن قوله مقبول في نفسه وإن ردت شهادة صاحبه فلا
تهمة ا ه‍.
قال في النهاية: أي بمثل ما ذكرت من الشبهة، وقوله غاية الامر: أي غاية ما يرد أنه متهم
بسبب أن في تعديله منفعة له من حيث تنفيذ القاضي قوله على موجب ما يشهد به. قلنا: العدل لا
يتهم مثل ما ذكرت من الشبهة، فإن مثلها ثابت في شهادة نفسه فإنها تتضمن القضاء بها، فكما أنه
لم يعتبر الشرع مع عدالته ذلك مانعا كذا ما نحن فيه، وإلا لا نسد باب الشهادة ا ه‍. وبه ظهر
الضمير ليس عائدا للعدل كما توهمه بعضهم. قوله: (وإن سكت الفرع عنه الخ) قال في فتح
القدير: وإن سكتوا: الفروع عن تعديل الأصول حين سألهم القاضي جازت شهادة الفروع، ونظر
القاضي في حال الأصول، فإن عدلهم غيرهم قضى، وإلا لا. وهذا عند أبي يوسف: وقال محمد:
إذا سكتوا أو قالوا لا نعرف عدالتهم لا تقبل شهادة الفروع، لان قبولها باعتبار أنها تقبل شهادة، ولم
تثبت شهاد الأصول فلا تقبل شهادة الفروع. ولأبي يوسف أن المأخوذ: أي الواجب على الفروع
ليس إلا نقل ما حملهم الأصول دون تعديلهم، فإنه قد يخفي حالهم عنهم، فإذا نقلوا ما حملوهم على
القاضي أن يتعرف حالهم غير أن الفروع حاضرون، وهم أهل للتزكية إذا كانوا عدولا، فسؤالهم
أقرب للمسافة من سؤال غيرهم، فإن كان عندهم علم فقد قصرت المسافة، وإلا احتاج إلى تعرف
حالهم من غيرهم. هكذا ذكر الخلاف الناصحي في تهذيب أدب القاضي للخصاف، وصاحب
الهداية وشمس الأئمة فيما إذا قال الفروع حين سألهم عن عدالة الأصول لا نخبرك بشئ لا تقبل
شهادتهم: أي الفروع في ظاهر الرواية: لان هذا ظاهر في الجرح كما لو قالوا نتهمهم في هذه
الشهادة. ثم قال: وروي عن محمد أنه لا يكون جرحا لأنه يحتمل كونه توقيفا في حالهم فلا يثبت
جرحا بالشك ا ه‍. وعن أبي يوسف مثل هذه الرواية عن محمد أنها تقبل، ويسأل غيرها، ولو قالا:
لا نعرف عدالتهما ولا عدمها فكذا الجواب فيما ذكره أبو علي السعدي، وذكر الحلواني أنها تقبل،
ويسأل عن الأصول، وهو الصحيح لان الأصل بقي مستورا فيسأل عنه. وذكر هشام عن محمد في
عدل أشهد على شهادته شاهدين ثم غاب غيبة منقطعة نحو عشرين سنة، ولا يدري أهو على عدالته
أم لا فشهدا على تلك الشهادة ولم يجد الحاكم من يسأله عن حاله إن كان الأصل مشهورا كأبي
حنيفة، وسفيان الثوري قضى بشهادتهما عنه لان عثرة المشهور يتحدث بها، وإن كان غير مشهور لا
يقضي بها، ولو أن فرعين عدالتهما معلومة شهدا عن أصل وقالا لا خير فيه وزكاة غيرهما لا
تقبل شهادتهما، وإن قال ذلك أحدهما لا يتلفت إلى جرحه. وفي التتمة: إذا شهد أنه عدل وليس

654
في المصر من يعرفه: فإن كان ليس موضع للمسألة. يعني بأن يخفي فيها لمسألة سألهما عنه أو يبعث
من يسألهما عنه سرا، فإن عدلاه قبل، وإلا اكتفى بما أخبراه علانية ا ه‍. قوله: (في حاله كما إذا
حضر بنفسه) أي فيسأل عن عدالته، فإذا ظهرت قبله، وإلا لا. قوله: (على ما في القهستاني)
عبارته: وفيه إيماء إلا أنه لو قال الفرع أن الأصل ليس بعدل أو لا أعرفه لم تقبل شهادته كما قال
الخصاف. وعن أبي يوسف أنه تقبل، وهو الصحيح على ما قال الحلواني كما في المحيط ا ه‍. فتأمل
النقل. مدني. قوله: (عن المحيط) ذكر في التتارخانية خلافه، ولم يذكر فيه خلافا، وكيف هذا مع
أنهما لو قالا نتهمه لا تقبل شهادتهما، وظاهر استشهاد الخصاف به كما مر أنه لا خلاف فيه. وفي
البزازية فرعان معلوم عدالتهما شهدا عن أصل وقالا لا خير فيه وزكاه غيرهما لا يقبل، وإن جرحه
أحدهما لا يلتفت إليه. قوله: (فتنبه) قال في الدر المنتقى: فليحرر. وفي البحر وغيره: إذا قال الفرع
للقاضي أنا أتهمه في الشهادة فإن القاضي أنا أتهمه في الشهادة فإن القاضي لا يقبله، وهذا لا ينافي ما ذكره المؤلف، لان نفي الفرع
العدالة عن الأصل لا ينافي وثوقه به في هذه الشهادة. أفاده أبو السعود. قوله: (وتبطل شهادة الفرع
بأمور) عد منها في البحر حضور الأصل قبل القضاء مستدلا بما في الخانية، ولو أن فروعا شهدوا
على شهادة الأصول ثم حضر الأصول قبل القضاء لا يقضي بشهادة الفروع ا ه‍. لكن قال في
البحر: وظاهر قوله لا يقضي دون أن يقول بطل الاشهاد أن الأصول لو غابوا بعد ذلك قضى
بشهادتهم ا ه‍.
أقول: وعلى هذا فما كان ينبغي لصاحب البحر عد الحضور من مبطلات الاشهاد، ولذا تركه
الشارح هنا. وذكر في البحر: إذا كتب للمدعي كتابا ثم حضر بلد المكتوب إليه قبل أن يقضي
المكتوب إليه بكتابه لا يقضي بكتابه كما لو حضر شاهدا الأصل انتهى. وفي اليتيمة: سئل عن قاضي
قضى لرجل بملك الأرض بشهادة الفروع ثم جاء الأصول هل يبطل الفروع؟ فقال: هذا مختلف بين
أصحابنا، فمن قال إن القضاء يقع بشهادة الأصول يبطل، ومن قال بشهادة الفروع لا يبطل ا ه‍.
وهذا الاختلاف عجيب، فإن القضاء كيف يبطل بحضورهم فالظاهر عدمه ا ه‍. قوله: (بنهيهم عن
الشهادة) ولو بعد الأداء قبل القضاء كما في الخلاصة. قوله: (على الأظهر خلاصة) الذي استظهره في
الخلاصة فيما إذا حضر الأصول ونهو الفروع عن الشهادة فالمبطل حضور الأصل وزوال العذر المبيح
للفرع لا النهي عن أداء الشهادة كما يفهم من البحر والمنح فلا مخالفة مع ما يأتي. تأمل. قوله:
(وسيجئ متنا ما يخالفه) وقد علمت ما فيه تأمل. قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: وهو خلاف
الأظهر. قوله: (وبخروج أصله عن أهليتها) لما في البحر عن خزانة المفتين: وإذا خرس الأصلان أو
فسقا أو عميا أو ارتدا أو جنا لم تجز شهادة الفروع ا ه‍. قوله: (كفسق) أدخلت الكاف الجنون
والارتداد. قوله: (وعمى) الظاهر أن يجري الخلاف في شهادة الأعمى هنا ط. قوله: (وبإنكار أصله
الشهادة) هكذا وقع التعبير في كثير من المعتبرات.
قال في الدرر: أقول: قد وقعت العبارة في الهداية وشروحها وسائر المعتبرات هكذا: وإن أنكر

655
شهود الأصل الشهادة موافقة لما في الكافي، ولا يخفى على أحد مغايرة الاشهاد للشهادة، فكيف يصح
تفسيرها به؟ ولعل منشأ غلطه قولهم، لان التحميل لم يثبت للتعارض، فإن معنى لتحميل هو
الاشهاد، وخفي عليه أن التحميل لا يثبت أيضا إذا أنكر أصل الشهادة، بل هذا أبلغ من إنكار
الاشهاد لأنه كناية، وهي أبلغ من التصريح.
وفي الشرنبلالية عن الفاضل المرحوم جوى زاده أقول: لم يرد الزيلعي تفسير لفظ الشهادة
بالاشهاد، بل أراد أن مدار مدار بطلان شهادة الفرع على إنكار الأصل للاشهاد حتى يبطل ما لو قال لي
شهادة على هذه الحادثة لكن لم أشهد، والمذكور في المتن تصوير المسألة في صورة من صورتي إنكار
الاشهاد: وهي صورة إنكار الشهادة رأسا، إذ لا شك في فوات الاشهاد في هذه الصورة أيضا، وأنه
ليس المراد بما في المتن حصر البطلان بصورة إنكار الشهادة، ولم يخف عليه أن التحميل لا يثبت أيضا
مع إنكار أصل الشهادة وإنما يكون خافيا عليه لو توهم عدم بطلان شهادة الفرع حينئذ وحاشاه عن
ذلك، وإذ قد عرفت أن البطلان يعم صورة إنكار الشهادة رأسا وصورة الاقرار بها وإنكار الاشهاد
تحققت أن كون التركيب أبلغ في إنكار الشهادة غير مراد ا ه‍ ما قاله الفاضل. وصورة إنكار الشهادة ما
قاله في الجوهرة: وإن أنكر شهود الأصل الشهادة لم تقبل شهادة الفروع بأن قالوا ليس لنا شهادة في
هذه الحادثة وغابوا وماتوا ثم جاء الفروع يشهدون على شهادته في هذه الحادثة أو قالوا لم نشهد
الفروع على شهادتنا فإن شهادة الفروع لم تقبل، لان التحميل لم يثبت وهو شرط ا ه‍.
أقول: فتحصل من عبارة الفاضل ما يفيد أن الأولى التعبير بالاشهاد، لان إنكار الشهادة لا
يشمل ما إذا قال لي شهادة على هذه الحادثة لكن لم أشهدهم، بخلاف إنكار الاشهاد فإنه يشمل هذا،
ويشمل إنكار الشهادة لان إنكارها يستلزم إنكاره، فإنكار الاشهاد نوعان: صريح، وضمني. ولهذا
غبر الزيلعي وصاحب البحر بالاشهاد، وبه اندفع اعتراض الدرر على الزيلعي، وظهر أيضا أن قول
الشارح هنا أو لم نشهدهم ليس في محله، لأنه ليس من أفراد إنكار الشهادة لان معناه لنا شهادة ولم
نشهدهم. فتأمل.
أقول: ولكن لا يلزم من عدم التحميل عدم وجود شهادة مع الأصول، وعليه فيتجه كلام
الشارح. تأمل. وكتب المولى عبد الحليم على قول الدرر: ولعل منشأ غلطه الخ لا خفاء في أن كلا من
صورتي المسألة مقصود هنا، إلا أن إحداهما لو مقصودة بالذات تكون الأخرى مقصودة بالتضمن، فإن
إنكار الأصل الشهادة يقتضي بطلان شهادة الفرع، سواء أقر الأصل الشهادة لنفسه كما هو الظاهر أو
لم يقر، فلكل وجهة وعبارة الفقهاء: وهي إن أنكر شهود الأصل الشهادة يتبادر تصوير الكافي،
وتعليلهم بقولهم لان التحميل لم يثبت للتعارض يتبادر منه تصوير الزيلعي، إذ الظاهر في التعليل على
الأول أن يقال: لان الشهادة لم توجد للأصول في هذه الحادثة فكيف يوجد التحميل؟ ويصح لو وجد
وكيف تقبل شهادة الفرع، فظهر أنه لم يخف فضلا عن الغلط على الامام الزيلعي، سيما أن شأنه عال
من أن يخفى عليه مثل هذا المقام لمثله، إذ هو من مشايخ الفقه يرجع إليه، ويعتمد عليه هذا العلم عند
الله تعالى، ثم بطلان شهادة الفرع وعدم قبولها لو كان الانكار من الأصل قبل أداء الفرع، وحكم
القاضي بشهادته بأنه يثبت على الفرع إنكار الأصل، وأما بعد الأداء والقبول والحكم بها فلا يلتفت إلى
إنكاره كما لا يخفى انتهى. وقال: وأنت خبير بأن إنكاره لها لا يستلزم إنكاره له، لان الأصل يحتمل

656
أن يقول أشهدت الفرع في ذلك كاذبا فيوجد الاشهاد مع إنكار الشهادة، وهو من جملة صور البطلان
وقد أشير إليه فيما سبق. قوله: (ما لنا شهادة أو لم نشهدهم) أي ثم ماتوا أو غابوا فشهد الفروع لم
تقبل لعدم الشرط، وهو التحميل، وفي الفتح: لأنه وقع في التحميل تعارض خبرهما بوقوعه وخبر
الأصول بعدمه، ولا ثبوت مع التعارض انتهى.
قال في شرح الوافي: يعني إذا قال الأصول ذلك ثم ماتوا أو غابوا، ثم جاء الفروع يشهدون
على شهادتهم بهذه الحادثة، أما مع حضورهم فلا يلتفت إلى شهادة الفروع وإن لم ينكروا. شمني.
قوله: (أو أشهدناهم وغلطنا) هو في معنى إنكار الشهادة، وفيه أن الشاهد لو قال أوهمت بعض
شهادتي تقبل بالشروط المتقدمة، فلماذا لم يجعل هذا مثله؟ تأمل. قوله: (قبلت خلاصة) هذه مما جعل
السكوت فيها كالنطق. قوله: (على فلانة) هو وفلان من غير أل يعبر به عن بني آدم وبهما عن البهائم
كما قدمناه. قوله: (الفلانية) أي المصرية مثلا. قوله: (قيل له هات شاهدين) أي فلا يشترط أن يعرف
الفرع المشهود عليه بعينه، وهذا من قبيل ما مر شهادة قاصرة يتمها غيرهم. قوله: (ولو مقرة) لان
الشهادة على المعرفة بالنسب قد تحققت والمدعي يدعي الحق على الحاضرة فلعلها غيرها فلا بد من
تعريفها بتلك النسبة لاحتمال التزوير. بحر ومنح. قوله: (ومثله الكتاب الحكمي الخ) فإن كتب أن
فلانا وفلانا شهدا عندي بكذا من المال على فلانة بنت فلان الفلانية، وأحضر المدعي امرأة عند القاضي
المكتوب إليه، وأنكرت المرأة أن تكون هي المنسوبة بهذه النسبة، فلا بد من شاهدين آخرين يشهدان
أنها المنسوبة بتلك النسبة كما في المسألة الأولى. كذا في العيني. مدني. قوله: (لأنه كالشهادة على
الشهادة) إلا أن القاضي لكمال ديانته ووفور ولايته ينفرد بالنقل. قوله: (لاحتمال التزوير) أي على
شخص اسمه وكنيته مثل ما في الكتاب الحكمي بأن يتواطأ المدعي مع ذلك الرجل. قوله: (ويلزم
مدعي الاشتراك البيان) يعني أنه إذا ادعى المدعى عليه غيره يشاركه في الاسم والنسب كان عليه البيان
بأن يقول القاضي: أثبت ذلك فإن أثبت تندفع عنه الخصومة، كما لو علم القاضي بمشارك له في
الاسم والنسب وإن لم يثبت ذلك يكون خصما. قوله: (كما بسطه قاضيخان) قال فيها القاضي: إذا
كتب كتابا وكتب اسم المدعى عليه سبه على وجه الكمال فقال المدعى عليه لست أنا فلان بن فلان
الفلاني والقاضي المكتوب إليه لا يعرفه يقول للمدعي أقم البينة أنه فلان بن فلان، فإن قال المدعي
عليه أنا فلان بن فلان بن فلان وفي هذا الحي أو في هذا الفخذ أو في هذه الحارة أو في هذه البلدة
رجل غيري بهذا الاسم يقول له القاضي أثبت ذلك، فإن أثبت ذلك تتدفع عنه الخصومة، كما لو علم
القاضي بمشارك له في الاسم والنسب وإن لم يثبت ذلك يكون خصما ا ه‍ ملخصا.
وفي البحر عن البزازية: أقر أن عليه لفلان بن فلان الفلاني كذا فجاء رجل بهذا الاسم وادعاه
وقال أردت به رجلا آخر مسمى بذلك صدق قضاء، ولا يقضي عليه بالمال ا ه‍.
وقد يقال: إن كلام قاضيخان في المدعى عليه وهذا مدع ط، وإن برهن المدعي أن المشارك في

657
الاسم والنسب قد مات لا يقبل قوله، لأنه لا حق له في إثبات حياة ذلك الميت، وإن كان يعلم ما
قاله المدعى عليه: فإن كان يعلم بموت ذلك الرجل بعد تاريخ الكتاب لا يقبل كتاب القاضي، وإن
كان قبل ذلك قبل، وكذا لو كان لا يدري وقت موت ذلك الرجل كما في البحر. قوله: (ولو قالا
فيهما) أي في الشهادة وكتاب القاضي. قوله: (حتى ينسباها إلى فخذها) لان التعريف لا يحصل
بالنسبة العامة وهي عامة إلى بني تميم لأنهم قوم لا يخصون ويحصل بالنسب إلى الفخذ لأنها خاصة.
وفسر في الهداية الفخذ بالقبيلة الخاصة وفي الشرح بالجد الاعلى. وفي المصباح الفخذ بالكسر
وبالسكون للتخفيف دون القبيلة وفوق البطن، وقيل دون البطن وفوق الفصيلة، وهو مذكر لأنه
بمعنى النفر، والفخذ من الأعضاء مؤنثة والجمع فيهما أفخاذ ا ه‍.
وفي الصحاح: الفخذ: آخر القبائل أولها الشعب ثم القبيلة ثم الفصيل ثم العمارة ثم البطن ثم
الفخذ. وقال في غيره: الفصيلة بعد الفخذ، فالشعب بفتح الشين يجمع القبائل، والقبال تجمع
العمائر، والعمارة بكسر العين تجمع البطون، والبطن يجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل.
وذكر الزمخشري: أن العرب على ست طبقات: شعب، وقبيلة، وعمارة، وبطن، وفخذ،
وفصيلة. فمضر شعب وكذا ربيعة ومذحج وحمير، وسميت شعوبا لان القبائل تتشعب منها، وكنانة
قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. وعلى هذا فلا يجوز الاكتفاء
بالفخذ ما لم ينسبها إلى الفصيلة لأنها دونها، ولذا قال الله تعالى: * (وفصيلته التي تؤويه) * (المعارج: 13)
ومنهم من ذكر بعد الفصيلة العشيرة. وتمامه في فصل الكفاءة من النكاح.
والحاصل: أن التعريف بالإشارة إلى الحاضر وفي الغائب لا بد من ذكر الاسم والنسب، والنسبة
إلى الأب لا تكفي عند الامام ومحمد، ولا بد من ذكر الجد خلافا للثاني فإن لم ينسب إلى الجد ونسبه
إلى الفخذ الأب الأعلى كتميمي ونجاري لا يكفي، وإن إلى الحرفة لا إلى القبيلة والجد لا يكفي عند
الامام، وعندهما: إن معروفا بالصناعة يكفي، وإن نسبها إلى زوجها يكفي، والمقصود الاعلام. ولو
كتب إلى فلان بن فلان الفلاني على فلان سندي عبد فلان بن فلان الفلاني كفى اتفاقا، لأنه ذكر تمام
التعريف. ولو ذكر اسم فلان سندي عبد فلان بن فلان الفلاني كفى اتفاقا، لأنه ذكر تمام التعريف. ولو ذكر اسم المولى واسم أبيه لا غير ذكر السرخسي أنه لا يكفي، وذكر شيخ الاسلام أنه
يكفي، وبه يفتى لحصول التعريف بذكر ثلاثة العبد والمولى وأبيه. وإن ذكر اسم العبد والمولى أن نسب
إلى قبيلة الخاص لا يكفي، على ما ذكره السرخسي، ويكفي على ما ذكره شيخ الاسلام لوجود ثلاثة
وإن لم يذكر قبيلة الخاص لا يكفي، وإن ذكر اسم العبد ومولاه ونسب العبد إلى مولاه ذكر شيخ
الاسلام أنه يكفي، وبه أفتى الصدر لأنه وجد ثلاثة أشياء. وشرط الحاكم في المختصر للتعريف ثلاثة
أشياء: الاسم، والنسبة إلى الأب، والنسبة إلى الجد أو الفخذ أو الصناعة. والصحيح أن النسبة إلى
الجد لا بد منها وإن كان معروفا بالاسم المجرد مشهورا كشهرة الامام أبي حنيفة يكفي، ولا حاجة إلى
ذكر الأب والجد، وفي الدار كدار الخلافة وإن مشهورة لا بد من ذكر الحدود عنده، وعندهما هي
كالرجل. ولو كني بلا تسمية لم يقبل إلا إذا كان مشهورا كالامام، ولو كتب من ابن فلان إلى فلان لم
يجز إلا إن اشتهر كابن أبي ليلى، ولو كتب إلى أبي فلان لم يجز لان الجزء ينسب إلى الكل لا العكس.

658
كذا في البزازية. ثم قال: ويشترط نظر وجهها في التعريف، وإن أراد ذكر حليتها يترك موضع الحلية
حتى يكون القاضي هو الذي يكتب الحلية أو يملي الكاتب، لأنه إن حلاها الكاتب لا يجد القاضي بدا
من أن ينظر إليها فيكون فيه نظر رجلين وفيما ذكرنا نظر رجل واحد فكان الأولى. وهل يشترط شهادة
الزائد على عدلين في أنها فلانة بنت فلان أم لا؟ قال الامام: لا بد من شهادة جماعة على أنها فلانة بنت
فلان، وقالا: شهادة عدلين تكفي، وعليه الفتوى لأنه أيسر ا ه‍.
قال الطرابلسي في معين الحكام: ولو عرفها رجلان وقالا نشهد أنها فلان بنت فلان حل
للشاهد أن يشهد وفاقا، لان في لفظ الشهادة من التأكيد ما ليس في لفظ الخبر لأنه يمين بالله تعالى
معنى، ولو كان بلفظ الخبر إنما يجوز عند أبي حنيفة لو أجبر جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب،
وعندهما: لو أخبره عدلان أنها فلانة بنت فلان يحل له الشهادة ا ه‍. فانظر ما بينه وبين ما هنا من
المخالفة، وقدم في شرح قوله وله أن يشهد بما سمع أو رأى عن الفتاوى الصغرى ما يوافق ما ذكره
هنا، فتأمل. والذي يظهر أن ما في معين الحكام هو المعتبر لما ذكره من العلة. تأمل. وهو ظاهر إلا
قوله إن النسبة لا تكفي عن الجد. ففي الهداية: ثم التعريف وإن كان يتم بذكر لجد عن أبي حنيفة
ومحمد خلافا لأبي يوسف على ظاهر الروايات فذكر الفخذ يقوم مقام الجد لأنه اسم الجد الاعلى فنزل
منزلة الجد الأدنى ا ه‍. وكذا تمثيله في البزازية للفخذ بتميمي غير صحيح لما علمته آنفا. وفي خزانة
المفتين: لو ذكر لقبه ونسبه واسم أبيه قيل يكفي، والصحيح أنه لا يكفي، فإذا قضى قاض بدون ذكر
الجد ينفذ.
وفي فتاوى قاضيخان: وإن حصل التعريف باسمه واسم أبيه ولقبه لا يحتاج إلى ذكر الجد، وإن
كان لا يحصل إلا بذكر الجد لا يكفي، والمدينة والقرية والكورة ليست بسبب للتعريف، ولا تقع
المعرفة بالإضافة إليها وإن دامت، فإن كان الرجل يعرف باسمه واسم أبيه وجده لا يحتاج إلى اللقب،
وإن كان لا يحصل إلا بذكر اللقب بأن كان يشاركه في المصر غيره في ذلك الاسم واللقب كما في
أحمد بن محمد بن عمر فهذا لا يقع التعريف به لان في ذلك المصر يشاركه غيره.
فالحاصل: أن المعتبر إنما هو حاصل المعرفة وارتفاع الاشتراك ا ه‍. قال في الفتح: ولا يخفى أنه
ليس المقصود من التعريف أن ينسب إلى أن يعرفه القاضي لأنه قد لا يعرفه ولو نسبه إلى مائة جد وإلى
صناعته ومحلته، بل ليثبت بذلك الاختصاص ويزول الاشتراط، فإنه قلما يتفق اثنان في اسمهما واسم
أبيهما وجدهما أو صناعتهما ولقبها، فما ذكر عن قاضيخان من أنه لو لم يعرف مع ذكر الجد لا يكتفي
بذلك، الأوجه منه ما نقل في الفصول من أن شرط التعريف ذكر ثلاثة أشياء، غير أنهم اختلفوا في
اللقب مع الاسم هل هما واحد أو لا؟ والمراد بالثلاثة اسمه واسم أبيه وجده أو صناعته أو فخذه، فإنه
يكفي عن الجد خلافا لما في البزازية وقدمنا حاصل الكلام على ذلك في أوائل كتاب الشهادات عند
قول الشارح فالمعتبر التعريف لا تكثير الحروف فراجعه. قوله: (كجدها) الأنسب أن يقول وجدها.
قوله: (والمقصود الاعلام) أي بأقصى ما يمكن، لان مجلس الاشهاد كمجلس القضاء، والأولى رفع
الاشتراك لان الاعلام بأن يعرف غير مراد كما مر.
وفي البحر عن البزازية: وإن كان معروفا بالاسم المجرد مشهورا كشهرة الامام أبي حنيفة يكفي
عن ذكر الأب والجد، ولو كني بلا تسمية لم يقبل إلا إذا كان مشهورا كالامام كما تقدم. قيل هذا في

659
العرب أما في العجم فلا يشترط ذكر الفخذ. قال في إيضاح الاصلاح: وفي العجم ذكر الصناعة
بمنزلة الفخذ لأنهم ضيعوا أنسابهم. بحر. قوله: (ثم نهاه عنها) أي عن الشهادة على شهادته. قوله:
(لم يصح أي نهيه) أشار به إلى أن الاشهاد ليس بتوكيل، إذ لو كان توكيلا لصح منعه، ولكن يشترط
أمره بالشهادة لأنها حقه فلا يعتبر نقل أحد بدون أمره، حتى لو سمع تحميل شاهد ليس للسامع أن
يشهد على شهادته لأنه إنما حمل غيره بحضرته كما في الفتح. قوله: (كافران شهدا على شهادة مسلمين
الخ) قيد بهذا، لأنه لو شهد مسلمان على شهادة كافر جاز كما في كافي الحاكم.
قال في الشرنبلالية: لعل وجه عدم القبول لما فيه من ثبوت ولاية الكافر على المسلم، ولم يعلله
قاضيخان ولأنهما شاهدان على أصليهما وهما مسلمان، ولا تقبل شهادة الكافر على المسلم، ولذا لا
تقبل شهادتهما على القضاء لكافر على كافر: أي إن كان القاضي مسلما لان شهادتهما على القاضي.
قوله: (وعلى قضاء أبيه) في المقدسي: جوز أبو حنيفة الشهادة على القضاء وإن سمعاه من القاضي في
غير مجلسه وهو الأقيس، ومنعه أبو يوسف فيما سمعاه في غير مجلس القضاء، وهو الأحوط. ثم
قال: لو سمع يقول أبو يوسف فيما سمعاه في غير مجلس القضاء، وهو الأحوط. ثم قال: لو سمع يقول لآخر قضيت عليك بكذا أو على فلان يجب أن يشهد على قضائه بلا تحميل.
قوله: (درر) تتمة عبارتها: هذه المسائل الأربع من الخانية. قوله: (من ظهر) أي تبين. قوله: (أنه شهد
بزور) الزور هو في اللغة: الكذب كما في المصباح، وفي القاموس: الزور بالضم: الكذب والشرك
بالله تعالى، وأعياد اليهود والنصارى والرئيس ومجلس الغناء وما يعبد من دون الله والقوة، وهذا وفاق
بين لغة العرب والفرس، ونهر يصب في دجلة، والرأي والعقل والباطل الخ. وذكر القاضي في
تفسير قوله تعالى: * (والذين لا يشهدون الزور) * (الفرقان: 27) لا يقيمون الشهادة الباطلة أو لا
يحضرون محاضر الكذب، فإن مشاهدة الباطل شركة فيه ا ه‍. بحر. وعند الفقهاء: الشهادة الباطلة
عمدا والرجال والنساء فيها سواء. بحر عن كافي الحاكم. قوله: (بأن أقر على نفسه) في اليعقوبية:
يمكن أن يحمل قوله لا يعلم إلا بالاقرار على الحصر الإضافي بقرينة قوله لا يعلم بالبينة.
قال في البحر: وقيد بإقراره لأنه لا يحكم به إلا بإقراره، فيقبل إقراره ويجب عليه موجبه من
الضمان والتعزير وزاد شيخ الاسلام أن يشهد بموت واحد فيجئ حيا. كذا في فتح القدير. وبحث
فيه الرملي في حاشيته فقال: الذي يقتضيه التحقيق ما سيأتي أنه يحكم به في كل ما يتيقن به كذبه.
تأمله ا ه‍. وقال: قد جوزوا الشهادة بالموت لمن سمع من ثقة موته إذا أخبره به، فكيف يحكم به معه؟
وقد يقال: لما جزم بالشهادة بالموت وظهر حيا قطع بكذبه، فكان ينبغي أن لا يجزم بل يقول: أخبرني
فلان أو سمعت من الناس أو اشتهر عندي ذلك ونحوه، ففي مثل ذلك ينبغي أن لا يحكم به فلا
يشهر ولا يعزز. تأمل.

660
فإن قلت: سبق عند الكلام على قول المصنف ولا يسمع القاضي الشهادة على الجرح المجرد أن
المدعى عليه إذا أقام البينة أن المدعي استأجر الشهود بعشرة دراهم من ماله الذي في يده وطلب
استرداده تقبل.
قلت: لا يلزم من قبول البينة المدعى عليه لرد الشهادة كونهم شهود زور حتى لا يلزمهم
التعزير. قوله: (ولم يدع سهوا ولا غلطا) في البحر عن فتح القدير: ولو قال غلطت أو ظننت ذلك
قيل هما بمعنى كذبت لاقراره بالشهادة بغير علم، ويخالفه ما ذكره الشارح فإنه جعلهما كنسيت فلا
تعزير وهو الظاهر ا ه‍. قوله: (ولا يمكن إثباته) أي إثبات تزويره، أما إثبات إقراره فممكن كما لا
يخفى. تأمل. قوله: (لأنه من باب النفي) لأنها تقوم على أنه شهد بغير حق ولا يلتفت إلى ذلك.
حلبي.
قال في البحر: وخرج ما إذا ردت شهادته لتهمته المخالفة بين الشهادة والدعوى أو بين
شهادتين فإنه لا يعزر، لأنا لا ندري من هو الكاذب منهم المشهود له أو الشاهدان أو أحدهما، وقد
يكذب المدعي لينسب الشاهد إلى الكذب، ولا يمكن إثباته بالبينة لأنه من باب النفي، والبينة حجة
الاثبات في إقراره على نفسه فيقبل إقراره، ويجب عليه موجبه من الضمان أو التعزير. ذكره الشارح
الزيلعي. وبه علم أنه لا يمكن إثبات الزور بالبينة. وفي كافي الحاكم: ومن التهاتر أن يشهد أن هذا
الشئ لم يكن لفلان فهذا مما لا يقبل وكذا لو شهدا أنه لم يكن لفلان على فلان دين، ومن شهد أن
هذا لم يكن فقد شهد بالباطل والحاكم يعلم أنه كاذب ا ه‍. وظاهره أنه من قبيل الزور فيعزر، فعلى
هذا يعزر بإقراره، أو بتيقن كذبه، وإنما لم يذكره المؤلف إما لندرته وإما لأنه لا محيص له أن يقول
كذبت أو ظننت ذلك أو سمعت ذلك فشهدت، وهما بمعنى كذبت لاقراره بالشهادة بغير علم، فجعل
كأنه قال ذلك. كذا في البناية. وجعل في إيضاح الاصلاح نظير مسألة ظهوره حيا بعد الشهادة بموته
أو قتله ما إذا شهدوا برؤية الهلال فمضى ثلاثون يوما وليس في السماء علة ولم يروا الهلال ا ه‍.
قال الرملي: قال في فصول العمادي: شهدا أن لفلان على هذا الرجل ألف درهم فقضى القاضي
بشهادتهما وأمر المدعى عليه بدفع المال وهو الألف إلى المدعي ثم أقام المدعى عليه البينة على البراءة فإن
الشاهدين يضمنان، والمدعى عليه بالخيار في تضمين المدعي أو الشاهدين لأنهما حققا عليه إيجاب المال
في الحال، فإذا أقام البينة على البراءة فقد ظهر كذبهما فصارا ضامنين فغرما ا ه‍. وظاهره أن الشاهد
يكون شاهد زور، إلا أن يحمل ظهور الكذب النسب إلى المال لا إلى التعزير، والله تعالى أعمل. ذكره
الغزي ا ه‍. قوله: (عزر) لان شهادة الزور كبيرة يتعدى ضررها إلى العباد ليس فيها حد مقدر، قال
عليه الصلاة والسلام: يا أيها الناس عدلت شهادة الزور الاشراك بالله تعالى ثم تلا قوله تعالى:
* (فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور) * (الحج: 30) وعدها من الكبائر حين سئل عنها.
قال في كافي الحاكم: اعلم أن شاهد الزور يعزر إجماعا، اتصل القضاء بشهادته أو لا، لأنه
ارتكب كبيرة اتصل ضررها بالمسلمين، وليس فيها حد يقدر فيعزر زجرا له وتنكيلا ا ه‍. قوله:
(بالتشهير وعليه الفتوى) أي لا بالضرب وهو قول الإمام لأنه كان يقول تعزيره تشهيره. قال في
السراجية: والفتوى على قوله. واستدل الامام بأن شريحا كان يشهر ولا يضرب، وكان يبعثه إلى سوقه
إن كان سوقيا وإلى قومه إن لم يكن سوقيا بعد العصر أجمع ما كانوا: أي مجمعين أو إلى موضع أكثر

661
جمعا للقوم فيقول: إن شريحا يقرئكم السلام ويقول أنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذروا الناس
منه ا ه‍.
قال الشمني: فإن قيل أن أبا حنيفة لا يرى تقليد التابعي. أجيب بأنه لم يذكر فعل شريح مستدلا
به، وإنما ذكره لبيان أنه لم يستبد بهذا القول بل سبقه إليه واستدلاله إنما هو بتجويز الصحابة فعل
شريح، فإنه كان قاضيا في زمن عمر رضي الله تعالى عنه وعلي رضي الله تعالى عنه، ومثل هذا
التشهير لا يخفى على الصحابة رضي الله تعالى عنهم الذين كانوا هم في زمنهم، وما استدلا به: أي
الصاحبان من حديث عمر الآتي محمول على السياسة ا ه‍. والتشهير لغة: الرفع على الناس كما في
القاموس، والابراز كما في المصباح، وعند الفقهاء: ما نقل عن شريح وبعثه مع أعوان القاضي أعم
من أن يكون ماشيا أو راكبا ولو على بقرة كما يفعل الآن كما في البحر، أو على حمار كما هو عرف
ديارنا. قوله: (وزادا) أي الصاحبان ضربه وحبسه، لأنه ارتكب محظورا.
قال في البحر: ورجع في فتح القدير قولهما وقال: إنه الحق، وهو قول الشافعي، لأنه روى
عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ضرب شاهد زور أربعين سوطا وسخم وجهه.
قال المولى عبد الحليم: أقول: ولا يلزم من كون قولهما حقا أن يرجع على قوله: بل قوله هو
الحق، ولهذا كان الفتوى عليه. وذكر في النهاية والمنبع معزيا إلى الحاكم الامام أبي محمد الكاتب أنه لو
رجع على سبيل التوبة والندامة لا يعزر بلا خلاف، وإن رجع على سبيل الاصرار يعزر بلا خلاف،
وإنما الاختلاف فيما لم يعلم وجه رجوعه كما لا يخفى. قوله: (أن يسحم وجهه) السحم بضم السين
وسكون الحاء المهملتين: السواد، وإن قال الطحطاوي: يقال سخم وجهه: إذا سوده من السخام، وهو سواد القدور. وقد جاء بالحاء المهملة من الأسحم وهو الأسود، وفي المغني: ولا يسخم وجهه
بالخاء والحاء. كمال ا ه‍. قوله: (إذا رآه سياسة) بأن كان الشاهد ليس من أهل الشهامة ولا يؤثر به
التشهير إلا هذا الفعل اللائق به الزاجر له الرادع لأمثاله، لكن قدم الشارح في آخر باب حد القذف ما
يخالف هذا حيث قال:
واعلم أنهم يذكرون في حكم السياسة أن الامام يفعلها، ولم يقولوا القاضي، وظاهره أن
القاضي ليس له الحكم بالسياسة ولا العمل بها فليحرر. ولعل قوله إذ رآه سياسة محمول على ما إذا
فوض الامام له الاحكام والسياسة لأنه نائبه، والنائب كالأصيل في مثل هذه، فتأمل. لكن قال
القهستاني: لا يسود إجماعا ا ه‍.
أقول: ويؤيده ما في الذخيرة البرهانية، والذي روي عن عمر رضي الله تعالى عنه في شاهد
الزور أنه يسخم وجهه، فتأويله عند شمس الأئمة السرخسي أنه قال ذلك بطريق السياسة إذا رأى
الامام المصلحة فيه، وتأويله عند شيخ الاسلام أنه لم يرد به حقيقة التسويد، وإنما أراد به التخجيل
بالتفضيح والتشهير، فإن انخجل يسمى مسودا، قال الله تعالى: * (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه
مسودا وهو كظيم) * (النحل: 58). قوله: (إن رجع مصرا) أي على ما كان منه، مثل أن يقول شهدت
في هذه بالزور ولا أرجع عن مثل ذلك. فتح. قوله: (ضرب إجماعا) أي وشهر ط. قوله: (وإن تائبا

662
الخ) أي وإن لم يعرف حاله فهو على الخلاف المذكور.
قال في الفتح: واعلم أنه قد قيل أن المسألة على ثلاثة أوجه: إن رجع على سبيل الاصرار مثل
أن يقول: نعم شهدت في هذه بالزور ولا أرجع عن مثل ذلك فإنه يعزر بالضرب بالاتفاق. وإن رجع
على سبيل التوبة لا يعزر اتفاقا. وإن كان لا يعرف حاله فعلى الاختلاف المذكور، وقيل لا خلاف
بينهم، فجوابه في التائب لان المقصود من التعزير الانزجار، وقد انزجر بداعي الله تعالى، وجوابهما
فيمن لم يتب ولا يخالف فيه أبو حنيفة. قوله: (لرأي القاضي) أي بحيث يسوغ له أن يقبل شهادته،
لان القبول والرد إليه فيكون تعريف حاله في التوبة إليه. وقيل يقدر بعام، وقيل بنصفه لأنه بمضي
الزمان يتغير الحال. شرنبلالية. قوله: (لو فاسقا) الأولى أن يقول: وتقبل شهادة بعد توبته لو فاسقا،
لأنه بعد ظهور توبته يعلم أنه لا يشهد زورا حملا لحاله على الصلاح. تأمل لما في العين وهل تقبل
توبته بعد ذلك؟ قالوا: إن كان فاسقا تقبل، لان الذي حمله على الشهادة فسقه، فإذا تاب وظهر
صلاحه يقبل لزوال الفسق ا ه‍. قوله: (لا تقبل شهادته أبدا) لان عدالته لا تعتمد. منلا علي. ولأنه
لا يظن به شهادة الزور وحاله بعد التوبة كحالة حين شهد فلا يؤمن عوده. قوله: (وعن الثاني تقبل)
قد يظهر بالندم والتأسف على ما وقع: أي من غير ضرب مدة كما في البحر عن الخلاصة قبيل قوله
والأقلف. وفي الخانية: المعروف بالعدالة إذا شهد بزور عن أبي يوسف أنه لا تقبل شهادته أبدا لأنه لا
تعرف توبته. وروى الفقيه أبو جعفر أنه تقبل، وعليه الاعتماد ا ه‍. وظاهر كلام الشارح صريح في
أن الرواية الثانية عن أبي يوسف أيضا. تأمل. والله سبحانه وتعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.
باب الرجوع عن الشهادة
أطلق الرجوع عنها فشمل ما إذا كان الرجوع من الأصل أو الفرع، ومناسبته العامة والخاصة:
أي لمسألة شهادة الزور وتأخيره ظاهرة، وترجمته بالباب لان مسائله تدخل في مسائل كتاب الشهادات
كدخول مسائل نواقض الوضوء في كتاب الطهارة، وترجمته بالكتاب في الجامع الكبير بناء على أنه
مشتمل على خمسة أبواب لا لأنه مباين الشهادة، إذ الرجوع رفعها لما عرفت أن المباينة لم تمنع الدخول،
وقد صرحوا بأن الكتاب في اصطلاح الفقهاء كمحلة من البلد والباب كالدار والفصل كالبيت. قال
الشريف الجرجاني: الفصل: قطعة من الباب، فلما لم يكن لهذا تعدد الباب ولا أقل أن يكون فوق
الفصل ترجمة بالباب، فظهر أن هذا أولى من المترجم بالفصل كما في الوقاية ومن المترجم بالكتاب كما
في بعض نسخ الهداية، لأنه يوجد في بعض نسخها: الترجمة بالكتاب. ووجهه: أن تحته أبوابا متعددة
لكن المصنف ذكر بعضها، وإن لم يصرح بالباب أو الفصل وترك بعضا كما ذكره في البحر، وشأن
المتون الاختصار ولذا ترجم في التتارخانية بالكتاب وذكر تحته ستة عشر فصلا ساقها على نسق، وبه

663
اندفع ما وجه به بعض أفاضل الشراح كلام بعض المصنفين مشيرا به إلى الاعتراض على الهداية.
قال في البحر: والكلام فيه في مواضع.
الأول: في معناه لغة: قال في المصباح: رجع من سفره وعن الامر يرجع رجوعا ورجعا
ورجعي ومرجعا. قال ابن السكيت: وهو نقيض الذهاب ا ه‍.
الثاني: في معناه اصطلاحا فهو نفي ما أثبته. كذا في المحيط.
الثالث: في ركنه، وهو قول الشاهد رجعت عما شهدت به أو
شهدت بزور فيما شهدت به أبو كذبت في شهادتي، فلو أنكرها لم يكن رجوعا. كذا في خزانة المفتين.
الرابع: في شرطه مجلس القاضي فلا يصح الرجوع في غيره، وفائدته عدم قبول البينة على
رجوعه وعدم استحلافه إذا أنكر كما سيأتي.
الخامس: في صفته. قال في العناية: إنه أمر مشروع مرغوب فيه ديانة، لان فيه خلاصا من
عقاب الكبيرة ا ه‍. وذكر الشارح أن شهادة الزور وكتمان الشهادة بالحق سواء، وإذا شهد بزور عمدا
أو خطأ وجبت عليه التوبة: وهي لا تصح إلا عند الحاكم، ولا يمنعه عنها الاستحياء من المخلوق
وفيه تداركه ما أتلف بالزور ا ه‍.
السادس: في حكمه، وهو شيئان: أحدهما يرجع إلى ماله، والآخر إلى نفسه. فالأول وجوب
الضمان ويحتاج إلى بيان ثلاثة: سببه، وشرائطه، ومقداره. فسببه: إتلاف المال أو النفس بها، فإن
وقعت إتلافا انعقدت سببا لوجوب الضمان، وإلا فلا تنزيلا للسبب منزلة المباشرة، وسيأتي بيانه
مفصلا. وشرطه كونه بعد القضاء، ومجلس القضاء، وكون المتلف بها عينا فلا ضمان لو رجع عن
منفعة كالنكاح بعد الدخول، ومنفعة دار شهدا على المؤجر للمستأجر بإجارتها بأقل من أجر مثلها ثم
رجعا، وأن يكون الاتلاف بغير عوض، لأنه يعوض إتلاف صورة لا معنى، وقدر الواجب على قدر
الاتلاف لأنه السبب والحكم يتقدر بقدر العلة. وأما ما يرجع إلى نفسه فنوعان: وجوب الحد في
شهادة الزنا، سواء كان قبل القضاء أو بعده للقذف منهم، ولو بعد الامضاء رجما كان أو جلدا خلافا
لزفر في الرجم، ووجوب الضمان، وهو الدية عليهم إن رجعوا بعد الرجم لا بعد الجلد وإن مات
منه. والثاني وجوب التعزير عليه سوى شهادة الزنا إن تعمد الشهادة بالزور فظهر عند القاضي بإقراره.
كذا في البدائع. فلا ضمان لو أتلفا حقا من حقوق كالعفو عن القصاص لو شهدا به ثم رجعا أو
الرجعة أو تسليم الشفعة أو إسقاط خيار من الخيارات. كذا في النتف. ولا فرق في وجوب التعزير:
أي التشهير بين كونه قبل القضاء أو بعده، ونظر فيه في فتح القدير وأجاب عنه في البحر بما سيأتي
قريبا عند قوله وعزر ولنا فيه جواب حسن يأتي قريبا، فتأمله. قوله: (هو) أي الرجوع عنها. منح.
أقول: ويمكن تفسيره بالراجع. قوله: (أن يقول) أي الشاهد. قوله: (عما شهدت به ونحو)
أي ما تقدم من ركنه. قوله: (فلو أنكرها) أي بعد القضاء. قوله: (لا يكون رجوعا) كما في البحر
معزيا إلى خزانة المفتين. وفي الفصول العمادية: لو أنكر الشاهد الشهادة بعد قضاء القاضي لا يضمن،
لان الانكار للشهادة لا يكون رجوعا، بل الرجوع أن يقول: كنت مبطلا في الشهادة، وهذا إنكار

664
الشهادة ا ه‍. منح. قوله: (شرطه مجلس القاضي) فلا يصح عند غير القاضي، ولو شرطيا. منح: أي
وتتوقف صحة الرجوع على القضاء به أو بالضمان خلافا لمن استبعده كما نبه عليه في الفتح. وفيه
أيضا: ويتفرع على اشتراط المجلس أنه لو أقر شاهد بالرجوع في غير المجلس وأشهد على نفسه به
وبالتزام المال لا يلزمه شئ، ولو ادعى عليه بذلك لا يلزمه إذا تصادقا أن لزوم المال عليه كان بهذا
الرجوع. وفي المحيط: ولو ادعى رجوعهما عند القاضي ولم يدع القضاء بالرجوع والضمان لا تسمع
منه البينة ولا يحلف عليه، لان الرجوع لا يصح ولا يصير موجبا للضمان إلا باتصال القضاء به
كالشهادة، وإلى ذلك أشار صاحب الهداية، وبه صرح في الفتاوى الصغرى.
قال في الدر المنتقى: وأفاد بتضمينه توقف صحة الرجوع على القضاء به أو بالضمان والرد على
من استبعده وإن كان بعض المتأخرين قلده، وقوله مجلس القضاء هكذا في أكثر النسخ، لكن الذي في
المنح والمتون المجردة، مجلس قاض منقوصا، وهو الظاهر لمن تأمله. قال مسكين عند قول الكنز لا
يصح الرجوع عنه إلا عند قاض: تنكيره يشير إلى أنه يشترط مجلس القضاء: أي قاض كان، ولا
يشترط الرجوع عند الذي شهد عنده ا ه‍. قوله: (ولو غير الأول) أي مجلس القاضي الأول. قوله:
(لأنه فسخ) أي للشهادة فيختص بما تختص به الشهادة من مجلس القاضي: أي من أي حاكم كان،
كفسخ البيع يشترط له ما يشترط لصحة البيع من قيام المبيع ورضا المتبايعين. مقدسي ومنح. وهو
تعليل لاشتراط مجلس القاضي. قوله: (أو توبة) في المنح: ولأن الرجوع توبة وهي على حسب
الجناية، فجعل الرجوع فسخا وتوبة، وأتى الشراح بأو لأنه قد يرجع لا للتوبة، بل قد يكون لقصد
إتلاف الحق، أو يكون المشهود عليه غره بمال كما قدمنا. قوله: (وهي) أي التوبة بحسب الجناية،
فالرجوع عنها توبة وهي علانية لكونها في مجلس القاضي فيجب أن تكون التوبة عنها علانية، وذلك
بوقوعها في مجلس القاضي. وإن لم تكن عمدا فليست بمعصية فيكون الرجوع فسخا. قال الكمال:
أنت تعلم أن العلانية لا تتوقف على الاعلان بمحل الذنب بخصوصه مع أن ذلك لا يمكن بل في مثله
مما فيه علانية، وهو أنه إذا أظهر للناس الرجوع وأشهدهم عليه وبلغ ذلك القاضي بالبينة عليه كيف لا
يكون معلنا ا ه‍. قوله: (السر بالسر والعلانية بالعلانية) هذا بعض الحديث، وصدره: إذا ألممت ذنبا
فأحدث عنده توبة الخ. قوله: (فلو ادعى) بيان لفائدة اشتراط مجلس القاضي. قوله: (عند غيره) أي
عند غير القاضي، ولو شرطيا كما في المحيط. قوله: (أو أراد يمينهما) أي عند العجز عن البرهان.
درر. قوله: (لا يقبل) أي ولا يستحلف. قوله: (لفساد الدعوى) لان مجلس القاضي شرط للرجوع
فكان مدعيا رجوعا باطلا، ولبينة أو طلب اليمين إنما يكون بعد الدعوى الصحيحة. قوله: (عند
قاض) أي آخر غير الذي كان قضى بالحق. داماد. قوله: (وتضمينه إياهما) عطف على قوله وقوعه
أي وادعى أن ذلك القاضي الذي وقع رجوعهما عنده ضمنهما: أي حكم عليهما بالضمان. حلبي.
حيث تقبل لان السبب صحيح. بحر. قوله: (إياهما) أي الشاهدين: أي وأقام بينة تقبل بينته،
ويحلفان إن أنكرا لان السبب صحيح، كما لو أقر عند القاضي أنه رجع عند غير القاضي فإنه

665
صحيح، وإن أقر برجوع باطل لأنه يجعل إنشاء للحال كما في المنح. قوله: (قبل وجعل إنشاء) أي
كما لو أقرا عند القاضي إنهما رجعا عند غير قاض، إلى آخر ما تقدم في المقولة التي قبل هذه، فظهر
الفرق بين ما إذا برهن على رجوعهما عند غير القاضي، وبين ما إذا برهن على إقرارهما بالرجوع عند
غير قاض، فإنه في الأول لا يقبل، لان رجوعهما عند غير القاضي غير معتبر، وفي الثاني يقبل، لان
الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة. فبالبرهان على إقرارهما صارا كأنهما أقرا في الحال، والحال أنهما عند
القاضي، وذلك رجوع معتبر فيقبل. قوله: (ابن ملك) ومثله في التبيين، وعبارته: ولو أقام بينة أنهما
أقرا برجوعهما عند غير القاضي تسمع، لان إقرارهما به يكون رجوعا منهما في الحال ا ه‍: أي وإن
كان إقرارهما عند غيره باطلا لأنه يجعل إنشاء للحال. قوله: (سقطت) أي الشهادة عن الاعتبار فلا
يقضي القاضي بها لتعارض الخبرين بلا مرجح للأول. قوله: (ولا ضمان) لأنهما لم يتلفا شيئا على
أحد. قوله: (وعزر) أي الشاهد: أي جنسه الصادق بالواحد والمتعدد. وفي بعض النسخ بلفظ التثنية
مطابقا لقول المتن فإن رجعا وفي بعضها بالافراد: أي الشاهد كما فيما بعده وهو قوله: لأنه فسق
نفسه إشارة إلى أن الحكم لا يختلف فيما إذا رجعا أو رجع أحدهما.
قال في الفتح: قالوا: ويعزر الشهود سواء رجعوا قبل القضاء أو بعده، ولا يخلو عن نظر، لان
الرجوع ظاهر في أنه توبة عن تعمد الزور إن تعمده، أو التهور والعجلة وإن كان أخطأ فيه، ولا
تعزير على التوبة، ولا على ذنب ارتفع بها، وليس فيه حد مقدر ا ه‍. وأجاب في البحر: بأن رجوعه
قبل القضاء قد يكون لقصد إتلاف الحق أو كون المشهود عليه غره بمال لا لما ذكره، وبعد القضاء قد
يكون لظنه بجهله أنه إتلاف على المشهود له مع أنه إتلاف لما له بالغرامة ا ه‍.
أقول: ويظهر لي أن لجواب الحسن في ذلك أن للحاكم تعزير الجاني ولو بعد انقضاء الجناية،
بخلاف غيره من بقية المسلمين فليس لهم ذلك إلا حين التلبس بها، ومعلوم أن القاضي حاكم. قوله:
(ولو عن بعضها) كما لو شهدا بدار وبنائها أو بأتان وولدها ثم رجعا بالبناء والولد لم يقض بالأصل.
منح. قوله: (لأنه فسق نفسه) بتشديد السين المهملة من التفسيق، وشهادة الفاسق لا تقبل. بحر
ومنح. قوله: (لم يفسخ الحكم) لان آخر كلاهم يناقض أوله فلا ينقض الحكم بالتناقض، ولأنه في
الدلالة على الصدق مثل الأول، وقد ترجح الأول باتصال القضاء به. منح. قوله: (مطلقا) قال في
المنح: وقولي مطلقا يشمل ما إذا كان الشاهد وقت الرجوع مثل ما شهد في العدالة أو دونه أو أفضل
منه، وهكذا أطلق في أكثر الكتب متونا وشروحا وفتاوى. وفي المحيط: يصح رجوعه لو حاله بعد
الرجوع أفضل منه وقت الشهادة في العدالة، وإلا لا ويعزر. ورده البحر لعدم صحته عن أهل
المذهب لمخالفته ما نقلوه من وجوب الضمان على الشاهد إذا رجع بعد الحكم، ونقل في الفتح أنه قول
أبي حنيفة الأول وهو قول شيخه حماد، ثم رجع عنه إلى قولهما وهو عدم نقض القضاء وعدم رد المال
على المقضي عليه على كل حال، وعليها استقر المذهب. وعزاه في البحر أيضا إلى كافي الحاكم،
وهكذا قال في البزازية: ثم رجع إلى قولهما وعليه استقر المذهب ا ه‍. ومثله في التتارخانية برمز
المحيط، فإنه نقل عنه أن أبا حنيفة كان يقول كذا، وساق التفصيل ثم قال: ثم رجع عن هذا القول

666
وقال: لا يصح رجوعه في حق غيره على كل حال وهو قولهما، والظاهر أن المراد بالمحيط المحيط
البرهاني لما ذكر في البحر أن ما في المحيط السرخسي ليس فيه التفصيل. قوله: (لترجحه بالقضاء)
الأولى: لترجحها: أي الشهادة، وعلى عبارة الشارح الضمير يرجع إلى الخبر الأول من الشاهد،
والأوضح التصريح به إذ ظاهره أن الضمير راجع إلى الحكم، وفيه تهافت ط: أي فيكون فيه تعليل
الشئ بنفسه فيصير المعنى كأنه قال: يفسخ الحكم لترجحه بالحكم وهو فاسد، والأولى في التعليل
لان القضاء بعد وقوعه صحيحا لا ينقض. تأمل. قوله: (بخلاف ظهور الشاهد عبدا) وكذا لو شهد
على بيع واستحق أو وجد حرا أو بالخلع وقبض البدل، وأثبت الثلاث قبله أو بالقرض وقبض، ثم
أثبت الابراء أو الايفاء، بخلاف شهادتهما بأنه له عليه فإنهما يضمنان، وإن لم يرجعا إن برهنا على
الابراء لأنهم شهدوا بأنه عليه في الحال وتبين خلافه. قوله: (ويرد ما أخذ) أي يرد المقضي له ما أخذ
المقضي عليه. بحر. قوله: (وتلزم الدية) أي إلى ولي المقتول. قوله: (لو قصاصا) إنما سقط القصاص
لشبهة صورة القضاء. قوله: (ولا يضمن الشهود لما مر) أي في كتاب القضاء. قوله: (أن الحلكم إذا
أخطأ) قال ط: وهنا قد أخطأ بعد التفحص عن حال الشهود قوله: (وضمنا ما أتلفاه للمشهود عليه)
أي إذا قبض المدعي المال، لان التسبب على وجه التعدي سبب الضمان كحافر البئر، وقد وجد سبب
الاتلاف تعديا، وقد تعذر إيجاب الضمان على المباشر وهو القاضي، لأنه كالملجأ إلى القاضي من
جهتهما، فإن القضاء واجب عليه بعد ظهور عدالتهما، حتى لو امتنع يأثم ويستحق العزل ويعزر،
وفي إيجابه عليه صرف الناس عن تقلده وتعذر استيفائه من المدعي لنفوذ الحكم فاعتبر السبب. وفي
المحيط: رجع الشاهدان في المرض وعليهما دين الصحة وماتا بدئ بدين الصحة، لان ما وجب عليه
بالرجوع في المرض دين المرض لأنه وجب بإقرارهما في المرض ا ه‍.
ويؤخذ من قوله: أتلفاه أنه لو لم يضف التلف إليهما لا يضمان، كما لو شهد بنسب قبل الموت
فمات المشهود عليه وورث المشهود له المال من المشهود عليه ثم رجعا لم يضمنا، لأنه ورث بالموت،
وذلك لان استحقاق الوارث المال بالنسب والموت والاستحقاق يضاف إلى آخرهما وجودا فيضاف
للموت. ذكره الزيلعي في إقرار المريض.
وفي البحر عن العتابية: شهدوا على أنه أبرأه من الدين ثم مات الغريم مفلسا ثم رجعا لم يضمنا
لمطالب، لأنه توى عليه بالافلاس ا ه‍.
واعلم أن تضمين الشاهد لم ينحصر في رجوعه، بل مثله ما إذا ذكر شيئا لازما للقضاء ثم ظهر
بخلافه، كما أوضحه ابن الشحنة في لسان الحكام بقوله دقيقة في إجاب الضمان على الشاهدين
الشاهدان متى ما ذكر شيئا هو لازم للقضاء ثم ظهر بخلافه ضمنا، ومتى ما ذكرا شيئا لا يحتاج إليه
القضاء ثم تبين بخلاف ما قالا لا يضمنان شيئا، حتى أن مولى الموالاة إذا مات وادعى رجل ميراثه
بسبب الموالاة فشهد شاهدان أن هذا الرجل مولى هذا الذي أسلم والاه وعاقده وأنه وارثه لا نعلم له
وارثا غيره فقضى له القاضي بميراثه فاستهلكه وهو معسر، ثم إن رجلا آخر أقام البينة أنه كان نقض
الولاء الأول ووالي هذا الثاني وأنه توفي وهذا الثاني مولاه ووارثه لا وارث له غيره، فالقاضي يقضي

667
بالميراث للثاني، فيكون الثاني بالخيار إن شاء ضمن الشاهدين الأولين، وإن شاء ضمن المشهود له
الأول، لأنه ظهر كذب الشاهدين الأولين فيما للحكم به تعلق. وبيان ذلك في مسألة الولاء قولهما هو
وارثه لا وارث له غيره أمر لا بد منه للقضاء له بالميراث، فإنهم إذا شهدوا بأصل الولاء ولم يقولوا إنه
وارثه فالقاضي لا يقضي له بالميراث، وإنما أخذ الأول الميراث بقول الشاهدين الأولين إنه مولاه ووارثه
اليوم وقد ظهر كذبهما فضمنا، بخلاف مسألة الشهادة بالنكاح، فإنهما إذا شهدا أنه مات وهي امرأته،
لان قولهما مات وهي امرأته زيادة غير محتاج إليها، فإنهما لو قالا كانت امرأته فإن القاضي يقضي لها
بالميراث، فصار وجود هذه الزيادة والعدم بمنزلة، ولو انعدمت هذه الزيادة لكان لا يجب عليهما شئ
لأنهما شهدا بنكاح كان ولم يظهر كذبهما في ذلك ا ه‍.
وفي البحر عن فروق الكرابيسي: شهد شاهدان على رجل أن فلانا أقرضه ألف درهم وقضى
القاضي بها ثم أقام المقضي عليه بينة على الدفع قبل القضاء بأمر القاضي يرد الألف إليه، ولا يضمن
الشهود، ولو شهدوا أن عليه ألف درهم وقضى القاضي بذلك وأخذ الألف ثم برهن المقضي عليه على
البراءة قبل القضاء يضمن الشهود. والفرق أن في الوجه الأول لم يظهر كذبهم، لجواز أنه أقرضه ثم
أبرأه، وفي الوجه الثاني ظهر كذبهم لأنهم شهدوا عليه بألف في الحال وقد تبين كذبهم، فصاروا
متلفين عليه، ألا ترى أنه لو قال امرأته طالق إن كان لفلان عليه شئ فشهد المشهود أن فلانا أقرضه
ألفا يحكم بالمال ولا يحكم بالوقوع، ولو شهدوا أن عليه ألفا يحكم بالمال والوقوع جميعا، فتبين بهذا أن
الشهادة على الاقراض ليست شهادة على قيام الحق للحال، والشهادة بالدين مطلقا شهادة على الحق في
الحال ا ه‍.
فقد علم تضمينها بظهور كذبهما من غير رجوع، فتضمينهما إذا تيقن كذبهما بالأولى، ولذا قال
في تلخيص الجامع في باب بطلان الشهادة: أخذ الدية ثم جاء المشهود بقتله حيا ضمن الولي للقبض
ظلما ولا يرجع لسلامة بدله أو الشاهد للالجاء كمكره المكره ويرجع بما أخذ الولي لملكه ذلك، وكذا
لو اقتص لكن لا يرجع عنده إذ ليس للدم مالية تملك، بخلاف المدبر، ولهذا في عتقه يضمن الشاهد
والمكره، وفي العفو لا، ولو شهد على لاقرار أو الشهادة ضمن الولي لما دون الشاهد، لأنه لم يظهر
كذبه، إذ لا تنافي بخلاف الأول، ولهذا لو ثبت الابراء ضمن شاهد الدين دون الاقراض، ولو قال
إن كان له علي حنث في الأول دون الثاني، كما لو وجد المشهود بنكاحها أما والشاهد عبدا أو محدودا
في قذف ا ه‍.
وبهذا علمت أن فرع الكرابيسي منقول في التلخيص، واندفع الايراد عن القول بالتضمين إذا
ظهر كذبه بما لو وجد المشهود بنكاحها أما أو أختا فإنه ظهر الكذب ولا ضمان ا ه‍. قوله: (تعديا)
لان المتسبب يضمن إذا كان كذلك كما هو معلوم. قوله: (مع تعذر الخ) جواب عن سؤال، وهو إذا
اجتمع المسبب والمباشر فالضمان على المباشر، فلم ضمن الشاهد دون القاضي؟ فأجاب: بأن القاضي
متعذر تضمينه لأنه كالملجأ إلى القضاء. قوله: (قيض المدعي المال أو لا) تبع المصنف بهذا الاطلاق
صاحب الخلاصة والبزازية وخزانة المفتين وأصحاب الفتاوى، لا صاحب المجمع كما في بعض نسخ
البحر لعدم تحرير عبارتها، لان صاحب المجمع قال في شرحه هذا: إذا قبض المدعي المال دينا كان أو
عينا وأصحاب الفتاوى لم يقيدوا ا ه‍. وعزو الشارح للخلاصة اتبع فيه صاحب البحر.

668
أقول: عبارة الخلاصة هكذا: الشاهدان إذا رجعا عن شهادتهما رجوعا معتبرا: يعني عند
القاضي لا يبطل القضاء، لكن ضمن المال الذي شهدا به، وهذا قوله الآخر، وهو قولهما، وعليه
الفتوى، سواء قبض المقضي له المال الذي قضي له أو لم يقبض انتهت. فقوله: وهو قوله الآخر ليس
نصا في رجوعه إلى الاطلاق وإلا لاخره، والذي يظهر لي أنه أراد بقوله الآخر الضمان بالرجوع
مطلقا: أي سواء كان الشاهد كحاله الأول في العدالة أو لا، فيكون إشارة إلى ما تقدم الكلام فيه فيما
مر آنفا، يقر به ما في الفتح حيث قال: واعلم أن الشافعية اختلفوا في هذه المسألة، والصحيح عند
الامام والعراقيين وغيرهم أن الشهود يضمنون كمذهبنا، والقول الآخر لا ينقض، ولا يرد المال من
المدعي، ولا يضمن الشهود، وهو عين قول أبي حنيفة الأول إذا كان حالهما وقت الرجوع مثله وقت
الأداء ا ه‍.
وفي الولوالجية: ثم إذا صح الرجوع لا يبطل القضاء، ولكن يضمنان المال الذي شهدا له به
وهو قولهما وقول أبي حنيفة الآخر اه‍. فهذه العبارة تؤيد ما قلنا.
ولو سلم أنه أراد رجوع الامام عن التقييد بالقبض فنقول: لو صح لم يمش على خلافه أصحاب
المتون وغيرهم كالهداية والمختار والوقاية والغرر والاصلاح والكنز والملتقى ومواهب الرحمن، فكلهم
قيدوا بالقبض، وجزم به صاحب المجمع كما علمت والحدادي في الجوهرة، ولو صح نقل الرجوع
لذكره شراح الهداية، فإنهم اقتصروا على شرح ما ذكره الماتن، ونقلوا القول الآخر من غير ترجيح،
ولا ذكر رجوع، وأنت على علم بأن ما أثبته أرباب المتون في متونهم مختار لهم، لان المتون في متونهم مختار لهم، لان المتون موضوعة
لنقل المذهب، ومما هو مقرر مشتهر أن ما في المتون مقدم على ما في الشروح، وما في الشروح مقدم
على ما في الفتاوى والحواشي، فكيف لا يقدم ما في المتون والشروح على ما في الفتاوى؟ وحينئذ فما
كان ينبغي للمصنف أن يجزم بما في الفتاوى ويعدل عما عليه المتون، فالعبرة لما عليه أصحاب المتون
أنه لا يرجع إلا بعد القبض دينا كان أو عينا، فليتأمل. وما نقله في البحر عن الخلاصة أن ما في
الفتاوى هو قول الإمام الأخير كما علمت فيه الكلام المتقدم، وللمقال فيه محال، كأنه هو الذي غر
المصنف. قوله: (وقيده في الوقاية الخ) وكذا في الهداية والمختار والاصلاح ومواهب الرحمن، وجزم
به الحدادي في الجوهرة وصاحب المجمع. قوله: (وقيل إن المال عينا فكالأول) قائله شيخ الاسلام:
أي يجب على الشهود الضمان مطلقا قبضها المشهود له أو لا، لأن الضمان مقيد بالمماثلة، وفي العين
زوال ملك الشهود عليه عنها بالقضاء وفي الدين لا يزول ملكه حتى يقبضه، ألا ترى أن المقضي عليه
لا يجوز له أن يتصرف فيها وجاز للمقضي عليه ذلك. حلبي بزيادة. قال العلامة أبو السعود: وكذلك
العقار يضمنه قبل القبض عندهم، لان العقار يضمن بالاتلاف بشهادة الزور، بخلاف الغصب عند أبي
حنيفة وأبي يوسف لعدم تحققه فيه. زيلعي. وقوله عندهم: أي عند أبي حنيفة وصاحبيه. بقي أن
يقال: ظاهر كلام الزيلعي يفيد عدم اشتراط القبض في العقار لوجوب الضمان على الشاهد إذا رجع
بعد القضاء من غير خلاف، وليس كذلك، بل الخلاف ثابت ولهذا قال شيخنا: هذا على قول شيخ
الاسلام، وعلى قول شمس الأئمة لا يضمنه الشاهدان بالرجوع إلا إذا قبضه المدعي كالمنقول ا ه‍.
قوله: (وإن دينا فكالثاني) أي لو رجع الشهود قبل قبضه لا يضمنون إلى أن يؤدي إليهم، ولو بعده

669
يضمنون: أي في الحال. قال في البحر: وفرق في المحيط بين العين والدين، فقال شهدا بعين ثم رجعا ضمنا قيمتها
قبضها المشهود له أم لا، لان ضمان الرجوع ضمان إتلاف وضمان إتلاف مقدر بالمثل إن كان المشهود
به مثليا وبالقيمة إن لم يكن مثليا، وإن كان المشهود به دينا فرجع الشهود قبل قبضه لا يضمنون، وإن
قبضه المشهود له ثم رجعا ضمنا لأنهما أوجبا عليه دينا فيجب في ذمتهما مثل ذلك، ولا يستوفي منهما
إلا بعد قبض المشهود به تحقيقا للمعادلة ا ه‍. وهذا هو قول شيخ الاسلام، وشمل أيضا قوله: ما
أتلفاه خمر الذمي وخنزيره لكن في كافي الحاكم: وإذا شهد الذميان على الذمي بمال أو خمر أو خنزير
فقضى به ثم رجعا ضمنا المال وقيمة الخنزير ولا يضمنان الخمر ولا قيمته في قول أبي يوسف،
ويضمنان قيمة الخمر في قول محمد، ولو لم يسلم الشاهدان وأسلم المشهود عليه ثم رجعا عن الشهادة
ضمنا قيمة الخنزير ولم يضمنا قيمة الخمر، وشمل أيضا ما أتلفاه العقار فيضمنه الشاهد برجوعه كما في
خزانة المفتين، فهو وإن كان لا يضمن بالغصب عندهما خلافا لمحمد يضمن بالاتلاف، وهذا منه.
وفي جامع صدر الدين: ادعى عبدا فيه يده ملكا وقضى به فادعاه آخر وقضى له ثم رجعوا
ضمن كل فريق لمن شهد عليه. قال محمد: ولا يشبه الوصية، يعني لا يضمن للورثة لاتحاد المقضي
عليه، بخلاف الملك دليله وجد شهود الأول عبيدا يرد عليه في الملك دون الوصية وشمل كل المشهود
به أو بعضه، فلذا قال في جامع الفصولين عن محمد: شهدا له بدار وحكم له ثم قالا لا ندري لمن
البناء فإني لا أضمنهما قيمة البناء للمشهود عليه كأنهما قالا قد شككنا في شهادتنا، ولو قالا ليس البناء
للمدعي أضمنهما قيمة البناء. وعن أبي يوسف: شهدا له بدار فقالا قبل الحكم إنما شهدنا بالعرصة
أقبل شهادتهما على ذلك ولم يكن هذا رجوعا، ولو قالاه بعد الحكم أضمنهما قيمة البناء ا ه‍.
ثم اعلم أن الضمان عنهما يسقط بأشياء. الأول: ضمنهما نصف المهر ثم أقر به رده إليهما.
الثاني: ضمنهما قيمة العبد ثم أقر بالاعتاق رده. الثالث: ضمنهما قيمة العين ثم وهبها المشهود له
للمشهود عليه ردها إليهما. الرابع: رجع الواهب في هبته بقضاء بعد ما ضمنا الشاهدين رد الضمان.
الخامس: ورثة المقضي عليه رد الضمان، بخلاف ما لو اشتراه. الكل من العتابية. وشمل قوله أيضا
ما أتلفاه جميع الأبواب إلا أن المصنف ذكر بعضها وفاته البعض، فذكر الدين والنكاح والبيع والطلاق
والعتاق والقصاص وشهود الأصل والفرع والمزكى وشاهد اليمين: أي التعليق والولاء والتدبير والكتابة
والاستيلاء والاحصان والشرط والايقاع. وسنشرح كل واحد منها وقد فاته الهبة والابراء والاستيفاء
والبضاعة والتأجيل والنسب وأمومية الولد والدخول والخلع والولادة والموالاة والإقالة والوكالة والرهن
والإجارة والمضاربة والشركة والشفعة والميراث والوصية والوديعة والعارية.
أما الهبة: ففي المحيط شهدوا أنه وهب عبده من فلان وقبضه ثم رجعا بعد القضاء
ضمنا قيمة العبد، وحق الرجوع لا يمنع التضمين، فإن ضمنهما القيمة لم يرجع فيها لوصول العوض،
ولا يرجع الشاهدان فيها، ولو كان أبيض العين يوم شهدا بالهبة ثم رجعا والبياض زائل ضمنا قيمته
أبيض لاعتبار القيمة يوم القضاء ا ه‍.
وأما الابراء والتأجيل: ففي المحيط: شهاد أنه أبرأه عن الدين أو أجله سنة أو أوفاه فقضى به ثم

670
رجعا ضمنا، ولو شهدا أنه أجله سنة فقضى بها ثم رجعا قبل الحلول أو بعده ضمنا ورجعا به على
المطلوب إلى أجله ويبرأ الشاهدان بقبض الطالب الدين بعد مضي الاجل من المطلوب، فإن ضمنا رجع
به على المطلوب إلى أجله وقاما مقام الطالب، فإن نوى ما على المطلوب فمن مالهما أسقط المديون
الاجل لم يضمنا، ولو شهدا أن له على آخر ألفا وآخران أنه أبرأه ثم رجعوا كلف مدعي الألف إقامة
البينة ثانيا وخصمه في ذلك شهود براءة الدين وقد رجعوا فيضمنها الألف، ولا تصح إقامة البينة على
الدين إلا بحضرة الشهود لا بحضرة المدعى عليه، ولا يرجعان على المشهود له بالبراءة ا ه‍.
وفي العتابية: شهدوا على أنه أبرأه من الديون ثم مات الغريم مفلسا ثم رجعا لم يضمنا للطالب
لأنه نوى ما عليه بالافلاس ا ه‍. وأما الحد فسنذكره مع القصاص.
وأما النسب والولاء والكتابة والتدبير والاستيلاء، فسنذكرها في كلام الماتن الآتي. قال في
الولوالجية: ولو ادعى أنه ابن رجل والأب يجحد وأقام البينة أنه ابنه ولد على فراشه فقضى بذلك
وأثبت نسبه ثم رجعوا فلا ضمان عليهم، سواء رجعوا في حال حياة الأب أو بعد وفاته، أما في حال
حياة الأب فلأنهما لم يشهدا على الأب بالمال وإنما شهدا عليه بالنسب والنسب ليس بمال، وما ليس
بمال لا يضمن بالمال، وأما بعد وفاته فلأنهم لو ضمنوا ما ورث الابن المشهود له لسائر الورثة لا يجوز
ذلك، لان استحقاق الميراث يضاف إلى موت الأب لا إلى النسب، لان الميراث يستحق بالنسب والموت
جميعا والموت آخرهما وجودا، وكل حكم ثبت بعلة ذات وصفين يضاف إلى آخر الوصفين وجودا ا ه‍.
وأما الإقالة فمع البيع.
وأما الوكالة: ففي المحيط: شهدا أنه وكله بقبض دينه من فلان أو وديعة فقبضه وأنكر الموكل ثم
رجعا لم يضمنا، لان الشاهد سبب لتوفيت إمكان القبض على الموكل والوكيل باشر تفويته فيكون
الضمان على المباشر. وفي العتابية: ولا ضمان على شهود التوكيل بالاعتاق ولا على شهود التفويض
ولا على شهود التوكيل بقبض الدين ا ه‍.
وأما الرهن، ففي المحيط ادعى من ألف على آخر أنه رهنه عبدا قيمته ألف، والمطلوب مقر
بالدين وشهدا بالرهن ثم رجعا لم يضمنا، لأنهما أزالا بعوض، ولو كان فيه فضل على الدين لم يضمنا
ما دام العبد حيا، فإن مات في يد المرتهن ضمن الفضل على الدين، ولو ادعى الراهن الرهن وأنكر
المرتهن لم يضمنا الفضل ويضمنان قدر الدين للمرتهن، وإن رجعا على الرهن دون التسليم بأن قالا
سلم إليه هذا العبد وما رهنه لا يضمنان ا ه‍.
وأما الإجارة، ففي المحيط: ركب بعير الرجل إلى مكة يدعي الإجارة بخمسين وأقام بينة فعطب
وادعى صاحب البعير الغصب ثم رجعا ضمنا قيمة البعير يوم عطب، إلا مقدار ما أخذ صاحبه من
الاجر. شهدا أنه أكراه دابته بمائتين إلى موضع كذا وأجر مثلها مائة فركبها ثم رجعا لم يضمنا الفضل
إن ادعى المستأجر الإجارة وجحد صاحب الدابة، وإن ادعاها صاحب الإبل وجحد المستأجر ضمنا له
ما أداه ما فوق أجر البعير.
وأما المضاربة، ففي المحيط: ادعى المضارب نصف الربح فشهدا به ورب المال مقرا بالثلث ثم

671
رجعا والربح لم يقبض لم يضمنا، فإن قبضاه واقتسماه نصفين ثم رجعا ضمنا سدس الربح. قيل هذا
في كل ربح حصل قبل رجوعهما، فأما ربح حصل بعد رجوعهما: فإن كان رأس المال عرضا
فكذلك، وإن كان نقدا فرب المال يملك فسخها فكأنه راضيا باستحقاق الربح ا ه‍.
وأما الشركة، ففي المحيط: شهدا أنهما اشتركا ورأى مال كل واحد منهما ألف على أن الربح
أثلاث وصاحب الثلاث يدعي النصف وربحا قبل الشهادة فاقتسما أثلاثا ثم رجعا ضمنا لصاحب الثلث
ما بين النصفين والثلث، وما ربحا بعد الشهادة فلا يضمنان عليهما ا ه‍.
وفي كافي الحاكم: في يد رجل مال فشهد الرجل أنه شريكه شركة مفاوضة فقضى له بنصف ما
في يديه ثم رجعا ضمنا ذلك النصف للمشهود عليه.
وأما الشفعة، ففي المحيط: ولو شهدا أن الدار التي في يد الشفيع ملكه فقضى له بالشفعة ثم
رجعا لم يضمنا، وإن كان الأول قد بنى فأمره القاضي بنقضه يضمنان قيمة بنائه ولهما النقض اه‍.
وأما الميراث، ففي المحيط: شهدا لرجل مسلم أن أباه مات مسلما أو عرف كافرا وللميت
ابن آخر كافر ثم رجعوا ضمنوا الميراث للكافر الوارث.
وأما الوصية، ففي المحيط: ادعى رجل أن فلانا الميت أوصى له بالثلث من كل شئ وأقام البينة
فقضى، ثم رجعوا ضمنوا جميع الثلث، وتمامه فيه. وفي كافي الحاكم: لو شهدا أن الميت أوصى إلى
هذا في تركته فقضى القاضي بذلك ثم رجعا فلا ضمان عليهما والضمان على الوصي إن استهلك شيئا.
ا ه‍.
وأما الوديعة والعارية، ففي كافي الحاكم: شهدا على رجل بوديعة فجحدها فضمنها إياه القاضي
ثم رجعا ضمنا له ما غرم، وكذلك العارية ا ه‍. قوله: (والعبرة فيه لمن بقي من الشهود لا لمن رجع)
أي عندنا معشر الحنفية، وعد الأئمة الثلاثة: العبرة لمن رجع.
قال في فتح القدير: والأصل أن المعتبر في هذا بقاء من بقي لا رجوع من رجع، لان الشهادة
إنما تثبت المال والرجوع إنما يوجب الضمان لأنه إتلاف لهم، فإذا بقي بعد رجوع من رجع من
يستقبل بإثبات المال ثانيا لم يتحقق بالرجوع إتلاف شئ،
ومن المحال أن يضمن مع عدم إتلاف شئ، وأما ما أورد من أنه ينبغي إذا رجع أحد من الاثنين أن لا يبقى شئ من المال لان الواحد لا يثبت
بشهادته أصلا فيقتضي أن يضمن الواحد الراجع كل المال، فهو مصادم للاجماع على نفيه، وإنما كان
الاجماع على نفيه لان عدم ثبوت شئ بشهادة واحد إنما هو في الابتداء، ولا يلزم في حال البقاء ما
يلزم في الابتداء، وحينئذ فيعد ما ثبت ابتداء شئ بشهادة اثنين نسب إلى كل منهما في حال البقاء
ثبوت حصة منه بشهادته فتبقى هذه الحصة ما بقي على شهادته ويكون متلفا لها برجوعه. قوله: (فإن
رجع أحدهما ضمن النصف) إذ بشهادة كل منهما يقوم نصف الحجة، فببقاء أحدهما على الشهادة تبقى
الحجة في النصف فيجب على الراجع ضمان ما لم تبق فيه الحجة وهو النصف، ويجوز أن لا يثبت
الحكم ابتداء ببعض العلة، ثم يبقى ببقاء بعض العلة كابتداء الحول لا ينعقد على بعض النصاب ويبقى
منعقدا ببقاء بعضه. درر. قوله: (وإن رجع أحد ثلاثة لم يضمن) أي الراجع لقاء من يبقى به كل

672
الحق. قوله: (وإن رجع آخر ضمنا النصف) أي الأول والثاني، لأنه لما رجع الأول لم يظهر أثره، فلما
رجع آخر ظهر أثره لأنه لم يبق إلا من يقوم به النصف.
وفي تلخيص الجامع: لو شهد أربعة بأربعة دراهم وقضى بها ودفعت ثم رجع واحد عن واحد
والثاني عن اثنين والثالث عن ثلاثة ضمنوا نصف درهم على كل واحد سدس درهم، لان الحجة
تشطرت في درهم إذ ثبت الأول على الثلاثة والرابع على الكل، ولو رجع الرابع عن الأربعة ضمنوا
درهما ونصفا على الأول سدس المضمون الأول وهو ربع درهم وعلى كل واحد من الثلاثة ربع درهم
وسدس درهم، لأنهم اتفقوا جميعا على الرجوع على الربع فضمنوه أرباعا على كل واحد ربع، والثالث
الأول ثابت عليه بالشهادة وحده فتشطرت الحجة فيه، فوجب نصفه على الثلاثة أثلاثا ولا شئ عليه
فيه لبقائه على الشهادة به، فتأمل اه‍. بزيادة عليه. قال المقدسي: فإن قيل: ينبغي أن يضمن الراجع
الثاني فقط لان التلف أضيف إليه. قلنا: التلف مضاف إلى المجموع، إلا أن رجوع الأول لم يظهر أثره
لمانع وهو من بقي، فإذا رجع الثاني ظهر أن التلف بهما.
أقول: تقدم في الحدود عن المحيط: إذا شهد على حد الرجم خمسة فرجع الخامس لا ضمان،
وإن رجع الرابع ضمنا الرابع، وإن رجع ثالث يضمن الرابع. فقوله يضمن الثالث الربع مخالف لما
هنا، لان المأخوذ من باب الرجوع في الشهادة أن الخامس والرابع والثالث يضمنون النصف أثلاثا، فما
عن المحيط إما غلط أو ضعيف أو غير مشهور، وإذا شهد أربعة على شخص بأربعمائة درهم وقضى بها
فرجع أحدهم عن مائة وآخر عن تلك المائة ومائة أخرى وآخر عن تلك المائتين ومائة أخرى فعلى
الراجعين خمسون أثلاثا، لان الأول لم يرجع إلا عن مائة فبقي شاهدا بثلاثمائة، والرابع الذي لم يرجع
شاهد بالثلاثمائة كما هو شاهد بالمائة الرابعة أيضا فوجد نصاب الشهادة في الثلاثمائة فلا ضمان فيها،
وأما المائة الرابعة لما بقي الرابع شاهدا بها ورجع البقية تنصفت، لان العبرة لمن بقي فيضمنون نصفها
وهو الخمسون أثلاثا، فإن رجع الرابع عن الجميع ضمنوا المائة أرباعا: يعني المائة التي اتفقوا على
الرجوع عنها، وغير الأول يضمن الخمسين التي اتفقوا على الرجوع عنها أثلاثا، ووجه عدم ضمان
المائتين والخمسين أن الأول بقي شاهدا بثلاثمائة والثالث بقي شاهدا بمائتين، فالمائتان تم عليهما
النصاب، وبقي على الثالثة شاهد واحد لم يرجع، ولكن لما رجع الثلاثة غيره تنصفت المائة الثالثة،
فضمنوا الخمسين أثلاثا. سائحاني. وقوله: والثالث بقي شاهدا، لعله والثاني، والمسألة مذكورة في
البحر عن المحيط موجهة بعبارة أخرى، وهي أن الشهادة قائمة بقدر ثلاثمائة وخمسين لان القائم بقي
شاهدا بأربعمائة والرابع بقي شاهدا بثلاثمائة فبقي على ثلاثمائة حجة كاملة فلا يجب ضمانها على أحد،
بقي على المائة الزائدة شاهد واحد، وهو القائم على الشهادة فبقي من يقوم به نصف الحق فبقي نصفها،
فظهر أن التالف برجوعهم نصف المائة فيجب على الراجعين لاستوائهم في إيجابها، فإن رجع الرابع عن
الجميع ضمنوا المائة أرباعا وضمنوا سوى الأول خمسين أيضا أثلاثا، لأنه بقي على الشهادة من يقوم به
مائتان وخمسون ا ه‍. والمسألة بحالها. قوله: (وإن رجعت امرأة ضمنت الربع) لبقاء ثلاثة أرباع الحق
ببقاء رجل وامرأة، إذ الرجل وحده بالنصف وهذا بالاجماع. عيني. وهذا إذا كانت من رجل
وامرأتين، ولو من رجلين وامرأة لا ضمان عليها وإن رجعا أيضا، لان شهادة الواحدة بعض شهادة
واحد فكان القضاء مضافا إلى شهادة الرجلين.

673
وقال الأسبيجابي: لو رجع رجل وامرأة فالنصف عليهما أثلاثا. قوله: (وإن رجعتا فالنصف)
لأنه ببقاء الرجل بقي نصف الحق، وعلى هذا لو شهد رجلان وامرأتان فرجع رجل وامرأة فعليهما
الربع أثلاثا وإن رجع رجلان فعليهما النصف، وإن رجع امرأتان فلا شئ عليهما وهو ظاهر،
زيلعي. قوله: (لم يضمن) أي الثمان لبقاء من يبقى به كل الحق وهو رجل وامرأتان وهو نصاب.
قوله: (لبقاء ثلاثة أرباع النصاب) إذ النصف يبقى بالرجل والربع بالباقية: أي فيضمن النسوة التسع
ربع الحق، لأنه ببقاء الرجل والمرأة يبقى ثلاثة أرباع الحق.
قال في البحر: وإن رجعت العشرة فقط فعليهن نصف الحق اتفاقا، كما إذا رجع الأول وحده،
ولو رجع معه ثمان فعليه النصف ولا شئ عليهن. كذا في المحيط. وهو سهو، بل يجب أن يكون
النصف أخماسا عنده وعندهما أنصافا ا ه‍.
أقول: هذه عبارة الزيلعي واختصرها بحذف التعليل من كلام المحيط، وهو قوله لأنهن وإن
كثرن يقمن مقام رجل واحد، وقد بقي من النساء من ثبت بشهادتهن نصف الحق فيجعل الراجعات
كأنهن لم يشهدن.
في الشرنبلالية، قلت: والذي يظهر لي من كلامه أن ما ذكره صاحب المحيط على قول
الصالحين، ولذا علل بما لم يعلل به الامام بل بما عللا به، إذ ما علل به الامام كما ذكره أن كل
امرأتين يقومان مقام رجل واحد، ثم قال: وعدم الاعتداد بكثرتهن عند انفرادهن لا يلزم منه عدم
الاعتداد بكثرتهن عند الاجتماع مع الرجال كما في الميراث ا ه‍. وليس في كلام الصاحبين ما يفيد أنه
مع قيامهن مقام رجل يقسم عليهن ما ثبت بشهادتهن في حق من رجع منهن ليفرض بقدره، وقد بقي
منهن من يثبت به نصف الحق كما ذكره الزيلعي بعد هذا بقوله: ولو شهد رجل وثلاث نسوة ثم
رجعوا فعندهما على الرجل النصف وعلى النسوة النصف، وعنده عليه الخمسان وعليهن ثلاثة
الأخماس، ولو رجع الرجل وامرأة فعليه النصف كله عندهما ولا شئ على المرأة، وعنده عليهما أثلاثا
ا ه‍.
ثم قال الشرنبلالي: ومثله في الفتح، على أنا لو سلمنا الانقسام عليهن عند الرجوع فالذي يظهر
من تعليل قولهما أن الانقسام عليهن بحسب عددهن فعليهن أربعة أخماس النصف وعلى الرجل نصف
كامل ويبقى خمس نصف المال ببقاء المرأتين، والجواب عما ذكره عن الأسبيجابي أنه مشى على قول الإمام
لا على قولهما، فليتأمل. ا ه‍.
قلت: وذكر في الولوالجية نحو ما في المحيط، وأشار إلى مخالفته القياس حيث قال: شهد رجل
وثلاث نسوة ثم رجع الرجل وامرأة ضمن الرجل نصف المال ولم تضمن المرأة شيئا. وينبغي في قياس
قول أبي حنيفة أن يكون النصف أثلاثا على الرجل والمرأة، أما عندهما النسوة وإن كثرن بمنزلة رجل
واحد حالة الانفراد وحالة الاختلاط، وكان يشهد رجلان لا غير، فكان الثابت بشهادة النسوة
النصف، فإذا بقي من يقوم بشهادته النصف منهن، لم يكن على الراجعة شئ. وأما عنده فلان كل

674
ثنتين حالة الاختلاط كرجل واحد وكل امرأة كنصف رجل كأنه يشهد رجلان ونصف من حيث
الحكم، فإن رجع رجل وامرأة فكأنه رجع رجل ونصف فالضمان عليهما أثلاثا ا ه‍.
قال المولى عبد الحليم: ظاهر تأخير دليل الامام مع تقدم قوله على ترجيح قول الإمام، وأما
تصريح قولهما في المتن مقابلا بقوله يقتضي التساوي بينهما ثم رجحان قول الإمام مبني على قوة
دليله، وذ على ما صرح في المبسوط وغيره إن حكم الشهادة كحكم الميراث، وفيه يجعل كل بنتين كابن
معه، وعند الانفراد لم يزد نصيبين على الثلثين، وكذلك في الشهادة عند الانفراد بعد نصف النصاب
فيها، وعند المقارنة بالرجل يزداد النصاب، ويضاف القضاء بشهادة الكل على أن كل امرأتين كرجل.
هذا وما ذكر في المحيط أنه لو رجع للرجل وثمان نسوة فعلى الرجل نصف الحق، ولا شئ عليهن
لأنهن وإن كثرن يقمن مقام رجل واحد فمحمول على قولهما، كما أن ما ذكره الأسبيجابي من أنه لو
شهد رجل وثلاث نسوة، ثم رجع رجل وامرأة كان النصف عليهما أثلاثا محمول على قوله: وعليه
كلام المقدسي والفتح والمنبع، فظهر أن صاحب المحيط لم يسه، وإن ظن سهوه صاحب التبيين وتبعه
بعض المتأخرين، على أنه يمكن أن يكون كلام صاحب المحيط على الاتفاق، بناء على أن طرف النساء
نصف النصاب وإن كثرن، ولا يظهر قيام كل امرأتين مقام رجل ما لم ترجع واحدة اثنتين أو كلهن،
فما دام شطر النصاب باقيا من طرفهن لم يضمن الرواجع منهن، فتدبر ا ه‍. قوله: (فإن رجعوا) أي
رجع الكل من الرجال والنساء غلب الذكر لشرفه فلذا أعاد الضمير مذكرا. قوله: (فالغرم بالأسداس)
السدس على الرجل وخمسة الأسداس على النسوة، لان كل امرأتين تقوم مقام رجل واحد، فكأنه قد
شهدت ست رجال فيضمن الرجل السدس، وكل امرأتين السدس، وهذا عند الامام. قوله: (وقالا
عليهن النصف) لان النساء وإن كثرن في الشهادة لا يقمن إلا مقام رجل واحد وكان الثابت بشهادته
نصف المال وشهادتهن النصف الآخر، ولهذا لا تقبل شهادتهن إلا بانضمام الرجل. ولأبي حنيفة أن
لك امرأتين قامتا مقام رجل. قال (ص) في نقصان عقلهن عدلت شهادة كل ثنتين بشهادة رجل روى
البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أنه (ص) قال: يا معشر النساء تصدقن
وأكثرن من الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل
النار، فقالت امرأة منهن: يا رسول الله ما لنا أكثر أهل النار؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من عقل ودين أغلب لذي لب منكن،
قالت: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ فقال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة
رجل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان فصار كما لو شهد بذلك ستة ستة رجال ثم
رجعوا. قوله: (كما لو رجعن فقط) أي ضمن النصف إجماعا لأنهن وإن كثرن بمنزلة رجل واحد كما
تقدم، أما عندهما فظاهر لان الثابت بشهادتين نصف المال كما ذكرنا، وكذا عنده إذ بقي من بقي به
نصف المال فصار كما لو شهد به ستة رجال ثم رجع خمسة. قوله: (ولا يضمن راجع في النكاح الخ)
هذه المسألة على ستة أوجه، لأنهما إما أن يشهدا بمهر المثل أو بأزيد أو بأنقص، وعلى كل فالمدعي إما
هي أو هو ولا ضمان إلا في صورة ما إذا شهدا عليه بأزيد، ولو قال المصنف بعد قوله: ضمناها
للزوج كما في المنح لأفاد جميع الصور خمسة منطوقا وواحدة مفهوما، ولا غنى عما نقله الشارح

675
عن العزمية، وكان عليه أيضا أن يقول: وإن بأقل، ويحذف ولو شهدا بأصل النكاح لايهامه أن الشهادة
في الأولى ليست على أصله، وعلى كل فقول الشارح أو أقل تكرار كما لا يخفى.
قال الحلبي: فلو قال المتن ويضمن الزيادة بالرجوع من شهد على الزوج بالنكاح بأكثر من مهر
المثل لاستوفى الستة واحدة منطوقا وخمسة مفهوما، ثم ظهر لي أن المصنف أظهر ما خفي وأخفى ما
ظهر من هذه الصور، فذكر عدم الضمان في الشهادة بمهر المثل، ويلزم منه عدمه في الشهادة بالأقل
وصرح بضمان الزيادة، وهذا كله لو هي المدعية كما نبه عليه الشارح وأشار به إلى أن ما بعده فيما لو
كان هو المدعى فذكر المصنف بعده أنه لا ضمان لو شهدا بأقل من مهر المثل وسكت عما لو شهدا
بمهر المثل أو أكثر للعلم بأنه لا يضمان بالأولى، لان الكلام فيما إذا كان هو المدعى ولم يصرح به
الشارح كما صرح بالأقل في الأول اعتمادا على ظهور المراد، فتنبه. ذكره سيدي الوالد رحمه الله
تعالى.
أقول: فالحاصل أنه لا ضمان إلا في صورة واحدة، وهي ما لو شهدا عليه بالأكثر فيضمنان
الزائد على مهر المثل وفي الخمسة الباقية لا ضمان أصلا، وهذا موافق لما في التتارخانية حيث قال:
وفي الزاد وإن شهد شاهدان على امرأة بالنكاح بمقدار مهر مثلها ثم رجعا فلا ضمان عليهما، وكذا لو
شهدا بأقل من مهر مثلها، وإن شهدا بأكثر من مهر مثلها ثم رجعا ضمنا الزيادة.
وفي المحيط: وإن ادعى رجل على امرأة النكاح وأقام على ذلك بينة والمرأة جاحدة فقضى
القاضي عليها بالنكاح ثم رجعا عن شهادتهما لا يضمنان للمرأة شيئا، سواء كان المسمى مهر المثل أو
أكثر أو أقل ا ه‍.
ثم قال: وإذا ادعى رجل على امرأته أنه تزوجها بمائة درهم وقالت المرأة لا بل تزوجتني بألف
درهم ومهر مثلها ألف درهم فشهد شاهدان أنه تزوجها على مائة درهم فقضى ثم رجعا حال قيام
النكاح ذكر أنهما يضمنان للمرأة تسعمائة عندهما، ولا يضمنان شيئا عند أبي يوسف. هذا إذا رجعا
قبل الطلاق، فإن رجعا بعده فهذا على وجهين: إما أن يرجعا قبل الدخول أو بعده، فإن كان بعد
الدخول بها فالجواب فيه كالجواب حال قيام النكاح، فأما إذا كان الطلاق قبل الدخول بها فإنهما لا
يضمنان للمرأة شيئا عندهم جميعا. ا ه‍. فأفاد أن الكلام الأول فيما إذا كان أصل النكاح مجحودا، أما
إذا كانا مقرين به واختلفا به المهر ثم رجع الشاهدان ففيه هذا التفصيل والحكم فيه ما علمت، فتنبه
لذلك.
قال في البحر: وأشار في المسألة بمهر المثل إلى أن هذا فيما إذا لم يطلقها بعد الدخول أو طلقها
بعده، أما إذا طلقها قبل الدخول لا يضمنان لها شيئا بالاتفاق كما في الحقائق، وفي النكاح أنه لو
ادعى بقبض المهر كلا أو بعضا وشهدا عليها به ثم رجعا بعد القضاء ضمناه لها لأنهما أتلفا عليها مالا
دون البضع. قوله: (إذ الاتلاف بعوض كلا إتلاف) وهنا أتلفا شيئا يقابله عوض، وهذا التعليل ظاهر
فيما إذا كان المدعي الزوج لأنهما أتلفا عليها البضع بمال قابله من الزوج، وكذا فيما إذا كان المدعي
الزوجة لأنهما أتلفا المال بالبضع لأنه يكون متقوما بالدخول في الملك ولحالة هنا حال الدخول في
الملك. قوله: (وإن زاد عليه) هذا هو الموافق لما في المنح والكنز بضمير المثنى فيوافق قوله بعد

676
ضمناها وعلى إفراد الضمير يكون الضمير راجعا إلى المشهود به. قوله: (ضمناها) أي الزيادة للزوج
لأنهما أتلفاها بلا عوض، إذ الأصل أن المشهود به إن لم يكن مالا كقود ونكاح لم يضمن، وكذا المال
بمقابلة عوض بقدره، ويضمن ما زاد على العوض، وبلا عوض يضمن كله، فلو شهدا عليها بنكاح
فقضى به ثم رجعا لم يضمنا لها شيئا سواء كان المسمى مثل مهر مثلها أو أكثر أو أقل، لأنهما وإن أتلفا
عليها البضع بما لا يعدله لكنه لا يتقوم على المتلف، وإنما يتقوم على المتملك ضرورة التملك، وهذا
لان ضمان الاتلاف مقدر بالمثل، ولا مماثلة بين البضع والمال، فأما عند دخوله في ملك الزوج فقد
صار متقوما إظهارا لخطره حتى يصان عن الابتذال، ولا يملك مجانا لحصول النسل به وذا لا يوجد في
طرف الإزالة، ولو كانت هي المدعية فشهدا ورجعا: فإن كان مهر مثلها كالمسمى أو أكثر لم يضمنا
لأنهما أوجبا عليه المهر بعوض يعدله أو يزيد عليه وهو البضع، لأنه عند الدخول في ملك الزوج
متقوم، وبينا أن الاتلاف بعوض يعدله لا يوجب ضمانا. فإن كان مهر مثلها أقل من الزيادة ضمناها
للزوج لما مر. مقدسي.
قال الزيلعي: فإن قيل: هذا مستقيم في حقها لأنهما أتلفا عليها البضع بعوض متقوم، وأما في
حق الزوج فغير مستقيم، لان البضع غير متقوم وأتلفا عليه المال المتقوم بمقابله فوجب أن يضمنا له
مطلقا قلنا: البضع تقوم حال دخوله في الملك والكلام فيه انتهى. قوله: (لو هي المدعية وهو المنكر)
راجع إلى الثلاث: أي لو ادعت عليه النكاح بمهر مثلها أو أقل أو أزيد وشهد شاهداها بذلك وقضى
به القاضي على الزوج ثم رجع الشاهدان لم يضمنا شيئا في الأولين وضمنا الزيادة في الثالثة كما
علمت. قوله: (عزمي زاده) أقول: ومثله في أكثر المعتبرات متونا وشروحا، فالعزو للمتون أولى.
قوله: (ولو شهدا بأصل النكاح بأقل من مهر مثلها) أي عليها بقرينة المقابلة بما مر، ولأن أصل النكاح
إنما يثبت على المرأة للزوج لأنها المملوكة له وهو المالك، ثم إذا رجعا لم يضمنا ما نقصاه من مهر مثلها
لتعذر المماثلة، لان منافع البضع غير متقومة عند الاتلاف فلا تضمن بالمتقوم، إذ التضمين يستدعي
المماثلة، وإنما تضمن وتقوم بالتملك ضرورة إبانة خطر المحل. كذا في التبيين. بقي ما لو كان دعواه
بمهر مثلها أو أكثر وعلم حكمه، فإنه إذا لم يثبت لها شئ مع شهادتهما بالأقل فبالمساواة والأكثر كان
كذلك بالأولى، فلا خلل في عبارة المتن والشرح. قوله: (على المعتمد) ذكره في الهداية وشروحها،
خلافا لما في المنظومة النسفية وشرحها، وتبعهما صاحب المجمع، حيث ذكروا أنهما يضمنان ما نقص
عندهما خلافا لأبي يوسف.
قال في الفتح: وما في الهداية وشروحها هو المعروف ولم ينقلوا سواه، وهو المذكور في
الأصول كالمبسوط وشرح الطحاوي والذخيرة وغيرها، وإنما نقلوا فيها خلاف الشافعي، فلو كان لهم
شعور بالخلاف في المذهب لم يعرضوا عنه بالكلية، ولم يشتغلوا بنقل خلاف الشافعي ا ه‍.
قال الرملي: وفي المصفى: لو أثبتوا نكاحها فأوكسوا لم يضمنوا إن رجعوا ما بخسوا.
وصورته: ادعى نكاح امرأة على مائة وقالت تزوجني على ألف ومهر مثلها ألف وأقام شاهدين
على مائة وقضى بها ثم رجعا بعد الدخول بها لا يضمنان شيئا لها. وقالا: يضمنان لها تسعمائة، على
أن عندهما القول قولها إلى تمام مهر مثلها، فكان يقضي لها بألف لولا شهادتهما فما أتلفا عليها

677
تسعمائة، وعنده القول قول الزوج، فلم يتلفا عليها شيئا ا ه‍. ومثله في الحقائق شرح المنظومة.
قال في التتارخانية: شهدا على امرأة أن فلانا تزوجها على ألف درهم، وقبضت ذلك وهي تنكر
ومهر مثلها خمسمائة فقضى القاضي بذلك ثم رجعا على شهادتهما ضمنا مهر المثل دون المسمى، ولو
وقعت الشهادة بالعقد بالألف أولا فقضى القاضي به ثم شهدا بقبض الألف وقضى القاضي به ثم
رجعا عن الشهادتين ضمنا للمرأة المسمى. قوله: (لتعذر المماثلة بين البضع والمال) قال في الفتح:
وذكروا وجهه بأن البضع متقوم لثبوت تقومه حال الدخول، فكذا في غيره، لأنه في حال الخروج عين
ذلك الذي ثبت تقومه. وأجابوا بحاصل توجيه المصنف بأن تقومه حال الدخول ليس إلا الاظهار
خطره حيث كان منه النسل المطلوب في الدنيا والآخرة وغير ذلك من النفع، كما شرطت الشهادة على
العقد عليه دون سائر العقود لذلك، لا لاعتباره متقوما في نفسه كالأعيان المالية لأنه لا يرد الملك على
رقبته والمنافع تتقوم، فلا يضمن لان التضمين يستدعي المماثلة بالنص، والمماثلة بين الأعيان التي
تحرز وتتمول والاعراض التي تتصور ولا تبقى. وفرع في النهاية على الأصل المذكور خلافته، هي ما
إذا شهدوا بالطلاق الثلاث ثم رجعوا بعد القضاء بالفرقة لم يضمنوا عندنا، وكذا إذا قتل رجل امرأة
رجل لا يضمن القاتل لزوجها شيئا، وكذا إذا ارتدت المرأة لا شئ عليها لزوجها، وعنده: عليها
وعلى القاتل للزوج مهر المثل، وأورد على قولنا نقصا أنهم أوجبوا الضمان بإتلاف منافع البضع حقيقة
فيما إذا أكره مجنون امرأة فزنى بها يجب في ماله مهر المثل، فكذا في الاتلاف الحكمي. وأجاب نقلا
من الذخيرة بأنه في الاتلاف الحقيقي بالشرع على خلاف القياس والحكمي دونه، فلا يكون الوارد فيه
واردا في الحكمي، ونظيره ما في شرح الطحاوي: لو ادعى أنه استأجر الدار من هذا شهرا بعشرة
وأجرة مثلها مائة والمؤجر ينكر فشهدا بذلك ثم رجعا لا ضمان عليهما، لأنه أتلف المنفعة ومتلف
المنفعة لا ضمان عليه اه‍. قوله: (ثم رجعا) أي بعد القضاء ضمنا لها لأنهما أتلفا عليها مالا وهو
المهر قليلا كان أو كثيرا دون البضع. منح. قوله: (وضمنا في البيع والشراء ما نقص عن قيمة المبيع)
أما لو شهدا بمثل القيمة أو أكثر فلا ضمان، لأنه إتلاف بعوض، وإن شهدا به بأقل من قيمته ضمنا
النقصان، لأنه بغير عوض أطلقه، فشمل ما إذا شهدا به باتا أو بخيار شرط للبائع ومضت المدة لاسناد
الحكم عند سقوطه إلى السبب السابق وهو البيع، بدليل استحقاق المشتري الزوائد، وأما إذا رد البائع
البيع فلا إتلاف، أو أجازه اختيارا بقول أو فعل فللرضا به قيد الشهادة بالبيع: أي فقط، لأنهما لو
شهدا به مع قبض الثمن فإن شهدا بهما متفرقين، ثم رجعا عن شهادتهما فإنهما يضمنان الثمن، لان
الثمن تقرر في ذمة المشتري بالقضاء ثم أتلفاه عليه بشهادتهما بالقبض فيضمنانه، وإن كان الثمن أقل
من قيمة المبيع يضمنان الزيادة أيضا مع ذلك لأنهما أتلفا عليه هذا المقدار بشهادتهما الأولى.
فإن قلت: حيث ضمنا الزيادة أيضا فما الفرق بين هذه وبين الثانية فإنه يؤول إلى تضمين
القيمة.
قلت: يظهر فيما إذا كان الثمن أكثر من القيمة فيضمنه هنا، وفي الثانية: لا يضمن إلا بالقيمة.
تأمل. وإن شهدا عليه بالبيع وقبض الثمن جملة واحدة وجبت القيمة عليهما لان القاضي يقضي بالبيع
لا بوجوب الثمن، لان القضاء بالثمن يقارنه ما يوجب سقوطه: أي الثمن وهو القضاء بالقبض،

678
والقضاء بالشئ إذا اقترن به ما يوجب بطلانه لا يقضي به كما لو شهدا بالبيع والإقالة معا فلا ضمن
كما يأتي توضيحه قريبا. قوله: (لو الشهادة على البائع) بأن ادعى المشتري بأن يقول اشتريت هذا العبد
من هذا الرجل بألف، وهو يساوي ألفين فأنكر المدعى عليه فشهد شاهدان ثم رجعا يضمنان للبائع
ألفا لأنهما أتلفاه عليه. درر. قوله: (أو زاد لو الشهادة على المشتري) بأن يقول البائع أن المشتري
اشترى مني هذا العبد بألفين وعليه الثمن وأنكر المشتري فشهد شاهدان أنه اشترى العبد بألفين وهو
يساوي ألفا ثم رجعا يضمنان للمشتري ألفا لأنهما أتلفاه عليه. درر. وباقي تفصيل هاتين المسألتين في
المبسوط والكافي، ولا حاجة لا يراد هذه المسألة وإن لم تدخل في الأول لأنها داخلة في مسألة الدين،
لما أن مقصود البائع من دعوى البيع توطئته إلى دعوى الثمن، وهو الدين وهو مطلوبه لا نفس المبيع،
بخلاف ما إذا كانت الدعوى من جانب المشتري، فإن مطلوبه عين المبيع أصالة دون الثمن، فتكون
شهادتهما متعلقة بالبيع قصد إلا بالدين، فظهر أن تدقيق صدر الشريعة وإن تبعه المصنف وصاحب
الدرر دقيق لمن لم يتأمل. نص عليه صاحب المفاتيح وقدمناه قريبا فلا تغفل.
قال في البحر: وشمل قوله: أو زاد ما إذا كان المشهود عليه المشتري، فلا ضمان لو شهدا
بشرائه بمثل القيمة أو أقل، وإن كان بأكثر ضمنا ما زاد عليها، ولو كان بخيار له وجاز البيع بمضي
المدة، وأما إذا فسخه، وأجازه اختيارا فلا كما في البدائع.
وفي خزانة المفتين: وإن شهدا على البائع بالبيع بألفين إلى سنة وقيمته ألف: فإن شاء ضمن
الشهود قيمته حالا، وإن شاء أخذ المشتري بالثمن إلى سنة وأياما اختار برئ الآخر، وإن اختار
الشهود رجعوا بالثمن على المشتري ويتصدقون بالفضل، فإن رد المشتري المبيع بعيب بالرضا وتقايلا
رجع على البائع بالثمن ولا شئ على الشهود، وإن رد بقضاء فالضمان على الشهود بحاله، وإن أديا
رجعا بما أديا انتهى. وفي منية المفتين: شهدا بالبيع بخمسمائة وقضى القاضي ثم شهدا أن البائع أخر
الثمن ثم رجعا عن الشهادتين جميعا ضمنا الثمن خمسمائة عند الامام، كما لو شهدا بأجل دين، ثم
رجعا ضمنا انتهى. قوله: (للاتلاف بلا عوض) علة للمسألتين. قوله: (ولو شهدا بالبيع وبنقد الثمن)
قدمنا قريبا الكلام على الشهادة على البيع مع قبض متفرقا أو جملة فلا تنسه، ولا يظهر تفاوت بين
المسألتين في الحكم بالضمان، لأنه فيهما يضمن القيمة لأنه في الأولى إن كان الثمن مثل القيمة فيها،
وإن كان أقل منها يضمنان الزيادة أيضا. وقد يقال: إن الفرق ظاهر فيما إذا كان الثمن أكثر من القيمة
في الصورة الأولى فإنهما يضمنانه، فلغا قولنا لأنه فيهما يضمن القيمة. تأمل. قوله: (ضمنا القيمة)
لان المقضي به البيع دون الثمن، لأنه لا يمكن القضاء بإيجاب الثمن لاقترانه بما يوجب سقوطه وهو
القضاء بالايفاء، ولذا قال: لو شهدا أنه باع من هذا عبده وأقاله بشهادة واحدة لا يقضي بالبيع لمقارنة
ما يوجب انفساخه وهو القضاء بالإقالة. فتح. قوله: (ولو في شهادتين) أي شهدا بالبيع وبثمن معلوم
ثم طلب البائع الثمن ثم شهدا عليه بأنه قبض الثمن ثم رجعا يضمنان الثمن صرفا للرجوع إلى الأخير
كما ظهر لي. سائحاني. قوله: (ضمنا الثمن) لان القضاء بالثمن لا يقارنه ما يسقطه، لأنهما لم يشهدا
بالايفاء بل شهدا به بعد ذلك، وإذا صار الثمن مقضيا به ضمناه برجوعهما. فتح. وهذا إذا كان بمثل
القيمة أو أزيد والمدعي هو المشتري، فلو أنقص يضمنان ما نقص أيضا لأنهما أتلفا عليه هذا القدر

679
شهادتهما الأولى، فإن كان المدعي هو البائع ضمنا الزيادة كما يفهم من الرمز والتبيين. قوله: (عيني)
عبارته: وإن شهدا بنقد الثمن مع شهادتهما بالبيع ينظر: فإن شهدا بالبيع بألف مثلا فقضى به القاضي
ثم شهدا عليه بعد القضاء بقبض الثمن فقضى به ثم رجعا عن الشهادتين ضمنا الثمن، وإن كان أقل
من قيمة المبيع يضمنان الزيادة أيضا مع ذلك، وإن شهدا عليه بالبيع وقبض الثمن جملة واحدة فقضى
به ثم رجعا عن شهادتهما يجب عليهما القيمة فقط ا ه‍. قوله: (فإن شاء ضمن الشهود قيمته حالا)
وهي ألف ويرجعون بألفين على المشتري ويتصدقون بالفضل ط. قوله: (وإن شاء أخذ المشتري) أي
بألفين. قوله: (برئ الآخر) أي من مؤاخذته فقط، وإلا فالشهود يرجعون على المشتري بالثمن إذا
ضمنوا القيمة حالا. قوله: (وتمامه في خزانة المفتين) عبارتها كما في المنح: فإن اختار الشهود رجعوا
بالثمن على المشتري ويتصدون بالفضل، فإن رد المشتري المبيع بعيب بالرضا أو تقايلا رجع على البائع
بالثمن ولا شئ على الشهود، وإن رد بقضاء فالضمان على الشهود بحاله، وإن أديا رجعا بما أديا ا
ه‍: أي إن كان بعد مضي الاجل ودفع الثمن، ويسقط عنه الثمن إن كان قبل ذلك، ولا شئ على
الشهود لوصول المال إلى مالكه، مع أنه في هذه الصورة بيع جديد في حق ثالث، والشهود ثالث فهما
أجنبيان عن هذه المقايلة، وإنما شهادتهما في أصل البيع، وإن رد بقضاء فالضمان على الشهود لأنه
حينئذ فسخ في حق الكل، ولكن ينظر ما الذي يضمنانه بعد أن وصل المبيع إلى المشهود عليه. قوله:
(وفي الطلاق قبل وطئ وخلوة) أي إن شهدا على رجل أنه طلق امرأته قبل الوطئ والخلوة. قوله:
(ضمنا نصف المال المسمى أو المتعة إن لم يسم) لأنهما قد يفترقان قبل الدخول بنحو مطاوعتها لابن
الزوج أو ارتدادها، وذلك بمنزلة الفسخ فيوجب سقوط المهر أصلا فقررا عليه ما كان على شرف
السقوط، ولأن الفرقة قبل الدخول في معنى الفسخ فتوجب سقوط جميع المهر كما مر في النكاح، ثم
يجب نصف المهر ابتداء بطريق المتعة فكان واجبا بشهادتهما. كذا في الهداية.
قال في البحر: والتعليل الأول للمتقدمين والثاني للمتأخرين. وقالوا: لا نسلم التأكيد بشهادتهم
بل وجب متأكدا بالعقد، ولم يبق بعده إلا الوطئ الذي بمنزلة القبض، وهذا العقد لا يتعلق تمامه
بالقبض. ولئن سلمنا التأكيد فلا نسلم أن التأكيد الواجب سبب للضمان، فإن الشهود لو شهدوا على
الواهب بأخذ العوض حتى قضى القاضي بإبطال حق الرجوع ثم رجعا وقد هلكت الهبة لم يضمنوا
للواهب شيئا. كذا في الاسرار. فلما كان قول المتأخرين أقرب إلى التحقيقي اختاره فخر الاسلام. كذا
في التقرير شرح أصول فخر الاسلام.
وفي العتابية: لو أقر الزوج بالطلاق بعد التضمين أو السيد بالاعتاق رد الضمان عليهم.
وفي المحيط: شهد رجلان وامرأتان بالطلاق قبل الدخول ثم رجع رجل وامرأة فعليهما ثمن
المهر أثلاثا ثلثاه على الرجل وثلثه على المرأة. ولو شهد رجلان بالطلاق ورجلان بالدخول ثم رجع
شاهدا الطلاق لا ضمان عليهما لأنهما أوجبا نصف المهر، وقد بقي من يثبت بشهادته جميع المهر وهو
شاهد الدخول، وإن رجع شاهدا الدخول لا غير يجب عليهما نصف المهر، لأنه ثبت بشهادة شهود
الطلاق نصف المهر وتلف بشهادة شاهدي الدخول نصف المهر، وإن رجع من كل طائفة واحد لا يجب

680
على شاهدي الطلاق شئ ويجب على شاهدي الدخول الرابع ا ه‍. وإنما قيد بالمتعة فيما إذا لم يسم لأنها
الواجبة وقد أتلفاها.
وفي المحيط: تزوجها بلا مهر وطلقها قبل الدخول فشهدا أنه صالحها من المتعة على عبد وقبضته
وهي تنكر ثم رجعا لا يضمنان العبد بل المتعة، وإن كان مهر مثلها عشرة ضمنا لها خمسة دراهم، لان
القاضي لم يقض لها بالعبد لكونه مقبوضا، فقد أتلفا بشهادتهما على المرأة المتعة لا العبد، بخلاف ما لو
شهدا أنه صالحها عنها بعبده وقضى لها به ثم شهدا بقبضه ثم رجعا ضمنا قيمة العبد لوقوع القضاء
بالعبد ا ه‍. وأطلق في ضمانها فشمل ما بعد موت الزوج لما في المحيط: شهود الطلاق قبل الدخول
إذا رجعوا بعد موت الزوج ضمنوا للورثة نصف المهر، لأنهم قائمون مقام المورث، ولا ميراث للمرأة
ادعت الطلاق أو لا أقرت الورثة أنه طلقها أو لا. وهذا قول أبي حنيفة. وقالا: ترث ولا يضمن
الشاهدان ميراثها بناء على أن قضاء القاضي بالطلاق بشهادة الزور ينفذ ظاهرا وباطنا عنده خلافا لهما،
ولو شهد بذلك بعد موت الزوج وادعى ذلك الورثة فقضى لها بنصف المهر ثم رجعا ضمنا للمرأة
نصف المهر والميراث ا ه‍. قوله: (قبل الدخول) قيد في الشهادتين ح. قوله: (لا غير) لان لم يقض
بشهادة شهود الواحدة لأنه لا يفيد، لان حكم الواحدة حرمة خفيفة وحرمة الثلاث حرمة غليظة.
قوله: (للحرمة الغليظة) أي للقضاء بها. قوله: (ولو بعد وطئ أو خلوة فلا ضمان) أي على أحد
لتأكيد المهر بالدخول، فلم يقررا عليه ما كان على شرف السقوط ح. ولأنه لا تقوم للبضع حالة
الخروج. ذكره الكمال. ونقل عن التحفة أنهما يضمنان ما زاد على مهر المثل، لان الاتلاف بقدر مهر
المثل إتلاف بعوض، وهو منافع البضع التي استوفاها ا ه‍.
قال في البحر: ومما يناسب هذا النوع مسألتان. الشهادة بالخلع، والنفقة. أما الأولى ففي
المحيط: شهدا على امرأة أنها اختلعت من زوجها قبل الدخول أو بعده على أنها أبرأته من المهر وهي
تجحد ثم رجعا ضمنا لها نصف المهر في الصورة الأولى، لأنهما أوجبا عليها ذلك بغير عوض، ولو
كان دخل بها يضمنان كل المهر ا ه‍.
وأما النفقة، ففي المحيط: فرض القاضي لها النفقة أو المتعة ثم شهدا بالاستيفاء وقضى ثم رجعا
ضمنا للمرأة، وكذلك نفقة الأقارب. قيل في نفقة الأقارب سهو، لأنها لا تصير دينا بقضاء فما أتلفا
شيئا. وقيل إنها مؤولة، وتأويلها أن القاضي قضى له وأمره بالاستدانة عليه حتى يرجع بما استدانه
على المقضي عليه بالنفقة، وقد استدان وصار دينا له على المقضي عليه، فقد شهدا عليه باستيفاء دين
مستحق له على المقضي عليه فضمنا بالرجوع ا ه‍. قوله: (ضمن شهود الدخول ثلاثة أرباع المهر
وشهود الطلاق ربعه) أي لان شهود الدخول أتلفوا الكل والآخران النصف فمتلف النصف، يقول:
شاركني فيه متلف الكل فانقسم فأصاب متلف النصف نصف النصف وهو ربع، وأصاب متلف الكل
الربع زيادة على ما تفرد بإتلافه وهو النصف فلذا غرم ثلاثة أرباع، ولو رجع شاهدا الطلاق فقط لا
ضمان عليها لان الحجة بإيجاب الكل لم ترجع، ولو رجع شاهدا الدخول فقط ضمنا نصف المهر،

681
لأنه غاية ما يزيد به الدخول على عدمه، ولو رجع من كل طائفة واحد لا يجب على شاهد الطلاق
شئ لان متلف الكل باق مع رفيقه فكان النصاب باقيا، ويضمن شاهد الدخول الراجع الريع لان
رفيقه شاهد بالنصف ورفيق الشاهد بالطلاق شاهد بالربع، وهما لم يرجعا فكان المتلف الربع فقط
فيضمنه. سائحاني. قوله: (اختيار) علله بأن الفريقين اتفقا على النصف فيكون على كل فريق ربع،
وانفرد شهود الدخول بالنصف فينفرد دون بضمانه ا ه‍. فتال. قوله: (ولو شهد بعتق) أطلق فانصرف
إلى العتق بلا مال، فلو شهدا أنه أعتق عبده على خمسمائة وقيمته ألف فقضى ثم رجعا، إن شاء ضمن
الشاهدين الألف ورجعا على العبد بخمسمائة، وولاء العبد للمولى. كذا في المحيط.
وفي البزازية: شهدا على رجل بإعتاق عبده وأربعة أخر أنه زنى وهو محصن فحكم بالعتق
والرجم ورجم ثم رجعوا، فالقيمة على شهود العتق للمولى والدية على شهود الزنا للمولى أيضا إن لم
يكن له وارث آخر، والمولى إن كان جاحدا للعتق يمنع أخذ الدية، لكن زعمه باطل بالحكم، وصار
كالمعدوم ووجوب القيمة بدل المالية ووجوب الدية بدل النفس، ثم الدية للمقتول حتى تقضى بها ديونه
فلا يلزم بدلان عن مبدل واحد ا ه‍. بحر. قوله: (لأنه ضمان إتلافه) أي إتلاف مالية الملك وهو
العبد من غير عوض، لأنهما بشهادتهما أتلفا ملك صاحب العبد فيجب عليهما الضمان مطلقا: أي
سواء كانا موسرين أو معسرين، بخلاف من أعتق نصيبه من عبد مشترك فإنه لم يتلف إلا ملك نفسه
ولزم منه فساد ملك صاحبه فضمنه الشارع صلة ومواساة له فاختص باليسر. قوله: (والولاء للمعتق)
لان العتق لا يتحول إليهما بالضمان، وهو لا يصلح عوضا لأنهما إنما ضمناه بعد عتقه وإتلاف ماليته
وعدم قبوله للتملك والعتق وقع على مالكه في ملكه فكان ولاؤه له. قوله: (فلا يتحول الولاء) أي
إليهما بالضمان، لان العتق لا يحتمل الفسخ، فلا يتحول بالضرورة، إذ الولاء لمن أعتق.
قال في البحر: ولو شهدا أنه أعتق عبده عام أول في رمضان، وقضى القاضي بعتقه، ثم رجعا
ضمنا قيمة العبد يوم أعتقه القاضي وحكم حدوده وجزاء جنايته فيما بين رمضان إلى أن أعتقه القاضي
حكم الحر، لان القاضي أثبت حريته من رمضان بالبينة، والثابت بالبينة العادلة كالثابت بالمعاينة، وفي
حق إيجاب الضمان يعتبر حرا يوم القضاء، لان التلف حصل يوم القضاء، لان المنع والحيلولة بين
المولى وعبده حصل يوم القضاء. ولو شهدا أنه طلق امرأته عام أول في رمضان قبل الدخول وقضى به
وألزمه نصف المهر ثم رجعا وضمنا ثم شهد آخران أنه طلقها عام أول في شوال قبل الدخول بها لم
تقبل، ولا يقع الأولان لأنها صارت مبانة بالطلاق الأول قبل الدخول، فلا يتصور تطليقها بعد ذلك،
فكانت الشهادة الأخيرة باطلة، وبي الضمان على الفريق الأول بحاله، ولو أقر الزوج بذلك يرد على
الشاهدين ما ضمنا، وكذا إقرار المولى بالعتق، قيل: هذا عند أبي يوسف ومحمد خلافا لأبي حنيفة بناء
على نفاذ القضاء باطنا، فمتى نفذ القضاء في رمضان باطنا عنده لم يصح إقراره بالطلاق والعتاق في
شوال من هذا العام، فبقي التلف مضافا إلى شهادتهما لا إقرار، وعندهما: لما لم ينفذ القضاء باطنا
بقي النكاح والرق إلى شوال باطنا فصح إقراره في شوال، وكان التلف مضافا إلى إقراره لا إلى

682
الشهادة. كذا في المحيط.
ثم قال: ولو شهدا بالتدبير وآخران بالعتق فرجعوا فالضمان على شهود العتق، لان القضاء
بالتدبير مع العتق لا يفيد لان حكم التدبير بقاء الرق إلى وقت الموت، ولا يبقى الرق مع العتق البات،
فلا يقضي بالتدبير فإن قضى بشهادة التدبير ثم شهد آخران بالعتق البات فقضى به ثم رجعوا ضمن
شهود التدبير ما نقصه التدبير، وشهود العتق قيمته مدبرا، لان القضاء بالتدبير يفيد حكمه، لأنه ليس
حالة القضاء بالتدبير شهادة قائمة بالعتق، فأمكن القضاء بالتدبير، وشاهدا العتق أزالا المدبر عن ملكه
بغير عوض، فيضمنان قيمته مدبرا ا ه‍.
وفي العتابية: ولو شهد واحد بإقراره بالعتق أمس وآخر بإقراره بالعتق من سنة وقضى به ثم
أقام الشاهدان بينة على إعتاقه من سنين برئا عن الضمان، وهذا قولهما لان عندهما الدعوى ليست
بشرط ا ه‍: يعني ثم رجعا بعد القضاء ثم برهنا ا ه‍. قوله: (وفي التدبير ضمنا ما نقصه) وهو ما بين
قيمته مدبرا وغير مدبر. فتح. لأنه بالتدبير فات بعض المنافع، لأنه لا يخرجه من ملكه بنحو بيع.
قوله: (وهو ثلث قيمته) قال في البحر: وقدمنا أن الفتوى أن قيمته مدبر نصف قيمته لو كان قنا ا ه‍.
فعليه يكون اللازم نصف القيمة لأنه الفائت بالتدبير. قوله: (ولزمهما بقية قيمته) فإن لم يكن له مال
غير العبد عتق ثلثه وسعى في ثلثيه وضمن الشاهدان ثلث القيمة بغير عوض ولم يرجعا به على العبد،
فإن عجز العبد عن الثلثين يرجع به الورثة على الشاهدين ويرجع به الشاهد على العبد عندهما. بحر.
ويأتي تمام عبارته في المقولة الآتية. قوله: (وتمامه في البحر) حيث قال فيه: ففي المحيط: لو شهدا أنه
دبر عبده فقضى ثم رجعا ضمنا ما نقصه التدبير فإنه بالتدبير فات بعض المنافع من حيث التجارة
بالاخراج عن ملكه فانتقص ملكه فضمنا نقصانه بتفويتهما، وإن مات المولى والعبد يخرج من ثلثه عتق
وضمن الشاهدان قيمته مدبرا لأنهما أزالا الباقي عن ملك الورثة بغير عوض، فإن لم يكن له مال غير
العبد عتق ثلثه وسعى ثلثيه وضمن الشاهدان ثلث القيمة بغير عوض ولم يرجعا به على العبد، فإن
عجزا العبد عن الثلثين يرجع به الورثة على الشاهدين ويرجع به الشاهد على العبد عندهما. ا ه‍.
وبه علم أن ما ذكره الشارح الزيلعي: من أن العبد إذا كان معسرا فإنهما يضمنان جميع قيمته
مدبرا ويرجعان به عليه إذا أيسر سهو، لما علمت أنه إنما يرجعان عليه بالثلثين، وهو صرح به في
المبسوط، وصرح فيه بأنهما يضمنان ثلث قيمته مدبرا، وعليه يحمل ما في المحيط، وقدمنا أن الفتوى
أن قيمته مدبرا نصف قيمته، لو كنا قنا. انتهت عبارة البحر. قوله: (وفي الكتابة يضمنان قيمته) قال
في البحر معزيا للمحيط: شهدا أنه كاتب عبده على ألف إلى سنة فقضى ثم رجعا يضمنان قيمته، ولا
يعتق حتى يؤدي ما عليه إليهما، فإذا أداه عتق والولاء للذي كاتبه، فإن عجز فرد في الرق كان لمولاه
أن يرد ما أخذه على الشهود ا ه‍. وبه علم أن ما في فتح القدير من أن الولاء للذين شهدوا عليه
بالكتابة سهو، والصواب أن يبدل قوله للذين شهدوا عليه، للذي شهدوا عليه ا ه‍. وإنما ضمنا
بالكتابة دون التدبير لأنهما بها حالا بين المولى وبين مالية العبد بشهادتهما، فكانا غاصبين فيضمنان
قيمته، بخلاف التدبير فإنه لا يحول بل تنقص ماليته. فتح. قوله: (وإن شاء) أي المولى اتبع المكاتب
ولا يضمن الشهود، وكان الأولى تأخير هذه الجملة لئلا يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه. قوله:

683
(وتصدقا بالفضل) أي إن كان بدل الكتابة أكثر، لأنه إن كان بدل الكتابة مثل قيمته أو أقل يطيب لهما
ما أخذا من المكاتب، وإن كان أكثر تصدقا بالفضل. ذكره الزيلعي.
وفي البحر عن المحيط: شهدا أنه كاتب عبده على ألف إلى سنة وقيمته خمسمائة ثم رجعا يخير
المولى بين تضمين الشاهدين وبين اتباع العبد بالكتابة إلى أجله: فإن اختار المولى ضمان الشاهدين
وقبض منهما القيمة لم يعتق المكاتب حتى يؤدي ألفا إلى الشاهدين ويتصدقان بالفضل. وعند أبي
يوسف: يطيب له، فإن تقاضى المولى المكاتب وهو يعلم برجوع الشاهدين أو لا يعلم فهو رضا
بالكتابة، ولا يضمنان إلا إذا كانت المكاتبة أقل من القيمة فله أن يأخذ المكاتبة ويرجع عليهما بفضل
القيمة، ولم يذكر الشارحون ما إذا شهدا على المكاتب ثم رجعا.
وفي المحيط: ادعى العبد أن مولاه كاتبه على ألف وأنه قيمته وقال المولى كاتبته على ألفين وأقام
البينة وقضى وأداها ثم رجعوا ضمنوا ألف درهم للمكاتب، فإن أنكر المكاتب الكتابة وادعاها المولى
على ألفين لم تقبل بينته عليه ويقال للمكاتب إن شئت فامض عليها أو دع ا ه‍. قوله: (والولاء لمولاه)
لأنه لا يمكن أن يتملكاه بالضمان لثبوت كتابته. قوله: (وفي الاستيلاد) أي لو شهدا أنه أقر أن أمته
ولدت منه والمولى ينكر ذلك فقضى به ثم رجعا. فإن لم يكن معها ولد فرجعا في حياته ضمنا نقصان
قيمتها بأن تقوم قنة، وأم ولد لو جاز بيعها فيضمنان النقصان، فإن مات المولى عتقت وضمنا بقية
قيمتها للورثة، فإن كان معها ولد فرجعا في حياته ضمنا قيمة الولد مع ضمان نقصانها، فإن مات
المولى بعده: فإن لم يكن مع الولد شريك في الميراث لم يضمنا له شيئا ورجعا على الولد بما قبض الأب
منهما من تركته إن كانت، وإلا فلا ضمان عليه، وإن كان له أخ ضمنا له نصف البقية من قيمتها
ويرجعان على الولد بما أخذ الأب منهما لا بما قبض الأخ، ولا يضمنان للأخ ما أخذه الولد من
الميراث، فإن رجعا بعد وفاة المولى: فإن لم يكن مع الولد شريك فلا ضمان عليهما، وإلا ضمنا للأخ
نصف البقية من قيمتها ونصف قيمة الولد لا ميراثه، ولا يرجعان على الولد هنا، وإن كانت الشهادة
بعد موت المولى بأن ترك ولدا وعبدا وأمة وتركة فشهدا إن هذا العبد ولدته هذه الأمة من الميت
وصدقهما الولد والأمة لا الابن وقضى ثم رجعا ضمنا قيمة العبد والأمة ونصف الميراث ا ه‍.
قال الرملي: وإنما رجعا على الولد بما قبض الأب منهما الخ لاعتراف الولد باشتغال التركة بما
أخذ والده منهما، لأنه يزعم أنه أخذ ما أخذه منهما ظلما فرجعا في التركة، فتأمل. وقوله وإن كانت
الشهادة بعد موت المولى الخ: يؤخذ من هذه المسألة أنهما لو شهدا بأنه من مستحقي هذا الموقف فقضى
القاضي به بشهادتهما ثم رجعا لا يضمنان شيئا للمشهود عليهم من الغلة فيما يستقبل بشهادتهما،
لأنهما لم تلفاها عليهم لعدم وجودها وقتئذ، حتى لو كان شئ من الغلة موجودا وقت الشهادة وحكم
به يضمنان بالرجوع ما أخذه المشهود له أو استهلك المشهود عليهم غلة السنين الماضية وحكم عليهم له
بها، فكذلك يضمنانها لأنهما أتلفاه على المشهود عليهم بشهادتهما، كمسألة الشهادة بعد موت المولى
هنا، ولم أر من صرح بذلك. وقد سألت عنه فاستخرجت الجواب من مسألة البدائع المذكورة، فتأمل
ذلك الخ. قوله: (فيضمنان ما بينهما) فيه أنه تقدم في باب الاستيلاد وعتق المبعض أن قيمة أم الولد

684
ثلث قيمتها قنة فيضمنان ثلث قيمتها. قوله: (وتمامه في العيني) عبارته: وإن رجعا والمولى ميت ضمنا
جميع قيمتها للورثة، وإن كان معها ولد ضمنا قيمتها وقيمة الولد كلها وما أخذ الولد بالإرث ا ه‍.
وإن شهدا أنه أقر أن أمته ولدت منه والمولى ينكر فقضى به ثم رجعا: فإن لم يكن معها ولد والمولى حي
يضمنان له نقصان قيمتها، فإذا مات المولى يضمنان للورثة باقي قيمتها، وإن رجعا والمولى ميت ضمنا
جميع قيمتها للورثة، وإن كان معها ولد والمولى حي ضمنا نقصان قيمتها وقيمة جميع الولد، فإذا مات
المولى إن لم يكن مع الولد شريك في الميراث لا يضمنان له شيئا ويرجعان على لولد بما قبضه الأب
منهما إن كان له تركة، وإلا فلا شئ على الابن، وإن كان معه شريك فإنهما يضمنان لشريكه نصيبه
من قيمة الولد من باقي قيمة الام ويرجعان على الولد بما قبضه الأب منهما إن ترك مالا، ولا يرجعان
بما أخذه منهما شريكه، ولا يضمنان لشريكه ما أخذه الابن من الإرث، وإن رجعا بعد وفاة المولى:
فإن شهدا بعد وفاته، والمسائل بحالها فقضى به ثم رجعا، فإن لم يكن معها ولد ضمنا جميع قيمتها
للورثة، وإن كان معها ولد ضمنا قيمتها وقيمة الولد كلها وما أخذه الولد بالإرث. ا ه‍. ح. قوله: (وفي
القصاص الدية الخ) أي إذا شهد بأن فلانا قتل فلانا عمدا فقضى القاضي بالقتل فقتل ثم رجعا كان
عليهما الدية لا القصاص، لان القتل منهما ليس مباشرة ولا تسببا، لان السبب ما يفضي إليه غالبا
ولا يفضي بالشهادة هنا لان العفو مندوب إليه.
قال في البحر: وشمل ما إذا شهدوا به في النفس أو ما دونه، وما إذا رجع الولي معهما أو لم
يرجع، لكن إن رجع معهما خير الولي بين تضمين الولي الدية أو الشاهدين كما لو جاء المشهود بقتله
حيا، وأيهما ضمن لا يرجع على صاحبه عنده، وعندهما: له الرجوع عليه، لأنهما عاملان له واتفقوا
على رجوعهما عليه في الخطأ أشار بقيد القصاص، لأنهما لو شهدا بالعفو عن القصاص ثم رجعا لم
يضمنا في ظاهر الرواية، لان القصاص ليس بمال، ألا ترى أن ولي القصاص لو مريضا فعفا ثم مات
من مرضه ذلك لا يعتبر من الثلث، ولو كان مالا لاعتبر منه، وعن أبي يوسف: يضمنان الدية،
وصاحب المنبع نقل رجحان ظاهر الرواية، ولو شهدا أنه صالحه من دم العمد على ألف ثم رجعا لم
يضمنا أيهما كان المنكر للصلح. وقيل: إذا كان القاتل منكرا فالصحيح أنهما يضمنان له الألف،
والصحيح جواب الكتاب. وتمامه في المحيط. وفيه: شهدا أنه صالحه على عشرين ألفا والقاتل يجحد
فقضى ثم رجعا ضمنا الفضل على الدية، وقيل: الصحيح أن يضمنا جميع المال.
قال الطالب: صالحتك على ألف وقال الخصم لا بل على خمسمائة فالقول للمدعي عليه مع يمينه
لانكاره الزيادة، فإن برهن الطالب وقضى ثم رجعا ضمنا الخمسمائة الواجبة بشهادتهما. وفيه دليل
على أن الجواب في المسألة الأولى سهو حيث أجابوا بعدم الضمان.
شهدا على العفو عن دم فيه مال أو جرح عمد فيه مال ثم رجعا ضمنا الدية وأرش الجراحة في
ثلاث سنين أو سنة انتهى.
وفي البدائع: شهدا بالقتل خطأ ثم رجعا ضمنا الدية في مالهما، وكذا لو شهدا بقطع يد خطأ
ضمنا نصفها، وكذا إذا شهد بسرقته فقطع ثم رجعا انتهى مع زيادة. قوله: (في مال الشاهدين) أي لا

685
على عاقلتهما كما قاله في الفتح، لان الشهادة بمنزلة الاقرار والعاقلة لا تعقل الاتلاف بالاقرار كما في
المنبع. وذكر في السراجية الدية التي تكون على الشاهدين تكون في مالهما في ثلاث سنين ولا كفارة
عليهما، ولا يحرمان الميراث بأن كانا ولدي المشهود عليه فإنهما يرثانه ا ه‍. فظهر أن ما في الفتح من
أن الدية تكون على عاقلتهما ضعيف، بل خلاف الصواب كما أفاده المولى عبد الحليم. قوله: (وورثاه)
أي ورث الشاهدان المشهود عليه لكانا وارثين له لما تقدم عن السراجية، ولما سيأتي في الجنايات من
أن القتل بسبب لا يمنع الميراث لعدم قتل المتسبب حقيقة. قوله: (ولم يقتصا) أي من الشاهدين عندنا.
وقال الشافعي: يقتص منهما لوجود القتل تسببا فأشبه المكره بل أولى لان الولي يعان على الاستيفاء
والمكره يمنع عن القتل ولا يعان عليه، لان الشاهد بمنزلة المكره بكسر الراء والولي بمنزلة المكره بفتح
الراء. قوله: (لعدم المباشرة) بل المباشر اختيار ولي الدم، لان القتل مباشرة لم يوجد، وكذا تسببا لان
السبب ما يفضي إليه غالبا، ولا يفضي لان العفو مندوب إليه، بخلاف المكره لأنه يؤثر حياته ظاهرا،
ولأن الفعل الاختياري مما يقطع النسبة ثم أقل من الشبهة وهي دارئة للقصاص، بخلاف المال لأنه
يثبت مع الشبهات. قوله: (ولو شهدا بالعفو) بأن قالا: إن ولي المقتول عفا من القاتل فحكم القاضي
بشهادتهما ثم رجعا لم يضمنا شيئا.
قال في الهندية: في الباب الحادي عشر في المتفرقات: إذا شهد شاهدان على رجل أن عفا عن
دم خطأ أو جراحة خطأ أو عمدا فيها أرش وقضى القاضي بذلك ثم رجعا عن شهادتهما ضمنا الدية
وأرش تلك الجراحة، وتكون الدية عليهما في ثلاث سنين، وما بلغ من أرش الجراحة خمسمائة
فصاعدا إلى ثلث الدية ففي سنة، وما زاد إلى الثلثين ففي سنة أخرى، وما كان أقل من خمسمائة ضمناه
حالا، وإن كانت الدية وجبت حالا ولم يؤخذ منها شئ وشهد شاهدان أنه أبرأه منها وقضى بالبراءة
ثم رجعا ضمنا ذلك حالا. كذا في الحاوي. ا ه‍. قوله: (لان القصاص ليس بمال) فإذا لم يكن مالا
يضمن الشهود عندنا كما تقدم. قوله: (وضمن شهود الفرع برجوعهم) لان الشهادة في مجلس القضاء
صدرت منهم، فكان التلف مضافا إليهم وبنى الحكم عليها فكان التلف مضافا إليهم.
وفي المحيط: شهدا على شهادة أربعة وآخرون على شهادة شاهدين وقضى ثم رجعوا فعلى
شاهدي الأربعة ثلثا الضمان وعلى الآخرين الثلث عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: على
الفريقين نصفان. وأجمعوا على أنه إذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين وشهد أربعة على شهادة
شاهدين فقضى القاضي به ثم رجعوا إن الضمان على الفريقين نصفان، هكذا في المحيط: إذ شهد
شاهدان على شهادة شاهدين على رجل بألف درهم وشهد آخران على شهادة شاهد واحد بذلك الألف
بعينه وقضى القاضي بالألف بالشهادتين جميعا ثم رجع كواحد من الفريق
الأول وواحد من الفريق الثاني كان عليهما ثلاثة أثمان المال: الثمنان على أحد الأولين، والثمن على أحد الآخرين، ولو لم
يرجع إلا أحد الأولين كان عليه ربع الحق، ولو رجع الآخران مع الأولين ضمنوا نصف المال
يكون نصفه على الراجع من الأولين ونصفه على الآخرين. كذا في الذخيرة ولو شهد كل فريق على
شهادة شاهدين، ورجع واحد من هذا وواحد من ذلك ضمنا ثمنين ونصفا. وذكر في المبسوط

686
النصف، وعن الكرخي الربع، وعن عيسى بن أبان الثلث. والأصح أن المذكور في المبسوط جواب
القياس، والمذكور في الجامع جواب الاستحسان. كذا في محيط السرخسي. قوله: (لا شهود الأصل
الخ) قال المصنف في وجهه: لأنهم أنكروا السبب وهو الاشهاد، وذلك لا يبطل القضاء لأنه خبر
يحتمل الصدق والكذب، فصار كرجوع الشاهد بعد القضاء لا ينقض به الشهادة لهذا، بخلاف ما إذا
أنكروا الاشهاد قبل القضاء لا يقضي بشهادة الفرعين كما إذا رجعوا قبله. فتح. قوله: (أو أشهدناهم
وغلطنا) أي فلا ضمان عليهم وهذا قولهما، وقال محمد: يضمنون لان الفروع نقلوا شهادة الأصول،
فصار كأنهم حضروا وشهدوا ثم حضروا ورجعوا، ولهما أن القضاء لم يقع بشهادتهم، بل وقع
بشهادة الفروع لان القاضي يقضي بما يعاين من الحجة، وهي شهادتهم، وهذا الاختلاف مبني على أن الشهادة على الشهادة إنابة وتوكيل عندهما، وعنده تحميل، وأكثر الشروح صرحوا بأن الفروع نقلوا
نيابة هنا وفي المسألة الآتية، ومن ذلك رجحوا قولهما على قوله لأنهم لو كانوا نائبين عنهم في
الشهادة لما كان لهم ذلك بعد المنع، ثم الخلاف في هذه المسألة في إنكار الاشهاد وعدم الضمان فيه
اتفاقي، لأنهم لم يرجعوا وإنما أنكروا التحميل كما في الشروح. قوله: (وكذا لو قالوا رجعنا) أي
فالحكم كذلك عندهم على الاختلاف بالطريق الأولى، إذ الغلط يستلزم الرجوع دون العكس كما لا
يخفى فقوله: غلطنا اتفاقي. قوله: (لعدم إتلافهم) ولأن القضاء وقع بشهادة الفروع لان القاضي
يقضي بما يعاين من الحجة وهي شهادتهم، خلافا لمحمد فإنه يقول يضمن الأصول كما لو أدوها
بأنفسهم ثم رجعوا. قوله: (فلا ضمان) لان ما أمضى من القضاء لا ينتقض بقولهم، فلا يجب
الضمان عليهم لأنهم ما رجعوا عن شهادتهم إنما شهدوا عن غيرهم بالرجوع قوله: (ولو رجع
الكل) أي الأصول والفروع. قوله: (ضمن الفروع فقط) أي عندهما، لان سبب الاتلاف الشهادة
القائمة في مجلس القضاء إذا وجد من الفروع وعند محمد: المشهود عليه مخير بين تضمين الفروع
وتضمين الأصول، لان القضاء وقع بشهادة الفروع من حيث إن القاضي عاين شهادتهم، ووقع
بشهادة الأصول من حيث إن الفروع نائبون عنهم نقلوا شهادتهم بأمرهم. درر. وأشار بقوله: لان
القضاء الخ إلى أنه لا تجانس بين شهادتي الفريقين، فيجعل كل منهما كالفريق المنفرد من ذلك لم يجمع
بينهما في التضمين، وأي ضمن لم يرجع على الآخر كما في الشروح، واعترض عليه بأن الفروع
مضطرون بالأداء بعد التحمل يأثمون بالامتناع، ولا علم لهم بحال الأصول، فكان ينبغي أن لا
يضمنوا إلا إذا علموا أنهم غير محقين وشهدوا ثم رجعوا، وأيضا أنهم لو اعترفوا بعد التحميل
ورجعوا، بناء على ذلك ينبغي أن يضمنوا، وإن قالوا رجعنا تبعا للأصول لأنهم رجعوا عما حملونا
ونحن تبعناهم ينبغي أن لا يضمنوا.
أقول: الجواب عن الأول: أن الحكم أضيف إلى شهادة الفروع، وظاهر حالهم أنهم محقون
فيها، فاللازم عليهم أن لا يرجعوا سواء رجع أصولهم أو لم يرجعوا، فلما رجعوا توجه الضمان إليهم
فلا خفاء فيه. وعن الثاني: بأن التعارض وقع بين خبري الأصول، وقد قوي خبرهم الأول باتصال
القضاء إليه بواسطة أداء الفروع إياه على طريق الشهادة، فظاهر حالهم أن لا يتبعوا خبرهم الثاني، مع

687
أنه خلاف الظاهر، وأنه ضعيف. تدبر. قوله: (وضمن المزكون) أي للرجوع عن التزكية عنده،
والا: لا يضمنون لأنهم أثنوا على الشهود فصاروا كشهود الاحصان له أن التزكية إعمال الشهادة، إذ
القاضي لا يعمل بها إلا بالتزكية، فصار في معنى علة العلة، بخلاف شهود الاحصان، لأنهم شرط
محض، والخلاف فيما إذا تعمدوا أو علموا أنهم عبيد وزكوهم كما قيده المصنف. وقيل: الاختلاف
فيما إذا أخبر بحرية الشاهد وعدالته، أما إذا قال هو عدل فبان عبدا لا ضمان إجماعا، لان العبد قد
يكون عدلا كما في البحر وغيره.
مطلب في علة العلة
أقول: وعلة العلة كما في الدرر كالرمي، فإنه سبب لمضي السهم في الهواء، وهو سبب
الوصول إلى المرمي إليه، وهو سبب الجرح، وهو سبب ترادف الألم، وهو سبب الموت، ثم أضيف
الموت إلى الرمي الذي هو العلة الأولى. قوله: (ولوالديه) أي والحق لو زكوا شهود الزنا فرجم فإذا
الشهود عبيد أو مجوس، فالدية على المزكين عنده لما في السراجية أن المشهود به لو كان زنا فإذا الشهود
عبيد أو كفرة فالدية على المزكين لو قالوا علمنا أنهم عبيد ومع ذلك زكيناهم، بخلاف ما لو زعموا
أنهم أحرار فلا ضمان عليهم ولا على الشهود، ولا حد على الشهود لأنهم قذفوا حيا وقد مات ولا
يورث عنه. وقالا: الدية على بيت المال ا ه‍. قوله: (مع علمهم بكونهم عبيدا) أما إذا ثبتوا عليها،
وزعموا أنهم أحرار فلا ضمان عليهم، ولا على الشهود. قوله: (أما مع الخطأ) بأن قال أخطأت في
التزكية. قوله: (وضمن شهود التعليق) يعني لو شهد بتعليق العتق أو الطلاق قبل الدخول بشرط
وآخران بوجود الشرط: أي دخول الدار مثلا فقضى القاضي ورجع الفريقان بعد الحكم، كالضمان
على شهود اليمين لا شهود الشرط، فيضمنان قيمة العبد ونصف المهر، لان اليمين هي العلة فأضيف
الحكم إلى من شهد بها، والشرط وإن منع فإذا وقع أضيف التلف إلى العلة لا شهود وجود الشرط،
لان شهود التعليق أثبتوا العلة الموجبة للحكم، وشهود وجود الشرط أثبتوا شرطه، والشرط لا يعارض
العلة في إضافة الحكم، لان إضافة الحكم إلى العلة حقيقة وإضافته إلى الشرط مجاز كما الشمني.
وفي المنية: شهدا أنه أمر امرأته أن تطلق نفسها وآخران أنها طلقت قبل الدخول فرجعوا،
يضمن شهود الطلاق لاثباتهما السبب والتفويض شرط كونه سببا، وعلى هذا إذا شهدا أنه جعل عتق
عبده بيد فلان وآخران أنه أعتقه ثم رجعوا، ولو شهدوا أنه أمره بالتعليق وآخران أن المأمور علق
وآخران أعتقه ثم رجعوا، ولو شهدوا أنه أمره بالتعليق وآخران أن المأمور علق وآخران على وجود
الشرط ثم رجعوا فالضمان على شهود التعليق. قوله: (لو قبل الدخول) أما بعد الدخول إذا رجعوا لا
يلزمهم شئ لأنه استوفى منافع البضع والاتلاف بعوض كلا إتلاف كما قدمنا. قوله: (لا شهود
الاحصان) صورته: أن يشهد أربعة على الزنا ويشهد آخران على أنه محصن ثم رجعوا، فالضمان على
شهود الزنا لأنه علة وهي المؤثرة في الحكم، وأفرده بالذكر مع أنه داخل في الشرط على ما نص عليه
بقوله: لأنه شرط لمكان الاختلاف فيه أنه شرط أو علامة، ثم الشرط هو ما يتعلق الوجود عليه دون

688
الوجوب، والعلامة هي ما يعرف الوجود به من غير تعلق وجوب ولا وجود به.
ونص فخر الاسلام وأبو زيد وشمس الأئمة على أن الاحصان علامة لا شرط، وأثبتوا مدعاهم
بوجهين، وذهب المتقدمون من أصحابنا وعامة المتأخرين أنه شرط علامة، بدليل أن وجوب الحد
يتوقف عليه بلا عقلية تأثير له في الحكم ولا إفضاء إليه. وهذا شأن الشرط. واختاره المحقق ابن
الهمام في تحريره ونصره، وأجاب عن الوجهين بما لا مزيد عليه، هذا ثم كونه شرطا محضا إنما هو
بالنسبة إلى التزكية لمقابلته بها. تدبر. قوله: (لأنه شرط) والشرط يلزم من وجوده الوجود، ومن
عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم فلا يلزم من كونه محصنا أنه يرجم، وإنما يرجم
بفعله الزنا بشرط أن يكون محصنا فكان المتسبب في رجمه هم شهود الزنا فيلزمهم الضمان برجوعهم.
رحمتي. قوله: (بخلاف التزكية) أي إذا رجع الشهود عنها فإنهم يضمنون. قوله: (لأنها) أي التزكية
علة، إذ العلة الباعث على الشئ المؤثر في وجوده، فكان تزكيتهم ملجئة للقاضي على الحكم فيضمنون
بالرجوع كما تقدم، لكن الأولى أن يقول علة العلة، لان العلة الشهادة عند القاضي والتزكية إعمال
لها، لان القاضي لا يعمل بها، فصارت في معنى علة العلة، إلا أن يقال: إنه عند وجود العلة لا
يضاف الحكم إلا إليهما.
والحاصل: أنه إذا اجتمع شهود التزكية مع شهود الزنا ورجعوا جميعا فالضمان على شهود
التزكية، لان الحكم يضاف إليها فكانت علة فيه، وإذا اجتمع شهود الزنا مع شهود الاحصان فرجعوا
فالضمان على شهود الزنا لا الاحصان، لأن علة الحكم الشهادة والاحصان شرط كما ذكره الأكثر
لتوقف وجوب الحد عليه. قوله: (والشرط) عطف على الاحصان، وظاهره أن المصنف مال إلى قول
من قال: إن الاحصان علامة لا شرط، على خلاف ما فسره الشارح بأنه شرط على ما اختاره صاحب
البحر تبعا للأكثر. واختار البزدوي: أن الشرط ما ليس بعلة فشمل السبب فلا ضمان على شهود
التفويض بل على شهود الايقاع، وعلى كل فقد اتفقوا على عدم تضمين شهود الاحصان كالشرط، فلو
شهد شهود بالزنا وآخران أن الزاني محصن فرجم، أو شهدا بتعليق عتق وطلاق وآخران بوقوع الشرط
ثم رجعوا، فضمان الدية وقيمة القن ونصف المهر ليس إلا على شهود الزنا، والتعليق إذ شهادتهم على
العلة، وهذا بالاتفاق. أما لو رجع شهود الشرط وحدهم
ففيه الاختلاف، ولذا قال: ولو وجدهم على الصحيح.
قال في الكافي: ولو رجع شهود الشرط وحدهم يضمنون عند البعض، لان الشرط إذا سلم
عن معارضة العلة صلح علة، لان العلل لم تجعل عللا بذواتها فاستقام أن يخلفها الشرط، والصحيح أن
شهود الشرط لا يضمنون. بحال نص عليه في الزيادات، وإلى هذا مال شمس الأئمة السرخسي، وإلى
الأول فخر الاسلام البزدوي. شرنبلالية. قوله: (قال) أي العيني، وضمن شهود الايقاع: أي لو
قامت بينة أنه فوض إليها الطلاق وأخرى أنها أوقعته ثم رجعتا كان الضمان على بينة الايقاع فقط لان
العلة. قوله: (لا التفويض) أي تفويض الطلاق إلى المرأة أو تفويض العتق إلى العبد، وشهد آخران أنها

689
طلقت وأن العبد عتق الخ. شمني. قوله: (لأنه) أي الايقاع علة. قال في البحر: وأراد من الشرط ما
ليس بعلة فشمل السبب فلا ضمان على شهود التفويض والضمان على شهود الايقاع كما قدمناه.
واستشهد الحسامي على عدم تضمين شهود الشرط بما لو قال لعبده إن ضربك فلان فأنت حر فضربه
فلان يعتق العبد ولا يضمن الضارب لأنه عتق بيمين مولاه لا بالضرب، فكذلك هذا. ا ه‍. والله
سبحانه وتعالى أعلم، واستغفر الله العظيم.

690
كتاب الوكالة
هي بفتح الواو وكسرها: اسم للتوكيل والكلام فيها في مواضع.
الأول: في معناها لغة. قال في المصباح: وكلت الامر إليه وكلا من باب وعد ووكولا: فوضته
إليه، واكتفيت به، والوكيل فعيل بمعنى مفعول لأنه موكول إليه، ويكون بمعنى فاعل إذا كان بمعنى
الحافظ، ومنه. حسبنا الله ونعم الوكيل. والجمع وكلاء، ووكلته توكيلا فتوكل: قبل الوكالة، وتوكل
على الله: اعتمد عليه.
والحاصل أنها في اللغة بمعنى التوكيل، وهو تفويض الامر إلى الغير.
الثاني: في معناها اصطلاحا، فهي إقامة الانسان غيره مقام نفسه في تصرف معلوم، كذا في
العناية. حتى أن التصرف إن لم يكن معلوما يثبت به أدنى تصرفات الوكيل وهو الحفظ، وذكر في
المبسوط وقد قال علماؤنا فيمن قال لآخر وكلتك بمالي أنه يملك بهذا اللفظ الحفظ فقط. كذا في
النهاية.
الثالث: في ركنها، وهو ما دل عليه من الايجاب والقبول، ولو حكما كالسكوت كم سنبينه
قبيل الرابع. وستأتي التفرقة في الحكم بين القبول الصريح وبين السكوت، فلو قال وكلتك في هذا
كان وكيلا بحفظه لأنه الأدنى فيحمل عليه، وقيدوا بقوله في هذا لأنه لو قال وكلتك فقال قبلت
الوكالة فقال الوكيل طلقت امرأتك ثلاثا أو أعتقت عبدك فلانا أو زوجت بنتك فلانة من فلان أو
تصدقت من مالك بكذا على الفقراء فقال الرجل لا أرضى بذلك، فهذا الكلام متوجه إلى الذي تحاورا
فيه، وقليلا ما يكون هذا الكلام والتفويض الأبناء على سابقة تجري بينهما، فإن كان كذلك فالامر على
ما تعارفوه بما جرت المخاطبة فيه، تعارفوه بما جرت المخاطبة فيه، فإن فعل شيئا خارجا من ذلك النوع لم ينفذ على الموكل دون
إنفاذه. كذا في خزانة المفتين. ولو قال أنت وكيلي في كل شئ كان تفويضا للحفظ، والقياس أن لا
يكون وكيلا به للجهالة، والاستحسان انصرافها إلى الحفظ، ولو قال أجزت لك بيع عبدي هذا يكون
توكيلا بالبيع، ولو زاد على قوله أنت وكيلي في كل شئ جائز أمرك ملك الحفظ والبيع والشراء
ويملك الهبة والصدقة، حتى إذا أنفق على نفسه من ذلك المال جاز حتى يعلم خلافه من قصد الموكل،
وعن الامام تخصيصه بالمعاوضات، ولا يلي العتق والتبرع، وعليه الفتوى. وكذا إذا قال طلقت امرأتك
ووقفت أرضك في الأصح لا يجوز. وفي الروضة فوضت أمري إليك، قيل هذا
باطل، وقيل هذا والأول سواء في أنه تفويض الحفظ. ولو قال مالك المستغلات فوضت إليك أمر مستغلاتي وكان
أجرها من إنسان ملك تقاضي الأجرة وقبضها، وكذا لو قال إليك أمر ديوني ملك التقاضي، ولو قال
فوضت إليك أمر دوابي وأمر مماليكي ملك الحفظ والراعي والتعليف والنفقة عليهم، ولو قال فوضت
إليك أمر امرأتي ملك طلاقها واقتصر على المجلس، بخلاف قوله ملكتك حيث لا يقتصر على المجلس.
كذا في البزازية. وفي كافي الحاكم: لو وكله بالقيام على داره وإجارتها وقبض غلتها، والبيع لم يكن له
أن يبني ولا أن يرم منها شيئا وليس وكيلا في خصومتها، ولو هدم رجل منها شيئا كان وكيلا في
الخصومة لأنه استهلك شيئا في يديه، وكذا لو أجرها من رجل فجحد ذلك الرجل الإجارة كان
خصما فيها حتى يثبتها وكذا إذا سكنها وجحد الاجر. ا ه‍.

691
وقال في باب الوكالة في الدين: لو وكله بتقاضي كل دين ثم حدث له دين بعد ذلك فهو وكيل
في قبضه، ولو وكله بقبض غلة أرضه وثمرتها كان له أن يقبض ذلك كل سنة اه‍.
وقال في باب قبض العارية والوديعة: ولو وكله بقبض عبد عند رجل فقتل العبد خطأ كان
للمودع أن يأخذ القيمة من عاقلة القاتل، وليس للوكيل أن يقبض القيمة لأنها كالثمن، ولو كان
الوكيل قبض العبد فقتل عنده كان له أن يأخذ القيمة، وهو الآن بمنزلة الأول، ولو جنى على العبد
جناية قبل أن يقبضه الوكيل فأخذ المستودع أرشها فللوكيل أن يقبض العبد دون الأرش، وكذا لو كان
المستودع أجره بإذن مولاه لم يأخذ الوكيل أجره، وكذا مهر الأمة إذا وطئت بشبهة ولو وكله بقبض أمة
أو شاة فولدت كان للوكيل أن يقبض الولد مع الام، ولو كانت ولدت قبل أن يوكله بقبضها لم يكن له
أن يقبض الولد، وكذلك ثمرة البستاني بمنزلة الولد ا ه‍.
قال في البدائع: وأما ركن التوكيل فهو الايجاب والقبول، فالايجاب من الموكل أن يقول وكلتك
بكذا أو فعل كذا أو أذنت لك أن تفعل كذا ونحوه. وزاد في الهندية: لو قال شئت بيع كذا فسكت
وباع جاز، ولو قال لا أقبل بطل. كذا في محيط السرخسي ا ه‍. إذا قال لغيره إن لم تبع عبدي هذا
فامرأتي كذا يصير ذلك الغير وكيلا بالبيع. كذا في الذخيرة.
رجل قال لغيره: سلطتك على كذا فهو بمنزلة قوله وكلتك.
في المحيط البرهاني: إذا قال الرجل لغيره أحببت أن تبيع عبدي هذا أو قال
هويت أو قال رضيت أو قال شئت أو قال أردت أو قال وافقني فهذا توكيل وأمر بالبيع ا ه‍. ولو قال لغيره أنت
وكيلي بقبض هذا الدين يصير وكيلا، وكذا لو قال أنت جريي، وكذا لو قال أنت وصيي في حياتي،
ولو قال أنت وصيي لا يكون وكيلا.
والقبول من الوكيل أن يقول قبلت وما يجري مجراه، فما لم يوجد لم يتم، ولهذا لو وكل إنسانا
بقبض دينه فأبى أن يقبض ثم ذهب فقبض لم يبرأ الغريم لأنه ارتد بالرد. قال في الهندية: وقبول
الوكيل ليس بشرط الصحة الوكالة استحسانا، ولكن إذا رد الوكيل الوكالة ترتد. هكذا ذكر محمد رحمه
الله تعالى. كذا في الذخيرة.
ثم الركن: قد يكون مطلقا وقد يكون معلقا بشرط نحو إن قدم زيد فأنت وكيلي في بيع هذا
العبد، وقد يكون مضافا إلى وقت بأن يوكله في بيع هذا العبد غدا، ويصير وكيلا في الغد وما بعده
لا قبله. ا ه‍.
فإن قلت: فما الفرق بين التوكيل والارسال، فإن الاذن والامر توكيل كما علمت؟
قلت: الرسول أن يقول له أرسلتك أو كن رسولا عني في كذا، وقد جعل منها الزيلعي في
باب خيار الرؤية أمرتك بقبضه، وصرح في النهاية فيه معزيا إلى الفوائد الظهيرية أنه من التوكيل، وهو
الموافق لما في البدائع، إذ لا فرق بين افعل كذا وأمرتك بكذا. كذا في البحر. لكن قدم في باب خيار
الرؤية نقلا عن الفوائد جعل الامر من ألفاظ الرسالة لا من ألفاظ التوكيل، وسيأتي في باب الوكالة
بالخصومة أنه ليس بتوكيل، فتدبر.
وفيه أيضا: واعلم أنه ليس كل أمر يفيد التوكيل فيما أمر به. ففي الولوالجية: دفع له ألفا وقال

692
اشتر لي بها أو بع أو قال اشتر بها أو بع ولم يقل لي كان توكيلا، وكذا اشتر بهذا الألف جارية وأشار
إلى مال نفسه، ولو قال اشتر جارية بألف درهم كانت مشورة، وما اشتراه المأمور فهو له دون الآمر،
قال: وكذا لو قال اشتر له هذه بألف إلا إذا زاد على أن أعطيك لأجل شرائك درهما، لان اشتراط
الاجر له يدل على الإنابة ا ه‍.
أقول: وحاصله أنه لا بد أن يكون في الامر ما يدل على أن المأمور يفعل أمرا للآمر بطريق
النيابة عنه. قال في تهذيب القلانسي: الوكيل من يباشر العقد، والرسول من يبلغ المباشرة، والسلعة
أمانة في أيديهما. ا ه‍. قال في المعراج: قيل الفرق بين الرسول والوكيل أن الوكيل لا يضيف العقد إلى
الموكل، والرسول لا يستغني عن إضافته إلى المرسل، وإليه الإشارة في قوله تعالى: * (يا أيها الرسول
بلغ) * (المائدة: 76). وقوله: * (وما أنت عليهم بوكيل) * (الانعام: 701). نفى الوكالة وأثبت الرسالة ا ه‍.
قال في الدرر في أوائل البيع: الرسول معبر وسفير فكلامه كلام المرسل، فالفرق أن الوكيل لا
يتوقف على إضافة العقد إلى الموكل بل يضيفه لنفسه، إلا في مواضع كالنكاح والخلع والهبة والرهن
ونحوها، فإن الوكيل فيها كالرسول، حتى لو أضاف النكاح لنفسه كان له والرسول لا يستغني عن
إضافته إلى المرسل، فإذا لم يضف الرسول العقد إلى المرسل لم يقع، بل يقع للرسول. قال في البحر:
لو ادعى أنه رسول وقال البائع أنه وكيل وطالبه بالثمن فالقول للمشتري والبينة على البائع. وجه كون
القول للمشتري أنه منكر إضافة العقد لنفسه والبائع يدعي عليه ذلك، والقول قول المنكر بيمينه، إليه
الإشارة في الخانية في البيوع، وشرطه الإضافة إلى مرسله: أي شرط كون القول للمشتري إضافة عقد
الشراء إلى مرسله، فلو أضافه لنفسه لزمه الثمن.
الرابع: في شرائطها، وهي أنواع ما يرجع إلى الموكل وما يرجع إلى الوكيل وما يرجع إلى الموكل
به فما يرجع إلى الموكل كونه ممن يملك فعل ما وكل به بنفسه، وسنتكلم عليه عند شرح الكتاب، وما
يرجع إلى الوكيل فالعقل، فلا يصح توكيل مجنون وصبي لا يعقل لا البلوغ والحرية وعدم الردة فيصح
توكيل المرتد، ولا يتوقف لان المتوقف ملكه وتوكيل الصبي الذي يعقل والعبد في النكاح والطلاق
والخلع والصلح والاستعارة والهبة والبيع والشراء والإجارة وكل ما يعقده الموكل بنفسه. مطلب: يشترط العلم للوكيل بالتوكيل
ومما يرجع للوكيل أن يعلم بالتوكيل، فلو وكله ولم يعلم فتصرف توقف على إجازة الموكل أو
الوكيل بعد علمه. وحكي في البدائع فيه اختلافا، ففي الزيادات أنه شرط، وفي الوكالة أنه ليس
بشرط، ويثبت العلم إما بالمشافهة أو الكتاب إليه أو الرسول إليه أو بإخبار رجلين فضوليين أو واحد
عدل أو غير عدل وصدقه الوكيل، وإلا فعنده لا، وعندهما نعم. وأما ما يرجع إلى الموكل به فإن لا
يكون بإثبات حد أو استيفائه إلا حد السرقة والقذف، وعمم أبو يوسف الحد والقصاص على
الاختلاف، وأن لا يكون فيه جهالة متفاحشة كما سيأتي.
الخامس: في حكمها، فمنه ثبوت ولاية التصرف الذي تناوله التوكيل، ومنه التوكيل العام،
وقد صنف صاحب البحر فيه رسالة سماها (المسألة الخاصة في الوكالة العامة).
وحاصلها: أن الوكيل وكالة عامة يملك كل شئ إلا الطلاق والعتاق والهبة والصدقة على المفتى به.

693
وتمامه فيها. وسيأتي في هذا الكتاب تمام الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى، ومنه أن لا يوكل
الوكيل إلا بإذن أو تعميم أو تفويض إلا في مسألتين.
الأولى: الوكيل بقبض الدين إذا وكل من فيه عياله فلا يصح فيبرأ المديون بالدفع إليه، ولو قبضه
وضاع لم يضمن.
الثانية: الوكيل يدفع الزكاة إذا وكل غيره ثم وثم فدفع الآخر جاز، ولا يتوقف كما في أضحية
الخانية، ومنه أنه أمين فيما في يده كالمودع فيضمن بما يضمن به المودع، ويبرأ بما يبرأ به، والقول
قوله في دفع الضمان عن نفسه، فلو دفع له مالا وقال اقضه فلانا عن ديني فقال قضيته وكذبه صاحب
الدين فالقول للوكيل في براءته وللدائن في عدم قبضه فلا يسقط دينه، ويجب اليمين على أحدهما
فيحلف من كذبه الموكل دون من صدقه، وعى هذا لو أمر المودع بدفعها إلى فلان فادعاه وكذبه فلان،
ولو كان المال مضمونا على رجل كالمغصوب في يد الغاصب أو الدين على الطالب فأمر الطالب أو
المغصوب منه الرجل أو يدفعه إلى فلان فقال المأمور قد دفعت إليه وقال فلان ما قبضت فالقول قول
فلان أنه لم يقبض، ولا يصدق الوكيل على الدفع إلا ببينة أو بتصديق الموكل، ولا يصدقان على
القابض والقول له مع اليمين، وللوكيل تحليف الموكل أنه ما يعلم أنه دفع، فإن نكل سقط الضمان
عنه، ولو لم يدفع إليه شئ، وإنما أمره بقضاء دينه من ماله فادعاه وكذبه الطالب والموكل ولا بينة
فالقول قولهما مع اليمين، ويحلف الموكل على نفي العلم، وإن صدقه الموكل دون الطالب رجع عليه
بما ادعاه، ويرجع الطالب عليه أيضا بدينه. ذكره القدوري.
وفي الجامع: لا رجوع للوكيل على موكل ولو صدقه، والأول أشبه كما في البدائع، ولو ادعى
المودع أنه أمره بدفعها إلى فلان وكذبه صاحبها فالقول له أنه لم يأمره. وقد سئل ابن نجيم عمن دفع إلى
آخر مالا ليدفعه إلى آخر ثم اختلفا في تعيينه فقال الآمر أمرتك بدفعه إلى زيد فقال المأمور إلى عمرو
وقد دفعت له فأجاب بأن القول للوكيل لأنهما اتفقا على أصل الاذن فكان أمينا، ولهذا قال الزيلعي
في آخر المضاربة: لو دفع إليه مالا ثم اختلفا فقال الدافع مضاربة وقال المدفوع إليه وديعة فالقول
للمدفوع إليه، لأنهما اتفاق على الاذن ا ه‍. لكن رده المقدسي بما لو قال المضارب شرطت البر وقال
الآخر شرطت الشعير فإن القول لرب المال، وبما لو قال أذنت أن تتجر في البر وقال المضارب في
الطعام بعد تصرف المضارب القول لرب المال ا ه‍. والحق مع المقدسي لان الوكالة مبناها على التقييد
خصوصا وقد اتفاق عليه ولكن اختلف في تعيينه، وهو لا يستفاد إلا من جهة الآمر، وأما كون الوكيل
أمينا فمسلم، ولكن إذا خالف يصير غاصبا فيضمن، وهنا خالف لان الشرع اعتبر في التعيين من
يكون مستفادا منه. وفي البزازية: برهن عليه أنه دفع إليه عشرة فقال دفعته إلي لأدفعه إلى فلان
فدفعت يصح الدفع.
وفي الأنقروي: أمر رجلا بنزع سنة لوجع وعين سنا والمأمور نزع سنا آخر ثم اختلفا فيه فالقول
للآمر، فإن حلف فالدية في ماله: يعني القالع لأنه عمد وسقط القصاص للشبهة. وفي العتابية:
اختلفا فالقول قول الموكل في التخصيص: يعني لان الأصل في الوكالة الخصوص، بخلاف المضاربة
وسيأتي متنا.
ومن أحكامه: أنه لا جبر عليه في فعل ما وكل به إلا في رد وديعة بأن قال ادفع هذا الثوب إلى

694
فلان فقبله وغاب الآمر يجبر المأمور على دفعه، فأما سائر الأشياء فلا يجب عليه التنفيذ كما في المحيط.
وتمامه في الفوائد الزينية. ومنها في البزازية: وكله بقبض وديعته وجعل له الاجر صح، وإن وكله
بقبض دينه وجعل له أجرا له لا يصح إلا إذا وقت مدة معلومة، وكذا الوكيل بالتقاضي إن وقت جاز
ا ه‍. وكذا الوكيل بالخصومة. كذا في الولوالجية. ومن أحكامها لا تبطل بالشروط الفاسدة، ولا يصح
شرط الخيار فيها كما في الخانية.
ومن أحكامها: صحة تعليقها وإضافتها فتقبل التقييد بالزمان والمكان، فلو قال بعد غد لم يجز
بيعه اليوم، وكذا العتاق والطلاق، ولو قال بعد اليوم فباعه غدا فيه روايتان، والصحيح أنها لا تبقى
بعد اليوم، ولو وكله بتقاضي دينه بالشام ليس له أن يتقاضاه بالكوفة. الكل من الخانية.
قال في نور العين معزيا إلى العيون: وكله بقبض الوديعة اليوم فله قبضه غدا، ولو وكله بقبضه
غدا لا يملك قبضه اليوم إذ ذكر اليوم للتعجيل فكأنه قال أنت وكيلي به الساعة، فإذا ثبت وكالته به
الساعة دامت ضرورة، ولا يلزم من وكالة الغد وكالة اليوم لا صريحا ولا دلالة، وكذا لو قال اقبضه
الساعة فله قبضه بعدها، ثم قال معزيا إلى قاضيخان: وكله بشئ وقال افعله اليوم ففعله غدا، بعضهم
قالوا: الصحيح أن الوكالة تنتهي بعد اليوم. وقال بعضهم تبقى، وذكر اليوم للتعجيل لا لتوقيت
الوكالة باليوم، إلا إذا دل الدليل عليه ا ه‍. وفي البزازية في الفصل الأول من كتاب الوكالة: الوكيل
إلى عشرة أيام لا تنتهي وكالته بمضي العشرة في الأصح ا ه‍.
السادس: في صفتها وهو عدم اللزوم فله أن يعزله متى شاء إلا فيما سنذكره.
ومنها: أنه أمين فيما في يده كالمودع فيضمن بما يضمن به المودع ويبرأ به، والقول قوله في دفع
الضمان عن نفسه. ومنها: أنه يتحمل الجهالة اليسيرة في الوكالة، لا تبطل بالشروط الفاسدة: أي
شرط كان، ولا يصح شرط الخيار فيها لأنه شرع في لازم يحتمل الفسخ والوكالة غير لازمة، حتى أن
من قال أنت وكيل في طلاق امرأتي على أني بالخيار ثلاثة أيام أو على أنها بالخيار ثلاثة أيام فالوكالة
جائزة والشرط باطل. ومنها: صحة إضافتها، فتقبل التقييد الزمان والمكان، فلو قال بعه غدا لم يجز
بيعه اليوم، وكذا العتق والطلاق على الصحيح، ولو وكله بتقاضي دينه في الشام ليس له أن يتقاضاه
بالكوفة. ومنها: صحة تعليقها، فإذا قال إذا حل مالي فاقبض أو إذا قدم فلان فتقاض أو إذا أثبت
شيئا فأنت وكيلي في قبضه أو إذا قدم الحاج فاقبض ديوني صحت الوكالة. قوله: (مناسبته) أي
للشهادة أن الانسان خلق مدنيا بالطبع يحتاج في معاشه إلى تعاضد وتعاوض، والشهادات من
التعاضد، والوكالة منه وقد يكون فيه تعاوض أيضا فصارت كالمركب من المفرد فأوثر تأخيرها، ولأن
في كل واحدة من الشهادة، والوكالة إعانة الغير بإحياء حقه، وكل من الشاهد والوكيل ساع في
تحصيل مراده غيره الموكل والمدعي معتمد عليه كل منهما. فتح وعناية. قيل في بيان قوله وقد يكون
فيها تعاوض كما إذا كان وكيلا ببيع وشراء مثلا، قال بعضهم: هذا سهو، لان التعارض فيما ذكر
إنما هو متعلق الوكالة: أعني الموكل به وهو البيع لا في الوكالة، والكلام فيها لا في الأول، وإلا فقد
يكون التعاوض في متعلق الشهادة كما لو شهد ببيع مثلا، والصواب أن مراده أن يكون في نفس
الوكالة تعاوض، كما إذا أخذ الوكيل أجره فإنه لا يمتنع، إذ الوكالة عقد جائز لا يجب على الوكيل،

695
بخلاف الشهادة إذ هي فرض يجب على الشاهد إقامته فلا يجوز فيها تعاوض ا ه‍. قلت: الأظهر أن يقال أن الوكالة ببيع ونحوه ذكروا أنه فيه مبادلة حكمية بين الوكيل والموكل
حتى كان له أن يمنع المبيع عن الموكل لا أخذ الثمن إذا نقده من ماله، ولا شك أن هذا مفقود في
الشهادة قاله المقدسي. قوله: (التوكيل صحيح) أي تفويض التصرف إلى الغير. قوله: (بالكتاب
والسنة قال تعالى) حكاية عن أصحاب الكهف: * (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) * (الكهف:
19) وكان البعث منهم بطريق الوكالة، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا قصه الله تعالى ورسوله من غير
إنكار ولم يظهر نسخه، والورق هي الفضة المضروبة: قوله ووكل عليه الصلاة والسلام حكيم بن حزام
بشراء أضحية رواه أبو داود بسند فيه مجهول. ورواه الترمذي عن حبيب بن أبي ثابت عن حكيم
وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحبيب لم يسمع عندي من حكيم، إلا أن هذا داخل في الارسال
عندنا فيصدق قول المصنف: أي صاحب الهداية، صح إذا كان حبيب إماما ثقة. فتح. قوله: (وعليه
الاجماع) أي انعقد الاجماع عليه. قوله: (وهو خاص) كأنت وكيلي في شراء هذا البيت مثلا. قوله:
(كأنت وكيلي في كل شئ) ونحوه ما صنعت من شئ فهو جائز، وجائز أمرك في كل شئ. قوله:
(عم الكل) في الفتح عن المحبوبي لو قال: أنت وكيلي في كل شئ يكون بالحفظ، فلو زاد فقال أنت
وكيلي في كل شئ جائز صنعك أو أمرك، فعند محمد: يصير وكيلا في البايعات والإجارات والهبات
والطلاق والعتاق والهبات والطلاق والعتاق حتى ملك أن ينفق على نفسه من ماله، وعند أبي حنيفة في المعاوضات فقط، ولا يلي
العتق والتبرع. وفي الفتاوى الزينية: وعليه الفتوى. ومثله إذا قال وكلتك في جميع أموري ا ه‍.
قال في أدب القاضي: وإذا وكل الرجل رجلا بطلب حقوقه وقبضها والخصومة فيها فليس لهذا
الوكيل أن يوكل بذلك غيره، لان الخصومة أمر يحتاج فيه إلى الرأي والناس يتفاوتون في هذا والموكل
رضي برأيه لا برأي غيره، فلا يكون له أن يوكل غيره، قال: وإن كان صاحب الحق أجاز أمره في
ذلك وما صنع فيه من شئ بأن قال ما صنعت فيه من شئ فهو جائز فله أن يوكل بذلك، لأنه فوض
الامر إليه فيما يراه عاما، والتوكيل من جملة ما رآه فيصح، وليس للوكيل الثاني أن يوكل غيره، لان
الوكيل الثاني ما فوض الامر إليه عاما وإنما فوض إليه الخصومة. قال: وإن مات صاحب الحق بطلت
وكالتهما جميعا، لان التركة انتقلت إلى الورثة. قال: ولم يمت صاحب الحق ومات الوكيل الأول
فالثاني على وكالته على حاله لأنه نائب عن الموكل وليس بنائب عن الوكيل الأول، لكن ملك الوكيل
عزل الثاني لأنه في العزل نائب عن صاحب الحق. قوله: (وخصه قاضيخان بالمعاوضات) نقل في
الشرنبلالية وغيرها عن قاضيخان: لو قال لغيره أنت وكيلي في كل
شئ أو قال أنت وكيلي في كل قليل أو كثير يكون وكيلا بحفظ غير هو الصحيح، ولو قال أنت وكيلي في كل شئ جائز أمرك
يصير وكيلا في جميع التصرفات المالية كبيع وشراء وهبة وصدقة. واختلفوا في طلاق وعتاق ووقف،
فقيل يملك ذلك لاطلاق تعميم اللفظ. وقيل لا يملك ذلك إلا إذا دل دليل سابقة الكلام ونحوه وبه
أخذ الفقيه أو الليث ا ه‍. وبه يعلم ما في كلام الشارح سابقا ولاحقا، فتدبر. ولابن نجيم رسالة
سماها (المسألة الخاصة في الوكالة العامة) ذكر فيها ما في الخانية وما في فتاوى أبي جعفر.

696
ثم قال: وفي البزازية: أنت وكيلي في كل شئ جائزة أمرك ملك الحفظ والبيع والشراء، ويملك
الهبة والصدقة حتى إذا أنفق على نفسه من ذلك المال جاز حتى يعلم خلافه من قصد الموكل، وعن
الامام تخصيصه بالمعاوضات، ولا يلي العتق والتبرع، وعليه الفتوى، وكذا لو قال طلقت امرأتك
ووهبت ووقفت أرضك في الأصح لا يجوز.
وفي الذخيرة: أنه توكيل بالمعاوضات لا بالاعتاق والهبات، وبه يفتى، وفي الخلاصة كما في
البزازية.
والحاصل: أن الوكيل وكالة عامة يملك كل شئ إلا الطلاق والعتاق والوقف والهبة والصدقة
على المفتى به، وينبغي أن لا يملك الابراء والحط عن المديون لأنهما من قبيل التبرع فدخلا تحت قول
البزازية أنه لا يملك التبرع، وظاهره أنه يملك التصرف مرة بعد أخرى. وهل له الاقراض والهبة
بشرط العوض؟ فإنهما بالنظر إلى الابتداء تبرع، فإن القرض عارية ابتداء معاوضة انتهاء، والهبة بشرط
العوض هبة ابتداء معاوضة انتهاء، وينبغي أن لا يملكهما الوكيل بالتوكيل العام لأنه لا يملكهما إلا
من يملك التبرعات، ولذا لا يجوز إقراض الوصي مال اليتيم ولا هبته بشرط العوض وإن كانت
معاوضة في بالانتهاء، وظاهر العموم أنه يملك قبض الدين واقتضاءه وإيفاءه والدعوى بحقوق الموكل
وسماع الدعوى بحقوق على الموكل والأقارير على الموكل بالديون، ولا يختص القاضي لان
ذلك في الوكيل بالخصومة لا في العام.
فإن قلت: لو وكله بصيغة وكلتك وكالة مطلقة عامة فهل يتناول الطلاق والعتاق والتبرعات؟
قلت: لم أره صريحا، والظاهر أنه لا يملكها على المفتى به لان من الألفاظ ما صرح قاضيخان
وغيره بأنه توكيل عام، ومع ذلك قالوا بعدمه. ا ه‍. ما ذكره ابن نجيم في رسالته ملخصا. قوله:
(وسيجئ أن به يفتى) فيه حذف اسم أن. قوله: (ولو لم يكن للموكل صناعة معروفة فالوكالة
باطلة) عبارة الشرنبلالية نقلا عن الخانية.
وفي فتاوى الفقيه أبي جعفر: قال لغيره وكلتك في جميع أموري التي يجوز بها التوكيل وأقمتك
مقام نفسي لا تكون الوكالة عامة تتناول البياعات والأنكحة، وفي الوجه الأول إذا لم تكن عامة ينظر
إن كان الرجل يختلف ليس له صنعة معروفة فالوكالة باطلة، وإن كان الرجل تاجرا تجارة معروفة
تنصرف إليها. ا ه‍. وبه يعلم ما في كلام الشارح، إذ صورة البطلان ليست في قوله أنت وكيلي في كل
شئ كما بنى عليه الشارح هذه العبارات بل في غيرها، وهي وكلتك في جميع أموري الخ، إلا أن
يقال: هما سواء في عدم العموم، ولكن مبنى كلامه على أن ما ذكره عام، ولكنك قد علمت ما فيه مما
نقلناه سابقا أن ما ذكره ليس مما الكلام فيه. قوله: (وهو) أي التوكيل إقامة الغير، ولا بد أن يكون
معلوما فلا يصح توكيل المجهول، فقول الدائن لمديونه من جاءك بعلامة كذا أو من أخذ أصبعك أو
قال لك كذا فادفع إليه ما لي عليك لم يصح، لأنه توكيل مجهول، فلا يبرأ بالدفع إليه كما في القنية.
قوله: (مقام نفسه ترفها) أي تنعما لنفسه وإراحة لها من مشقة الخصومة والعمل. قوله: (أو عجزا)

697
بأن كان لا يحسن الخصومة فرب مبطل يحسن التعبير ويصور الباطل حقا، ورب محق لا يحسن التعبير
لحصول حقه فتتوجه الخصومة عليه. قوله: (في تصرف جائز) أخرج بذلك ما لو وكل الصبي غيره
في طلاق زوجته أو عتق عبده أو هبة ماله. قوله: (معلوم) أو رد عليه التوكيل العام، وأجيب بأنه
معلوم في الجملة حتى لو لم يكن معلوما أصلا كمن كثرت معاملاته بطل التوكيل. قوله: (فلو جهل)
كما قول قال وكلتك بمالي. منح وفتح عن المبسوط. أو قالت أنت وكيلي في كل شئ. قوله: (ثبت
الأدنى وهو الحفظ) أي كان وكيلا بالحفظ كما إذا قال وكلتك بمالي كما في المنح. وفي الخانية: لا
أنهاك عن طلاق امرأتي لا يكون وكيلا، ولو قال لعبده لا أنهاك عن التجارة لا يصير مأذونا عند
البعض، والصحيح يصير.
قال لغيره: اشتر جارية بألف درهم لا يصير وكيلا ويكون مشورة.
قال لرجلين: وكلت أحدكما ببيع هذا صح، وأيها باع جاز، وكذا لو قال لرجل بع هذا أو
هذا، وكذا لو دفع المديون لرجل وقال اقض فلانا أو فلانا. قوله: (ممن يملكه) متعلق بقوله صحيح،
وقوله وهو إقامة الغير الخ معترض بينهما، ويجوز أن يكون متعلقا بإقامة، وحينئذ فلا اعتراض. قال
في المنح: بيان للشرط في الموكل.
قال في البحر: وشمل قوله ممن يملكه الأب والوصي في ملك الصبي فلهما أن يوكلا بكل ما
يفعلانه. قال السائحاني: قوله ممن يملكه يصح أن يكون حالا من الغير، فلا يصح توكيل الذمي
مسلما ببيع الخمر لأنه لأبلى بيعه، ويؤيد هذا قولهم حكم الوكالة جواز مباشرة الوكيل بما وكل فيه،
ويصح أن يكون حالا من نفسه: أن من يملك تصرفا يملك التوكيل به، والذي يملك التصرف الأب
والوصي ا ه‍. قوله: (نظرا إلى أصل التصرف) أي من حيث أنه لا يعارضه غيره فيه من غير نظر إلى
حكم شرعي، فدخل فيه توكيل المسلم ذميا ببيع خمر أو خنزير ومحرم حلالا ببيع الصيد لأنه صحيح
عنده ولا يملكه الموكل، وهو جواب عما يرد على هذا الشرط، لكن هذا النظر يعكر على التقييد بقوله
جائز، وهذا إنما يتأتى على أن الأصل في الأشياء الإباحة، ويرد على هذا الشرط أيضا العبد المأذون
في تزويج نفسه لا يملك التوكيل كما في المحيط مع أنه يملك أن يتزوج بنفسه. والجواب: أنه بمنزلة
الوكيل عن سيده وإن كان عاملا لنفسه، والوكيل لا يوكل إلا بإذن أو تعميم كما في البحر. قوله:
(وإن امتنع في بعض الأشياء بعارض النهي) هذا جواب عما يرد على قولهم يوكل بكل ما يباشره
بنفسه ممن يملكه أنه غير مطرد ولا منعكس مع أن الذمي يملك بيع الخمر، ولا يملك توكيل المسلم
فيه والمسلم لا يملك بيع الخمر ويوكل الذمي فيه.
وحاصل الجواب: أن الذمي وإن ملك التصرف لا يملك توكيل المسلم لأنه منهي عنه، والمسلم
لا يملك التصرف في الخمر لعارض النهي. وأما أصل التصرف وهو البيع مثلا فجائز، ولذلك صح
توكيل الذمي ببيعه، لكن هذا إنما يتأتى على أن الأصل في الأشياء الإباحة. قوله: (ابن كمال)
عبارته: اعلم أن من شرط الوكالة أن يكون الموكل ممن يملك التصرف، لان الوكيل يستفيد ولاية
التصرف منه ويقدر عليه من قبله، ومن لا يقدر على شئ كيف يقدر عليه غيره؟ وقيل هذا على

698
قولهما، وأما على قوله فالشرط أن يكون التوكيل حاصلا بما يملكه الوكيل، فأما كون الموكل مالكا له
فليس بشرط حتى يجوز عنده توكيل المسلم الذيم بشراء الخمر. وقيل المراد به أن يكون مالكا للتصرف
نظرا إلى أصل التصرف، وإن امتنع في بعض الأشياء بعارض النهي، ومثله في التبيين. وذكر بعده أنه
لا بد أن يكون الموكل ممن تلزمه الاحكام، لان المطلوب من الأسباب أحكامها فلا يصح توكيل الصبي
والعبد المحجور عليهما ا ه‍. قوله: (فلا يصح توكيل مجنون وصبي) مصدر مضاف للفاعل. قوله: (لا
يعقل مطلقا) سواء كان ضارا أو نافعا أو مترددا بينهما. قوله: (وصبي يعقل) أي بأن البيع سالب
للمبيع جالب للثمن أو الشراء بالعكس. قوله: (بتصرف) متعلق بتوكيل. قوله: (ضار) الضرر بالنظر
إلى وجه اكتساب المال ظاهرا، وإن كان نافعا في نفس الامر فإنهما سبب الخلف في الدنيا والثواب في
العقبى ونفع عباد الله الذي هو غاية الكمال في العبد والتنصل من سيمة البخل، لكنها ليست طريق
الاكتساب بل تنقيص المال ظاهرا، فلا يملكه الصبي وإن كان عاقلا، لان تمام نفعها بحسن النية،
وهي لا تكون إلا بتمام العقل فلا يصح توكيله به. ولهذا حكى ابن الكمال ما نقله عنه الشارح بقبل،
لأنه لو نظرنا إلى أصل التصرف لصح توكيل الصبي بالصدقة، لأنه يملك أصل التصرف ويمتنع في
البعض بعارض، وهو وأراد أيضا على ما قدمه ابن كمال من أن الشرط أن يكون التوكيل حاصلا بما
يملكه الوكيل، فإن الوكيل يملك الصدقة ونحوها إذا كان بالغا عاقلا، ولا يصح توكيل الصبي له في
ذلك. والجواب عن الثاني: بأن الوكيل يملك التصرف في ذلك من مال نفسه لا من مال غيره إلا
بإذنه، ولا يصح إذن الصبي في ذلك لقصود تمام عقله، بخلاف بيع الخمر والخنزير فإن الذمي يملكه
بمال نفسه وبمال غيره بإذنه، والعاقل البالغ يصح إذنه في ذلك بإسقاط حقه عن الخمر والخنزير، ألا
يرى أن له إهراق الخمر وتسييب الخنزير، فكذا له أن يسقط حقه للذمي فيتصرف الذمي بولاية نفسه،
لان الحقوق ترجح إليه وهو العاقل حقيقة، فحينئذ ينبغي أن يقال بما يملكه الوكيل مع صحة التفويض
مع الأصيل. تأمل. رحمتي. قوله: (بنحو طلاق) لان فيه إلزام المهر أو بعضه وإلزامه النفقة في العدة
وغير ذلك. قوله: (وعتاق وهبة وصدقة) تقدم آنفا أن هذا ضار بالنظر إلى وجه اكتساب المال ظاهرا
وإن كان نافعا في نفس الامر الخ. قوله: (بلا إذن وليه) متعلق بصح. قوله: (إن مأذونا) أي إن كان
الصبي الموكل مأذونا. قوله: (ولا يصح توكيل عبد) مضاف لفاعله. قوله: (وتوقف توكيل مرتد) أي
إذا وكل المرتد أحدا توقف، وأما جعله وكيلا فلا توقف فيه، وهذا إذا كان بمبادلة مال بمال أو عقد
تبرع بناء على توقف تصرفه فيه عند الامام، وينفذ عندهما فيصح توكيله. وأما في النكاح والشهادة فلا
يصح منه اتفاقا فلا يصح توكيله فيه. وأما ما يعتمد المساواة وهو المفاوضة وولاية متعدية وهي
التصرف على ولده الصغير فيتوقف اتفاقا فيتوقف توكيله فيه اتفاقا.
قال في البحر: وما يرجع إلى الوكيل: أي من الشرائط فالعقل، فلا يصح توكيل مجنون وصبي
لا يعقل، لا البلوغ والحرية وعدم الردة، فيصح توكيل المرتد، ولا يتوقف لان المتوقف ملكه والعلم
للوكيل بالتوكيل، فلو وكله ولم يعلم فتصرف توقف على إجازة الموكل أو الوكيل بعد علمه وثبت العلم

699
بالمشافهة أو الكتاب إليه أو الرسول إليه أو بإخبار رجلين فضوليين أو واحد عدل أو غير عدل وصدقه
الوكيل ا ه‍. كما قدمناه أول الوكالة قوله: (خلافا لهما) فقالا هو نافذ. منح. قوله: (وصح توكيل
مسلم ذميا الخ) قال في النهر من باب البيع الفاسد: صورته بأن أسلم عليهما ومات قبل أن يزيلهما
وله وارث مسلم فيرثهما فيوكل كافرا ببيعهما غير أن عليه أن يتصدق بثمنهما، وهذا عند الامام خلافا
لهما ا ه‍. وتقدم في بابه بأتم مما هنا فراجعه إن شئت. قوله: (وشرائهما) أي يصح عند الامام مع
أشد كراهة وهي كراهة التحريم كما مر في البيع الفاسد. قال في النهر ثمة: فيجب عليه أن يخلل
الخمر أو يريقها ويسيب الخنزير ا ه‍.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: وانظر لو لم يقولوا ويقتل الخنزير مع أن تسييب السوائب لا
يحل ا ه‍؟ أقول: ولعل ذلك لعدم تمولها. قوله: (لعارض النهي) في بعض النسخ بالباء بدل اللام
وهو من إضافة الموصوف لصفته. قوله: (كما قدمنا) ومثله ما لو اشترى عبدا شراء فاسدا أو أعتقه
قبل قبضه لا يصح، ولو أمر البائع بإعتاقه يصح، لأنه يصير قابضا اقتضاء كما قدمه في البيع الفاسد.
قوله: (فتنبه) أشار به إلى أنه لا تنافي بين كلاميه كما قدمه. قوله: (ثم ذكر) عطف على محذوف: أي
ذكر شرط الموكل ثم ذكر الخ. تأمل. وإضافته الشرط للوكيل بمعنى في: أي ثم ذكر الشرط في
الوكيل. قاله بعض الأفاضل. قوله: (إذا كان يعقل العقد) أي يعقل أن الشراء جالب للمبيع سالب
للثمن والبيع على عكسه، ويعرف لغبن الفاحش من اليسير، ويقصد بذلك ثبوت الحكم والربح لا
الهزل. ذكره ابن الكمال. لكن نظر فيه في البحر بأنه لا حاجة إلى اشتراط عقلية الغبن الفاحش من
اليسير لجواز بيع الوكيل عند الامام بما قل وكثر. نعم إن قيد عليه أن لا يبيعه بغبن فاحش اشترط ا
ه‍. واعترضه في المنح بقوله ليس ما ذكر من النظر واقعا موقعه، لان التعريف إنما هو للصبي العاقل
وهو المميز مطلقا كما ذكره المحققون في تعريفه، لا بالنظر إلى خصوص الوكالة حتى يحتاج إلى ذكر
هذا النظر والجواب عنه ا ه‍. ويرد عليه ما في اليعقوبية حيث قال: قوله ويعرف الغبن اليسير من
الفاحش كذا في أكثر الكتب وهو مشكل لأنهم اتفقوا على أن توكيل الصبي العاقل صحيح، وفرق
الغبن اليسير من الفاحش مما لا يطلع عليه أحد إلا بعد الاشتغال بعلم الفقه، فلا وجه لصحة اشتراطه
في صحة التوكيل كما لا يخفى ا ه‍. ولا يخفى عليك أنه حيث كان تعريف الصبي العاقل مأخوذا فيه
معرفة الغبن الفاحش من اليسير كان شرطا في الوكالة أيضا، ثم كان الظاهر أن يقول: إلا بعد
الاشتغال بالبيع والشراء ومعرفة أثمان المبيعات، لأنه ليس المراد أن يعرف ما حده الفقهاء، بل أن
يعرف أن هذا الشئ قيمته كذا وأنه لو اشتراه أو باعه بكذا يكون مغبونا. تأمل. وعلى كل فاشتراط
معرفة الغبن مشكل، فقد يكون الرجل من أعقل الناس وأذكاهم ويغبن في بعض الأشياء لعدم وقوفه
على مقدار قيمة مثلها. ولعل مرادهم اشتراط ذلك فيما تكون قيمته معروفة مشهورة. وانظر ما يأتي
عند قوله: وقيد شراؤه بمثل القيمة. ثم رأيت في الحواشي السعدية قال ما نصه: قوله مما لا يطلع
عليه أحد الخ ممنوع، فإنا نرى كثيرا من الصبيان يعرف ذلك من غير اشتغال بعلم الفقه، بل السماع
من الثقات، وكثرة المباشرة بالمعاملات، ثم قد يقام التمكن من الشئ مقام ذلك الشئ كما سبق في

700
مباحث عدم قبول شهادة الأعمى في هذا الكتاب، وأما فيما نحن فيه فالتمكن من المعرفة بالعقل
وذلك موجود في الصبي الذي كلامنا فيه، فليتأمل ا ه‍.
قلت: والظاهر أن مرادهم أن يعرف أن الخمسة فيما قيمته عشرة مثلا غبن فاحش، وأن الواحد
فيها يسير، فإن لم يدرك الفرق بينهما غير عاقل كصبي دفع له رجل كعبا وأخذ ثوبه، فإذا فرح به ولا
يعرف أنه مغبون في ذلك لا يصح تصرفه أصلا. وقدمنا عن البحر أن ما يرجع إلى الوكيل العقل فلا
يصح توكيل مجنون وصبي لا يعقل الخ. وصريح عبارة المصنف وغيره يدل على عدم صحة توكيل
المجنون، لكن في المقدسي: ولو وكل مجنونا بطلاق امرأته فقبل الوكالة في حال جنونه ثم أفاق فهو
على وكالته، لان الإفاقة تزيد التمكن من التصرف، ولا تزيل الثابت.
قلت: وفيه بحث، لان قبول المجنون لغو فلم يثبت ا ه‍.
قلت: يؤيد هذا البحث أن هذا الفرع مخالف للمتون التي هي معتمد المذهب وإن أريد به من
يعقل البيع والشراء كما ذكرنا، فهذا ليس بمجنون بل كصبي محجور.
وفي الواقعات الحسامية: الوكيل إذا اختلط عقله بشراب نبيذ ويعرف الشراء والقبض جاز على
الموكل شراؤه، ولو اختلط ببنج ويعرف الشراء لم يجز وهو كالمعتوه ا ه‍.
قال المقدسي: يشكل نفاذ تصرفه على الموكل لأنا عاملناه معاملة الصحيح زجرا له، ولا ذنب
للموكل حتى ينصرف الزجر له، ويعامل عليه بنفاذ فعل الوكيل المذكور عليه. ثم رأيت بحثي هذا
منقولا: قال قاضيخان: إن أبا سليمان الجوزجاني قال: يجوز على الموكل، وقال غيره: لا يسري عليه،
وعلل بما ذكرته فليراجع ا ه‍.
قال في جامع أحكام الصغار: فإن كان الصبي مأذونا في التجارة فصار وكيلا بالبيع بثمن حال
ومؤجل فباع جاز بيعه ولزمته العهدة وإن كان وكيلا بالشراء، فإن كان بثمن مؤجل لا تلزمه العهدة
قياسا واستحسانا وتكون العهدة على الامر، حتى أن البائع يطالب الآمر بالثمن دون الصبي، وإن وكله
بالشراء بثمن حال فالقياس أن لا تلزمه العهدة. وفي استحسان تلزمه ا ه‍.
قال في البحر: وقوله أي صاحب الكنز إن لم يكن محجورا شامل للحر الذي لم يحجر عليه لسفه،
والعبد المأذون والصبي المأذون، ولم يذكر شارحو الهداية المحجور عليه بالسفه هنا، وإنما زدته هنا
لدخوله تحت المحجور عليه في كلامهم، ولقول قاضيخان في الحجر أن المحجور عليه بالسفه بمنزلة
الصبي إلا في أربعة، فلا تلزمه عهدة كهو، وظاهر كلام المصنف أن العهدة على المأذون مطلقا، وفصل
في الذخيرة بين أن يكون وكيلا بالبيع فالعهدة عليه، سواء باع بثمن حال أو مؤجل، وبين أن يكون
وكيلا بالشراء، فإن كان بثمن مؤجل فهي على الموكل لأنه في معنى الكفالة، وإن كان بثمن حال فهي
على الوكيل لكونه ضمان ثمن اه‍. وخالف في الايضاح: فيما إذا اشترى بثمن مؤجل فجعل الشراء له
لا للموكل، لا أن الشراء للموكل والعهدة عليه كما في الذخيرة، وإيضاحه في الشرح: أي الزيلعي،
وقيد بقوله إن لم يكن محجورا لان المحجور تتعلق الحقوق بموكله كالرسول والقاضي وأمينه، ولو قبضه
مع هذا صح قبضه لأنه هو العاقد فكان أصيلا فيه، وانتفاء اللزوم لا يدل على انتفاء الجواز، ثم العبد إذا
أعتق تلزمه تلك العهدة والصبي إذا بلغ لا تلزمه، لان المانع المولى مع أهليته وقد زال، وفي الصبي حق
نفسه ولا يزول بالبلوغ، ولو وقع التنازع في كونه محجورا أو مأذونا حال كونه وكيلا لم أره.

701
وفي الخانية من الحجر: عبد اشترى من رجل شيئا فقال البائع لا أسلم إليك المبيع لأنك محجور
وقال العبد أنا مأذون كن القول قول العبد، فإن أقام البائع بينة على أن العبد أقر أنه محجور قبل أن
يتقدم إلى القضاء بعد الشراء لم تقبل بينته، ثم قال: عبد باع من رجل شيئا ثم قال هذا الذي بعتك
لمولاي وأنا محجور وقال المشتري بل أنت مأذون كان القول قول المشتري، ولا يقبل قول العبد ا ه‍.
وحاصلهما: أن القول لمن يدعي الاذن، لان الأصل النفاذ وإقدامهما يدل عليه، ومن هنا يقع
الفرق بينهما وبين ما إذا كان وكيلا، فإن النفاذ حاصل بدون الاذن ولزوم العهدة بشئ آخر، فينبغي
أن يقبل قول العبد أنه محجور عليه لتنتفي العهدة عنه. ا ه‍. قوله: (محجورا) صفة لهما وهو من باب
التنازع: يعني بأن يكون كل واحد منهما محجورا، وأفرده بالعطف بأو والأولى بالواو. قال في
الاصلاح: وصبيا وعبدا محجورين. وقدمنا عن ابن الكمال أنه قال: وأما على قول الإمام فالشرط أن
يكون التوكيل حاصلا بما يملكه الوكيل، والعبد المحجور والصبي لا يملكان التصرف، فكيف صح
توكيلهما؟ ويجاب بأن العبد يملك التصرف لكمال أهليته، وإنما يمتنع لأنه لا مال له وتصرفه واقع
في مال مولاه، فتوقف على إذن المولى لأنه لا يتصرف في ماله بدون إذنه، فإذا كان من أهل التصرف
جاز توكيله، ولا ترجع الحقوق إليه لئلا يستضربه مولاه، وكذا الصبي من أهل التصرف بصحة عبارته
ووجود عقله، إلا أنه يمتنع ذلك لقصور في رأيه خشية أن يضر بنفسه، فجاز أن يباشر العقد بغيره
برأي ذلك الموكل ولا ترجع الحقوق إليه كذلك. وفي الشمني: وعن أبي يوسف أن المشتري إذا لم
يعلم بحال البائع ثم علم أنه صبي محجورا أو عبد محجور له خيار الفسخ، وإن كانا مأذونين لزمهما
الثمن ورجعا به على الآمر استحسانا. قوله: (فلذا لم يقل ويقصده) أي البيع احترازا عن بيع الهازل
والمكره كما ذكره صاحب الهداية.
قال يعقوب باشا بعد كلام: والأولى أن قوله: ويقصده تأكيد لقوله يعقد والعطف عطف
تفسير، لأنه بالقصد يعلم كمال العقد كما لا يخفى، فليتأمل. قوله: (تبعا للكنز) مفعول لأجله عامله
لم يقل أو حال من فاعله: أي حال كونه تابعا للكنز في عدم القول، أشار بهذا إلى ما وقع في الهداية
وغيرها من زيادة إنما هو للاحتراز عن بيع المكره، والهازل فإنه لا يقع عن الامر.
قال في البحر: هذا خارج عن المقصود، لان لكلام في صحة التوكيل وهذا في صحة بيع
الوكيل فلذا تركه المصنف ا ه‍. وهذا معنى قول الشارح هنا تبعا للكنز أي تابعا للكنز في تركه هذا
القول. قوله: (ثم ذكر ضابط الموكل فيه) أي ما ذكره المصنف ضابط لا حد فلا يرد عليه أن المسلم لا
يملك بيع الخمر، ويملك تمليك الذمي به لان إبطال القواعد بإبطال الطرد لا العكس، ولا يبطل طرده
عدم توكيل الذمي مسلما ببيع خمر وهو يملكه لأنه يملك التوصل به بتوكيل الذمي به فصدق
الضابط، لأنه لم يقل كل عقد يملكه يملك توكيل كل أحد به بل التوصل به في الجملة، وإنما يرد
عليه توكيل الوكيل بلا إذن وتعميم، فإنه يملك العقد الذي وكل به، ولا يملك التوكيل به. وأجابوا
بأن المراد لنفسه، لكن يرد عليه الأب والجد يملكان شراء مال ولده الصغير ولا يملكان التوكيل به كما
في السراج. وفي التبيين قبيل الغصب: إنه يصح فلا يرد.
قال شيخنا: ثم ظهر لي تسليم الورود وأنه لا مخالفة بين ما في السراج والتبيين، وذلك أن ما

702
في السراج من أنه لا يملك تملك مال ولده بالتوكيل بشرائه: أي قصدا، وما في التبيين إنما ملك
تملكه لكونه في ضمن التوكيل ببيعه، فملك الشراء ممن وكله بالبيع. ا ه‍. بأن قال الأب لشخص وكلتك
ببيع عبد ابني مني، ويرد عليه الاستقراض أيضا فإنه يباشره بنفسه لنفسه، ولا يملك التوكيل به فيقع
للوكيل. والجواب منع عدم صحته به لما في الخانية: إن وكل بالاستقراض: فإن أضاف الوكيل
الاستقراض إلى الموكل كان للموكل وإلا كان للوكيل. ا ه‍.
وفي البزازية: استقرض منه ألفا وأمره أن يعطيه رسوله فلانا وزعم المقرض الاعطاء وأقر
الرسول: أي بالقبض وأنكر المستقرض دفع المقرض لا يلزم المستقرض شئ ا ه‍. وهل يلزم الرسول
الجواب؟ لا لأنه أمين يقبل قوله في حق براءة نفسه لا في لزوم الدين ذمة المستقرض كرسول المديون
بالدين إلى الدائن إذا أنكر وصوله إليه، وادعى الرسول إيصاله إليه يقبل قوله في حق براءة نفسه لا في
حق الدين. تأمل. ثم قال بعده: صح التوكيل بالاقراض لا بالاستقراض. وفي القنية: التوكيل
بالاستقراض لا يصح، والتوكيل بقبض القرض يصح بأن يقول لرجل أقرضني ثم يوكل رجلا بقبضه
يصح. ا ه‍.
قال في الحواشي اليعقوبية: ولا يرد الاستقراض لان محل العقد من شروطه، وليس بموجود في
التوكيل بالاستقراض، لان الدراهم التي يستقرضها الوكيل ملك المقرض، والامر بالتصرف في ملك
الغير باطل، وهذا من باب التخلف لمانع، وقيد عدم المانع في الأحكام الكلية غير لازم، وعن أبي
يوسف أن التوكيل بالاستقراض جائز، فعلى هذا لا نقضي به على مذهبه، فليتأمل ا ه‍.
قال في أواخر الفصل التاسع والعشرين من نور العين برمز جف: بعث رجلا ليستقرضه فأقرضه
فضاع في يده، فلو قال أقرض للمرسل ضمن مرسله، ولو قال أقرضني للمرسل ضمن رسوله.
والحاصل: أن التوكيل بالاقراض جائز لا بالاستقراض، والرسالة بالاستقراض تجوز، ولو
أخرج وكيل الاستقراض كلامه مخرج الرسالة يقع القرض للآمر، ولو مخرج الوكالة بأن أضافه إلى نفسه
يقع للوكيل وله منعه من أمره.
يقول الحقير: إنما لم يجوزوا التوكيل بالاستقراض ظنا أنه لا محل فيه لعقد الوكالة، وقد أطال
شراح الهداية الكلام في هذا المقام، وفي زمان تدريسي كنت كتبت في هذا المبحث رسالة طويلة
الذيول لطيفة بحيث قبلها كثير من الفحول، وحاصلها أن محل العقد فيه عبارة الموكل كما في التوكيل
بالنكاح ونحوه مما يكون فيه الوكيل سفيرا محضا، فلا بأس أصلا بأن تسمى الرسالة بالاستقراض وكالة
كما تسمى الرسالة بالنكاح، ونحوه وكاله، ويؤيد ما ذكرناه ما قال الامام الكاشاني في البدائع: ويجوز
التوكيل في الاستقراض والقرض، وما قال الامام الزيلعي أيضا في شرح الكنز. وعند أبي يوسف: أن
التوكيل بالاستقراض جائز. لا يقال: لو كان وكالة لما دفع للموكل فيما إذا أضافه إلى نفسه. لأنا
نقول: حال الوكالة بالشراء أيضا كذلك، لان الوكيل بشراء شئ لا بعين إذا شراه يكون هو له إلا أن
ينوي الشراء لموكله، إذا العقد إلى دراهم موكله كما ذكره في الهداية وغيرها، والله تعالى أعلم انتهى.
قوله: (بكل) متعلق بقول الماتن أول الباب: التوكيل صحيح: أي التوكيل صحيح بكل شئ يباشره
الموكل ولما ورد عليه الوكيل، فإنه ليس له أن يوكل غيره مع أنه يباشر بنفسه دفعه الشارح بقوله
: لنفسه. قوله: (لنفسه) جواب عما يقال: إن الوكيل يملك التصرف فيما وكل فيه مع أنه لا يملك

703
التوكيل إلا بتفويض أو نص. وحاصل الجواب أن الوكيل يملك التصرف لغيره لا لنفسه ح.
فإن قلت: أنه يوكل بإذن مع أنه لا يصدق عليه التعريف يجاب بأنه إذا وكل بإذن صار الوكيل
الثاني وكيلا عن الموكل الأول والموكل الأول يباشر لنفسه، وأورد على هذا القيد الأب والوصي إذا
وكلا في مال الصبي فإنه يصح مع أنهما يتصرفان فيه لغيرهما فراجع، ويرد عليه الاستقراض، فإنه
يجوز أن يباشره لنفسه لا لغيره، ولا يجوز أن يوكل فيه غيره كما تقدم بيانه مفصلا.
والجواب: أن عقد القرض لا يفيد الملك بمجرده، بل لا بد من القبض أيضا، فلو صح التوكيل
به لكن توكيلا بقبض ما لم يملك للموكل، وهو لا يجوز. وفي معين المفتي: يشكل على الأصل
المذكور أنه لا يجوز توكيل الأب أنه يزوج بنته الصغيرة بأقل من مهر المثل كما في القنية.
أقول: لا إشكال، فإنه لم يوكله بأن يزوجها بأقل من مهر مثلها، وإنما وكل بتزويجها فزوجها
بأقل من مهر مثلها كما هو صريح عبارة القنية، فتأمل، وأورد أيضا أن المأذون بالنكاح يباشره لنفسه،
ومع ذلك ليس له أن يوكل غيره وأجيب بأنه وكيل عن سيده في العقد. قوله: (فشمل الخصومة)
تفريع على قوله بكل ما يباشره وهو أولى من قول الكنز بكل ما يعقده لشموله العقد وغيره
كالخصومة والقبض كما في البحر. قوله: (فصح بخصومة) هي في لغة الجدل والخصم المخاصم
والجمع خصوم وقد يكون للجمع والاثنين والمؤنث. وفي الشرع: الجواب بنعم أو لا، وفسرها في
الجوهرة بالدعوى الصحيحة أو الجواب الصريح. قوله: (في حقوق العباد) شمل بعضها معينا وجميعها
كما في البحر، وفيه عن منية المفتي: ولو وكله في الخصومة له لا عليه فله إثبات ما للموكل، فلو أراد
المدعى عليه الدفع لم يسمع وإذ أثبت الحق على الموكل لم يلزمه ولا يحبس عليه، ولو كان وكيلا عاما
لأنها لم تنتظم الامر بالأداء، ولا الضمان.
فالحاصل: أنها تتخصص بتخصيص الموكل وتعمم بتعميمه، ولا يقبل من الوكيل بينة على وكالته
من غير خصم حاضر، ولو قضى بها صح لأنه قضاء في مختلف فيه. وفيه عن البزازية: ولو وكله
بكل حق هو له وبخصومته في كل حق له ولم يعين المخاصم به والمخاصم فيه جاز ا ه‍. وتمامه فيه.
قوله: (برضا الخصم) أطلق فيه فشمل الطالب والمطلوب كما شملها الموكل والشريف والوضيع. قال
الامام قاضيخان: التوكيل بالخصومة لا يجوز عند أبي حنيفة سواء كان التوكيل من قبل الطالب أو من
قبل المطلوب ا ه‍.
قال في البزازية: وأصله أن التوكيل بلا رضا الخصم من الصحيح المقيم طالبا كان أو مطلوبا
وضيعا أو شريفا إذا لم يكن الموكل حاضرا في مجلس الحكم لا يصح عند الامام: أي لا يجبر خصمه
على قبول الوكالة وعندهما والشافعي يصح أي يجبر على قبوله وبه أفتى الفقيه، وقال العتابي وهذا هو
المختار وبه أخذ الصفار انتهى ويأتي تمامه.
أقول: ويقول أبي حنيفة أفتى الرملي قائلا، وعليه المتون واختاره غير واحد والمحبوبي والنسفي
وصدر الشريعة وأبو الفضل المعلى ورجح دليله في كل مصنف فلزم العمل به ولا سيما في هذا الزمان
الفاسد كما في الخيرية.
أقول: لكن العمل الآن على صحة التوكيل وإن لم يرض به الخصم وبه صدر أمر السلطان نصره
الرحمن كما في 1516 من المجلة. قوله: (وجوازه بلا رضاه) قال في الهداية: ولا خلاف في الجواز

704
وإنما الخلاف في اللزوم ومعناه أنه إذا وكل من غير رضاه هل يرتد برده أو لا فعند أبي حنيفة نعم
وعندهما لا ويجبر، فعلى هذا يكون قوله لا يجوز التوكيل بالخصومة إلا برضا الخصم مجازا لقوله، ولا
يلزم ذكر الجواز وأراد اللزوم فإن الجواز لازم للزوم، فيكون ذكر اللازم وأراد الملزوم وفيه نظر لأنا لا
نسلم أن الجواز لازم للزوم عرف ذلك في أصول الفقه سلمناه، لكن ذلك ليس بمجاز، والحق أن
قوله لا يجوز التوكيل بالخصومة إلا برضا الخصم في قوة قولنا التوكيل بالخصومة غير لازم، بل إن
رضي به الخصم صح، وإلا فلا حاجة إلى قوله: ولا خلاف في الجواز وإلى التوجيه بجعله مجازا لهما
أن التوكيل تصرف في خالص حقه: أي في حق الموكل وهذا لأنه وكله إما بالجواب أو بالخصومة
وكلاهما حق الموكل، فإذا كان كذلك فلا يتوقف على رضا غيره كالتوكيل بتقاضي الديون: أي بقبض
الديون، لأنه وكله بالجواب والخصومة لدفع الخصم عن نفسه وذلك حقه لا محالة والتصرف في
خالص حقه لا يتوقف على رضا غيره كالتوكيل بالتقاضي أي بقبض الديون وإيفائها، ولأبي حنيفة رحمه
الله تعالى أنا لا نسلم أنه تصرف في خالص حقه، فإن الجواب مستحق على الخصم، ولهذا يستحضره
في مجلس القاضي والناس يتفاوتون في الخصومة وفي جوابها، فرب إنسان يصور الباطل بصورة
الحق، ورب إنسان لا يمكنه تمشية الحق على وجهه فيحتمل أن الوكيل ممن له حذق في الخصومات
فيتضرر بذلك الخصم، فيشترط رضاه والمستحق للغير لا يكون خالصا له سلمنا خلوصه له لكن
تصرف الانسان في خالص حقه إنما يصح إذا لم يتضرر به غيره، وها هنا ليس كذلك، لان الناس
متفاوتون في الخصومة. فلو قلنا بلزومه: أي التوكيل بالخصومة لتضرر به الخصم، فيتوقف على رضاه
كالعبد المشترك إذا كاتبه أحد الشريكين فإنها تتوقف على رضا الآخر وإن كان تصرفا في خالص حقه
لمكان ضرر الشريك الآخر بين أن يرضى به وبين أن يفسخه دفعا للضرر عنه، فيتخير بين القضاء
والفسخ، وعلى هذا فإذا كانت الوكالة برضا الخصم كانت لازمة بالاتفاق، فلا ترتد برد الخصم ويلزمه
الحضور. والجواب بخصومة الوكيل وإذا كانت بلا رضاه صحت، ولكن يقبل عند الامام الارتداد
برده ولا يلزمه الحضور والجواب بخصومة الوكيل كما في الشروح. قوله: (والمختار للفتوى تفويضه
للحاكم) أي القاضي بحيث أنه إذا علم من الخصم التعنت في الاباء عن قبول التوكيل، لا يمكنه من
ذلك وإن علم من الموكل قصد الاضرار لخصمه بالحيل كما هو صنيع وكلاء المحكمة لا يقبل منه
التوكيل إلا برضاه وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي، كذا في الكافي ونحوه في الزيلعي. وزاد في
معراج الدراية: وبه أخذ الصفار. وقال الامام السرخسي: إذا علم القاضي التعنت من المدعي في إباء
التوكيل يفتي بالقبول بغير رضاه وهو الصحيح. وفي الخلاصة: قال شمس الأئمة الحلواني في أدب
القاضي المفتي مخير في هذه المسألة إن شاء أفتى بقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وإن شاء أفتى
بقولهما، ونحن نفتي أن الرأي إلى القاضي ا ه‍. هذا في قضاتهم لما علموا من أحوالهم من الصلاح
والدين. أما قضاة زماننا فلا يلاحظون ما قالوه بيقين، بل قصدهم حصول المحصول، ولو علموا من
الوكيل التزوير أو الاضرار في الدعوى. وفي غاية البيان: الأولى أن لا يحضر مجلس الخصومة بنفسه
عندنا وعند العامة. وقال البعض: الأول أن يحضر بنفسه، لأنه الامتناع من الحضور إلى مجلس القاضي
من علامات المنافقين، والجواب الرد من المنافقين والإجابة من المؤمنين اعتقادا ا ه‍.

705
وفي خزانة المفتين: وإذا وكله بالخصومة عند القاضي فلان كان للوكيل أن يخاصمه إلى قاض
آخر، ولو وكله بالخصومة إلى فلان الفقيه لم يكن له أن يخاصمه إلى فقيه آخر ا ه‍.
أقول: وكأن وجهه أنه جعل هذا الفقيه حكما فلا يكون الآخر حكما بدون أمره، بخلاف
القاضي الآخر فإن ولايته ثابتة وإن لم يأمر. تأمل. قوله: (إلا أن يكون الموكل مريضا) أي فيلزم
التوكيل من غير رضا الخصم، ووجه لزوم التوكيل بلا توقف على رضا الخصم إذا وجد عذر من
مرض ونحوه أن جواب خصمه حينئذ غير مستحق عليه. أبو السعود. قوله: (لا يمكنه حضور مجلس
الحكم بقدميه) سواء كان مدعيا أو مدعى عليه، وإن قدر على الخصومة على ظهر دابة أو إنسان: فإن
زاد مرضه بذلك لزم توكيله، فإن لم يزدد فالصحيح لزومه. بزازية. وفي الجوهرة: أما المريض الذي لا
يمنعه المرض من الحضور وهو كالصحيح. ا ه‍. فالمفهوم فيه تفصيل ط. لكن في الشمني ومنلا
مسكين: يلزم منه بلا رضاه وإن كان لا يزيده الركوب مرضا في الأصح، وظاهره المخالفة لما في
البزازية، ووجه المخالفة ما ذكره السيد الحموي حيث قال: وظاهره أنه لو لم يزد مرضه بالركوب لا
يصح توكيله.
قلت: هذا الظاهر إنما يتم لو كان المراد بالصحيح ما قابل الفاسد ولا يتعين، إذ يحتمل أن يراد
به ما قابل الأصح، وعليه فلا تخالف، ألا ترى إلى ما ذكره في العناية في بحث الاختلاف بين الرازي
والكرخي فيما إذا اختلف الزوجان في المهر فإنهما لا يتحالفان في الوجوه كلها: أي فيما إذا شهد مهر
المثل له أو لها أو لم يشهد لواحد منهما. واختلف شراح الهداية في الترجيح، ففي النهاية ذكر أن قول
الرازي أصح، وغيره من الشارحين ذكر أن قول الكرخي هو الصحيح، فقال في العناية: إن أرادوا
بقولهم هو الصحيح أن غيره يجوز أن يكون أصلح فلا كلام، وإن أرادوا أن غيره فاسد فالحق ما قاله
في النهاية الخ. قوله: (أو غائبا مدة سفر) قيد بمدة السفر، لان ما دونها كالحاضر. كذا في الجوهرة.
وفي المحيط: إن كان الموكل مريضا أو مسافرا، فالتوكيل منهما لا يلزم بدون رضا الخصم بل
يقال للمدعي إن شئت جواب خصمك فاصبر حتى يرتفعا لعذر، وإن لم تصبر فسبيلك الرضا
بالتوكيل، فإذا رضي لزمه التوكيل برضاه في ظاهر الرواية ا ه‍. وهو خاص بتوكيل المدعى كما لا
يخفى بحر. قوله: (أو مريدا له الخ) قال في البحر وإرادة السفر أمر باطني فلا بد من دليلها وهو إما
تصديق الخصم بها أو القرينة الظاهرة، ولا يقبل قوله إني أريد السفر لكن القاضي ينظر في حاله وفي
عدته فإنها لا تخفي هيئة من يسافر كذا ذكره الشارح وفي البزازية: وإن قال أخرج بالقافلة الفلانية
سألهم عنه كما في فسخ الإجارة ا ه‍. وفي خزانة المفتين: وإن كذبه الخصم في إرادته السفر يحلفه
القاضي بالله أنك تريد السفر. ا ه‍. والمتأخرون من أصحابنا اختاروا للفتوى أن القاضي إن علم التعنت
من إبائه من قبول التوكيل لا يمكنه من ذلك وإن علم من الموكل قصد الاضرار بالخصم لا يقبل منه
التوكيل إلا برضاه، فقول الشارح بعد، ويكفي قوله إذا أريد السفر محمول على ما إذا صدقه الخصم.
قوله: (أو مخدرة) فإنه يلزم التوكيل منها كما قاله الامام الكبير أبو بكر الجصاص أحمد بن علي الرازي،
لأنها لو حضرت لم تستطع أن تنطق بحقها لحيائها فيلزم توكيلها أو يضيع حقها. قال المصنف: وهذا
شئ استحسنه المتأخرون يعني أما على ظاهر إطلاق الأصل وغيره عن أبي حنيفة لا فرق بين البكر

706
والثيب المخدرة والبرزة والفتوى علما اختاروه من ذلك وحينئذ فتخصيص الإمام الرازي ثم تعميم
المتأخرين، ليس إلا لفائدة أنه المبتدئ بتفريع ذلك وتبعوه كذا في الفتح، والمخدرة لغة: من الخدر
كالأخدار والتخدير بفتح الخاء إلزام البنت الخدر بكسر الخاء وهو ستر يمد للجارية في ناحية البيت
وهي مخدورة مخدرة، وفي الشرع: هي التي لم تجر عادتها بالبروز ومخالطة الرجال. قال الحلواني:
والتي تخرج في حوائجها برزة وذكر في النهاية في تفسيرها عن البزدوي أنها التي لا يراها غير المحارم
من الرجال، أم التي جلبت على المنصة فرآها الرجال لا تكون مخدرة قال في الفتح: وليس هذا بحق
بل ما ذكره المصنف من قوله: وهي التي لم تجر عادتها بالبروز، فأما حديث المنصة فقد يكون عادة
للعوام فيفعله بها والدها ثم لم يعد لها بروز ومخالطة في قضاء حوائجها بل يفعله لها غيرها لزم
توكيلها لان في إلزامها بالجواب تضييع حقها، وهذا شئ استحسنه المتأخرون وعليه الفتوى، ثم إذا
وكلت فلزمها يمين بعث الحاكم إليها ثلاثة من العدول يستحلفها أحدهم ويشهد الآخران على يمينها أو
نكولها. ا ه‍. قوله: (لم تخالط الرجال) أي لغير حاجة، لان الخروج للحاجة التي لا تخرج عن التخدير
يلزمه مخالطة الرجال غالبا والخروج للحاجة لا يقدح في تخديرها ما لم يكثر بأن تخرج لغير حاج
بزازية، وفيها: والتي تخرج إلى حوائجها والحمام مخدرة إذا لم تخالط الرجال على ما ذكره في الفتوى
وكلام الحلواني هذا محمول على المخالطة بالرجال ا ه‍. وليس للطالب مخاصمة مع زوجها، ولكن لا
يمنعه الزوج من الخصومة مع وكيل امرأته أو معها كذا في خزانة المفتين ولو اختلفا في كونها مخدرة،
فإن كانت من بنات الاشراف فالقول لها بكرا أو ثيبا لان الظاهر من حالها، وفي الأوساط: قولها لو
بكرا. وفي الأسافل: لا يقبل قولها في الوجهين، كذا في البحر، ومثله في البزازية، وسيأتي في كلام
المصنف قريبا. قوله: (كما مر) أي في باب الشهادة على الشهادة من أنه التي لا تخالط الرجال وإن
خرجت لحاجة وحمام. قوله: (أو حائضا أو نفساء الخ) قال في خزانة المفتين: ومن الاعذار الحيض أو
النفاس إذا كان القاضي يقضي في المسجد، وهذه المسألة على وجهين إما أن تكون طالبة أو مطلوبة فإن
كانت طالبة قبل منها التوكيل، وإن كانت مطلوبة إن أخرها الطالب حتى يخرج القاضي من المسجد،
لا يقبل منها التوكيل بغير رضا الخصم الطالب، لأنه لا عذر لها إلى التوكيل، وإن لم يؤخرها قبل منها
التوكيل. ا ه‍ بزيادة من الجوهرة. قوله: (إذ لم يرض الطالب بالتأخير) أما إذا رضي به فلا يكون عذرا.
قوله: (فلو منه فليس بعذر) لأنه يخرجه فيجيب عن الدعوى، ثم يعاد ولو مدعيا يدعي إن لم يؤخر
دعواه ثم يعاد ا ه‍. بحر. قوله: (بزازية بحثا) عبارتها: وكونه محبوسا من الاعذار يلزمه توكيله، فعلى
هذا لو كان الشاهد محبوسا له أن يشهد على شهادته.
قال القاضي: إن في سجن القاضي لا يكون عذرا لأنه يخرجه حتى يشهد ثم يعيدوه على هذا،
يمكن أن يقال في الدعوى أيضا كذلك بأن يجيب عن الدعوى ثم يعاد ا ه‍.
قلت: ولا يخفى أنه مفهوم عبارة المصنف، وهي ليست من عنده بل واقعة في كلام غيره،
والمفاهيم حجة، بل صرح به في الفتح حيث قال: ولو كان الموكل محبوسا فعلى وجهين: إن كان في

707
حبس هذا القاضي لا يقبل التوكيل بلا رضاه لان القاضي يخرجه من السجن ليخاصم ثم يعيده، وإن
كان في حبس الوالي ولا يمكنه من الخروج للخصومة يقبل منه التوكيل ا ه‍.
أقول: وفي زماننا لا يمنع الوالي من حبس في محبسه من الخروج لخصومة له أو عليه عند
القاضي، بل يخرج مع محافظ في كل وقت طلبه القاضي ويعود للحبس على أنه صار المحبس واحدا.
قوله: (أو لا يحسن الدعوى) بأن علم القاضي أنه عاجز عن بيان الخصومة بنفسه. قوله: (خانية)
عبارتها: ويجوز للمرأة المخدرة أن توكل، وهي التي لم تخالط الرجل بكرا كانت أو ثيبا. كذا ذكر أبو
بكر الرازي، وعليه الفتوى. وكذا إذا علم القاضي أن الموكل عاجر عن البيان في الخصومة بنفسه يقبل
منه التوكيل.
تتمة: يلزم التوكيل إذا كان الموكل حاضرا مع الوكيل في المجلس، وطريق إثبات الوكالة
بالخصومة أن يشهدوا بها على غريم الموكل سواء كان منكرا للوكالة أو مقرا بها ليتعدى إلى غيره، كما
في الخزانة، ولا تقبل الشهادة على المال حتى تثبت الوكالة. وفي القنية: لا تقبل من الوكيل
بالخصوم بينة على وكالته من غير خصم حاضر، ولو قضى بها صح لأنه قضاء في المختلف. ا ه‍.
قال قاضيخان: وكله بقبض فأقر المديون بوكالته وأنكر الدين فيرهن عليه الوكيل لا يقبل، إذ
البينة لا تقبل إلا على خصم، وبإقرار المديون لم تثبت الوكالة فلم يكن خصما، ألا ترى أنه لو أقر
بالوكالة فقال الوكيل إني أبرهن على وكالتي مخافة أن يحضر الطالب وينكر الوكالة تقبل بينته ولو قامت
على المقر، وكذا وصي أقر المديون بوصايته، وأنكر الدين فأثبت الوصي وصايته ببينة تقبل، وكذا من
ادعى دينا على الميت وأحضر وارثا فأقر الوارث بالدين فقال المدعي أنا أثبت ببينة فبرهن يقبل. نور
العين. وفي التنقيح في صك كتب فيه أقر زيد وجماعة من أهالي قرية كذا فزيد بالأصالة عن نفسه
وبالوكالة عن جماعة آخرين من أهل القرية بشهادة فلان وفلان، والجماعة الأولون عن أنفسهم أن
عليهم وعلى الموكلين لعمرو مبلغا قدره من الدراهم كذا مؤجلا إلى كذا، وصدر ذلك لدى حاكم
شرعي لم يثبت التوكيل المزبور لديه في وجه خصم شرعي ثم حل الاجل وطلب عمرو المبلغ من
الأصلاء والموكلين وهم يجحدون التوكيل في ذلك فكيف الحكم؟
فأجاب: حيث أنكروا التوكيل المذكور على الوجه المزبور فلا عبرة بمضمون الصك المرقوم في
ثبوت التوكيل، بل لا بد من إثباته بوجهه الشرعي، والحال هذه والله تعالى أعمل. ثم قال بعد كلام:
ولا عبرة بشهادة شهود الوكالة لكونها في غير وجه خصم، قال في الكافي في كتاب الشهادات: لا
لا يجوز إثبات الوكالة والولاية بلا خصم حاضر ا ه‍. قوله: (بل الشريف وغيره سواء: بحر) عن خزانة
المفتين. قوله: (وله) أي للمدعي عليه الرجوع عن الرضا، ولو بعد مدة والتقييد باليوم في القنية
اتفاقي كما نبه عليه صاحب البحر. قوله: (قنية) عبارتها: لو رضي ثم مضى يوم وقال لا أرضى له
ذلك انتهى. وذكره في شرح المجمع معزيا إليها.
قال في البحر: والتقييد باليوم اتفاقي، وإنما المقصود أن له الرجوع عن الرضا ما لم يسمع
القاضي الدعوى، لما في القنية أيضا: لو ادعى وكيل المدعي عند القاضي ثم أتى بشهود ليقيمها ولم
يرض الخصم: أي المدعى عليه بالوكيل ويريد أن يخاصم مع الخصم ليس له ذلك بعد سماع الدعوى

708
على أصل أبي حنيفة. وفي البزازية: ولو وكله بكل حق هو له وبخصومته في كل حق له ولم يعين
المخاصم به والمخاصم فيه جاز اه‍. وإذا وكله بقبض كل حق يحدث له والخصومة فيه جائز أمره، فإنه
يدخل في الدين والوديعة والعارية وكل حق ملكه، أما النفقة فمن الحقوق التي لا يملكها. كذا في
الخزانة. قوله: (ولو اختلفا الخ) أي ولا بينة. قوله: (إن من بنات الاشراف) أي شرف نسب أو علم
ويلحق بذلك بنات الصلحاء والامراء والأغنياء. قوله: (فالقول لها مطلقا) أي سواء كانت بكرا أو ثيبا
لأنه الظاهر من حالها. منح. قوله: (فيرسل أمينه) أي القاضي: يعني إذا قبل توكليها وتوجه عليه
اليمين يرسل أمينه الخ. قال في الفتح: ثم إذا وكلت فلزمها يمين بعث الحاكم إليها ثلاثة من العدول
يستحلفها أحدهم ويشهد الآخران على يمينها أو نكولها.
وفي أدب القاضي للصدر الشهيد: إذ كان المدعى عليه مريضا أو مخدرة وهي التي لم يعهد لها
خروج إلا لضرورة: فإن كان القاضي مأذونا بالاستخلاف بعث نائبا يفصل الخصومة هناك، وإن لم
يكن بعث أمينا وشاهدين يعرفان المرأة والمريض، فإن بعثهما ليشهدا على إقرار كل منهما أو إنكاره مع
الأمين لينقلاه إلى القاضي، ولا بد للشهادة من المعرفة، فإذا شهدا عليها قال الأمين وكل من يحضر
خصمك مجلس الحكم فيحضر وكيله ويشهدان عند القاضي بإقرار أو نكوله لتقام البينة على ذلك
الوكيل، ولو توجه يمين على إحداهما عرضه الأمين عليه فإن أبى الحلف عرضه ثلاثا، فإذا نكل أمره
أن يوكل من يحضر المجلس ليشهدا على نكوله بحضرته، فإذا شهد بنكوله حكم القاضي عليه بالدعوى
بنكوله. قال السرخسي: هذا اختيار صاحب الكتاب، فإنه لا يشترط للقضاء بالنكول أن يكون على
أثر النكول، فأما غيره من المشايخ فشرطوه، فلا يمكن القضاء بذلك النكول فقال بعضهم: الأمين
يحكم عليها بالنكول، ثم ينقله الشاهدان إلى القاضي مع وكيلهما فيمضيه القاضي. وقال بعضهم:
يقول القاضي للمدعي أتريد حكما يحكم بينكما بذلك ثمة؟ فإذا رضي بعث أمينا بالتحكيم إلى الخصم
يخبره بذلك، فإذا رضي بحكمه وحكم: فإن كان مما لا اختلاف فيه نفذ، وإن كان فيه خلاف توقف
على إمضاء القاضي، والقضاء بالنكول مختلف فيه، فإذا أمضاه نفذ على الكهل انتهى. قوله: (في
الوجهين) أي فيم إذا كانت بكرا أو ثيبا، لان الظاهر غير شاهد لها. قوله: (عملا بالظاهر) علة لجميع
المسائل، وانظر هل المراد بالشرف العرفي فيدخل أغنياء الدنيا فإنهن بغناهن مصونات عن الخروج،
وإن لم تكن من بنات العلماء ولا آل البيت، الظاهر نعم ط. قوله: (وصح بإيفائها) أي حقوق العباد:
أي يصح التوكيل بإيفاء جميع الحقوق واستيفائها إلا في الحدود والقصاص، لان لكل منهما مباشر
الموكل بنفسه، فيملك التوكيل به، بخلاف الحدود والقصاص فإنها تندرئ بالشبهات، والمراد بالايفاء
هنا دفع ما عليه وبالاستيفاء القبض، فيكون معناه: صح التوكيل بدفع ما عليه وبقبض ماله. منح.
قوله: (وكذا باستيفائها) قال في المنح: المراد بالايفاء هنا دفع ما عليه وبالاستيفاء القبض، فيكون
معناه: صح التوكيل بدفع ما عليه وبقبض ماله. قاله في البحر.
أما الأول: فمن مسائله قالوا: لو وكله بقضاء الدين وكله بأن يدفع الوكيل من مال نفسه إلى
دائن الموكل فجاء الوكيل وزعم قضاءه وصدقه موكله فيه فلما طالبه وكيله برد ما قضاه لأجله قال

709
الموكل أخاف أن يحضر الدائن وينكر قضاء وكيلي ويأخذه مني ثانيا لا يتلفت إلى قول الموكل ويؤمر
بالخروج عن حق وكيله، فإذا حضر الدائن وأخذ من الموكل يرجع الموكل على الوكيل بما دفعه إليه،
وإن كان صدقه بالقضاء ا ه‍. وتمامه فيه. قال العلامة الحموي نقلا عن العلامة المقدسي: هذا إذ قال
أخاف أن ينكر الدائن القبض، فلو قال الدائن أنكر القبض وطالبني، هل يكون كما قال أخاف أو
يتوقف؟ ينبغي أنه إن برهن على إنكاره يرجع، وإلا فلا لان الوكيل يبرأ بحلفه كما ذكره في الكافي
ا ه‍. أما لو دفع إليه دراهم وقال له اقض بها ديني الذي لزيد فادعى الوكيل الدفع إلى زيد الدائن وكذبه
كل من الموكل والدائن فالقول للوكيل في براءة نفسه بيمينه، والقول للدائن في إنكاره القبض بيمينه
أيضا كما في فتاوى قارئ الهداية. وفي البحر أيضا وفي كتاب الحوالة: أمره بقضاء دينه: أي من
مال نفسه: أي مال الوكيل فقال قضيت وصدقه الآمر فيه ثم حلف الدائن على عدم وصوله إليه وأخذه
من الآمر لا يرجع المأمور بما قضاه بمال نفسه على الآمر، لان الآمر كذب في إقراره حيث قضى عليه
بالدين، لان الاقرار إنما يبطل بالحكم على خلافه إذا كان الحكم بالبينة، أما بغيرها فلا. والصحيح أنه
يعلل لعدم رجوع المأمور على الآمر إن المأمور وكيل بشراء ما في ذمته الآمر بمثله، ونقد الثمن من مال
نفسه، وإنما يرجع على الآمر إذا سلم له ما في ذمته كالمشتري إنما يؤمر بتسليم الثمن إلى الآمر إذا
سلم الآمر ما اشتراه. أما إذا لم يسلم فلا. وذكر القدوري أن رب الدين يرجع على المأمور والمأمور
يرجع على المديون بما قضى. قال قضيت دينك بأمرك لفلان فأنكر كونه مديون فلان وأمره وقضاءه
أيضا والدائن غائب فبرهن لمأمور على الدين والآمر والقضاء يحكم بالكل، لان الدائن وإن غالبا لكنه
عنه خصم حاضر، فإن المدعي على الغائب سبب لما يدعي على الحاضر، لأنه ما لم يقض دينه لا يجب
له عليه شئ، وبينهما اتصال أيضا وهو الامر، وبعد السببية والاتصال ينتصب خصما، ولو قال لا
تدفع الدين إلا بمحضر فلان ففعل بلا محضره ضمن كذا في البزازية. ولو ادعى الوكيل أنه دفع
بمحضره أو قال لا تدفع إلا بشهود فادعى دفعه بشهود وأنكر الدائن القبض حلف الوكيل أنه دفع
بشهود، فإذا حلف لم يضمن. كذا في كافي الحاكم. ولو قال ادفعه بشهود فدفع بغيرهم لم يضمن.
قال في التتارخانية في أواخر الفصل الحادي عشر عازيا للمحيط: نوع آخر فيما إذا حصل التوكيل
بشرط ما يجب اعتباره وما لا يجب الأصل في هذا النوع، أن الموكل إذا شرط على الوكيل شرطا مفيدا
من كل وجه بأن كان ينفعه من كل وجه، فإنه يجب على الوكيل مراعاة شرطه، أكده بالنفي أو لم
يؤكده، بيانه: فيما إذا قال بعه بخيار فباعه بغير خيار لا يجوز، وإن شرط في العقد شرطا لا يفيد
أصلا بأن كان لا ينفعه بوجه بل يضره، لا يجب على الوكيل مراعاته أكده الموكل بالنفي أو لم يؤكده،
بيانه: فيما إذا قال بعه بألف نسيئة أو قال لا تبعه إلا بألف نسيئة فباعه بألف نقدا يجوز على الامر،
فإذا شرط شرطا يفيد من وجه ولا يفيد من وجه بأن كان ينفع من وجه ولا ينفع من وجه، إن أكده
بالنفي يجب مراعاته، وإن لم يؤكده بالنفي لا يجب مراعاته.
بيانه: فيما إذا قال بعه في سوق كذا فباعه في سوق آخر، فإن لم يؤكده بالنفي بأن لم يقل لا
تبعه إلا في سوق كذا فباعه في سوق آخر ينفذ على الآمر، وإن أكده بالنفي لا ينفذ على الآمر. كافي.
ولو قال بعه في السوق لا ينفذ به، حتى لو باع في داره جاز، وعند زفر: لا يجوز م.
وإذا عرفنا هذه الجملة جئنا إلى تخريج المسائل فنقول، إذا أمره أن يبيع ويشهد على بيعه: فإن لم

710
يؤكده بالنفي بأن قال بع وأشهد فباع ولم يشهد جاز، وإن أكده بالنفي بأن قال لا تبع إلا بالمشهود فباع
ولم يشهد لا يجوز، وإذا أمره أن يبيع برهن أو كفيل فباع من غير رهن أو من غير كفيل لا يجوز، أكده
بالنفي أو لم يؤكده، وإذا قال برهن ثقة لم يجز إلا برهن يكون بقيمته وفاء بالثمن أو تكون قيمته أقل
مقدار ما يتغابن الناس فيه، وإذا أطلق جاز برهن قليل، وعندهما: لا يجوز إلا بنقصان لا يتغابن الناس
فيه، وتمام التفاريع فيها فراجعها. وأما الثاني: أعني الوكيل بقبض الدين فيقبل قوله في قبضه وضياعه
ودفعه إلى الموكل، ويبرأ الغريم ولو كان ممن لا تقبل شهادته للوكيل، بخلاف إقراره بقبض الطالب،
ولو وجب على الوكيل بالقبض مثله لمديون موكله وقعت المقاصة وكان الوكيل مديون الموكل، ولا
يملك الوكيل بقبضه الابراء والهبة وأخذ الرهن وملك أخذ الكفيل بخلاف الوكيل بالبيع حيث ملك
الكل وليس للوكيل بالقبض قبول الحوالة، ويصح التوكيل بالقبض والقضاء بلا رضا الخصم،
ولا ينعزل بموت المطلوب وينعزل بموت الطالب. فلو زعم الوكيل قبضه وتسليمه إلى الطالب حال حياته
لم يصدقهن بلا حجة، فإن احتال الطالب بالمال بعد التوكيل على إنسان ليس للوكيل أن يطالب المحيل
والمحتال، فلو توى المال على المحال عليه وعاد الدين عل المحيل فالوكيل يملك الطلب، ولو كان بالمال
كفيل أو أخذ الطالب كفيلا بعد التوكيل ليس للوكيل أن يتقاضى الكفيل، وللوكيل بالقبض قبض
بعضه إلا إذا نص على أن لا يقبض إلا الكل مع اه‍. ما في البزازية. لكن قال في الأشباه: كل أمين
ادعى إيصال الأمانة إلى مستحقها قبل قوله كالمودع والوكيل والناظر، إلا في الوكيل بقبض الدين إذا
ادعى بعد موت الموكل أنه قبضه ودفعه له في حياته لم يقبل إلا ببينة، بخلاف الوكيل بقبض العين،
والفرق في الولوالجية ا ه‍.
وأقول: تعقبه الشرنبلالي أخذا من كلام الولوالجية وغيرها من كتب لمذهب بأن دعوى الوكيل
الايصال تقبل لبراءته بكل حال، وأما سراية قوله على موكله ليبرأ غريمه فهو خاص بما إذا ادعى
الوكيل حال حياة موكله، وأما بعد موته فلا تثبت براءة الغريم إلا ببينة أو تصديق الورثة إلى آخر ما
ذكره في الرسالة المساماة (بمنة الجليل في قبول قول الوكيل) كذا في حاشية أبي السعود.
قلت: وللعلامة المقدسي أيضا في هذه المسألة ذكرها الشرنبلالي في مجموعة رسائله عقب
الرسالة التي ألفها واستشهد بها على ما ادعاه، فارجع إلى تلك الرسالتين فقد أشبعنا الكلام فيهما،
جزاهما الله تعالى خيرا.
والحاصل أن الوكيل بقبض الدين يخالف الوكيل بالبيع وقبض الثمن في مسائل، فلو كفل
الوكيل بقبض الثمن المشتري صحت، ولو كفل الوكيل بالبيع لم تصح كما في الخانية وتقبل شهادة
الوكيل بقبض الدين به على المديون كما في شهادة البزازية، بخلاف الوكيل بالبيع، ولو باع الوكيل
وقبض الثمن ثم رد المبيع بعيب لعد ما دفع الثمن للموكل فللمشتري مطالبة الوكيل، بخلاف الوكيل
بقبض الثمن لا مطالبة عليه كما في القنية، ولا يصح إبراء الوكيل بالقبض ولا حطه ولا أخذه الرهن
ولا تأجيله ولا قبول الحوالة بخلاف الوكيل بالبيع. قوله: (ألا في حد وقود) أي قصاص في نفس أو
ما دونها، وهذا استثناء من قوله وبإيفائها واستيفائها، وقوله بغيبة موكله قيد للثاني فقط، كما نبه عليه
في البحر. لكن ظاهر كلام الزيلعي وصريح كلام العيني والفتح قصر المستثنى منه على الاستيفاء حيث
قال: وهو استثناء من قوله وصح التوكيل، لان التوكيل بإثباتهما جائز، ولكن

711
لا يجوز استيفاؤهما إن غاب الموكل، ووجه العدول عما هو الظاهر من كون الاستثناء من كل من
الايفاء والاستيفاء، أن الايفاء تسليم ظهر القاذف وتسليم نفس الجاني، وهذا لا يتصور الوكالة فيه كما
نقله السيد الحموي عن شرح النقابة آخرا لكن نقل أولا عن شرح الطحاوي وما يخالف ذلك، وأن
الاستثناء من كل منهما لكن في الايفاء على إطلاقه، وفي الاستيفاء إن غاب الموكل عن المجلس، أما
إذا كان حاضرا وأمر باستيفائه فإنه يجوز، ا ه‍.
واعلم أن ظاهر ما سبق عن العيني صحة التوكيل بإثبات الحد مطلقا، وليس كذلك كما قدمناه،
وقدمنا أن ما ذكره الزيلعي من صحة التوكيل بإثبات حد السرقة مخالف لما ذكره قاضيخان بقوله: رجل
وكل رجلا بإثبات السرقة: إن كان الوكيل يريد القطع كان باطلا، وإن كان يريد المال فهو مقبول،
وهو كما لو طلب المسروق منه أن يحلف السارق يقول له القاضي تريد المال أو القطع: إن قال أريد
المال حلفه، وإن قال أريد القطع لا يحلفه إلخ. اللهم إلا أن يحمل كلام الزيلعي على ما إذا كان الموكل
لا يريد القطع بالمال.
واعلم أن جواز التوكيل بإثبات القذف مذهب الامام، ومنعه أبو يوسف، وقول محمد مضطرب
وعلى هذا الخلاف التوكيل بالجواب من جانب من عليه الحد والقصاص، غير أن الوكيل لا يقبل عليه
لان فيه شبهة عدم الامر به، وغير جاف أن قصر الاستثناء على الحد والقود يشعر بصحة التوكيل
بإثبات التعزير، وبه صرح القهستاني عن شرح الطحاوي. قوله: (بغيبة موكله عن المجلس) هو قيد
للاستيفاء فقط، إذ الموكل لو كان حاضرا وأمر باستيفائهما يجوز كما في شرح الطحاوي وغيره، وعلله
في غاية البيان باحتمال العفو المندوب إليه، بخلاف حال حضرته لانعدام الشبهة، وبخلاف حال غيبة
الشهود حيث يستوفيان حال غيبتهم وإن كان رجوعهم محتملا، لان الظاهر عدمه احترازا عن الكذب
والفسق، ولم يذكر المؤلف التوكيل بإثباتهما لدخولهما تحت قوله: فصح بخصومة، لان التوكيل
بإثباتهما هو التوكيل بالخصومة فيهما، فهو جائز خلافا لأبي يوسف كما في العيني. أما التوكيل بإثبات
حد الزنا والشرب فباطل اتفاقا إذ لا حق لاحد فيه، بل تقام البينة حسبة، وأما التوكيل باستيفاء
التعزير فيجوز مطلقا لأنه حق العبد ولا يسقط بشبهة. قوله: (وحقوق عقد) مبتدأ خبره قوله تتعلق
به وجملة قوله: لا بد من إضافته في محل جر صفة قوله: عقد والمراد بالإضافة المعنى اللغوي وهو
الاسناد بأمن يقول بعت أجرت صالحت. قوله: (لا بد من إضافته إلى التوكيل الخ) قال في البحر:
والمراد فيما بضيفه الوكيل في كل عقد لا بد من إضافته إليه لينفذ على الموكل، وليس المراد ظاهر
العبارة من أنه قد يضيفه وقد لا يضيفه، فإن أضافه إلى نفسه تتعلق بالوكيل، وإن أضافه إلى موكله
تتعلق بالموكل كما فهمه ابن ملك في شرح المجمع، لما في الخلاصة والبزازية: وكيل شراء العبد جاء
إلى مالكه فقال بعت هذا العبد من الموكل وقال الوكيل قبلت لا يلزم الموكل، لأنه خالف حيث أمره أن
لا ترجع إليه العهدة وقد رجع.
قال أبو القاسم الصفار: والصحيح أن الوكيل يصير فضوليا، ويتوقف العقد على إجازة الموكل
. ا ه‍. وفي المجمع: وتعلق حقوق العقد فيما يضاف إلى الوكيل به.
قال بان ملك: قيد بقوله فيما يضاف إلى الوكيل، لان الوكيل بالبيع والشراء لو أضاف العقد إلى

712
الموكل ترجع حقوق العقد إلى الموكل اتفاقا. كذا في الفصول ا ه‍. فقد ادعى الاتفاق مستندا للفصول
فكيف يكون مجرد فهم منه، فتأمل.
وفي المجتبى: كل عقد يضيفه الوكيل إلى نفسه أراد به أن تصح إضافته إلى نفسه ويستغني عن
إضافته إلى الموكل لا أنه شرط، ولهذا لو أضاف الوكيل بالشراء الشراء إلى الموكل صح بالاجماع، وقوله
وكل عقد لو أضافه إلى الموكل كالنكاح مراده أنه لا يستغني عن الإضافة إلى موكله، حتى لو أضافه إلى
نفسه لا يصح، فلفظ الإضافة واحد ومراده مختلف. ا ه‍.
قال الخير الرملي: هذا شاهد لما فهمه شارح المجمع ا ه‍. وهو بظاهر إقرار لصاحب البحر بأن
ما في شرح المجمع من شارحه، إلا أن يكون ذكره مجاراة لعبارة البحر. هذا، ولك أن تنفي
المنافاة بين ما في البزازية وشرح المجمع بحمل ما في شرح المجمع من قوله: لان الوكيل بالبيع
والشراء على النافذين لتبادرهما لغيرهما لا تتعلق حقوقه بالموكل قبل الإجازة لفرعية تعلق الحقوق عن
النفاذ، وليس في عبارة البزازية ما ينفي تعلق الحقوق بالموكل بعد النفاذ بالإجازة فلنلتزمه ليحصل
التوفيق. وقد علمت أن عدم تعلق الحقوق بالموكل في مسألة البزازية إنما تأتي من المخالفة، فلو صدر
التوكيل على وجه ينفي المخالفة بأن أذن له الموكل بإضافة العقد إليه، فالظاهر نفاذ العقد لعدم المخالفة
كما هو مفهوم البزازية وإذا نفذ العقد هل تتعلق بالموكل أو الوكيل؟ لا شئ في كلام البزازية يدل على
إيجابه أو نفيه.
فنقول: تتعلق بالموكل عملا بما في شرح المجمع والمجتبى إذ لم يوجد ما ينافيهما، كيف وقد
ادعيا الاتفاق، فتأمله بعين التحقيق فإنه بالتأمل حقيق ليظهر حقيقة الحال، والله الميسر لبلوغ الآمال.
وتوجيه ما في البحر بأن يقال: إن عبارة شرح المجمع مطلقة، فالظاهر أنها شاملة لصورة المخالفة
الواقعة في البزازية وأنه إذا أضاف إلى الموكل فيهما ينفذ البيع للحال وتتعلق الحقوق به، مع أن المنقول
بخلافه، وحيث وقع في الفصول الحكم مطلقا كما استند إليه الشارح المذكور فهو مقيد بما في
البزازية، غير أن الشارح فهمه على إطلاقه ولم يقيده بالبيع النفاذ، وظاهر من كلام البحر: عدم منع
الحكم في النفاذ، وإذا حملت كلام شارح المجمع على ما قلناه وقيدت مستنده بما في البزازية وعلمت
أن كلام البحر ينبو عن الحكم المذكور ارتفع الخلاف، كما يشهد بذلك الانصاف، فالمؤاخذة التي
وردت على صاحب البحر تستند إلى إطلاق عبارة شارح المجمع لا غير،
والله تعالى أعلم.
أقول: فما في شرح المجمع مقيد بما إذا أجاز الموكل العقد، فلا ينافي ما ذكره الصفار، وإذا
صح هذا التوفيق ظهر الجواب عما نقل عن المقدسي من قوله: ثم إذا أجاز الموكل ذلك هل ترجع
الحقوق إلى الوكيل، لان الإجازة اللاحقة كالوكالة السابق. ا ه‍. وهذا التعليل مؤيد للتوفيق المتقدم،
والله أعلم.
وفي حاشية أبي السعود: وتعبير ابن الكمال بقوله يكتفي بالإضافة إلى نفسه صريح في أن
إضافته إلى نفسه ليس بلازم، خلافا لمن عبر به بلا بد كالبحر وتبعه المصنف، لكن الشارح نقل كلام
ابن ملك وأمر بحفظه، وأيده بقول ابن الكمال المتقدم، ورد على المصنف فيما يأتي بقوله: فقوله لا بد
فيه ما فيه، وحينئذ يتجه ما ذكره ابن ملك ويسقط ما اعترض به في البحر عليه. وما في الخلاصة

713
والبزازية لا ينافي جواز الإضافة إلى كل منهما، وإن كان اللزوم على الموكل فيما إذا لم يضف الوكيل
العقد إلى نفسه بأن أضافه إلى الموكل يتوقف على صدور الإجازة منه، ثم رأيت في الزيلعي من باب
الوكالة بالبيع والشراء التصريح بعدم لزوم إضافة الوكيل في الشراء ونحوه العقد إلى نفسه حيث قال
في شرح قول المصنف: ولو وكله بشراء شئ بعينه لا يشتريه لنفسه ما نصه: بخلاف ما لو وكله أن
يزوجه امرأة معينة حيث جاز له أن يتزوج بها، لان النكاح الذي أتى به الوكيل غير داخل تحت أمره،
لان الداخل تحت الوكالة نكاح مضاف إلى الموكل، وفي الوكالة بالشراء الداخل فيها شراء مطلق غير
مقيد بالإضافة إلى أحد، فكل شئ أتى به لا يكون مخالفا الخ، فهذا من الزيلعي صريح فيما ذكره ابن
ملك.
واعلم أن قول الزيلعي: وفي الوكالة بالشراء الداخل فيها شراء مطلق الخ، صريح أيضا في أن
الوكيل إذا أضاف العقد إلى الموكل لا يكون مخالفا، ويلزمه العقد ولا يتوقف على إجازته، خلافا لما
سبق عن الخلاصة والبزازية. ا ه‍. ملخصا.
أقول: وفي نور العين رامزا للجامع الأصغر: أمره بشراء قن بألف فقال مالكه بعت قنى هذا
من فلان الموكل فقال الوكيل قبلت لزم الوكيل إذا أمره الوكيل أن يقبل عن نفسه ليلزم العهدة على
الوكيل فخالف بقبوله على موكله. قاضيخان فيه نظر. وينبغي أن يلزم الموكل أو يتوقف على إجازته،
إذ الوكيل لما خالف صار كأن البائع قال ابتداء بعت عبدي من فلان بكذا وقال الوكيل قبلت يتوقف
على إجازة الموكل ولا يصير الوكيل مشتريا لنفسه.
يقول الحقير: أصاب في إيراد النظر لكنه أهمل جانب قوله يلزم الموكل حيث لم يعلله، بل أفاد
بما ذكره من تعليل التوقف على الإجازة أنه لا يلزم الموكل بل يتوقف، فبين كلاميه تناف، غير خاف
على ذي فهم صاف، ثم إن الظاهر أنه لا يتوقف بل يلزم الموكل لما مر في شراء الفضولي نقلا عن
شحي: إن الفضولي لو شرى شيئا وأضاف عقد الشراء إلى من شرى له بأن قال لبائعه بعه من فلان
وقبله له يتوقف على فلان، ولو قال شريته لفلان فقال بائعه بعت أو قال بعته منك لفلان فقال المشتري
قبلت نفذ على نفسه ولم يتوقف. وهذا لو لم يسبق من فلان التوكيل ولا الامر، فلو سبق أحدهما
فشرى الوكيل نفذ على موكله، وإن أضاف الوكيل الشراء إلى نفسه، وعلى الوكيل العهدة ا ه‍.
يقول الحقير: وظهر بقوله وعلى الوكيل العهدة أن الوكيل لم يخالف موكله كما ظنه الامام
قاضيخان تبعا لصاحب الجامع الصغير، غاية ما في الباب أن يكون في المسألة روايتان، أو يكون أحد
ما ذكر في شرح الطحاوي وفتاوى قاضيخان غير صواب كما لا يخفى على ذوي الألباب ا ه‍.
أقول: الذي يظهر أنه لا ينافي، إذ التعليل إنما هو للحكم بالتوقف إذ فيه غموض يجب
إيضاحه، ولم يذكر علة لقوله يلزم الموكل إذ لزومه إياه واضح وجهه عنده أو بالنسب إلى من له مسكة
بالفقه، بل علته ظاهرة إذ الوكيل شرى ما وكله بشرائه موكله فالظاهر لزوم الموكل، وعدم لزومه يحتاج
لدليل، أما اللزوم فلا، فليتأمل.
وأقول: ومراده بما في شرح الطحاوي ما رمزه بقوله شحى وهو موافق لما مر عن الزيلعي،
فتأمل في هذا المحل فإنه من مداحض الاقدام، والله تعالى أعلم بالصواب. قوله: (إلى الوكيل) أي
إسناده في الصيغة. قوله: (وصلح عن إقرار) أي في دعوى مال ومنفعة لأنه حينئذ يكون بيعا أو

714
إجارة، وهذه الأمثلة للعقد ذي الحقوق، ويأتي أمثلة الحقوق فقد. قوله: (يتعلق به) أي بالوكيل،
بخلاف الرسول لأنه يضيف العقد إلى مرسله، وبخلاف النكاح لأنه لا بد فيه من ذكر الموكل وإسناد
العقد إليه. عيني. ولو اختلف في كون المشتري رسولا أو وكيلا فالقول للمشتري والبينة على البائع.
بحر. وعند مالك والشافعي وأحمد: تتعلق بالموكل، لان الحقوق تتعلق بالحكم والوكيل ليس بأصل فيه
فلا يكون أصلا فيها فصار كالرسول والوكيل بالنكاح.
ولنا أن الوكيل أصل في العقد بدليل استغنائه عن إضافته إلى الموكل، ولو كان سفيرا كما زعموا
لما استغنى، وإنما جعل نائبا في الحكم للضرورة، كي لا يبطل مقصود الموكل ولا ضرورة في حق
الحقوق، ولأن العاقد الآخر اعتمد رجوع الحق إليه، فلو لم يرجع لتضرر على تقدير كون الموكل مفلسا
أو من لا يقدر على مطالبته. عيني. قوله: (ما دام حيا) أما إذا مات الوكيل. قال الفضلي: تنتقل
الحقوق إلى وصيه لا الموكل وإن لم يكن وصي يرفع إلى الحاكم ينصب وصيا عند القبض وهو المعقول،
وقيل ينتقل إلى موكله ولاية قبضه فيحتاط عند الفتوى محيط. هذا إذا اتفقا على أنه وكيل، أما إذا
اشترى فقال الشراء لفلان وقال البائع بل لك فالحكم فيه ما قاله مؤيد زاده: اشترى شيئا وقال كنت
رسول فلان ولا ثمن لك علي وقال البائع بعته منك فالقول للمشتري. وفي الخيرية عن الخلاصة:
امرأة اشترت شيئا وقالت كنت رسول زوجي إليك ولا ثمن لك علي وقال البائع إنما بعت منك
والثمن عليك فالقول قولها، وعلى البائع البينة. ونقل مثله عن الخانية وكثير من الكتب. ثم قال في
البحر: والوكيل بالشراء إذا اشترى بالنسيئة فمات الوكيل حل عليه الثمن، ويبقى الاجل في حق
الموكل، وجزمه هنا يدل على أن المعتمد في المذهب ما قال إنه المعقول، وقد أفتيت به بعد ما احتطت
كما قال فيما سبق ا ه‍. وتأتي عبارة البحر قريبا. قوله: (ولو غائبا) فإذا باع وغاب لا يكون للموكل
قبض الثمن كما في البحر. قوله: (إن لم يكن) أي الوكيل محجورا، فإن كان محجورا كالعبد والصبي
المحجورين فإنهما إذا عقدا بطريق الوكالة تتعلق حقوق عقدهما بالموكل، إذ لا يصح من المحجور التزام
العهدة لقصور أهليته، ولحق مولى العبد كما في الرسول والقاضي وأمينه، ثم العبد إذا أعتق تلزمه
تلك العهدة والصبي إذا بلغ لا تلزمه. وفي الخانية: عبد شرى شيئا فقال البائع لا أسلم لك المبيع
لأنك محجور وقال العبد أنا مأذون فالقول للعبد، فلو برهن البائع أن العبد قال أنا محجور قبل أن
يتقدم إلى القضاء بعد الشراء، لم يقبل. ولو قال عبد بعتك وأنا محجور وقال المشتري وأنت مأذون
القول للمشتري، لان الاقدام على البيع دليل الاذن، والأصل بقاء ما كان على ما كان عليه. وقوله إن
لم يكن محجورا يشير إلى أن العبد والصبي المأذون لهما تتعلق بهما الحقوق وتلزمهما العهدة، وظاهر
كلام المصنف أن العهدة على المأذون مطلقا. وفصل في الذخيرة بين أن يكون وكيلا بالبيع العهدة عليه
سواء باع بثمن حال أو مؤجل، وبين أن يكون وكيلا بالشراء، فإن كان بثمن مؤجل فهو على الموكل
لأنه في معنى الكفالة، وإن كان بثمن حال فهو على الوكيل لكونه ضمان ثمن. حموي.
وفيه إيماء إلى ما بسطه الزيلعي من الفرق، وفي البحر ما في الزيلعي عن الايضاح: إذا أمره أن
يشتري بالنقد جاز والعهدة عليه، وإن أمره بالشراء نسيئة كان ما اشتراه له دون الآمر مخالف لما في
الذخيرة. قوله: (كتسليم مبيع) هذا وما بعده أمثلة للحقوق التي تتعلق بالوكيل، ففي كلامه لف ونشر
مرتب: أي إذا كان وكيل البائع وأطلقه فشمل ما إذا قبض الوكيل الثمن أو لا وما إذا قال لا تدفع

715
المبيع بعد البيع حتى تقبض الثمن فدفع الوكيل قبل قبض الثمن فإنه جائز عندهما خلافا للثاني، وكان
النهي باطلا كما في القنية. وقيده في البزازية بما إذا كان المبيع في يد الوكيل، فلو في يد الموكل وأبى
عن الدفع قبل قبض ثمنه له ذلك، أما لو نهاه عن البيع حتى يقبض الثمن لم يجز بيعه، حتى يقبض
الثمن من المشتري ثم يقول بعتك بهذه الدراهم التي قبضت منك. ولو دفع وكيل البيع المبيع إلى الدلال
فضاع في يده يضمن في المختار، كما لو قال بعته وسلمته من رجل لا أعرفه وضاع الثمن يضمن قال
القاضي لأنه لا يملك التسليم قبل قبض ثمنه، والحكم صحيح، والعلة لا لما مر أن النهي عن التسليم
قبل قبض ثمنه لا يصح، فلما لم يعمل النهي عن التسليم فلان لا يكون منوعا عن التسليم أولى.
وهذه المسألة تخالف مسألة القمقمة. ا ه‍.
قلت: مراد القاضي أنه لا يملك التسليم ممن لا يعرفه لا مطلقا فصح التعليل أيضا. حموي.
مطلب: مسألة القمقمة
أقول: ومسألة القمقمة ما قاله في متفرقات الوكالة من التتارخانية عازيا للظهيرية: الوكيل إذا
دفع قمقمة إلى إنسان لاصلاحها بأمر الموكل ونسي من دفعها إليه لا يضمن. قال في النوازل: وصار
كالذي وضعه في موضع من داره ثم نسيه فلا ضمان عليه، كذا هذا. ا ه‍.
قال في العلامة أبو السعود: وأقول: لم يظهر لي وجه ما في القنية من بطلان النهي عن تسليم
المبيع قبل قبض ثمنه، مع أن المصرح به أن المشتري يؤمر بتسليم الثمن أولا حيث كان الثمن حالا،
وعللوا ذلك بقولهم: ليتعين حق البائع فيه، أما المشتري فقد تعين حقه في المبيع بمجرد العقد، لان
الثمن لا يتعين بالتعيين حتى لو أضيف العقد إلى دراهم معينة كان له أن ينقد غيرها، فالظاهر أن ما
في القنية من بطلان النهي عن تسليم المبيع قبل قبض ثمنه ضعيف انتهى.
أقول: وينبغي تقييد ضمان وكيل البيع إذا دفع للدلال وغاب أو ضاع في يده بما إذا لم تكن
العادة جارية في ذلك، أما إذا كان شيئا لا يبيعه الوكيل بنفسه بل يدفع في العادة إلى دلالة ليعرضه على
البيع لا يضمن، لأنه بمقتضى العادة يكون مأذونا بذلك.
وفي الفتاوي الخيرية: سئل فيما إذا جرت عادة التجار أن يبعث بعضهم إلى بعض بضاعة يبيعها
ويبعث بثمنها مع من يختاره ويعتقد أمانته من المكارية بحيث اشتهر ذلك بينهم اشتهارا شائعا فيهم،
وباع المبعوث إليه البضاعة المبعوثة في مدينته، وأرسل مع من اختاره منهم لباعثها ثمنها على دفعات
متعددة حسبما تيسر له وأنكر المبعوث إليه بعض الدفعات، هل يكون القول قول باعث الثمن بيمينه،
وإن لم يعلم تفاصيل ذلك لطول المدة أم لا بد له من البينة؟
أجاب: القول قوله بيمينه إذ له بعثه مع من يختاره ويراه أمينا لأنه أمين لم تبطل أمانته والحالة هذه
بالارسال مع من ذكر. وقد ذكر الزاهدي رامزا لبكري خواهر زاده: جرت عادة حاكة الرستاق أنهم
يبعثون الكرابيس إلى من يبيعها لهم في البلد ويبعث بأثمانها إليهم بيده من شاء ويراه أمينا، فإذا بعث
البائع ثمن الكرابيس بيد شخص ظنه أمينا وأبق ذلك الرسول لا يضمن الباعث إذا كانت هذه العادة
معروفة عندهم. قال أستاذنا رحمه الله تعالى وبه أجبت أنا وغيري. ا ه‍. وقد عضد بقولهم: المعروف
عرفا كالمشروط شرطا، والعادة محكمة، والعرف قاض إلى غير ذلك من كلامهم. ا ه‍. ما في الخيرية.
تنبيه: اعلم أنه الحقوق التي للوكيل كقبض المبيع ومطالب ثمنه والمخاصمة في العيب والرجوع

716
بثمن المستحق غير واجبة عليه لأنه متبرع، لكن ينبغي أن يوكل الموكل بهذه الافعال. وأما الحقوق التي
على الوكيل كتسليم المبيع والثمن ونحوهما فالوكيل فيها يدعي عليه فللمدعي أن يجبره على ذلك، كما
في الكافي والبرجندي وصدر الشريعة. قوله: (وقبضه) أي إذا كان وكيل المشتري. قوله: (وقبض
ثمن) أي من المشتري: أي إذا كان وكيل البائع فعلم أن مراده بالوكيل بالبيع ما يشمل الشراء، وكذلك
في الإجارة ما يشمل الاستئجار. قال في البحر: واستفيد من قوله وقبض ثمن أنه لو ضمن الوكيل
الثمن لا يصح ضمانه، ولو أحال المشتري الموكل على وكيله به بشرط براءة المشتري لم يصح، ولو
أحال الوكيل موكله بالثمن على المشتري صحت، وهي وكالة لا حوالة لأنه لا شئ للموكل على
وكيله، وأن الوكيل لو منع المشتري من دفع الثمن إلى موكله صح، وله الامتناع عن الدفع إليه، ولكن
لو دفع له صح وبرئ استحسانا وأنه يصح، ويصح إبراء وكيل البيع قبل قبضه الثمن وحوالته على
الاملاء والمماثل والأدون وإقالته وحطه وتأجيله والتجوز بدون حقه عندهما، ويضمن خلافا لأبي
يوسف هذا قبل قبضه، أما بعد قبضه لا يملك الحط والابراء والإقالة، وبعد ما قبل بالثمن حوالة لا
يصح كما بعد الاستيفاء، والوكيل بالإجارة إذا فسخها بعدها صح لا بعد مضي المدة، وبعد قبض
الأجرة دينا كان أو عينا لا يصح الفسخ، وأن الوكيل لو وكل موكله بقبض الثمن صح وله عزله، إلا
إذ خاصم الموكل معه في تأخيره المطالب فألزم القاضي الوكيل أن يوكل موكله لا يملك عزله. ومن
أحكامه أن وكيل البيع لا يطالب بالثمن من مال نفسه. بخلاف وكيل الشراء، ولا يجبر على التقاضي
لأنه متبرع، بخلاف الدلال والسمسار والبياع لأنهم يعملون بأجر ا ه‍. عن البزازية. قوله: (ورجوع
به عند استحقاقه) أي رجوع التوكيل بالبيع أو الشراء عند استحقاق ما قبضه من مبيع أو ثمن: أي عند
ظهور المستحق للمبيع، وكذا الرجوع بالثمن عند استحقاقه.
والحاصل أن هذه المسألة شاملة لمسألتين: الأولى: ما إذا كان الوكيل بائعا وقبض الثمن من
المشتري ثم استحق المبيع فإن المشتري يرجع بالثمن على الوكيل سواء كان الثمن باقيا في يده أو سلمه
إلى الموكل وهو يرجع على موكله. الثانية: ما إذا كان مشتريا فاستحق المبيع من يده فإنه يرجع بالثمن
على البائع دون موكله.
وفي البزازية: المشتري من الوكيل باعه من الوكيل ثم استحق من الوكيل رجع الوكيل على
المشتري منه، وهو على الوكيل والوكيل على الموكل، وتظهر فائدته عند اختلاف الثمن. ا ه‍. بحر.
قال الحموي قلت: فعلى هذا يكون المصدر مشتركا بين مصدر الفاعل والمفعول. قوله:
(وخصومة في عيب) أي فيرد المعيب إلى البائع لو كان بيده وبعده تسليمه أي الموكل يرده بإذنه. قال
في البحر: وهو شامل لمسألتين أيضا، أما إذا كان بائعا فيرده المشتري عليه، وأما إذا كان مشتريا فيرده
الوكيل على بائعه لكن بشرط كونه في يده، فإن سلمه إلى الموكل فلا يرده إلا بإذنه كما سيأتي في
الكتاب.
وأشار المؤلف إلى أن الوكيل لو رضي بالعيب لزمه، ثم الموكل إن شاء قبله، وإن شاء ألزم
الوكيل، وقبل أن يلزم الوكيل لو هلك يهلك من الموكل، ولو مات الوكيل بالشراء وظفر الموكل
بالمشتري عيبا يرده وارثه أو وصيه، وإلا فالموكل.
وكيل البيع إذا مات وظفر مشتريه به عيبا رده على وصي الوكيل أو وارثه، وإلا فعلى الموكل.

717
كذا في البزازية. وفي الخانية: الوكيل بالشراء لا يملك إبراء البائع عن العيب عند أبي حنيفة ومحمد.
واختلفوا في قول أبي يوسف: والوكيل بالشراء إذا اشترى بالنسيئة فمات الوكيل حل عليه الثمن،
ويبقى الاجل في حق الموكل، وجزمه هنا يدل على أن المعتمد في المذهب ما قال إنه المعقول، وقد
أفتيت به بعد ما احتطت كما قال فيما سبق، وقد كتبنا في الأشباه والنظائر حكم التوكيل بالتوكيل.
ومما فرع على أن الوكيل أصيل في الحقوق ما في كافي الحاكم: ولو وكل القاضي وكيلا ببيع
شئ فباعه ثم خاصمه المشتري في عيبه جاز قضاء القاضي للوكيل. اه‍. قوله: (فلا فصل) حال من
مدخول الكاف وهو الحقوق المتقدمة. قوله: (بين حضور موكله) أي حالة العقد لان الموكل لو كان
حاضرا حالة العقد ترجع الحقوق على الوكيل كما لو كان غائبا كما أوضحه في المنح. قوله: (وغيبته)
أي وقت عقد الوكيل. قوله: (لأنه) أي الوكيل العاقد حقيقة، لان العقد يقوم بالكلام وهو منه.
قوله: (وحكما) فإن أحكام العقد ترجع إليه وهو محط العلة. قوله: (في أصح الأقاويل) وقال القاضي
الإمام أبو المعالي: إن العهدة على الموكل، لأنه إذا كان حاضرا كان كالمباشر بنفسه فعليه العهدة. قوله:
(اتفاقا) هذا ينافي ما في الخلاصة والبزازية: وكيل بشراء العبد جاء إلى مالكه فقال بعت هذا العبد من
الموكل وقال الوكيل قبلت لا يلزم الموكل، وقد تقدم تعليله والكلام عليه مستوفي. قوله: (فيه ما فيه)
أي فيه نظر وعبر عنه بما تفخيما: أي لان البدية منقوضة بما ذكر ابن ملك، وبما قال ابن الكمال
أيضا: لو أضاف الوكيل بالشراء الشراء لموكله صح بالاجماع، على أن البدية الآتية منقوضة أيضا بمسألة
الطلاق ووكيل المرأة في النكاح كما يأتي:
وأقول: توضيحه أنك قد علمت من كلامه أنه لا يكون وكيلا إلا إذا أضافه إلى نفسه، وإذا
أضافه إلى الموكل ففيه الخلاف السابق في المنح، وقيل بالوكيل لان الرسول لا ترجع الحقوق إليه.
وشرطه: الإضافة إلى مرسله لما في البزازية: والرسول في البيع والطلاق والعتاق والنكاح إذا أخرج
الكلام مخرج الوكالة بأن أضاف إلى نفسه، بأن قال طلقتك وبعتك وزوجت فلانة منك لا يجوز، لان
الرسالة لا تتضمن الوكالة لأنها فوقها، وإن أخرجه مخرج الرسالة جاز بأن يقول إن مرسلي يقول بعت
منك. ا ه‍. قوله: (يكتفي) أي من غير لزوم. قوله: (لغو) كما لو نهاه عن تسليم المبيع حتى يقبض
الثمن فإنه يكون باطلا كما تقدم، وكما لو وكله بالبيع بشرط أن لا يقبض الثمن فالنهي باطلا أيضا،
ولو كتب الصك باسم الموكل لا يسقط حقه في قبض الثمن إلا أن يقرأ الموكل بقبضه ط. قوله:
(والملك يثبت للموكل ابتداء) جواب عن سؤال مقدر تقديره: إذا كانت الحقوق في هذا الفصل راجعة
إلى الوكيل ينبغي أن يعتق قريبه إذا اشتراه بالوكالة، لان شراء القريب إعتاق.
فأجاب عنه بقوله: والملك يثبت للموكل ابتداء: أي في ابتداء الامر خلافة عنه بمعنى أن الوكيل

718
أصل في حق العقد، لكن في حق الحكم يخلفه الموكل فيقع له من غير أن يكون أصلا فيه كالعبد
يتهب أو يصطاد، فكما أن المولى يثبت الملك له ابتداء فيما اتهبه عبده أو اصطاد خلاف عنه فكذا الموكل
يثبت له الملك ابتداء فيما اشتراه وكيله خلافة عنه. قال الشمني: وهذه طريقة أبي طاهر الدباس. وقال
في البحر أنه الأصح. وقال الكرخي: يثبت للوكيل ثم ينتقل للموكل. وقال القاضي أبو زيد: الوكيل
نائب في حق الحكم أصيل في الحقوق فوافق الكرخي في الحقوق وأبا طاهر في الحكم وهو حسن.
كذا في البزازية. قوله: في (الأصح) قال الشمني: وعلى طريقة الكرخي لا يعتق أيضا، لأنه يثبت
للوكيل ملك غير متقرر، وكذا لا يفسد نكاحه إذا اشترى زوجته بالوكالة فلا ثمر لهذا الاختلاف،
لان الموجب للملك والفساد الملك المستقر، ولهذا إذا اشترى الوكيل قريب موكله يعتق عليه، ويفسد
نكاحه إذا اشترى زوجة موكله. قوله: (فلا يعتق قريب الوكيل بشرائه ولا يفسد نكاح زوجته به) في
هذا التفريع نظر، فإن هذه الأحكام ثابتة على القولين كما أفاده في المنح، أما على الأصح فظاهر، وأما
على قول الكرخي: فلما علل به الشارح من قوله لان الموجب الخ، وإن كان ظاهره تعليلا للقول
الأصح لكنه لا يصح علة له. قوله: (لان الموجب) قد علمت أن هذا لا يناسب كلام المصنف بل هو
جار على القول الثاني من أنه يثبت للوكيل ابتداء ثم ينتقل إلى الموكل. قوله: (حتى لو أضاف لنفسه لا
يصح) أي على الموكل فلا ينافي قوله الآتي حتى لو أضاف النكاح لنفسه وقع النكاح له كما ظن.
وفي البزازية: الوكيل بالطلاق والعتاق إذا أخرج الكلام مخرج الرسالة، بأن قال: إن فلانا أمرني
أن أطلق أو أعتق ينفذ على الموكل لان عهدتهما على الموكل على كل حال، ولو أخرج الكلام في
النكاح والطلاق مخرج الوكالة بأن أضافه إلى نفسه صح إلا في النكاح. والفرق أن في الطلاق أضافه
إلى الموكل معنى لأنه بناه على ملك الرقبة، وتلك للموكل في الطلاق والعتاق، فأما في النكاح فذمة
الوكيل قابل للمهر، حتى لو كان بالنكاح من جانبها، وأخرج مخرج الوكالة لا يصير مخالفا لإضافته إلى
المرأة معنى، فكأنه قال: ملكتك بضع موكلتي. ا ه‍.
قال العلامة أبو السعود: ليس المراد أن الطلاق والعتاق يقع بمجرد قوله إن فلانا أمرني أن أطلق
أو أعتق، بل لا بد من الايقاع مضافا إلى موكله فيما إذا خرج الكلام مخرج الرسالة أو إلى نفسه إذا
خرج الكلام مخرج الوكالة على ما يأتي. ا ه‍.
قلت: وفي السابع والعشرين من التتارخانية: ولو قال الوكيل طلقك الزوج لا يقع هو الصحيح
. ا ه‍. قال في البحر فعلى هذا معنى الإضافة إلى الموكل مختلف ففي وكيل: النكاح من قبل الزوج على
وجه الشرط وفيما عداه على وجه الجواز فيجوز عدمه ا ه‍. وفي الأشباه: الوكيل بالابراء إذا أبرأه ولم
يضفه إلى موكله لم يصح. كذا في الخزانة اه‍.
أقول: وظاهر ما في البحر أنه لا تلزمه الإضافة إلا في النكاح، وهو مخالف لكلام غيره، قال
في الدرر بعد قوله في المتن تتعلق بالموكل، وفسره أن الحكم فيها لا يقبل الفصل عن السبب، لأنها
من قبيل الاسقاطات والوكيل أجنبي عن الحكم فلا بد من إضافة العقد إلى الموكل ليكون الحكم مقارنا

719
للسبب. أما النكاح فلان الأصل في البضع الحرمة، فكان النكاح إسقاطا لها والساقط يتلاشى، فلا
يتصور صدور السبب عن شخص على سبيل الأصالة، ووقع الحكم لغيره فجعل سفيرا ليقارن الحكم
السبب، حتى لو أضاف النكاح إلى نفسه وقع له، بخلاف البيع فإن حكمه يقبل الفصل عن السبب
كما في البيع بخيار فجاز صدور السبب عن شخص أصالة ووقوع الحكم لغيره خلافة، وأما الخلع
فلانه إسقاط للنكاح والناكح والمنكوحة المرأة والوكيل إما منه أو منها، وعلى التقديرين يكون
سفيرا محضا، فلا بد من الإضافة إلا الموكل. وأما الصلح عن إنكار فإنه أيضا إسقاط لا يشوبه
معاوضة فلا بد من الإضافة إلى الموكل، وكذا الصلح عن دم العمد فإنه إسقاط محض والوكيل أجنبي
سفير فلا بد من الإضافة إلى الموكل، وكذا الحال في البواب. هذا ملخص ما ذكره القوم في هذا المقام
انتهى.
أقول: يمكن التوفيق بأن يكون معنى الإضافة اشتراط ذكر الموكل، وإن أسند الوكيل الفعل إلى
نفسه، فإذا كان وكيلا من جانب المرأة يقول للزوج خالع امرأتك على هذه الألف فخالع يتم بقبول
الوكيل كما صرحوا به في الخلع، أما لو قال خالع فقط فلا. ولو كان وكيلا من الجانبين فقال خلعت
فلانة من زوجها على كذا جاز في الصحيح من أنه يكون وكيلا من الجانبين في الخلع. وصرحوا أيضا
بأنه لو قال لغيره طلق امرأتي رجعية فبين فقال لها الوكيل طلقتك بائنا تقع رجعية، ولو وكله بالبائن
فقال لها الوكيل أنت طالق تطليقة رجعية تقع واحد بائنة، وصرحوا بأنه يصح توكيل الصبي
والمجنون، ويصير كأنه علق الطلاق على تلفظهما. وفي طلاق الفتاوي الهندية: الوكيل في الطلاق
والرسول سواء. كذا في التتارخانية: الرسالة أن يبعث الزوج طلاق امرأته الغائبة على يد إنسان،
فيذهب الرسول إليها ويبلغها الرسالة على وجهها فيقع عليها الطلاق، كذا في البدائع. فقد ثبت بهذا
أن قول الوكيل خلعت وطلقت يكفي، ثم الذي يظهر من كلامهم أن المراد هنا بالوكيل الوكيل من
جهة من يثبت له الملك بقرينة التعليل بأن الحكم فيها لا يقبل عن السبب. ففي النكاح يقول وكيل
الزوج زوج بنتك لفلان، فيضيفه إلى الموكل، ولو قال زوجني وقع له لا للموكل، وأما وكيل الزوجة
فيقول زوجت فيصح. وفي الطلاق يقول وكيل الزوج طلقت فلانة، وفي الخلع يقول وكيل الزوج
خالعتها على ألف، وأما وكيل المرأة فيقول قبلت بدون إضافة إليها، وكذا في العتق على مال والكتابة.
ولو كان الطلب من جهة وكيل المرأة أو العبد يقول طلق فلانة بألف أو اخلعها بألف على ألف أو أعتق
عبدك بكذا أو كاتبه على كذا فيقول وكيل الزوج أو السيد فعلت فيكتفي بالإضافة من أحد الجانبين،
لان الملك من كل منهما فإن المرأة تملك نفسها وكذا العبد، كما أن الزوج أو السيد يملك العوض.
وفي الصلح عن إنكار أو دم عمد يقول الوكيل صالح فلانا عن دعواك عليه على هذا المال أو الدم
فيقبل المدعي، ولو قال الوكيل في هذه المواضع أعتقني أو طلقني أو كاتبني أو صالحني لم يصح،
بخلاف بعني وأجرني فإنه يصح إضافتها إلى نفسه كما مر. وكذا بقية الصور الآتية يقول الوكيل من
جهة طالب التملك هب فلانا أو تصدق عليه أو أعره أو أودعه أو ارهن عنده كذا أو أقرضه كذا. ولو
قال هبني أو تصدق علي أو أعرني الخ يقع له لا للموكل. وأما الوكيل من الجانب الآخر كما إذا دفع
لرجل مالا ووكله بأن يهبه لفلان مثلا فإنه يقول وهبتك أو تصدقت عليك أو أعرتك أو أودعتك الخ
من غير أن يقول وهبتك هذه الألف التي لفلان الموكل.

720
ثم اعلم أن هذه المذكورات يفترض بعضها عن بعض، من حيث إن ما كان منها إسقاطا يضيفه
الوكيل إلى نفسه مع التصريح بالموكل، فيقول زوجتك فلانة وصالحتك عما تدعيه على فلان من المال أو
الدم، أما ما كان منها تمليكا لعين أو منفعة أو حفظ فلا يضيفه إلى نفسه بل إلى الموكل فقط، كقوله
لفلان كذا أو أودعه كذا أو أقرضه كذا فلا بد في هذا من إخراج كلامه مخرج الرسالة، فلا يصح أن
يقول هبني كذا كما مر ولا هبني لفلان وأودعني لفلان، وعلى هذا فقولهم التوكيل بالاستقراض
باطل، معناه: أنه في الحقيقة رسالة لا وكالة، فلو أخرج الكلام مخرج الوكالة لم يصح، بل لا بد من
إخراجه مخرج الرسالة كما قلنا. وبه علم أن ذلك غير خاص بالاستقراض، بل كل ما كان تمليكا إذا
كان الوكيل من جهة طالب التملك لا من جهة المملك، فإن التوكيل بالاقراض والإعارة صحيح لا
بالاستقراض والاستعارة، بل هو رسالة. هذا ما ظهر لي فتأمله. أفاده سيدي الوالد رحمه الله تعالى
آمين. قوله: (كنكاح) فلو لم يضف النكاح إلى الموكل، وأضافه إلى نفسه وقع له. قال في البحر معزيا
للبزازية: الوكيل بالطلاق والعتاق إذا أخرج الكلام مخرج الرسالة بأن قال إن فلانا أمرني أن أطلق أو
أعتق ينفذ على الموكل، لان عهدتهما على الموكل على كل حال، ولو أخرج الوكيل الكلام في النكاح
والطلاق مخرج الوكالة بأن أضاف إلى نفسه صح إلا في النكاح. والفرق في أن الطلاق أضافه إلى
الموكل معنى لأنه بناه على ملك المتعة والرقبة وهو للموكل، وأما في النكاح فذمة الوكيل قابل للمهر،
حتى لو كان وكيلا بالنكاح من جانبها وأخرج الكلام مخرج الوكالة لا يصير مخالفا لإضافته إلى المرأة
معنى، لان صحة النكاح بملك البضع وهو لها فكأنه قال ملكتك بضع موكلتي. وفي الجوهرة: إذا
قال أبو الصغير زوجها من ابنك فقال الأب قبلت ولم يقل لابني جاز النكاح للابن، لان
الايجاب له والقبول يتقيد به فصار كقوله قبلت لابني ولو قال زوجت ابنتي ولم يزد وقع للأب هو
الصحيح. وينبغي للوكيل بالنكاح أن يقول قبلت لأجل فلان.
واعلم أن ما في البزازية من أنه لو أضاف الطلاق إلى نفسه يصح. حكاه في جامع الفتاوي بقيل
حيث قال: ولو قال أنت مني طالق أو أنت طالق مني لم يقع، وقيل يقع، وقوله مني لغو. قال:
واستفيد الوقوع بأنت طالق من غير إضافة بالاتفاق انتهى. قوله: (وصلح عن دم عمد أو عن إنكار)
ومثله عن السكوت: يعني أن زيدا إذا ادعى دارا على عمرو فوكل عمرو وكيلا على أن يصالح على
المائة فيقول زيد صالحت عن دعوى الدار على عمرو بالمائة ويقبل الوكيل فيتم الصلح، ولا فرق بين أن
يكون الصلح عن إنكار أم عن إقرار كما في صدر الشريعة. ورد عليه ابن كمال بقوله: هذا الصلح لا
تصح إضافته إلى الوكيل، بخلاف الصلح عن إقرار فإنه تصح إضافته إلى كل منهما، وقد عرفت
اختلاف الإضافة في الموضعين فافترق الصلحان في الإضافة. قال العلامة أبو السعود: قال الشيخ
باكير: في التقييد بكون الصلح عن إنكار نظر، فإنه لا فرق في الصلح بين أن يكون عن إنكار أو عن
إقرار في الإضافة، فإن زيدا إذا ادعى على عمرو فوكل عمرو وكيلا على أن يصالح على مائة فإذا قال
زيد صالحت عن دعوى الدار على عمرو بالمائة وقبل الوكيل هذا الصلح يتم الصلح، سواء كان عن
إقرار أو إنكار، إلا أنه إذا كان عن إقرار يكون كالبيع فترجع الحقوق إلى الوكيل كما في البيع فتسليم
بدل الصلح على الوكيل، وإذا كان عن إنكار فهو فداء يمين في حق المدعى عليه، فالوكيل سفير محض
فلا ترجع إليه الحقوق. حموي.

721
قلت: هذا الذي ذكره الشيخ باكير هو عبارة صدر الشريعة، وما اعترضه في الدرر رده عزمي
زاده. ا ه‍. قوله: (وهبة وتصدق) قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: انظر ما حقوق الهبة والصدقة
المتعلقة بالموكل. ا ه‍.
أقول: لعلها عند استحقاق عين الهبة والصدقة والرجوع فيهما وليحرر. قوله: (وشركة
ومضاربة) يزاد الابراء لأنه لا بد من إضافته إلى موكله، فلو لم يضف إليه لم يصح كما ذكرنا. قوله:
(تتعلق بموكله لا به) قال في الدرر: والسر فيه أن الحكم فيها لا يقبل الفصل عن سبب، لأنها من
قبيل الاسقاطات، والوكيل أجنبي عن الحكم فلا بد من إضافة العقد إلى الموكل ليكون الحكم مقارنا
للسبب إلى آخر ما قدمناه. وفي البزازية، وقبض المهر لها لا للوكيل. قوله: (لكونه فيها سفيرا محضا)
فإنه يضيفها إلى موكله فإنه يقول خالعك موكلي بكذا وكذا في أمثاله. ابن ملك. قال منلا على السفير
حاك قول غيره. ومن حكى قول غيره لا يلزمه حكم ذلك القول ه‍. والسفير: الرسول والمصلح بين
القوم. صحاح: أي يظهر عن موكله عبارته، فالعاقد هو الموكل بهذه العقود لا الوكيل، ولذا لا
يستغني عن الإضافة إلى موكله ولذا غياه بقوله حتى لو أضافه لنفسه وقع النكاح له، فالغايتان في
الحقيقة لشئ واحد، فقوله فيما تقدم حتى لو أضافه لنفسه لا يصح عند إمكان انصراف العقد إليه،
وقوله هنا: حتى لو أضافه الخ عند الامكان إذ يصح انصراف النكاح إليه. قوله: (فكان كالرسول)
أي في كونه سفيرا محضا في نوعي العقود لا بد أن يقول أرسلني إليك فلان بكذا فيضيفه إلى
مرسله بلفظها فترجع الحقوق إلى مرسله لا إليه في النوعين. قال في البحر: وشرطه الإضافة إلى
مرسله بأن يقول إن مرسلي يقول بعت منك ونحوه. ا ه‍. وقال في المنح: وهذا لان الحكم فيها لا يقبل
الفصل عن السبب لأنه إسقاط فيتلاشى، فلا يتصور صدوره من شخص وثبوت حكمه لغيره فكان
سفيرا ا ه‍. قوله: (فلا مطالبة عليه في النكاح بمهر) أي إذا كان وكيل الزوج. قوله: (وتسليم
للزوجة) أي إذا كان وكيلها ولا يلي قبض مهرها، كما أن الوكيل بالخلع لا يلي قبض البدل ويصح
ضمانه مهرها، وتخير المرأة بين مطالبته أو الزوج، فإذا أخذت من الوكيل لا ترجع على الزوج، ولو
ضمن وكيل الخلع البدل صح، وإن لم تأمره المرأة بالضمان ولذا يرجع قبل الأداء. ا ه‍. بحر. قوله:
(وللمشتري الاباء عن دفع الثمن للموكل) لكونه أجنبيا عن الحقوق لرجوعها إلى الوكيل أصالة.
وقدمنا أحكام قبض الثمن وأنه لا فرق بين حضرة الوكيل الموكل وغيبته وإن وصى الوكيل ترجع
الحقوق إليه بعد موته لا إلى الموكل، فلو وكل الوكيل الموكل بقبض الثمن فله ذلك ولا يقدر على المنع.
أفاده عزمي زاده. ولو دفع الموكل بالشراء الثمن إلى الوكيل فاستهلكه وهو معسر كان للبائع حبس
المبيع، ولا مطالبة له على الموكل فإن لم ينقد الموكل الثمن إلى البائع باع القاضي الجارية بالثمن إذا رضيا
وإلا فلا. ا ه‍. خزانة المفتين. قوله: (وإن دفع له صح) لان الثمن المقبوض حق الموكل وقد وصل إليه،
ولا فائدة في الاخذ منه ثم الدفع إليه. قوله: (لعدم الفائدة) لان المقبوض حقه وبرئت ذمة المشتري
لوصول الثمن إلى مستحقه. عيني. قوله: (نعم تقع المقاصة بدين الوكيل لو وحده) أي لو كان وكيل

722
البيع وحده مديونا للمشتري وقع الثمن مقاصة بما عليه من الدين، ويضمن الوكيل للموكل لأنه قضى
دينه بمال الموكل، وهذا عندهما. وقال أبو يوسف: لا تقع المقاصة بدين الوكيل، وهو مبني على جواز
إبراء الوكيل بالبيع من الثمن فعندهما يجوز إبراؤه فتقع المقاصة، وعنده لا يجوز فلا تقع، ووجه البناء
أن المقاصة إبراء بعوض، فيعتبر بالابراء بغير عوض، ولو كان للمشتري دين على الموكل تقع المقاصة
بمجرد العقد، ولو كان له عليهما دين تقع المقاصة بدين الموكل دون دين الوكيل. ذكره في البحر تبعا
للشمني. وبه يعلم قول الشارح لو وحده فتنبه ومل المقاصة في جانب الوكيل يقال فيما إذا باعه من
دائنه بدينه فإنه يصح وبرئ وضمن الوكيل للموكل كما في الذخيرة. قوله: (ويضمنه) أي الوكيل
لموكله لأنه قضى دينه بمال الموكل، وإن هلك المبيع في يده قبل تسليمه بطلت المقاصة، ولا ضمان
للموكل على الوكيل، لأنه بالهلاك انفسخ البيع من أصله، ولو أبرأ الوكيل والموكل المشتري عن الثمن
معا برئ بإبراء الموكل. قوله: (بخلاف وكيل يتيم) الجار متعلق بقول المتن فإن دفع له صح والمراد
بوكيل اليتيم وصيه كما في العيني: يعني لو دفع المشتري من الوصي الثمن لليتيم لا يصح، لأنه لا
يخرج عن العهدة، بل يجب عليه الدفع للوصي ثانيا لان اليتيم ليس له قبض ماله فكان الدفع إليه
تضييعا فلا يعتد به. أبو السعود. قوله: (وصرف) أي وكيل صرف: يعني أن الوكيل بالصرف إذا
صارف وقبض الموكل بدل الصرف يبطل الصرف لافتراق أحد العاقدين من غير قبض، لان التقابض
فيه بمنزلة الايجاب والقبول، وهما يتعلقان بالمتعاقدين، فكذا القبض فيه. ذكره الشمني. قوله: (مع
مولاه) متعلق بقوله مأذون. قوله: (فلا يملك) أي المولى قبض ديون لأنه أعلى منزلة من الوكيل لأنه
يتصرف لنفسه والوكيل لغيره. قوله: (ما لم يكن عليه دين) إلا قعد في التعبير، أما إذا كان عليه دين
الخ، ويكون محترز قول المصنف لا دين عليه ط. قوله: (لأنه للغرماء) أي لان الحق فيما بيده
والأولى التصريح به. قوله: (التوكيل بالاستقراض باطل) وعليه الفتوى. قهستاني عن الخزانية. حتى لو
وكل به فاستقرض كان له لا للموكل، لان البدل فيه لا يجب دينا في ذمة المستقرض بالعقد بل
بالقبض، والامر بالقبض لا يصح لأنه ملك الغير، بخلاف البيع فإن حكمه يثبت بالعقد فيقوم غيره
مقامه فيه. والمذكور في الذخيرة ونحوه في الخانية أن المأمور بالاستقراض إن تصرف في عبارة نفسه
بأن قال للمقرض أقرضني عشرة دراهم كان الاستقراض لنفسه لا للآمر، فله أن يمنعا لعشر منه، وإن
تصرف في عبارة الآمر بأن قال مثلا إن فلانا استقرض منك عشرة دراهم فقبل القرض كانت العشرة
للآمر لكن المأمور في هذه الصورة رسول لا وكيل والباطل الوكالة في الاستقراض دون الرسالة ط.
وقدمنا الكلام عليه مستوفي فلا تغفل. قوله: (لا الرسالة) أي فإنها غير باطلة لانتفاء تفويض التصرف فيها، لان الرسول سفير محض، وقد مر أن التوكيل بالاقراض صحيح لأنه تفويض التصرف في
ملكه. قوله: (والتوكيل بقبض القرض صحيح) بأن يقول لرجل أقرضني ثم يوكل رجلا بقبضه. ا ه‍.
وفي هذه الصور منافاة لقوله في العبارة التي قبل هذه والامر بالقبض لا يصح لأنه ملك الغير ط.
وارجع إلى ما قدمناه.

723
فرع: التوكيل بالاقرار صحيح، ولا يكون التوكيل به قبل الاقرار إقرارا من الموكل. وعن
الطواويسي: معناه أن يوكل بالخصومة ويقول خاصم، فإذا رأيت لحوق مؤنة أو خوف عار علي فأقر
بالمدعي يصح إقراره على الموكل. كذا في البزازية. وللشافعية فيها قولان، أصحهما لا يصح. وقدم
الشيخ: يعني صاحب البحر في كتاب الشركة في الكلام على الشركة الفاسدة أنه لا يصح التوكيل في
أخذ المباح، وأنه باطل. رملي على البحر. والفرع سيأتي متنا في باب الوكالة بالخصومة، والله تعالى
أعلم واستغفر الله العظيم.
باب الوكالة بالبيع والشراء
أفردهما بباب على حدة وقدمهما على سائر الأبواب لكثرة أحكامهما وكثرة الاحتياج إليهما وقدم
بحث الشراء لأنه ينبئ عن إثبات الحق والبيع ينبئ عن إزالته والإزالة بعد الاثبات.
واعلم: أن الوكيل بالشراء إذا اشترى نسيئة فحل بموته لا يحل على الآمر كما في منية المفتي.
قوله: (الأصل أنها إن عممت) بأن يقول ابتع ما رأيت جازت الوكالة، لأنه فوض الامر إلى رأيه، فأي
شئ اشتراه له يكون ممتثلا به. درر.
وفي البحر عن البزازية: ولو وكله بشراء: أي ثوب شاء صح، ولو قال اشتر لي الأثواب لم
يذكره محمد رحمه الله تعالى. قيل يجوز، وقيل لا. ولو أثوابا لا يجوز، ولو ثيابا أو الدواب أو الثياب
أو دواب يجوز وإن لم يقدر الثمن ا ه‍. وفي حاشية الدر للمولى عبد الحليم: وفرقوا بين ثيابا وأثوابا
فقالوا: الأول للجنس، لا كان الفرق نشأ من عرفهم. كذا في الكافي والخلاصة. والتحقيق فيه أنه
ذكر الثياب ونحوها من ألفاظ العموم يصح التفويض إلى الوكيل، بخلاف ثوب أو أثواب لا يظهر
العموم فيها فيصير شائعا في جنسه متفاحش الجهالة فلا يصح كما في المقدسي ا ه‍. قوله: (أو
علمت) أي بالشخص كأن قال هذا الشئ المعين أو بالنوع المحض وأراد به ما تقاربت آحاده، وهو
الذي عناه بقوله أو جهلت جهالة يسيرة الخ.
مطلب: الجهالة ثلاثة أنواع
قوله: (أو جهلت جهالة يسيرة) قال في الكفاية: الأصل أن الجهالة ثلاثة أنواع: فاحشة: وهي
جهالة الجنس كالتوكيل بشراء الثوب والدابة والرقيق، وهي تمنع صحة الوكالة وإن بين الثمن.
ويسيرة: وهي جهالة النوع كالتوكيل بشراء الحمار والبغل والفرس والثوب الهروي والمروي فإنها لا
تمنع صحة الوكالة، وإن لم يبين الثمن. ومتوسطة: وهي بين الجنس والنوع كالتوكيل بشراء عبد وشراء
أمة أو دار، فإن بين الثمن أو النوع تصح، وتلحق بجهالة الجنس لأنه يمنع الامتثال. قوله: (وهي
جهالة النوع المحض كفرس صحت) احتراز بالمحض عما تردد بين الجنس والنوع كالعبد والدار ففيه
التفصيل المتقدم والآتي. قوله: (وإن فاحشة وهي جهالة الجنس كدابة بطلت) أي وإن بين الثمن
والجنس عند الفقهاء، وهو المقول على كثيرين مختلفين في الاحكام، ولا شك أن الدابة في اللغة ما
يدب على الأرض، ويشمل المكلف والطاهر ونجس الغبن نجس السؤر، وما فيه الزكاة وما يحل بيعه

724
إلى غير ذلك. وفي العرف: ذوات الأربع، وهو قريب منه، فإذا جرى العرف على غير ذلك اتبع،
لان المتكلم يقصد المتعارف عنده، فالمدني إذا قال وكلتك بشراء دابة لا يقصد منها إلا الحمار، فهو كما
لو سماه وفي بعض الجهات يريدون بالحيوان الحمار، ولا يعرفون لحيوان معنى سواه. وفي دمشق يباع
ثياب معلومة من القطن في سوق معين بعد صلاة العصر، فلو وكل أحدا ممن يتعاطاها أن يشتري له
ثوبا لم ينصرف إلا لها، وعلى هذا يقاس قوله: وإن متوسطة وهي جهالة النوع الغير المحض وهو ما
تفاوتت أفراده تفاوتا فاحشا كعبد، ولذا لا يجري فيه الجبر على القسمة.
قال في النهاية: وحال هذا أن الجهالة لا تخلو ما إن كانت في المعقود عليه وهو المبيع
والمشتري، أو في المعقود به وهو الثمن، فالجهالة بالمعقود عليه لا تخلو من ثلاثة أوجه: جهالة فاحشة:
وهي ما كانت في الجنس مثل التوكيل بشراء الثوب والدابة والرقيق، فلا يصح سواء سمي الثمن أو لم
يسم، لان اسم الرقيق يتناول الذكر والأنثى، وهما من بني آدم جنسان مختلفان، حتى لو اشترى
شخصا على أنه غلام فإذا هو جارية كان البيع باطلا، وكذلك اسم الدابة يقع على ما يدب على وجه
الأرض، دليله قوله تعالى: * (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) * (هود: 6) وجهالة يسيرة:
وهي ما كنت في النوع المحض كالتوكيل بشراء شاة أو بقر أو فرس أو ثوب هروي أو جارية تركية أو
هندية وهو صحيح بين الثمن أو لم يبين. وجهالة متوسطة بين منزلة الجنس والنوع، كالتوكيل بشراء
عبد أو جارية أو دار أو لؤلؤ، فهذه الأشياء ملحقة بالجنس من وجه، لان اختلاف العبد والجواري
أكثر من اختلاف سائر الأنواع، وعادة الناس في ذلك مختلفة، فإذا لم يسم الثمن أو الصفة ألحق
بمجهول لجنس، وإذا سمى الثمن أو الصفة بأن قال تركي أو هندي ألحق بمجهول النوع، وهذا لان
العبيد جنس واحد باعتبار منفعة العمل أجناس مختلفة باعتبار منفعة الجمال وأن منفعة الجمال مطلوبة
من بني آدم، ولهذا يجعل رؤية الوجه من بني آدم كرؤية الكل في إسقاط خيار الرؤية. وفي هذه
المنفعة يختلف التركي والهندي اختلافا فاحشا، فكان جنسا واحدا من وجه دون وجه، فألحقناه بالجنس
الواحد عند بيان الثمن والصفة والجنس المختلف إذ لم يبين أحدهما عملا بالشبهين، ولنا جهالة جنس
المعقود به لا تمنع صح التوكيل، حتى أن من وكل ببيع عين من أعيان ماله جاز وإن لم يبين الثمن،
وجاز له أن يبيع بأي ثمن شاء عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، لان المعقود به اكتساب المالية، والأجناس
كله في المالية سواء، فمن هذا الوجه اتحد الجنس ولا يختلف، وأما المعقود عليه فالمالية كما هي
مقصودة فمرافق أخر أيضا مقصودة كالسن والركوب، وباعتبارها يختلف الجنس. فلم تجز الوكالة عند
اختلاف الجنس كذلك، ولهذا قلنا: لا يشترط بيان الجنس، ولا بيان النوع في المضاربة إذ المقصود بها
اكتساب المالية، والأنواع والأجناس سواء في اعتبار المالية. كذا ذكره الامام المرغيناني والمحبوبي رحمهما
الله تعالى. والأصل: أن الجهالة اليسيرة تتحمل في الوكالة كجهالة الوصف استحسانا، وإنما قيد
بقولها استحسانا لان القياس يأباه.
فإن قلت: قد ذكر في المبسوط: وإن سمي الجنس والنوع ولم يبين الصفة جازت الوكالة، سواء
سمي الثمن أو لم يسم، وهذا استحسان. وفي القياس: لا يجوز ما لم يبين الصفة. وجه القياس: أن
التوكيل بالبيع والشراء معتبر بنفس البيع والشراء، فلا يجوز إلا ببيان وصف المعقود عليه، ألا ترى أنا
نجعل الوكيل كالمشتري لنفسه، ثم كالبائع من الموكل، وفي ذلك الجهالة تمنع الصحة فكذا فيما اعتبر

725
به. وكان بشر المريسي يأخذ بالقياس إلى أن نزل به ضيف فدفع دراهم إلى إنسان ليأتي بالرؤوس
المشوية فجعل يصفها له، فعجز عن إعلامه بالصفة فقال اصنع ما بدا لك، فذهب الرجل واشترى
الرؤوس وحملها إلى عياله وعاد إلى بشر بعد ما أكلها، فقال له أين مما قلت لك؟ قال ما قلت لي اصنع
ما بدا لك وقد بدا لي ما فعلت، فرجع عن قوله وأخذ بالاستحسان. وجه الاستحسان ما روي عن
النبي (ص): أنه دفع دينارا إلى حكيم بن حزام وأمره أن يشتري شاة للأضحية ولم يبين صفتها، وأيضا
فإن وجه الاستحسان ما ذكره أن مبني التوكيل على التوسعة لأنه استعانة وفي اشتراط عدم الجهالة
اليسيرة حرج، فلو اعتبرناه لكان ما فرضناه توسعة ضيقا وحرجا، وذلك خلف باطل، فلا بد من بيان
الجهالة اليسيرة وغيرها ليتميز ما يفسد الوكالة عما لا يفسدها.
فنقول: إذا كان اللفظ يجمع أجناسا كالدابة والثوب، أو ما هو في معنى الأجناس كالدار
والرقيق على ما يجئ (1) في الكتاب المولد فإنه راد. وذكر في المغرب المولدة التي ولدت ببلاد الاسلام
والسط (2) مع الوسط كالعدة والوعد والعظة في أن التاء عوضت في آخرها عن الواو الساقط
من أولها في المصدر والفعل من حد ضرب. ومن قال لآخر اشتر لي ثوبا أو دارا أو دابة فالوكالة
باطلة: أي وإن بين الثمن، وقد ذكرنا ولما بطلت الوكالة كان الشراء واقعا على الوكيل، وبه صرح في
نسخ الجامع الصغير فقال: رجل أمر رجلا أن يشتري له ثوبا أو دابة فاشترى فهو مشتر لنفسه والوكالة
باطلة. وكذا الدار: أي لا يصح التوكيل بشراء الدار مطلقا. وذكر الامام قاضيخان رحمه الله تعالى في
الجامع الصغير: والدار أيضا من الجنس والنوع، لأنها تختلف بقلة المرافق وكثرتها، فإن بين الثمن يلحق
بجهالة النوع، وإن لم يبين يلحق بجهالة الجنس، وعلى تقرير المتأخرين يشترط المحلة لأنها تختلف
باختلاف المحال، ولما سمي من الثمن توجد الدار في كل محلة. وكذا لو قال اشتر لي حنطة لا يصح
ما لم يبين عدد القفزان أو الثمن، لان هذا الاسم يتناول القليل والكثير، وإن سمي ثمن الدار ووصف
جنس الدار والثوب جاز معناه في نوعه، ويعيده بذكر نوع الدار مخالف لرواية المبسوط، فقال فيه:
وإن وكله بأن يشتري له دارا ولم يسم ثمنا لم يجز ذلك على الآمر، ثم قال: وإن سمي الثمن جاز لان
تسمية الثمن تصير معلومة عادة، وإن بقيت جهالة فهي يسيرة مستدركة، والمتأخرون من مشايخنا
يقولون: في ديارنا لا يجوز إلا ببيان المحلة، وكذا إذا سمي نوع الدابة بأن قال حمار يصح التوكيل
بشراء الحمار، وإن لم يسم الثمن، لان الجنس صار معلوما بالتسمية، وإنما بقيت الجهالة في الوصف
فتصح الوكالة بدون تسمية الثمن وإن كانت الحمير أنواعا: منها للركوب، ومنها للحمل، فإن هذا
اختلاف الوصف، وذلك لا يضر مع أن ذلك يصير معلوما بمعرفة حال الموكل ا ه‍ فا في النهاية.
ولتراجع نسخة أخرى، لان النسخة التي بيدي محرفة جدا. قوله: (كعبد) في الجوهر الشاة مثله لان
النبي (ص) أعطى عروة دينارا وأمره أن يشتري له شاة فذكر الجنس والثمن وإن قال
اشتر شاة أو عبدا ولم يذكر ثمنا ولا صفة فالوكالة باطلة، لان اختلاف العبيد والجواري أكثر من



(1) قوله (على ما يجئ الخ) هكذا الأصل ولتحرر هذه العبارة فإنها غير ظاهرة ولذلك نبه المؤلف رحمه الله تعالى في
آخر المقولة على أن النسخة محرفة جدا.
(2) أي الوسط.
726
اختلاف سائر الأنواع وعادة الناس في ذلك مختلفة فكانت بين الجنس والنوع. قوله: (فإن بين الثمن
الخ) لان بتقدير الثمن يصير النوع معلوما أطلقه فشمل ما إذا كان الثمن مخصصا نوعا أو لا، وبه
اندفع ما في الجوهرة حيث قال: وهذا إذا لم يوجد بهذا الثمن من كل نوع، أما إذا وجد لا يجوز عند
بعض المشايخ انتهى.
أقول: جزم منلا خسرو في متنه الغرر حيث قال: فإن بين النوع أو ثمن عين نوعا صحت وإلا
لا انتهى. ومثله في غرر الأفكار مختصر النهاية، لكن قال القهستاني في شرحها: والأحسن ترك
الصفة: يعني الثمن بقوله: عين نوعا فإن النوع صار معلوما بمجرد تقدير الثمن كما في الهداية.
وعن أبي يوسف أنه ينصرف إلى مثل ما يليق بحال الموكل اه‍. ولا يخفى ما فيه.
أقول: قال المقدسي بعد نقله عبارة الجوهرة المذكورة مؤيدا لها.
قلت: ولا شك أن الخمسين مثلا يوجد بها من الحبشي والهندي وغيرهما اه‍. قوله: (صحت)
أي الوكالة. قوله: (وإلا) أي وإن لم يبين الثمن أو الصفة لا يصح. قوله: (وكله بشراء ثوب هروي)
منسوب إلى هراة مدينة بخراسان فتحت زمن عثمان رضي الله عنه. قال الإتقاني: فإن قال اشتر
ثوبا هرويا ولم يسم الثمن فهو جائز إذا اشتراه بما يشتري مثله أو زاد على ذلك بما يتغابن الناس في
مثله، وكذلك كل جنس سماه من الثياب فإن سمى له ثمنا فزادا على ذلك الثمن لم يلزم الآمر، وإن
نقص من ذلك الثمن لم يلزم الآمر، فإن وصف له صف وسمى له ثمنا فاشترى له تلك الصفة بأقل
من ذلك الثمن جاز ذلك علة الآمر اه‍.
والأصل فيه أنه إذا بين الموكل به بجنسه ونوعه ووصفه تصح الوكالة به لا محالة، وإن ترك جميع
ذلك وذكر لفظا يدل على أجناس مختلفة فذلك مجهول، فلم تصح الوكالة أصلا لتمام الجهل، وإن بين
الجنس وذكر لفظا يدل على أنواع مختلفة: فإن ضم إليه بيان النوع أو الثمن صحت الوكالة وإلا فلا،
وإن بين النوع ولم يبين الوصف كالجودة وغيرها فكذلك: أي تصح الوكالة. كذا في العناية والمقدسي.
قوله: (أو فرس أو بغل) قيد بهما للاختلاف في الشاة كما تقدم، فمنهم من جعلها من هذا القبيل:
أي الجهالة الفاحشة، ومنهم من جعلها من قبيل المتوسطة. قوله (صح بما يتحمله حال الآمر) حتى
لو أن عاميا وكله بشراء فرس فاشترى فرسا يليق بالملوك لزم الوكيل. قال الإتقاني: وإنما جعل جهالة
النوع عفوا لان التفاوت بين النوع والنوع يسير، فلا يمنع الامتثال لكن تنصرف الوكالة إلى ما يليق
بحال الموكل اه‍. قوله: (زيلعي فراجعه) عبارته: لان الوكيل قادر على تحصيل مقصود الموكل بأن ينظر
في حاله ح. وفي الكفاية: فإن قيل الحمير أنواع منه ما يصلح لركوب العظماء ومنها ما لا يصلح إلا
ليحمل عليه.
قلنا: هذا اختلاف الوصف مع أن ذلك يصير معلوما معرفة حال الموكل حتى قالوا: إن
القارئ إذا أمر إنسانا بأن يشتري له حمارا ينصرف إلى ما يركب مثله، حتى لو اشتراه مقطوع الذنب أو
الاذنين لا يجوز عليه. قوله: (لأنه من القسم الأول) أي مما فيه جهالة يسيرة، وهي جهالة النوع
المحض لأنه ببيان الصفة صارت يسيرة وإن لم يسم ثمنا. قوله: (وبشراء داره) جعل الدار كالعبد تبعا

727
للكنز موافقا لقاضيخان، لكنه شرط مع بيان الثمن بيان المحلة كما في فتاواه مخالفا للهداية، فإنه
جعلها كالثوب من الجهالة الفاحشة، لأنها تختلف باختلاف الاغراض والجيران والمرافق والمحال
والبلدان، ولذا تزوج على دار لم تكن تسمية صحيحة. وذكر في المعراج أنه مخالف لرواية المبسوط.
قال: والمتأخرون قالوا في ديارنا لا يجوز إلا ببيان المحال. ووفق في البحر بحمل ما في الهداية على ما
إذا كانت تختلف في تلك الديار اختلافا فاحشا، وكلام غيره على ما إذا كانت لا تتفاحش. قوله:
(يخصص نوعا أولا) بأن كان يوجد بهذا الثمن أنواع وقصد به الرد على ما في الجوهرة على ما مر،
وعبارة المقدسي الأولى أن يقول كما قال في البحر: أطلقه فشمل إذا ما كان الثمن يخصص نوعا
أو لا، ثم قال: وبه اندفع ما في الجوهرة حيث قال: وهذا إذا لم يوجد بهذا الثمن من كل نوع، أما
إذا وجد لم يجز عند بعض المشايخ.
وفي الكافي لو قال اشتر لي بألف درهم ثيابا أو دواب أو شيئا أو ما شئت أو ما رأيت أو أدنى
شئ حضرك أو ما يوجد ما ما يتفق صح، لان التعميم دلالة التفويض إلى رأيه، وكذا لو قال اشتر لي
بألف وبع أو اجعل ألفا من مالك بضاعة لأنه تفويض، وكذا لفظ البضاعة يدل على التعميم. قوله:
(زاد في البزازية أو قدرا) أي في مكيل تتفاوت أفراده.
قال في البحر: والحنطة من هذا القبيل، وبيان المقدار كبيان الثمن كما في البزازية والخانية،
وأراد التفاوت في القلة والكثرة ولذا تزول ببيان القدر وهو الكيل في المكيلات والوزن في الموزونات،
فلو قال اشتر لي حنطة لا يصح ما لم يبين القدر فيقول كذا قفيزا ويتعين البلد الذي فيه كما في
البزازية. قوله: (وإلا يسم ذلك) أي ما ذكر من الثمن والنوع والقدر. قوله: (وهي) أي جهالة
الجنس. قوله: (لا يصح وإن سمى ثمنا للجهالة الفاحشة) فإن الدابة لغة اسم لما يدب على وجه
الأرض، وعرفا للخيل والبغل والحمار، فقد جمع أجناسا، وكذا الثوب لأنه يتناول الملبوس من
الأطلس إلى الكساء، ولهذا لا يصح تسميته مهرا كما تقدم، وإذا اشترى الوكيل وقع الشراء له كما
قدمناه عن النهاية. وسيأتي متنا في هذا الباب: لو وكله بشراء شئ بغير عينه فالشراء للوكيل إلا إذا
نواه للموكل، أو شراه بماله: أي مال الموكل، والظاهر أنه مقيد بما إذا سمى ثمنا أو نوعا. تأمل.
ويكون قوله بغير عينه مقابلا لما سمى عينه بعد بيان الجنس.
قال في البحر: قيد بالمنكر، لأنه لو كان معينا لا يحتاج إلى تسمية الجنس والصفة، وأشار بثوب
إلى أن ثيابا كذلك لوجود جهالة الجنس ا ه‍. لكنه مخالف لما سيذكره: أي صاحب البحر عن البزازية
من أنه لو قال أثوابا لا يجوز، ولو ثيابا يجوز. وفي حاشية مسكين: ولو وكله بشراء ثياب صح
وبشراء أثواب لا، لان ثيابا يراد به الجنس مفوضا إلى الوكيل لدلالته على العموم لكونه جمع كثرة،
بخلاف أثواب خلافا لما في البحر مقدسي. ا ه‍. لأنه عكس الحكم.
وفي التتارخانية عن العتابية: ولو قال اشتر لي شيئا لو ثوبا لم يصح لأنه مجهولا جدا، إلا إذ
وجد دلالة التفويض وهو التعميم بأن قال ثيابا أو الثياب أو الدواب يجوز بتناول أدنى ما ينطلق عليه

728
الاسم، وإذا قال اشتر بها شيئا أو ثوبا أو أثوابا أو قال ما أريده أو أحتاج إليه لا يصح، بخلاف
اشتر لي ما اتفق لك أو شئت أو ما اشتريت فهو لي. قوله: (للجهالة الفاحشة) هذا هو القسم
الثالث منها. قوله: (وبين قدره أو دفع ثمنه) فلو قال اشتر لي طعاما: أي من غير دفع ثمن ولا بيان
مقدار لم يجز على الآمر. أفاده صاحب البحر. قوله: (وقع في عرفنا على المعتاد الخ) هذه عبارة البزازية
وفي عرف الكوفة إلى البر ودقيقه وهو الاستحسان، والقياس أن يتناول كل مطعوم لاطلاق الاسم
واعتبارا للحقيقة كما في اليمين على الاكل إذا الطعام اسم لما يطعم. قال في النهر: الطعام يعم ما
يؤكل على وجه التطعم كجبن وفاكهة، لكن في عرفنا لا. ا ه‍.
وجه الاستحسان أن العرف أملك، وهو على ما ذكرناه إذا ذكر مقرونا بالبيع والشراء، ولا
عرف في الاكل فبقي على الوضع، أطلقه فشمل ما إذا كثرت الدراهم أو قلت. وقيل ينظر إليها: فإن
كانت كثيرة فعلى البر، وإن كانت قليلة فعلى الخبز، وإن كانت بين الامرين فعلى الدقيق. والفارق
العرف ويعرف بالاجتهاد، حتى إذا عرف أنه بالكثير من الدراهم يريد به الخبز بأن كان عنده وليمة
يتخذها هو جاز له أن يشتري الخبز له. وقال بعض مشايخ ما وراء النهر. في عرفنا ينصرف إلى ما
يمكن أكله: يعني المعتاد للاكل كاللحم المطبوخ والمشوي: أي ما يمكن أكله من غير إدام دون الحنطة
والخبز. قال في الذخيرة وعليه الفتوى ا ه‍. وهذا هو الذي عول عليه الماتن رحمه الله تعالى. قوله:
(اعتبارا للعرف) أقول: ما ذكره بناء على ما قاله في الكنز من أنه على البر ودقيقه كما عرفت، أما ما
اختاره هنا من أنه يقع على ما اعتاده للاكل كلحم مطبوخ ومشوي فلا يلائم قوله فيما تقدم بين قدره
لأنه لا مقدار له حينئذ لان المقدار هو الكيل والوزن، ولا يجري فيما تؤثر فيه النار لعدم انضباطه به
لاختلاف مقدار استوائه ونضجه بالطبخ والشي، بل يصير قيميا يعرف بدفع الثمن أو تسميته، على أن
في عرفنا الآن لا يطلق الطعام على المشوي، بل يعتبر العرف وحال الموكل، فإن التخاطب على حسب
ذلك، فإذا تعورف شراء الطعام مطبوخا وأعطاه ثمنا يليق بحاله أو يقاربه يشتري له ذلك، وإن أعطاه
مالا كثيرا ينبغي أن يقسطه على حسب حاله إلا أن يكون متخذا وليمة تقضي مثل ذلك، وإن كان
العرف على البر والدقيق والخبز صرف الكثير إلى البر والمتوسط إلى الدقيق، والقليل إلى الخبز إلا إن
اقتضى الحال خلافه، وهذا كله إذا دفع إليه دراهم، وقال اشتر لي طعاما، أما إذا لم يدفع دراهم وقال
اشتر لي طعاما لم يجز على الآمر، لأنه لم يبين له مقدارا وجهالة القدر في المكيلات والموزونات كجهالة
الجنس من حيث إن الوكيل لا يقدر على محصول تحصيل الآمر بما يسمى له.
والحاصل: أن الطعام قيل هو اسم للبر ودقيقه، وقيل هو اسم لكل مطعوم، وقيل بالتفصيل،
والأول عرف أهل الكوفة وجرى عليه في الكنز كما عرفت، والثاني عرف غيرهم وعليه المصنف،
والثالث ذكره في الوقاية. لكن قال صدر الشريعة: ينبغي أن تكون باطلة إن قلنا إن الطعام يقع على
كل ما يطعم، فتكون جهالة جنسه فاحشة. وجوابه أنه يدفع الثمن وبيان المقدار يعلم النوع فتنتفي
جهالة الجنس والله تعالى أعلم.

729
وأقول: أن هذه المسألة غير محررة تأليفا وفقها، وتحريرها أن يقال: إذا قرن الطعام بالبيع
والشراء ينظر إلى عرف الوكيل، فإن كن البر فقط فلا بد من بيان القدر أو الثمن، وإن كان الطعام في
عرفه كما في الخانية أنه اللحم المطبوخ والمشوي وما يؤكل مع الخبز أو وحده فيظهر لي أنه من جهالة
الجنس، فلا يصح التوكيل بين ثمنا أو لا نظير الثوب والدابة، إلا أن يقول اشتر من الطعام الذي
يعجبك كما يستفاد من الهداية، ولما في المقدسي: قال اشتر لي أي ثوب شئت: فإن قلت: تقدم صحة
التوكيل بشراء الثياب بألف. قلت: ليست الصحة لأجل ذكر الثمن بل لأجل أن المراد الجنس، لكن
لا كله لاستحالته بل ما تيسر منه، ولعل هذا من قبيل إذا ضاق الامر اتسع، وإلا فما المانع من إرادة
الجنس فيما لو وكله بشراء ثوب.
تنبيه: قال اشتر لي بهذه الدراهم وأشار إلى دنانير كان وكيلا بالدنانير، حتى لو اشترى بالدراهم
كان مشتريا لنفسه.
تنبيه آخر: أطلق الدراهم فشملت القليل، وهي من الواحد إلى الثلاثة، والمتوسطة وهي من
الثلاثة إلى الخمسة، والكثيرة وهي العشرة وما فوقها كما في الكافي والتبيين. قوله: (كما في اليمين)
أي فإنه يعتبر فيه العرف: أي فإن ألفاظ الوكالة كألفاظ اليمين تبنى على العرف كما قدم في باب
اليمين في الاكل. قوله: (كل مطعوم) لان الوصية أخت الميراث، فكما يكون في كل متروك تكون
الوصية لزيد بطعام الموصى بكل مطعوم. قوله: (ولو دواء الخ) هذا إنما ذكره البزازي في الايمان لا
في الوصية. قال في البحر: ومن أيمانها لا يأكل طعام فأكل دواء ليس بطعام ولا غذاء كالسقمونيا لا
يحنث، ولو به حلاوة كالسكنجبين يحنث انتهى. فليتأمل. ولعل الشارح قصد بذلك للتنبيه على أن
الوصية في حكم اليمين، والسكنجبين خل وعسل. قوله: (به حلاوة) كأنه محمول على ما إذا خصه
العرف بذلك.
بقي هل يعم المأكول والمشروب أو يخص الأول؟ جعل السكنجبين منه يقتضي الأول. قوله:
(وللوكيل للرد بالعجيب) أطلقه فشمل ما إذا كان رده بإذن الموكل أو بغير إذنه لأنه من حقوق العقد
وكلها إليه، وأشار إلى أنه لو رضي بالعيب فإنه يلزمه، ثم الموكل إن شاء قبله وإن شاء ألزم الوكيل
، وقبل أن يلزم الوكيل لو هلك يهلك من مال الموكل. كذا في البزازية. قوله: (بعد موته أي موت
الوكيل) أشار المصنف إلى أن الرد عليه لو كان وكيلا بالبيع فوجد المشتري بالمبيع عيبا ما دام الوكيل
حيا عاقلا من أهل لزوم العهدة: فإن كان محجورا يرد على الموكل وإلى أن الموكل أجنبي في الخصومة
بالعيب، فلو أقر به الموكل وأنكره الوكيل لم يلزمهما شئ. بخلاف عكسه فإنه يلزم الوكيل لا الموكل،
إلا أن يكون عيبا لا يحدث مثله في تلك المدة للقطع بقيام العيب عند الموكل، وإن أمكن حدوث مثله
في المدة لا يرده على الموكل إلا ببرهان، وإلا يحلفه فإن نكل رده وإلا لزم الوكيل. بحر عن البزازية.
قوله: (فلموكله ذلك) تقدم أنه ينصب القاضي وصيا يأخذ الثمن ويدفعه للموكل، وينبغي أن يكون
هنا كذلك. قوله: (وكذا الوكيل بالبيع) أي فإنه يرد عليه ما دام الوكيل حيا عاقلا من أهل لزوم العهدة

730
إلى آخر ما تقدم، وعلى وارثه أو وصيه، وإن لم يكن فعلى الموكل، وعلى ما مر ينصب القاضي وصيا
ويرد عليه. قوله: (وهذا الخ) أي في مسألة المتن إنما يرد الوكيل بالعيب إذا لم يسلمه إلى موكله، ولا
حاجة إليه مع قول الماتن ما دام المبيع في يده. قوله: (فلو سلمه) أي الوكيل. قوله: (امتنع) أي على
الوكيل رده. قوله: (لانتهاء الوكالة بالتسليم) أي إلى الموكل، ولأن فيه إبطال يده الحقيقية فلا يتمكن
منه إلا بإذنه، ولهذا كان خصما لمن يدعى في المشتري دعة كالشفيع وغيره قبل التسليم إلى الموكل لا
بعده. وفي جامع الفصولين: الوكيل إذا قبض الثمن لا يملك الإقالة إجماعا. ا ه‍. منح. قوله: (باع
فاسدا) قال في المنح: قيد بالعيب، لأنه لو وكله ببيع متاعه فباعه بيعا فاسدا وسلمه وقبض الثمن
وسلمه إلى الموكل فله أن يفسخ البيع ويسترد الثمن من الموكل بغير رضاه لحق الشرع. كذا في القنية.
قوله: (مطلقا) أي ولو سلم المبيع إلى المشتري، ولو دفع الثمن إلى الموكل فله الفسخ بغير إذن الموكل
ويسترد الثمن منه بغير رضاه. قوله: (قنية) عبارتها ما قدمناه عن المنح. قوله: (وللوكيل) أي
بالشراء. قوله: (حبس المبيع) أي الذي اشتراه للموكل. قوله: (بثمن دفعه الوكيل من ماله) وإن لم
يكن الدفع بأمره به صريحا فليس بمتبرع، لان الحقوق لما كانت راجعة إليه وقد علمه الموكل فيكون
راضيا بدفعه من ماله. قوله: (أو لا) أي لم يدفعه أصلا أو دفعه لا من ماله. قوله: (بالأولى) متعلق
بقوله أو لا ووجه الأولوية أنه مع الدفع ربما يتوهم أنه متبرع بدفع الثمن، فلا يحبسه فأفاد بالحبس
أنه ليس بمتبرع، وإن له الرجوع على موكله بما دفعه، فكيف إذا لم يدفع أصلا فله الحبس بالأولى
ولأنه انعقدت بينهما مبادلة حكمية، ولهذا لو اختلفا في الثمن يتحالفان.
وفي وصايا الخانية: الوصي إذا نفذ الوصية من مال نفسه له أن يرجع في تركة الميت على كل
حال: أي سواء كانت الوصية للعبد أو لم تكن، وعليه الفتوى.
وفي الخلاصة: الوكيل بالشراء إذا اشترى ما أمر به ثم أنفق الدراهم بعد ما سلم إلى الآمر ثم
نقد البائع غيرها جاز، ولو اشترى بدنانير غيرها ثم نقد دنانير الموكل فالشراء للوكيل وضمن للموكل
دنانيره للتعدي.
وفي الخانية: الوكيل بالشراء إذا لم يكن أخذ الثمن من الموكل يطالب بتسليم الثمن من مال
نفسه، والوكيل بالبيع لا يطالب بأداء الثمن من مال نفسه.
وفي البحر عن كفالة الخانية: لو ادعى الوكيل بالشراء دفع الثمن من ماله وصدقه الموكل وكذبه
البائع لم يرجع الوكيل على الموكل ا ه‍. لكن قال الرملي: تصديق الموكل ليس بقيد لأنه لو كذبه
فبالأولى عدم الرجوع.
وعبارة الخانية: رجل عليه ألف لرجل فأمر المديون رجلا أن يقضي الطالب الألف التي له عليه
فقال المأمور قضيت وصدقه الآمر وكذبه صاحب الدين لا يرجع المأمور على الآمر، لان المأمور بقضاء
الدين وكيل بشراء ما في ذمته، فإذ لم يسلم له ما في ذمته ويرجع المأمور على الآمر كالوكيل بشراء
العين إذا قال اشتريت ونقدت الثمن من مال نفسي وصدقه الموكل وكذبه البائع لا يرجع الوكيل على
الموكل، فإن أقام المأمور بينة على قضاء الدين قبلت بينته، ويرجع المأمور على الآمر ويبرأ الآمر عن دين

731
الطالب. ا ه‍. ولا يخفى أن معنى قوله لا يرجع الوكيل على الموكل: لا يرجع بما ضاع عليه بجحود
البائع، وإلا فالثمن الذي وجب له بالعقد الحكمي يطالبه به بلا شبهة، لان الوكيل بالشراء ينزل منزلة
البائع من الموكل ولذلك يتحالفان إذا اختلفا في الثمن ويفسخ العقد الذي جرى بينهما حكما كما
سيأتي، فافهم. قوله: (لأنه كالبائع) تعليل للحبس لا للأولوية، هذا إذا كان الثمن حالا، فإن اشتراه
بثمن مؤجل تأجل في حق الموكل أيضا.
قال في جامع الفصولين من السابع والعشرين! فظ الوكيل لو لم يقبض ثمنه حتى لقي الآمر
فقال بعت ثوبك لفلان فأنا أقضيك عنه ثمنه فهو متطوع ولا يرجع على المشتري، ولو قال أقضيكه على
أن يكون المال الذي على المشتري، لم يجز، ورجع الوكيل على موكله بما دفع عدة.
تتمة: بياع عنده بضائع لناس أمروه ببيعها فباعها بثمن مسمى فعجل الثمن من ماله لأصحابها على
أن أثمانها له إذا قبضها فأفلس المشتري فللبائع أن يسترد ما دفع لأصحاب البضائع. حموي. قوله:
(ولو اشتراه الوكيل بنقد) أي بثمن حال، فلو بمؤجل تأجل في حق الموكل أيضا فليس للوكيل طلبه
حالا. بحر. قوله: (المطالبة به حالا) فالحاصل أن العبرة لما وقع عليه العقد. قوله: (وهي الحيلة) أي
لحلوله على الموكل دون الوكيل. قوله: (ولو وهبه) أي وهب البائع للوكيل. قوله: (كل الثمن) أي
جملة واحدة، أما لو وهب له نصفه ثم وهب له النصف الآخر لا يرجع الوكيل على الآمر إلا
بالخمسمائة الأخرى لان الأول حط، والثاني هبة. قال في البحر: ولو وهبه خمسمائة ثم الخمسمائة
الباقية لم يرجع الوكيل على الآخر إلا بالأخرى، لان الأولى حط، والثاني هبة. قوله: (رجع) أي
الوكيل على الآمر. قوله: (بالباقي) أي بالخمسمائة الأخرى كما في مسألتنا. قوله: (لأنه) أي لان
الأولى. قوله: (حط) أي والثانية هبة، وهذه المسألة مبنية على ما تقدم في البيوع أن هبة بعض الثمن
حط لا هبة كله، لان الحط يلتحق بأصل البيع، وفي حط البعض يبقى البيع بالباقي فيرجع به على
موكله هنا، ولو جعل هبة الكل حطا لصار بيعا بلا ثمن فيفسد بها لبيع، فلذلك جعل هبة مبتدأة
للوكيل فيرجع على الموكل بالثمن للمعقود عليه كله، فلو وهبه إياه بدفعتين أو أكثر كان ما قبل الأخير
حطا، وكانت الهبة الأخيرة مبتدأة فيرجع على الموكل بقدرها فقط. قوله: (هلك المبيع من يده قبل
حبسه) ولو هلك الثمن في يده فمن مال الآمر، وإن اشترى ثم نقده الموكل فهلك الثمن قبل دفعه إلى
البائع عند الوكيل يهلك من مال الوكيل.
وفي الخانية: رجل دفع إلى رجل ألف درهم وأمره أن يشتري له بها عبدا فوضع الوكيل الدراهم
في منزله وخرج إلى السوق واشترى له عبدا بألف درهم وجاء بالعبد إلى منزله فأراد أن يدفع الدراهم
إلى البائع فإذا الدراهم قد سرقت وهلك العبد في منزله، فجاء البائع وطلب منه الثمن وجاء الموكل
يطلب منه العبد كيف يفعل؟ قالوا: يأخذ الوكيل من الموكل ألف درهم ويدفعها إلى البائع والعبد
والدراهم هلكا على الأمانة في يده.
قال الفقيه أبو الليث: هذا إذا علم بشهادة الشهود أنه اشترى العبد وهلك في يده، أما إذا لم

732
يعلم ذلك إلا بقوله فإنه يصدق في نفي الضمان عن نفسه. ا ه‍. قوله: (ولم يسقط الثمن) كان الأولى
ولم يسقط الثمن عنه. قوله: (لان يده كيده) أي لان الوكيل عامل له فيصير الموكل قابضا بقبضه
حكما. قوله: (ولو هلك بعد حبسه) قيد بالهلاك، لأنه لو ذهبت عينه عنده بعد حبسه لم يسقط شئ
من الثمن لأنه وصف والأوصاف لا يقابلها شئ، لكن يخير الموكل إن شاء أخذه بكل الثمن وإن شاء
تركه. قوله: (فهو كمبيع) هلك في يد البائع، والبائع إذا حبس المبيع لاستيفاء الثمن يسقط بهلاكه،
فكذا هنا، ولا رجوع للوكيل سواء تساوت قيمته مع ثمنه أو تفاوتا، ولو كان وكيلا بالاستئجار
وقبض الوكيل الدار ليس له أن يحبسها على الموكل بالأجرة ولو شرط تعجيلها، فإن حبسها حتى
مضت المدة فقيل الاجر على الوكيل ويرجع على الموكل، وقيل يسقط عن الموكل. قوله: (وعند الثاني
كرهن) أي فيهلك بأقل من قيمته ومن الثمن لأنه مضمون بالحبس للاستيفاء بعد إن لم يكن، وهو
الرهن بعينه فيهلك بالأقل من قيمته ومن الثمن، حتى لو كان الثمن أكثر من قيمته رجع الوكيل بذلك
الفضل على موكله. وعند زفر: يضمن جميع قيمته لأنه كغصب، فإن كان الثمن مساويا لقيمته فلا
اختلاف، وإن كان الثمن عشرة والقيمة خمسة عشر فعند زفر: يضمن خمسة عشر، لكن يرجع الموكل
إلى الوكيل بخمسة. وعند الباقين: يضمن عشرة. وإن كان بالعكس، فعند زفر: يضمن عشر ويطلب
الخمسة من الموكل، وكذا عند أبي يوسف، لان الرهن يضمن بالأقل من قيمته والدين. وعند محمد:
يكون مضمونا بالثمن وهو خمسة عشر. ابن كمال.
والحاصل أن المبيع يكون مضمونا ضمان المبيع عندهما وهو سقوط الثمن أقل أو أكثر من القيمة،
وضمان الرهن عند أبي يوسف وهو مضمون بالأقل من قيمته ومن الثمن، وضمان الغصب عند زفر
وهو مضمون بالمثل لو مثليا، وبالقيمة لو قيميا بالغة ما بلغت. وباقي التفصيل في صدر الشريعة
وغيره. وبعض الشارحين رجحوا هنا قول أبي يوسف، واختار صاحب الدرر قولهما كالمصنف حيث
لم يتعارضا للاختلاف كما لا يخفى. قوله: (كما اعتمده المصنف الخ) قال العيني: قال في النهاية:
هذا إذا كان الموكل غائبا عن مجلس العقد، أما إذا كان حاضرا يصير كأن الموكل صارف بنفسه فلا
تعتبر مفارقة الوكيل، وعزاه إلى خواهر زاده.
قال الشارح: هذا مشكل، فإن الوكيل أصيل في البيع حضر الموكل العقد أو لم يحضر. قلت:
هذا ليس بمشكل، فإن الوكيل نائب عنه فإذا حضر الأصل فلا يعتبر النائب. قال المصنف: وانتظم
كلامه ما إذا كان الموكل حاضرا أو غائبا. قال شيخنا في بحره بعد أن ذكر ما قدمناه من عدم الفرق
بين حضور الموكل وغيره: وما في النهاية ضعيف لكون الوكيل أصيلا في الحقوق في البيع مطلقا ا
ه‍. ففي قوله أصلا الخ رد لقول العيني: فإن الوكيل نائب عنه. تأمل. ويأتي تمامه في المقولة الثانية.
قوله: (خلافا للعيني وابن ملك) أي والحدادي نقلا عن المستصفى، ومشى عليه في درر البحار،
وعزاه صاحب النهاية إلى الامام خواهر زاده، واستشكله الزيلعي وصاحب العناية بأن الوكيل أصيل
في باب البيع حضر الموكل العقد أو لم يحضر. وقال الزيلعي: وإطلاق المبسوط وسائر الكتب دليل على
أن مفارقة الموكل لا تعتبر أصلا ولو كان حاضرا، وهذا منشأ ما مشى عليه المصنف تبعا للبحر، لكن

733
أجاب العيني عن الاشكال بأن الوكيل نائب، فإذا حضر الأصيل فلا يعتبر النائب ا ه‍.
وتعقبه الحموي بأن الوكيل نائب في أصل العقد أصيل في الحقوق، وحينئذ فلا اعتبار بحضرة
الموكل، ومما يتضح به تزييف جواب العيني ما ذكره هو نفسه عند قول المصنف: وللمشتري منع
الموكل عن الثمن من أن الموكل أجنبي عن العقد وحقوقه لأنها تتعلق بالعاقد على ما بينا. كذا أفاده أبو
السعود وذكر في الحواشي السعدية أنه توارد مع الزيلعي في هذا الاشكال، ثم نقل عبارة الزيلعي،
وقال: وعليك بالتأمل، وبه علمت أن ما ذكره الشارح: أي العيني في غير محله.
أقول وبالله التوفيق: الذي يقطع عرق الاشكال من أصله ما قدمه الشارح عن الجوهرة والمصنف
في منحه من أن المعتمد أن العهدة على آخذ الثمن لا العاقل لو حضرا في أصح الأقاويل، وما ذكره
العيني مبني على القول الآخر من أنه لا عبرة بحضرته وهو ما مشى عليه في المتن سابقا، فتنبه. قوله:
(ولو صبيا) أتي بالمبالغة لأنه محل توهم حيث لا ترجع الحقوق إليه. قال المصنف: والمستحق بالعقد
قبض العاقد وهو الوكيل، فيصح قبضه وإن كان لا تتعلق به الحقوق كالصبي والعبد المحجور عليه،
ولذا أطلقه في المختصر تبعا للكنز وغيره. قوله: (فيبطل العقد) تفريع على الأصل المذكور. كذا قاله
صاحب الهداية والكافي وسائر المتأخرين. درر. قوله: (بمفارقة صاحبه) أي مفارقة الوكيل صاحبه
وهو العاقد، منح. قوله: (والمراد بالسلم الاسلام) بأن يوكل رب السلم شخصا يدفع رأس السلم إلى
المسلم فيه. قوله: (لا قبول السلم) بأن يوكل المسلم إليه من يقبض له رأس مال السلم، لان الوكيل
إذا قبض رأس المال بقي المسلم فيه في ذمته وهو مبيع، ورأس المال ثمنه وقد وكل في قبضه، ولا
يجوز أن يبيع الانسان ماله بشرط أن يكون الثمن لغيره كما في بيع العين، وإذا بطل التوكيل كان
الوكيل عاقدا لنفسه فيجب المسلم فيه في ذمته ورأس المال مملوك له، وإذا أسلمه إلى الآمر على وجه
التمليك منه كان قرضا. ا ه‍. نعم يجوز توكيل المسلم إليه بدفع المسلم في. قوله: (لأنه لا يجوز) نقله
في البحر عن الجوهرة، وعبارتها: بأن وكله يقبل له السلم، وعبارة الهداية: ومراده التوكيل بالاسلام
دون قبول السلم.
قال الرملي: وقد تواردت الشراح وغيرهم على هذا. قال في العناية: واعترض بأن قبول السلم
عقد يملكه الموكل، فالواجب أن يملكه الوكل حفظا للقاعدة المذكورة عن الانتقاض، وبأن التوكيل
بالشراء جائز لا محالة، والثمن يجب في ذمة الموكل والوكيل مطالب به فلم لا يجوز أن يوكل المال
للمسلم إليه والوكيل مطالب بتسليم المسلم فيه؟ وأجاب عن الايرادين بجوابين ردهما الرملي، ثم قال:
ويختلج في صدري جواب لعله يكون صحيحا إن شاء الله تعالى، وهو أنه لما اختلف العلماء كما
قرروه في الملك، هل يثبت للموكل ابتداء أو للوكيل ثم ينتقل للموكل أثر هذا الاختلاف في المحل
شبهة، فأوجب عدم الجواز فيما القياس فيه المنع مطلقا احتياطا إذ العقود الفاسدة مجراها مجرى الربا
والامر المتوهم في الربا كالمحقق في مسألة بيع الزيتون بالزيت، فعدم جواز التوكيل من المسلم إليه لما
فيه من بيع المسلم فيه قبل القبض عند من يقول: إنه ينتقل من الوكيل للموكل، ولاحتماله عند القائل
بثبوته ابتداء للموكل، لأنه مجتهد فيه وهو محل الاحتمال، والفاسد ملحق بالربا والربا يثبت بالشبهة
والتوهم ا ه‍.

734
قال الشيخ خليل الفتال في حاشيته: وتعقبه بعض حنفية زماننا حيث قال قوله، ولعله يكون
صحيحا يختلف فيه الرجاء فأحسن التدبر يظهر لك ذلك.
وحاصله: أن بيع المسلم فيه قبل قبضه إنما يتأتى لو كان الوكيل من طرف رب السلم والمسألة
في الوكيل من طرف المسلم إليه، وأي بيع للمسلم فيه قبل قبضه نعم يمكن أن يكون المستفاد من
هذا التقرير هو الحامل لتصحيح المشايخ القول بثبوت الملك للموكل ابتداء، إذ على مقابله: وهو القول
بالانتقال يشكل صحة التوكيل بالاسلام لما فيه من بيع المسلم فيه قبل قبضه. ا ه‍.
قلت: وفي قوله نعم يمكن الخ نظر ظاهر، فقد بناه على ما تقتضيه عبارته فكيف يثبت
غرضه. قوله: (أي الصرف) صورته أن يقول إن فلانا أرسلني إليك لتصرف له هذا الدينار فقبل،
وقام الرسول قبل قبض البدل لا يفسد الصرف، فإذا قام المرسل إليه قبل دفع البدل إلى المرسل أو نائبه
أو قام المرسل من مجلسه فسد الصرف. قوله: (والسلم) صورته: أن يقول إن فلانا أرسلني إليك لتقبل
منه السلم كذا بكذا وذهب الرسول قبل قبض رأس المال لا يفسد العقد، وإنما يفسد إذا قام
المرسل إليه عن المجلس قبل قبضه أو قام المرسل. كذلك أفاده ر. قوله: (بل مفارقة مرسله) الأولى
العاقد. قوله: (لان الرسالة في العقد) أي حصلت في العقد. قوله: (لا القبض) وكلام الرسول ينتقل
إلى المرسل، فيكون العاقد هو المرسل فيكون قبض الرسول غير قبض العاقد فلا يجوز. عيني. ويترتب
على ذلك حرمة العقد بين الرسول والآخر لخلوه عن القبض، فالمخلص أن يوكله في الصرف ولو
بالامر ط. قوله: (واستفيد صحة التوكيل بهما) الأولى تقديم هذه الجملة قبل مسألة الرسول.
أقول: ومنشأ الاستفادة أن كلا منهما مما يباشره الموكل فيوكل فيه.
واعلم أن هذا ليس بعزيز، إذ قد صرح به متن الدرر. نعم يتجه لو قال واستفيد صحة الارسال
ليكون خلافا لما في الجوهرة لا يصح الصرف بالرسالة، لان الحقوق تتعلق بالمرسل وهما مفترقان حالة
العقد.
واعلم أن ما في الجوهر حقيق بالقبول إذا لم يكن المرسل حاضرا في مجلس العقد. قوله: (وكله
بشراء عشرة أرطال لحم بدرهم) قيد بالموزون لأنه في القيمي لا ينفذ بشئ على الموكل إجماعا، فلو
وكله بشراء ثوب هروي بعشرة فاشترى له ثوبين هرويين بعشرة مما يساوي كل واحد منهما عشرة لا
يلزم الآمر واحد منهما عنده لعدم إمكان الترجيح، لان ثمن كل واحد منهما مجهول، إذ لا يعرف إلا
بالحرز، بخلاف اللحم لأنه موزون مقدر، فيقسم الثمن على أجزائه. زيلعي بحر. وأما على تقدير
كون اللحم قيميا كما هو في غير الصحيح فالفرق بينهما أن التفاوت بين العشرة أرطال وضعفها قليل
ساقط عن درجة الاعتبار إذا كانا من جنس واحد، وهو المفروض، بخلاف الثوب فإن التفاوت يتصور
بين أفراده مادة وطولا وعرضا ورفعة ودقة كما في العناية. ولو أمره بشراء ثوب بعينه والمسألة بحالها
لزمه ذلك الثوب بصحته من عشرة، وكذا لو أمره بشراء حنطة بعينها. كذا في الوجيز للكردري.
قال في الهندية: والأصل في هذه المسائل أن الموكل متى جمع بين الإشارة والتسمية في ثمن ما
وكل بشرائه والمشار إليه خلاف جنس المسمى، فإما أن يكونا جاهلين بحال المشار إليه أو أحدهما أو

735
كانا عالمين ولا يعلم أحدهما بعلم صاحبه أو عالمين بهما، ففي الثلاثة الأول تتعلق الوكالة بالمسمى لدفع
الغرر عنهما أو عن أحدهما، وفي الرابع تتعلق بالمشار إليه، لان الإشارة أبلغ في التعريف من التسمية
من غير مانع الغرر، وإن كان المشار إليه من جنس المسمى، فالوكالة تتعلق بالمشار إليه إلا إذا كان فيه
ضرر بالوكيل بأن يتقرر عليه الثمن من غير رضاه.
قال لغيره: اشتر لي جارية بما في هذا الكيس من الألف الدراهم ودفع الكيس إلى الوكيل
فاشترى جارية بألف درهم كما أمر به، ثم نظر إلى الكيس فإذا فيه ألف دينار أو ألف فلس أو تسعمائة
درهم فالشراء جائز على الآمر إذا كانا جاهلين بما في الكيس أو كان أحدهما جاهلا أو كانا عالمين، إلا
أن كل واحد لا يعلم أن صاحبه يعلم به، وكذلك لو نظر الوكيل إلى ما في الكيس وعلم به ثم اشترى
جارية بألف درهم كان الشراء للموكل، لان الوكالة حال وجودها تعلقت بالمسمى، وكذلك لو كان
في الكيس ألف وخمسمائة فاشترى جارية بألف درهم فالشارء نافذ على الموكل، وكذا إذا قال اشتر لي
جارية بألف درهم نقد بيت المال الذي في هذا الكيس فاشترى له كما أمر به فإذا في الكيس ألف
درهم غلة، أو قال اشتر لي جارية بألف درهم غلة الذي في هذا الكيس فاشترى له كما أمر به فإذا في
الكيس ألف درهم نقد بيت المال فالشراء جائز على الآمر. هكذا في المحيط. ا ه‍. قوله: (فاشترى
ضعفه) قيد بالزيادة الكثيرة، لان القليلة كعشرة أرطال ونصف رطل لامه للآمر، لأنها تدخل بين
الوزنين فلا يتحقق حصول الزيادة. بحر عن غاية البيان. قوله: (خلافا لهما) فعندهما: يلزمه
العشرون بدرهم لأنه فعل المأمور وزاده خيرا، وصار كما إذا وكله ببيع عبده بألف فباعه بألفين، ولأبي
حنيفة أنه أمره بشراء عشرة ولم يأمره بالزيادة فينفذ الزائد عليه، بخلاف ما استشهدا به لان الزيادة فيه
بدل ملكه. زيلعي.
قال الحموي: وهو مخالف لما ذكره في باب ما يجوز من الإجارة وكله بالبيع بألف درهم فباعه
بألف دينار لا ينفذ بيعه، فليتأمل ا ه‍.
وأقول: سيأتي أنه متى اختلف جنس الثمن بأن أمره بالدراهم فباع بالدنانير يصير مخالفا مطلقا
ولو إلى خير. قوله: (ولو شرى مالا يساوي ذلك) بأن اشترى ما يساوي ذلك العشرون منه درهما بدرهمين
وقع للوكيل لأنه خلاف إلى شر كشرائه مهزولا، لان الامر تناول السمين وهذا مهزول فلم يحصل
مقصود الآمر ط. قوله: (وقع للوكيل إجماعا) لأنه خالف إلى شر. قوله: (كغير موزون) أي من
القنيات كما تقدم بأن أمره بعبد بمائة فاشترى بها عبدين كل واحد يساوي المائة فالكل المأمور
إجماعا.
أقول: ومثل الموزون المكيل والمعدود المتقارب. قوله: (ولو وكله بشراء شئ بعينه) أي
وعينه له إما باسم الإشارة أو باسم العلم أو بالإضافة، كأن وكله أن يشتري له هذا العبد بثمن مسمى

736
وقبل الوكيل وكالة ثم خرج من عند الموكل وأشهد على نفسه أن يشتريه لنفسه ثم اشترى العبد بمثل
ذلك الثمن فهو للموكل كما في الهندية.
والأصل أن الوكيل يعزل نفسه بحضرة موكله لا في غيبته دفعا للغرر، وعذا في العزل القصدي،
أما في الضمني كما لو كان ذلك بمخالفة الموكل بصح مطلقا. وعليه فلو وكله أو يزوجه معينة
فتزوجها فقد عزل نفسه عزلا ضمنيا لأنه جعله مزوجا لا متزوجا، فالذي عقده غير مسلط عليه من
قبل الموكل فهو مخالف فيه فيكون عزلا ضمنيا، بخلاف الشراء فإنه إنما فوض إليه أن يشتريه وقد
اشترى فلم تحصل المخالفة، إلا أنه نواه لنفسه لا للآمر، فتبطل نيته لبقاء الوكالة، وعدم عزله لعدم المخالفة منه إذا لم يباشر المأمور به، حتى لو اشتراه بخلاف ما سمى له من الثمن أو بغير النقود كان
مخلفا أمره فينعزل عزلا ضمنيا، فلا يتوقف على علم الموكل.
قال الحموي: ومثل التوكيل بشراء شئ بعينه التوكيل بالاستئجار، إلا أني لم أره صريحا وهي
حادثة الفتوى، ولو اشترى نصف المعين فالشراء موقوف إن اشترى باقيه قبل الخصومة لزم الموكل عند
أصحابنا الثلاثة.
ولو خاصم الموكل الوكيل إلى القاضي قبل أن يشتري الوكيل الباقي وألزم القاضي الوكيل ثم إن
الوكيل اشترى الباقي بعد ذلك لزم الوكيل بالاجماع، وكذا كل ما في تبعيضه ضرر وفي تشقيصه عيب
كالعبد والأمة والدابة والثوب، وهذا بخلاف ما إذا وكله ببيع عبده فباع نصفه أو جزء منه معلوما فإنه
يجوز عند الامام سواء باع الباقي منه أو لا، وإن وكله بشراء بشئ ليس في تبعيضه ضرر ولا في
تشقيصه عيب فاشترى نصفه يلزم الموكل ولا يتوقف لزومه على شراء الباقي ا ه‍. قوله: (بخلاف
الوكيل بالنكاح) أي بنكاح معينة، والأنسب وضعها بعد قول المصنف لا يشتريه لنفسه ح. قوله:
(والفرق في الواني) أي بين التوكيل بشراء معين وبين التوكيل بنكاح معينة مذكور في الواني. محشي
الدرر. وذكره الزيلعي أيضا.
وحاصله: أن النكاح الداخل تحت الوكالة نكاح مضاف إلى الموكل فينعزل إذا خالف وأضافه إلى
نفسه، بخلاف الشراء فإنه مطلق غير مقيد بالإضافة لكل أحد. وعبارة الزيلعي: لان النكاح الذي أتى
به الوكيل غير داخل تحت أمره، لان الداخل تحت الوكالة نكاح مضاف إلى الموكل، فكان مخالفا
بإضافته إلى نفسه فانعزل. وفي الوكالة بالشراء الداخل فيها شراء مطلق غير مقيد بالإضافة إلى الموكل.
فكل شئ أتى به لا يكون مخالفا به، إذ لا يعتبر في المطلق إلا ذاته دون صفاته، فيتناول الذات على
أي صفة كانت فيكون موافقا بذلك، حتى لو خالف مقتضى كلام الآمر في جنس الثمن وقدره كان
مثله ا ه‍.
قلت: حاصله أن النكاح من العقود التي تضاف إلى الموكل، ولا تتحقق له إلا بالإضافة،
بخلاف الشراء فإنه يكون للموكل ولو أضافه الوكيل إلى نفسه كما يعلم مما مر.
أقول: وعبارة الواني: فإن قيل ما الفرق بين هذا وبين ما إذا وكله بتزويج امرأة بعينها حيث
جاز له أن يتزوجها؟ قلنا: هو أن النكاح الذي أتى به الوكيل غير الذي أمر به، لان المأمور به النكاح
الذي أضيف إلى الآمر، وهذا أضيف إلى الوكيل، فكان مخالفا، وأما في مسألتنا فالمأمور مطلق الشراء
غير مقيد بالإضافة إلى أحد، هكذا قيل. ولا يخفى أن قوله وفي مسألتنا المأمور مطلق الشراء ممنوع،

737
فإن المأمور فيها أيضا البيع الذي أضيف إلى الآمر، فإنه قال اشتر لي هذا، فكيف يكون هذا أمرا
بمطلق الشراء. ا ه‍.
أقول: ومثله في النهاية والزيلعي والحواشي اليعقوبية وغيرهم، فليراجع. قوله: (غير الموكل)
بالجر صفة لشئ مخصصة، وبالنصب استثناء منه أوحال لأنه لا يجوز بالوجهين بدليل ما يأتي، فلو
قال غير الموكل والموكل لكان أوضح.
قال في المنح: وإنما قيدنا بغير الموكل للاحتراز عما إذا وكل العبد من يشتريه له من مولاه أو
وكل العبد بشرائه له من مولاه فاشترى فإنه لا يكون للآمر ما لم يصرح به للمولى أن يشتريه فيهما
للآمر مع أنه وكيل بشراء شئ بعينه لما سيأتي ا ه‍. وكان وجه الاحتراز عما ذكره من الصورتين
باعتبار احتمال لفظ الموكل لاسم الفاعل واسم المفعول، ولا يخفى ما فيه، فكان الأول أن يقول: غير
الموكل والموكل، أو يقول: ولو وكله بشراء معين غير نفس الآمر، وأفاد مسكين أن التعيين إما
بالإشارة أو باسم العلم أو بالإضافة. قوله: (لا يشتريه لنفسه) لان فيه عزل نفسه وهو لا يملك عزل
نفسه، والموكل غائب حتى لو كان الموكل حاضرا وصرح بأنه يشتريه لنفسه كان له، لان له أن يعزل
نفسه بحضرة الموكل، وليس له العزل من غير علمه لأنه فسخ عقد، فلا يصح بدون علم صاحبه
كسائر العقود. عيني وزيلعي وغيرهما كالعناية وغاية البيان والمنح. وأورد عليهم أن العلم بالعزل في
باب الوكالة يحصل بأسباب متعددة، منها: حضور صاحبه، ومنها: بعث الكتاب ووصله إليه،
ومنها: إرسال الرسول وتبليغ الرسالة، ومنها: إخبار واحد عدل أو اثنين غير عدلين بالاجماع أو إخبار
واحد عدل كان أو غيره عند أبي يوسف ومحمد، وقد صرح بها في عامة المعتبرات سيما في البدائع،
واشتراط علم الآخر في فسخ أحد المتعاقدين العقد القائم بينهما لا يقتضي أن لا يملك الوكيل عزل
نفسه إلا بمحضر من الموكل، لان انتفاء سبب واحد لا يستلزم انتفاء سائر الأسباب فلا يتم التغرير.
اللهم إلا أن يحمل وضع المسألة على انتفاء سبب واحد لا يستلزم انتفاء سائر الأسباب فلا يتم التغرير.
اللهم إلا أن يحمل وضع المسألة على انتفاء سائر أسباب العلم بالعزل أيضا، لكنه غير ظاهر من عبارات
الكتب أصلا. قاضي زاده. أفاده أبو السعود. قوله: (ولا لموكل آخر بالأولى) أي بأن وكله رجل آخر
بأن يشتري له هذا الشئ بعينه، فاشتراه له كان للموكل الأول دون الثاني، لأنه إذا لم يملك الشراء
لنفسه فلا يملكه لغيره بالأولى، وهذا إن لم يقبل وكالة الثاني بحضرة الأول، وإلا فهو للثاني، وإن كان
الأول وكله بشرائه بألف والثاني بمائة دينار فاشتراه بمائة دينار فهو للثاني، لأنه يملك شراءه لنفسه
بمائة، فيملك شراءه لغيره أيضا، بخلاف الفصل الأول. كذا في البزازية.
قال المقدسي: فلو أضا إلى الثاني ينبغي أن يكون للثاني، كما لو قبل وكالة الثاني بحضرة الأول
أو شراه بما عينه الثاني مخالفا للأول ا ه‍.
وفي كافي الحاكم: رجل وكل رجلا بشراء أمة بعينها فقال الوكيل نعم فشراها لنفسه ووطئها
فحبلت منه يدرأ عنه الحد، وتكون الأمة وولدها للآمر ولا يثبت النسب ا ه‍.
قال الرملي: يستفاد من قول الوكيل نعم أنه لو لم يقبلها لم يكن كذلك وهو طاهر، فإذا لم يقبلها
واشترى وقع له، والله تعالى أعلم.
ونقل في البحر عن البزازية: اشتر لي جارية فلان فسكت وذهب واشتراها، إن قال اشتريتها لي

738
فله، وإن قال للموكل فله، وإن أطلق ولم يضف ثم قال كان ذلك: إن قائمة ولم يحدث بما عيب
صدق، وإن هالكة أو حدث بها عيب لا يصدق. ا ه‍.
وفي الأشباه والنظائر: سكوت الوكيل قبول ويرتد برده. ا ه‍. وقدمنا عن البحر أول الوكالة أن
ركنها ما دل عليها من الايجاب والقبول ولو حكما ليدخل السكوت، وصاحب البحر فهم من عبارة
البزازي كما ذكره أن الجارية لم تتعين بالإضافة إلى المالك فيه. والذي يلوح لي أن فرع البزازية في المعينة
أيضا. ويفرق بين السكوت وبين التصريح بالقبول أخذا من تقييده في كافي الحاكم بقوله فقال الوكيل
نعم، وتقييده في البزازية بقوله فسكت، وإلا لا يكون في ذكر ذلك فائدة، وعليك أن تتأمل.
قلت: وقد ذكر عبارة البزازية في التتارخانية نقلا عن شركة العيون، وأبدل قول البزازية فسكت
بقول ولم يقل المأمور نعم ولم يقل لا، ثم قال في آخرها: هذا كله رواية الحسن عن أبي حنيفة، وربما
يستفاد منه أن في المسألة رواية أخرى. تأمل، ثم معنى قوله ويفرق بين السكوت وبين التصريح
بالقبول أنه إن سكت فعلى التفصيل المذكور في البزازية، وإن صرح فهي للمأمور، لأنه إن سكت لم
تصح الوكالة لمنافاته لما في البزازية وهو ظاهر. قوله: (عند غيبته) أما لو كان حاضرا وصرح بأنه
يشتريه لنفسه كان المشتري له، لان له أن يعزل نفسه بحضرة الموكل، وليس له ذلك بغير علمه لان فيه
تغريرا له ح. قوله: (حيث لم يكن مخالفا) تعليل للحكم وإشارة للفرق بين التوكيل بالشراء والنكاح
كما سبق. قوله: (دفعا للغرر) علة ثانية: أي إنما منع شراؤه لنفسه لأنه يؤدي إلى تغرير الآمر من
حيث أنه اعتمد عليه، ولأن فيه عزل نفسه ولا يملكه إلا بمحضر من الموكل، والأصل في هذه
المسائل المارة أن الوكيل يعزل نفسه بحضرة موكله لا في غيبته دفعا للغرر، هذا بالعزل القصدي. أما
الضمني كما لو كان ذلك بمخالفة الموكل فيصح مطلقا، وعليه يبني قوله المار فلو وكله أن يزوجه
معينة فتزوجها فقد عزل نفسه عزلا ضمنيا لأنه جعله مزوجا لا متزوجا، فالذي عقده غير مسلط عليه
من قبل الموكل فهو مخالف فيه فيكون عزلا ضمنيا، بخلاف الشراء فإنه إنما فوض إليه أن يشتريه وقد
اشترى فلم تحصل المخالفة، إلا إذا نواه لنفسه لا للآمر فتبطل نيته لبقاء الوكالة وعدم عزله لعدم
المخالفة منه إذ لم يباشر المأمور به، حتى لو اشتراه بخلاف ما سمى له من الثمن أو بغير النقود كان
مخالفا لامره فيعزل عزلا ضمنيا فلا يتوقف على علم الموكل كما قدمناه. قوله: (فلو اشتراه) تفريع على
قوله: حيث لم يكن مخالفا. قوله: (بغير النقود) أي بأن اشترى بالعروض أو بالحيوان ولم يكن الثمن
مسمى، وهذا إذ أمره بالنقود على ما في مسكين، ولو ساوى المسمى قيمته.
واعلم أن الأولى أن يقول: فلو اشتراه بحضرته وقع للوكيل، ثم يستطرد ويقول: وكذا بغير ما
عين، وسيأتي إذا خالف في الدنانير بدراهم قيمتها كالدنانير يصح للموكل وقد تقدم أيضا، ويجب
تقييده بما إذا لم يضف العقد إلى الموكل. أما إذا أضافه إليه بأن قال بعته لموكلك فقال الوكيل اشتريت
له يتوقف على إجازة الموكل بلا شبهة كما علم مما تقدم في الكلام على شراء الفضولي، وسيأتي ذكره
قريبا في شرح قوله: قال بعني هذا لعمرو.
قلت: وفيه كلام قدمناه أول الوكالة في شرح قوله وبإيفائها واستيفائها فلا تغفل. قوله: (أو
بخلاف ما سمى) أي إن كان الثمن مسمى، وأطلق في المخالفة فشمل المخالفة في الجنس والقدر كما
في البزازية، وقيده في الهداية والمجمع بخلاف الجنس، فظاهره أنه إذا سمى له ثمنا فزاد عليه أو

739
نقص عنه فإنه لا يكون مخالفا، وظهر ما في الكافي للحاكم أنه يكون مخالفا فيما إذا
زاد لا فيما إذا نقص، فإنه قال: وإن قال اشترى لي ثوبا هرويا ولو لم يسم الثمن فهو جائز على الآمر، وإن سمى ثمنا
فزاد عليه شيئا لم يلزم الآمر، وكذلك إن نقص من ذلك الثمن إلا أن يكون وصفه له بصفة وسمى له
ثمنا فاشترى بتلك الصفة بأقل من ذلك الثمن فيجوز على الآمر، وإن كان معينا فهو كالموصوف،
فشمل ما إذا كان خلاف الجنس عرضا أو نقدا خلافا لزفر في الثاني، وما إذا كان ما اشترى به مثل
قيمة ما أمر به أو أقل كما في البزازية ونقله عنه في البحر. قوله: (من الثمن) قال الحموي: أي بأن
يأمره بالشراء بألف درهم فيشتريه بمائة دينار، وقد جعل محمد الدراهم والدنانير جنسين، إذ لو
جعلهما جنسا واحدا لصار الوكيل مشتريا للآمر حينئذ.
وقد ذكر في شرح الجامع الصغير في باب المساومة أن الدراهم والدنانير جنسان مختلفان قياسا
في حق حكم الربا، حتى جاز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، وفيما عدا حكم الربا جعلا جنسا واحدا
استحسانا حتى يكمل نصاب أحدهم بالآخر. والقاضي في قيم المتلفات بالخيار: إن شاء قوم
بالدراهم، وإن شاء قوم بالدنانير، والمكره على البيع بالدراهم إذا باع بالدنانير أو على العكس كأن يبيعه
بيع مكره، وصاحب الدراهم إذا ظفر بدنانير غريمه كان له أن يأخذها بجنس حقه، كما لو ظفر
بدراهمه، إلا رواية شاذة عن محمد. وإذا باع شيئا بالدراهم اشتراه بالدنانير قبل نقد الثمن أو على
العكس والثاني أقل من قيمة الأول كان البيع فاسدا استحسانا، وتبين بما ذكر أنهما اعتبرا جنسين
مختلفين في حكم الربا.
شهد بالدرهم والآخر بالدنانير أو شهد بالدراهم والمدعي دنانير أو على العكس لا تقبل
الشهادة، وكذلك في باب الإجارة اعتبرا جنسين مختلفين، على أن من استأجر من آخر دارا بدراهم
وأجرها من غيره بدنانير أو على العكس وقيمة الثاني أكثر من الأول تطيب له الزيادة. فما ذكر في
الجامع أنهما جعلا جنسا واحدا فيما عدا حكم الربا على الاطلاق غير صحيح. كذا في التتارخانية.
ا ه‍.
قلت: وذكر العمادي في فصوله: الدراهم أجريت مجرى الدنانير في سبعة واضع، وقد ذكر
صاحب البحر أوائل البيوع عند قوله ولا بد من معرفة قدر ووصف ثمن أنه ليس للحصر. قوله:
(وينعزل في ضمن المخالفة) يفيد أنه لو شراه له بعد ذلك لا ينفذ على الموكل.
وفي المقدسي عن القنية: وكله بشراء أمة بعينها بعشرة فشراها فقال الآمر شريتها بعشرة وقال
المأمور شريتها لنفسي بخمسة عشر فالقول للوكيل والبينة بينته.
وفي المقدسي أيضا: ولو سمى له ثمنا فزاد عليه شيئا لم يلزم الامر، وكذلك إن نقص من ذلك
الثمن إلا أن يكون وصف له بصفة وسمى له ثمنا فاشتراه بتلك الصفة بأقل من ذلك الثمن فيجوز على
الآمر، وإذا كان معينا فهو كالموصوف.
وفي الواقعات: قال أسير لرجل اشترني بألف درهم فشراه بمائة دينار أو بعرض جاز وله أن
يرجع على الأسير ا ه‍. وفي خزانة المفتين من الصرف: الأسير إذا أمر رجلا أن يفديه بألف ففداه
بألفين عليه يرجع بألفين عليه وليس بمنزلة الوكيل بالشراء.

740
وفي الزيادة: قال له اشتر لي بهذه الألف درهم أمة ولم يسلم الألف حتى سرقت فشرى أمة
بألف لزم الموكل، والأصل أن النقدين لا يتعينان في الوكالة قبل التسليم بلا خلاف، وبعده اختلف
فيه وعامتهم أنها لا تتعين. ا ه‍.
أقول: ويتفرع على ما في الخلاص وكيل الشراء إذا شرى ما أمر به ثم أنفق الدراهم بعد ما سلم
للآمر ثم نقد للبائع غيرها جاز، وسيأتي تصحيح مقابل هذا عن الخانية، وعليه قول الزيادات: ولو
دفع الدراهم للوكيل فسرقت لم يضمن، فإن شرى أمة بألف نفذ عليه علم بهلاكها أو لم يعلم، ولو
سرقت خمسمائة فشرى أمة بألف فهي له، وإن شرى بخمسمائة تساوي ألفا فهي للموكل، وكذا لو
دفع كيسا فقال اشتر بالألف التي فيه فلم يجد سوى خمسمائة، وإذا دفع إليه ألفا ليشتري له شيئا بعينه
فهلك فشرى فهو للوكيل، وإن هلكت بعد الشراء فللموكل ويرجع بها عليه. هذا إذا اتفقا على تلفها
قبل أو بعد، فإن اختلفا فالقول للآمر بيمينه. قوله: (وإن بشراء شئ بغير عينه فالشراء للوكيل) هذه
المسألة على وجوه كما في البحر: إن أضاف العقد إلى دراهم الآمر كان للآمر، وهو المراد عندي بقوله
أو يشتريه بمال الموكل دون النقد من ماله، لان فيه تفصيلا وخلافا، وهذا بالاجماع وهو مطلق، وإن
أضافه إلى دراهم نفسه كان لنفسه حملا لحاله على ما يحل له شرعا أو يفعله عادة، إذا الشراء لنفسه
بإضافة العقد إلى دراهم غيره مستنكر شرعا وعرفا، وإن أضافه إلى دراهم مطلقة: فإن نواها للآمر فهو
للآمر، وإن نواها لنفسه فلنفسه، لان له أن يعمل لنفسه ويعمل للآمر في هذا التوكيل، وإن تكاذبا
في النية يحكم النقد بالاجماع لأنه دلالة ظاهرة على ما ذكرنا، وإن توافقا على أنه لم تحضره النية أو
اختلفا بأن قال الوكيل لم تحضرني النية وقال الموكل بل نويت لي أو بالعكس، قال محمد: هو للعاقد
لان الأصل أن كل أحد يعمل لنفسه إلا إذا ثبت جعله لغيره ولم يثبت. وعند أبي يوسف: يحكم النقد
لان ما أطلقه يحتمل الوجهين فيبقى موقوفا، فمن أي المالين نقد نفذ فعل ذلك المحتمل لصاحبه، ولأن
مع تصادقهما يحتمل النية للامر، وفيما قلنا حمل على الصلاح كما في حالة التكاذب والتوكيل بالاسلام
في الطعام على هذه الوجوه. ا ه‍. ومثله في الهداية والمقدسي، وقول الإمام فيما ذكره العراقيون مع
محمد وغيرهم ذكروه مع الثاني.
وبهذا علم أن معنى الشراء للموكل إضافة العقد إلى ماله لا النقد من ماله، وأن محل النية
للموكل ما إذا أضافه إلى دراهم مطلقة، وظهر ما في الكتاب ترجيح قول محمد من أنه عند عدم النية
يكون للوكيل لأنه جعل للوكيل إلا في مسألتين، وظاهر ما في الهداية أنه لا اعتبار بنيته لنفسه إذا
أضافه إلى مال موكله، ولا بينة لموكله إذا أضافه إلى مال نفسه، وأن نقده الثمن من مال موكله علامة
نيته له وإن لم يضفه إلى ماله. قال المقدسي: وفي الثاني نظر لأنه لا محذور في ذلك، إذ دفع ماله عن
غيره غير مستنكر. ا ه‍. هذا إذا اشتراه بثمن حال، وإن بمؤجل فهو للوكيل.
قال في التتارخانية: وإن اشترى بدراهم مطلقة فهو على وجهين، وإن اشترى حالا يحكم النقد،
إن نقد من دراهم الموكل فالشراء للموكل، وإن نقد من مال نفسه فالشراء له، وإن لم ينقد يرجع في

741
البيان إلى الوكيل. ثم قال: وإن اشترى مؤجلا فالشراء يكون للوكيل، حتى لو ادعى الشراء بعد ذلك
للموكل لا يصدق إلا أن يصدقه الموكل. ا ه‍.
وحاصل ما قدمناه أنه إن أضاف العقد إلى مال أحدهما كان المشتري له، وإن أضافه إلى مال
مطلق: فإن نواه للآمر فهو له، وإن نواه لنفسه فهو له، وإن تكاذبا في النية يحكم النقد إجماعا، وإن
توافقا على عدمها فللعاقد عند الثاني وحكم النقد عند الثالث. وبه علم أن محل النية للموكل فيما إذا
أضافه إلى مال مطلق سواء نقده من ماله أو من مال الموكل، وكذا قوله ولو تكاذبا، وقوله ولو توافقا
محله فيما إذا أضافه إلى مال مطلق، لكن في الأول يحكم النقد إجماعا، وفي الثاني على الخلاف السابق.
وفي كافي الحاكم: ولو وكله أن يشتري له أمة وسمى جنسها ولم يسم الثمن فشرى أمة وأرسل
بها إليه فوطئها الآمر فعلقت فقال الوكيل ما اشتريتها لك يحلفه على ذلك ويأخذها وعقرها وقيمة
ولدها للشبهة التي دخلت، وإن كان حين أرسل بها إليه أقر أنه شراها له أو قال هي الجارية التي
أمرتني أن أشتريها لك لم يستطع الرجوع في شئ من أمرها، فإن أقام البينة أنه حين شراها شراها
لنفسه لم يقبل منه ذلك ا ه‍. وبه علم أن الارسال للموكل لا يكون معينا كونه اشتراها له، وأنهما إذا
تنازعا في كون الشراء وقع له يحلف الوكيل، ومحله إن لم ينقد الثمن، وإلا فقدمنا أنه يحكم النقد
بالاجماع عند التكاذب.
وذكر الزيلعي أنه إذا نقد من مال الموكل فيما اشتراه لنفسه يجب عليه الضمان، وهو ظاهر في
أن قضاء الدين بمال الغير صحيح موجب لبراءة الدافع موجب للضمان. وذكر في بيع الفضولي أيضا
أن من قضى دينه بمال الغير صار مستقرضا في ضمن القضاء، فيضمن مثله إن كان مثلثا، وقيمته إن
كان قيميا وفي منظومة ابن وهبان:
وكيل قضى بالمال دينا لنفسه * يضمن ما يقضيه عنه ويهدر
ومعنى يهدر أنه يكون متبرعا. قال شارحها: مسألة البيت من القنية: قال الوكيل بقضاء الدين
صرفت مال الموكل إلى دين نفسه ثم قضى دين الموكل من مال نفسه ضمنه وكان متبرعا، ومقتضاه
سقوط الدين عن الموكل، وإليه أشار بقوله ويهدر ا ه‍.
مطلب: حادثة الفتوى
قال المقدسي: وهي حادثة الفتوى حدثت لبعض المتأخرين من المتكلمين على الكنز، وفيه كلام،
فإنه إن أراد بقوله إن قضاء الدين بمال الغير صحيح أنه جائز ونافذ ولا إثم فيه وينقض فهو باطل
ضرورة أن هذا المال مغصوب، ولم يقل أحد بأن المغصوب لا يجوز التصرف فيه ويقضى به الدين،
ولو طلبه صاحبه لا يمكن فيه، ولا شك أن رب دراهم الغصب لو رآها مع الدائن وبرهن عليها له
أخذها وينقض القضاء، وما نقله عن الزيلعي وغيره لا يشهد له لأنه جعله قرضا، والقرض إنما يصح
بالاختيار والرضا والضمان، والرضا لا يجوز على الجواز. ويحمل على ما إذا أجاز رب الدراهم وإلا
فله عليها ومنع الوفاء بها ونقض القضاء، نعم إذا هلكت عند الدائن فله تضمين أي شاء من الدافع

742
والقابض لا، صحيح القضاء يقتضي أن لا يطالب القابض بل الدافع. وأما مسألة المنظومة ففيها دفع
مال نفسه باختياره ورضاه عن دين الموكل فلا يمس ما نحن فيه فصح وصار متبرعا فلا رجوع له فيما
كان عنده من المال، لأنه لزم ذمته وتبرع من عنده بقضاء الدين. ا ه‍.
أقول: وأراد المقدسي ببعض المتكلمين على الكنز صاحب البحر. قوله: (إلا إذا نواه للموكل)
علم مما تقدم أنه يجب حمله على ما إذا لم يضف العقد إلى مال نفسه، سواء أضافه إلى مال الموكل أو إلى
مال مطلق، وسواء نقد الثمن من ماله أو من مال الموكل. قوله: (أو شراه بماله) معناه إضافة العقد إلى
ماله لا النقد من ماله: يعني إذا أضاف العقد إلى دراهم الآمر ينبغي أن يقع للآمر، لأنه لو لم يقع
للآمر كان واقعا للوكيل، فلو وقع له كان غاصبا لدراهم الآمر وهو لا يحل شرعا، كذا قال صاحب
النهاية وعليه عامة الشراح.
أقول: فيه نظر، لأن الغصب إنما يلزم لو نقد من دراهم الآمر،
وأما إذا أضافه إلى دراهم الآمر ولم ينقد من دراهمه بل نقد من دراهم نفسه فلا يلزم الغصب قطعا. كذا ذكره أبو السعود في حاشية
مسكين. وذكر أيضا عند قول الكنز أو يشتريه بماله: أي إن أضاف العقد إلى مال الموكل سواء نقد
الثمن من ماله أو من مال غيره أن فيه إشارة إلى أن المراد من قول المصنف تبعا للقدوري أو يشتريه
بماله الإضافة عند العقد إلى دراهم الموكل دون النقد من مال الموكل بغير إضافة إليه.
قال صاحب الهداية: وقول القدوري أو يشتريه بمال الموكل مطلق لا تفصيل فيه، فيحمل على
الإضافة إلى مال الموكل. كذا قاله جمهور الشراح.
قال قاضي زاده أقول: فيه نظر لأنهم حملوا التفصيل المذكور في قول المصنف لان فيه تفصيلا،
على أنه إن نقد من دراهم الموكل كان الشراء له وليس بصحيح، لان ذلك تفصيل للنقد المطلق لا للنقد
من مال الموكل كما لا يخفى، وما يصلح لترجيح كون المراد بقول القدوري أو يشتريه بمال الموكل
الإضافة إلى دراهم الموكل دون النقد من ماله إنما هو وقوع التفصيل في النقد من مال الموكل لا وقوعه
في النقد المطلق إذ لا مساس له بكلام القدوري، فإن المذكور فيه مال الموكل دون مطلق المال. ا ه‍.
قوله: (حكم بالنقد إجماعا) لان دلالته على التعيين مثل دلالة إضافة الشراء إليه. زيلعي. قوله:
(فروايتان) أي عن أبي حنيفة، فعند أبي يوسف يحكم النقد. وعند محمد هو للوكيل وإن نقد الثمن من
دراهم الموكل حموي، لان الأصل أن كل أحد يعمل لنفسه إلا إذا ثبت جعله لغيره ولم يثبت، وظاهر
في الكنز ترجيح قول محمد لدخوله تحت قول المصنف فالشراء للوكيل، فإنه لم يخرج عنه إلا في
مسألتين إذا نواه للآمر أو أضافه إلى ماله، وإليه مال الزيلعي حيث قدمه على قول أبي يوسف، وعلله
بقوله لان ما يطلقه الانسان من التصرفات يكون لنفسه. قوله: (زعم الخ) صور المسألة فيما إذا كان
بعد هلاك العبد، وعمم في الجواب وبين الحكم فيما إذا كان حيا أو ميتا، فعلم بتعميمه جواب المسألة
وهو ما إذا هلك وزاده عليها بيان ما إذا كان حيا فلا خطأ في حق من أفاد الجواب، وزاد عليه.
واعلم أن هذه المسألة على ثمانية أوجه كما قال الزيلعي، واحد على الاختلاف، والبواقي على
الوفاق، والخلافية هي ما لو كان العبد المأمور بشرائه بغير عينه حيا ولم يكن الثمن منقودا كما في

743
أبي السعود، لان العبد المأمور بشرائه إما أن يكون معيبا أو غير معين، وكل على وجهين: إما أن يكون
الثمن منقودا أو غير منقود، وكل وجه على وجهين: إما أن يكون العبد حيا حين أخبر الوكيل بالشراء
أو ميتا.
ثم قال: فحاصله أن الثمن إن كان منقودا فالقول للمأمور في جميع الصور ومنها حالة الهلاك
والتعيب، وإن كان غير منقود ينظر، فإن كان الوكيل لا يملك الانشاء بأن كان ميتا فالقول للآمر،
وإن كان يملك الانشاء فالقول للمأمور عندهما. وكذا عند أبي حنيفة في غير موضع التهمة، وفي
موضع التهمة القول للآمر. ا ه‍ فلا فرق عندهما في أن القول للمأمور إذا كان يملك الانشاء بين أن
يكون الموضع موضع تهمة أو لا.
فإن قلت بماذا تثبت التهمة، قلت بالرجوع إلى أهل الخبرة، فإن أخبروا أن الثمن يزيد على
القيمة زيادة فاحشة تثبت وإلا فلا.
أقول: ولعل المراد بموضع التهمة ما إذا كان بعد التعيب فتأمل. قوله: (فهلك) الصواب
إسقاطه لمنافاته لقوله الآتي وهي حي كما في الشرنبلالية، لكنه تبع فيه صاحب الدرر وصدر الشريعة.
قوله: (وهو حي قائم) لا حاجة إليه أيضا لان المأمور يدعي هلاكه فكيف يقال وهو حي، فالقول
للمأمور، إلا أن يقال أراد أنه قائم من كل وجه ليحترز به عما إذا حدث به عيب أو أبق فإنه كالهلاك
كما في البزازية تأمل. قوله: (فالقول للمأمور) أي مع يمينه يعقوبية. قوله: (لاخباره عن أمر يملك
استئنافه) بجعل الشراء للموكل ولا تهمة فيه، لان الوكيل بشراء شئ بعينه لا يملك شراءه لنفسه بمثل
ذلك الثمن في حال غيبته على ما مر كما في البحر.
قال المقدسي: فالمخبر به في التحقق والثبوت يستغني عن إشهاد فصدق كقوله لمطلقته في العدة
راجعتك، وبهذا وقع التقضي عن المولى إذا أقر على موليته بالنكاح حيث لا يثبت عند أبي حنيفة رحمه
الله تعالى ا ه‍. ولأن من ملك الانشاء ملك الاقرار. قوله: (وإن ميتا) أي كان العبد ميتا.
قال العلامة أبو السعود: وهذه مسألة الكتاب، نظر السيد الحموي بأن مسألة الكتاب تشمل
موت العبد وحياته وقت قول المأمور اشتريته للآمر كما في البحر، فإن كان ميتا أخبر عن أمر لا يملك
استئنافه، وإن كان حيا فهو يدعي حق الرجوع على الآمر وهو ينكره، ولا خلاف في الأول أنه على
التفصيل المذكور، وفي الثاني الاختلاف، فقال الامام: هو كذلك على التفصيل. وقالا: القول للمأمور
وإن لم يكن الثمن منقودا. قوله: (فكذلك الحكم) أي يكون القول للمأمور مع يمينه لأنه أمين يريد
الخروج عن عهدة الأمانة فيقبل قوله. قوله: (وإلا) أي وإن لم يكن الثمن منقودا والحال أن العبد ميت
إذ الكلام فيه، أما لو كان حيا فقد تقدم الكلام فيه وأن القول فيه قول المأمور سواء كن الثمن منقودا
أو لا. قوله: (فالقول للموكل) يعني أن المأمور يريد استحقاق الرجوع بالثمن عليه، والقول قول
الأمين فيما ينفي بها لضمان عن نفسه لا فيما يستحق به الرجوع على غيره، بل القول قول الآمر لأنه
ينكر استحقاق الرجوع، بل إنما يكون أمينا فيما دفع إليه بطريق الأمانة، وما لم يقبضه لا يسمى أمينا
بالنظر إليه.

744
فإن قلت كيف يتأتى هذا والوكيل بشراء شئ بعينه لا يشتريه لنفسه فهو غير قادر على مخالفة
الموكل كما تقدم، ويجاب بأنه يمكن أنه فعل ذلك بحضرته أو بمخالفته بما عينه من الثمن أو شراه
بعرض أو لعله محمول على ما إذا أنكر الامر الشراء أصلا وربما يرشد إلى هذا عبارة التبيين والدر قوله
إنه ينكر الرجوع عليه بالثمن والقول للمنكر. قوله: (وإلا) أي وإن لم يكن الثمن منقودا سواء كان
العبد حيا أو ميتا. قوله: (للتهمة) فإنه يحتمل أنه اشتراه لنفسه فلما رأى الصفقة خاسرة أراد إلزامه
للموكل. قوله: (خلافا لهما) الخلاف فيما إذا كان منكرا حيا والثمن غير منقود فقط، ولا يوهم
أن خلافهما في الصورتين الداخلتين تحت إلا مع أن خلافهما فيما ذكرنا. فعلم مما تقرر أن صورة المسألة
فيما إذا كان بعد هلاك العبد وعمم الشارح في الجواب وبين الحكم فيما إذا كان حيا أو ميتا، فعلم
بتعميمه جواب المسألة وهو ما إذا هلك وزاد عليها بيان ما إذا كان حيا، وحينئذ فلا خطأ في حق من
أفاد الجواب وزاد عليه كما قدمناه. قوله: (الامر) على وزن نصر مصدر أمر يأمر. قوله: (ولغا إنكاره
الامر لمناقضته الخ) أي لان قوله يعني لعمرو إقرار منه بأنه وكله، فإن أنكر الوكالة بعده صار تناقضا
فلا يسمع قوله فيكون العبد للموكل وهذا معنى قوله ولغا: أي بطل إنكاره مع إنكاره. قوله:
(بتوكيله) متعلق بالاقرار. قوله: (بقوله بعني) بدل من قوله بتوكيله وهو تصوير للاقرار، ودلت
المسألة على أن بعني لفلان ليس إضافة إلى فلان وإلا كان عقد فضولي، لان قوله لفلان يحتمل أن يكون
لشفاعة فلان. ا ه‍. وصورة الإضافة أن يقول بع عبدك من فلان كما في الفتح من الفضولي ط. قوله:
(إلا أن يسلمه المشتري) أي القائل بعني هذا لعمرو، وقوله إليه: أي إلى عمرو قيد بالتسليم لان عمرا
لو قال أجزت بعد قوله لم آمره لا يعتبر والعبد للمشتري لان العقد نافذ على المشتري والإجازة إنما
تحلق الموقوف لا الجائز معراج. قوله: (للعرف) أي ولوجود التراضي به، وهو المعتبر في باب
المعاوضات المالية لقوله تعالى: * (إلا أن تكون تجارة عن تراض) * (النساء: 29). منح.
أقول: وتكون العهدة على المشتري الذي هو عمرو بتسليم الثمن. قوله: (معينين أو غير معينين)
قال في البحر: ولم يذكر الشارحون فائدة التقييد بالمعينين، والظاهر أنه اتفاقي فغير المعين كالمعين إذا
نواه للموكل أو اشتراه له. ا ه‍. وتبعه بعضهم كالحموي والشارح وغيرهما.
قال العلامة أبو السعود: وأقول دعوى أن التقييد اتفاقي غير مسلم لأنه عند عدم التعيين يبطل
التوكيل لعمد تسمية الثمن أو ما يقوم مقامه من بيان النوع كالتركي والحبشي، فهذا غفلة عن قول
المصنف فيما سبق قريبا أمره بشراء دار أو عبد جاز إن سمي ثمنا وإلا فلا. ا ه‍.
أقول: بيان الثمن أو النوع لا يخرجه عن كونه غير معين، وقد قدم المؤلف أن الإضافة إلى المالك
مثل جارية فلان لا تعينه.

745
ونقل في البزازية: وكله بشراء عبد بغير عينه فاشترى من قطعت يده نفذ على الموكل عند
الامام، ولا يخفى أنه مقيد ببيان النوع أو الثمن وإلا لم تصح الوكالة، وتقدم متنا أيضا: لو وكله بشراء
شئ بغير عينه فالشراء للوكيل إلا أن ينوي للموكل أو يشتريه بماله تأمل. قال بعض ح الفضلاء: إنما
قيدت المتون بالمعينين ليعم الشئ الدور والعبيد وغيرهما. وأما لو تركوه وقد صرحوا بعدم ذكر الثمن
فلربما يتوهم أنه لا يجري في العبيد والدور لأنهما إذا لم يعينا ولم يذكر لهما ثمن لم يدخلا لعدم صح
الوكالة بهما حينئذ، ومن غفل عن هذا قال ما قال، فقوله أو غير معينين يحمل على جهالة النوع،
وقوله إذا نواه للموكل يغني عنه له. ا ه‍. قوله: (وإن لم يوجد الخ) هو أحد أقوال ثلاثة تقدمت في
أول كتاب البيوع. قوله: (إذا نواه للموكل) قيد في غير المعينين: أي إنما يقع الشراء للموكل في غير
المعينين إذا نواه له، وكذا يقال فيما إذا دفع الثمن من مال الموكل على ما تقدم. قوله: (كما مر) أي
قريبا في قوله وأن يغير عينه فالشراء للوكيل إلا إذا نواه للموكل. قوله: (أو بزيادة يسيرة يتغابن الناس
فيهما) أي وهو ما يدخل تحت تقويم المقومين. وما لا يدخل تحت تقويم المقومين فاحش، لان القيمة
تعرف بالحزر والظن بعد الاجتهاد فتعذر فيما يشتبه لأنه يسير لا يمكن الاحتراز عنه، ولا يعذر فيما
لا يشتبه لفحشه ولا مكان الاحتراز عنه لأنه لا يقع في مثله عادة إلا عمدا، وقيل حد الفاحش في
العروض نصف عشر القيمة، وفي الحيوان عشر القيمة، وفي العقار خمس القيمة، وفي الدراهم ربع
عشر القيمة لان الغبن يحصل لقلة الممارسة في التصرف فلما كانت الممارسة فيه أقل كان الغبن فيه أكثر
فيعفى عن التفاوت بحسب الممارسة، والصحيح الأول.
وفي النهاية: جعل هذا القدر معفوا عنه أو هو خلاف ما ذكره صاحب الهداية والكافي، وقيل
لا يتحمل الغبن اليسير أيضا وليس بشئ هذا كله إذا كان سعره غير معروف بين الناس ويحتاج فيه إلى
تقويم المقومين، وأما إذا كان معروفا كالخبز واللحم والموز والجبن لا يعفى فيه الغبن وإن قل ولو كان
فلسا واحدا كذا ذكره الزيلعي. قوله: (صح) لان التوكيل مطلق غير مقيد بثمن مقدر عيني أي مطلق
عن قيد اشترائهما متفرقين أو مجتمعين فيجري على إطلاقه أبو السعود. قوله: (عن الآمر) أي ويقع له
لأنه قابل الألف بالعبدين وقيمتهما سواء فتنقسم عليهما نصفين دلالة فيكون أمرا بشراء كل واحد
منهما بخمسمائة ضرورة، فالشراء بخمسمائة موافقة، وبأقل منها مخالفة إلى خير، وبأكثر منها إلى شر،
فلا يلزم الموكل إلا أن يشتري الباقي بما بقي من الألف قبل أن يختصما استحسانا، لان غرضه المصرح
به تحصيل العبدين بالألف وقد حصل وما ثبت الانقسام إلا دلالة والصريح يفوتها فلا تعتبر معه.
زيلعي. قوله: (فاشترى الخ) حاصله أن الوكيل بشراء جملة له شراء كلها أو بعضها مما لا يتعيب
بالقسمة ولا تعيبه الشرك بثمن المثل بالغبن اليسير عند عدم تعيين الثمن. قوله: (بخلاف وكيل البيع)
فله أن يبيع بغبن فاحش عند الامام. حموي. والفرق كما في الزيلعي أن الوكيل بالشراء لشئ بعينه لا
يكون له أن يشتريه بغبن فاحش وإن كان لا يملك شراءه لنفسه لأنه بالمخالفة فيه يكون مشتريا لنفسه
فكانت التهمة فيه باقية، بخلاف الوكيل بالبيع لأنه لا تهمة فيه لعدم احتمال الشراء لنفسه فيجوز بالقليل

746
والكثير. ا ه‍. قوله: (صح) لأنه قابل الألف بهما وقيمتهما سواء إلى آخر ما تقدم. قوله: (لا يلزم
الآمر) لمخالفته إلى ضرر لأنه حيث عين الألف لهما والحال أن قيمتهما سواء فقد عين الصنف
لأحدهما، بخلاف ما لو شرى بالأقل فإنه خلاف إلى خير فلا يضر كما مر. قوله: (من المعينين مثلا)
أي أو الجماعة، وليس المراد غير المعينين أيضا لعدم تأتي ذلك فيه. قوله: (قبل الخصومة) أما إذا
اختصما وفسخ العقد فلا يعود صحيحا لان المفسوخ لا يرجع إلى الجواز. قوله: (لحصول المقصود)
وهو تحصيل العبدين. قوله: (وجوزه الخ) فيجوز شراء أحدهما بغبن يسير عندهما. قوله: (بشراء
شئ معين) لا حاجة لقوله معين لقول المتن وعينه مع أنه يوهم اشتراط تعيينه مع تعيين البائع وليس
كذلك، بل تعيين البائع يغني عنه كما صرح به المصنف بقوله أو عين البائع. قوله: (أو عين البائع
صح) أي على الآمر ولزمه قبضه، وإن مات قبل القبض عند المأمور مات على الآمر لان البائع يكون
وكيلا على الآمر في قبض الدين ثم يتملكه، بخلاف ما إذا وكله بشراء عبد معين فاشترى لا
يكون للآمر بل ينفذ على المأمور، حتى لو مات عند المأمور مات من مال المأمور، فإن قبضه الآمر فهو
له أبو السعود. قوله: (وجعل البائع وكيلا بالقبض) راجع إلى الصورتين. قوله: (غير معين) أي من
مبيع وبائع. قوله: (لان توكيل المجهول باطل) هذا تعليل غير الآتي له من قوله بناء الخ على أنه جار
فيما ذكره لان البائع قد يكون مجهولا في الصورة الأولى، فالأولى الاقتصار على ما يأتي ط.
والأصل أنه لا يصح تمليك الدين من غير من عليه الدين إلا إذا وكل بقبضه وأن الدراهم
والدنانير يتعينان في الوكالات فلما أمره بالشراء بدين له عليه، فإن كان المبيع معينا تعين البائع
ضرورة، لأنه إنما يبيعه مالكه وإن كان المبيع معينا كان بائعه معينا، وكذا لو عين البائع مثال الأول إذا
قال له اشتر فلانا العبد فإن بائعه مالك العبد. ومثال الثاني اشتر لي عبد فلن، وفي الحالين البائع
معلوم فكأنه وكله بقبض الدين الذي على الوكيل المجهول ثمنا فجاز تمليك الدين منه وكان الشراء
بذلك الدين وكان موافقا للموكل بالثمن الذي عينه له لأجل شراء العبد مثلا، وإذا كان المبيع غير
معين ولم يكن بائعه معينا لم يمكن أن يكون وكيلا بقبض الدين فلم يصح الشراء منه بذلك الدين، فلو
تم العقد لكان مخالفا للآمر في الثمن الذي عينه له وهو الدين، لان البائع لا يصح أن يكون وكيلا
بقبضه لان توكيل المجهول باطل. وعندهما صح البيع لان الدراهم والدنانير في المعاوضات لا تتعين
والوكالة منها فصح الشراء، والحقوق ترجع إلى العاقد فيلزمه ثمن المبيع ويرجع به على آمره فيلتقيان
قصاصا بالدين الذي له عليه. قوله: (وإلا يعين) أي وإن لم يعين المبيع ولا البائع. قوله: (فهلاكه
عليه) أي إذا لم يقبضه الآمر، وإن قبضه الآمر فهو بيع له بالتعاطي. قوله: (خلافا لهما) فقالا يلزم
الآمر إذا قبضه المأمور بحر: أي في الوجهين كنز، يعني بهما ما إذا كان العبد المأمور بشرائه معينا أو
غير معين أبو السعود. قوله: (وكذا الخلاف لو أمره أن يسلم ما عليه) أي يعقد عقد السلم، بأن قال

747
أسلم الدين الذي لي عليك إلا فلان جاز وإن لم يعين فلانا لم يجز عنده وعندهما يجوز كيفما كان.
قوله: (أو يصرفه) أي يعقد عقد الصرف، بأن أمره أن يصرف ما عليه من الدين إذا كان دراهم بدنانير
أو دنانير بدراهم مثلا. وأصله أن التوكيل بالشراء إذا أضيف إلى دين لا يصح عند أبي حنيفة رحمه الله
تعالى إذا لم يكن البائع أو المبيع متعينا. وعندهما يصح كيفما كان.
لهما أن النقدين لا يتعينان في المعاوضات عينا كان أو دينا، ولهذا لو اشترى شيئا بدين
للمشتري على البائع ثم تصادقا أن لا دين يبطل الشراء ويجب عليه مثله فإذا لم تتعين صار الاطلاق
والتقييد به سواء كما في غير الدين، وقول العيني: ولهذا لو اشترى شيئا بدراهم على المشتري الخ تبع
فيه الزيلعي. وصواب العبارة بدين للمشتري على البائع كما ذكرنا.
ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أن النقود تتعين في الوكالات، ولهذا لو قيدها بالعين منها أو بالدين
منها ثم هلك العين أو أسقط الدين بطلت الوكالة، فإذا تعينت فيها كان هذا تملكي الدين من غير من
عليه الدين وذلك لا يجوز إلا إذا وكله بقبضه له ثم لنفسه وتوكيل المجهول لا يجوز فكان باطلا، كما
إذا اشترى بدين على المشتري أو يكون أمرا بصرف مالا يملك إلا بالقبض قبله وذلك باطل كما إذا قال
أعط ما لي عليك من شئت بخلاف ما إذا عين البائع لأنه يصير وكيلا عنه بالقبض ثم بتملكه،
وبخلاف ما إذا أمره بالتصديق لأنه جعل ماله لله تعالى وهو معلوم. وأما مسألة التصادق بأن لا دين
عليه بعد الشراء به فلان النقود لا تتعين في البيع دينا كان أو عينا، فإذا لم تتعين لا يبطل البيع ببطلان
الدين بخلاف الوكالة فإن النقود تتعين فيها. وفي النهاية أن النقود لا تتعين في الوكالة قبل القبض
بالاجماع، وكذا بعده عند عامتهم، وعزاه إلى الزيادات والذخيرة، فعلى هذا لا يلزمهما ما قاله أبو
حنيفة زيلعي، والمراد بالمشتري في قوله كما إذا اشترى بدين على غير المشتري هو الوكيل أبو
السعود
عن شيخه. قوله: (بناء على تعيين النقود في الوكالات عنده) بدليل أن الآمر لو قيد الوكالة بالعين منها
أو بالدين منها ثم استهلكت العين أو سقط الدين بطلت الوكالة كما تقدم قريبا. قوله: (في
المعاوضات) عينا كنت النقود أو دينا. قوله: (عندهما) قال في البحر: تنبيه في حكم النقود في الوكالة
ففي بيوع خزانة المفتين: ولو قال لغيره اشتر لي بهذه الألف الدراهم جارية فأراه الدراهم ولم يسلمها إلى
الوكيل حتى سرقت ثم اشترى جارية بألف لزمت الوكيل، والأصل أن الدراهم والدنانير يتعينان في
الوكالة قبل التسليم بلا خلاف وكذا بعده على الأصح.
وفائدة النقد والتسليم على الأصح شيئان: أحدهما توقف بقاء الوكال ببقاء الدراهم المنقودة.
والثاني قطع الرجوع على الموكل فيما وجب للوكيل على الموكل بالثمن، ولو كان الموكل دفع الدراهم
إلى الوكيل فسرقت من يده لا ضمان عليه، فإن اشترى بعد ذلك نفذ الشراء عليه، وإن هلكت بعد
الشراء فالشراء للموكل ويرجع بمثله، فإن اختلفا في كون الهلاك قبله أو بعده فالقول للآمر مع يمينه
انتهى. ونقل مثله في نور العين في الفصل السابع عشر. ونقل فيه قبله ما نصه شيخ: يتعين النقدان
في التبرعات كهبة وصدقة، والنفوذ تتعين في الشركات والمضاربات والوكالات بعد التسليم إلى هؤلاء
لكونها أمانة وقبل التسليم لا تتعين وجيز.
النقدان لا يتعينان في المعاوضات وفسوخها وإن عينت حتى لا يستحق عينها، وللمشتري أن
يمسكها ويرد مثلها، ويتعينان في الغصوب والأمانات والوكالات والشركات ونحوها انتهى.

748
وقال في الأشباه والنظائر في أحكام النقود وفي وكالة البناية: اعلم أن عدم تعيين الدراهم
والدنانير في حق الاستحقاق لا غير، فإنهما يتعينان جنسا وقدرا ووصفا بالاتفاق، وبه صرح الامام
العتابي في شرح الجامع الصغير ا ه‍. قال الحموي يعني أن من حكم النقود أنها لا تتعين، ولو عينت
في عقود المعاوضات وفسوخها في حق الاستحقاق فلا يستحق عينها فللمشتري إمساكها ودفع مثلها
جنسا وقدرا ووصفا هذا هو المراد ا ه‍. وقدم في الاستدلال للامام وصاحبيه أن الدراهم والدنانير لا
يتعينان في المعاوضات عندهما، ويتعينان عنده في الوكالات ثم عليك بالتأمل في قوله: وفائدة النقد
والتسليم الخ بعد ما ذكره من الأصل المذكور وهو أنهما لا يتعينان. وكذا ما ذكره بعده من أنه لو
اشترى بعد ما سرقت بعد الشراء عليه فإنه دليل على تعينهما كما هو قول الإمام لا على عدمه، والله
سبحانه وتعالى أعلم.
قال في الحواشي الحموية: وإنما لم تتعين في عقد المعاوضات لان النقد خلق ثمنا والأصل فيه
وجوبه في الذمة لتوصله إلى العين المقصودة واعتبار التعيين فيه يخالف ذلك، بخلاف تعينه في الهبة
لعدم وجوبه في الذمة، وكذا في الصدقة والشركة والمضاربة والوكالة والغصب إذا قام عينه، ولو هلك
النقد في يد الوكيل انعزل ولو هلك بعد البيع قبل التسليم انفسخ البيع ولا يطالب الوكيل بعد بتسليم
مثله وعين ذلك النقدين بالتعيين في عقد المعاوضة وفسخه. والشافعي وأحمد وافقاه كزفر لأنه صدر
عن أهله مضافا إلى محله فيعتبر كما في عقد المعاوضة وقيد بالنقد لان ما هو مصوغ من الذهب والفضة
يتعين بالتعيين اتفاقا، وكذا غيرهما من المثليات، وأثر الخلاف أنه لو عين الدراهم ليس للمشتري أن
يسلم غيرها. وعندنا له أن يسلم مثلها، ولا ينقض العقد بالهلاك والاستحقاق بل يطالب بتسليم
مثلها، كذا في شرح درر البحار للعلامة شيخ البخاري، وقوله وكذا غيرهما من المثليات يعني يتعين
بالتعيين اتفاقا، وهذا محله إذا كان المثلي حاضرا مشارا إليه، يفهم هذا القيد من قوله يتعين بالتعيين إذ
التعيين لا يكون في الغائب. وذكر في الذخيرة أن الفلوس بمنزلة الدراهم والدنانير في أنها لا تتعين
بالتعيين انتهى.
وفي شرح الجامع الصغير للتمرتاشي: الدراهم لا تتعين في العقود والفسوخ وفرع عليه وجوب
زكاة الأجرة المعجلة في الإجارة الطويلة على الآخر في السنين التي كانت الأجرة في يده لأنه ملكها
بالقبض، وبالفسخ لا ينتقض ملكه إذا كانت الأجرة دراهم وما شاكلها.
وعن السرخسي: يجب على المستأجر أيضا لأنه يعد ذلك دينا على الآجر، وكذا في بيع الوفاء:
زكاة ذلك المال على البائع والمشتري، وليس هذا إيجاب الزكاة على شخصين في مال واحد لان الدراهم
لا تتعين في العقود والفسوخ انتهى. قوله: (وهو معلوم) هو جواب عما يقال إنه أمره بالتصدق وهو
تمليك للفقير، وهو مجهول، وتوكيل المجهول باطل.
وحاصل الجواب أنه جعله لله تعالى وهو معلوم، فيكون الله سبحانه وتعالى هو القابض للصدقة،
لان الصدقة تقع في كف الرحمن والفقير نائب عنه، ولا تضر جهالة النائب، كما قالوا: لو تصدق بما
يحتمل القسمة على فقيرين صح، مع أن الصدقة بالمشاع قبل القسمة لا تصح، لان الصدقة تقع
في كف الرحمن وهو واحد، ولا يضر تعدد النائب. قوله: (وكذا لو أمره بشراء عبد) أي من الأجرة.

749
قوله: (لأنه لا يجد الآجر) أي المؤجر وهو بدل مما قبله. قوله: (فجعل المؤجر) بفتح الجيم: أي العين
المستأجرة وهو كالدار مثلا. قوله: (كالمؤجر) بكسر الجيم: أي فجعلت الدار مثلا قائمة مقام الآجر.
وفي البحر: فأقيمت العين مقام المؤجر في القبض. قوله: (قبل وجوب الأجرة لا يجوز) لأنه لا دين
له عنده حينئذ، فكأنه أمره بالتصدق بمال نفسه فلا يرجع به على الآمر ولا بقطعه من الأجرة، لان
الأجرة لم تكن وجبت. قوله: (على الخلاف) أي لا تصح عنده لأنه أمره بإتلاف نفسه مال فلا يرجع
عليه به، ويصح عندهما لأنه حيث شرط أن يكون ذلك من الأجرة، فكأنه قال: لترجع به علي:
تأمل. قوله: (فراجعه) أقول: الذي رأيته في الشرح المذكور في هذا المحل مثل ما قدمه، ونصه: وأما
مسألة إجارة الحمام ونحوها: قيل ذلك قولهما وإن كان قول الكل، فإنما جاز باعتبار الضرورة، لان
المستأجر لا يجد الآجر في كل وقت، فجعلنا الحمام قائما مقام الآجر في القبض انتهى. ولم أجد هذه
العبارة فيه، لكن لا تخالف ما ذكره المتن، لان وجوب الأجرة يكون بعد استيفاء المنفعة، أو باشتراط
التعجيل، وهو معنى قول المتن مما عليه من الأجرة.
قال المقدسي: وفرع الحمام ممنوع، ولئن سلم فللضرورة، ولأن المؤجر لا يوجد كل حين فأقيم
الحمام مقامه. ا ه‍.
تنبيه: إذا ادعى المستأجر أنه عمر لم يقبل منه إلا بينة، بخلاف الأمين المأذون بالدفع إذا ادعاه
فإنه يقبل قوله كما في فتاوى قارئ الهداية وغيرها. وفي وديعة البزازية ما يخالف مسألة الدين فلينظر
ثمة. قوله: (لأنه أمين) ادعى الخروج عن عهدة الأمانة والآمر يدعي عليه ضمان خمسمائة وهو ينكر.
قوله: (فالقول للآمر) وينفذ على المأمور. زيلعي لان الوكيل بالشراء ليس له أن يشتري بالغبن
الفاحش اتفاقا، ولأنه إنما أمره أن يشتري له عبدا بألف، والعبد الذي قيمته نصف الألف غير المأمور
به فلم يكن وكيلا في شرائه، فنفذ الشراء وصار ضامنا للمال فخرج عن كونه أمينا فلذا كان القول
للآمر. قوله: (بلا يمين) في الأشباه كل من قبل قوله فعليه اليمين، إلا في مسائل عشر وعدها،
وليس منها ما ذكره هنا ويمكن الجواب. تأمل. قوله: (صدق في الكل بغير الحلف) أي في صورتي
الدفع وعدمه إذا كانت القيمة مقدار نصف الثمن. قوله: (لكن جزم الواني بأنه تحريف) اعترض ط
وغيره من محشي هذا الكتاب على الواني بأنه لا وجه لنسبة الواني هؤلاء الجهابذة إلى التواطؤ على
التحريف، لان العلة كما في الهداية وغيرها. أن الوكيل ليس له الشراء بالغبن الفاحش اتفاقا،
بخلاف الوكيل بالبيع، ولأنه وكله بشراء عبد بألف وقد اشترى عبدا يساوي خمسمائة وهو غير المأمور

750
به وهو الذي يساوي الألف، فحينئذ لا وجه لتحليف الموكل لظهور مخالفته له وشرائه بالغبن الفاحش
وهو ممنوع عنه. ولا فرق بين أن يدفع له الألف أو لا، غير أن معنى تصديق الموكل عدم إلزامه بالعبد
الذي لا يساوي الألف بالغبن الفاحش، وظهوره أنه غير المأمور به على أنه مقتف أثر صدر الشريعة،
ومع ذلك هو مطالب بتصحيح النقل، ولم نجده فيما بين أيدينا من الكتب، وكذا الحال فيما بعده.
والحال: أن ادعاء التحريف من هؤلاء الأفاضل من غير نقل من مدعيه سواء ظن بهم وتخطئتهم
في غير محلها، وحينئذ فالقول للآمر لكون المأمور مخالفا بشرائه بالغبن الفاحش انتهى حاصل
اعتراضهم.
أقول: وعبارة الواني أقول: ما ذكره الشارح من قوله بلا يمين مخالف للعقل والنقل. أما العقل
فلان القول إذا كان للآمر يحكم بلزوم العبد مثلا على المأمور، فهذا الحكم بمجرد قول الخصم بلا يمينه
بعيد وجد.
وأما النقل فلانه قال في الهداية: ولو أمره أن يشتري له هذا العبد ولم يسم له ثمنا فاشتراه فقال
الآمر اشتريته بخمسمائة وقال المأمور بألف وصدق البائع المأمور فالقول قول المأمور مع يمينه. ا ه‍. على
أن تصديق البائع إذا احتيج إلى تحليف المأمور فبدونه يكون أولى.
فإن قيل: سكوت صاحب الهداية وغيره عن ذكر اليمين في الصورة السابقة وتعرضهم لها في
هذه الصورة يشعر أن لا يجب اليمين فيها كما قاله الشارح. قلنا: لعل سكوتهم في الصورة المذكورة
بناء على ظهورها، وأما تعرضهم لها في هذه الصورة فللتوطئة لبيان الاختلاف الآتي هل يجب اليمين
فقط أو تحالف الجانبين؟
لا يقال: إذا كان الغبن فاحشا لا يلزم على الآخر سواء حلف أو لم يحلف فلا يكون فائدة
ويكون قول الشارح بلا يمين في موقعه، لأنا نقول: فائدتها أن المأمور قد يتضرر ببقاء العبد عليه، فلو
استحلف الآمر يحتمل أن يقرر اشتراءه بأكثر، ومثل هذا الاعتراض يرد على صدر الشريعة أيضا، فإنه
قال: اعلم أن المراد بقوله صدق في جميع ما ذكر التصديق بغير الحلف وكأنه مأخذ الشارح، ويحتمل
أن تكون كلمة بغير تصحيفا عن بعد، وهذا توجيه تفرد به أضعف العباد، والله تعالى الهادي.
واعترض ذلك أيضا في الحواشي اليعقوبية حيث قال: هذا ليس بمذكور في غير هذا الكتاب،
وفيه كلام، وهو أنه صرح في الكافي في المسألة السابقة المذكورة في المتن بقوله: فإن قال شريت عبدا
للآمر فمات فقال الآمر الخ بأن المراد من تصديق الوكيل تصديقه مع يمينه، لان الثمن كان أمانة في
يده وقد ادعى الخروج عن عهدة الأمانة من الوجه الذي أمر به فكان القول له، ولا فرق في تصديق
الوكيل لأجل كونه أمينا بين موضع وموضع فيكفي التصريح في موضع فلا يتم قول الشارح كما لا
يخفى، فليتأمل. ا ه‍.
قلت: وذكر في نور العين في مسائل اليمين قبيل الفصل السادس عشر القول في كل أمانة
للأمين مع يمينه، وكذا البينة بينته، والضمين تقبل بينته لا يمينه على الايفاء. ا ه‍. وعلى هذا فكيف
يكون القول للمأمور بلا يمين في المسألة الأولى؟ وكذا كيف يكون للآمر في الثانية بلا يمين؟ فتدبر.
قوله: (لكن في الأشباه) هذا في مقام الاستدراك على التعميم الواقع في صدر الشريعة من نفي اليمين

751
عن الوكيل والموكل. على أن ما في الأشباه في الوكيل وفي مسألتنا لم يبق وكيلا لما علمت، وحينئذ
فلا حاجة إلى هذه العبارة. ونص عبارة الأشباه: الوكيل يقبل قوله بيمينه فيما يدعيه، إلا الوكيل
بقبض الدين إذا ادعى بعد موت الموكل أنه كان قبضه في حياته ودفعه له فإنه لا يقبل قوله إلا ببينة
كما في فتاوى الولوالجية من الوكالة، وقد ذكرناه في الأمانات، وفيما إذا ادعى بعد موت الموكل أنه
اشترى لنفسه وكان الثمن منقودا، وفيما إذا قال بعد عزله بعته أمس وكذبه الموكل: وفيما إذا قال بعد
موت الموكل بعته من فلان بألف درهم وقبضتها وهلكت وكذبه الورثة في البيع فإنه لا يصدق إن كان
المبيع قائما بعينه، بخلاف ما إذا كان مستهلكا الكل من الولوالجية من الفصل الرابع في اختلاف
الوكيل مع الموكل. ا ه‍.
قال المحشي الحموي: أقول وأما ورثة الوكيل فنص عليهم قارئ الهداية في فتاويه بعد نحو
أربع ورقات مع بقية ورثة الامناء، وذكرها المصنف في فتاويه في الكراس الأخير مما عند كاتبه. وقد
سئل شيخ مشايخنا شيخ الاسلام نور الدين علي بن غانم المقدسي في الوكيل بعد عزله: هل يقبل قوله
في الدفع لموكله أم لا؟ وهل يقبل قوله في الدفع لموكله بعد موته فيفرق في ذلك بين العزل الحكمي
والحقيقي أم لا؟ وهل قول العمادي في فصوله ولو كان الموكل هو الميت بطلت: أي الوكالة، فإن قال
قد كنت قبضت في حياة الموكل ودفعت إليه لم يصدق في ذلك لأنه أخبر عما لا يملك إنشاءه فكان
متهما في إقراره، وقد انعزل بموت الموكل، ومثله في الخلاصة صحيح يعتمد عليه إفتاء وقضاء أو
لا.
وقد ذكر العمادي في موضع أنه يقبل قول الوكيل بعد الموت: أعني موت الموكل حيث قال:
ولو وكله بقبض وديعة أو عارية فمات الموكل فقد خرج الوكيل عن الوكالة، فإن قال الوكيل: قد كنت
قبضتها في حياته ودفعتها إلى الموكل يصدق في ذلك، وتأتي المسألة بعد ذلك إن شاء الله تعالى، ثم ذكر
ما قدمناه من عدم تصديق الوكيل بعد موت موكله، فهل يمكن التوفيق بين هذين الفرعين أم لا؟
وهل إذا فرق بينهما بكون الأول في الدين والثاني في الوديعة يكون الفرق صحيحا؟ فأجاب: هذا
السؤال حسن، وقد كان يختلج بخاطري كثيرا أن أجمع في تحريره كلاما يزيح إشكالا ويوضح مراما،
لكن الوقت الآن يضيق عن كمال التحقيق، فنقول وبالله التوفيق: التأمل في مقالهم والتفحص
لأقوالهم يفيد أن الوكيل بعد العزل يقبل قوله في بعض المواضع دون البعض، فمما يفيد عدم قبول
قوله لو قال الموكل ببيع عبد مثلا لوكيله قد أخرجتك عن الوكالة فقال: قد بعته أمس لم يصدق، لأنه
حكى عقدا لا يملك إنشاءه للحال، نظير ما لو قال لمطلقته بعد انقضاء العدة كنت راجعتك فيها لا
يصدق، ومما يفيد القبول قولهم في الفرع المذكور: لو مات الموكل وقال ورثته لم تبعه وقال الوكيل
إن كان العبد هالكا.
قالوا: لان بهذا الاخبار لا يريد إزالة ملك الورثة بل ينكر وجوب الضمان بإضافة البيع إلى حالة الحياة
والورثة يدعون الضمان بالبيع بعد الموت فيكون القول للمنكر. وأما العزل الحكمي والحقيقي فمعلوم،
والفرق بينهما بأن الحقيقي يتوقف على علم الوكيل بخلاف الحكمي، وأما ما ذكره في الفصول
العمادية فلا خفاء أن أحد المحلين في الوديعة والآخر في الدين.
وقد استشكله صاحب جامع الفصولين بقياس أحدهما على الآخر، لكن الحكم مصرح به

752
بالاختلاف بين الوديعة والدين كما في الولوالجية أ ه‍. وقوله إلا الوكيل بقبض الدين الخ، وقيل عليه
ليس لهذا الاستثناء الذي ذكره أصل بل هو مخالف لما صرحوا به، وقد اغتر بظاهر عبارة المصنف
بعض المفتين فأفتى بأنه لا يقبل قول الوكيل المذكور إلا ببينة.
وتقرير الكلام بما يدفع الشبهة والأوهام أو الوكيل إما أن يكون وكيلا بقبض دين ثابت لموكله
في ذمة غيره، أو دين استقرضه الموكل بنفسه ووكله في قبضه من غيره، وإذا ادعى الوكيل إيصال ما
قبضه لموكله، إما أن يكون دعواه في حياة موكله أو بعد موته، وفي كل منهما يقبل قول الوكيل بيمينه
لبراءة ذمته، ودعواه هلاك ما قبض في يده كدعواه الايصال لبراءة ذمته في كل حال. وأما سراية قوله
على موكله ليبرأ غريمه فهو خاص بما إذا ادعى الوكيل حال حياة موكله بالقبض، وأما بعد موته فلا
يثبت به براءة الغريم إلا ببينة يقيمها أو تصديق الورثة على قبض الوكيل أو أنكروا إيصاله لموكله.
وأما الوكيل بقبض ما استدانه الموكل فلا يسري قوله على موكله حال حياته إذا أنكر قبضه على
المفتى به كما بعد موته فلا بد من البرهان، وهذه عبارة الولوالجية تفيد ما قدمناه، قال: ولو وكله
بقبض وديعة ثم مات الموكل فقال الوكيل: قبضت في حياته وهلك وأنكر الورثة أو قال دفعت إليه
صدق، ولو كان دينا لم يصدق، لان الوكيل في الموضعين حكى أمرا لا يملك استئنافه: أي استئناف
سببه على طريق مجاز الحذف، لكم من حكى أمرا لا يملك استئنافه: إن كان فيه إيجاب الضمان على
الغير لا يصدق، وإن كان فيه نفي الضمان عن نفسه يصدق، والوكيل يقبض الوديعة فيما حكي
يوجب الضمان على الموكل وهو ضمان مثل القبوض فلا يصدق أ ه‍. وقوله: وقد ذكره في الأمانات.
أقول: وكذا في المداينات، وقد حصل الاشتباه بنقل المصنف تلك العبارة عن الولوالجية في
ثلاثة مواضع مختصرة لا على الوجه الأكمل هنا، وقد علمت ما فيه.
وفي كتاب الأمانات حيث قال: كل أمين ادعى إيصال الأمانة إلى مستحقها قبل قوله كالمودع إلى
قوله إلا الوكيل بقبض الدين.
وفي كتاب المداينات حيث قال: تفرع على أن الديون تقضي بأمثالها مسائل: منها الوكيل بقبض
الدين إذا ادعى بعد موت الموكل أنه كان قبض في حياته ودفعه إليه فإنه لا يقبل قوله إلا ببينة، لأنه
يريد إيجاب الضمان على الميت، بخلاف الوكيل بقبض العين ا ه‍. فقد حصل الاشتباه بقوله لا يقبل
قوله إلا ببينة هل النفي عام في حقه وحق موكله أو المنفي ثبوت الدين على الآمر فقط لا براءة الوكيل
بالقبض بقوله: قبضت في حياته ودفعت له؟ وقد علم ما هو الصواب أ ه‍. وقوله: لم يصدق: أي في
قوله: قبضت ودفعت: يعني بالنسبة إلى المديون لا بالنسبة إلى نفسه، إذا لم يصدق ترجع الورثة على
المديون، فإن صدق المديون الوكيل في الدفع فلا يمين عليه، ولا يرجع المديون عليه لأنه أقر بأنه
أوصل الحق إلى مستحقه، وأن رجوع الورثة بطريق الظلم والمظلوم لا يظلم غيره، وإن كذبه في الدفع
يحلف، إذ الضابط أن كل من أقر بشئ لزمه يحلف إذا هو أنكره، ولو أقر بأن المال موجود عنده لم
يدفعه أخذه منه، فإذا حلف برئ لأنه بالنسبة إليه مودع والقول قوله في براءة نفسه، وإنما كان
مودعا لأنه مصدق له في الوكالة والقبض بطريق الوكالة وبذلك صار المال في يده أمانة كما صرحوا به
في كتاب الوكالة، وإن نكل عن اليمين رجع عليه، وإن صدقه الورثة في القبض وكذبوه في الدفع
فالقول قوله بيمينه، لأنه بالقبض صار المال في يده وديعة، فتصديقهم له فيه اعتراف بأنه مودع وأن

753
المديون قد برئت ذمته بذلك، فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين لزمه المال المدعى، وإن أقام بينة
على الدفع جاز واندفعت عنه اليمين، ولو أن الورثة في صورة إنكار القبض والدفع حتى أرادوا
الرجوع على المديون أقام المديون بينة أنه دفع المال للوكيل حال حياة الموكل اندفعت دعواهم عليه، ثم
إذا أرادوا تحليف الوكيل على الدفع لهم ذلك، لان الثابت بالبينة كالثابت عيانا فكان قبضه معاينا دون
دفعه، فإن حلف برئ، وإن نكل لزمه دعواهم، ولو لم يقم المديون بينة على الدفع للوكيل وأراد
تحليف الورثة على نفي العلم بالدفع للوكيل يحلفون، فإن حلفوا ثبت عليه المدعى، وإن نكلوا لزمهم
دعواه وهو الدفع. ثم إذا ثبت الدفع للوكيل بنكولهم وكذبوه في الدفع للموكل لهم تحليفه على دفعه
له، فإن حلف برئ، وإن نكل لزمه دعواهم.
والحاصل: أنه متى ثبت قبض الوكيل الدين من المديون بوجه من الوجوه كان القول قوله بيمينه
في الدفع لأنه صار بعده مودعا، والقول قوله في الدفع. وقد ظهر من هذا أنه ينتصب خصما للورثة،
حتى إذا أقام عليهم بينة بالدفع للميت جاز واندفعت خصومتهم عن المديون، فإذا صدقوه في القبض
منه والدفع أو نكلوا عن اليمين على نفي العلم كما شرحنا ثبت عليهم بالدفع واندفعوا عن الوكيل
والمديون. وإنما قلنا بأن له أن يحلف الوكيل على الدفع لأنه مصدق له في القبض لا في الدفع، ولما
دفع المال للورثة ثانيا صار أحد المالين له فانتصب الوكيل خصما له فيما قبضه، ولتحليفه فائدة وهو أنه
ربما ينكل عن اليمين أو يقر بعد الدفع فيرد المدفوع لربه، وهذا يعلم من مسائل ذكرت في دعوى
المديون لايفاء الدين في جواب الوكيل بقبض الدين، فراجع تلك المسائل وافهم العلة يظهر لك
الحكم، والله تعالى أعلم. كذا حرره بعض الفضلاء. ا ه‍.
وتكلم الشرنبلالي على عبارة الأشباه كلاما طويلا حرره في رسالة حافلة، وكذا المقدسي،
ورسالة لخصها الحموي في حاشيته ونقله الفتال فراجع ذلك إن شئت. وسيأتي في كتاب العارية من
كلام المصنف والشارح في هذا البحث بما لا مزيد عليه فراجعه إن شئت. قوله: (وإن كان قيمته ألفا
فيتحالفان) أي في صورة ما إذا لم يدفع الألف فإنه إنما يكون أمينا حيث دفع إليه المال في المال المدفوع
إليه فكان القول له بيمينه ليبرئ نفسه عن الضمان، ومع عدم الدفع ليس معه شئ هو أمين فيه إنما
يريد الرجوع على الآمر وهو بالنسبة إليه بمنزلة البائع منه لأنه أصيل في الحقوق كما تقدم، وعند
اختلاف البائع والمشتري في الثمن يتحالفان، فكذا هذا. قوله: (ثم يفسخ العقد) أي الذي جرى
بينهما حكما. قوله: (فيلزم المبيع المأمور) أي في الصورتين كما في الزيلعي. قوله: (من غير بيان
ثمن) فإن بعد القبض كان القول قول المأمور بيمينه لأنه أمين يريد إبراء نفسه من الضمان.
فإن قلت: كيف يتصور بعد القبض من غير بيان ثمن؟
قلت: بأن يدفع له مقدارا من المال فيقول له اشتر لي عبدا وادفع من هذا المال ثمنه ولم يبين
مقدار ما يدفع، وإن كان قبل القبض يتحالفان ولا عبرة بتصديق البائع، لان قوله لا ينفذ على الآمر
ولو كان معه شاهد آخر لأنه لا يصلح من يكون شاهدا على فعل نفسه. قوله: (على الأظهر) وهو قول
أبي منصور وعليه المعظم، لان البائع بعد استيفاء الثمن أجنبي عنهما وقبله أجنبي عن الموكل إذ لم يجر
بينهما عقد فلا يصدق عليه فبقي الخلاف فيتحالفان، وقيل لا تحالف لأنه ارتفع الخلاف بتصديق البائع

754
إذ هو حاضر، فيجعل تصادقهما بمنزلة استثناء عقد في الحال، وفي المسألة الأولى هو غائب فاعتبر
الاختلاف.
والحاصل: أن التصحيح قد اختلف، فصحح قاضيخان عدم التحالف تبعا للفقيه أبي جعفر،
وصحح في الكافي التحالف تبعا للهداية بناء على أن قول الهداية وهو أظهر بمعنى أصح. ونص محمد
في الجامع الصغير أن القول للمأمور بيمينه، فمنهم من نظر إلى ظاهره فنفى التحالف، ومنهم من قال
إنه أراد التحالف لكنه اكتفى بذكر يمين الوكيل لأنه مدع، ولا يمين عليه إلا في صورة التحالف فهو
المقصود، لولا ذلك لكن القول للآمر لانكاره فيأخذ المبيع بما حلف عليه، ولم يذكر يمين الوكيل. كذا
ذكروا.
واستشكل الزيلعي قول من قال إن مراده التحالف الخ بأنه وإن كان يدل على ما ذكروا من
حيث المعنى لكن لفظه لا يدل على ذلك ولا على الأول، فإن قوله إن القول للمأمور بيمينه يدل على
أن المأمور يصدق فيما قال، وفي التحالف لا يصدق واحد منهما، ولو كان مراده التحالف لما قال
ذلك. قال المحبوبي قد شرح الجامع الصغير: وهذا فيما إذا اتفقا أنه أمره بالشراء بألف، فلو قال
أمرتك بخمسمائة وقال المأمور بألف فالقول للآمر بيمينه لأنه الآمر فيه يستفاد ويلزم العبد المأمور
لمخالفته، وإن برهنا فالبينة بينة الوكيل لكثرتها. كذا في النهاية والدراية.
قيل: يرد على ظاهره أن وضع المسألة فيما إذا لم يسم عند التوكيل الثمن، فكيف يقول المحبوبي
هذا إذا تصادقا على الثمن عند التوكيل؟ وأجيب بأن التصادق في الثمن يخالف التحالف فيه، فيصور
بأن يتفقا على تسمية ثمن معين وبأن يتفقا على عدم تسميته أصلا. وبالجملة فالتصادق على الثمن من
حيث تسميته ومن حيث عدم تسميته، والثاني هو المراد في قول المحبوبي. كذا في المقدسي. قال في
البحر: ولم يذكر ما إذا كانت قيمتها بينهما. ا ه‍.
أقول: والذي يفهم من عبارة ابن الكمال في الاصلاح: فإن أعطاه الألف صدق هو إن ساواه
وإلا فالآمر، وإن لم يكن أعطاه الألف وساوى أقل منه صدق الآمر، وإن ساواه تحالفا. قوله: (فوقوع
الاختلاف في الثمن) أي الحكمي لان بينه وبين الموكل مبادلة حكمية.
وفي الجامع: دفع إليه ألفا يشتري له أمة وأمره أن يزيد من عنده إلى خمسمائة فشرى أمة وقال
شريتها بألف وخمسمائة وقال الآمر بألف، فإن برهن أحدهما قضى ببينته، وإن برهنا قضى ببينة
الوكيل، وإن لم يكن لأحدهما بينة حلف كل على دعوى صاحبه ويبدأ بيمين الموكل، فإذا حلفا صارت
الأمة أثلاثا ثلثاها للموكل وثلثها للوكيل.
فرع: في التتارخانية: دفع له ألف درهم وأمره أن يشتري بها عبدا بعينه فشراه ودفعه ثم اشتراه
الوكيل من البائع فزاده ثوبا وقبله، قيل يقسم الألف على قيمة العبد وقيمة الثوب، فما أصاب الثوب
لزم المشتري رده للموكل فكأنه شراه مع ثوب بألف، فالعبد نافذ على الآمر والثوب على المشتري
بحصته. قوله: (ولو اختلف في مقداره) أي في تسمية مقداره: أي الثمن كما دل عليه التصوير، وهنا
اتفقا على بيان شئ لكن الاختلاف في المقدار، بخلاف الصورة التي قبلها فإنه لم يبين فيها شئ من
الثمن.

755
واعلم أن كل الاختلاف السابق إنما هو في الثمن، فالأولى الاظهار فيقول: ولو اختلفا في
مقدار الثمن عند الآمر، وما في الزيلعي سهو كما علمته، ونبه عليه في البحر بقوله: وقولي هنا إنهما
اتفقا على عدم تسمية الثمن أولى من قول الزيلعي، وهذا فيما إذا اتفاق على أنه أمره أن يشتري له
بألف، إذ المسألة إنما فرضها المؤلف وغره فيما إذ لم يسم ثمنا فهو سهو، والله سبحانه وتعالى أعلم ا
ه‍. قوله: (فالقول للآمر بيمينه) لان ذلك يستفاد من جهته فكان القول قوله، ويلزم العبد المأمور
لمخالفته. قوله: (لأنها أكثر إثباتا) أنث الضمير باعتبار كون البرهان بينة. قوله: (بشراء أخيه) أي أخي
الآمر، والمراد به قريب ذو رحم محرم منه. قوله: (فالقول له) أي للآمر. قوله: (ويكون الوكيل
مشتريا) هذا يفيد أن الولاء للوكيل. قوله: (بخلاف البيع) فإنه يبطل ويبقى على ملك الموكل. قوله:
(ولو أمره عبد) الأولى حذفه لأنه أوجب ركاكة لفظية فإن المقصود أن العبد أمر رجلا أن يشتريه من
سيده. قوله: (بكذا) أي بألف مثلا وكان ينبغي التعبير به لقوله بعد والألف للسيد. قوله: (ودفع
المبلغ) فإذا لم يدفعه عتق على ألف وهي واحدة. قوله: (عتق على المال) لان بيع العبد منه إعتاق وشراء
العبد نفسه قبول الاعتاق ببدل نصار كأنه اشترى نفسه لنفسه. قوله: (وكان الوكيل سفيرا) فلا ترجع
الحقوق إليه، والمطالبة بالألف الأخرى على العبد لا على الوكيل هو الصحيح.
قال في البحر: فصار كأنه اشترى نفسه بنفسه، وإذا كان إعتاقا أعقب الولاء، وإن لم يبين
للمولى فهو عبد للمشتري لان اللفظ حقيقة للمعاوضة وأمكن العمل بها إذا لم يبين فيحافظ عليه،
بخلاف ما لو وكله غير العبد أن يشتريه له فإنه يصير مشتريا للآمر، سواء أعلم الوكيل البائع أنه
اشتراه لغيره أو لم يعلمه، وهنا ما لم يعلمه أنه يشتري للعبد لا يصير مشتريا للعبد لان ثمة على نمط
واحد، لأنه في الحالين شراء وفي الحالين المطالبة متوجهة إلى الوكيل فلا يحتاج إلى البيان. أما هنا هنا
أحدهما إعتاق معقب للولاء ولا مطالبة على الوكيل والمولى عساه لا يرضاه ويرغب في المعاوضة المحضة
فلا بد من البيان ا ه‍ بتصرف. قوله: (والألف للسيد فيهما) أي في صورتي ما إذا قال لنفسه أو لا.
قوله: (وعلى العبد ألف أخرى في الصورة الأولى بدل الاعتاق) قال الامام قاضيخان في الجامع
الصغير: وفيما إذا بين الوكيل للمولى أنه يشتريه العبد هل يجب على العبد ألف أخرى؟ لم يذكر في
الكتاب. ثم قال: وينبغي أن يجب لان الأول مال المولى فلا يصح بدلا من ملكه. كذا في النهاية.
قوله: (فلا يصلح بدلا) أي لا بدلا عن العتق في الصورة الأولى ولا عن المبيع في الصورة الثانية،
وحيث استحق البدل وجب بدل العتق على العبد وبد المبيع على المشتري.

756
قال منلا مسكين: لقائل أن يقول: قد ذكر فيما تقدم أن الوكيل بشراء شئ بعينه لا يملك
شراءه لنفسه، فلا يجوز أن يكون للمشتري. ويمكن أن يجاب عنه بأن توكيل العبد بشراء نفسه يكون
توكيلا بقبول الاعتاق، وحقيقة شراء الوكيل لنفسه يكون إتيانا بجنس تصرف آخر. ا ه‍.
الوكيل إذا خالف وأتى بجنس آخر من التصرفات نفذ عليه. حموي. وتقدم في كلام الشارح
معزيا للخلاصة والدرر أن الوكيل إذا خالف: إن خلافا إلى خير في الجنس كبع بألف فباعه بألف
ومائة نفذ، ولو بمائة دينار لا ولو خيرا ا ه‍. واستفيد منه أن الدراهم والدنانير في باب الوكالة
جنسان. قوله: (إعتاق) أي معنى وإن كان شراء صورة. قوله: (فتلغو أحكام الشراء) فلا يبطل
بالشروط الفاسدة ولا يدخله خيار الشرط. قوله: (صح الشراء) ولو كان شراء حقيقة لكان فاسدا
لجهالة الاجل. قوله: (فلو شرى العبد نفسه إلى العطاء صح) أي لأنه إعتاق لا حقيقية الشراء، إذ لو
كان شراء حقيقيا لأفسده الاجل المجهول. قوله: (كما صح في حصته) أي العبد. وصورته: عبد
اشترى نفسه مع مشتر آخر بألف وكان مثل قيمته فصح الشراء في حق العبد بحصته من الألف وكان
البيع إعتاقا بالخمسمائة، وحينئذ فلم يصح شراء الآخر لعدم البيع الحقيقي، ولو قلنا بصحته للآخر لزم
كون البيع مجازا عن العتق في حق المشتري وحقيقة في حق الآخر فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو
لا يجوز.
وفي البحر: عبد اشترى نفسه من مولاه ومعه رجل آخر بألف درهم صفقة واحدة يجوز في
حصة العبد، وفي حصة الشريك باطل، ولا يشبه هذا الأب إذا اشترى ولده مع رجل آخر بألف
درهم فإنه يجوز العقد في الكل. ا ه‍.
فإن قلت: كيف صح المجاز دون الحقيقة وكان الأولى القلب. قلت: لما كان هو الأرفق كان
هو المعتبر. قوله: (ومعه رجل آخر) أي تشارك الرجل والعبد في شراء نفس العبد صفقة واحدة كما
علمت، ولو كان بيعا لم يصح، لأنه ضم بيع صحيح إلى بيع باطل، فإن شراء العبد نفسه من سيده
صحيح، وشراء الشريك باطل لأنه شراء مبعض، لكن لما كان شراء العبد إعتاقا وهو لا يبطل
بالشروط الفاسدة كما علمت صح قوله فيهما: أي في حصة الأب والأجنبي. قوله: (فإنه يصح
فيهما) أي في حصة الأب والأجنبي وعتق الأب، ولا يضمن عند الامام لشريكه لانعدام التعدي
علم الشريك حاله أو لا كما في الدرر. قوله: (والفرق انعقاد البيع في الثاني) أي في شراء الأب مع
الأجنبي لان صيغة الشراء استعملت في معناها الحقيقي فيتبعه العتق في حصة الأب. قوله: (لا
الأول) لان ما وقع من العبد لم يكن صيغة تفيد الشراء فهو مجاز عن قبول الاعتاق ببدل، لأن اعتباره
بيعا حقيقة غير ممكن، لأنه لا يملك فبطل شراء الأجنبي لئلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وإلى
هذا أشار بقوله: لان الشرع جعله الخ. قوله: (جعله إعتاقا) أي في حق العبد. قوله: (للزوم
الجمع بين الحقيقة) وهو ثبوت الملك للمشتري والمجاز وهو الاعتاق، وهذا جواب سؤال حاصله:

757
لماذا يجعل إعتاقا في حق العبد ومفيدا للملك في حق صاحبه؟
وحاصله: ما أشار إليه من الجواب أن ذلك لا يستقيم لأنه يلزم منه استعمال اللفظ الواحد وهو
الصيغة الصادرة في معناه المجازي وهو الاعتاق، ومعناه الحقيقي وهو ثبوت الملك لهما.
والحاصل: أنه يعتق على الأب نصيبه لأنه ملك ذا رحم محرم منه، وقد حصل العتق بعد تحقق
الشراء من الأب والأجنبي. وأما شراء العبد نفسه من سيده كلا أو بعضا فقد جعله الشرع إعتاقا،
فشراء الآخر وقع على مبعض فبطل. قوله: (ففعل) أشار به إلى أنه يتم بقول المولى بعت، ولا يحتاج
إي قول العبد قبلت بعد قوله بعني نفسي لأنه إعتاق، فيستبد به المولى بناء على أن الواحد يتولى طرفي
العقد وفي العتق والنكاح، وهذا إنما يظهر لو كان وقع الشراء للعبد، أما إذا كان الشراء للآمر فلا بد
من قبول العبد لأنه بيع فلا ينعقد إلا بالايجاب والقبول. وعلى كل من الوجهين فيكون الثمن في ذمة
العبد، أما إذا وع الشراء له فظاهر، وأما إذا وقع للآمر فلانه هو المباشر للعقد فترجع الحقوق إليه
فيطالب بالثمن ويرجع به هو على الآمر. أفاده العيني. قوله: (فهو للآمر) لان العبد يجوز توكيله في
شراء نفسه، لأن الشراء يقع على ماليته وهو أجنبي عن نفسه من حيث المالية، وليس للبائع حبس العبد
لاخذ الثمن لان العبد في يد نفسه، والمبيع إذا كان في يد الوكيل بالشراء حاضرا في مجلس العقد لا
يكون للبائع حق حبسه، لأنه بالعقد يصير مخليا بينه وبين المشتري فكان قابضا بالشراء. حموي. قوله:
(فالرد للعبد) لان الوكيل أصل في الحقوق والرد منها، إذ لو كان محجورا فقد صار مأذونا بهذا العقد
حيث رضي به سيده فترجع الحقوق إليه.
وفيه: أن الوكيل إذا أضاف العقد إلى الموكل تتعلق الحقوق بالموكل، وتقدم أن من جملة الحقوق
الخصومة في العيب، فهي هنا تتعلق بالامر دون العبد، فتأمل. قوله: (وإن لم يقل لفلان) بأن قال
بعني نفسي أو أطلق بأن قال بع نفسي. أما الأول فلانه قبول للعتق لان بيعه من نفسه إعتاق معني،
وإن كان بيعا لفظا فلم يقع امتثالا. وأما الثاني فلان المطلق يصلح لذا ولذا فلا يقع امتثالا بالشك فبقي
لنفسه لا بعقد البيع والشراء ط. قوله: (لأنه أتى بتصرف آخر) هذا جواب عما يقال: المأمور بشراء
معين لا يملكه لنفسه. فأجاب بأن ذاك إذا لم يخالف، وأما هنا فقد خالف لأنه أتى بصيغة توجب
العتق لا الملك. قوله: (وعليه الثمن فيهما) أي بدل العتق في الصورة الثانية والثمن في الصورة
الأولى، لان الحقوق ترجع إليه لما بينه بقول لزوال حجره الخ أما الأولى فلكونه وكيلا يرجع بما دفع
على الآمر، وأما الثانية فلكونه أصيلا. قوله: (لزوال حجره) جواب سؤال مذكور في الدرر، وهو أن
العبد إذا كان محجورا عليه لا ترجع الحقوق إليه. قلنا: زال الحجر هنا بالعقد الذي باشره مقترنا بإذن
المولى، وهذا إنما يظهر في المسألة الأولى، ولله در الشارح حيث علل في منع المسألة المتقدمة بلزوم
الجمع بين الحقيقة والمجاز، وقال: وعليه الثمن فاستعمله في حقيقته ومجازه. فإن قال: أردت به عموم
المجاز. فنقول: يمكن أن يراد في المسألة الأولى ذلك، بل الجواب الصحيح ما ذكرناه من التعليل.

758
قوله: (ومائة) أي من الدراهم. قوله: (نفذ) لان الخيرية في جنس الدراهم. قوله: (ولو بمائة دينار
لا ولو خيرا) لاختلاف الجنس إذ قد يكون غرضه في الدراهم.
قل في الأشباه: المأمور بالشراء إذا خالف في الجنس نفذ عليه، إلا في مسألة، وهي الأسير
المسلم في دار الحرب إذا أمر إنسانا أن يشتريه بألف درهم فخالف في الجنس فإنه يرجع عليه بألف. ا
ه‍: أي بأن اشتراه بمائة دينار أو عروض جاز له أن يرجع. والفرق أن شراء الوكيل شراء حقيقة
والشراء بمائة دينار أو عروض غير الشراء بألف درهم، ومسألة الأسير ليس بشراء حقيقة بل طريق
للتخليص وقد رضي بالتخليص بألف فيلزمه الألف كما قدمناه.
قال في الخانية: رجل أمر غيره أن يبيع غلامه بمائة دينار فباعه المأمور بألف درهم ثم قال
المأمور للآمر بعت الغلام فقال المولى أجزت ذلك، ذكر في المنتقى أنه يجوز لانصراف الإجازة إلى
كل بيع.
وفي المنح عن البزازية: أمره بأن يشتريه بعشرة دنانير فاشتراه بمائة درهم قيمتها مثل الدنانير لزم
الموكل خلافا لزفر ومحمد، ولو بعرض قيمتها مثل النقد لا يلزم إجماعا.
وفي التهذيب: كل موضع يكون خلافا في البيع فهو موقوف على إجازة الآمر، وفي الشراء
يكون مشتريا لنفسه، إلا إذا كان الوكيل صبيا أو عبدا محجورا أو مرتدا فهو موقوف.
وفي البزازية: وكله بأن يبيع عبده بألف وقيمته كذلك ثم زادت قيمته إلى ألفين لا يملك بيعه
بألف ا ه‍. قوله: (خلاصة ودرر) نقله في الدرر عن الخلاصة، فالأولى الاقتصار على الخلاصة، والله
تعالى أعلم، واستغفر الله العظيم.
فصل لا يعقد وكيل البيع والشراء مع من ترد شهادته له
قوله: (وكيل البيع الخ) شمل المضارب، إلا إذا كان بمثل القيمة إنه يجوز اتفاقا لأنه متصرف
لنفسه من وجه، وقيد بالوكيل لان الوصي لو باع منهم بمثل القيمة فإنه يجوز، وإن حابى فيه لا
يجوز، وإن قل، ولا مضارب كالوصي. بحر.
وفي جامع الفصولين: لو باع القيم مال الوقف أو أجر ممن لا نقبل شهادته له لم يجز عند أبي
حنيفة، وفيه: المتولي إذا أجر دارا من ابنه البالغ أو أبيه لم يجز عند أبي حنيفة إلا بأكثر من أجر المثل
كبيع الوصي، ولو أجر من نفسه يجوز أو خيرا وإلا لا، وقيد بوكيل العقد احترازا عن وكيل القبض،
كما لو وكل شخصا بقبض دين على أبيه أو ولده أو مكاتب لولده أو عبده فقال الوكيل قبضت الدين
وهلك وكذبه الطالب فالقول قول الوكيل. ا ه‍.
وفي النهاية: إنه إذ باع منه بأكثر من القيمة يجوز بلا خلاف، وبأقل يغبن فاحش لا يجوز
إجماعا، وبمثل القيمة القيمة في رواية الوكالة والبيع عنه لا يجوز، ورجحه في الخانية. قوله: (ونحوها)
كالتزويج، فلو وكله بتزويج فزوجه بنته ولو كبيرة أو من لا تقبل شهادته لها لا يجوز عنده خلافا
لهما، وعلى هذا فلو حذف قوله بالبيع والشراء لكن أولى. قوله: (مع من ترد شهادته له) أي كأصله

759
وفرعه وسيد لعبده ومكاتبه وشريكه فيما يشتركان لان مواضع التهم مستثناة من الوكالات وهذا
موضع التهم بدليل عدم قبول الشهادة كما في الدرر.
وفي القنية: وكيل يبيع ممن أحب إلا من أربعة اتفاقا: الشهادة كما في الدرر عبده المأذون، ومكاتبه، وولده الصغير،
وولد مكاتبه. وأربعة عند أبي حنيفة خلافهما: ولده الكبير، وولده، ووالده، وزوجته. وقيل وزوجها
إن كانت امرأة. وقيل ولد ولده الصغير. ولا يجوز إذا مات أبوه ولم يترك وصيا اتفاقا. وقيل مدبره
المأذون. ولا يجوز له البيع أو الشراء من نفسه عندهم جميعا سواء كان خيرا أو شرا للموكل أو الوكيل
كما في فتاوى قاضيخان.
قال في البحر: وهو مفهوم من كلام المصنف بأولى، لأنه إذا لم يملك العقد مع من ترد شهادته
له فأولى أن لا يملكه من نفسه ولو بمثل القيمة في إحدى الروايتين عن الامام، وقيد بقوله: له لأنه
لو عقد على من ترد شهادته للموكل كأبيه وابنه ومكاتبه وعبده المديون جاز، وكذا الوكيل العبد إذا باع
من مولاه، والحيلة في جواز بيعه من نفسه أن يبيعه من آخر ثم يشتريه منه.
واعلم أن الأولوية بالنسبة لمذهب الامام، وأما الصاحبان فلا يمنعان الوكيل من العقد مع من
ترد شهادته له إذا كان بمثل القيمة إلا من عبده ومكاتبه كما يأتي قريبا في كلام الشارح، بخلاف منعه
من البيع من نفسه فإنهما مع إمام فيه كما نبه عليه أبو السعود. قوله: (للتهمة) وهذا موضعها بدليل
عدم قبول الشهادة، ولأن المنافع بينهم متصلة فصار بيعا من نفسه من وجه.
قال في التاجية: التهمة من وهم بالفتح: أي ذهب: يعني يذهب الوهم، إلى أنه إنما يختار هذا
لنفع نفسه فيكون عاملا لنفسه والوكيل من يعمل لغيره. ا ه‍. قوله: (بمثل القيمة إلا من عبده) أي لا
يجوز عندهما بيعه من عبده: أي وإن أحاط الدين بماله ورقبته، لان مع ذلك مذهبهما بقاء ملك السيد
في ماله. قوله: (ومكاتبه) لان مال المكاتب لمولاه على تقدير عجزه، ومثله ابنه الصغير وشريكه
مفاوضة. أما شريك عنانا فيجوز عقده معه إذا لم يكن ذلك من تجارتهما. وقيد في المبسوط العبد بغير
المديون، أما لو كان مديونا فإنه يجوز. معراج. فالمستثنى حينئذ من قولهما أربع. قوله: (كبيع ممن
شئت) استدركه المقدسي بأن الوكيل بمجرد الوكالة يبيع ممن شاء فلا يجوز، إلا أن ينص على بيعه من
هؤلاء حتى يكون إطلاقا. ورده الحموي بأن كون الوكيل بمجرد الوكالة يبيع ممن شاء ممنوع، فإن
مواضع التهمة مستثناة عن الوكالات والبيع ممن ذكر موضع تهمة، وقيد بما ذكر من المسائل. أما غيرها
كالحوالة والإقالة والحط والابراء والتجوز بدون حقه فيجوز عندهما ويضمن. وعند أبي يوسف: لا
يجوز. قوله: (كما يجوز عقده معهم بأكثر من القيمة اتفاقا) أي عند عدم الاطلاق. قوله: (أي بيعه)
أشار به إلى أن المصنف أطلق في محل التقييد، لان قوله كما يجوز عقده يشمل البيع والشراء، فأفاد
أنه أراد بالعقد البيع لأنه حيث كان بأكثر من القيمة انتفت التهمة. أما الشراء بأكثر منها فهو ظاهر
التهمة والخيانة، فلا يجوز اتفاقا من أبي حنيفة وصاحبيه، كما لو باع بأقل من القيمة. ونظير البيع بأكثر
من القيمة الشراء بأقل منها فيجوز اتفاقا. قوله: (لا شراؤه بأكثر منها) أي ممن ترد شهادته له. قوله:

760
(بغبن فاحش) أي ممن ترد شهادته له. قوله: (لا يجوز اتفاقا) وجاز مع غيره عنده. قوله: (وكذا
بيسير عنده) أي لا يجوز عنده، لأنه حيث لم يجز العقد بمثل القيمة لم يجز بالغبن اليسير بالأولى. قوله:
(خلافا لهما) لأنه لما جاز بمثل القيمة وكان الغبن اليسير لا يمكن الاحتراز عنه، لان حقيقته ما يقومه
معه بعض المقومين جاز البيع معه. والنكتة في ذكر عدم جواز البيع عنده بالغبن اليسير مع أنها معلومة
من عدم جواز بيعه منهم عنده بمثل القيمة بالطريق الأولى ليبني علي خلافهما وجواز ذلك عندهم
أيضا. قوله: (وفي السراج لو صرح بهم جاز إجماعا) قال فيه: لو أمره بالبيع من هؤلاء فإنه يجوز
إجماعا، إلا أن يبيعه من نفسه أو ولده الصغير أو عبده ولا دين عليه فلا يجوز قطعا وإن صرح له
الموكل ا ه‍. منح.
لكن في البزازية: الوكيل بالبيع لا يملك شراءه لنفسه، لان الواحد لا يكون مشتر وبائعا فيبيعه
من غيره ثم يشتريه منه، وإن أمره الموكل أن يبيعه من نفسه أو أولاده الصغار أو ممن لا تقبل شهادته له
فباع منهم جاز ا ه‍.
ولا يخفى ما بينهما من المخالفة، وذكر مثل ما في السراج في النهاية عن المبسوط، ومثل ما في
البزازية في الذخيرة عن الطحاوي، حيث قال: وفي وكالة الطحاوي: لا يجوز بيع الوكيل من نفسه أو
ابن صغير له أو عبد له غير مديون، وإن أمره الموكل بالبيع من هؤلاء أو جاز له ما صنع جاز ا ه‍.
وفي النهاية عن المبسوط: لو باعه الوكيل بالبيع من نفسه أو ابن صغير له لم يجز وإن صرح
الموكل بذلك، لان الواحد في باب البيع إذا باشر العقد من الجانبين يؤدي إلى تضاد الاحكام فإنه يكون
مشتريا ومستقضيا قابضا ومسلما مخاصما في العيب ومخاصما، وفيه ن التضاد ما لا يخفى ا ه‍.
وهذا موافق لما عن السراج، وكأن في المسألة قولين، خلافا لمن ادعى أنه لا مخالفة بينهما.
والوجه ما في النهاية، إلا إذا أجاز الموكل بعد البيع فلا يرد ما ذكره. تأمل. ولأن ما في البزازية من
أنه يجوز لنفسه محله إذا صرح له بالعقد من نفسه فيه ما فيه. فعلم مما تقدم أن قول الإمام مقيد بثلاثة
قيود: أن لا يطلق له كبع من شئت، وأن لا يبيعهم بأزيد من القيمة أو يشتري منهم بأقل منها، وأن
لا يصرح بهم. ففي هذه الصور يجوز اتفاقا، وما قاله في السراج مفهوم من القيد الأول، فإنه إذا جاز
بقوله بع من شئت يجوز بالتصريح بهم بالأولى، وعلم من تصريحه باستثناء نفسه، وما عطف عليه بمال
إذا صرح بهم أنه عند الاطلاق لا يجوز بيعه من نفسه وما عطف عليه، وكذلك بالأكثر من القيمة.
قوله: (إلا من نفسه وطفله) فلا يجوز سواء كان شراؤه من نفسه لنفسه أو لطفله أو لموكله، لأنه يصير
متوليا طرفي العقد قابلا ومجيبا، والواحد لا يتولى طرفي العقد، فقوله من نفسه يغني عن قوله
وطفله لان الطفل يعقد له أبوه، وإنما نص عليه لأنه إذا كان يعقل البيع والشراء يجوز أن يعقد بنفسه
لاذن وليه، فدفع توهم أن يجوز بيعه له لأنه إنما يستفيد الاذن من أبيه فكان الأب هو العاقد فلا يصح
وإن قال له بعه من طفلك.
وعبارة المنح عن السراج: أو ولده الصغير بدل طفله، والمراد بهما واحد فلذا عبر الشارح بلفظ
الطفل، لان مرادهم من الطفل والصغير ما كان دون البلوغ.

761
قال في المنح في باب النفقة: وقيد بالطفل وهو الصبي حين يسقط من البطن إلى أن يحتلم.
وقال الراغب في المفردات: الطفل الولد ما دام ناعما ا ه‍. والذي يدل على بقاء اسم الطفل إلى البلوغ
قوله تعالى: * (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم) * (النور: 95). قوله: (وعبده غير المديون) أما المديون الذي أحاط
الدين بماله ورقبته لا يملك سيده ما في يده عند أبي حنيفة فجاز بيعه من حيث صرح به الموكل، وأما
إذا لم يصرح فينبغي أن لا يجوز، لأنه إذا لم يجز بيعه من المكاتب حيث كان لسيده حق في كسبه
وحقيقة بعد العجز، فالمديون كذلك لاحتمال وفاء الدين وظهور ملكه في كسبه، فليراجع.
قال الخجندي: جملة من يتصرف بالتسليط حكمهم على خمسة أوجه.
منهم: من يجوز بيعه وشراؤه بالمعروف وهو الأب والجد والوصي، وقدر ما يتغابن يجعل عفوا.
ومنهم: من يجوز بيعه وشراؤه على المعروف على خلافه وهو المكاتب والمأذون عند أبي حنيفة،
يجوز لهم أن يبيعوا ما يساوي ألفا بدرهم ويشتروا ما يساوي درهما بألف. وعندهما: لا يجوز إلا على
المعروف. وأما الحر البالغ العاقل يجوز بيعه كيفما كان، وكذا شراؤه إجماعا.
ومنهم: من يجوز بيعه كيفما كان، وكذا شراؤه على المعروف، وهو المضارب وشريك العنان
والمفاوضة والوكيل بالبيع المطلق، يجوز بيع هؤلاء عند أبي حنيفة بما عز وهان، وعندهما: لا يجوز إلا
على المعروف إجماعا، فإن اشتروا بخلاف المعروف والعادة أو
بغير النقود نفذ شراؤهم على أنفسهم وضمنوا ما نقدوا فيه من مال غيرهم إجماعا.
ومنهم: من لا يجعل قدر ما يتغابن فيه عفوا، وهو المريض: إذا باع في مرض موته وحابى فيه
قليلا وعليه دين مستغرق فإنه لا يجوز محاباته وإن قلت، والمشتري بالخيار إن شاء وفي الثمن إلى تمام
القيمة، وإن شاء فسخ. وأما وصيه بعد موته إذا باع تركته لقضاء ديونه وحابى فيه قدر ما يتغابن فيه
صح بيعه ويجعل عفوا، وكذا لو باع ماله من بعض ورثته وحابى فيه، وإن قل لا يجوز البيع على قول
أبي حنيفة، وإن كان أكثر من قيمته حتى تجيز سائر ورثته وليس عليه دين، ولو باع الوصي ممن لا
تجوز شهادته له وحابى فيه قليلا لا يجوز، وكذا المضارب.
ومنهم: من لا يجوز بيعه وشراؤه ما لم يكن خيرا وهو الوصي إذا باع ماله من اليتيم أو اشترى،
فعند محمد لا يجوز بحال، وعندهما: إن خيرا فخير، وإلا لم يجز ا ه‍.
مطلب: تفسير الخيرية
قلت: وفي وصايا الخانية: فسر السرخسي الخيرية بما إذا اشترى الوصي لنفسه مال اليتيم ما يساوي عشر بخمسة عشر أو باع مال نفسه من اليتيم ما
يساوي عشرة بثمانية، وذكر ما قدمناه في منية
المفتي بعبارة أحضر مما قد قدمناه. قوله: (بما قل أو كثر) ولو بغبن فاحش عنده، لان التوكيل مطلق
فيجري على إطلاقه، وقد يمل الانسان من الشئ فيتجاوز فيه بغبن ط، وكذا التوكيل بالإجارة. ومن
المشايخ من قال قولهما كقول أبي حنيفة في الإجارة كما في الذخيرة.
وفي الهندي: والوكيل إذا أخر الثمن وأبرأ المشتري منه أو قبل الحوالة أو اقتضى الزيوف وتجوز
به جاز وضمن الثمن للآمر، وهو قول الإمام. وأجمعوا أن الثمن لو دينا مقبوضا أو عينا فوهبه
للمشتري لا صح.

762
أقول: وكذا وكيل المرأة لو زوجها بأقل من مهر مثلها. بزازية: أي فإنه يصح بما قل أو كثر.
قوله: (وخصاه الخ) لان التصرفات لدفع الحاجات فتتقيد بمواقعها، والمتعارف البيع بمثل الثمن
وبالنقود فلا يجوز عندهما بيعه بنقصان لا يتغابن الناس فيه، ولا يجوز إلا بالدراهم والدنانير حالة أو
إلى أجل متعارف، لان مطلق الامر يتقيد بالمتعارف ولهذا يتقيد التوكيل بشراء الفحم. والجمد بسكون
الميم: هو ما جمد من الماء والأضحية بزمان الحاجة، ففي الفحم بالشتاء والجمد بالصيف، وفي
الأضحية بزمانها، ولأن البيع بغبن فاحش بيع من وجه هبة من وجه، وكذا المقايضة بيع من وجه شراء
من وجه فلا يتناوله مطلق اسم البيع.
وفي الخلاصة: الوكيل بالطلاق والعتاق على مال على الخلاف، ومحل الخلاف عند عدم التقييد من
الآمر، فإن عين شيئا تعين. ا ه‍. قوله: (وبه يفتى) قال العلامة قاسم في تصحيحه على القدوري: ورجح
دليل الامام، وهو المعول عليه عند النسفي، وهو أصح الأقاويل، والاختيار عند المحبوبي، ووافقه
الموصلي وصدر الشريعة ا ه‍. رملي. وعليه أصحاب المتون الموضوعة لنقل المذهب بما هو ظاهر الرواية،
خصوصا وقد قالوا: يفتى بقول أبي حنيفة على الاطلاق خصوصا من ظهور وجهه، فإن أطلق له البيع
وهو صادق على ذلك كله، وقد يكون مقصودا للبائع في بعض الاحياء كما لو مل من السلعة أو واضطر
إلى الثمن أو نحو ذلك، حتى لو قامت قرينة على أمر عمل بها كما هو مذهب الامام. قوله: (كدينار
بدرهم) أمام إذا اتحد الجنس فلا يجوز ولو بغبن يسير للربا. قوله: (لأنه بيع من وجه شراء من وجه)
والوكيل بالشراء لا يجوز له بالغبن الفاحش اتفاقا. قوله: (وصح بالنسيئة) أي المتعارفة لا إن طول المدة
عند الامام. بحر. قوله: (كالمرأة إذا دفعت غزلا الخ) لان بيع المرأة للحاجة إلى النفقة عادة فلا ينفعها
النسيئة ولا البيع بالعرض للقرينة، ولذا لو قال له أني أخشى أن أغبن في تبيع هذه السلعة فأريد أن تبيعها
برأيك صيانة لمالي عن الضياع فليس له أن يبيعها بالغبن حينئذ كما أفاده المصنف. قوله: (كما أفاده
المصنف) حيث قال: استفتيت في غاز يريد الجهاد فوكل إنسانا أن يبيع له غلامه فباعه بالنسيئة مع قيام
دلالة حاله أنه يريد الاستعانة بالثمن على سفره، فأفتيت بعدم جواز البيع بالنسيئة لوجود الدلالة الظاهرة
على إرادة خلافه، ويقال مثله لو باعها بالسلعة. قوله: (وهذا أيضا) أي قول الإمام بجواز البيع بالنسيئة:
أي وإنما قال الامام يجوز البيع بالنسيئة إن باع الخ. قوله: (لم يجز به يفتى) أشار بذلك إلى أن هناك من
تقبل عن الامام جواز النسيئة مطلقا. قال في البحر: أطلق في جواز بيعه نسيئة وهو مقيد بما إذا كان
للتجارة، فإن كان للحاجة لا يجوز. ا ه‍. وفي المواهب: وتأجيله ثمن التجارة جائز وإن طال، وقيداه
بالمتعارف ا ه‍. وبه تعلم أن الشرط الذي ذكره المصنف قول أبي يوسف، وما ذكر الشارح قولهما.
والحاصل: أن الوكيل بالبيع يجوز بيعه بالنسيئة عند أبي حنيفة مطلقا، لأنه وكله ببيع وهذا
مطلق فينفذ عليه كيفما كان. وعند أبي يوسف مقيد بقيدين: أن يكون البيع للتجارة، وأن يكون
الاجل متعارفا.

763
قال في المنية: الوكيل بالبيع المطلق باع بثمن مؤجل جاز وإن طالت المدة، قيل على قوله الامام.
وعندهما: جاز بأجل متعارف في تلك السلعة وبدونه لا. وعن أبي يوسف: إن وكله ببيعه للتجارة
جاز بالنسيئة، وإن وكله به لحاجة إلى النفقة أو قضاء الدين لا. قوله: (ومتى عين الآمر شيئا تعين) قال
في المحيط: الموكل متى شرط في البيع على الوكيل شرطا ينظر، إن كان مفيدا نافعا من كل وجه يجب
على الوكيل مراعاته شرطه أكد بالنفي أو لا، وإن كان شرطا لا يفيد ولا ينفعه بل يضره لا يجب
مراعاته، وإن أكده بالنفي، وإن كان شرطا مفيدا نافعا من وجه ضارا من وجه إن أكده بالنفي يجب
مراعاته، وإن لم يؤكده بالنفي لا يجب مراعاته، لأنه متى أكده بالنفي دل على إرادة وجوه، لان
إدخال حرف التأكيد والتأبيد في الكلام يدل على زيادة المبالغة في إرادة الحال.
مثال الأول: بعه بخيار فباعه بغير خيار لا يجوز، فإن شرط الخيار نافع مفيد من كل وجه، لأنه
لا يزيل ملكه للحال فيجب على الوكيل مراعاته.
ومثال الثاني: لو قال بع هذا العبد بنسيئة أو قال لا تبع إلا بالنسيئة فباع بالنقد جاز، لان هذا
شرط غير مفيد، لان البيع بالنسيئة يضره بالنقد وينفعه فلم يجب عليه مراعاته.
ومثال الثالث: ادفع بشهود أو بحضرة فلان فدفع بغير ذلك لم يضمن، وإن قال لا تدفع إلا
بشهود أو بحضرة فلان فقضاه بغير شهود أو بغير حضرة فلان يضمن كما في الوكيل بالبيع، قالوا:
هذا إذا كان رجلا رفيع القدر تحتشم الناس مخالفته، وإن كان وضيع القدر لا يصير مخالفا لأنه شرط
شرطا لا يفيد فلا يجب على المأمور مراعاته، وإن أكده بالنفي كما لو قال لا تبع إلا بألف أو لا تبع إلا
بالنسيئة فباع بألفين أو بالنقد جاز لأنه غير مفيد أصلا، ومنه لا تبعه في سوق كذا فباعه في غيره نفذ،
لا تبعه إلا في سوق كذا لا ينفذ: أي عند التفاوت الرغبات ا ه‍. ومثله في الحواشي
الحموي، وقدمنا نظيره عند قوله وباستيفائها فراجعه.
أقول: لم يظهر لي التمثيل في الثاني بقوله بع هذا العبد نسيئة الخ لأنه نافع من وجه دون وجه،
لان بالنسيئة يزيد الثمن، فإذا باعه نقدا فاتت زيادة الثمن، إلا أن يقال: إذا اتحد الثمن في النسيئة
والنقد. تأمل. قوله: (إلا في بعه بالنسيئة بألف) قيد ببيان الثمن، تعيين الثمن وباع بالنقد لا يجوز
كما بينه في البحر. وأما لو قال بعه إلى أجل من غير تعيين الثمن فباع بالنقد، قال الامام السرخسي:
الأصح أنه لا يجوز بالاجماع. ا ه‍. قال البحر: ولا مخالفة بين الفرعين لان ما تقدم عين له ثمنا وهذه لم
يعينه. ا ه‍.
أقول: لعل وجه عدم الجواز فيما إذا لم يعين الثمن أن البيع نسيئة يكون بثمن أزيد من ثمن المبيع
بالنقد فيكون مراده البيع بالثمن الزائد، لأنه قد يكون الثمن الزائد في المانع أنفع له من الثمن الأقل في
الحال لعدم احتياجه إليه الآن، وهذا بخلاف المسألة الأولى، لأنه قد باعه بالنقد بالثمن الذي أمره ببيعه
به بالنسيئة فقد حصل له الثمن الزائد في الحالة مع أنه دفع عنه عرضه الهلاك بإفلاس المشتري أو
جحوده، وبهذا اتضح وجه عدم المخالفة، وقدمنا عن المحيط قريبا وكذا أول الباب عند قول المصنف
وبإفائها واستيفائها أن الشرط تارة يجب اعتباره مطلقا، وتارة لا يجب مطلقا، وتارة يجب إن قيده
بالنفي لا تغفل. ثم إن الفرع الثاني إنما يظهر إذا باع بالنقد ولم يكن ما باع به مثل ما يباع بلا نقد،
أما لو كان فلا يظهر بين الفرعين فرق.

764
ثم رأيت في الذخيرة: وإذا وكله بالبيع نسيئة فباعه بالنقد: إن باع بالنقد بما يباع بالنسيئة جاز،
وما لا فلا. قوله: (فباع بالنقد بألف جاز) لأنه وإن صار مخالفا إلا أنه إلى خير من كل وجه كما
علمت. قوله: (في ذلك الجنس جاز وإلا لا) أي فلو باع بدنانير تساوي ألفا بالنقد لا يجوز، وإن كان
خلافا إلى خير لاختلاف الجنس. قوله: (وإنها) بكسر الهمزة لأنها مقول قلت معطوفة على وقدمنا
لعدم تقدم هذه المسألة في كتاب الوكالة، وكأنه قال: قلت وتتقيد الخ لا بالفتح معطوفة على قوله
إن خالف الخ لأنها حينئذ تكون معمولة لقدمنا، والواقع أنه لم يقدمه كما ذكرنا. ح بزيادة. قوله:
(تتقيد بزمان) كأن يقول له بعه يوم الجمعة أو في شهر كذا أو زمن الصيف، فلو قال بعه غدا لم يجز
بيعه اليوم، وكذا الطلاق والعتاق وبالعكس فيه روايتا، والصحيح أنه كالأول.
قال في الخانية: قال لغير بع عبدي غدا فباعه اليوم لا يجوز، لان التوكيل مضافا إلى غد فلا
يكون قبله، ولو قال بع عبدي اليوم واشتر اليوم ففعل غدا فيه روايتان: قيل الصحيح أنها لا تبقى بعد
اليوم، وقيل تبقى، وذكر اليوم للتعجيل لا للتوقيت. ولو وكل رجلا ببيع العبد وعتقه غدا ففعل بعد
غد جاز قولا واحدا، بخلاف ما إذا كان اليوم ففيه خلاف، والصحيح أن ذكر اليوم للتوقيت فلينظر
الفرق. أفاده الحموي. قوله: (ومكان) بأن يقول له بعه في سوق كذا أو في بلد كذا، فلو خالفه لم
يجز، وهذا عند التفاوت كما ذكرنا، وليس منه قوله بعه إلى وقت كذا الآن ذلك تهوين عليه، وعدم
التضييق في البيع لا منعا له له بعد المدة، كما لو قال له أنا كفيله إلى ثلاثة أيام فهو لتأجيل المطالب لا
الكفالة حتى يكون كفيلا قبلها وبعدها كما تقدم. قوله: (لكن في البزازية) استدراك على تقييدها
بزمان، والأولى عدم ذكر هذه العبارة وعدم قوله ومتى عين الآمر الخ استغناء عنهما بما في الزواهر.
قوله: (وبعدها في الأصح ويحمل التقييد بالزمان على إرادة التسهيل على الوكيل وللموكل عزله متى
شاء فلا ضرر عليه في ثبوت وكالته بعدها.
قال في الخانية: دفع الوصي المال إلى رجل ليحج عن الميت في هذه السنة فأخذ وأحرم بالحج
من قابل جاز عن الميت، ولا يكون ضامنا مال الميت لان ذكر السنة يكون للاستعجال دون التقييد،
كما لو وكل رجلا بأن يعتق عبده أو يبيعه غدا فأعتق أو باع بعد الغد جازاها: أي ويكون ذكر الغد
للاستعجال لا للوقيت قولا واحدا، ولو قال: بع، أو اشتر، أو عتق اليوم ففعل ذلك غدا فيه
روايتان، والصحيح أنها لا تبقى بعد اليوم كما قدمناه قريبا. وقال بعضهم: تبقى إلا أن يدل الدليل
على خلافه. قوله: (وكذا الكفيل) أي بالنفس كما تقدم. قوله: (لكنه لا يطالب إلا بعد الاجل) فإن
قلت: ما فائدة كونه كفيلا قبل الاجل؟ قلت: فائدته إنه إذا سلمه قبل الاجل برئ كما قدم هناك
ح. فلو قال كفلته إلى ثلاث أيام كان كفيلا بعد الثلاثة، كما لو قال لامرأته أنت طالق إلى ثلاث أيام
يقع الطلاق بعدها أو باع عبدا بكذا إلى ثلاثة أيام يصير مطالبا بعدها. قال الحلواني: وهذا على خلاف
ما يظنه الناس، وهذا إذا لم يذكر الغاية الأولى، فلو قال أنا كفيل من هذا اليوم إلا عشرة أيام كان

765
كافلا حالا إلى انتهائه وانتهت الكفالة في قولهم. قوله: (بعه بشهود الخ) لأنه يحتمل المشورة
والارشاد، ويحتمل التقييد فلا يصير تقييدا بالشك، بخلاف لا تبع إلا بشهود فإنه نص في التقييد.
قوله: (وباع بدونهم جاز) الذي في المقدسي عن الخانية: بعه بشهود أو رهن أو بعه وخذ كفيلا أو
رهنا فباع بغير شهود أو كفيل أو رهن لم يجز. قوله: (بخلاف لا تبع إلا بشهود أو إلا بمحضر فلان)
فإنه نص في التقييد به. وجملة الامر أن كل ما قيد به الموكل إن مفيدا من كل وجه يلزم رعايته إلى آخر
ما تقدم. قوله: (قلت وبه علم الخ) جعل ذلك قاعدة كلية استنبط منها حكم الواقعة وليس بكلى.
ففي الهندية عن المحيط: إذا أمر أن يبيع برهن أو بكفيل فباع من غير رهن ومن غير كفيل لم
يجز، أكده بالنفي أو لم يؤكده، إلا أنه فيما ذكره الشرط دائرة بين الإفادة وعدمها، وما في الهندي مفيد
محض. قوله: (واقعة الفتوى) المسألة مصرح بها في وصايا الخانية، لكن بلفظ بمحضر فلان، والحكم
فيها ما ذكره هنا. قوله: (لم يضمن) لأنه لم يكن مخالفا: أي وقد اشتراه بغير غبن فاحش ولا عيب،
وإلا فلا يمضي على الموكل. قوله: (بخلاف لا تشتر إلا بمعرفة فلان) فإنه يضمن بانفراده، لان فلانا
قد يكون أعرف بالطيب من الزيف والردئ وبالأسعار، فهو مفيد من وجه. قوله: (وصح أخذه) أي
الوكيل. قوله: (رهنا وكفيلا بالثمن) أي لان العقد في حق الحقوق وقع له لأنه أصيل في الحقوق
وقبض الثمن منها والكفالة توثقا به والارتهان وثيقة لجانب الاستيفاء فيملكهما، بخلاف الوكيل بقبض
الدين لأنه يفعل نيابة، وقد أنابه في قبض الدين دون الكفالة وأخذ الرهن، والوكيل بالبيع يقبض
أصالة، ولهذا لو حجره الموكل عن أخذ الرهن والكفيل عن تسليم المبيع قبل القبض لا ينفذ حجره،
ولو هلك الرهن في يده حتى سقط الثمن عن المشتري يظهر السقوط في حق الموكل. كذا في شرح
الجامع الصغير للتمرتاشي. ومثله في الهداية، وهو مخالف لما في الخلاصة والبزازية من أن الوكيل
بقبض الدين له أخذ الكفيل فيحمل كلام الهداية على أخذ الكفيل بشرط براءة الأصيل فإنها حينئذ
حوالة وهو لا يملكها، لما في البزازية: ولو أخذ به كفيلا بشرط البراءة فهو حوالة لا يجوز للوكيل
بقبض الدين قبولها. أ ه‍.
ومن هنان قال صاحب النهاية: المراد بالكفالة هنا الحوالة، لان التوى لا يتحقق في الكفالة،
وقيل: الكفالة على حقيقتها، لان التوى يتحقق فيها بأن مات الكفيل والمكفول عنه مفلسين. قال
الزيلعي: أخذا من الكافي وهذا كله ليس بشئ، لان المراد هنا توى مضاف إلى أخذه الكفيل، بحيث
إنه لم يأخذ كفيلا لم يتو دينه كما في الرهن، والتوى الذي ذكره هنا غير مضاف إلى أخذه لكفيل
بدليل أنه لو لم يأخذ كفيلا أيضا لتوى بموت من عليه الدين، وحمله على الحوالة فاسد لان الدين لا
يتوى فيه بموت المحال عليه مفلسا بل يرجع به على المحيل، وإنما يتوى بموتهما مفلسين فصار
كالكفالة. والأوجه أن يقال: المراد بالتوى توى مضاف إلى أخذ الكفيل، وذلك يحصل بالمرافعة إلى
حاكم يرى براءة الأصيل كما يأتي بيانه. قال في نور العين: وكيل البيع لو أقام أو احتال أو أبرأ أو

766
حط أو وهب أو تجوز صح عند أبي حنيفة ومحمد، وضمن لموكله، لا عند أبي يوسف، والوكيل لو
قبض الثمن لا يملك الإقالة إجماعا اه‍. قلت: وكذا بعد قبض الثمن لا يملك الحط والابراء.
بزازية. قوله: (فلا ضمان عليه إن ضاع) أي فلا ضمان على الوكيل للموكل فيما هلك من الثمن
فهلاك الرهن. وفي الدراية: وأخذه الرهن يقع للموكل، فلو رده الوكيل جاز ويضمن للموكل الأقل
من قيمته، ومن الدين عنه أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: لا يصح رده. وفي البزازية: ولا يملك
الوكيل بقبض الدين الرهن ويملك أخذ الكفيل. قوله: (أو توى المال على الكفيل) وصورة التوى وكله
ببيع شئ فباعه وأخذ بالثمن كفيلا وعجز عن التحصيل من الكفيل وامتنع الأصيل من إعطائه متعللا
بأنه حيث كفل المال الذي عليه برئ منه ورافعه إلى قاض يرى ذلك وحكم عليه ببراءة الأصيل حيث
كفل وعجز عن تحصيله من الكفيل لا يضمن لموكله. بحر.
أقول: والقاضي الذي يرى ذلك هو من كان على مذهب سيدنا الامام مالك، فإنه يرى براءة
الأصيل عن الدين بالكفالة، ولا يرى الرجوع على الأصيل بموته مفلسا. قوله: (لان الجواز الشرعي
ينافي الضمان) أي ما يسوغ له فعله في الوكالة لاصلاحها، ونفع موكله لا يكون سببا لضمانه لا
مطلق الجواز الشرعي، فلا ينافي قولهم إن من جاز له شئ لمصلحته يتقيد بوصف السلامة، حتى لو
وقع ثوبه على أحد في الطريق فقتله أو على شئ فأتلفه لزمه ضمانه، ولو ضرب زوجته فماتت
ضمنها. قوله: (وتقيد شراؤه بمثل القيمة) المراد به أن يشتري بنقد مثل القيمة فلا ينفذ بغير النقدين
كمكيل وموزون ودين في الذمة، قيد بالشراء لان الوكيل بالنكاح إذا زوجه بأكثر من مهر مثلها فإنه
يجوز لعدم التهمة كما في الحموي، ولأن التهمة في الأكثر متحققة فلعله اشتراه لنفسه، فإذا لم يوافقه
ألحقه بغيره على ما مر، وأطلقه فشمل ما إذا كان وكيلا بشراء معين، فإنه وإن كان لا يملك شراءه
لنفسه فبالمخالفة يكون مشتريا لنفسه، فالتهمة باقية كما في الزيلعي. وفي الهداية قالوا: ينفذ على
الآمر. وذكر في البناية أنه قول عامة المشايخ، والأول قول البعض. وفي الذخيرة أنه لا نص فيه.
بحر ملخصا.
أقول: فظهر أن ما جرى عليه الزيلعي من أن الوكيل بشراء شئ بعينه لا يكون له أن يشتريه
للموكل بالغبن الفاحش وإن كان لا يملك شراءه لنفسه، لأنه بالمخالفة فيه يكون مشتريا لنفسه فكانت
التهمة فيه باقية. ا ه‍. خلاف ما عليه العامة. والظاهر أن المراد بالمخالفة مخالفة ما هو المتعارف في ثمنه،
وإلا فالكلام مفروض فيما إذا لم يقدر الآمر ثمنه. قوله: (وغبن يسير) الواو بمعنى أو. قال في
القاموس: غبنه في البيع يغبنه غبنا ويحرك: خدعة. والتغابن: أن يغبن بعضهم بعضا. ا ه‍. فالمراد
بالتغابن الخداع، فقولهم لا يتغابن الناس فيه: أي لا يخدع بعضهم بعضا لفحشه وظهوره، وقولهم
يتغابن الناس فيه: أي يخدع بعضهم بعضا لقلته. ا ه‍. بحر بتصرف ط.
مطلب: في حد الفاحش
قوله: (وهو ما يقوم به مقوم) أي ما يدخل تحت تقويم أحد من المقومين وهو الأصح، أما ما لا
يدخل تحت تقويمهم فغبن فاحش. وقيل حد الفاحش في العروض نصف القيمة، وفي الحيوان عشر

767
القيمة، وفي العقار خمسها، وفي الدراهم ربع عشرها. قال مسكين: فلو قومه عدل عشرة وعدل آخر
ثمانية وآخر سبعة فما بين العشرة والسبعة داخل تحت تقويم المقومين. أما الزائد في الشراء والناقص
في البيع فلا، وهذا هو الأصح في حد الغبن اليسير والفاحش: أي فلا يكون مما يتغابن فيه، وهذا
إنما يتم في البيع على قولهما لا على قوله.
وأقول: هذا لبيان الحد الفاصل بين الغبن اليسير والفاحش، وهو متفق عليه لا خلاف للامام
فيه سواء كان وكيلا بالشراء وبالبيع، وأما أن الوكيل في البيع هل يملك البيع على الآمر ولو بالغبن
الفاحش؟ فعند الامام نعم خلافا لهما، فهذا شئ آخر ليس مما الكلام الآن فيه، وقيل في العروض
ده نيم: أي نصف العشر، وفي الحيوانات ده يازده: أي العشر، وفي العقار ده دوازده: أي الخمس،
وفيما يتغابن فيه من الدراهم والدنانير مع العشر. ووجهه أن التصرف يكثر وجوده في العروض ويقل
في العقار ويتوسط في الحيوان، وكثرة الغبن لقلة التصرف. وجعل الزيلعي نصف العشر في العروض
فاحشا. ا ه‍. بزيادة. قوله: (كخبز ولحم) هذا باعتبار الغالب من أن هذه الأشياء سعرها معروف، فلو
كان في مكان وزمان يختلف السعر في هذه الأشياء كانت كغيرها. قوله: (وجبن) هو بسكون الباء في
لغة وبضمها مع تخفيف النون أو بالضم مع تشديد النون مختار. قوله: (ولو فلسا واحدا) لأنه لما كان
معلوما بين الناس صار بمنزلة المعين منه فلا يقبل الزيادة به. قوله: (وبناية) هي شرح الهداية. قوله:
(صح) أي عند أبي حنيفة. قوله: (لاطلاق التوكيل) أي إطلاقه عن قيد الاجتماع والافتراق، كما لو
وكله ببيع مكيل ونحوه، ألا نرى أنه لو باع الكل بثمن النصف يجوز عنده، فإذا باع النصف أولى.
قوله: (وإلا لا) لضرر الشركة وهي عيب تنقص القيمة فلا يراد بالمطلق. قوله: (وقولهما استحسان)
قال الإتقاني: وأصل ذلك أن أبا حنيفة يعتبر العموم والاطلاق في التوكيل بالبيع. وأما في التوكيل
بالشراء فيعتبر المتعارف الذي لا ضرر فيه ولا تهمة. وعندهما كلاهما سواء. ا ه‍.
قال المقدسي: وفيه كلام، وهو أن الظاهر أن المراد أن قول أبي حنيفة قياس بالنسب إلى قولهما،
وقولهما استحسان بالنسبة إليه، وليس كذلك بل قياس قولهما أنه لا ينفذ أصلا واستحسنا القول
بالتوقف وكذا في قول أبي حنيفة، فتأمل. ا ه‍.
وفيه أيضا عن المبسوط: لو وكل رجلين ببيع عبده فباع كل منهما لرجل: فمن باع أولا جاز
وبطل الثاني، بخلاف الوصيين كما سيجئ، وإن لم يعلم الأول فلكل مشتر نصفه بنصف الثمن لأنه
ليس أولى واستوى المشتريان ويخير كل منهما لتفرق الصفقة، ولا ترجيح إلا إذا كان في يد أحد
المشتريين فهو له لترجيح جانبه لتأكد شرائه وتمكنه من القبض دليل سبق شرائه. ا ه‍. قوله: (وظاهره
ترجيح قولهما) أي لأنه جعله استحسانا. قال في البحر: ولذا أخره مع دليله كما هو عادته. قوله:
(والمفتي به خلافه بحر) الذي في البحر: وقد علمت أن المفتي به خلاف قوله كما قدمناه. ا ه‍: أي
خلاف قوله فيما استشهد به.

768
قلت: وقد علمت ما قدمناه عن العلامة قاسم من ترجيح قوله وعليه المعول وأنه أصح
الأقاويل. قوله: (وقيد ابن الكمال الخ) ومثله في البحر عن المعراج. ونقل الاتفاق أيضا في الكفاية
عن الايضاح. قوله: (وفي الشراء يتوقف على شراء باقيه قبل الخصومة) يعني لو وكله بشراء عبد
فاشترى نصفه فالشراء موقوف اتفاقا، فإن اشترى باقيه لزم الموكل وارتفع التوقف، لان شراء البعض
قد يقع وسيلة إلى الامتثال بأن كل موروثا بين جماعة فيحتاج إلى شرائه شقصا شقصا، فإذا اشترى
الباقي قبل رد الآمر الشراء تبين أنه وسيلة فينفذ على الآمر، وهذا بالاتفاق. بحر.
قال الحموي: وهذا بالاجماع، بخلاف الوكيل ببيع العبد عند أبي حنيفة للفرق الآتي بيانه، وهذا
إذا شرى الوكيل النصفين، فلو شرى النصف ثم شرى الموكل النصف لم ينفذ على الآمر، بخلاف
عكسه. ا ه‍.
واعلم أن ما اعترض به العيني على الزيلعي حيث قال: فإن اشترى باقيه قبل أن يختصما لزم
الموكل وإلا لزم الوكيل، وهذا بالاجماع. قاله الشارح.
قلت: فيه خلاف زفر والثلاثة الخ ساقط، لان كلام الزيلعي فيما إذا كان وكيلا بالشراء فاشترى
نصفه ثم اشترى الباقي فلا يرد على دعوى الاجماع ما اعترض به العيني، لان خلاف زفر والثلاثة
بالنسبة لما إذا كان وكيلا بالبيع فباع نصفه ثم باع الباقي.
ولئن سلمنا كون خلاف زفر والثلاثة في مسألة التوكيل بالشراء فنقول: أراد بالاجماع إجماع
الامام مع الصاحبين كما يدل عليه قوله بخلاف الوكيل ببيع العبد عند أبي حنيفة الخ. أفاده أبو
السعود. قال الزيلعي: ولا فرق فيه بين التوكيل بشراء عبد بعينه أو بغير عينه. ا ه‍.
وفيه: لا يقال: إنه لا يتوقف بل ينفذ على المشتري. لأنا نقول: إنما لا يتوقف إذا وجد نفاذا
على العاقد وهاهنا شراء النصف لا ينفذ على الوكيل لعدم مخالفته من كل وجه، ولا على الآمر لأنه لم
يوافق أمره من كل وجه فقلنا بالتوقف، فلو أعتقه الآمر زمن التوقف نفذ عند أبي يوسف لا المأمور،
وعكس محمد لأنه مخالف لما أمره، وتوقفه لتوهم رفع الخلاف بشراء الباقي فبقي الخلاف قبل الشراء
فلا ينفذ على الآمر. وأبو يوسف يقول: نوقف على إجازة الموكل، والاعتاق إجازة. ا ه‍. قوله:
اتفاقا) الفرق لأبي حنيفة رحمه الله تعالى بين البيع والشراء إن في الشراء تتحقق تهمة أنه اشتراه لنفسه
فرأى الصفقة خاسرة فأراد أن يلزم به الموكل، لان الامر بالبيع يصادف ملكه فيصح فيعتبر فيه
الاطلاق، والامر بالشراء صادف ملك الغير فلم يصح فلا يعتبر فيه التقييد والاطلاق كما في الهداية.
قوله: (ولو رد مبيع) أطلقه فشمل ما إذا قبض الثمن أو لا، وأشار إلى أن الخصومة مع الوكيل فلا
دعوى للمشتري على الموكل، فلو أقر الموكل بعيب فيه وأنكره الوكيل لا يلزمهما شئ، لان الموكل
أجنبي في الحقوق، ولو بالعكس رده المشتري على الوكيل، لان إقراره صحيح في حق نفسه لا
الموكل. بزازية. ولم يذكر الرجوع بالثمن. وحكمه أنه على الوكيل إن كان
نقده، وعلى الموكل إن كان نقده كما في شرح الطحاوي، وإن نقده إلى الوكيل ثم هو إلى الموكل ثم وجد الشاري عيبا أفتى

769
القاضي أنه يرده على الوكيل. كذا في البزازية. قوله: (بعيب) قيد به لأنه لو رد عليه بخيار شرط أو
رؤية فهو على الآمر، ولو من غير قضاء كرده عليه بعيب بغير قضاء قبل القبض فإنه جائز على الآمر.
قوله: (بالبيع) قيد به لان الوكيل بالإجارة إذا أجر وسلم ثم طعن المستأجر فيه بعيب فقبل الوكيل بغير
قضاء يلزم الموكل ولم يعتبر إجارة جديدة. بحر. قوله: (ببينة) لان الثابت بالبينة ثابت في حق الكافة،
لان البينة حجة مطلقة متعدية فيلزم الموكل كما لزم الوكيل. أما النكول فهو ذل أو إقرار، وكل منهما
حقه أن لا ينفذ على الموكل، لكنه لما كان النكول مضطرا إليه ببعد العيب عن علمه باعتبار عدم ممارسته
المبيع لزم الآمر دفعا للضرر عن الوكيل، وكذا الاقرار فيما لا يحدث لان القاضي تيقن حدوث العيب
في يد البائع فلم يكن قضاؤه مستندا إلى هذه الحجج. قوله: (أو نكوله) أي الوكيل لأنه مضطر في
النكول لبعد العيب عن علمه باعتبار عدم ممارسته المبيع فلزم الآمر. بحر.
وفيه دليل على أن الدعوى لو وقعت في ثمن المبيع بأن ادعى المشتري دفعه للوكيل وأنكره
الوكيل وطلب المشتري يمينه على عدم الدفع له فنكل فقضى عليه أنه يضمن الثمن للموكل لفقد العلة
المذكورة، ولكونه إما باذلا أو مقرا، وعلى التقديرين يضمن وهي واقعة الفتوى، فتأمل. ا ه‍. رملي.
قلت: وفي الكفاية قوله والوكيل مضطر الخ، يشير إلى أن الوكيل يحلف على البتات، إذ لو كان
على العلم لم يكن مضطرا لبعد العيب عن علمه، ولكن عامة الروايات على أن الوكيل يحلف على
العلم، فإذا علم بالعيب فحينئذ يضطر إلى النكول. ا ه‍. قوله: (أو إقراره فيما لا يحدث مثله في هذه
المدة) لان القاضي يتيقن بحدوث العيب في يد البائع فلم يكن قضاؤه مستندا إلى الاقرار ولا إلى البينة
والنكول، لان العيب لما كان لا يحدث مثله كالإصبع الزائدة لم يتوقف القضاء على وجود هذه الحجج
من البينة والاقرار وإباء اليمين، بل ينبغي أن يقضي بعلمه قطعا بوجود العيب عند البائع بدون
الحجج، فيجب عدم توقفه على وجودها في العيب الذي لا يحدث مثله، لان تأويل اشتراطها في
الكتاب أن القاضي يعلم أنه لا يحدث في مدة شهر مثلا لكنه اشتبه عليه تاريخ البيع فيفتقر إلى هذه
الحجج لظهور هذا التاريخ، أو كان عيبا لا يعرفه إلا النساء والأطباء، وقولهن وقول الطبيب حجة في
توجه الخصومة لا في الرد فيفتقر إليها في الرد حتى لو كان القاضي عاين البيع والعيب ظاهر لا يحتاج
إلى شئ منها قيد بما لا يحدث، لأنه لو رد عليه بإقراره فيما يحدث فإنه يلزم المأمور، لان الاقرار
حجة قاصرة وهو غير مضطر إليه لامكانه السكوت والنكول، إلا أنه له أن يخاصم الموكل فيلزم ببينته
أو بنكوله، بخلاف ما إذا كان الرد بغير قضاء والعيب يحدث مثله حيث لا يكون له أن يخاصم موكله
لأنه بيع جديد في حق ثالث والبائع ثالثهما، والرد بالقضاء فسخ لعموم ولاية القاضي، غير أن الحجة
قاصرة وهو الاقرار، فمن حيث الفسخ كان له أن يخاصم، ومن حيث القصور لا يلزم الموكل إلا
بحجة، وإن كان العيب غير حادث: أي كسن زائدة أو كان حادثا إلا أنه لا يحدث مثله في تلك المدة
رده على الوكيل بإقراره بغير قضاء لزم الوكيل، وليس له أن يخاصم الموكل في عامة روايات المبسوط.
وذكر في البيوع أنه يكون ردا على الموكل لأنهما فعلا عين ما يفعه القاضي لو رفع إليه، إذ لا
يكلفه القاضي على إقامة البينة ولا على الحلف في هذا الصورة بل يرده عليه بلا حجة، فكان الحق
متعينا في الرد.

770
قلنا: الرد بالتراضي بيع جديد في حق ثالث والموكل ثالثهما، ولا نسلم أن الحق متعين في الرد
بل يثبت حقه أولا في وصف السلامة، ثم إذا عجز ينتقل إلى الرد، ثم إذا امتنع الرد بحدوث العيب
أو بزيادة حدثت فيه ينتقل إلى الرجوع بالنقصان فلم يكن الرد متعينا، وهكذا ذكر الروايتين في شرح
الجامع الصغير وغيره، وبين الروايتين تفاوت كبير، لان فيه نزولا من اللزوم إلى أن لا يخاصم بالكلية،
وكان الأقرب أن يقال: لا يلزمه ولكن له أن يخاصم. زيلعي. وبه علم أن قول المتن أو إقراره فيما لا
يحدث مثله: أي فيلزم الموكل مبني على رواية البيوع المخالفة لعامة روايات المبسوط من لزومه للوكيل،
ولذا قال في المواهب: لو رد عليه بما لا يحدث مثله بإقرار يلزم الوكيل ولزوم الموكل رواية. ا ه‍.
فتنبه. قوله: (ورده الوكيل على الآمر) لو قال فهو رد على الآمر لكان أولى، لان الوكيل لا يحتاج إلى
خصومة مع الموكل إلا إذا كان عيبا يحدث مثله ورد عليه بإقرار بقضاء وإن بدون قضاء لا تصح
خصومته لكونه مشتريا.
وحاصل هذه المسألة: أن العيب لا يخلو إما أن لا يحدث مثله كالسن أو الإصبع الزائدة، أو
يكون حادثا لكن لا يحدث مثله في هذه المدة، أو يحدث في مثلها. ففي الأول والثاني يرده القاضي من
غير حجة من بينة أو إقرار أو نكول لعلمه بكونه عند البائع، وتأويل اشتراط الحجة في الكتاب أن
الحال قد يشتبه على القاضي بأن لا يعرف تاريخ البيع فيحتاج إليها ليظهر التاريخ، أو كان عيبا لا
يعرفه إلا الأطباء أو النساء، وقولهم حجة في توجه الخصومة لا في الرد فيفتقر إلى الحجة للرد، حتى
لو عاين القاضي البيع وكان العيب ظاهرا لا يحتاج إلى شئ منها، وكذا الحكم في الثالث إن كان ببينة
أو نكول، لان البينة حجة مطلقا، وكذا النكول حجة في حقه فيرده عليه، والرد في هذه المواضع على
الوكيل رد على الموكل. وأما إن رده عليه في هذا الثالث بإقراره: فإن كان بقضاء فلا يكون ردا على
الموكل لأنه حجة قاصرة فلا تتعدى، ولكن له أن يخاصم الموكل فيرده عليه ببينة أو بنكوله، لان الرد
فسخ لأنه حصل بالقضاء كرها عليه فانعدم الرضا. وإن كان بغير قضاء فليس له الرد، لأنه إقالة وهي
بيع جديد في حق ثالث وهو الموكل في الأول. والثاني: لو رد على الوكيل بالاقرار بدون قضاء لزم
الوكيل، وليس له أن يخاصم الموكل في عامة الروايات. وفي رواية يكون ردا على الموكل كما قدمناه
قريبا عن الزيلعي. قال في الاصلاح: وكذا بإقرار فيما لا يحدث مثله إن رد بقضاء ا ه‍. قوله: (ولو
بإقراره فيما يحدث لا يرده ولزم الوكيل) إلا أنه إن كان الرد بقضاء فللوكيل أن يخاصم الموكل فيلزمه
ببينة أو بنكوله.
قال المقدسي: ولا يرده إلا ببرهان أنه كان عنده، وإلا يحلف، فإن نكل يرده وإلا لزم الوكيل.
ثم قال: فإن قيل: كيف يرده ويخاصم الموكل مع أن الرد بالاقرار فسخ في حق المتعاقدين بيع جديد
في حق الموكل؟ قلنا: الرد ما حصل بإقراره بل بقضاء القاضي بكره منه فجعل فسخا، لك استند
لدليل قاصر، فعممنا الفسخ عند البرهان ولزم الوكيل عند عمومه عملا بقصور المستند وهو الاقرار.
قال في النهاية: قضاء القاضي مع إقرار الوكيل متصور إذا أقر بالعيب وامتنع من القبول فيجبره
عليه، وإن رده المشتري بإقرار الوكيل بغير قضاء لزمه ولم يخاصم بحال.
وفي كافي الحاكم: إذا قبل الوكيل المبيع بغير قضاء بخيار شرط أو رؤية جاز على الآمر كرده

771
بعيب قبل القبض، ولو قبل وكيل الايجار المعيب من المستأجر بغير قضاء يلزم الموكل لان المنافع غير
مقبوضة. قوله: (الأصل في الوكالة الخصوص) لان الموكل يقيم الوكيل مقام نفسه بالاستعانة به في
أمر خاص، حتى لا تصح ببيان الجنس بل حتى يبين النوع أو الثمن. ومبنى المضاربة على تحصيل
الربح، ووجوه تحصيله متباينة، قد يكون بالنقد، وقد يكون بالنسيئة، وقد يكون بالبيع المطلق، وقد
يكون بالمقابضة. قوله: (وفي المضاربة العموم) فيملك الايداع والايضاع، وهذا بخلاف ما لو ادعى
رب المال المضارب في نوع والآخر في نوع آخر حيث يكون القول لرب المال، لأنه سقط الاطلاق
بتصادقهما فنزل إلى الوكالة المحضة. قوله: (فإن باع الوكيل نسيئة) لو قال المصنف: لو اختلفا فيما
عينه الموكل فالقول للآمر لكان أولى ليشمل ما ذكر، ويشمل ما إذا باع الوكيل بخمسمائة فقال الآمر
أمرتك بألف أو قال أمرتك بدينار أو بحنط أو شعير أو قال بكفيل وقال الوكيل بغيره فالقول للآمر،
كما إذا أنكر أصل الامر ووكيل الخلع والمقدار والصفة من حلول وتأجيل. بحر.
واعلم أن قياس ما سبق عن الخلاص يقتضي أن يكون المراد من أمر الآمر وكيله بالبيع نقدا أن
يقول له لا تبعه إلا بالنقد لا مجرد الامر بالبيع بالنقد، ألا ترى إلى ما سبق من أنه لو قال بعه بالنقود
فباع بالنسيئة جاز، بخلاف لا تبع إلا بالنقد، ومقتضاه أنه لو قال بعه من فلان بكفيل فباعه منه بغير
كفيل جاز، بخلاف لا تبعه منه إلا بكفيل، لكن في البحر عن الكافي: أمره أن يبيعه من فلاه بكفيل
فباع بغير كفيل لم يجز، فتدبر في وجه الفرق، وانظر ما قدمنا قبل ثلاث أوراق عند قول الشارح وبه
علم الخ. قوله: (صدق الآمر) لان الامر يستفاد من جهته.
تنبيه: ما مر نقل صريح في اعتبار قول الآمر لا يجوز العدول عنه، فقول بعض المتأخرين فيما تقدم فيما
لو وكله بقضاء دينه لفلان فقال قضيته فقال الآمر إنما أمرتك لفلان غيره حيث قال
إن القول للمأمور لأنه أمين قول مخالف لصريح المنقول المعتبر المقبول كما نبه عليه المقدسي. قوله:
(عملا بالأصل) علة للمسألتين، لان تصديق الآمر في أمره بالنقد لتخصيص الوكالة وتصديق المضارب
لاطلاقها، فلو ادعى الوكيل الفعل وأنكره موكله: فإن كان إخبار الوكيل بعد عزله فالقول للموكل،
وإن قبل في حياة الموكل فالقول للوكيل إن كان البيع مسلما إليه، وإلا لا، وإن كان بعد موته حال
هلاكه العين فكذلك، وإلا لم يقبل قوله إذا كذبه الوارث. هذا في الوكيل بالبيع، وأما الوكيل بالشراء
فسبق حكمه عند الاختلاف، وأما وكيل العتق فلا يقبل قوله كما إذا قال أعتقته أمس وكذبه الموكل لا
يعتق، وأما وكيل الكتابة فيقبل قوله في العقد لا في قبض البدل والهلاك، كما إذا قال كاتبته وقبضت
بدلها فالقول له في الكتابة لا في قبضت بدلها. أما لو قال كاتبته ثم قال قبضت بدلها ودفعته للموكل
فهو صحيح يصدق لأنه أمين، ولا يقبل قول وكيل النكاح والوكيل بقبض الدين إذا ادعى القبض
والهلاك يصدق.
وفي خزانة المفتين: وكل رجلا بأن يشتري أخاه فاشترى فقال الآمر ليس هذا أخي فالقول له
مع يمينه، لأنه ينكر وجوب الثمن عليه ويكون الوكيل مشتريا لنفسه ويعتق العبد على الوكيل بقوله
هذا أخوك. ا ه‍. وإذا اتفقا أن عقد المضاربة وقع خاصا واختلفا فيما خص العقد فيه فالقول لرب المال

772
لاتفاقهما على العدول عن الظاهر والاذن يستفاد من قبله، فيعتبر قوله وأمرتك بالاتجار في البر وادعى
الاطلاق فالقول للمضارب لادعائه عمومه. وعن الحسن عن الامام أنه لرب المال، لان الاذن يستفاد
منه، وإن برهنا فإن نص شهود العامل أنه أعطاه مضاربة في كل تجارة فهي أولى لاثباته الزيادة لفظا
ومعنى، وإن لم ينصوا على هذا الحرف فلرب المال، وكذا إذا اختلفا في المنع من السفر لاقتضاء
المضاربة إطلاقها على الروايات المشهورة.
قال المضارب: هو في الطعام وقال رب المال هو في الكرباس فالقول له، ولو برهنا فللمضارب
لان رب المال لا يحتاج إلى الاثبات والمضارب يحتاج إلى إثباته لدفع الضمان عن نفسه، وإن وقتا
فالوقت الأخير أولى كما في مضاربة البزازية، والبضاعة كالمضاربة إلا أن المضارب يملك البيع
والمستبضع إلا إذا كان في لفظ ما يعلم أنه قصد الاسترباح أو نص على ذلك. كذا في وكالة البزازية.
والظاهر أنها كالوكالة من حيث إن الأصل فيها التقييد، إلا أنه لا يملك الايضاع والايداع وبيع ما
اشتراه إلا بالتنصيص، بخلاف المضارب. ا ه‍.
مطلب: الشركة مثل المضاربة في أن الأصل فيها الاطلاق
قال الرملي: ومثل المضاربة الشركة، الظاهر أن الأصل فيها الاطلاق لأنها مبنية عليها، وما علل
به الزيلعي كالصريح فيه، فتأمل ا ه‍. قوله: (لا ينفذ تصرف أحد الوكيلين) لان الموكل رضي برأيهما
لا برأي أحدهما، والبدل وإن كان مقدرا ولكن التقدير لا يمنع استعمال الرأي في الزيادة واختيار
المشتري. بحر. أي التقدير للبدل لمنع النقصان عنه، فربما يزاد عند الاجتماع وربما يختار الثاني مشتريا
مليا، والأول لا يهتدي إلى ذلك، وأشار بالتعبير بالنفاذ ولم يقل لا يصح إلى أن تصرف أحدهما موقوف
إن تصرف بحضرة صاحبه، فإن أجاز صاحبه جاز، وإلا فلا، ولو كان غائبا فأجازه لم يجز في قول الإمام
. كذا في التبيين. قال الحاكم أبو الفضل: هذا خلاف ما في الأصل.
وقال أبو يوسف: يجوز، ولو باع أحدهما من صاحبه شيئا لم يجز، لما في وصايا الخانية: لو باع
أحد الوصيين شيئا من التركة لصاحبه لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، ويجوز عند أبي يوسف. ا ه‍. قوله:
(معا كوكلتكما بكذا) أي ببيع عبدي هذا أو بخلع امرأتي، أما إذا وكلهما بكلامين على التعاقب فينفرد
أحدهما، وكذا إذا لم يمكن اجتماعهما كالخصومة، وكذا ما لا يحتاج إلى الرأي كالطلاق بغير مال كما
في المجمع وشرحه، وكل ذلك يؤخذ من كلام الشارح رحمه الله تعالى، وأتى الشارح بقوله: معا لبيان
مراد الماتن، بدليل استثنائه ما إذا وكلهما على التعاقب بعد ذلك، ولبيان تقييد امتناع تصرف أحدهما بما
إذا وكلهما مجتمعين، ولا يخرج بذلك الاستثناء عن كونه متصلا، لان الاستثناء واقع في المتن ولفظ
الظرف تقييد من الشارح. قوله: (ولو الآخر عبدا أو صبيا) محجورا عليه: أي لا بتصرف أحد الوكيلين
وحده، لان الموكل رضي برأيهما لا برأي أحدهما، والبدل وإن كان مقدرا ولكن التقدير لا يمنع
استعمال الرأي في الزيادة واختيار المشتري كما قدمناه عن البحر.
أقول: ولا عبرة بكون أحدهما ضعيف التصرف كالعبد والصبي، فإن الحقوق لا ترجع إليهما
إلا بإذن من وليهما، ولا دخل لهذا في اختياره رأيهما، لان مناط الاختيار معرفتهما بوجوه التصرف،
وما عندهما من الصدق والأمانة فقد يكون فيهما أرجح من البالغ والحر أطلقه فشمل ما إذا كان أحدهما
عاقلا حرا بالغا والآخر عبدا أو صبيا محجورا عليه لكنه مقيد بما إذا وكلهما بكلام واحد كما علمت.

773
أما إذا كان توكيلهما على التعاقب فإنه يجوز لأحدهما الانفراد، لأنه رضي برأي كل واحد منهما
على الانفراد وقت توكيله فلا يتغير بعد ذلك، بخلاف الوصيين، فإنه إذا أوصى إلى كل منهما بكلام
على حدة لم يجز لأحدهما الانفراد في الأصح، لأنه عند الموت صارا وصيين جملة واحدة، وفي الوكالة
يثبت حكمهما بنفس التوكيل. بحر. قوله: (أو مات أو جن) أي الوكيل الآخر: أي فلا يجوز للآخر
التصرف وحده، لأنه إنما فوض للباقي مع الذي قد فات رأيه ولم يفوض له بانفرداه فلا يملك
التصرف وحده لعدم رضاه برأيه وحده، ولو كانا وصيين فمات أحدهما لا يتصرف الحي إلا بأمر
القاضي كما في وصايا الخانية.
وفي الخانية: رجل قال لرجلين وكلت أحدكما بشراء أمة لي بألف درهم فاشترى أحدهما ثم
اشترى الآخر فإن الآخر يكون مشتريا لنفسه، ولو اشترى كل واحد منهما جارية ووقع شراؤهما في
وقت واحد كانت الجاريتان للموكل. كذا ذكر في النوازل وعليه الفتوى. ا ه‍.
وفي الذخيرة عن محمد: رجل وكل رجلا بقبض كل حق له ثم فارقه ثم وكل آخر بقبض كل
دين له فقبض الوكيل الأول شيئا من الدين فليس للوكيل الثاني أن يقبضه من الأول لأنه الساعة عين
وليس بدين. ولو وكل الأول بقبض كل حق له ثم وكل الثاني بقبض كل شئ له وقبض الأول شيئا
من الدين فللثاني أن يقبضه من الأول، ولو وكل رجلا بقبض داره التي في موضع كذا التي في يد
فلان فمضى الوكيل ثم وكل آخر بعده بمثل ما وكل به الأول في قبض هذه بعينها، فإن كان الأول قد قبض الدار
قبل توكيل الثاني فللثاني أن يقبضا من الأول، وإن وكل الثاني قبل أن يقبض الأول الدار فليس للثاني أن يقبضها لأنها صارت مقبوضة لصاحبها. ا ه‍.
ومثله في التتارخانية في الرابع عشر، لكن ذكر بدل التعليل قوله والشئ بعينه لا يشبه ما ليس
بعينه، ألا ترى أن رجلا لو وكل رجلا بقبض عبد له بعينه في يد رجل ثم قبضه المولى ثم أودعه
إنسانا آخر فللوكيل أن يقبضه. ا ه‍.
ومثله في الخلاص في الفصل الثالث. قوله: (إلا فيما إذا وكلهما على التعاقب) فإنه يجوز
لأحدهما الانفراد كما علمت، وكان ينبغي للشارح أن يحذف قوله فيما تقدم معا ليحسن هذا
الاستثناء، لأنه لا يكون إلا من عام، ومع تقييده بمعا صار خاصا فلا يستثنى منه إذ لا يدخل هذا في
الاستثناء كما بيناه قريبا. قوله: (بخلاف الوصيين) فإنه لا ينفرد أحدهما كما علمت.
قال في تنوير البصائر: وفيه اختلاف واختلاف تصحيح، فقيل الخلاف فيما إذا أوصى لهما
معا، أما لو أوصى بكل على حدة فينفرد إجماعا. قال في الخزانة، وهو الأصح وبه نأخذ، وقيل في
الفصلين، وقيل هذا أصح. قال في المبسوط: لكن الأصح أن الخلاف في الفصلين. والمراد بالخلاف
الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، فعند أبي حنيفة ومحمد لا ينفرد فيما عدا ما استثنى، خلافا
لأبي يوسف.
قلت: ويستثنى مسائل أخر ينفرد فيها بالتصرف أحد الوصيين، تجهيز الميت، وشراء ما لا بد
منه للصغير كالطعام والكسوة، وبيع ما يخشى عليه التلف، وتنفيذ الوصية المعينة، وقضاء دين الميت
إذا كان في التركة من جنسه، والخصومة، ورد المغصوب، ورد الودائع، وقبول الهبة، وجمع الأموال
الضائعة، ورد المشتري فاسدا، وقسمة ما يكال ويوزن، وإجارة اليتيم في عمل يتعلم، وفي الايصاء

774
بأن يتصدق على فقراء كذا وعينه، وإعتاق النسمة المعينة وحفظ الأموال.
قلت: والظاهر أنه لا فرق بين أن يكون نصبهما الميت أو نصبهما قاض واحد أو نصبهما قاضيا
بلدتين، وليس كذلك، فإنه في مسألة ما لو نصب كل واحد منهما قاضي بلدة ينفرد كل واحد منهما
بالتصرف.
قال في الملتقطات: قيمان نصب كل واحد منهما قاضي بلدة جاز أن ينفرد كل واحد منهما
بالتصرف في مال الميت، لان كل واحد من القاضيين لو تصرف جاز فكذا نائبه، فلو أراد كل واحد
من القاضيين عزل المتولي الذي نصبه الآخر جاز إذا رأى المصلحة في ذلك. ا ه‍. فهذا تقييد لكلام
الأشباه من أن محله فيما إذا كانا وصيين من جهة الميت أو من جهة قاض واحد، أما لو كانا من جهة
قاضيين من بلدتين فينفرد أحدهما بالتصرف.
قلت: وفي قوله فكذا نائبه نظر ظاهر، ما علم من كلام علمائنا أن وصي القاضي نائب عن
الميت لا عن القاضي حتى تلحقه العهدة، بخلاف أمين القاضي لأنه نائب عنه فلا تلحقه العهدة،
ومقتضى كون وصي القاضي نائبا عنه أن لا يكون القاضي محجورا عن التصرف في مال اليتيم كما إذا
كان أمينه، والمنقول أنه محجور عن التصرف في مال اليتيم مع وجود وصي ولو منصوبه بخلافه مع
أمينه، ومقتضى كون القاضي نائبا عنه أن لا يملك القاضي شراء مال اليتيم من وصي نصبه كما لو
كان أمينه والحكم بخلافه كما في غالب كتب المذهب. ا ه‍. قوله: (كما سيجئ في بابه) ونصه:
وبطل فعل أحد الوصيين ولو كان إيصاؤه لكل منهما على الانفراد، وسيجئ أيضا قريبا متنا في قوله
بخلاف الوصاية. قوله: (وفي خصومة) أي فإن لأحدهما أن يخاصم وحده، لأنها وإن كانت تحتاج
إلى رأي إلا أن اجتماعهما على الخصومة والتكلم يتعذر، واللغط يوقع في الغلط لأنه يلتبس على
القاضي فهم الدعوى ويصير شغبا بفتح الشين وسكون الغين: هيجان الشر، وبالفتح لغة ضعيفة،
حتى لو باشر بدون رأي الآخر لا يجوز عندنا. عيني. أما اجتماعهما على البيع فغير متعذر. بحر.
قوله: (لا حضرته على الصحيح) لان حضورهما في الخصومة ليس بشرط عند عامتهم، وقيل يشترط،
وهو قول زفر والشافعي. قوله: (إلا إذا انتهيا) الأولى إلا إذا انتهت الخصومة. قوله: (فحتى يجتمعا)
هذا بناء على أن الوكيل بالخصومة يملك القبض، والمفتى به قول زفر هنا أنه لا يملكه كما يأتي قريبا،
وبه أفتى أبو السعود. قوله: (وعتق معين وطلاق معينة لم يعوضا) أي بلا بدل لأنه مما لا يحتاج إلى
الرأي وتعبير المثنى فيه كالواحد. وقوله معين أي ولو كان التعيين بسبب تفرد المأمور بعتقه وطلاقها،
كأن قال له طلق زوجتي أو أعتق عبدي ولا زوجة وعبد له سوى واحد. قال العلامة مسكين: والمراد
بالطلاق والعتاق أن يكونا منجزين، بأن قال طلقاها وأعتقاها أما لو قال طلقاها إن شئتما أو قال أمرها
بأيديكما لا ينفرد أحدهما بالطلاق والعتاق. ا ه‍. وهذا معنى قول المصنف وتعليق بمشيئتهما ويكون
معطوفا على لم يعوضا كما قال الشارح. قوله: (بخلاف معوض) على صيغة اسم المفعول: أي مجعولا
العوض في مقابلته، وهو صفة لما وكلا به من عتق أو طلاق: أي لو وكلهما بطلاق وعتق بعوض لا
ينفرد أحدهما لأنه اعتمد على رأيهما، وهذا مما يحتاج إلى الرأي في زيادة القدر المأخوذ من العوض
وغير ذلك من الأمور التي يحتاج إليها في التصرفات، وكذا إذا كان العبد أو الزوجة غير معينة فإن

775
ذلك يحتاج إلى الرأي باختيار العبد الذي يعتقانه أو المرأة التي يطلقانها.
فالحاصل: أنه إذا لم يعوض المعتق والمطلقة لا يحتاج إلى رأي فمباشرة الواحد والاثنين سواء،
بخلاف العتق والطلاق المعوض وغير المعينين فإنه يحتاج إلى الرأي، فإذا رضي برأيهما لا يستقل أحدهما
والمناسب أن يعطف عليه ولا علقا: أي العتق والطلاق بمشيئتهما: أي مشيئة الوكيلين، فإن علقا
فباشر أحدهما لم ينفذ لعدم وجود المعلق عليه وهو مشيئتهما، وقول المتن وتعليق لا يصح عطفه على
لم يعوضا إلا بتأويل.
وعبارة البحر بلا بدل وتعليق، وهو صحيح لأنه عطف اسم صريح على اسم صريح، وهو
حسن صحيح. قوله: (وغير معين) أي وكذا إذا كان العيد أو الزوجة غير معين فإن ذلك يحتاج إلى
الرأي أيضا كما علمت. قوله: (وتعليق بمشيئتهما) كما إذا قال طلقاها إن شئتما، ومثل ذلك إذا
جعل أمرها بيدهما ففيهما يكون تفويضا فيقتصر على المجلس: أي الذي هما فيه لكونه تمليكا في
التفويض أو يكون تعليقا فيشترط فعلهما لوقوع الطلاق، لان المعلق بشيئين لا ينزل عند وجود
أحدهما. قوله: (فإنه يلزم اجتماعهما عملا بالتعليق) فلو باشر أحدهما لم ينفذ لعدم وجود المعلق عليه
وهو مشيئتهما. قوله: (قلت وظاهره عطفه على لم يعوضا) الضمير في قوله وظاهره ويعود على ما
قاله المصنف، والضمير في عطفه يعود على التعليق: أي ظاهر ما قاله المصنف عطف التعليق على لم
يعوضا: أي نظرا إلى المعنى، كأنه قيل لم يقع فيهما تعويض ولا تعليق بمشيئتهما، والأحسن أن يقول
على يعوضا بإسقاط لم لتسلط النفي عليه، وفيه ركاكة زائدة. قوله: (كما يعلم من العيني والدرر)
حيث قال بعد قوله لم يعوضا بخلاف ما إذا قال لهما طلقاها إن شئتما أو قال أمرها بأيديكما لأنه
تفويض إلى مشيئتهما فيقتصر على المجلس. ا ه‍. قوله: (فحق العبارة) أي حقها الواضح، وإلا فهي
صحيحة على ما سلف.
واستثنى في البحر من إطلاق المصنف مسائل:
الأولى: لو قال طلقاها جميعا ليس لأحدهما أن يطلقها وحده ولا يقع عليها طلاق أحدهما، ولو
قال طلقاها جميعا ثلاثا فطلقها أحدهما طلقة والآخر طلقتين لا يقع.
الثانية: قال لوكيلي طلاق لا يطلقها أحد دون صاحبه وطلق أحدهما ثم الآخر أو طلق واحد
ثم أجازه الآخر لا يقع ما لم يجتمعا، وكذا في وكيلي عتاق. كذا في منية المفتي. ا ه‍.
أقول: واعترضه الرملي بأنه إنما لم يستثن المصنف الأولى لعدم دخولها لان فيها زيادة وهي شرط
اجتماعهما صريحا، فتأمل. وكذا لم يستثن الثانية لعارض النهي عن الانفراد. قوله: (وفي تدبير) أي
لمعين لأنه كالاعتاق لا يحتاج إلى الرأي. منح. فلأحدهما الانفراد به، وإنما قدر في في هذا وفيما
بعده ليعلم أنه ينفرد أحدهما فيها. قوله:
(ورد عين كوديعة الخ) لأنه لا يحتاج له الرأي. قوله: (بخلاف استردادها) فليس لأحدهما القبض بدون إذن صاحبه لامكان اجتماعهما، وللموكل فيه غرض

776
صحيح، لان حفظ اثنين خير من حفظ واحد، فإذا قبض أحدهما ضمن كله لأنه قبض بغير إذن
المالك.
فإن قيل: ينبغي أن يضمن النصف لان كل واحد منهما مأمور بقبض النصف. قلنا: ذاك مع
إذن صاحبه. وأما في حال الانفراد فغير مأمور بقبض شئ منه. بحر عن السراج. واعترضه أبو
السعود بقوله وما في البحر عن السراج من قوله فإن قبل ينبغي أن يضمن النصف الخ، فيه نظر لأنه
إذا قبض بإذن صاحبه لا يلزمه الضمان أصلا. ا ه‍. واعترض أيضا على تعليل البحر المذكور بقوله لان
اجتماعهما فيه ممكن بأن الحكم لو كان معلولا بإمكان الاجتماع لم يجز لأحدهما الانفراد في التوكيل برد
الوديعة ا ه‍. وعليه فالأولى الاقتصار على قوله لان للموكل فيه غرضا صحيحا، لان حفظ اثنين خير
من حفظ واحد. قوله: (فلو قبض أحدهما) أي بدون إذن صاحبه كما صرح به في الذخيرة لا بدون
حضوره كما توهمه عبارة البحر كما علمت: أي وهلك في يده سواء كان كل المقبوض أو بعضه.
قوله: (ضمن كله لعدم أمره بقبض شئ منه وحده) إذ أمره تناولهما مجتمعين لا منفردين فلم يكن
مأمورا في حالة الانفراد بقبض شئ. قوله: (وفي تسليم هبة) أي لموهوب له معين فإن لأحدهما
الانفراد اتفاقا، وإن لم يعين الموهوب له لا ينفرد أحدهما عندهما وينفرد عند الثاني ط. قوله: (بخلاف
قبضها) فليس لأحدهما الانفراد، والعلة ما ذكر في الاسترداد وهي العلة في الاقتضاء. قوله: (وقضاء
دين) فهو كرد الوديعة واقتضائه فهو كاستردادها. بحر. قوله: (وبخلاف الوصاية) مبتدأ خبره قوله
الآتي كالوكالة وزاد بعد الواو قوله بخلاف ليعطفه على قوله بخلاف اقتضائه فالمعطوف خمسة
والسادس المعطوف عليه، فلا اعتراض في كلامه فتنبه. لكن لا يحسن تشبيه مسألة الاقتضاء بالوكالة
لأنها وكالة حقيقة، وحينئذ فقول بعض الأفاضل: إن المسائل المعدودة خمسة لا ستة فيه ما فيه، ووقع
في بعض النسخ والوصاية بدون قوله بخلاف على أنها مبتدأ وقوله كالوكالة خبر وهي أولى، لان ظاهر
النسخة الأولى أن الوصيين لا ينفردان أصلا ولا في المسائل المستثناة حتى تصح أن تكون الوكالة
بخلاف الوصاية، وليس كذلك، فإن ما ينفرد به أحد الوكيلين ينفرد به أحد الوصيين. وزاد مسائل
أخر تأتي في باب الوصي، ولذا جعل صاحب البحر حكم الوصيين والوكيلين واحدا حيث قال: اعلم
أن الوكالة والوصاية والمضاربة والقضاء والتولية على الوقف سواء ليس لأحدهما الانفراد، وقدمنا حكم
القاضيين في القضاء، والناظر إما وكيل أو وصي فلا ينفرد أحد ما، فقد سوى بين الوكالة والوصاية
كما ترى. قال الرملي: والصحيح أن الناظر وكيل. لكن قال قاضيخان: هو عند أبي حنيفة وأبي
يوسف: وكيل الواقف حتى كان له أن يعزله وإن لم يشترطه لنفسه. وعند محمد: وكيل الفقراء حتى لم
يكن له عزله. ا ه‍. قوله: (لاثنين) ولو متعاقب. قوله: (وكذا المضاربة) أي إذا عقد معهما عقد
المضاربة معا فليس لأحدهما الانفراد، لان المضاربة مما تحتاج إلى الرأي. قوله: (والقضاء) قيل ليس

777
المراد أن السلطان إذا قلد شخصين قضاء بلدة ليس لأحدهما الانفراد بالقضاء في غيبة الآخر كما
يتوهم، وإنما المراد أنه إذا فوض أمرا إلى قاضيين متوليين قبل تفويض الامر ليس لأحدهما الانفراد
بالتصرف في ذلك الامر بدون رأي الثاني انتهى.
أقول: ما نفى أن يكون مرادا هو المصرح به كما في منية المفتي. وعبارتها: السلطان أو الامام
الأكبر فوض قضاء ناحية إلى اثنين فقضى أحدهما لم يجز كأحد وكيلي بيع. كذا ذكره الحموي في البحر
عن الخانية. ولو أن أحدا من هذين القاضيين أراد أن يعزل القيم الذي أقامه القاضي الآخر: فإن
رأى المصلحة في ذلك كان له ذلك، وإلا فلا ا ه‍. قوله: (والتولية على الوقف) أي إذا نصبهما قاض
واحد أو كانا منصوبي الواقف. قوله: (فإن هذه الستة) أي مع ضم الوكالة وإلا فهي خمس، والتحكيم
على استثنائه، وإن أراد جميع ما تقدم مما لم يجز فيه الانفراد فهي تسع عشرة صورة مع مسألة الوكالة.
قوله: (كالوكالة فليس لأحدهما الانفراد) لان ما ذكر يحتاج إلى الرأي، ولم يذكر في البحر التحكيم،
ولم يذكر في الأشباه المضاربة، بل زاد على ما هنا المودعين والمشروط لهما الاستبدال والادخال
والاخراج، فباعتبار ما هنا تكون المسائل المثبتة بالوكالة ثمانية.
والحاصل: أن الشئ المفوض إلى اثنين لا يملكه أحدهما كالوكيلين والوصيين والناظرين
والقاضيين اللذين يضعهما قاض واحد، أما لو كانا منصوبي قاضيين فلأحدهما الانفراد والمحكمين
والمودعين والمشروط لهما الادخال والاستبدال والاخراج كما في الأشباه. قوله: (إلا في مسألة ما إذا
شرط الواقف الخ) قال الحموي: يستفاد منه أن الناظرين أعم من أن يكون أحدهما المفوض أو غيره،
وعلى هذا الاستثناء متصل لا منقطع. قوله: (له) أي للواقف نفسه. قوله: (فإن للواقف الانفراد دون
فلان) لان الواقف هو الذي شرط لذلك الرجل، وما شرطه لغيره فهو مشروط لنفسه لتقييده ط.
قوله: (والوكيل بقضاء الدين) أعم من هذا عبارة الأشباه حيث قال: ولا يجبر الوكيل إذا امتنع عن
فعل ما وكل فيه إلا في مسائل وهي الثلاث الآتية. ا ه‍. وعلله في الملتقطات بأن فعل ذلك ليس
بواجد عليه. قوله: (أو مال موكله) هكذا استنبطه العمادي من مسألة ذكرها عن الخانية حيث قال
بعد نقله لعبارة الخانية: والفرع الأخير من هذه المسألة دليل على أن الوكيل بقضاء الدين من مال
الوكيل لا يجبر على أداء الدين إذا لم يكن للموكل على الوكيل دين والمسألة كانت واقعة الفتوى ا ه‍.
وهي التي أردها الشارح ولكن ذكر قبله عنها ما يدل على خلافه من أنه لو كتب في آخر كتابه أنه
يخاصم ويخاصم ثم ادعى قوم قبل الموكل الغائب مالا فأقر الوكيل بالوكالة وأنكر المال فأحضروا
الشهود على الموكل لا يكون لهم أن يحسبوا الوكيل لأنه جزاء الظلم ولم يظهر ظلمه، إذ ليس في هذه
الشهادة أمر بأداء المال ولا ضمان الوكيل عن الموكل، فإذا لم يجب على الوكيل أداء المال من مال الموكل
بأمر موكله ولا بالضمان عن موكله لا يكون الوكيل ظالما بالامتناع ا ه‍. ملخصا.
ومفاده أنه لو ثبت أمر موكله أو كفالته عنه يؤمر بالأداء، وعليه يحمل كلام قارئ الهداية.
تأمل.
ثم رأيت في حاشية المنح حيث قل: أقول كلام الخانية صريح فيما أفتى به قارئ الهداية فإنه

778
صريح في وجوب أداء المال بأحد شيئين: إما أمر الموكل أو الضمان فليكن المعول عليه، فليتأمل. ا ه‍.
ثم قال موفقا بين عبارة الخانية السابقة وعبارتها الثانية القائلة: وإن لم يكن له دين على الوكيل لا
يجبر، وبين عبارة الفوائد لابن نجيم القائلة: لا يجبر الوكيل إذا امتنع عن فعل ما وكل فيه إلا في
مسائل الخ ما نصه: أقول: الذي ذكره في الفوائد مطلق عن قيد كونه من ماله أو من مال موكله أو
من دين عليه، والفرع الأخير المنقول عن الخانية مقيد بما إذا لم يكن عليه دين وما قبله بما إذا لم يكن
له مال تحت يده. وأنت إذا تأملت وجدت المسألة ثلاثية: إما أن يوجد أمره ولا مال له تحت يده ولا
دين أو له واحد منهما، والظاهر أن الوديعة مثل الدين لصحة التوكيل بقبضها كهو، فيحمل الدين في
الفرع الثاني على مطلق المال حتى لا يخالف كلامه في الفرع الأول كلامه في الفرع الثاني لصحة وجهه،
ويحمل كلامه في الفوائد على عدم وجود واحد منهما فيحصل التوفيق فلا مخالفة فتأمل. ا ه‍.
قلت: ويحصل التوفيق أيضا مع ما أفتى به قارئ الهداية من قوله إنما يجبر على دفع ما ثبت على
موكله من الدين إذا ثبت أن الموكل أمر الوكيل بدفع الدين أو كان للموكل مال تحت يده بدليل ذكره
في السؤال.
وحاصله: أنه لا يجبر إذا لم يكن له عند الوكيل مال ولا دين، وعليك بالتأمل في هذا التوفيق.
قوله: (إذا لم يكن للموكل على الوكيل دين) أما إذا كان وقد أمره بقضاء دينه بماله عليه فإنه يجبر كما
يفيده مفهومه. قوله: (قال) أين المصنف. قوله: (لا يجبر عليه) أي على البيع. قوله: (ولو بطلبها) أي
ولو كان التوكيل بطلبها، وقوله على المعتمد راجع إليه، أما إذا لم يكن بطلبها فلا خلاف في عدم
الاجبار، وسيأتي في باب عزل الوكيل.
أقول: وما في الخلاصة من أنه يجبر لو بطلبها فخلاف الراجح لأنه لا حق للمرأة في طلب
الطلاق.
قال في الخانية: الرجل إذا وكل بطلاق امرأته بطلبها لا يملك عزله إلا بمحضر منها. قال
الشيخ الامام شمس الأئمة السرخسي: الصحيح أنه يملك لأنه لا حق للمرأة في طلب الطلاق وطلب
التوكيل كما في تنوير البصائر. قوله: (وعتق وهبة) مثله التدبير والكتابة كما في الأشباه.
قال في الخانية: رجل قال لغيره ادفع هذا الثوب إلى فلان واعتق عبدي هذا ودبر عبدي هذا
وكاتب عبدي هذا فقبل الوكيل ذلك وغاب الموكل فجاء هؤلاء وطلبوا منه ذلك لا يجبر على شئ منه
إلا في دفع الثوب، فإن الثوب يحتمل أن يكون ملك فلان فيؤمر بالدفع إليه. ا ه‍. ذكره الحموي.
قوله: (لكونه متبرعا) علة لقوله لا يجبر. قوله: (إذا وكله بدفع عين) كما إذا قال ادفع هذا الثوب
إلى فلان فيجبر على الدفع لان الثوب يحتمل أن يكون ملك فلان فيجب دفعه لفه فيؤمر بالدفع إليه.
خانية. وكذا رد الوديعة لأنه من باب دفع الأمانة إلى أهلها وهو قادر فيجبره عليه. وهل يبرأ الموكل
عن عهدة ضمانها بمجرد الدفع للوكيل أو لا إلا إذا وصلت للمالك لم أره، والظاهر الثاني، إلا إذا

779
كان وكيلا من جانب المالك في استردادها فحينئذ يبرأ الغاصب من ضمانها بمجرد الدفع له.
قال في الأشباه: والمغصوب والأمانة سواء، لكن لا يجب عليه الحمل. ا ه‍. حموي. أفاده ط. قال
بعض الفضلاء، قد عبر عن هذا في البحر بقوله: ومن أحكامه أنه لا جبر عليه في فعل ما وكل به إلا
في رد وديعته بأن قال ادفع هذا الثوب إلى فلان الخ، وعزاه للمحيط. وهذا هو الظاهر لان ما هنا صادق
بما إذا دفع له عينا لقضاء دينه فينافي ما سيذكره بعد أسطر بقوله:
وقضاء دين فلان الخ. ا ه‍. قوله: (شرط فيه أو بعده) أي سواء شرط في عقد الرهن التوكيل بالبيع أو بعده. قال في نور العين: لو لم
يشرط التوكيل بالبيع في عقد الرهن وشرط بعده، قيل لا يجبر، وقيل يجبر، وهذا أصح. ا ه‍.
أقول وجه الجبر خشية أن يتوى حق المرتهن، وهل قيد الغيبة المعتبر في المعطوف عليه معتبر في
المعطوف أو ليس معتبرا؟ قيل الظاهر الأول، لان الموكل بغيبته صار معتمدا على الوكيل فيتضرر بامتناع
الوكيل عن الفعل لو لم يجبر عليه. ذكره الحموي. قال النسفي رحمه الله تعالى: هذا إذا كان التسليط
على البيع مشروطا في عقد الرهن، فإن كان بعد تمام الرهن ذكر شمس الأئمة السرخسي أنه في ظاهر
الرواية لا يجبر العدل على البيع، لان رضا المرتهن بالرهن قد تم بدونه وهو توكيل مستأنف ليس في
ضمن عقد لازم.
وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أن التوكيل بالبيع بعد الرهن يلحق بأصل العقد ويصير
كالمشروط فيه. قال شيخ الاسلام خواهر زاده وفخر الاسلام البزدوي: هذه الرواية أصح، لان محمدا
رحمه الله تعالى أطلق الجواب في الجامع الصغير والأصل، ولم يفصل بين أن يكون البيع مشروطا أو
غيره، فظاهر ما أطلق يدل على أنه مجبر في الحالتين. ا ه‍. من تنوير البصائر. قوله: (بطلب المدعي)
متعلق بوكله المقدر والمراد أن المدعى عليه وكل بطلب المدعي، وإنما أجبر الوكيل فيها لتعلق حق الغير
وهو المدعي بالوكيل، ولو لم يجبر بعد غيبة الموكل لتضرر المدعي غاية الضرر مع تعلق حقه بالوكيل
ط. قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: أشار إلى أن المراد بوكيل الخصومة وكيل المدعى عليه، فقول
الدرر: بوكيل خصومة لو أبى عنها لا يجبر عليها، لأنه وعد أن يتبع ينبغي أن يخص بوكيل المدعي كما
يفهم مما هنا كما نبه عليه في نور العين، ويبعده قوله إذا غاب المدعي فالأحسن ما سنذكره بعد،
وسيذكر بيانه في باب عزل الوكيل. قوله: (خلافا لما أفتى به قارئ الهداية) هذا مرتبط بقول المصنف
المار والوكيل بقضاء الدين لا يجبر عليه.
قال في المنح أقول: ما ذكر مولانا من أنه لا يجبر وهو الذي عولنا عليه في هذا المختصر مخالف
لما أفتى به شيخ الاسلام سراج الدين قارئ الهداية، حيث سئل هل يحبس الوكيل في دين وجب على
موكله إذا كان للموكل مال تحت يده: أي يد وكيله وامتنع الوكيل من إعطائه سواء كان الموكل حاضرا
أو غائبا؟ فأجاب إنما يجبر على دفع ما ثبت على موكله من الدين إذا ثبت أن الموكل أمر الوكيل بدفع
الدين أو كان كفيلا به وإلا فلا يحبس ا ه‍. قال الطحطاوي: والذي في تنوير البصائر أن عدم الجبر
إنما هو إذا كان مأمورا بالدفع من مال نفسه، وهو مراد قارئ الهداية فيكون هو المعتمد. قوله:
(قلت وظاهر الأشباه الخ) الذي في الأشباه: هو أنه لا يجبر الوكيل بغير أجر على تقاضي الثمن وإنما

780
يحيل الموكل. اه‍. ويستفاد هذا من قول الشارح لكونه متبرعا قبل الاستثناء، فافهم أنه إذا كان بأجر
يجبر، ولذا قال بيري زاده في حاشيته: أما إذا كان بأجر كالدلال والسمسار والبياع يجبر على استيفاء
الثمن. ذكره الصدر الشهيد كما في الذخيرة. وفي الصغرى: لان من سواهم متبرع، فإن فعل فيها،
وإن امتنع لا.
قال صاحب الأشباه: وإنما يحيل الموكل: أي يقال له أحل الموكل على المشتري ا ه‍. وقد صرحوا
به في المضاربة بعد التفاسخ أنه إذا كان في المال ربح يجبر المضارب على تقاضي الديون، وإلا لا يوكل
رب المال بتقاضيه، وهذا غير ما نحن فيه، وهو ما إذا امتنع عن مباشرة ما وكل به أنه لا يجبر عليه،
ليس في الأشباه ما يدل على أنه يجبر بل هو متوقف على صحة عقد
الإجارة في مثله، فإن صح العقد أجبر للخروج عن عهدة ما استؤجر عليه فليراجع، فإن صحة الإجارة موقوفة على كون المنفعة المستأجر
عليها معلومة. تأمل.
ثم رأيت في الأشباه ذكر في الفن الثالث فيما افترق فيه الوكيل والوصي أنه لو استأجر الموكل
الوكيل: فإن كان على عمل معلوم صحت، وإلا لا. ا ه‍.
وفي شرح المجمع لابن أبي الضياء بعد كلام: وأما الذي يبيع بالاجر كالبيع والسمسار فيجعل
كإجارة صحيحة بحكم العادة، ويجبر على التقاضي والاستيفاء لأنه وصل إليه بدل عمله كالمضارب إذا
كان ربح يجبر على التقاضي واستيفاء الثمن، ولو ضمن العاقد لرب المال هذا الدين لم يجز لأنه أمين. ا
ه‍. ومثله في الحموي. قوله: (فتدبر) أي بزيادة هذه على المستثنى. قوله: (ولا تنس الخ) أي زدها
على المستثنى أيضا. قوله: (واقعة الفتوى) أي السابقة آنفا، وهي ما إذا وكله بقضاء الدين مما له عليه
فتصير المستثنيات خمسة بضم الوكيل بالاجر، ولعله أراد بها ما ذكره في الخانية: رجل أكرى جمالا إلى
بلخ وحمل حمولات على الجمال وأمر الجمال بتسليم الحمولات إلى وكيله ببلخ ويقبض الكراء منه،
فجاء الجمال بالحمولات إلى الوكيل ببلخ فقبل الوكيل الحمولات وأدى بعض الكراء وامتنع عن أداء
الباقي، قال: إن كان لصاحب الحمولات دين على الوكيل وهو يقر بالدين والامر يجبر على دفع الباقي
من الكراء، وإن أنكر الامر يحلفه بالله ما يعلم أن صاحب الحمولات أمره بالقبض، وإن لم يكن له
دين على الوكيل لا يجبر.
قال العمادي في فضوله بعد نقله لما ذكر عن قاضيخان: والفرع الأخير من هذه المسألة دليل على
أن الوكيل بقضاء الدين من مال الوكيل لا يجبر على أداء الدين إذا لم يكن للموكل على الوكيل دين،
والمسألة كانت واقعة الفتوى ا ه‍ من المنح. فيحتمل قوله والمسألة الخ أن يكون من كلام العمادي أو
من كلام صاحب المنح، ولعلها هي التي أرادها الشارح، ولا تنس ما قدمناه عند قول الشارح أو مال
موكله. قوله: (فلعله أوفى) عبارته: وظاهر إطلاق المؤلف أنه لا فرق بين أن يكون مأمورا بقضاء
الدين من مال نفسه لا
يجبر، ولو وكله من مال الآمر يجبر. قال في الفصول العمادية: وكذلك لا يجبر الوكيل على البيع،
وكذا المأمور بقضاء الدين من مال نفسه.
وفي متفرقات كفالة الذخيرة: إذا قبل الانفاق أو قضاء الدين من مال نفسه ثم امتنع لا يجبر إذا
كان وكيلا بقضاء الدين وقبل الوكالة ا ه‍. ثم قال: فقد ظهر لك أن الذي ذكره المصنف محله ما إذا

781
كان مأمورا بقضاء الدين من مال نفسه وهو إطلاق في محل التقييد، وهو غير مناسب. وبما ذكرنا
ظهر لك أن الذي في خلاصة الفتاوى محمول على ما إذا كان مأمورا بقضائه من مال الآمر وحينئذ
يتضح الحال. اه‍. ط. قوله: (وفي فروق الأشباه) هذه المسألة مكررة مع ما تقدم أول كتاب الوكالة. ا ه‍.
ح: أي إلا قوله: حاضرا بنفسه وانظر ما معنى هذا فإني لم أر من ذكره، بل المذكور تعر حضوره
شرط كما مر، ومع هذا فلا مناسبة هنا، وقد تتبعت فروق الأشباه فلم أرها فيها، وإنما فيها ما افترق
فيه الوكيل والوصي، ولا يستحق الوكيل أجرة على عمله، بخلاف الوصي.
وفي الخانية: ولو استأجر الموكل الوكيل، فإن كان على عمل معلوم صحت، وإلا لا ا ه‍. فلعله
سبق فلم. قوله: (الوكيل لا يوكل إلا بإذن آمره) لأنه فوض إليه التصرف دون التوكيل به وقد رضي
برأيه دون غيره، والناس مختلفون في الآراء، والمراد أنه لا يوكل فيما وكل فيه، فخرج التوكيل بحقوق
العقد فيما نرجع فيه الحقوق إلى الوكيل فله التوكيل بلا إذن لأنه أصيل فيها، ولذا لا يملك الموكل نهيه
عنها، وصح توكيل الموكل كما قدمناه. بحر. وفيه: وخرج عنه ما لو وكل الوكيل بقبض الدين من
في عياله فدفع المديون إليه فإنه يبرأ، لان يده كيده. ذكره الشارح في السرقة ا ه‍. وذكر الثاني
المصنف: قيل: هل المراد عدم الجواز من كون الوكيل لا يوكل إلا بإذن: أي عدم الحل أو عدم
الحصة؟ فإن أريد الأول لا يناقض ما سيأتي عن قريب، وإن أريد الثاني ناقضه، وستقف على الآتي:
يعني قول الأشباه: الوكيل إذا وكل بغير إذن أو تعميم وأجاز ما فعله وكيله نفذ.
ووجه المناقضة أن الموقوف قسم الصحيح. قال العلامة الرملي: المراد نفي النفاذ لا نفي الصحة،
حتى لو وكل بدونهما فأجاز الموكل نفذ فيكون فضوليا، يعلم هذا من قولهم كل ما صح التوكيل به إذا
باشره الفضولي يتوقف ا ه‍.
قلت: ويعلم مما نذكره قريبا. قوله: (لوجود الرضا) تعليل لمحذوف تقديره فيصح التوكيل.
قوله: (في دفع زكاة) لان المقصود منها البراءة من سمة البخل في حق المزكى ونفع الفقير القابض لها
فلذا جاز النيابة فيها عند العجز والقدرة، ولا فرق في ذلك بين نائب ونائب، وأطلق في دفع الزكاة
فشمل الدفع المعين وغير معين. قوله: (بخلاف شراء الأضحية) أي إذا وكل الوكيل فيها فاشترى فإنه
يكون موقوفا على إجازة الأول إن أجاز جاز، وإلا فلا، وكذلك وكيل الوكيل لو وكل غيره ثم وثم
فاشترى الأخير يكون موقوفا على إجازة الأول، إن أجاز جاز، وإلا فلا، بحر عن الخانية.
لان الوكيل بالشراء ليس له أن يوكل إلا بالشروط المذكورة. ولا يقال: إن الأضحية مقصودة بها الاجر،
لان الانسان لا يرضى بالشراء بأزيد من القيمة ولا شراء الهزيلة بثمن السمينة، ولأن القربة تقوم بإراقة
الدم وتعظيم الاجر بحسن الأضحية، وله أن ينتفع باللحم، فإذا اختار نائبا غيره ليس له أن ينيب غيره
إلا بإذنه لأنه قد اعتمد رأيه. قوله: (من في عياله صح) وبرئ المديون بالدفع إليه لان يده كيده، فلو
لم يكن في عياله لا يصح التوكيل، فلو هلك من يده كان للآمر الرجوع بدينه على المديون. وفيه إن

782
وكل لا يتعدى باللام ولا وجه لزيادتها فالأولى حذفها. وعبارة الأشباه: إلا الوكيل بقبض الدين له أن
يوكل من في عياله ولا غبار عليها، وما ذكره المصنف مخالف لما في جامع الفصولين من الفصل الرابع
والثلاثين من أن الوكيل بقبض الدين لا يوكل غيره لتفاوت الناس في القبض. ا ه‍.
قال الحموي: ويمكن التوفيق بأن يحمل ما في جامع الفصولين على ما إذا وكل بالقبض من ليس
في عياله لما في القنية: وكله بقبض دينه فوكل الوكيل فقبضه وهلك في يده، فإن كان الوكيل الثاني
من عيال الأول لا يرجع الدائن على أحد وإلا يرجع على المديون بدينه ا ه‍. وذكره الزيلعي في
السرقة، وعزاه في البحر إلى وكالة الخزانة. قوله: (وإلا عند تقدير الثمن الخ) أي لو عين ثمنه لوكيله
فله أن يوكل به لعدم الاحتياج إلى رأي، أما لو وكله بشراء فينبغي أن يعين المشتري أيضا لأنه رضي
برأيه واختياره فليس له أن يفوض إلى غيره، ولا شك أن المشتري تتفاوت أفراده، وهذا تقرير كلام
الشارح، وقد تبع فيه صاحب الدرر. والذي جرى عليه المصنف في شرحه هو تعيين الوكيل لوكيل
وهو صريح كلام الهداية، وقال: إن الرأي يحتاج إليه لتقدير الثمن ظاهرا: أي من الوكيل وقد
حصل. وقال: أما إذا لم يقدر الثمن وفوض إلى الأول كان غرضه رأيه في معظم الامر وهو التقدير
في الثمن. كذا في الهداية. فقد جعل معظم الامر تقدير الثمن، وجعل اختيار المشتري تابعا، فأفاد أنه
لا فرق بين الوكيل بالبيع والشراء، وهو محل تأمل في وكيل الشراء.
ونقل عن منية المفتي: إذا باع الثاني بثمن عينه الموكل جاز بغية الأول. وفي الأصح لا إلا
بحضرة الأول، وهي مسألة الشارح التي تبع فيها صاحب الدرر.
فإن قيل: كيف يصح إذا عين الوكيل الأول الثمن لو كيله ولا يصح إذا عين الوكيل لوكيله؟
الجواب: إن الموكل إذا قدر الثمن لوكيله علم أنه يقصد رأيه في غير الثمن، إذ القصد من
التوكيل الانتفاع برأي الوكيل، وأما إذا لم يعين الثمن كان مقصوده رأي الوكيل في تقديره إذ هو معظم
الامر كما تقدم عن الهداية، فإذا قدره الوكيل لوكيله فقد حصل المقصود.
فإن قيل: كيف يوكل للوكيل بدون تقدير ثمن مع تقدير الموكل ولا بد من موافقة تعيينه؟
الجواب: يصح حيث وافق وكيله تقديره موكله من غير قصد، فليتأمل. ويأتي تمامه وتوضيحه
قريبا. قوله: (من الموكل الأول) مخالف لما في البحر وللتعليل كما ظهر مما ذكرناه، والموافق لما في
البحر أن يقول من الوكيل الأول له: أي للوكيل الثاني. قوله: (أي لوكيله) أفاد اقتصاره على هذه
المسائل أن الوكيل في النكاح ليس له التوكيل، وبه صرح في الخلاصة والبزازية والبحر من كتاب
النكاح، وتقدم في باب الولي فراجعه، خلافا لما قاله ط هناك بحثا من أن له التوكيل قياسا على هذه
المسألة الثالثة، فافهم. ثم رأيت في شرح المجمع عازيا للمنتقى: وكيل النكاح والخلع والكتابة كوكيل
البيع. ا ه‍. قوله: (لحصول المقصود) لان الاحتياج فيه إلى الرأي لتقدير هذا الثمن ظاهر وقد حصل،
بخلاف ما إذا وكل وكيلين وقدر الثمن، لأنه لما فوض إليهما مع تقدير الثمن ظهر أن غرضه اجتماع
رأيهما في الزيادة واختيار المشتري كما مر. هداية.
وفي منية المفتي: وقيل إذا باع الثاني بثمن عينه الموكل جاز بغيبة الأول. وفي الأصح لا إلا
بحضرة الأول. ا ه‍.

783
قال في البحر: ولا مخالفة بين ما في الهداية ومما صححه في المنية، لان الأول فيما إذا قدر
الوكيل الثمن لوكيله، والثاني فيما إذا قدر الموكل الأول لوكيله كما لا يخفى. ا ه‍.
قال الرملي: هذا غير صحيح بل بينهما مخالفة: إذ في المسألة اختلاف الرواية. قال في الكفاية
عند قول صاحب الهداية: ولو قدر الأول الثمن للثاني فعقد بغيبته يجوز، أطلق الجواز وهو رواية
كتاب الرهن، وقد اختارها لان الرأي يحتاج فيه لتقدير الثمن ظاهرا وقد حصل. وفي كتاب الوكالة:
لا يجوز لان تقدير الثمن لمنع النقصان لا لمنع الزيادة، وربما يزيد الأول على هذا الثمن لو كان هو
المباشر للعقد ا ه‍. وفي التتارخانية نقلا عن الخانية: وإن كان بغير محضر من العدل وبين الثمن للوكيل
بالبيع فوكل الوكيل غيره فباعه الثاني بذلك الثمن: ذكر في رواية أنه يجوز كما ذكر في كتاب الرهن،
وفي عامة الروايات لا يجوز وإن بين الثمن ما لم يجز المالك أو الوكيل الأول ا ه‍. فكيف مع هذا يحمل
على اختلاف الموضوع وقد ظهر بقول صاحب المنية. وفي الأصح لا إلا بحضرة الأول، وبقول الخانية
وفي عامة الروايات لا يجوز ضعف ما في الهداية، ووجهه ظاهر، لان التقدير يمنع النقصان لا الزيادة
واختيار المشتري خصوصا إذا كان الثمن مؤجلا لتفاوته في الذمم والاحتياج إلى الرأي في ذلك كما هو
واضح، فتأمل.
وفي الخانية: أيضا رجل وكل رجلا أن يبيع له هذا الثوب بعشرة دراهم فوكل الوكيل بذلك
غيره فباعه الثاني بحضرة الأول: روى عن أبي يوسف أنه يجوز هذا البيع كان الوكيل الأول حاضرا أو
غائبا، ولا يتوقف على الإجازة. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز كان الوكيل الأول حاضرا أو غائبا.
وقال ابن أبي ليلى: يجوز كان الوكيل الأول حاضرا أو غائبا، لان الموكل رضي بزوال ملكه بالثمن
المقدر ا ه‍. فهو مؤيد لما قلناه فتدبر. ا ه‍ كلام الرملي.
قلت: وفيه نظر إذ لا شك فيما قاله المؤلف من أن ما في الهداية تقدير الثمن من جهة الوكيل،
وما في المنية من جهة موكله. وغاية ما نقله المحشي وجود خلاف في الأولى، ولا يلزم منه وجوده في
الثانية إلا بنقل صريح. نعم على تقدير عدمه يحتاج إلى الفرق بين المسألتين، وهو ظاهر من كلام
الهداية كما قدمناه قريبا، وذلك أن عند تقدير الثمن من الموكل لوكيله يظهر أن غرضه حصول رأيه في
الزيادة الخ. قوله: (والتفويض) في البحر عن البزازية: قيل للوكيل اصنع ما شئت له التوكيل، ولو
قال الوكيل ذلك لوكيله لا يملكه الثاني توكيل ثالث، ولو قال السلطان استخلف من شئت له
الاستخلاف أيضا ثمة وثمة. قوله: (إلا في طلاق وعتاق) إلى آخر المعاطيف هذا بالنظر إلى التفويض.
وأما إذا أذن له صريحا في التوكيل بها فلا شبهة في الصحة. قوله: (لأنهما مما يحلف به) فيصح تعليقه
بالشرط فكان التوكيل به تعليقا بإيقاعه، فلا يقع بإيقاع غيره لا فرق أن يكون ذلك بحضرته أو غيبته
أجازه أو لا، لأنه لم يعلقه بإجازته بل بإيقاعه، هذا بالنظر إلى التفويض. وأما إذا أذن له صريحا في
التوكيل بها لا شبهة في الصحة. قال في منية المفتي: التوكيل باليمين وبالطلاق جائز. ا ه‍. قوله:
(قنية) محصل ما فيها أن الاذن في التوكيل بقوله اصنع ما شئت يختص بما يصح التوكيل به كالبيع
والشراء دون ما لا يصح التوكيل فيه كالطلاق فإنه مما يحلف به: أي فيصح تعليقه بالشرط فلا يقوم

784
غيره مقامه، بخلاف البيع فإنه لا يحلف به فيقوم غيره مقامه. ا ه‍.
وحاصل ما يقال في التفويض: لو قال رجل لآخر فوضت أمر مالي إليك صار وكيلا في
الحفظ، ولو قال: فوضت أمري إليك، قيل باطل، وقيل يصير وكيلا بالحفظ والنفقة، ولو قال
أنت وكيلي في كل شئ جائز أمرك فهو وكيل بالحفظ والبيع والشراء والهبة والصدقة، لأنه فوض
إليه التصرفات عاما فصار كأنه قال ما صنعت من شئ فهو جائز فيملك أنواع التصرفات، وعليه فلو
طلق امرأته يصح.
قال أبو نصر: لو طلق الوكيل امرأة الموكل في هذه الصورة أو وقف أرضه لا يجوز، وبه أخذ
الفقيه أبو الليث، وهكذا كان يقول لمن قال لغيره وكلتك في أموري، لان الوكيل لو طلق امرأته أو
أعتق أو وقف أرضه لا يجوز، وكان يقول: لا نراه بمثل هذا التوكيل توكيلا بالطلاق والعتاق. وكان
الصدر الشهيد وتاج الدين يستحسن قول الفقيه أبي النصر. وعن أبي حنيفة ما يؤكد هذا، فإنه قال في
هذه الصورة: هذا توكيل بالمعاوضات دون الهبات والاعتاق، وبه يفتى من التتارخانية.
والحاصل: أن التفويض ينتظم به التوكيل كالاذن، ولا ينتظم الطلاق والعتاق على ما فيه من
الخلاف. قوله: (ففعل الثاني بحضرته) لان المقصود حضور رأيه وقد حصل، وترجع الحقوق إلى الثاني
في الأصح كما يذكره الشارح لأنه العاقد. وقيل إلى الأول، لان الموكل رضي بلزوم العهدة للأول،
وظاهر كلامه الاكتفاء بالحضرة وهو قول البعض، والعامة على أنه لا بد من إجازة الوكيل أو الموكل،
وأن حضرة الوكيل الأول لا تكفي كما في النهاية والسراج والخانية قيد بالعقد احترازا عن الطلاق
والعتاق لأنهما يقبلان التعليق بالشرط، فكأن الموكل علقه بلفظ الأول قال في البحر: ويزاد الابراء عن
الدين كما سيذكره المصنف، فإذا وكله بأن يبرئ غريمه فوكل الوكيل فأبرأه بحضرة الأول لم يصح
ويزاد الخصومة وقضاء الدين كما يذكره المصنف، فلا تكفي الحضرة كما في شرح المجمع، ويخالفه في
الخصومة ما في الخانية الخ البحر، ومنه يعلم ما في كلام الشارح من الايهام، إذ ظاهر كلامه يفيد أن
الاكتفاء بالحضرة في غير الخصومة أيضا بالنسبة للخانية، وليس كذلك كما نبه عليه أبو السعود.
قوله: (فأجازه الوكيل الأول صح) وهو المعتمد لان توكيل الوكيل لما لم يصح التحق بالعدم فيكون
الثاني فضوليا لا يتم بمجرد حضرة الأول حتى يجيزه، وقيل تكفي الحضرة من غير توقف على
الإجازة، لأنه إنما فعل بأمره وبحضرته فأغناه عن الإجازة.
أقول: هذا إذا لم يبين الثمن كما في شرح المجمع لابن ملك، فإن كان بينه جاز بلا إجازته. ا
ه‍: يعني لو قدر الوكيل للثاني ثمنا، بأن قال بعه فكذا فباعه الثاني بغيبته جاز بلا إجازة الأول، وهذه
رواية كتاب الرهن، ووجهها أن مقصود الموكل أن يكون البيع برأي الوكيل الأول، وإذا قدر ثمنا فهو
بيع برأيه، وهذا بخلاف ما لو وكل وكيلين وقدر الثمن فباع أحدهما بذلك الثمن حيث لم يجزه، لان
المقصود هنا اجتماع رأيهما في الزيادة واختيار المشتري، وعلى رواية كتاب الوكالة لا يجوز، لان الأول
لو كان هو الذي يباشر ربما يبيع بالزيادة على ذلك المقدار لذكائه وهدايته كما في حواشي الأشباه.
قوله: (لتعلقهما بالشرط) أي لجواز تعلقهما بالشرط بخلاف البيع. قوله: (فكأن الموكل علقه بلفظ

785
الأول دون الثاني) أي فلا يوجد بإيقاع الثاني ولا بإجازة الأول، وحضوره لا يكفي لأنه لم يعلق بذلك
كما مر.
والحاصل: أن الوكيل بالطلاق وما شاكله رسول لأنه لا عهدة عليه، والرسالة نقل عبارة
المرسل، فإذا أمر غيره فإنما أمر بنقل ملك الغير فلا يصح الامر، وإذا لم يصح صار وجوده وعدمه
سواء فأما الوكيل في باب البيع أمر الثاني بما يملكه لأنه أمره بالبيع وهو مالك للبيع بنفسه، فإن
العبارة في البيع له حتى كأن حقوق العقد له، وكان ينبغي أن يصح البيع الثاني حال غيبة الأول، إلا
أنه لم يصح لأنه لم يحضر هذا البيع رأيه والموكل إنما رضي بزوال ملكه إذا حضر رأي الأول كما في
حاشية الحموي. قوله: (وإبراء عن الدين) هذا معطوف على طلاق وتقدم مثاله قريبا. قال في البحر:
وكان ينبغي أن يصح لأنه لا يقبل التعليق بالشرط كالبيع ا ه‍. قوله: (وخصومة وقضاء دين) نقله
المصنف عن شرح المجمع.
قال: ويخالفه ما في الخانية: وإن خاصم الوكيل الثاني والموكل حاضر جاز، لان الأول إذا كان
حاضرا كأن الأول خاصم بنفسه كالوكيل بالبيع ا ه‍. ولذا قال الشارح ابن ملك خلافا للخانية، ولا
يظهر وجه ما نقله عن القنية وابن ملك لا سيما وقد خالف الخانية والشارحين كما نبهنا عليه قريبا.
قوله: (خلافا للخانية) راجع إلى الخصومة فقط كما قيده في المنح والبحر، وتقدمت عبارتها. قوله:
(وإن فعل أجنبي) أي ما وكل به وكيلا فأجازه الوكيل الأول جاز ظاهره أن الأجنبي وكيل ثان، وهو
كذلك مالا لان الفضولي بعد إجازة عقده يصير وكيلا لما علم أن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة،
وترجع الحقوق إلى الثاني على الصحيح لأنه هو العاقد كما في مسألة العقد بالحضرة كما في البحر.
قوله: (جاز) أي ولو في النكاح على ما في الذخيرة آخرا، ويؤيده إطلاق المتون والشروح، وكذا ما
يأتي قريبا عن منية المفتي والأشباه من التصريح به، وأن عليه الفتوى. قوله: (فإنه ينفذ عليه) أي على
الوكيل الأول. بحر من السراج. وظاهره جواز فعل الأجنبي في كل شئ ما عدا الشراء وليس
كذلك.
قال في منية المفتي: وكل بالطلاق أو العتاق ففعل الأجنبي فأجاز لم يجز، لان المطلوب عبارته،
وكذا لو وكل الوكيل فطلق الثاني بحضرة الأول، بخلاف الوكيل بالبيع والنكاح والخلع والكتابة إذا
وكل فعل الثاني بحضرته أو فعل أجنبي جاز ا ه‍. ونقله في الأشباه، وعليه فكان الأولى زيادة الطلاق
والعتاق في الاستثناء. قوله: (ولا يتوقف متى وجد نفاذا) أي فلا يتصور أن يكون فضوليا في الشراء
لأنه يقع لنفسه، فلا يتصور فيه الإجازة، وتقدم في فصل الفضولي أنه لو اشترى لغيره نفذ عليه، إلا
إذا كان المشتري صبيا أو محجورا عليه فيتوقف لأنه لم يجد نفاذا على العاقد، وهذا إذا لم يضفه إلى
غيره، فلو أضافه بأن قال بعني هذا العبد لفلان أو اشتريته لفلان توقف على إجازته. قوله: (وإن وكل)
أي الوكيل. قوله: (به أي بالامر) أي وكالة ملتبسة بالامر بالتوكيل: أي بالاذن به. قوله: (فهو أي

786
الثاني وكيل الآمر) فللآمر إخراجه سواء كان الوكيل الأول حيا أو ميتا. بحر. قوله: (فلا ينعزل بعزل
موكله) يصح أن يكون من إضافة المصدر لفاعله أو مفعوله، وعلى الأول معناه فلا ينعزل بأن يعزله
موكله: أي لا يكون له أن يعزله كما صرح به العيني، وعلى الثاني: أي لا ينعزل بانعزاله. قوله:
(وينعزلان) أي الوكيل الأول والثاني. قوله: (بموت الأول) أي الموكل الأول وكان الأولى التصريح به
ح. قال الزيلعي: وهو نظير استخلاف القاضي حيث لا يملكه إلا بإذن الخليفة، ثم لا ينعزل بعزل
القاضي الأول ولا بموته، وينعزلان بعزل الخليفة لهما، لكن لا ينعزلان بموته.
والفرق أن الخليفة عامل للمسلمين فلا ينعزل القاضي الذي ولاه هو أو ولاه القاضي بإذنه
والموكل عامل لنفسه فينعزل وكيله بموته لبطلان حقه ا ه‍. قوله: (كما مر في القضاء) بأن نائب
القاضي لا ينعزل بعزله ولا بموته. قوله: (وفي البحر الخ) كالاستدراك على قوله فلا ينعزل بعزل
موكله والذي في البحر نسبة أن الثاني صار وكيل الموكل، فلا يملك عزله فيما إذا قال اعمل برأيك
إلى الهداية، ونسبة أن له عزله في قوله اصنع ما شئت إلى الخلاصة. ثم قال: وهو مخالف للهداية إلا
أن يفرق بين اصنع ما شئت وبين اعمل برأيك، والفرق ظاهر، وعلل في الخانية بأنه لما فوضه إلى
صنعه فقد رضي بصنعه وعزله من صنعه. ا ه‍. فليس في كلام الخلاصة والخانية التصريح بمخالفة
أحدهما للآخر، فيحتمل أن في المسأل قولين، ودعوى صاحب البحر ظهور الفرق غير ظاهرة، لما في
الحواشي اليعقوبية والحواشي السعدية أنه ينبغي أن يملكه في صورة اعمل برأيك لتناول العمل بالرأي
العزل كما لا يخفى، فتأمل. ا ه‍.
وفي منية المفتي: وكل الوكيل وقد قيل له اعمل برأيك صار الثاني وكيل الموكل، وينعزل الأول
والثاني بموت الموكل ولا ينعزل الثاني بموت الأول وانعزاله، ويملك الأول عزل الثاني. ا ه‍. قوله:
(وعزله من صنعه) مبتدأ وخبر: يعني لما فوضه إلى صنعه فقد رضي بصنعه وعزله من صنعه. قوله: (بخلاف اعمل برأيك) أي فإنه لا يملك عزله، لان العزل كف عن العمل، وبحث فيه في الحواشي
اليعقوبية والسعدية كما علمت. قال المصنف: والفرق ظاهر، وعلله قاضيخان بأنه لما فوضه إلى صنعه
فقد رضي بصنعه وعزله من صنعه. ا ه‍. قوله: (واعلم) تكرار مع ما تقدم أول الكتاب.
وحاصل ما يقال: إن الوكيل وكالة عامة يملك كل شئ إلا الطلاق والعتاق والوقف والهبة
على المفتى به، وينبغي أن لا يملك الهبة والحط عن المديون لأنهما من قبيل التبرع، وينبغي أن لا
يملك الاقراض والهبة بشرط العوض وإن كانا معاوضة انتهاء، ويملك قبض الدين وإيفاءه واقتضاءه
والدعوى بحقوق للموكل وسماع الدعوى بحق على الموكل والأقارير بالديون على الموكل، ولا يختص
بمجلس القاضي لان ذلك في الوكيل بالخصومة لا العام. قوله: (زواهر الجواهر وتنوير البصائر) هما

787
حاشيتان على الأشباه: الأولى للشيخ صالح، والثانية لأخيه الشيخ عبد القادر ولد الشيخ محمد بن عبد
الله الغزي المصنف صاحب المنح. قوله: (وتقيد طلاقه بالمجلس) أي إن طلق بالمجلس صح وإلا لا.
درر. قوله: (فلا يتقيد به) فإن طلق بعده صح. درر. قوله: (لم يجز تصرفه في حقه) لان
صحة التصرف مبنية على الولاية، لان التفويض تمليك وهو مما يقتصر على المجلس، فإذا انتقلت
الثانية انتفت الأولى. درر. قوله: (فإذا باع عبد أو مكاتب أو ذمي أو حربي) قال الزيلعي: وأما المرتد فإنه ولايته
على أولاده وأموالهم موقوفة بالاجماع لأنها تبنى على النظر، والنظر يجعل باتفاق الملة لان اتحادهما داع
إلى النظر وهو متردد في الحال فوجب التوقيف فيه، فإذا أسلم جعل كأنه لم يزل مسلما فينفذ تصرفه،
وإذا مات أو قتل على ردته تقررت جهة انقطاع الولاية فيبطل تصرفه، بخلاف تزوجه بنفسه حيث لم
يجز وإن أسلم بعد ذلك، لأن جواز النكاح يعتمد الملة ولا ملة للمرتد فلا يتوقف، إذ لا مجيز له في
الحال لان شرط التوقف أن يكون له مجيز في الحال فصار نظير إعتاق الصبي وطلاقه وهبته حيث لا
يتوقف عليه، إذ لا مجيز لها في الحال وهو الولي أو القاضي فيتوقف، فإن أسلم نفذت فصح النكاح
وإلا بطل، بخلاف تصرفاته في ماله عندهما لأنهما تنبئ عن الملك وملكه قائم ثابت في أمواله ما دام
حيا فينفذ بلا توقف ا ه‍. قوله: (عيني) وكأنه عدل عن قول الكنز كافر للاحتراز عن المرتد، فإن
ولايته على أمواله وأولاده موقوفة بالاجماع كما علمت، لكن يرد على المصنف أن الحربي كالذمي،
والعذر له أنه إذا علم أن الذي لا ولاية له علم أن الحربي كذلك بالأولى. قوله: (مال صغيره الحر)
راجع إلى العبد والمكاتب، وقوله المسلم راجع إلى الذمي والحربي. قوله: (أو شرى واحد منهم به)
أي بمال الصغير، قيد به لأنه لو شرى له بمال نفسه كان مشتريا لنفسه. قوله: (لعدم الولاية)
لان شرطها على الصغير في نفسه وماله حرية الولي مطلقا وإسلامه إن كان صغيرا مسلما، وإلا لا،
والرق والكفر يقطعان الولاية، ألا ترى أن المرقوق لا يملك إنكاح نفسه فكيف يملك إنكاح غيره،
وكذا الكافر لا ولاية له على المسلم حتى لا تقبل شهادته عليه، قال الله تعالى: * (ولن يجعل الله
للكافرين على المؤمنين سبيلا) * (النساء: 141) والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولا فرق أن يكون
الكافر ذميا أو حربيا، وكذا لا ولاية لمسلم على كافرة في نكاح ولا مال كما في البحر في كتاب
النكاح، وتقدم هناك أيضا متنا وشرحا فليحفظ، قال الله تعالى: * (والذين كفروا بعضهم أولياء
بعض) * (الأنفال: 73). قوله: (والولاية في مال الصغير إلى الأب) إذا لم يكن سفيها، أما السفيه فلا
ولاية له في مال ولده. أشباه. في القاعدة من الجمع والفرق، وليس للأب تحرير قنه بمال وغيره ولا
أن يهب ماله بعوض ولا إقراضه في الأصح كما في جامع الفصولين وللقاضي أن يقرض مال اليتيم
والوقف والغائب، بخلاف وصي القاضي أو الأب فإنه ليس لهما إقراضه كما في العدة. قوله: (ثم
وصى وصية) أي وإن بعد كما في جامع الفصولين. قوله: (إذ الوصي يملك الايصاء) سواء كان
وصي الميت أو وصي القاضي، وفي الثاني خلاف منح. وظاهر هذا التعليل أن الوصي يملك الايصاء

788
ولو تعدد ط. قوله: (ثم وصى وصيه) قال في المنح عن العمادية: ووصى الجد أبي الأب ووصى وصيه
ووصى القاضي ووصى وصيه بمنزله وصي الأب إلا في خصلة، وهي أن القاضي إذا جعل وصيا في نوع كان وصيا في ذلك النوع خاصة، والأب إذا جعل
وصيا في أي نوع كان وصيا في
الأنواع كلها ا ه‍. وفيها قال في الكتاب: إذا مات الرجل وترك وصيا وأبا كان الوصي أولى من
الأب، فإن لم يكن له وصي فالأب أولى. ا ه‍. قوله: (ثم إلى من نصبه القاضي) ظاهره أن تصرف
منصوب القاضي مع القاضي لا يصح، مع أنهم صرحوا أن القاضي لا يتصرف مع الوصي ولو
منصوبة، لان الولاية الخاصة مقدمة على الولاية العامة، وكأن المصنف لم يقصد إلا أن وصي القاضي
قد استفاد الولاية منه فكان مؤخرا عنه بهذا الاعتبار مقدما عليه في التصرف لما سمعت، وفهم من
كلام المصنف أن وصي وصى القاضي لا يتصرف مع القاضي، فقد صرح به في المنح عن الخانية حيث
قال: إذا كان غائبا، إذ الظاهر أن الضمير في كان راجع إلى القاضي، لأنه إنما يصير وصيا بموت
الموصي. قال بعض الفضلاء: وتعبيره بثم يقتضي تأخيره عن القاضي، وهو مخالف لما سيأتي في كتاب
المأذون من قوله ثم القاضي أو وصيه أيهما تصرف يصح فلذا لم يقل ثم. قوله: (وليس لوصي الام
ووصي الأخ) أي مثلا. قوله: (في تركة الام) الأنسب زيادة الأخ، والمراد بالتصرف ما يعم الحفظ كما
يؤخذ مما بعد، وانظر ما معنى زيادة الأخ هنا، فإن كان الأب حيا فمات الاخر فتركته لأبيه، ولا شئ
لأخيه حتى ينفي تصرف الوصي، وإنما تصرفه ذلك فيما إذا مات الأب وله وصي ثم مات الأخ وله
وصي فلا يتصرف وصي الأخ مع وصي الأب. قوله: (وإن لم يكن واحد مما ذكر) أي من الأربعة،
وظاهره أنه يملك ذلك مع وصي الجد والقاضي ووصيه.
وفي التنوير من كتاب المأذون ما نصه: ووليه أبوه ثم وصيه ثم جده ثم وصيه ثم القاضي أو
وصيه دون الام أو وصيا. ا ه‍. ط. قوله: (وله بيع المنقول) لأنه من الحفظ. قوله: (لا العقار) ظاهر
أن الوصي يملك بيع العقار حيث لم يكن وصي الام، مع أن المصرح به عدمه إلا لمسوغ، كأن يكون
الثمن بضعف القيمة أو يكون في يد متغلب أو أشرف على الخراب أو يكون على الميت دين فيملكه
بقدر الدين أو يكون لنفقة الصغير أو لوصيه بدراهم مطلقا ليس لها نفاذ إلا من ثمن العقار أو تزيد
مؤنته على غلته كما سيذكره الشارح في كتاب الوصايا معزيا للدرر والأشباه.
وفي الواقعات: الأب إذا باع عقار ابنه الصغير بمثل القيمة، فإن كان الأب محمودا عند الناس
يجوز وليس للابن نقضه بعد البلوغ، بخلاف ما إذا كان فاسقا حيث يملك نقضه هو المختار.
قلت: والمسألة مختلف فيها، فما هنا يبتني على ظاهر الرواية من جواز بيعه بمثل القيمة، قال
الحلواني: وهذا جواب السلف، وما في الدرر والأشباه من عدم جواز البيع إلا بأحد الاعذار المتقدمة
جواب المتأخرين. قال في الواقعات: وبه يفتى. أفاده أبو السعود. قوله: (ولا يشتري إلا الطعام
والكسوة الخ) قال في البحر: وليس لوصي الام ولاية التصرف في تركة الام مع حضرة الأب أو

789
وصيه أو وصي وصيه أو الجد، وإن لم يكن واحد مما ذكر فله الحفظ وبيع المنقول لا العقار والشراء
للتجارة، وما استفاده الصغير غير مال الام مطلقا. ا ه‍: أي ليس لوصي الام ولاية التصرف في مال
استفاده من غير الام.
قال في جامع الفصولين في الفصل السابع والعشرين: لو لم يكن أحد منهم فله الحفظ، وبيع
المنقول من الحفظ وليس له بيع عقاره ولا ولاية الشراء على التجارة إلا شراء ما لا بد منه من نفقة أو
كسوة، وما ملكه اليتيم من مال غيره تركة أمه فليس لوصي أمه التصرف فيه منقولا أو غيره.
والأصل فيه أن أضعف الوصيين في أقوى الحالين كأقوى الوصيين في أضعف الحالين، وأضعف
الوصيين وصي الام والأخ والعم، وأقوى الحالين حال صغر الورثة، وأقوى الوصيين وصي الأب والجد
والقاضي، وأضعف الحالين حال كبر الورثة ثم وصي الام في حال الصغر الورثة كوصي الأب في حال
كبر الورثة عند غيبة الوارث، فللوصي بيع منقوله لا عقاره كوصي الأب حال كبرهم. ا ه‍. قوله: (وصي
القاضي) سبق ما فيه قريبا، وسيأتي في كلام الشارح أنه مثله إلا في ثمان صور، منها: ليس لوصي
القاضي الشراء لنفسه من مال الصغير. قوله: (عمادية) قال فيها وصي الجد أو الأب ووصى وصيه
ووصي القاضي ووصي وصيه بمنزلة وصي الأب إلا في خصلة: وهي أن القاضي إذا جعل في نوع تقيد
به. وفي الأب كان وصيا في الأنواع كلها. قوله: (لا ترجع حقوق عقد باشراه الخ) تقدمت هذه
المسألة، وإنما أعادها ليفرع عليها: صحة ضمان القاضي أو أمينه دون الوكيل والوصي والأب، لان
الحقوق لا ترجع إليه بخلافهم. قوله: (صح) لان الحقوق لا ترجع إليهما لأنهما أجنبيان عن الحقوق،
بخلافهم فإن حق الاستيفاء لهم فلا يصح ضمانهم لنفسهم. قوله: (بخلافهم) أي الأب والوصي
والوكيل، فلو باع القاضي أو أمينه عبدا للغرماء وأخذ المال فضاع عنده واستحق العبد لم يضمن القاضي
أو أمينه للمشتري، وإنما يرجع على الغرماء لأنهما كالامام، وكل منهم لا يضمن كيلا يتقاعد الناس عن
قبول هذه الأمانة، بخلاف ما إذا أمر القاضي الوصي ببيع العبد والمسألة بحالها، فإن المشتري يرجع على
الوصي ثم هو على الغرماء، وكذا لو ضاع العبد من أحدهما قبل التسليم لا يضمن، ولو قال أمينه بعت
وقبضت الثمن وقضيت الغريم صدق بلا يمين وعهدة إلحاقا بالقاضي. ا ه‍.
قال في القنية في باب بيع الام والجد والوصي من كتاب البيوع ما نصه: العهدة على وصي
الميت وعلى من جعله القاضي وصيا عن الميت، ولا كذلك إذا جعله أمينا في أمور الميت، لان وصي
القاضي نائب عن الميت وأمينه نائب عنه ولا عهدة عليه، فالقاضي محجور عن التصرف في مال اليتيم
عند وصي الميت، وعند من نصبه وصيا عن الميت، بخلاف ما إذا جعله أمينا. ا ه‍. وأمين القاضي من
يقول له القاضي جعلتك أمينا في بيع هذا العبد مثلا، وأما إذا قال بع هذا العبد ولم يزد عليه اختلف
المشايخ فيه، والصحيح أنه تلحقه عهدته كما في الولوالجية. والعهدة كما في القاموس: الرجعة،
والمراد بها هنا الرجوع كما في الحواشي الحموية. قوله: (وفي الأشباه جاز التوكيل بكل ما يعقده

790
الوكيل لنفسه) الذي كتب عليه أبو السعود وهو الموافق لما تقدم بكل ما يعقده الموكل لنفسه.
وفي المجمع: وتجوز الوكالة بكل عقد يجوز للموكل مباشرته. وقال في الهداية: كل عقد جاز
أن يعقده الانسان لنفسه جاز أن يوكل به غيره، والآمر في صورة الوصي كذلك، فإنه كما يجوز
للوصي أن يشتري مال اليتيم لنفسه عند ظهور النفع يجوز أن يوكل فيه غيره فيشتريه الوكيل، ولم
يقولوا كل ما يعقده الانسان لنفسه جاز أن يكون وكيلا فيه حتى يتم ما ذكره من خروج مسألة الوصي.
ا ه‍. وعليه فعبارة الأشباه معترضة. والأولى أن تكون كما قالوا: يجوز التوكيل بكل ما يعقده الموكل
بنفسه كما نبه عليه الحموي. قوله: (إلا الوصي) الاستثناء غير صحيح، لان مسألة الوصي لم تدخل
في الأصل الذي ذكره حتى تخرج عنه، فإن الشراء فيها لم يقع من وكيل الوصي، وإنما وقع من
الوصي بطريق وكالته عن الغير. قوله: (فله أن يشتري مال اليتيم لنفسه) أي إذا كان النفع ظاهرا كما
في الأشباه وغيره. قوله: (لا لغيره بوكالة) وذلك لان الحقوق من جانب اليتيم ترجع إليه، ومن
جانب الآمر كذلك، فيؤدي إلى المضادة بخلاف نفسه، وهذا إذا كان وصي الأب كما بينه في باب
الوصي. والأصل أن من ملك تصرفا بالأصالة أو الولاية العامة يملك تمليكه اعتبارا بتمليك الأعيان،
وشرطه أن لا يؤدي ذلك التفويض إلى التضاد والتنافي، وهو أن يجعل المفوض إليه متولي طرفي أمر
يحتاج إلى الايجاب والقبول، كمبادلة المال بالمال فإنه يؤدي إلى أن الواحد يصير قاضيا ومقتضيا ومسلما
ومتسلما وذلك متحقق هنا، وهذا تناقض في الأحكام الشرعية، والأحكام الشرعية تصان عنه. ذكر
هذا الأصل محمد في الجامع الكبير كما في الحواشي الحموية. قوله: (وجاز التوكيل بالتوكيل) وهذا
معلوم مما مر أنه لو أذن له بالتوكيل جاز، فلو وكله أن يوكل فلانا في شراء كذا ففعل واشترى الوكيل
رجع بالثمن على المأمور، وهو على أمره ولا يرجع الوكيل على الآمر: أي الأول. أشباه، والله تعالى
أعلم، واستغفر الله العظيم.
باب الوكالة بالخصومة والقبض
لما كانت الخصومة مهجورة شرعا أخر بابها، والخصومة هي الدعوى الصحيحة أو الجواب
الصريح بنعم أو لا وقد سبق. قوله: (والقبض) الواو بمعنى أو المجوزة للجمع، وقد زاد في المسائل
على الترجمة، فقد ذكر وكيل الملازمة والتقاضي وغير ذلك. قوله: (والتقاضي) أي الطلب، وهذا في
العرف، وفي أصل اللغة: القبض، لأنه تفاعل من تقاضيت ديني واقتضيت بمعنى أخذت ويأتي تمامه
قريبا، وذكر حكم صورة الاجتماع ليعلم منه حكم التوكيل بأحدهما بالأولى. قوله: (أي أخذ الدين)
هذا لغة، ومعناه عرفا: المطالبة. عناية. وكان عليه أن يذكر هذا المعنى فإنهم بنوا الحكم عليه معللين
بأن العرف قاض على اللغو، ولا يخفى عليك أن أخذ الدين بمعنى قبضه، فلو كان المراد المعنى اللغوي
يصير المعنى الوكيل بقبض الدين لا يملك القبض وهو غير معقول. تدبر.
قال بعض الفضلاء: تفسير التقاضي هنا بأخذ الدين ليس مما ينبغي، فإن الوكيل بأخذ الدين هو
الوكيل بقبضه، والوكيل بقبضه له قبضه بالاجماع، بل المراد بالتقاضي المطالبة به والالحاح به على المديون،
فحينئذ له التقاضي بهذا المعنى كالوكيل بالخصومة له الخصومة فيه عند القاضي وليس له القبض.

791
قال في التبيين: المطالبة غير القبض، فالوكيل بها لا يملك القبض فجعل التقاضي هو المطالبة
وهو المناسب ا ه‍. قوله: (عند زفر) وعند علمائنا الثلاثة يملك القبض وهو ظاهر الرواية عينا كان
المتقاضي أو دينا، حتى لو هلك المال في يده يهلك على الموكل، لان الوكيل بالشئ وكيل بإتمامه،
وإتمام الخصومة والتقاضي يكون بالقبض. وفي غرر الأفكار: وروى عن أبي يوسف أنه لا يملك
القبض. قوله: (واعتمد في البحر العرف) أي حيث قال: وفي الفتاوى الصغرى: التوكيل بالتقاضي
يعتمد العرف، إن كان في بلدة كان العرف بين التجار، إن المتقاضي هو الذي بقبض الدين كان
التوكيل بالتقاضي توكيلا بالقبض، وإلا فلا ا ه‍. وليس في كلامه ما يقتضي اعتماده. نعم نقل في
المنح عن السراجية أن عليه الفتوى، وكذا في القهستاني عن المضمرات، قوله: (ولا الصلح إجماعا)
لأنه غير ما وكل فيه، لان الوكيل بعقد لا يملك عقدا آخر. قال في الذخيرة: لا يجوز للوكيل بقبض
الدين أن يهبه من المديون أو يبرأه أو يؤخره إلى أجل. قوله: (ورسوله التقاضي يملك القبض) لأنه
بمنزلة الرسول في القبض ط. ولأنه كالمرسل. والعجب من كون الرسول يملك القبض باتفاق لا
الوكيل مع أنه أعلى حالا من الرسول. قوله: (أرسلتك أو كن رسولا عني إرسال، وأمرتك بقبضه
توكيلا) يخالف هذا ما في مجموعة مؤيد زاده عن التتارخانية: صورة التوكيل أن يقول المشتري لغيره
كن وكيلا عني في قبض المبيع. وصورة الرسول أن يقول: كن رسولا عني، أو يقول أمرتك بقبضه. ا
ه‍. فقد جعل المأمور رسولا وهو الموافق لما في الزيلعي. قوله: (خلافا للزيلعي) حيث جعل من
الارسال أمرتك بقبضه.
قال في المنح: فإن قلت: فما الفرق بين التوكيل والارسال؟ فإن الاذن والامر توكيل كما
علمت من كلام البدائع من قوله الايجاب من الموكل أن يقول وكلتك بكذا أو افعل كذا وأذنت لك أن
تفعل كذا ونحوه. قلت: الرسول أن يقول أرسلتك أو كن رسولا عني في كذا. وقد جعل الزيلعي
منها في باب خيار الرؤية أمرتك بقبضه، وصرح في النهاية فيه معزيا إلى الفوائد الظهيرية أنه من
التوكيل وهو الموافق لما في البدائع، إذ لا فرق بين افعل كذا وأمرتك بكذا. ا ه‍. وهذا عبارة البر في
أول كتاب الوكالة.
وذكر في باب خيار الرؤية عن المعراج الفرق بين الرسول والوكيل: أن الوكيل لا يضيف العقد
إلى الموكل، والرسول يستغني عن إضافته إلى المرسل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: * (يا أيها الرسول بلغ) *
(المائدة: 76). وقوله: * (وما أنت عليهم بوكيل) * (الانعام: 701).
وفي الفوائد: صورة التوكيل أن يقول المشتري لغيره: كن وكيلا في قبض المبيع أو وكلتك
بقبضه. وصورة الرسول: كن رسولا عني في قبضه أو أمرتك بقبضه أو أرسلتك لتقبضه أو قل لفلان
يدفع المبيع إليك. وقيل لا فرق بين الرسول والوكيل في فصل الامر بأن قال اقبض المبيع فلا يسقط
الخيار ا ه‍. فقد جعل المأمور رسولا موافقا للزيلعي، فتأمل. قوله: (ولا يملكهما وكيل الملازمة) لان
الملازمة لا تنتظمهما. قوله: (كما لا يملك الخصومة وكيل الصلح) لان الصلح مسالمة لا مخاصمة وهو

792
غير ما وكل به. قوله: (ووكيل قبض الدين يملكها) أي الوكيل بقبض الدين يلي الخصومة مع المديون
عند أبي حنيفة، حتى لو أقيمت عليها البينة على استيفاء الموكل أو إبرائه تقبل عنده، بخلاف العين.
وقالا: لا يكون خصما، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، لان القبض غير الخصومة، وليس كل من
يؤتمن على المال يهتدي في الخصومات فلم يكن الرضا بالقبض رضا به. بحر.
والذي في جامع الفصولين في الفصل الخامس: ويوقف عندهما في الكل العين والدين. والحق
أن قولهما أقوى، وهو رواية عنه، كذا في عدة وغيره. ا ه‍. ملخصا. ومثله في نور العين. لكن في
تصحيح العلامة قاسم وعلى قول الإمام المحبوبي في أصح الأقاويل والاختيارات والنسفي والموصلي
وصدر الشريعة: قيد بإقامة البينة عليه على استيفاء الموكل أو إبرائه، لأنه لو ادعى دينا على الموكل وأراد
مقاصصته به لا يكون الوكيل خصما عنه، وهي واقعة الفتوى، وكذلك لو ادعى المشتري على وكيل
البائع في قبض ثمن المبيع عيبا وأراد رده عليه لا يكون خصما فيه كما يدل عليه الكلام الآتي، وهي
واقعة الفتوى أيضا. تأمله تفهم. والذي ذكره في المجتبى شرح القدوري كالصريح فيما قلناه، فإنه
قال: والوكيل بقبض الدين وكيل بالخصومة فيه عند أبي حنيفة، فقوله فيه: أي في الدين يمنع كونه
وكيلا بالخصومة في غيره كادعاء المديون الدين وكادعائه العيب في واقعتي الحال، فتأمل، أفاده
الرملي.
أفاد أيضا أنه يؤخذ من هذا أن الجابي يملك المخاصمة مع مستأجري الوقف إذا ادعوا استيفاء
الناظر، لان الناظر إذا أقام جابيا صار وكيلا عنه في القبض لما عليهم، وهي واقعة الفتوى. ا ه‍.
قال في البحر: من أحكامه: أي الوكيل بقبض الدين أنه يقبل قوله في دعوى القبض والهلاك
في يده والدفع إلى موكله، لكن في حق براءة المديون لا في حق الرجوع على الموكل على تقدير
الاستحقاق، حتى لو استحق إنسان ما أقر الوكيل بقبضه وضمن المستحق الوكيل فإنه لا يرجع الوكيل
على موكله. قوله: (خلافا لهما) فلا تقبل البينة عليه باستيفاء الموكل أو إبرائه فلا يبرأ، لكن تقصر يد
الوكيل حتى لا يتمكن من قبضه، بل يوقف الامر إلى حضور الغائب.
ولأبي حنيفة أنه وكله بالتملك لان الديون تقضى بأمثالها، إذ قبض الدين نفسه لا يتصور إلا أنه
جعل استيفاء العين حقه من وجه، وإنما كان كذلك لئلا يمتنع قضاء ديون لا يجوز الاستبدال بها كبدل
السلم والصرف فأشبه الوكيل بأخذ الشفعة والرجوع في الهبة والوكيل بالشراء والقسمة والرد بالعيب،
وهذه أشبه بأخذ الشفعة حتى يكون خصما قبل القبض كما يكون خصما قبل الاخذ هنالك، إذ
الوكيل بأخذ الشفعة خصم في الاثبات، ولا يصير خصما فيما إذا ادعى عليه تسليم الآخر لما فيه من
إبطال حق الموكل، لكن المعتمد أنه ينتصب خصما وتسمع عليه البينة. وتوضيحه في البحر. قوله:
(لو وكيل الدائن) أي موضع الخلاف بين الامام والصاحبين في وكيل الدائن. قوله: (ولو وكيل
القاضي) يعني إذا وكله القاضي بقبض ديون الغائب كما تقدم في باب المفقود. قوله: (كوكيل قبض
العين) فإنه لا يلي الخصومة لأنه أمين محض فأشبه الرسول، حتى لو وكله بقبض عبده فبرهن ذو اليد
أن الموكل باعه إياه وقف الامر حتى يحضر الغائب استحسانا.

793
والأصل في هذه المسائل: أن الوكيل باستيفاء عين حقه لم يكن توكيلا بالخصومة، لان التوكيل
وقع بالقبض لا غير، ويمكن حصوله بلا خصومه فلا حاجة إلى جعله وكيلا بغير ما وكل به، وإن
وقع بالتملك كان وكيلا بالخصومة لان التملك إنشاء تصرف، وحقوق العقد تتعلق بالعاقد لأنه لا
يمكن التحصيل إلا بها والخصومة من جملتها، فالصاحبان جعلا الوكيل بقبض الدين وكيلا باستيفاء
عين حقه حكما، ولذا لو قبض أحد الشريكين شيئا من الدين كان للآخر أن يشاركه فيه، ومعنى
التملك ساقط حكما، حتى كان له أن يأخذه بلا قضاء ولا رضا كما في الوديعة والغصب فلا ينتصب
خصما كما في الوكيل بقبض العين وعنده الوكيل بقبض الدين وكيل بالتملك لان الديون تقضي
بأمثالها، لان المقبوض ليس ملكا للموكل بل بدل حقه، إلا أن الشرع جعل ذلك طريقا للاستيفاء
فانتصب خصما. تبيين ملخصا. قوله: (فيملكها مع القبض اتفاقا) فتسمع البينة عليه أن موكله سلم
الشفعة أو أبرأ عن العيب وأن لهبة بعوض وأن حصته في القسمة. كذا ط. قوله: (ابن ملك)
عبارته: أما وكيل القسمة، بأن وكل أحد الشريكين رجلا بالقسمة مع شريكه فقال إن شريكي استوفي
نصيبه وأنكر الوكيل فأقام الشريك البينة على الاستيفاء فإنها تقبل. وأما أخذ الشفعة، بأن أقام المشتري
البينة على الوكيل بأخذ الشفعة على أن الموكل سلمها تقبل لكونه وكيلا. وأما الرجوع في الهبة، بأن
أقام الموهوب له البينة على أن الواهب أخذ عوضا أو أحدث فيه زياد تقبل. وأما الرد بالعيب، بأن
وجد المشتري بالمبيع عيبا فوكل رجلا بالرد به فقال البائع رضي المشتري بهذا العيب وأنكر الوكيل فأقام
البائع البينة على الرضا تقبل كما في التاجية. ا ه‍.
قال منلا مسكين: الوكيل بنقل المرأة والمملوك من بلد إلى بلد إذا أقامت المرأة بينة على الطلاق أو
المملوك على العتاق لا تقبل على إثبات الطلاق أو العتاق وتقبل في قصر يد الوكيل حتى يحضر الغائب
انتهى كما إذا أقام الخصم البينة أن الموكل عزله عن الوكالة فإنها تقبل في حق قصر اليد لا في حق
ثبوت العزل استحسانا.
والقياس: أن يسلم إلى الوكيل لان البينة قامت لا على خصم فلم تعتبر. وجه الاستحسان أنه
خصم في قصر يده لقيامه مقام الموكل فتقصر يده في القبض والتسليم فتقتصر يده. بحر. قوله:
(وكذا لا يقبض درهما دون درهم) معناه لا يقبض متفرقا، فلو قبض شيئا دون شئ لم يبرأ الغريم من
شئ. جامع الفصولين. لكونه مخالفا، ولو استوفى جميعه بعد، فلو هلك هلك عليه لمخالفته، ويرجع
الآمر على الغريم كما في المسألة السابقة.
وفي جامع الفصولين: وكيل قبض الوديعة قبض بعضها جاز، فلو أمر أن لا يقبضها إلا جميعا
فقبض بعضها ضمن ولم يجز القبض، فلو قبض ما بقي قبل أن يهلك الأول جاز القبض على الموكل ا
ه‍.
قال في البحر: ولو احتال الطالب بالمال على آخر لم يكن للوكيل بالقبض أن يقبضه من المحتال
عليه ولا من الأول، وإن توى المال ورجع إلى الأول فالوكيل على وكالته، وكذا لو اشترى الموكل بالمال
عبدا من المطلوب فاستحق من يده أو رده بعيب بقضاء بعد القبض أو بغير قضاء قبل القبض أو بخيار

794
فالوكيل على وكالته، وكذا لو كان قبض الدراهم فوجدها زيوفا، ولو أخذ الطالب منه كفيلا لم يكن
للوكيل أن يتقاضى الكفيل، والمقبوض في يد الوكيل بمنزلة الوديعة، ولو وجده الكفيل زيوفا أو
ستوقة فرده فإنه ينبغي أن يضمن قياسا، ولكن استحسن أن لا أضمنه انتهى. قوله: (لان يده كيده)
وفي نسخة يديه لان يد الوكيل كيد الموكل، وهذا هو الذي في المنح والبحر وغيرهما. وفي نسخة
لان يده يد أمانة ولا يصلح تعليلا لما قبله، وإنما يحسن لقوله فلا سبيل له على الوكيل. قوله: (لا
يجبر عليها) ما لم يغب موكله، فإذا غاب يجبر عليها لدفع ضرر كما تقدم نقله عن الأشباه. قوله: (في
الأشباه لا يجبر الوكيل الخ) عبارتها: لا يجبر الوكيل إذا امتنع عن فعل ما وكل فيه إلا في ثلاث
مسائل: إذا وكله بدفع عين ثم غاب، أو ببيع رهن شرط فيه أو بعده في الأصح، أو بخصومة بطلب
المدعي وغاب المدعى عليه. والظاهر أنه أراد، بالنقل المذكور الإشارة إلى مخالفته لما في الأشباه، فإن ما
نقله من جملة الثلاث كما تقدم قبل هذا الباب كما ذكرنا أنه يجبر الوكيل بخصومة بطلب المدعي إذ
غاب المدعى عليه، وقد تبع المصنف صاحب الدرر.
وقال في العزمية: لم نجد هذه المسألة هنا لا في المتون ولا في الشروح. ثم أجاب كالشرنبلالي
بأنه لا يجبر عليها: يعني ما لم يغب موكله، فإذا غاب يجبر عليها كما ذكره المصنف في باب الرهن
بوضع عند عدل. اه‍. وهذا أحسن مما قدمنا عن نور العين. تأمل. هذا، ولكن المذكور في المنح متنا
موافق لما في الأشباه، فإنه ذكر بعد قوله: لا يجبر عليها إلا إذا كان وكيلا بالخصومة بطلب المدعي
وغاب المدعى عليه، وكأنه ساقط من المتن الذي شرح عليه الشارح. تأمل. قوله: (كما مر) أي عن
الأشباه في شرح قوله والوكيل بقضاء الدين لا يجبر عليه. قوله: (بخلاف الكفيل) أي بالخصومة
ويراجع تصويرها. ويمكن أن تصور بأن يكفل عن شخص بما ذاب عليه وأقر بخمسمائة وادعى
الطالب ألفا فإنه يخاصم فيما يثبت على المديون. قوله: (لا يسمع على الوكيل) أي ويحكم بالمال على
المدعى عليه ويتبع الدائن بدفعه. قوله: (وصح إقرار الوكيل) يعني إذا ثبت وكالة الوكيل بالخصومة
وأقر على موكله سواء كان موكله المدعي فأقر باستيفاء الحق أو المدعى عليه فأقر بثبوته عليه. درر.
وقال زفر: لا يصح ولا ينفذ عليه، لأنه أتى بغير المأمور به لأنه مأمور بخصومة عنه في مجلس
القاضي، وما أتى به من الاقرار جواب فلا يصح، وبه قالت الثلاثة، وهو قول أبي يوسف أولا.
ولنا أن التوكيل صحيح فيدخل تحته بملك الموكل الجواب مطلقا، ويراد بالخصومة مطلق الجواب
عرفا لأنها سببها، فذكر السبب وأراد المسبب وهو شائع. عيني. قوله: (بالخصومة) متعلق بالوكيل.

795
قوله: (لا بغيرها) أي لا يصح إقرار الوكيل بغير الخصومة: أي وكالة كانت كوكيل الصلح أو القبض
أو الملازمة، ويصح إقرار وكيل القبض بالقبض والدفع للموكل. بزازية. وسبق صحة إقرار الأب
بقبض مهر غير البالغة ومهر البالغة البكر وصحة دعوى وكيل البيع قبض الثمن. قوله: (مطلقا) أي
سواء كان بمجلس القاضي أو غيره.
قال في الشرنبلالية: قيد بالخصومة احترازا عن الوكيل بالصلح فإنه لا يملك الاقرار، لان
الوكيل بالخصومة إنما ملك الاقرار لكونه من أفراد الجواب، والصلح مسالمة لا مخاصمة، ولهذا قلنا:
الوكيل بالصلح لا يملك الخصومة، والوكيل بالخصومة لا يملك الصلح، لان الوكيل بعقد لا يباشر
عقدا آخر. قوله: (بغير الحدود والقصاص) متعلق بإقرار، أما هما فلا يصح إقرار الوكيل بهما على
موكله للشبهة. بحر. قوله: (استحسانا) راجع إلى قوله: وصح إقرار الوكيل بالخصومة ووجهه أن
التوكيل صحيح، وصحته تتناول ما يملكه، وذلك مطلق الجواب بالاقرار أو الانكار دون أحدهما عينا
فينصرف إليه تحريا للصحة، وصحح أبو يوسف إقراره مطلقا، وأبطله زفر مطلقا، وهو القياس لأنه
مأمور بالخصومة وهي منازعة والاقرار ضدها لأنه مسالمة، والامر بشئ لا يتناول ضده. والقياس أن
يصح عند غير القاضي، لان الوكيل قائم مقام الموكل وإقراره لا يختص بمجلس القضاء فكذا نائبه.
ووجه الاستحسان في الأول أن حقيقة المخاصمة لا تحل شرعا، فحملت على ما يحل وهو مطلق
الجواب، وهو صادق على الانكار والاقرار.
ووجه التخصيص بمجلس القاضي أنه إنما وكله بالخصومة، وحقيقتها لا تكون إلا عند القاضي
فلم يكن وكيلا في غيره، لان غير مجلس القاضي ليس محلا للخصومة التي هو وكيل فيها، لكنه يخرج
عن الدعوى كما قال وإن انعزل الوكيل الخ. قوله: (وإن انعزل الوكيل) أي عزل نفسه لأجل رفع
الخصم. واني. ورده عزمي زاده.
قال في الهداية: لو أقيمت البينة على إقراره في غير مجلس القضاء يخرج من الوكالة ا ه‍. قوله:
(بهذا الاقرار) الواقع في مجلس القاضي لأجل دفع الخصومة، ومثل ذلك الأب والوصي إذا أقرا في
مجلس القاضي لا يصح إقرارهما. حموي: أي وينعزلان في تلك الحادثة. بزازية: لا يدفع المال إليهما.
هداية. وإنما لا يصح إقرارهما لان ولايتهما نظرية، ولا نظر في الاقرار على الصغير.
وأما التفويض من الموكل حصل مطلقا غير مقيد بشرط النظر فيدخل تحته الانكار والاقرار
جميعا، غير أن الاقرار صحته تختص بمجلس القضاء على ما ذكرنا. كذا في الكفاية. قوله: (حتى لا
يدفع إليه المال) أي بأن وكله أن يخاصم عنه عن دعوى بيع فأقر عليه بأنه باع فإنه لا يملك قبض الثمن
من مدعي الشراء. قوله: (للتناقض) لأنه زعم أنه مبطل في دعواه. درر. قوله: (والاستثناء على
الظاهر) أي ظاهر الرواية، ومثله استثناء الانكار فيصح منهما في ظاهر الرواية.
قال العيني: ولو استثنى الموكل بالخصومة الاقرار، فعن أبي يوسف أنه لا يصح. وعن محمد أنه

796
فرق بين الطالب والمطلوب. وصححه من الطالب دون المطلوب، ومثله صحة استثناء الانكار في
الرواية، وجعله في الصغرى قول محمد خلافا لأبي يوسف. وعلل قول محمد بأن الانكار قد
يضر الموكل بأن كان المدعي وديعة، فلو أنكر الوكيل لا تسمع منه دعوى الهلاك والرد وتسمع قبل
الانكار. وبقي قسم ثالث، وهو لو وكله غير جائز الاقرار والانكار: قيل لا يصح لعدم بقاء فرد
تحته، وقيل يصح لبقاء السكوت. كذا في البزازية.
والحاصل أن المسألة على خمسة أوجه: الأول: أن يوكل بالخصومة فيصير وكيلا بهما. الثاني: أن
يستثنى الاقرار فيكون وكيلا بالانكار فقط. الثالث: عكسه فيصير وكيلا بالاقرار فقط في ظاهر
الرواية. الرابع: أن يوكله بالخصومة جائز الاقرار فيكون وكيلا بهما. الخامس: أن يوكله بها غير جائز
الاقرار ففيه اختلاف المتأخرين، ولا يصير به مقرا لأنه يمكن أنه وكله بالاقرار خوف الشغب
والخصومة وإن لم يكن عليه شئ، لان كل أحد لا يقدر عليها.
وفي الخلاصة: ولو كان التوكيل بسؤال الخصم واستثنى الاقرار موصولا صح، ومفصولا لا
يصح، ولو استثنى الاقرار والانكار: فقيل لا يصح لعدم بقاء فرد تحته، وقيل يصح لبقاء السكوت.
بحر عن البزازية. قوله: (ولا يصير به مقرا) يعني التوكيل بالاقرار صحيح، ولا يكون التوكيل به قبل
الاقرار إقرارا من الموكل. وعن الطواويسي: معناه أن يوكل بالخصومة ويقول خاصم فإذا رأيت لحوق
مؤنة أو خوف عار علي فأقر بالمدعي يصح إقراره على الموكل. كذا في البزازية.
قلت: ويظهر منه وجه عدم كونه إقرارا ونظيره صلح المنكر. قوله: (وبطل توكيل الكفيل) أي
توكيل الدائن الكفيل، وسيأتي هذا في قوله بخلاف العكس ففيه تكرار. قوله: (بالمال) متعلق
بالكفيل: أي بقبض المال من المديون.
وصورته: إذا كان لرجل دين على آخر وكفل به رجل فوكل الطالب الكفيل بقبض ذلك الدين
من المدعى عليه الأصل لم يصح التوكيل. عيني. قوله: (لئلا يصير عاملا لنفسه) أي لان الوكيل هو
الذي يعمل لغيره، ولو صححنا هذه الوكالة صار عاملا لنفسه ساعيا في براءة ذمته فانعدم الركن
فبطل، ولأنه مطالب بالمال، وفي طلبه من المديون الدفع عن نفسه ولأن حق الطلب له بعد أدائه المال،
فلو وكله المكفول له بقبضه صار كأنه جعل له المطالب مع أن المطالبة حقه فلا يصح.
قال في البحر: وإذا بطلت الوكالة في مسألة الكتاب وقبضه من المدين وهلك في يده لم يهلك
على الطالب ا ه‍.
وأورد عليه أنه كما هو ساع في براءة نفسه ساع في تحصيل المال للطالب، ولو أبرأه عن الكفالة
لا تنقلب صحيحة لوقوعها باطلة ابتداء كالوكيل عن غائب فإنه يقع باطلا، ثم إذا بلغه فأجازه لم يجز،
وتقييد الكفالة بالمال للاحتراز عما سيأتي متنا من قوله بخلاف كفيل النفس حيث يصح توكيله
بالخصومة، لان الواحد يقوم بهما. عيني وزيلعي. قوله: (كما لا يصح لو وكله بقبضه من نفسه) لما
سيأتي من استحالة كونه قاضيا ومقتضيا. قوله: (أو عبده) أي المأذون المديون لأنه يصير عاملا لنفسه

797
من حيث إنه حفظ العبد على نفسه من بيع الغريم له كما استظهره الطحطاوي. قوله: (لان الوكيل
متى عمل لنفسه) أي فقط بطلت أي الوكالة. قوله: (إلا إذا وكل المديون بإبراء نفسه) أي هي مستثناة
من هذه القاعدة، فإنه أجيزت مع كونه عاملا لنفسه وليست خارجة عنها، لان شرط الوكالة كونه
عاملا لغيره لا كونه غير عامل لنفسه كما قاله المصنف، لان مسألة الكفالة والحوالة كذلك، فإن كلا
منهما عامل لنفسه ولغيره، ولم تجز وكالتهما لأنه تمليك وليس بتوكيل كما قاله الزيلعي، إذ لو كان
كذلك لم يصح رجوع الدائن عنه قبل إبراء المديون نفسه مع أنه يصح لكن يحتاج إلى معرفة إخراجها من
القاعدة. أفاده الرحمتي.
وقال الرملي: ولقائل أن يقول: التمليك لا يكون إلا بعد إبرائه نفسه وبعده لا يصح رجوعه،
تتأمل. قوله: (فيصح) قال في البحر: وأورد على بطلان توكيل الكفيل بالمال المعلل بأنه عامل لنفسه
توكيل المديون بإبراء نفسه فإنه صحيح مع كونه عاملا لنفسه.
والتحقيق في جوابه ما في منية المفتي من قوله: ولو وكله بإبراء نفسه يصح، لأنه وإن كان
عاملا لنفسه بتفريغ ذمته فهو عامل لرب الدين بإسقاط دينه، وشرط الوكالة كونه عاملا لغيره لا كونه
غير عامل لنفسه ا ه‍.
إذ علمت ما ذكرت فلا وجه لقول المؤلف لان الوكيل متى عمل لنفسه بطلت إلا أن يحمل على
ما إذا ان كان العمل لنفسه محضا ط.
قال العلامة المقدسي بعد ذكر مسألة توكيل الكفيل بالمال المذكورة: ونوقض بتوكيل المديون بإبراء
نفسه من دين عليه صح وإن عمل لنفسه. وأجيب بالمنع مستندا لما ذكره شيخ الاسلام أنه لا يصح على
خلاف ما في الجامع، ولئن سلم فالابراء تمليك بدليل أنه يرتد بالرد وليس بتوكيل.
وأجاب في المنية بأن شرط الوكالة كونه عاملا لغيره لا كونه غير عامل لنفسه، وزعم بعضهم أنه
هو التحقيق، وفيه نظر لأنه إذا كان عملا واحدا وهو لنفسه فلا يجتمع مع كونه عاملا لغيره.
واعترض بأن عمل الوكيل لنفسه ضمني، لكون الموكل أصيلا في باب الوكالة والضمنيات قد لا
تعتبر. وأجيب بمنع ذلك، بل الأصل وقوع التصرف لنفس العامل ا ه‍. قوله: (ويصح عزله قبل إبرائه
نفسه) ولو كان ذلك تمليكا كما قال الزيلعي وتبعه العيني لم يصح رجوع الدائن عنه قبل إبرائه نفسه مع
أنه يصح. بحر.
فإن قلت: إذا تكفل بما توكل بقبضه صحت الكفالة وبطلت الوكالة، فكان ينبغي أن لا يصح
توكيل الكفيل بالمال وتبطل الكافلة. قلت: إنما صح تكفيل الوكيل لان الكفالة أقوى لكونها لازمة
فكانت ناسخة، بخلاف العكس كما في الزيلعي، لكن قوله فكانت ناسخة يقتضي كون الكفالة بعد
الوكالة مع أن ذلك لا يتعين. قال المصنف: الكفالة بالمال مبطلة للوكالة تقدمت الوكالة أو تأخرت.
قوله: (أو وكل المحتال المحيل بقبضه من المحال عليه) فيه أن المحيل انتقل الدين من ذمته بالإحالة
وصار أجنبيا فلم لم يصح توكيله بالقبض؟ وأجيب بأنه ساع في تحصيل براءة نفسه، فإنه إذا مات
المحال عليه مفلسا أو أنكر الحوالة ولا بيان رجع الدين على المحيل. قوله: (بالقبض) يصح أن يتعلق

798
بوكل وبوكيل. قوله: (قنية) عبارتهما كما في المنح: ولو وكله بقبض دينه على فلان فأخبر به المديون
فوكله ببيع سلعته وإيفاء ثمنه إلى رب الدين فباعها وأخذ الثمن وهلك يهلك من مال المديون لاستحالة
أن يكون قاضيا ومقتضيا، فالواحد لا يصلح أن يكون وكيلا للمطلوب والطالب في القضاء والاقتضاء
. ا ه‍. قال في البحر: ولا يخالفه ما في الواقعات الحسامية: المديون إذا بعث بالدين على يد وكيله فجاء
به إلى الطالب وأخبره ورضي به وقال اشتر لي شيئا فذهب واشترى ببعضه شيئا وهلك منه الباقي. قال
بعضهم: يهلك من مال المديون. وقال بعضم من مال الطالب، وهذا أصح، لان أمره بالشراء بمنزلة
قبضه ا ه‍. لان ما في القنية فيما إذا سبق توكيل الطالب وما في الواقعات فيما إذا سبق توكيل
المطلوب كما لا يخفى. قوله: (بخلاف كفيل النفس) محترز الكفيل بالمال، وقيده الزيلعي بأن يوكله
بالخصومة. قال في البحر: وليس بقيد، إذا لو وكله بالقبض من المديون صح ا ه‍. قال البدر العيني:
وقيد بقوله الكفيل بالمال لأنه يجوز توكيل الكفيل بالنفس بالخصومة لان الواحد يقوم بهما ا ه‍. والأولى
أن يقول بدل الخصومة بقبض المال، وهذا لان الوكالة والكفالة لا يجتمعان، فمتى صحت إحداهما
بطلت الأخرى إذا تواردتا على محل واحد، بخلاف كفيل النفس فإنه يصح توكيله بقبض المال لاختلاف
المورد. قوله: (والرسول) أي لقبض الدين تصح كفالته المطلوب لأنه سفير، وكذلك ينبغي أن يصح
لو وكله المديون بقضاء دين مرسله، ووكيل الامام يصح كفالته بثمن ما باعه من الغنائم لعدم رجوع
الحقوق كما مر في خيار العيب من أن الامام ووكيله أمين والأمين ما ينتصب خصما. قوله: (ووكيل
الامام) مقتضى كونه سفيرا أنه لا يلحقه عهدة وهو كذلك. قوله: (والوكيل بالتزويج) لأنه سفير ومثله
الولي، وقد مر في النكاح. قوله: (حيث يصح ضمانهم) العبارة، وهكذا في الدرر معزية إلى كفالة
التبيين، ولا يخفى أن المقابلة تقتضي أن يقول حيث يصح توكيلهم والخطب سهل ح.
أقول: أي لان قوله بخلاف كفيل النفس مقابل لقوله. قوله: وبطل توكيل الكفالة بالمال:
يعني أن كفيل النفس يصح توكيله من المكفول له، فمقتضى هذه المقابلة أن يكون المراد من قوله
والرسول وما عطف عليه توكيلهم أيضا من أن المراد ضمانهم، فقول الحلبي: والخطب سهل ليس
المراد منه أن إرادة توكيلهم هنا جائزة، لان الرسول والوكيل لا يوكلان، بل مراده أنه وإن كانت
المقابلة تقتضي ذلك، إلا أن المراد غير ذلك المقتضى، وهذا الايهام سهل مغتفر لعلمه مما مر، والذي
سهله أن المقصود ما يجتمع فيه الكفالة والوكالة، فكأنه قال: لا يجتمعان إلا في كفيل النفس والرسول
الخ. تأمل. لكن لا يظهر في مسألة وكيل الامام ببيع الغنائم. قوله: (لان كلا منهم سفير) أي معبر
عن غيره فلا تلحقه العهدة. قوله: (بخلاف العكس) أي في قوله وبطل توكيل الكفيل بالمال فإن
الوكالة أضعف من الكفالة لعدم لزومها فلا تصلح ناسخة، لكن إذا لوحظ ارتباطه بقول الشارح
فتصلح ناسخة إظهارا للفرق بينهما لم يكن تكرارا. تأمل. قوله: (وكذا كلما صحت)، إلى قوله:
(بطلت وكالته) تكرار محض مع ما قبلها ح.

799
قال ط: والذي في متن المنح الذي بيدي: الوكيل بقبض الدين إذا كفل صح وبطلت الوكالة،
تقدمت عن الكفالة أو تأخرت اه‍. ولا تكرار فيها ولا تدافع.
وقد يقال: لما ذكر بعض ما دخل تحت القاعدة بين عمومه بقاعدة كلية ومثل هذا لا يسمى
تكرارا، والأحسن ملاحظة ارتباطه بقول الشارح فتصلح إلى آخر ما قدمناه قريبا. قوله: (تقدمت
الكفالة أو تأخرت) في تقدم الكفالة عمد صحة الوكالة ابتداء فجعله إبطالا للوكالة توسع، لان إبطال
الشئ بعد ثبوته. قوله: (لما قلنا) من أنها أقوى. قوله: (للبائع) المناسب للموكل. قوله: (لم يجز)
استشكله الشرنبلالي بوكيل الامام ببيع الغنائم. ودفعه أبو السعود بما مر من أنه سفير ومعبر فلا تلحقه
عهدة. قوله: (لما مر أنه يصير عاملا لنفسه) لان حق الاقتضاء له لأنه من حقوق العقد وهو أصيل
فيها، لكن الذي مر عكسه وهو عدم جواز توكيل الكفيل للعلة المذكورة، والعلة هنا أن الحقوق ترجع
إليه، فإذا ضمن على المشتري الثمن فكأنه كفل مطلوبه لنفسه وهو محال، لان الكفالة ضم ذمة الكفيل
إلى ذمة الأصيل مطالبة أو دينا، ومن المحال أن يصير له مطالبة على نفسه أو دين عليها والبائع يطلب
الثمن، فلو كان كفيلا للبائع كان كافلا نفسه ولا معنى له. قوله: (رجع) أي على موكله بالبيع. قوله:
(لبطلانه) أي لبطلان الضمان، وإذا كان الضمان باطلا وقد أدى بحكم الضمان كان الأداء باطلا
أيضا، لان المبني على الباطل باطل، ولأن حكم الوكالة الفاسدة أنه لو أدى على ظن لزومها له أن
يرجع بما أدى. قوله: (وبدونه) أي الضمان. قوله: (لا) أي لا يرجع. قوله: (لتبرعه) قال في
الشرنبلالية: ولقائل أن يقول: التبرع حصل في أدائه إليه بجهة الضمان كأدائه بحكم الكفالة عن
المشتري بدون أمره، فليتأمل ا ه‍.
ولا يخفى أن التبرع في المقيس عليه إنما هو في نفس الكفالة. وأما الأداء فهو ملزم به شاء أو
أبى، بخلاف مسألتنا، على أنه إذا أدى على حكم الضمان لا يسمى متبرعا بل هو ملزم به في ظنه.
وقد ذكر المسألة في الخانية ونقلها عنها في الهندية من غير تعرض لهذا التفصيل. وعبارة
الأولى: الوكيل بالبيع إذا باع وكفل بالثمن عن المشتري لا تصح كفالته ا ه‍.
وفي الهندية: ولو صالح الآمر عن الثمن على المشتري على عبد للوكيل بعينه أو قضى الوكيل
الثمن عن المشتري كان ذلك جائزا ويبرأ المشتري ويصير العبد للموكل، ولا يكون للوكيل أن يرجع
بشئ لا على الآمر ولا على المشتري. قوله: (فصدقه الغريم) ويصح إثبات التوكيل بالبينة مع إقرار
المديون به. بحر. قوله: (أمر بدفعه) أي أمر إجبار. سراج: أي في مال نفسه، لان الديون تقضي
بأمثالها، بخلاف إقراره بقبض الوديعة الآتي لان فيها إبطال حق المالك في العين. قوله: (عملا
بإقراره) لان ما يدفعه خالص حقه، ولأن المديون إنما يقضي الدين من مال نفسه عما في ذمته،
فإقراره إنما هو على نفسه فينفذ. قوله: (ولا يصدق لو ادعى الايفاء) أي لا يثبت الايفاء بمجرد

800
دعواه، بل إن برهن على ذلك صح، لان الوكيل بالقبض لا يملك الخصومة، وسيأتي متنا في قوله
ولو وكله بقبض مال فادعى الغريم ما يسقط حق موكله الخ. قوله: (وإلا أمر الغريم بدفع الدين
إليه) أي الغائب ثانيا لفساد الأداء لأنه لم يثبت الاستيفاء حيث أنكر الوكالة، فقوله بإنكاره الباء للسببية
ومع ظرف متعلق بالمصدر قبله: أي مع أن الفساد بسبب الانكار مع اليمين على عدم الوكالة.
وفي البحر عن البزازية: ولو ادعى الغريم على الطالب حين أراد الرجوع عليه أنه وكل القابض
وبرهن يقبل ويبرأ، وإن أنكر حلفه، فإن نكل برئ ا ه‍. وفيه عنها أيضا: وإن أراد الغريم أن يحلفه
بالله ما وكلته له ذلك، وإن دفع عن سكوت ليس له إلا إذا عاد إلى التصديق، وإن دفع عن تكذيب
ليس له أن يحلفه، وإن عاد إلى التصديق لكنه يرجع على الوكيل. ا ه‍. فإطلاق الشارح في محل التقييد.
تأمل. قوله: (ورجع الغريم به) أي بما دفعه إن باقيا بيده لأنه ملكه وانقطع حق الطالب عنه. قوله:
(بأن استهلكه) أي الوكيل فإنه يضمن مثله، الأولى بدله. تأمل. فإن ادعى الوكيل هلاكه أو دفعه إلى
الموكل حلفه على ذلك، وإن مات الموكل وورثه غريمه أو وهبه وهو قائم في يد الوكيل أخذ منه في
الوجوه كلها، ولو هالكا ضمنه إلا إذا صدقه على الوكالة كما في الخلاصة. قوله: (وإن ضاع) أي
المقبوض في يد الوكيل وكذا لو ادعى مدعي الوكالة دفعه إلى موكله كما يفهم مما يأتي. قوله: (لا) أي
لا رجوع عليه. قوله: (عملا بتصديقه) لأنه بتصديقه اعترف أنه محق في القبض، والظالم هو الطالب
بالأخذ منه ثانيا والمظلوم لا يظلم غيره.
فإن قلت: يرد على هذا أن أحد الابنين إذا صدق المديون في دعواه الايفاء للميت وكذبه الآخر
ورجع المكذب عليه بالنصف فإن للمديون الرجوع على المصدق بالنصف إن كان للميت تركة غير
الدين مع أنه في زعمه أن المكذب ظالم في الرجوع عليه.
قلت: أجيب عنه بأن الرجوع على المصدق لكونه أقر على أبيه بالدين. قوله: (إلا إذا ضمنه عند
الدفع) بأن يقول أنت وكيله، لكن لا آمن أن يجحد الوكالة ويأخذ مني ثانيا فيضمن ذلك المأخوذ
فيصح لإضافته لسبب الوجود كقوله: ما غصبك فعلي وما ذاب لك عليه فعلي، لان ما أخذه ثانيا
غصب وما يأخذه الوكيل أمانة لا يصح ضمانه لتصادقهما على أنه وكيله، ولفظ ضمنه مروي
بالتشديد والتخفيف، فمعنى التشديد: أن يضمن الغريم الوكيل، فالضمير المستتر عائد إلى الغريم
والبارز إلى الوكيل، ومعنى التخفيف: أن يضمن الوكيل المال الذي أخذه الدائن من الغريم لا الذي
أخذه الوكيل، فالضمير المستتر في وكله عائد إلى الوكيل والبارز إلى المال. قوله: (لقدر ما يأخذه) في
بعض النسخ باللام وهي تناسب التشديد، وفي البعض بالباء لان المكفول به هو ما يأخذه الدائن كأنه
قال له: إن أخذ الدائن منك شيئا فأنا كفيله، وما يأخذه الدائن ظلما في زعم الآخذ والدافع، لان
الآخذ يزعم أنه وكيل والدافع يصدقه فتكون من قبيل قولهم: ما غصبك فلان فعلي، فيكون الرجوع
بقدر ما أخذه الدائن لا يرجع بما أخذه الوكيل من المديون لأنه أمانة في زعمهما والكفالة بها لا تجوز،
فلو صالحه على بعض الدين عند ضمان الوكيل ونحوه يرجع على الوكيل بقدر المصالح عليه. قوله:

801
(لا ما أخذه الوكيل) أي لا يرجع بما أخذه الوكيل من المديون: أي إنما وقع الضمان على ما أخذه
الدائن ثانيا على ما ذكر لا على ما أخذه الوكيل أمانة في يده. قوله: (لأنه أمانة) أي في زعمهما،
والأمانة لا تجوز بها للكفالة. قوله: (لا تجوز بها الكفالة) وفيه أنه تقدم أن الوكيل بالقبض تصح
كفالته. والجواب بأنها للموكل فيما تقدم وهنا للمديون في نفس ما يأخذه وهو أمانة فلا ينقلب
غرامة. قوله: (أو قال) أي مدعي الوكالة. قوله: (على أني أبرأتك من الدين) كأن وجهه والله تعالى
أعلم، أن كلا من القابض والدافع متصادقان على الوكالة عن الدائن، وقول القابض قبضت منك على
أني أبرأتك يحتمل أن يريد براءة الاستيفاء أو براءة الاسقاط، فإن كانت براءة الاسقاط فقد جعلها في
مقابلة ما قبضه. وإن كانت براءة الاستيفاء فكأنه اعترف بأنه استوفى ما عليه من الدين، فإذا رجع
الدائن بدينه يرجع عليه بما قبضه في مقابلة الاسقاط لأنه بمنزلة البيع، فقد التزم له السلامة بأخذ
اليد، وكذلك في براءة الاستيفاء لأنه حيث أخذ منه تبين بطلان استيفائه فيرجع عليه بما استوفي، وهو
مشكل لان في زعمهما أن المستوفي ثانيا ظالم باستيفائه وأنه قد برئت ذمة المديون بقبض الوكيل وأن
الوكيل أمين فيما قبض فما وجه الرجوع عليه في مثل هذه الصورة، وكذا منها مسألة الختن لان الأب
إنما يقبضه وكالة عن ابنته. تأمل. قوله: (وكذا يضمنه إذا لم يصدقه على الوكالة) فإنه يرجع عليه لأنه
إنما دفع له على رجاء الإجازة، فإذا انقطع رجاؤه رجع عليه. قوله: (يعم صورتي السكوت
والتكذيب) أو عدم تصديقه بسكوته أو بتكذيبه له، لان الأصل في السكوت عدم التصديق. قوله:
(ودفع له ذلك على زعمه الوكالة) فإنه يرجع عليه كما ذكرنا. قوله: (فهذه) أي الثلاثة. قوله: (فإن
ادعى الوكيل هلاكه) أي في صورة ما لا ضمان عليه بهلاكه وهي ما عدا المسائل الثلاثة. قوله: (أو
دفعه لموكله صدق الوكيل بحلفه) بدعواه الضياع أو أداء المال للموكل لأنه أمين ادعى إيصال الأمانة إلى
مستحقها، فيصدق في براءة نفسه ولا يصدق فيما إذا ضمن ما يأخذه منه، وكذلك في بقية الصور
السابقة. والأولى ذكر هذه المسألة بعد قوله المار وإن ضاع لا عملا بتصديقه تأمل. قوله: (وفي
الوجوه كلها) وهو ما إذا دفع مع تصديق أو تكذيب أو سكوت ضمنه عند الدفع أو قال الآخذ قبضت
منك على أني أبرأتك من الدين ا ه‍. قوله: (ليس له الاسترداد حتى يحضر الغائب) لان المؤدى صار
حقا للغائب إما ظاهرا أو محتملا، فصار كما إذا دفعه إلى فضولي على رجاء الإجازة لم يملك الاسترداد
لاحتمال الإجازة. هداية. وهو أحد قولين كما في جامع الفصولين.
قال العلامة المقدسي: وعندي إشكال في المنع لا سيما إذا سمع عند عدم الأمانة. حموي. وعلى
القول بالاسترداد لو دفع إلى رجل ليدفعه إلى رب الدين فله أن يسترد لأنه وكيل المديون، وقيل لا لان
من باشر التصرف لغرض ليس له أن ينقضه ما لم يقع الناس عن غرضه. قوله: (أو على إقراره بذلك)

802
بقي لو كان الوكيل مقرا في الحال ربما يفهم من كلام الشارح أنه يلزمه الدفع، وبالنظر إلى كونه قد
تعلق حق الغائب فيما قبضه ولا يملك إبطال حقه بإقراره ينبغي أن لا يعتبر إقراره، فليراجع. قوله:
(لم يقبل) أي ما ذكر، أما بالنظر للبرهان فعدم القبول ظاهر، وأما بالنظر إلى إرادة الاستحلاف فالمراد
به أنه لا يمكن من استحلافه، ومع هذا لا يكون له حق الاسترداد، ولو قال لم يقبل وليس له
استحلافه لكان أظهر. ط بزيادة. قوله: (لسعيه في نقض ما أوجبه للغائب) وهو المدفوع فإنه حقه
ويريد الدافع الرجوع فيه، وهذا في الصورتين، وفي الأولى لأنها بينة على النفي. قوله: (تقبل) لان
النقض من الموكل لان الثابت بالبيان كالثابت بالعيان. قوله: (وورثه غريمه) أي مديونه. قوله: (أو
وهبه له) أي وهب الموكل الدين للمديون لان هبة الدين من المديون إبراء، ولو أبرأ الغريم المديون بعد
قبض الدين رجع عليه به فكذا يرجع على وكيله، هذا إذا كان قائما ولو حكما، وكذا لو كان هالكا
ولم يصدقه على الوكالة، أما إن صدقه فقد جعله أمينا فلا ضمان عليه في الهالك، وكذا فيما إذا ادعى
الدفع إلى الموكل بيمينه. قوله: (إلا إذا صدقه على الوكالة) فيأخذه قائما ولو حكما لا هالكا. قوله:
(حلف ما يعلم) في بعض النسخ: ما علم.
وعبارة العيني: ما يعلم أن الطالب وكله بقبض دينه، فإذا حلف لم يدفع إليه وإن نكل قضي
عليه بالمال للوكيل اه‍.
وعن أبي حنيفة: أنه لا يحلفه لان حق التحليف بناء على أنه خصم ولم يثبت بلا حجة. قوله:
(فصدقه المودع) وإذا لم يصدقه لا يؤمر بالدفع بالأولى. قوله: (لم يؤمر بالدفع إليه على المشهور) لأنه
إقرار بمال الغير، بخلاف ما إذا ادعى أنه وكيل بقبض الدين لأنه إقرار بمال نفسه إذ الدين يقضي
بمثله لا بعينه، فلو هلكت الوديعة عنده بعد ما منع لا يضمن، وينبغي أن يضمن لأنه منع من وكيل
المودع بزعمه فهو كمنعه من الموكل، ولو سلمها له فهلكت في يده وأنكر المودع الوكالة يضمن المودع
بتسليمه وله تحليفه أنه ما وكله، فإن نكل برئت ذمته، فإن حلف ضمن ولا يرجع على الوكيل لان في
زعمه المودع ظالم بتضمينه والمظلوم لا يظلم إلا إذا ضمنه عند الدفع كما مر، ولو دفع له ولم يصدقه
على الوكالة رجع عليه مطلقا كانت العين موجودة أو لا، ولو كانت قائمة أخذها في كل الوجوه لأنه
ملكها بالضمان، ولو أراد استردادها لم يملكه. واختلفوا في الملتقط لو أقر باللقطة لرجل هل يؤمر
بالدفع إليه؟ بحر.
قال في جامع الفصولين: وإذا قبض رجل وديعة رجل فقال رب الوديعة ما وكلته وحلف على
ذلك وضمن المستودع رجع على القابض إن كان بعينه، فلو حضر ربه وكذبه في الوكالة لا يرجع
المودع على الوكيل لو صدقه ولا يشرط الضمان عليه، وإلا رجع بعينه لو قائما وبقيمته لو هالكا.
أقول: لو صدقه ودفعه بلا شرط ينبغي أن يرجع على الوكيل لو قائما، إذ غرضه لم يحصل فله
نقضه على قياس ما مر في الهداية من أن المديون يرجع بما دفعه إلى وكيل صدقه لو باقيا. كذا هذا.
والله تعالى أعلم. ا ه‍.

803
قلت: ما بحثه مستفاد من كلام الكافي كما هو غير خافي.
أقول: وهذا كله إذا لم يثبت وكالته بالبينة، فلو أقام بينة بأنه وكيل بقبضهما فإنه يؤمر بدفعها،
فلو امتنع مع ذلك ضمن إذا كان بعد حكم الحاكم الشرعي المستوفى شرائطه الشرعية، فلو أقامها ولم
يقض عليه بالدفع لا يضمن. تأمل. قوله: (خلافا لابن الشحنة) فيه أن ابن الشحنة نقل رواية عن أبي
يوسف أنه يؤمر بالدفع فقط، وما هنا هو المذهب المشهور فلا معارضة، ومنه يعلم أن ما ادعاه السيد
الحموي من أنه لا يؤمر بالدفع إليه إجماعا فيه نظر. أبو السعود. قوله: (مطلقا) أي صدقه أو كذبه أو
سكت. قوله: (لما مر) من أنه يكون ساعيا في نقض ما أوجبه للغائب. قوله: (وكذا الحكم لو ادعى
شراءها من المالك) أي مثل ما ذكر من الحكم لو ادعى رجل شراء الوديعة من المالك وصدقه المودع.
قوله: (لم يؤمر بالدفع إليه) لأنه ما دام حيا كان إقرارا بملك الغير، لأنه من أهله فلا يصدقان في
دعوى البيع عليه. قوله: (لأنه إقرار على الغير) أي بأنه باع ماله: أي أو أنه وكله في قبضه فهو علة
للمسألتين. قوله: (ولو ادعى) أي الوارث أو الموصى له لا الوكيل كما توهمه العيني، لان المودع لا
يؤمر بالتسليم إلى مدعي الوكالة أصلا. ح. وفيه أن الوكيل بهذه الدعوى صار وارثا أو موصى له
وخرج عن الوكالة. قوله: (لاتفاقهما على ملك الوارث) أو الموصى له وينظر ما الفرق بين مدعي
الإرث ومدعى الوصية ومدي الشراء، وإن علل في مسألة الشراء بأنه إقرار على الغائب بالبيع فهما
أيضا إقرار على المودع بالموت وبأن هذا وارثه، فليتأمل. قوله: (إذا لم يكن على الميت دين مستغرق)
فإن كان ودفع الوديعة إلى الوارث بغير أمر القاضي ضمن، ولو أدى مديون إلى الوصي يبرأ أصلا.
جامع الفصولين. ولعل المراد بالمستغرق ما يحتاج كلها أو بعضها في قضائه ط. وكذا يضمن إن لم يكن
مستغرقا ودفع إلى الوارث بلا أمر القاضي على ما يستفاد من سياق كلام البحر معزيا إلى جامع
الفصولين. قوله: (ولا بد من التلوم فيهما) أي في صورتي الوارث والموصى له ولم يبين مدة التلوم،
والظاهر تفويضه إلى رأي القاضي، وقد تقدمت هذه المسائل في متفرقات القضاء وتقدم الكلام عليها.
قوله: (لا يؤمر به) أي بالدفع لعدم اتفاقهما على ملك المدعي، ولو لم يقل في صورة دعوى الوصية لم
يترك وارثا لم يكن ذو اليد خصما وقيد بدعوى الإرث والوصية للاحتراز عن دعوى الايصاء إليه، فإنه
لو ادعى الايصاء إليه وصدقه ذو اليد لم يؤمر بالدفع له إذا كان عينا في يد المقر لأنه أقر أنه وكيل
صاحب المال بقبض الوديعة أو الغصب بعد موته فلا يصح، كما لو أقر أنه وكيله في حياته بقبضها،
وإن كان المال دينا على المقر فعلى قول محمد الأول يصدق ويؤمر بالدفع إليه، وعلى قوله الأخير وهو
قول أبي يوسف لا يصدق ولا يؤمر بالتسليم إليه، وإن كان إقرارا على نفسه لكنه إقرار على الغائب
من وجه ودعوى لبراءة نفسه بدفع المال له، فإنه لو تحقق موته ما برئ بالدفع إليه بصحة أمر القاضي
بذلك، حتى لو حضر الوارث وأنكر وصايته لا يلتفت إليه ولا له ولاية اتباع الغريم فيؤدي إلى أن يبرأ
من الدين بلا حجة، بخلاف ما لو أقر بوكالته في حياته، لأنه لو حضر وأنكر كان له أن يتبعه بدينه

804
لان أمر القاضي بالدفع لم يصح. كذا في التبيين عن التيسر. لكن قال في جامع الفصولين في بحث
أحكام الوكلاء: وفرق بينه وبين الوكيل بوجهين:
أحدهما: أن للقاضي ولاية نصب الوصي، فلو قضى بدفعه يكون إقراره مؤديا إلى إسقاط حق
الغير وهو براءة ذمته بدفعه إليه، بخلاف الوكالة إذ القاضي لا يملك نصب الوكيل.
والثاني: أنه لو قضى له بدفعه إليه يصير وصيا في جميع المال بخلاف الوكيل. اه‍. قوله: (ما لم
يبرهن) وعليه فإذا برهن الوكيل بقبض الوديعة يؤمر الوديع بدفعها له كما تفيده مسألة الوصي. قوله:
(ودعوى الايصاء كوكالة) فإذا صدقه ذو اليد لم يؤمر بالدفع إليه إذا كان عينا إلى آخر ما قدمنا. قوله:
(فدفع إلى بعض الورثة) أي جميع ما عليه. قوله: (ولو وكله بقبض مال) أي كان له على غريمه.
قوله: (أو إقراره) أي الموكل بأنه ملكي.
قال في جامع الفصولين: ادعى أرضا وكالة أنه ملك موكلي فبرهن فقال ذو اليد إنه ملكي
وموكلك أقر به: فلو لم يكن له بينة فله أن يحلف الموكل لا وكيله، فموكله لو غائبا فللقاضي أن يحكم
به لموكله، فلو حضر الموكل وحلف أنه لم يقر له بقي الحكم على حاله، ولو نكل بطل الحكم ا ه‍. وبه
يظهر ما في كلام الشارح من قوله ولو عقارا مع قوله ما لم يبرهن لأنه وإن برهن في العين يدفعها
كما مر ويأتي، ولم يذكر حكم ما إذا نكل الطالب عن اليمين وحكم ما إذا برهن المديون على الايفاء.
وفي جامع الفصولين: وإن نكل عن اليمين لزمه المال دون الوكيل، فإن كان المال عند الوكيل،
فلا سبيل له عليه، إنما هذا مال الطالب الأول وقد قامت البينة على القضاء، فإن شاء أخذ به الموكل
وإن شاء أخذ المال من الوكيل إن كان قائما، فإن قال الوكيل قد دفعته إلى الموكل وهلك مني فالقول
قوله مع يمينه، وإن قال أمرني فدفعته إلى وكيل له أو غريم له أو وهبه لي أو قضى لي من حق كان لي
عليه لم يصدق وضمن المال ا ه‍. قال الخير الرملي: قوله ولم يذكر حكم ما إذا نكل الطالب عن اليمين
إلخ لاقرار مثل النكول.
وأقول: ولم يذكر الشارح في هذه المسألة ما إذا أنكر رب المال الوكالة. والذي يظهر أن الامر
يرجع فيها إلى مسألة دعوى الوكالة عن الغائب، فيأخذ الغريم المال من الوكيل إن كان قائما، ويضمنه
إن استهلكه. وإذا هلك لا رجوع له عليه إلا إذا ضمنه أخذا من قولهم إن دعواه الايفاء إقرار بالدين
وبالوكالة، فتأمل وراجع المنقول فإني لم أر من صرح بذلك، والله تعالى أعلم.
هذا، ويقرب من هذا الجواب ما ذكره الأصحاب في تعليل المسألة بقولهم: وهذا لأنه لو لم
يكن محقا عنده في طلب الدين ما اشتغل بذلك، فصار كما إذا طلب منه الدين فقال أوفيتك فإنه يكون
إقرارا ولم يثبت الايفاء بمجرد دعواه فيؤمر بالدفع إليه، كما لو أقر بالوكالة صريحا: تأمل. ا ه‍. قوله:
(دفع المال إليه) فيه إشارة بأنه لا يحبسه حتى يحلف الموكل، بل يدفعه ويتبع الموكل أو يصير حتى يحضر
فيحلفه، وكذا في الوكيل بالاستحقاق، وبه صرح في الهندية. قوله: (ولو عقارا) أي فإنه إذا برهن

805
على الايفاء للموكل يقبل عند الامام في الدين، بخلاف العين، ويوقف عندهما في الدين والعين كما
في جامع الفصولين. قوله: (لان جوابه) أي المطلوب بما تقدم. قوله: (تسليم) أي إقرار بالدين
وبالوكالة حيث قال: أديت لرب المال أو أبرأني منه فهو إقرار بالدين والوكالة، ثم زعم الايفاء أو
الابراء بلا بينة فلا يقبل زعمه. ووجه الاقرار خفي علي.
قال السيد الحموي: وقد جعلوا دعواه الايفاء لرب المال جوابا للوكيل إقرارا بالدين وبالوكالة،
وأنت ترى أن هذا لا يصلح تعليلا، والتعليل ما ذكروه من أن الوكالة تثبت ولم يثبت الايفاء بمجرد
دعواه لا يؤخر حقه ا ه‍. قوله: (ما لم يبرهن) فإذا برهن على دعواه الايفاء مثلا قيل على الوكيل وإن
كان وكيلا بالقبض، لان الوكيل به وكيل بالخصومة، بخلاف وكيل إجارة الدار وقبض الغلة إذا ادعى
بعض السكان أنه عجل الأجرة لموكله وبرهن توقف، ولا يحكم بقبض الاجر حتى يحضر الغائب. بحر
عن جامع الفصولين.
والفرق أن هذا وكيل في العقد فحق القبض له أصالة، فلو أثبت على الغائب كان حكما على
الغائب ابتداء، وفي المسألة السابقة هو وكيل بالقبض فقط والدين لم يثبت بعقده. مقدسي. قوله: (وله
تحليف الموكل) أي على أخذه واستيفائه، فلو كان غائبا فللقاضي أن يحكم له بالدفع، فإذا حضر
وحلف أنه لم يقر له مثلا بقي الحكم على حاله، وإن نكل بطل الحكم ولزمه المال دون الوكيل، فإن
كان المال هلك عند الوكيل فلا سبيل له عليه، ولو أقام البينة على القضاء: فإن شاء أخذ به الموكل،
وإن شاء أخذه من الوكيل لو قائما، فإن قال الوكيل قد دفعته إلى الموكل أو هلك مني فالقول قوله مع
يمينه، وإن قال أمرني فدفعته إلى وكيل له أو غريم أو وهبه لي أو قضى من حق كان لي عليه لم يصدق
وضمن المال ا ه‍. قوله: (لا الوكيل) ولو على عدم العلم باستيفاء الموكل، إذ لو أقر لم ينفذ على موكله
لأنه على الغير، وكذا أب طالب زوج ابنته البالغة بمهرها وقال ابنتي بكر في منزلي وقال الزوج بل
دخلت بها ولم يبق لها حق القبض صدق الأب لتمسكه بالأصل والزوج يدعي العارض والأب ينكر،
ولا يحلف الأب أنه لا يعلم بدخوله، إذ لو أقر به لم يجز عليها لما مر، جامع الفصولين.
أقول: وهذا التعليل أظهر مما ذكره الشارح من أن النيابة لا تجري في اليمين لأنها لا تظهر فيه،
لان هذه اليمين على هذا الوجه لا نيابة فيها، وكأن الشارح تبع الدرر، فتدبر.
ثم رأيت الواني نقل عن صدر الشريعة ما يقوي هذا البحث، وأفاد أن المدعى عليه يريد بذلك
إبطال وكالته كأنه يقول له: إن صحت وكالتك وحق خصومتك معي موقوفة على بقاء الدين وأنت
تعلم أدائي إياه فوكالتك باطلة فإنه إن أنكرت أدائي فاحلف بالله ما تعلمه. قال: والحق أن ما قاله
زفر قريب إلى الصواب.
قال في نور العين عن الخلاصة: وفي الزيادات: في كل موضع لو أقر لزمه، فإذا أنكر
يستحلف إلا في ثلاث مسائل:
وكيل شراء وجد عيبا فأراد الرد وأراد البائع تحليفه بالله ما يعلم أن البائع رضي بالعيب لا
يحلف، فإن أقر الوكيل لزمه.
الثانية: وكيل قبض الدين إذ ادعى عليه المديون أن موكله أبرأه عن الدين واستحلف الوكيل على
العلم لا يحلفه، ولو أقر به لزمه.

806
يقول الحقير: لم يذكر الثالثة في الخلاصة. وفي الثانية نظر، إذ المقر به هو الابراء الذي يدعيه
المديون فكيف يتصور لزومه على الوكيل ا ه‍.
أقول: وفي كلام الفصولين من أنه لو أقر به على موكله لم يجز إشكال، لان الوكيل بالخصومة
يملك الاقرار كما علمت، وهذا يخالف ما ذكر آخر العبارة من أنه لو أقر به لزمه: أي لزم الموكل،
ولعلهما قولان. تأمل. قوله: (خلافا لزفر) فقال أحلفه على علمه، فإن أبى خرج عن الوكالة، لان
البينة لما جاز سماعها عليه لما فيها من إسقاط حقه في الخصومة جاز أن يستحلف لينكل فيثبت هذا
المعنى.
ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن الوكيل قام مقام الموكل في الخصومة، والقائم عن غيره لا يستحلف
فيما يدعي قبله من الاستيفاء كالوصي ا ه‍. شلبي.
وفي العناية: ولم يذكر محمدا إما أنه لا رواية عنه، أو أنه مع زفر. قال بعضهم: وقول زفر هو
الحق ا ه‍. ومثله في حاشية المولى عبد الحليم. قوله: (بعيب في أمة) أي برد أمة بسبب عيب ح.
قوله: (لم يرد عليه) أي لم يرد الوكيل على البائع ح. قوله: (حتى يحلف المشتري) يعني لا يقضي
القاضي عليه بالرد حتى يحضر المشتري ويحلف أنه لم يرض بالعيب، وهذا عند عدم البينة، فإن أقام
البينة على الرضا قضى بلزوم البيع. قوله: (والفرق الخ) أي بين هذه المسألة حيث لا ترد الأمة على
البائع وبين الذي قبلها حيث يدفع الغريم المال إلى الوكيل. ح بزيادة.
أقول: هذا الفرق يخالف ما يأتي قريبا أنه إذا صدقه كانت له اتفاقا، ولعل الأولى في التعليل أن
يقال: إن البائع منكر لاستحقاق الرد عليه فيكون القول قوله ما لم يثبت عليه بيمين المشتري، بخلاف
الدين فإنه قد اعترف باشتغال ذمته به ثم يريد الخروج عنه فلا يصدق إلا ببرهان، ولا شك أن البائع
هنا دافع استحقاق الرد عليه والمديون رافع الدين قد لزمه باعترافه والدفع أسهل من الرفع.
ولا يقال: إن قوله هنا لم يرد عليه أي لا يقضي الحنفي بذلك، وقوله لان القضاء لا عن
دليل أي قضاء غير الحنفي، لان القضاء برفع الخلاف مطلقا سواء كان القاضي حنفا أو غيره، إلا
في مسائل مستثناة إلا أن تجعل هذه المسألة منها. ولا يقال: إن الحنفي قضى بخلاف مذهبه، لان
المعتمد في المسألة أنه لا ينفذ قضاؤه في ذلك، ولا يقال معنى قولهم لم يرد لا ينبغي أن يرد لأنه
خلاف المعروف في مثل هذه العبارة وتأكد ذلك بقرينة مقابله وهو دفع الغريم المال، وليس هو من
قبيل ينبغي بل يجب، ويرده قوله إن القضاء هنا فسخ لا يقبل النقض وصرح في البحر والتبيين بأن
بعد القضاء لا يستحلف المشتري لعدم الفائدة، لان القضاء ينفذ عنده ظاهرا وباطنا. قوله: (فسخ لا
يقبل النقض) لان التدارك ممكن هنا باسترداد ما قبضه الوكيل إذا ظهر الخطأ عند نكوله، ولا يمكن
ذلك في العيب لان القضاء بالفسخ نافذ ظاهرا وباطنا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فيصح القضاء
ويلزم، ولا يستحلف المشتري بعد ذلك لأنه لا يفيد إذ لا يجوز فسخ القضاء، وفي مسألة الدين ليس
فيه قضاء وإنما فيه الامر بالتسليم، فإذا ظهر الخطأ فيه أمكن نزعه منه ودفعه إلى الغريم من غير نقض

807
القضاء، ولأن حق الطالب في الدين ثابت بيقين لتحقق الموجب فلا يمتنع عن الوكيل استيفاؤه ما لم
يثبت الغريم ما يسقطه، ولا كذلك العيب لأنه لم يتيقن بثبوت حق المشتري في الرد لاحتمال أنه رأى
العيب ورضي به وقت التسليم فيمتنع ثبوت حقه في الرد أصلا. وقالوا: عند أبي يوسف ومحمد يجب
أن لا يفرق بين المسألتين بل يرد فيهما. وقيل الأصح عند أبي يوسف أن يؤخر في الفصلين، لان من
مذهبه أن القاضي لا يرد بالعيب على البائع ما لم يستحلف المشتري بالله ما رضيت بهذا العيب، وإن لم
يدع البائع الرضا فلا بد من حضور المشتري وحلفه ا ه‍. قوله: (بخلاف ما مر) أي من مسألة الدين،
لان التدارك فيها ممكن باسترداد ما قبضه الوكيل إذا ظهر الخطأ عند نكوله إذ القضاء لم ينفذ باطنا، لأنه
ما قضى إلا بمجرد التسليم فلم يكن قضاء في العقود والفسوخ. قوله: (خلافا لهما) أي لأبي يوسف
ومحمد حيث قالا: لا يؤخر القضاء في الفصلين، لان قضاء القاضي عندهما ينفذ ظاهرا فقط إذا ظهر
الخطأ ح. وأراد بقوله في الفصلين فصل الرد بالعيب وفصل الدين عند ادعاء ما يبرئه. وقيل الأصح
عند أبي يوسف أنه يؤخر في الفصلين، لان مذهبه أن القاضي لا يرد بالعيب على البائع ما لم يستحلف
المشتري بالله ما رضيت بهذا العيب وإن لم يدع البائع الرضا إلى آخر ما قدمناه قريبا عن مذهبه. قوله:
(فلو ردها الوكيل الخ) مناف لما تقدم من أن القاضي لا يقضي بالرد، اللهم إلا أن يقال: معناه لا
ينبغي له ذلك، فلو فعل كان القضاء موقوفا، فإن حضر المشتري وكذب البائع مضى القضاء على
الصحة، وإن صدقه استردها تأمل ح. ولا تنس ما تقدم قريبا والمراد بردها: أي بالقضاء، يدل له قوله
لان القضاء لا عن دليل الخ وإذا كان الرد بدون قضاء فالحكم كذلك بالأولى.
ولا يقال: إنه لم يرد عليه للعلة المتقدمة فكيف يقال فلو ردها الخ؟ فهذا تناقض. لأنا نقول: لم
يرد عليه: أي لا يسوغ للقاضي الحنفي أن يحكم عليه بالرد لئلا يتضرر البائع للزوم الفسخ، وقوله فلو
ردها عليه: أي بقضاء غير حنفي يرى ذلك لم يكن فسخا اتفاقا، لان القضاء لا عن دليل الخ، لكن
بهذا التعليل يبطل ما علل به أولا بمنع الرد على البائع، إلا أن يجعل هذا من المسائل التي لا ينفذ فيها
حكم القاضي حيث كانت لا عن دليل، ولذا لا يسوغ للحنفي أن يقضي بها، فتأمل.
وأقول: إن ردها أيضا عن المشتري البائع عند الامام لا يكون إلا بعد حلف المشتري فلم يكن
القضاء عن جهل بل عن دليل، ولو ردها بلا حلفه لم يكن له ذلك عنده، إلا أن يقال: إنه حكم به
على قولهما، فإذا حضر وصدق على الرضا كان القضاء باطلا اتفاقا، أو يقال: إن البائع أسقط حقه في
اليمين، فليتأمل. قوله: (فلا ينفذ باطنا) اعترض بأنه إذا جاز نقض القضاء هنا عند أبي حنيفة أيضا
بأي سبب كان لا يتم الدليل المذكور للفرق بين المسألتين. قوله: (أو الشراء) قيد به لما في البحر عن
الخلاصة: الوكيل ببيع الدينار إذا أمسكه وباع ديناره لا يصح، والوكيل بالشراء إذا اشترى ما أمر به ثم
أنفق الدارهم بعد ما سلم إلى الآمر ثم نقد البائع غيرها جاز، ولو اشترى بدنانير غيرها ثم نقد دنانير
الموكل فالشراء للوكيل وضمن للموكل دنانيره للتعدي. ا ه‍. وبه ظهر أن التفصيل هو المختار خلافا لما
أطلقه المصنف والشارح كما علمته مما نقلناه. قوله: (عن زكاة) الظاهر أنه ليس بقيد ح، ويدل عليه

808
إطلاق ما يأتي عن المنتقى. قوله: (ناويا الرجوع) أي ناويا جعل الذي قبضه من الموكل عوض ما
تصدق به من مال نفسه. قوله: (كذا قيد الخامسة في الأشباه الخ) الظاهر أنه قيد في المسائل كلها لكن
ديانة، لان الوكيل في غير معين لا يقع ما فعله لموكله إلا بالنية، فإن تصادقا عليها فلا كلام، وإن
جحد الموكل نيته نظر إلى نقد الثمن، فإن نقده من مال الموكل كان لموكله وإلا كان لنفسه وكل ذلك في
القضاء، أما الديانة فالشراء لموكله متى نواه له فيحرم على الموكل دفعه إن غلب على ظنه صدقه
، والواقع في مسألتنا أنه اشترى بغير مال الموكل فلا بد من النية. قوله: (حال قيامه) أما لو استهلكه ثم
أنفق من عنده يكون متبرعا إجماعا، لان الوكالة قد بطلت فدفع العوض إلى غير مالكه بغير أمره تبرع
كما قرره الإتقاني. قوله: (لم يكن متبرعا) إذا كان المال قائما، قيل يفيد بمفهومه أنه لو اشترى بالمدفوع
إليه شيئا لنفسه ثم اشترى بمال نفسه المأمور بشرائه للموكل لا يجوز ولا ينفذ على الموكل.
وقضيته نفوذه على نفسه ويكون ضامنا مال الموكل، لكن يبقى ما لو كان المدفوع غير النقدين
مثليا أو قيميا، فاشترى لنفسه وكان المدفوع باقيا في يد من اشترى منه هل للموكل المطالبة بعين ماله أم
يضمن الوكيل المثل أو القيمة؟ محل تأمل، والظاهر الأول. فتدبر. كذا في الحواشي الحموية. قوله:
(بل يقع التقاص استحسانا) لان الوكيل بالانفاق وكيل بالشراء، لان الانفاق لا يكون بدون الشراء
فيكون التوكيل به توكيلا بالشراء، والوكيل بالشراء يملك النقد من مال نفسه ثم يرجع به على الآمر،
وهذا لأنه لا يستصحب مال الآمر في كل مكان وينفق له ما أمره من غير قصد فيشتريه له ويحتاج
للنقد من مال نفسه فلم يكن متبرعا تحقيقا لقصد الآمر ونفيا للحرج عن المأمور.
والقياس أن يكون متبرعا، لأنه خالف أمره وأنفق ماله على غيره بغير أمره فيرد مال الموكل،
لان الموكل أمره أن ينفق من ماله لا من مال نفسه، فلما أنفق من مال نفسه خالف وكان متطوعا كما
في المقدسي والدرر.
قال قاضيخان: رجل دفع إلى رجل عشرة دراهم وأمره أن يتصدق بها، فأمسكها الوكيل
وتصدق بعشرة دراهم من عنده جاز استحسانا وتكون العشرة له بالعشرة ا ه‍. قوله: (إذا لم يضف إلى
غيره) أي غير مال الآمر سواء أضاف إلى مال الآمر أو أطلق، ومفهومه صرح به المؤلف في قوله أو
أضاف العقد إلى دراهم نفسه. قوله: (فلو كانت وقت إنفاقه مستهلكة) ومثله الشراء والصدق وبهما
صرح في البحر. قوله: (ولو بصرفها للدين نفسه) أو غيره. قوله: (أو أضاف العقد إلى دراهم نفسه)
هذا محمول على ما إذا لم ينو أو نوى لنفسه، أما لو نوى لموكله فإن الوكيل يصح أن يشتري من مال
نفسه ويرجع على موكله، لكن حيث أضاف إلى دراهم نفسه كان الظاهر أنه مشتر لها فلا يصدق
قضاء، وكذا بعد استهلاكها. أفاده الرحمتي. قوله: (وصار مشتريا لنفسه) ومثل وكيل النفقة وكيل
الشراء عند محمد وهو الصحيح ولذا مشى عليه المتن، لان الوكالة تبطل بهلاك مال الآمر قبل الشراء
خانية، لكن ذكر فيها في مسألة النفقة أن الضمان قول محمد، وعدمه قول أبي يوسف وقدمه.
وفي البزازية: أمره بإنفاق عشرة من عنده ليرجع فقال المأمور أنفقت وكذبه الآمر وطلب المأمور

809
أن يحلفه ما يعلم أنه أنفق على أهله فله ذلك ا ه‍. فأفاد أنهما إذا اختلفا في أصل الانفاق فالقول
للمنكر، ولو اختلفا في القدر فالقول لمنكر الزيادة على مدعيها البينة. فتاوى خير الدين. وفيها: ولو
اختلفا في القدر وقد دفع الآمر للمأمور مالا لينفق منه حكى قولين: بتصديق المأمور وعدمه، ومال إلى
الأول فاحفظه.
وفي البزازية: قال استدن وأنفق على زوجتي وأولادي الصغار كل شهر عشرة فقال فعلت
وصدقته المرأة وكذبه الآمر لم يصدق، إلا إذا كان الحاكم فرض لها ذلك لاخذها ذلك بإذن الحاكم،
ولو كذبه الآمر وأراد المأمور يمين الآمر حلف الآمر بالله ما تعلم أنه أنفق على أهلك كذا، ولو زعم
الآمر أنه أنفق دون ذلك فالقول للمأمور، ولا يشبه هذا الوصي. قوله: (لان الدراهم تتعين في
الوكالة) فإذا هلكت الدراهم قبل الانفاق أو قبل الشراء بها في التوكيل بالشراء بطلت الوكالة، فإذا
أنفق عشرة من عنده كان متبرعا فلا يكون له أن يرجع على الموكل، ولأنه خالف الامر فيرد مال
الموكل، لان الموكل أمره بأن ينفق من ماله لا من مال نفسه فلما أنفق من مال نفسه خالف وكان
متطوعا. ط عن الإتقاني.
أقول: ومقتضى ما تقدم نه مذهب الامام. وعندهما: لا تتعين في المعاملات والوكالة منها.
تأمل. قوله: (نعم في الملتقى) الذي في البحر عزوه إلى المنتقى بالنون، وهو كذلك في بعض النسخ
وكذا في المنح، ومن غير استدراك بنعم. والوجه فيها أن الدراهم التي أمر بقبضها من مديونه كأنها
قائمة وقد تصدق من ماله مع قيامها فلا يكون متبرعا، فظهر أنه لا وجه للاستدراك بنعم لأنها لا
تنافي ما قبلها، فإن قيام الدين في ذمة المديون كقيام المال في يد الوكيل. ط و ح. قوله: (جاز
استحسانا) أي جاز قضاء لا ديانة، لأنه لم يأمره بالشراء بمال معين بل بمال في ذمة المديون فكان
بمنزلة ما لو كانت الدراهم عنده كما علمت. قوله: (ومال اليتيم غائب) والحاضر كذلك بالأولى ح.
قوله: (جامع الفصولين) عبارته كما في البحر: نقد من ماله ثمن شئ شراه لولده ونوى الرجوع
يرجع ديانة لا قضاء ما لم يشهد، ولو ثوبا أو طعاما وأشهد أنه يرجع فله أن يرجع لو له مال وإلا فلا
لوجوبهما عليه. حلبي. ولو قنا أو شيئا لا يلزمه رجع، وإن لم يكن له مال لو أشهد وإلا لا، ولو
أنفق عليه الوصي من ماله ومال اليتيم غائب وهو متطوع إلا أن يشهد أنه قرض عليه أو أنه يرجع ا
ه‍.
ونقل الشارح في آخر كتاب الوصايا ما يوافق هذا وما يخالفه، فقد اضطرب كلام أئمتنا في
الرجوع مطلقا أو بالاشهاد عليه، والتحرير ما في أدب الأوصياء عن المحيط أن في رجوع الوصي بلا
إشهاد للرجوع اختلاف المشايخ.
والذي حرره سيدي الوالد ثمة أن في المسألة قولين: أحدهما عدم الرجوع بلا إشهاد في كل من
الأب والوصي. والثاني اشتراط الاشهاد في الأب فقط، ومثله الام والوصي على أولادهما، وعللوه
بأن الغالب من شفقة الوالدين الانفاق على الأولاد للبر والصلة لا للرجوع، بخلاف الوصي الأجنبي

810
فلا يحتاج في الرجوع إلى الاشهاد، والقول الأول استحسانا والثاني قياس، ومقتضاه ترجيح الأول
وعليه مشى المصنف هنا، وهذا كله في القضاء، والله تعالى أعلم. ا ه‍. وتمامه وتمام الفوائد على ذلك
هناك فراجعه إن شئت. قوله: (فروع) تكرار مع ما يأتي قريبا أول الباب. قوله: (الوكالة المجردة) أي
عن حضور خصم ما جاحد أو مقر بها. قال في الكافي: ولا يجوز إثبات الوكالة والولاية بلا خصم
حاضر، وقدمنا أنه لا يثبت التوكيل بشهود مضمون الحجة ما لم يشهد الشهود بالتوكيل بناء على دعوى
صحيحة فراجعه. قوله: (لا تدخل تحت الحكم) يعني لا تثبت بسماع القاضي. قال المولى عبد الحليم:
الوكالة المجردة ولو كانت وكالة عامة لا تتضمن الامر بالأداء ولا الضمان، ومن ذلك تفرع على ذلك
أنه لا جبر على الوكيل بالاعتاق والتدبير والكتابة والهبة من فلان والبيع وطلاق فلانة وقضاء دين فلان
إذا غاب الموكل ولا يحبس الوكيل بدين موكله ولو كانت وكالة عامة إلا إن ضمن كما في الأشباه.
اعترض عليه أن قارئ الهداية سئل: هل يحبس الوكيل في دين وجب على موكله إذا كان
للموكل مال تحت يد وكيله وامتنع الوكيل من إعطائه سواء كان الموكل حاضرا أو غائبا؟ أجاب: إنما
يجبر على دفع ما ثبت على موكله من الدين إذ ثبت أن الموكل أمر الوكيل بدفع الدين أو كان كفيلا،
وإلا فلا يحبس ا ه‍.
قلت: هذا الاعتراض ساقط عن آخره، لما أن ما في الأشباه مبتنية على الوكالة المجردة وهي لا
تتضمن الامر بالأداء ولا الضمان فيكون متبرعا في فعله ما لم يؤمر به ولم يتعلق حق الغير بوكالته
فيكون كالواهب حيث لا يجبر على التسليم. قوله: (وبيانه في الدرر) يستغني عنه بما سيأتي من قول
المصنف أول الباب الآتي ولا يصح الحكم بها مقصودا قال فيها نقلا عن الصغرى: الوكيل بقبض
الدين إذا أحضر خصما فأقر بالتوكيل وأنكر الدين لا تثبت الوكالة، حتى لو أراد الوكيل إقامة البينة
على الدين لا تقبل، وإذا ادعى أن فلانا وكله بطلب كل حق له بالكوفة وبقبضه والخصومة فيه وجاء
بالبينة على الوكالة أو الموكل غائب ولم يحضر الوكيل أحد للموكل قبله حق فإن القاضي لا يسمع من
شهوده حتى لا يحضر خصما جاحدا ذلك ومقرا به فحينئذ يسمع ويقرر الوكالة فإن أحضر بعد ذلك
غريما يدعي عليه حقا للموكل لم يحتج إلى إعادة البينة، ولو كان يدعي أنه وكله بطلب كل حق له قبل
إنسان بعينه يشترط حضرة ذلك بعينه، ولو أثبت ذلك بمحضر من ذلك المعين ثم جاء بخصم آخر
يدعي عليه حقا يقيم البينة على الوكالة مرة أخرى. ا ه‍. ثم قال فيها بعده: لو أقام الوكيل بقبض كل
حق بينة شهدت دفعة على الوكالة، وعلى الحق للموكل على المدعى عليه. قال أبو حنيفة: تقبل على
الوكالة لا غير، فإذا قضى بها يؤمر الوكيل بإعادة البينة على الحق للموكل على المدعى عليه. وعندهما
تقبل على الآمر ويقضي بالوكالة أولا ثم بالمال، وكذا الخلاف في دعوى الوصاية أو الوراثة مع المال ا
ه‍. فقوله ولم يحضر الوكيل أحدا: أي من الكوفة للموكل من قبله حق: أي عليه حق للموكل سواء
كان مقرا بتوكيله أو جاحدا، وهو المراد من إطلاقه وتعميمه، وقوله قبله نصب على نزع الخافض
متعلق بحق وهو مبتدأ خبره للموكل والجملة صفة أحدا، وذلك إشارة إلى التوكيل، كما أن الضمير
المجرور في به عائد إليه: يعني إذا أحضر خصما جاحدا أو مقرا يسمع القاضي دعوى وكالته ويقبل
بينته عليها، هذا هو المراد لا أنه ثبتت وكالته بالاقرار، ويتقرر مطلقا من غير حاجة إلى البينة كما ظن.

811
قوله: (صح التوكيل بالسلم) أي الاسلام بأن يدفع الدراهم لانسان ليسلمها على بر مثلا فهو جائز
كالبيع والشراء، وقد تقدم التنبيه على هذه المسألة في باب الوكالة بالبيع والشراء حيث قال هناك:
والمراد بالسلم الاسلام لا قبول السلم فإنه لا يجوز. ابن كمال. وأوضحناه بعبارة الزيلعي فراجعه.
وفي شرح الوهبانية قال في المبسوط: وإذا وكله أن يأخذ الدراهم في طعام مسمى فأخذها
الوكيل ثم دفعها إلى الموكل فالطعام على الوكيل، وللوكيل على الموكل الدراهم قرض لان أصل التوكيل
باطل، لان المسلم إليه أميره ببيع الطعام من ذمته إلى ذمة الوكيل، ولو أمره أن يبيع عين ماله على أن
يكون الثمن على الآمر كان باطلا، فكذلك إذا أمره أن يبيع طعاما في ذمته وقبول السلم من صنيع
المفاليس فالتوكيل به باطل ا ه‍. قوله: (لا بقبول عقد السلم) فإذا وكله أن يأخذ الدراهم في طعام
مسمى فأخذها الوكيل إلى آخر ما قدمناه في المقولة السابقة. قوله: (فللناظر أن يسلم الخ) فرعه على ما
قبله لأنه كالوكيل على ما صرحوا به، وفي هذه العبارة إيجاز ألحقها بالألغاز، وهي مشتملة على
مسألتين:
إحداهما: يجوز للقيم أن يسلم من ريع الوقف في زيته وحصره كالوكيل بعقد السلم ثم رأس
المال، وإن ثبت في ذمته كالمسألة السابقة فهو مأمور بدفع بدله من غلة الوقف، وليس المراد ثبوته في
الذمة متأخرا ليفسد العقد، بل المراد أنه كالثمن ثبت في الذمة ثم ما يعطيه يكون بدلا عما وجب وهنا
يعطيه في المجلس، كالتوكيل بالشراء يصح وإن لم يكن الثمن ملكه. أو نقول: الثمن هنا معين: أي
رأس مال السلم لان مال الأمانة يتعين بالتعيين.
ثانيتهما: قد علمت أن قيم الوقف وكيل الوقف، والوكالة أمانة لا يصح بيعها، ولما اشتهرت
أن ذلك لا يصح جعل النظار له حيلة إذا أرادوا أن يجعلوا في القرية أمينا يحفظ زرعها ويقررون له على
ذلك جعلا، وهي أن يأمروه بعقد السلم ويستلموا من الوكلاء على ما هو مقرر لهم باطنا، فالغلة
المسلم فيها تثبت في ذمة الوكيل، ولو صرفها من غلة الوقف ضمنها، ولو صرف مال المسلم على
المستحقين لم يرجع به في غلة الوقف وكان متبرعا لأنه صرف مال نفسه في غير ما أذن له فيه تخريجا
عن المسألة السابقة لأنه توكيل بقبول السلم. هذا حاصل ما ذكره شراح الوهبانية في هذا المحل، وقد
صعب علي فهم هذا الكلام ولم يتلخص منه حاصل مدة طويلة حتى فتح المولى بشئ يغلب على ظني
أنه هو المراد في تصوير هذه الحيلة في المسألة الثانية. وهي أن شخصا يكون ناظرا على وقف فيريد أن
يجعل أمينا قادرا عليه بحيث ينتفع هو عاجلا والأمين آجلا، فإذا أخذ من الأمين شيئا على ذلك ليقوم
مقامه ويأخذ مستغلات الوقف بدلا عن الجعل فهو لا يجوز لأنه بيع الوكالة في المعنى، لما علمت أن
الناظر وكيل الواقف، وهذا يفعل في زماننا كثير في المقاطعات والأوقاف ويسمونه التزامات، فإذا
تحيل له بهذه الحيلة وهي أن يأخذ الناظر من الأمين مبلغا معلوما سلما على غلة الوقف ليصرفه ويأخذ
منه ما عينه له الواقف من العشر مثلا ويستغل ذلك الأمين غلة الوقف على أنه المسلم فيه ليحصل
للناظر نفع بنظارته وللأمين بأمانته فهو أيضا لا يجوز، لان الناظر وكيل عن الواقف فكأنه صار وكيلا
عن الواقف في قبول عقد السلم وأخذ الدراهم على الغلة الخارجة، وقد علمت أن الجائز التوكيل بعقد
السلم لا بقبوله، فإذا أخد الدراهم وصرفها على المستحقين يكون متبرعا صارفا من مال نفسه وثبتت
الغلة في ذمته فيلزمه مثلها، هذا ما ظهر لي. ثم لا يخفى أن هذا كله إنما يكون بعد بيان مقدار المسلم

812
فيه مع سائر شروط السلم، وإلا فيكون فساده من جهة أخرى كما لا يخفى، والله تعالى أعلم. أفاده
سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله: (به) أي بقبول السلم. قوله: (من يجعله) أي متولي الوقف بمقابلة
جعل يتراضيان عليه كما علمت. قوله: (أمينا) مفعول يجعل. قوله: (فيأمره بعقد السلم) فيما يخرج
من حبوب أرض الوقف وهذا هو محط الفائدة، وإنما لم يجز لما علمت. قوله: (ويستلم) أي يقبض
قدر ما تراضيا عليه من الجعل بجعله أمينا على القرية. قوله: (لأنه) أي متولي الوقف. قوله: (لا يصح
بيعها) أي الوكالة التي هي أمانة، فلا يصح التزام الجعل في مقابلتها: أي ولا الحيلة التي اصطنعها
لان التوكيل في قبول الاستلام باطل. قوله: (وتمامه في شرح الوهبانية) حاصله أنه فيه أربع مسائل:
الأولى: التوكيل بالسلم جائز كالبيع والشراء وهي معروفة وتقدمت. الثانية: لا يجوز التوكيل
بقبول عقد السلم وقد علمته مما تقدم أيضا. الثالثة: قيم الوقف وكيل الواقف والوكالة أمانة لا يصح
بيعها إلى آخر ما تقدم أيضا. الرابعة: يجوز للقيم أن يسلم من ريعه في زيته وحصيره بمنزلة الوكيل
بعقد السلم ورأس المال، وإن ثبت في ذمته فهو مأمور بدفع بدله من غلة الوقف، وليس المراد ثبوته
في ذمته متأخرا فيفسد العقد، بل المراد أنه كالمترتب في الذمة ثم يعطيه يكون بدلا عما وجب كما
تقدم، واستغفر الله العظيم.
باب عزل الوكيل
من إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله، وأخره عن الوكالة لما أنه يقتضي سبق ثبوتها وهو
رافعها فناسب ذكره آخرا. قوله: (الوكالة من العقود الغير اللازمة) لأنها عقد تبرع ولا لزوم في
التبرعات إلا بعد استيفائها، والوكالة العارية ينعقدان على أمر مستقبل فلا يلزمان فيه قبل وجوده.
قوله: (فلا يدخلها خيار شرط) تفريع على عدم اللزوم، لان الامر اللازم ربما تتبين مضرته فيعقبه
الندم فشرع فيه الخير لدفع ما يتوقع ولا حاجة فيه للامر الغير اللازم. قوله: (ولا يصح) أي ويتفرع
أيضا على عد لزومها عدم صحة الحكم بها مقصودا لأنه لا فائدة في ذلك حيث لم تكن لازمة، لكنها
تصح في ضمن دعوى صحيحة ليتمكن من الجري على مقتضاها، وهذا ما قدمه في الفروع من قوله
الوكالة المجردة الخ. قوله: (وبيانه في الدرر) تقدم نقل عبارتها قريبا. قوله: (فللموكل العزل متى
شاء) حيث لم تكن لازمة من الجانبين فللموكل الخ: أي هذا هو الأصل فيها، وقد تصير لازمة
لعارض تعلق حق الغير كما بينه بقوله ما لم الخ وإنما يتوقف بطلان الوكالة على العزم إذا لم ينته
الامر، فإذا بلغ نهايته انعزل بلا عزل كما يأتي. قال الرملي: أطلق العزل فشمل ما لو وكله وشرط
على نفسه عدم العزل أو مدة حياته أو أبدا كما هو ظاهر، فقد صرح في الاسعاف أن منصوب
الواقف كالوكيل عنه فيملك عزله متى شاء وإن شرط أنه لا يعزل، والله تعالى أعلم. قوله: (كوكيل
خصومة) أي عن المطلوب وهو تمثيل لمدخول النفي: أي ليس له عزله وإن علم به الوكيل لتعلق حق

813
الغير به. قال في الفصول: وهذا إذا علم الوكيل بالوكالة، وإن لم يعلم بها فله عزله كل حال.
قال في البحر: ثم يطرأ على الوكالة اللزوم في مسائل: منها الوكالة ببيع الرهن سواء كانت
مشروطة في عقد الرهن أو بعده على الأصح فتلزم كالرهن. ومنها الوكالة بالخصومة بالتماس الطالب
عند غيبة المطلوب، لأنه إنما خلى سبيله اعتمادا على أنه يتمكن من إثبات حقه متى شاء، فلو جاز
عزله لتضرر به الطالب عند اختفاء المطلوب، بخلاف ما إذا كان المطلوب حاضرا أو كانت الوكالة من
غير التماس الطالب أو كانت من جهته لتمكينه من الخصومة مع المطلوب في الوجه الأول ولعدم تعلق
حقه بالوكالة في الوجه الثاني إذ هو لم يطلب، وفي الوجه الثالث العزل إلى الطالب وهو صاحب
الحق، فله أن يعزله ويباشر الخصومة بنفسه، وله أن يتركها بالكلية، وعلى هذا قال بعض المشايخ: إذا
وكل الزوج بطلاق زوجته بالتماسها ثم غاب لا يملك عزله وليس بشئ بل له عزله في الصحيح،
لأن المرأة لا حق لها في الطلاق. ا ه‍. قال العلامة قاسم زياد في التعليل: ولأن الزوج غير مجبور على
الطلاق وعلى التوكيل به، وإنما جعله وكيلا باختياره فيملك عزله كما في سائر الوكالات. ا ه‍.
وعلى هذا قالوا: لو قال الموكل للوكيل كلما عزلتك فأنت وكيلي لا يملك عزله، لأنه كلما عزله
تجددت الوكالة له، وقيل ينعزل بقوله كلما وكلتك فأنت معزول.
وقال صاحب النهاية: إنه يملك عزله بأن يقول عزلتك عن جميع الوكالات فينصرف ذلك إلى
المعلق والمنفذ وكلاهما ليس بشئ، ولكن الصحيح إذا أراد عزله وأراد أن لا تنعقد الوكالة بعد العزل
أن يقول رجعت عن المعلقة وعزلتك عن المنجزة، لان ما لا يكون لازما يصح الرجوع عنه والوكالة
منه زيلعي ملخصا. وسيأتي قريبا نظيره عن البزازية. قوله: (كما سيجئ) أي قريبا. قوله: (ولو
الوكالة دورية) كقوله كلما عزلتك فأنت وكيلي، ثم لا يخلو إما أن يكون مبالغة على قوله فللموكل
العزل أو على قوله ما لم يتعلق به حق الغير فعلى الأول يكون المعنى أن له العزل ولو كانت الوكالة
دورية والمبالغة حينئذ ظاهرة، وعلى الثاني أنه ليس له العزل في الوكالة الدورية. وعلى كل ففي كلام
الشارح مناقشة، أما على الأول فلمنافاته لقوله وسيجئ عن العيني خلافه لان الذي سيجئ أن له
العزل فليس خلافه. وأما على الثاني فلانه يقتضي أنه مما تعلق به حق الغير وليس كذلك، لان من
يقول بعدم عزله في الوكالة الدورية يقول إنه لا يمكن، لأنه كلما عزله تجددت له وكالة، وقوله في
طلاق وعتاق يحتمل أنه حال من الوكالة الدورية، ويحتمل أنه مسألة أخرى من مدخول لو أيضا: أي
ولو في طلاق وعتاق لا بقيد كونه في الوكالة الدورية، وفي كل مناقشة أيضا، لان البزازي لم يصحح
شيئا منهما، بل قال: وكله غير جائز الرجوع. قال بعض المشايخ: ليس أن يعزله في الطلاق
والعتاق، وقال بعض مشايخنا: له العزل وليس فيه رواية مسطورة. وقال قبله: وعزل الوكيل بالطلاق
والنكاح لا يصح بلا علم، لأنه وإن لم يلحقه ضرر لكنه يصير مكذبا فيكون غررا ا ه‍. نعم يصح
حمله على الثاني إن جعلت المبالغة على قوله فللموكل عزله.
ولا يرد حينئذ عليه أنه مما لا حق فيه للغير كما سيصرح به، والظاهر أن قوله وسيجئ عن
العيني خلافه وقع من سهو القلم ولو حذفه لاستقام الكلام وانتظم.
والعبارة الجيدة أن يقال: فللموكل العزل متى شاء ولو الوكالة دورية ما لم يتعلق به حق الغير

814
كوكيل خصومة بطلب الخصم يشترط علم الوكيل ولو في طلاق وعتاق. أفاده سيدي الوالد رحمه الله
تعالى.
قال في البزازية: وإذا أراد الموكل عزله عن الوكالة الدورية كيف يعزله؟ قيل: يقول عزلتك كلما
وكلتك، وأنه لا يصح لان فيه تعليق العزل بالشرط حيث قال: إن صرت وكيلي فأنت معزول، ولأن
المعلقة بالعزل غير ثابتة فكيف يصح العزل عنه؟ واختار شمس الأئمة أن يقول: عزلتك عن الوكالات
كلها أو عزلتك عن ذلك كله، وأنه أيضا مشكل، لان الاخراج قبل الدخول في ذلك الشئ لا يتصور
والعزل إخراج والمعلقة غير نازلة فلا يتصور الاخراج. قال الفقيه أبو جعفر والامام ظهير الدين: يقول
رجعت عن المعلقة وعزلته عن المنفذة، ولا يقدم العزل عن المنفذة على الرجوع عن المعلقة لأنه إذا قدم
العزل عن المنفذة تنجز وكالة أخرى من المعلقة فلا ينعزل بعد عنها بالرجوع عن المعلقة. ا ه‍.
قال في البحر: ثم اعلم أنه لو قال كلما وكلتك فأنت معزول لم يصح. والفرق أن التوكيل
يصح تعليقه بالشروط والعزل لا كما صرح به في الصغرى والصيرفية، فإذا وكله لم ينعزل. ا ه‍. وهذا
بخلاف ما يأتي قريبا في كلام الشارح عن العيني فتنبه، وسيأتي آخر الكتاب في مسائل شتى، قوله:
(في طلاق وعتاق) قال الطحطاوي عازيا للخلاصة: المختار أنه يملك عزله بمحضر منه، إلا في
الطلاق والعتاق والتوكيل بسؤال الخصم.
وفي منية المفتى قال مشايخنا: يملك عزله في الفصول كلها، وهذا إن شاء الله هو المعتمد.
بحر: أي في غير التوكيل بسؤال الخصم. قوله: (على ما صححه البزازي) قدمنا قريبا عبارته. وعلل
أيضا بأن الوكيل ينعزل ما لم يتعلق به حق الغير أو كانت دورية في طلاق وعتاق صيانة لحق الغير فيما تعلق به، ولأن الطلاق والعتاق يتعلقان بالاخطار فكانا يمينين، ولا يصح الرجوع عن اليمين. هذا
خلاصة ما حرره البزازي وقد علمت ضعفه. قوله: (وسيجئ الخ) أي قريبا حيث أطلق في قوله ولا
قوله كلما عزلتك فأنت وكيلي ولم يفرق بين طلاق وعتاق وغيرهما: تأمل، لكن الشارح ساق ما يأتي
قريبا في مقام عزل الوكيل نفسه، وهنا في عزل الموكل وكيله. قوله: (بشرط علم الوكيل) فلو أشهد
على العزل في غيبة الوكيل لم ينعزل. بحر. وإنما لا ينعزل إذا لم يبلغه لأنه نهى بعد الامر فلا يعمل
دون العلم، وفقهه أنه يلزم الوكيل ضرر، ومحل اشتراط علم الوكيل إذا علم بالوكالة، أما إذا وكله ولم
يعلم بها فله عزله وإن لم يعلم به. بزازية. لكن نظر فيه سيدي الوالد رحمه الله تعالى بأنه قبل علمه لا
يكون وكيلا، حتى لو باع لا ينفذ ولا يكون بيعه إجازة للوكالة، بخلاف الوصي، وحينئذ فعزله قبل
علمه ليس عزلا حقيقة. تأمل. قوله: (كالرسول) فإنه ينعزل وإن لم يعلم، ولا يتوقف عزله على
علمه: أي مطلقا، ولو قصديا لأنه مبلغ عبارته فعزله رجوع عن الايجاب. مقدسي. قوله: (ولو)
وصلية: أي له العزل في الوكالة المنجزة، وفي المعلقة على شرط بعد وجوده وقبله. قوله: (عزله)
بصيغة المصدر مبالغة على قوله فللموكل العزل. قوله: (به يفتى) كذا في الصغرى، وقيل لا يصح لان
العزل لا يتصور إلا بعد تحقق الوكالة وهي لم تتحقق بعد. قوله: (وبكتابة مكتوب بعزله) أي إن وصل

815
إليه المكتوب كما سيأتي في الفروع آخر الباب. قوله: (وإرساله رسولا) أي ووصل إليه أيضا. منية.
قوله: (مميزا) خرج المجنون والمعتوه والصبي الذي لا يميز ط. وله: (ذكره المصنف في متفرقات
القضاء) وقدمنا الكلام عليه هناك مستوفي فراجعه. قوله: (إذا قال الرسول الخ) قال المصنف في
متفرقات القضاء: وظاهر ما في العمادية أنه لا بد أن يقول له إني رسول بعزلك. ا ه‍. ونقلناه ثمة عن
البحر. قوله: (الموكل أرسلني الخ) الجملة مقول القول، واحترز به عما إذا أشهد على عزله حال غيبة
الموكل فإنه لا ينعزل. كذا وقع التعبير بالموكل في البحر والحموي والمنح، ولعل الأولى الوكيل لتظهر
فائدة الاحتراز ط. قوله: (ولو أخبره الخ) ومنه الرسول الذي لم يقل أرسلني إليك لأبلغك الخ.
قوله: (عددا أو عدالة) منصوب على الحال المبينة أو مفعول لمحذوف تقديره: أعني أو على تمييز المبهم
في أحد شطري الشهادة، وهذا على قول الإمام الأعظم فلا يثبت بخبر المرأة والعبد والصبي وإن وجد
العدد أو العدالة، كما قدمنا التنبيه عليه في شتى القضاء، وقدمنا أيضا أن العدالة لا تشترط في العدد،
فراجعه إن شئت. قوله: (كأخواتها) أي أخوات الوكالة. قوله: (المتقدمة في المتفرقات) وهي إخبار
السيد بجناية عبده، والشفيع بالبيع، والبكر بالنكاح، والمسلم الذي لم يهاجر بالشرائع، والاخبار بعيب
لمريد شراء، وحجر مأذون، وفسخ شركة، وعزل قاض، ومتولي وقف ا ه‍: أي فإنها يشترط فيها
إحدى شطري الشهادة كما تقدم. قوله: (قبل) أي خبره. قوله: (اتفاقا) يوهم أنه مما قدمه وليس
كذلك. وعبارته هناك: ولا يثبت عزله إلا بإخبار عدل أو فاسق إن صدقه. عناية.
قال في منية المفتي: وبخبر واحد غير عدل إن صدقه انعزل، وإلا فلا في قول الإمام وإن ظهر
صدق الخبر. وقالا: ينعزل إذا ظهر صدق الخبر وإن كذبه ا ه‍. فهذا ينافي حكاية الاتفاق. قوله:
(وفرع على عدم لزومها من الجانبين) لم يذكر المصنف سابقا إلا كونها من العقود الغير اللازمة. وأما
كون عدم اللزوم من جانب أو من جانبين فلم يتعرض له فلا وجه للتفريع. والأولى كما فعله المصنف
أن يكون قوله وعدم اللزوم مبتدأ، وقوله: من الجانبين خبر: أي وعدم اللزوم المتقدم في عبارته
ثابت من الجانبين فعدم لزومه من جانب الموكل قد سبق، وهنا بين عدمه من جانب الوكيل بأنها لما
كانت غير لازمة من جانب الموكل فللموكل العزل، ولما لم تكن لازمة من جانب الوكيل فللوكيل عزل
نفسه، وكما يشترط هناك عدم تعلق حق الغير يشترط هناك عدم تعلق حق الغير يشترط هنا علم موكله صيانة لحقه لاعتماده على صحة
وكالته، فلو صح أن يعزل نفسه بدون علمه لكان فيه تغرير للموكل. قوله: (فللوكيل) خبر مقدم
عزل نفسه إذا علم موكله، فإن علم انعزل إلا إذا تعلق به حق الغير كما تقدم فإنه لا ينعزل بعزل
الموكل الصريح إلا بعلم الخصم فكذا هذا، وتأمله ط. قوله: (أي بالخصومة) تفسير لما يتقيد بعلم
موكله. قوله: (وبشراء المعين) كما إذا وكله بأن يشتري له عبدا معينا، فإذا أراد الوكيل أن يشتريه
لنفسه أو يوكل من يشتريه له فاشتراه فهو للأول، لأنه لا يملك عزل نفسه عند غيبة الآمر، إلا إذا

816
اشتراه بأكثر مما وكل به أو بخلاف ما وكل به. بزازية. قوله: (لا الوكيل بنكاح) أي فإنه لا يتقيد
بعلم الموكل، وحينئذ فلو عزل نفسه ثم باشر ما وكل به لنفسه أو لغيره يصح لعدم تقيد عزله حينئذ
بعلم الموكل، بل بمجرد مباشرة العقد يصير تاركا للوكالة لمخالفته الآمر. قوله: (وبيع ماله) أي مال
الموكل. قوله: (وبشراء شئ بغير عينه) أي لو وكله بشراء عبد مثلا فاشترى عبدا ليس للموكل أخذه
ويقول له أنت وكيلي لأنه لا يقع للموكل في غير المعين ما لم ينوه له أو ينقد الثمن من ماله أو يضيف
العقد إلى دراهمه.
والحاصل: أن الموكل له أن يعزل نفسه في هذه الأشياء وإن لم يعلم الموكل لعدم تضرره، وكان
الأولى أن يذكر هذه الجملة بعد قوله شرط علم موكله قوله: (كما في الأشباه) عبارتها: لا يصح
عزل الوكيل نفسه إلا بعلم الموكل إلا الوكيل بشراء شئ بغير عينه أو بيع ماله، وكذا الوكيل بالنكاح
والطلاق والعتاق فانحصر في الوكيل بشراء شئ معين والخصومة ا ه‍. قوله: (عزل نفسه) أي عن
الوكالة وهو مبتدأ مؤخر.
قال الزيلعي: عزل نفسه عن الوكالة ثم تصرف فيما وكل إليه قبل علم الموكل العزل صح
تصرفه فيه. ا ه‍.
قال الباقاني: لا يصح عزله نفسه، ولا يخرج عن الوكالة قبل علم الموكل ا ه‍. قوله: (وإمام)
أي إمام الجمعة، حتى لو عزل نفسه وعاد وصلى بالناس صحت صلاته ولا يحتاج إلى إذن جديد ما لم
يعلم الخليفة بعزل القاضي نفسه والامام، وكذا والى البلدة من قبله لأنه في انعزالهم قبل علمه تغريرا
وضررا بالمسلمين كما يأتي نقله موضحا قريبا. قوله: (وإلا) يعلم لا يصح العزل إلا بعلم المولى.
ونص الجواهر: لا ينعزل إلا إذا علم به السلطان ورضي بعزله كما يأتي في المقولة الثانية نص
عبارتها تماما. قوله: (قوله كما بسطه في الجواهر) أي حيث سئل عن قاضي بلدة عزل نفسه عن
القضاء والسلطان الذي ولاه القضاء في بلد آخر هل ينعزل بعزل نفسه حتى لو جلس في بيته أياما
ويقول عزلت نفسي عن القضاء ثم خرج بشفاعة الناس وجلس للقضاء هل ينفذ؟ أجاب: لا ينعزل
إلا إذا علم به السلطان ورضي بعزل نفسه. وهذا كالوكيل بشراء شئ معين لما فيه من تغرير الموكل،
كذلك ها هنا الامام والسلطان لما فوض هنا الامر إليه فقبل، فقد انتقل هذا الامر عن السلطان إليه
ووجب عليه القيام، كذا الامام في باب الصلاة إذا صار إماما لزمه القيام بها ولم يكن له أن يعزل نفسه
إلا إذا صار بحال لا يمكنه المضي فيها فحينئذ يستحق العزل، وإنما ينعزل بإقامة غيره مقام نفسه حتى
لا تبطل صلاة القوم، فكذلك هنا ما دام أهلا للقضاء لا يملك عزل نفسه لما فيه من تغرير السلطان
وإبطال حقوق المسلمين، فإذا عزل نفسه وعلم السلطان أنه يعجز عن القيام به فإنه يخرجه عنه ويكون
إخراجه بإقامة غيره مقامه كما في الصلاة إذا سبقه الحدث ينعزل بالاستخلاف، وإلا فلا، وإن لم
ينعزل بعزله نفسه فله أن يعود لقضائه لقيام ولايته كما كانت ا ه‍. نقله الحلبي. قوله: (إن بغير حضرة
المديون) أي إن صدر التوكيل بغير حضرة المديون. قوله: (وإن وكله بحضرته لا لتعلق حقه به) أي

817
لأنه يلحقه به مضرة وتغرير، لأنه قد يدفع المال إلى الوكيل لما علم من الوكالة، فلو صح عزله بدون
علمه لكان مغرورا بذلك حيث دفع لغير وكيل مع اعتماده على ما علم من وكالته، ولا يندفع ذلك
التغرير إلا إذا علم بالعزل، والظاهر أنه يلحق به ما إذا وكله بغير حضرته فبلغته الوكالة فينبغي أن
يتوقف عزله حينئذ على علمه لأنه علمه مثل حضوره. أفاده الرحمتي. قوله: (ولو عزل العدل) العدل
فاعل عزل، والظاهر أن التقييد به جرى على الغالب، وإلا فالتوكيل ببيع الرهن لا يقتصر على العدالة،
والمراد به الموكل ببيع الرهن في عقد الرهن وأن يوفي الدين من ثمنه لا يصح عزله، سواء كان
الوكيل العدل أو غيره كم يأتي التصريح به، والمراد بالعدل من وضع الرهن على يده غير الراهن
والمرتهن باتفاقهما عليه، فلو شرط في عقد الرهن أن يبيعه ويفي الدين بثمنه أو وكل غيره أجنبيا أو
لمرتهن لا يملك عزله لتعلق حق المرتهن به. وله: (الموكل) بالبناء للمجهول صفة للعدل. قوله:
(نفسه) مفعول عزل قوله: (بحضرة المرتهن) متعلق بعزل ويعلم منه حكم ما إذا كانت بغير حضرته.
قوله: (إن رضي) أي المرتهن. قوله: (بطلب المدعي) أما إذا كانت بغير طلبه فيصح عزله وإن كان فيه
إبطال حق الطالب من حيث إن حقه يفوت برضاه لأنه لم يلتمس منه وكيلا بالخصومة. كذا في غاية
البيان. قوله: (عند غيبته) أي غيبة الخصم الموكل وهو متعلق باسم الإشارة في قوله كذا، فإن معناه
أنه لا يملك عزل نفسه بدون رضا الخصم عند غيبة المدعى عليه يكون متعلقا بقوله عزله أما عند
حضور المدعى عليه فيملك الوكيل عزل نفسه لعدم الضرر. قوله: (وليس منه) أي مما تعلق به حق
الغير حتى لا يملك عزل نفسه مراعاة له.
والحاصل: أنه لو وكل رجلا بالخصومة ثم عزله حال غيبة الخصم فهذا على وجهين:
الأول: إن كان وكيل الطالب فيصح عزله وإن كان المطلوب غائبا. والثاني: بأن كان وكيل
المطلوب فهذا على وجهين:
الأول: أن يكون التوكيل من غير التماس أحد، وفي هذا الوجه العزل صحيح، وإن كان
الطلب غائبا. والثاني: أن يكون التوكيل بالتماس الخصم، وفي هذا الوجه إن كان الوكيل غائبا وقت
التوكيل أو لم يعلم بالتوكيل صح عزله على كل حال، وإن كان حضرا وقت التوكيل أو غائبا لكن
علم بالوكالة ولم يردها لا يصح عزله حال غيبة الطالب ويصح حال حضرته رضي به أو سخط كما
في مشتمل الاحكام. قوله: (لأنه لا حق لها فيه) قال العلامة المقدسي: فلو أبرأته بشرط الطلاق
فوكل به ينبغي أن لا يملك عزله. ط عن الحموي. ونص عبارته: لو وكل بطلاق فغاب لا يملك
عزله.
قلت: فلو أبرأته بشرط الطلاق فوكل به ينبغي أن لا يملك عزله، والصحيح أن له العزل لان

818
المرأة لا حق لها في الطلاق ا ه‍. قوله: (ولا قوله كلما عزلتك فأنت وكيلي) معطوف على توكيله: أي
فإنه لم يتعلق به حق الوكيل. قوله: (لعزله) قدمنا عن الزيلعي، وكذا عن البزازية طرق عزله عن
الوكالة الدورية وما هو الصحيح فيها، ورد ما ذكره هنا بأنه لا ينعزل بقوله كما وكلتك فأنت معزول
فلا تغفل. يؤيده ما ذكره الحموي. وقيل ينعزل بقوله كلما وكلتك فأنت معزول، وهذا غير صحيح
لأنه تعليق العزل بالشرط وهو باطل. قوله: (كجحود الموكل بقوله لم أوكلك لا يكون عزلا) كذا في
البحر عن الزيلعي.
قال في المنح بعد نقل عبارة الزيلعي: لكن ذكر الشارح المذكور في كتاب الوصايا أن جحود
التوكيل يكون عزلا. وذكر في مسائل شتى بعد كتاب القضاء أن جميع العقود تنفسخ بالجحود إذا وافقه
صاحب بالترك، إلا النكاح فينبغي حمل في الوصايا على ما إذا وافقه الوكيل على ترك الوكالة. والله
تعالى أعلم. ا ه‍. قوله: (وحمله المصنف) بناء على ما ذكره الزيلعي في مسائل شتى من القضاء أن جميع
العقود تنفسخ بالجحود إذا وافقه صاحبه بالترك ا ه‍. ولا معنى لهذا الحمل لأنه إنما يحتاج لموافقة
صاحبه في العقود اللازمة والوكالة من العقود الجائزة الغير اللازمة فلا معنى لتوقفها على موافقة صاحبه
لأنه لا حق له بها. تأمل. قوله: (لكن أثبت القهستاني اختلاف الرواية) وكذا نقله السيد الحموي عن
الولوالجية حيث قال: وفيها في الفصل الثاني من الوصايا. لو جحد الوصاية فهو رجوع. ثم قال:
وفي الجامع الكبير لا يكون رجوعا فيه روايتان، وعلى الخلاف جحود الوكالة من الوكيل أو الموكل
وجحود الشركة وجحود الوديعة من المودع وجحود المتبايعين أو المستأجرين، والصحيح غير ما في
الجامع أنه يكون رجوعا، وعليه الفتوى لان الجحود صار مجازا عن الفسخ حتى لا يلغو. ا ه‍.
قال العلامة المقدسي: يحتمل أن التصحيح في خصوص الوصية أو في الجميع ا ه‍.
قلت: والمتبادر الثاني ط. قوله: (وقدم الثاني) وهو كون الجحود عزلا. قوله: (وعلله الخ) هذا
يؤيد ما قلنا: إن التصحيح راجع إلى الجميع ط. قوله: (وفي رواية لم ينعزل بالجحود) قد علمت أن
الفتوى على العزل بالجحود وأنه الصحيح.
وفي شرح القهستاني: ويدخل فيه: يعني العزل جحود الوكالة فإن جحود ما عدا النكاح فسخ،
وفي رواية: لم ينعزل بالجحود وهي مرجوحة. قوله: (وينعزل الوكيل الخ) وفي شركة العناية: يشكل
على هذا أن من وكل بقضاء الدين فقضاه الموكل ثم قضاه الوكيل قبل العلم لم يضمن مع أنه عزل
حكمي. وأجيب بأن الوكيل بقضاء الدين مأمور بأن يجعل المؤدي مضمونا على القابض، لان الديون
تقضى بأمثالها، وذلك يتصور بعد أداء الموكل ولذا يضمنه القابض لو هلك، بخلاف الوكيل بالتصدق

819
إذا دفع بعد دفع الموكل، فلو لم يضمن الوكيل يتضرر الموكل لأنه لا يتمكن من استرداد الصدقة من
الفقير ولا تضمينه. ا ه‍. بنوع تصرف. قوله: (فزوجه الوكيل) أي ينعزل الوكيل إذا فعل ما وكل فيه أو
فعله الموكل، وأشار بهذا وبما قبله إلى أن نهاية الموكل فيه إما أن تكون من جهة الموكل أو من جهة
الوكيل وينعزل الوكيل بها، فلو طلق الوكيل المرأة فليس للوكيل أن يزوجه إياها لان الحاجة قد
انقضت.
وفي البزازية: وكله بالتزويج فتزوجها ووطئها وطلقها وبعد العدة زوجها من الموكل صح لبقاء
الوكالة.
أقول: الظاهر أن الضمير في تزوجها للوكيل لا للموكل، وإلا نافى ما هنا، وما يأتي من أن
تصرفه بنفسه عزل. تأمل.
قال في المحيط: وكله ببيع عين له عزله إلا أن يتعلق به حق الوكيل، بأن يأمره بالبيع واستيفاء
الثمن بأداء دينه. ا ه‍.
أقول: وهذا إذا لم يكن الدين مؤجلا. أما إذا كان مؤجلا، ففي القهستاني عن الجواهر: ولو
وكل الدائن بدين مؤجل ببيع داره بسؤاله عند الاجل كان له عز له قبله ا ه‍. فتنبه. قوله: (يشتركان)
أي المشتريان من الوكيل والأصيل، ومقتضى القواعد أن المعتمد قول أبي يوسف ط. قوله: (ويخيران)
أي المشتريان في الصورتين: أي يثبت لكل منهما الخيار لتفرق الصفقة عليهما. قوله: (وينعزل بموت
أحدهما) أي وإن لم يعلم الآخر كما أفاده في البحر بقوله: رجل غاب وجعل دارا له في يد رجل
ليعمرها فدفع إليه مالا ليحفظه. ثم فقد الدافع فله أن يحفظه وليس له أن يعمر الدار إلا بإذن الحاكم
لأنه لعله قد مات ولا يكون الرجل وصيا للمفقود حتى يحكم بموته تجنيس من باب المفقود. وبهذا
علم أن الوكالة تبطل بفقد الموكل في حق التصرف لا الحفظ ا ه‍. لكن رده المقدسي بأن ظاهر ما في
التجنيس أنه إنما دفع المال ليحفظه، وحينئذ فلا يدل على ما استنبطه. فلقائل أن يقول: لو دفعه ليعمر
منه كان له ذلك وإنما امتنع لعدم إذنه. كذا في حاشية أبي السعود عن الحموي.
أقول، كيف يصح قوله كان له ذلك مع التعليل بأنه لعله قد مات وليس هذا وصية؟ ثم لا يخفى
أن أمره بتعمير الدار لا يخلو إما أن يكون من هذا المال المدفوع أو من مال
آخر دفعه له أو من مال المأمور، وعلى كل فقوله ليس له أن يعمر الدار الخ يدل على عزله في التصرف دون الحفظ فثبت ما
قاله في البحر، فتأمله منصفا. ولو قال المصنف في هذه الاعذار وتبطل لكان أولى. ووجهه أن
التوكيل تصرف غيلا لازم فيكون لدوامه حكم ابتدائه فلا بد من قيام الامر وقد بطل بهذه العوارض.
قال في اليعقوبية: ذكر موت الوكيل وقع في الهداية والكافي أيضا، لكن كون الموت مبطلا
لتصرف الوكيل ظاهر فلا فائدة له إلا لدفع توهم جريان الإرث وإن كان في غاية البعد. قوله:
(وجنونه مطبقا) قيد به لان قليله بمنزلة الاغماء، فكما لا تبطل الوكالة بالاغماء لا تبطل بقليل
الجنون. حموي. قوله: (بالكسر) قال في المصباح: والعامة تفتح الباء على معنى أطبق الله عليه الحمى

820
والجنون: أدامهما، كما يقال أحمه الله وأجنه: أي أصابه بهما، وعلى هذا فالأصل مطبق عليه،
فحذفت الصلة تخفيفا ويكون الفعل مما يستعمل لازما ومتعديا. ا ه‍.
أقول: ولعله أو يكون بأو دون الواو، لأنه إذا كان مما يستعمل لازما ومتعديا لا يحتاج إلى
دعوى حذف الصلة تخفيفا، فإن ما حذفت منه الصلة يكون متعديا وما ذكرت فيه يكون لازما فتعين
ما قلنا. تأمل. أفاده سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله: (سنة على الصحيح. درر) قال فيها: وهو
قول محمد، وعلله في البحر لسقوط جميع العبادات فقدر به احتياطا. ا ه‍. وقيل دائما كذا قيل.
وأقول: قال في البحر: فالمطبق: أي الدائم، زاد في البناية: وقيل مستوعبا. قوله: (شهر) أي
مقدار شهر، وهو قول أبي يوسف اعتبارا بما يسقط به الصوم. وعنه أكثر من يوم وليلة لسقوط
الصلوات الخمس به فقد به احتياطا، وهو الصحيح كما ذكره الزيلعي. قوله: (وأن عليه الفتوى
فليحفظ) ونقل المقدسي عن شرح الكافي أنه به يفتى لا محالة. قوله: (وبالحكم بلحوقه) أي بلحوق
أحدهما موكلا كان أو وكيلا: يعني إذا ارتد فوكل فلحق، وقيد بالحكم بلحاقه لان تصرفات المرتد قبله
موقوفة عنده، فكذا وكالته فإن أسلم نفذ، وإن قتل أو لحق بدار الحرب بطلت الوكالة، فأما عندهما
فتصرفاته نافذة، فلا تبطل وكالته إلا أن يموت أو يقتل على ردته أو يحكم بلحاقه. بحر.
وفيه عن إيضاح الاصلاح: المراد باللحاق ثبوته بحكم الحاكم اه‍. لكن عبارة درر البحار:
ولحاقه بحرب مبطل من غير حكم به. قال شارحه: لان أهل الحرب أموات في أحكام الاسلام
وبلحاقه صار منهم ا ه‍.
وفي المجمع: ولحاق الموكل بعد ردته بدار الحرب مبطل، وقالا: إن حكم به، قال ابن ملك:
لان لحاقه إنما يثبت بقضاء القاضي، قيد باللحاق لان المرتد قبل لا يبطل توكيله عندهما وموقوف
عنده، إن أسلم نفذ وإن قتل أو لحق بدار الحرب بطل ا ه‍. فعلم أن ما في الايضاح على قولهما.
وبحث فيه في اليعقوبية حيث قال: قوله ولحاقه بدار الحرب مرتدا هذا عند أبي حنيفة رحمه الله
تعالى وعندهما: يبطل لو حكم بلحاقه، وقد مر في السير. كذا في الهداية.
وها هنا كلام، وهو أن المعلوم مما ذكر في كتاب السير أن المرتد إذا لحق بدار الحرب تكون
تصرفاته موقوفة عند أبي حنيفة، فإن عاد مسلما صار كأن لم يزل مسلما وتصح تصرفاته، وإن مات أو
حكم بلحاقه استقر كفره فتبطل تصرفاته. وعندهما: تصرفاته نافذة إلا أن يموت أو يحكم بلحاقه،
والوكالة من جملة التصرفات فلا وجه للحكم هنا هنا بمجرد اللحاق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى كما
لا يخفى اللهم إلا أن يراد من بطلان الوكالة عدم نفوذها لكنه بعيد لا يخفى. فليتأمل.
وقال في الهداية: وتبطل الوكالة بموت الموكل أو جنونه جنونا مطبقا أو لحاقه بدار الحرب
مرتدا. ثم قال بعده: وإن كان الموكل امرأة فارتدت فالوكيل على وكالته حتى تموت أو تلحق بدار
الحرب، لان ردتها لا تؤثر في عقودها على ما عرف، ويعلم من هذا أن الرجل الموكل إذا ارتد تبطل
وكالته بمجرد الارتداد بدون اللحوق، فينبغي أن يقول في قول السابق وارتد بدل قوله ولحاقه بدار
الحرب مرتدا كما لا يخفى. ا ه‍.

821
وفي الكفاية: ذكر شيخ الاسلام في المبسوط: وإن لحق الوكيل بدار الحرب مرتدا فإنه لا ينعزل
عن الوكالة عندهم جميعا ما لم يقض القاضي بلحاقه ا ه‍. وهذا كما ترى مؤيد لما بحثه المحشي.
ثم اعلم أن المذكور في السير أن تصرفات المرتد كالمبايعة والعتق ونحوهما موقوفة عند الامام،
إن أسلم نفذت، وإن هلك أو لحق بدار الحرب وحكم به بطلت، وأجازاها مطلقا، وهذا كما ترى
ليس خاصا بما إذا لحق بل الحكم أعم. وتأمل. قوله: (ثم لا تعود بعوده مسلما على المذهب) أي
سواء كان وكيلا أو موكلا كما في البحر.
قال في الحواشي اليعقوبية: واعلم أن الوكيل إن عاد مسلما بعد لحوقه بدار الحرب مرتدا
والقضاء به تعود الوكالة عند محمد رحمه الله تعالى، ولا تعود عند أبي يوسف، ولو عاد الموكل مسلما
بعد اللحوق والقضاء به لا تعود الوكالة عندهم في ظاهر الرواية. وعن محمد أنه تعود كما قال في
الوكيل.
والفرق له على الظاهر أن مبنى الوكالة في حق الموكل على الملك وقد زال بردته والقضاء بلحاقه،
وفي حق الوكيل على معنى قائم به وهو الأهلية، ولم تزل بالقضاء بلحاقه. كذا ذكر في الهداية
وشروحها. وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: ينبغي أن تعود الوكالة الباطلة بمجرد اللحوق بدون
القضاء كما هو قوله إذا عاد الموكل مسلما بعده كما لا يخفى، فليتأمل ا ه‍. قوله: (ولا بإفاقته بحر)
عبارته: ومقتضاه أنه لو أفاق بعد جنونه مطبقا لا تعود وكالته، وكأنه أخذ بحثا عن عدم عودها
بالعود إلى الاسلام. قوله: (لا تبطل بهذه العوارض) هذا بإطلاقه ينافي التفصيل الآتي، والأولى
الاقتصار عليه. قوله: (أو المرتهن) عطف على العدل ح. ولا يصح عطفه على الراهن لان المرتهن لا
يملك البيع. قوله: (ببيع الرهن عند حلول الاجل) أطلقه فشمل ما إذا شرطت الوكالة في عقد الرهن
أو بعده على ما اختاره الشاد ح فيما مضى ويأتي. قوله: (كالوكيل بالامر باليد) الباء للاستعانة: أي
كالوكيل الذي صار وكيلا بسبب جعل الامر بيده وهو المرأة، بأن قال وكلتك في أن تجعل أمر زوجتي
بيدها، وفي ذلك مسامحة لأنه حينئذ يكون تمليكا لا توكيلا ولذا لا تبطل بجنونه. قوله: (والوكيل
ببيع الوفاء) أي بالتوكيل بجعله منجزا عند حلول الاجل إذا كانت الوكالة حالة العقد أو بعده على ما
اختاره الشارح، وهي داخلة تحت مسألة الرهن. قاله الرحمتي.
لكن قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: ولعل وجهه أن بيع الوفاء في حكم الرهن فيصير وكيلا
بأن يرهن ذلك الشئ فيكون مما تعلق به حق الغير وهو المشتري أي المرتهن. تأمل. ثم رأيته منقولا
عن الحموي. وما ذكره السائحاني من أنه بيع الرهن فهو غفلة فتنبه ا ه‍. فافهم لأن الصحيح في بيع
الوفاء أنه رهن له أحكام الرهن.
قال في جامع الفصولين: باعه جائزا بوكالة ثم مات موكله لا ينعزل بموته الوكيل ا ه‍. والبيع
الجائز هو بيع الوفاء اصطلاحا. بحر. قال العلامة المقدسي: وهو ظاهر لتعلق حق البائع. ا ه‍.
والأولى أن يقول: لتعلق حق المشتري قاله بعض الفضلاء: أي لأنه رهن في المعنى على ما عليه

822
العمل اليوم، فالمشتري مرتهن. قوله: (لا ينعزلان) أي الوكيل بالامر باليد والوكيل ببيع الوفاء. قوله:
(بخلاف الوكيل بالخصومة) يعني وإن كانت لازمة إن كانت بطلب الخصم وغيبة الموكل لكنه ينعزل
بموت الموكل لتعذر خصومته بعد موته، ولأن الحق المتنازع فيه ينتقل إلى غيره فتكون الخصومة متجددة
مع من خلف الموكل والوكيل ليس بوكيل عنه. قوله: (أو الطلاق) قد تقدم أنه لو قال له كلما عزلتك
فأنت وكيلي يلزم في الطلاق ولعتاق، لأنهما من الاسقاطات المحضة فيصح تعليقهما بالشرط، فيكون
ذلك تعليقا فلا يصح الرجوع عنه، ومع ذلك يبطل بموت الموكل، لان التعليق يبطل بموت المعلق
لان شرطه بقاء الملك ولا ملك له في الزوجة والرقي بعد موته. أفاده بعض الأفاضل.
قال الحلبي: وذكره الطلاق هنا فيه أن التوكيل به غير لازم كما تقدم ا ه‍. والظاهر أنه مبني على
مقابل الأصح من أنه لازم قوله: (قوله بزازية) فإنه جعل ذلك فيها من الوكالة اللازمة كما قدم
تصحيحه عنه في شرح قوله فللموكل العزل، وتقدم لنا أن المعتمد أنها غير لازمة فيه.
ونص البزازية: فأما في الرهن: فإذا وكل الراهن العدل أو المرتهن ببيع الرهن عند حلول الاجل
أو الوكيل بالامر باليد لا ينعزل، وإن مات الموكل أو جن والوكيل بالخصومة بالتماس الخصم ينعزل
بجنون الموكل وموته، والوكيل بالطلاق ينعزل بموت الموكل استحسانا لا قياسا. بحر. فتأمل. قوله:
(وفيما عداها) أي فيما عدا الوكالة ببيع الرهن فإن الوكيل ينعزل فيها بالموت والجنون الخ ينافي قول
المتن كالوكيل بالامر باليد والوكيل ببيع الوفاء، فالأولى ذكرهما مع الوكالة ببيع الرهن.
أقول: ولعله لم يستثنهما، لما علمت من أن الامر باليد تمليك لا توكيل، وبيع الوفاء رهن على
المفتى به. تأمل. قوله: (وبالخروج عن الأهلية) ومنه موته بعد قوله في التوكيل في الطلاق والعتاق
كلما عزلتك فأنت وكيلي. قوله: (قلت فإطلاق الدرر فيه نظر) أي حيث قال وذا: أي انعزال الوكيل
في الصورة المذكورة إذا لم يتعلق به: أي بالتوكيل حق الغير. أما إذا تعلق به ذلك فلا ينعزل كما إذا
شرطت الوكالة في بيع الرهن كما مر، أو جعل أمر امرأته في يدها ثم جن الزوج ا ه‍. فإن قوله أما
إذا تعلق به حق الغير فيدخل فيه الوكالة بالخصوم بالتماس الطالب والحكم فيها ليس كذلك ح وأصله
في المنح. ولا يخفى أنه وارد على ما نقله الشارح عن شرح المجمع أيضا، وحينئذ فلا وجه لتخصيص
النظر بما في الدرر، بل الامر فيها أسهل مما تقدم عن شرح المجمع فإنه وارد عليه أيضا، وقد علمت
أن هذا في مسألة الرهن فقط، وفي غيرها لا ينعزل بالحقيقي بل بالحكمي ولذا قال فيه نظر. قوله:
(وينعزل بافتراق أحد الشريكين) هذا يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون الافتراق بهلاك المالين أو مال أحدهما قبل الشراء فإن الشركة تبطل به، فتبطل
الوكالة الضمنية التي دخلت في ضمن عقد الشركة علما به أو لا، لأنه عزل حكمي إذا لم تكن الوكالة
مصرحا بها عند عقد الشركة.

823
وثانيهما: أن أحدهما أو كليما لو وكل من يتصرف في المال جاز، فلو افترقا انعزل، هذا
الوكيل في حق غير الموكل منهما إذا لم يصرحا بالاذن في التوكيل، وإنما ذكرنا الوجهين إذ لو بقي
الافتراق على ظاهره لم يصح قولهم وإن لم يعلم الشريك، إذ لا يصح أن ينفرد أحدهما بفسخ الشركة
المستلزمة للوكالة بلا علم صاحبه. ا ه‍. درر. وهذا الذي عناه الشارح بقوله ولو بتوكيل ثالث.
قوله: (ولو بتوكيل ثالث) أي توكيل الشريكين أو أحدهما ثالثا: يعني أنه تبطل الوكالة التي في ضمن
الشركة ووكالة وكيلهما بالتصرف. قوله: (بالتصرف) والحاصل أنه تبطل الوكالة التي في ضمن
الشركة ووكالة وكيلهما بالتصرف إذا هلك المالان أو أحدهما قبل الشركة فتبطل به وتبطل الوكالة التي
كانت في ضمنها علما بذلك أو لم يعلما لأنه عزل حكمي إذا لم تكن الوكالة مصرحا بها عند عقد
الشركة، وكذا إذا وكل الشريكان أو أحدهما وكيلا للتصرف في المال، فلو افترقا انعزل في حق غير
الموكل منهما إذا لم يصرحا بالاذن في التوكيل. قوله: (وإن لم يعلم الوكيل) راجع إلى قول الشارح
ولو بتوكيل ثالث لأنه لا يمكن إرجاعه إلى الوكالة الضمنية لأنها واقعة بين الشريكين، ويبعد أن
يفترقا ولا يعلمان بافتراقهما، وكأن المصنف هو الذي أراده والشارح عمم في كلامه تكثيرا للفائدة.
نعم يمكن إرجاعها للوكالة الضمنية بأن كان انفساخ الشركة بهلاك المالين أو أحدهما قبل الشراء فإنه قد
لا يطلع الشريكان على ذلك أو أحدهما ومع ذلك تبطل وكالته الضمنية فيصح رجوعه إلى المسألة على
عمومها. قوله: (وبعجز موكله) أي عن أداء بدل الكتابة. قوله: (لو مكاتبا) يؤخذ من عموم بطلان
الوكالة بعزل الموكل أن للمكاتب والمأذون عزل وكيلهما أيضا كما نبه عليه في البحر. وقال فيه: وإن
باع العبد، فإن رضي المشتري أن يكون العبد على وكالته فهو وكيل، وإن لم يرض بذلك لم يجبر على
الوكالة. كذا في كافي الحاكم. وهو يقتضي أن توكيل عبد الغير موقوف على رضا السيد، وقد سبق
إطلاق جوازه لأنه لا عهدة عليه في ذلك، إلا أن يقال: إنه من باب استخدام عبد الغير فيتوقف على
رضا سيده لأنه لا يملك منافعه. تأمل. ا ه‍.
وفيه: وقد سئلت عن ناظر وكل وكيلا في أمر الوقف ثم عزله القاضي هل ينعزل وكيله بعزله؟
فأجبت: أنه ينعزل أخذا من قولهم هنا يشترط لدوامها ما يشترط لابتدائها، والله تعالى أعلم. قوله:
(وحجره) إنما ثبت العزل بهما لان قيام الوكالة يعتمد قيام الامر، وقد بطل بالعجز والحجر علم أو لم
يعلم. بحر. وفيه: ويؤخذ منه أن للمكاتب والمأذون عزل وكيلهما. قوله: (وهذا) أي العزل بالعجز
والحجر.
قال في شرح المجمع لابن ملك: ثم المكاتب لو كوتب بعد ذلك أو أذن المحجور لم تعد
الوكالة، لان صحتها باعتبار ملك الموكل التصرف عند التوكيل وقد زال ذلك ولم يعد بالكتابة الثانية أو
الاذن الثاني. قوله: (إذا كان وكيلا في العقود والخصومة) لأنه إنما ينعزل فيما امتنع عنه موكله بعجزه
وحجره، والمكاتب بعد عجزه والمأذون بعد حجره لا يملك العقود والخصومة فينعزل عنها وكيله، ولا
يتحجر عن قضاء الدين واقتضائه وقبض الوديعة لأنه أصيل في عقود باشرها واسترداد أمانته وردها
فولايتها إليه ولو بعد حجره فلا ينعزل وكيله عنه. قوله: (أما إذا كان وكيلا) أي عن المكاتب والمأذون

824
ثم عجز أو حجر عليه. قوله: (فلا ينعزل بعجز) أي عجز موكله عن أداء بدل الكتابة. قوله:
(وحجر) لان العجز والحجر لا يوجبان الحجر عليه من قضاء الدين واقتضائه إلى آخر ما قدمناه قريبا.
قوله: (لم ينعزل) لأنه حجر خاص والاذن في التجارة لا يكون إلا عاما فكان العزل باطلا، ألا ترى
أن المولى لا يملك نهيه عن ذلك مع بقاء الاذن، ولأن العبد كامل الرأي صحيح العبارة غير أنه لا
يملك نفسه، وما في يده وكل ذلك ملك لسيده فلا تصح تصرفاته صيانة لحق مولاه، فإذا أذن له
المولى فقط أسقط حقه فيتصرف العبد بولاية نفسه أصالة لا نيابة عن سيده فلا يملك سيده إلا حجره
صيانة لحق نفسه لا إبطال تصرف تصرفه بولاية نفسه، لان المولى قد أسقط حقه بالاذن ومنها توكيله
فكذا لا يملك عزل وكيل. قوله: (وينعزل بتصرفه بنفسه) لانقضاء الحاجة به، كما لو وكله بإعتاق
عبده أو بكتابته فأعتقه الموكل أو كاتبه أو بتزويج امرأة أو بشراء شئ ففعل بنفسه أو بطلاق فطلقها
ثلاثا أو واحدة وانقضت عدتها أو بالخلع فخالفها بنفسه. بحر. قوله: (وإلا لا) أي وإن لم يعجز
الوكيل عنه، كما إذا أذن للعبد في التجارة وغير ذلك لا ينعزل.
وفي الخلاصة: لو وكله بشراء حنطة بعينها أو ببيعها فجعلت دقيقا أو سويقا خرج من الوكالة،
ولو وكله إلى عشرة أيام هل تنتهي بمضي العشرة؟ روايتان، والأصح لا، فليحفظ. قوله: (والعدة)
الواو استئنافية لا للحام، فافهم. قوله: (لبقاء المحل) قال في الهندية: ولو وكلت بالتزويج ثم إن
المرأة تزوجت بنفسها خرج الوكيل عن الوكالة علم بذلك الوكيل أو لم يعلم، ولو أخرجته عن الوكالة
ولم يعلم الوكيل لا يخرج عن الوكالة، وإذا زوجها جاز النكاح، ولو كان وكيلا من جانب الرجل
بتزويج امرأة بعينها ثم إن الزوج تزوج أمها أو بنتها خرج الوكيل عن الوكالة. كذا في المحيط اه‍.
قوله: (ولو ارتد الزوج) أي ولم يلحق بدار الحرب أو لحق: أي بعد الردة ولم يحكم بلحاقه فإن طلاقه
واقع اتفاقا لأنه لا يعتمد الملة فكذا وكالته فيه لأنها قيام الغير مقامه فيما يملكه وهو يملك الطلاق،
فكذا يملك التوكيل به. أما لو حكم بلحاقه فقد تقدم أنه ينعزل به وكيله. وصرح هنا في البحر والمنح
أن لحوقه بمنزلة موته: أي بعد الحكم به، وصرح المصنف أنها إذا بطلت اللحاق من أحدهما لا تعود
بعوده مسلما على المذهب الظاهر.
فإن قلت: هذا ينافي ما ذكره في المنية بقوله: ارتد الموكل أو لحق بدار الحرب تتوقف وكالة
وكيله، وكذا ما تقدم من انعزاله باللحاق مرتدا. قلت: لا منافاة لان ذلك في الوكيل يتصرف بما يتوقف
من المرتد كالبيع، وهذا فيما لا يتوقف اتفاقا كالطلاق، فحيث نفذ من الموكل نفذ من الوكيل. وأيضا فإن
المراد من انعزاله باللحاق مرتدا المحكوم به ثمة وهنا المجرد عن الحكم كما هو المقرر من كلامهم، فتأمل.
قوله: (أو لحق) أي ولم يحكم به، فلا ينافي ما تقدم كما علمت. قوله: (وتعود الوكالة) أي يعود ملك
التصرف للوكيل بموجب الوكالة السابقة، وليس المراد أنها تعود بعد زوالها لأنه لم ينعزل كما يفهم من
قوله قبله وإلا لا. وعبارة الزيلعي: فالوكيل باق على وكالته. قوله: (ثم رد عليه بما هو فسخ) كخيار

825
رؤية وشرط أو عيب بقضاء أو فساد بيع. قوله: (بقي على وكالته) لان ملكه القديم قد عاد إليه بالفسخ
فتعود الوكالة، وإن رد بما لا يكون فسخا لا تعود الوكالة، كما لو وكله في هبة بشئ ثم وهبه الموكل ثم
رجع في هبته لم يكن للوكيل الهبة، ولو وكله بالبيع ثم رهنه الموكل أو أجره فسلمه فهو على وكالته، في
ظاهر الرواية، ولو وكله أن يؤجر داره ثم أجرها الموكل بنفسه ثم انفسخت الإجارة يعود على وكالته،
ولو وكله ببيع داره ثم بنى فيها فهو رجوع عنها عند الامام ومحمد لا التجصيص، وكذا لو وكله ببيع
أرضه ثم غرس فيها، بخلاف ما إذا وكله ببيع أرض وزرع فيها فيبيع الوكيل الأرض دون الزرع، لان
البناء والغرس يقصد بهما القرار لا الزرع:
أمره بشراء أرض وهي بيضاء فبنى فيها ليس له أن يشتريها بعده، ولو كانت مبنية فزاد فيها
حائطا أو جصصها له البيع. بحر. وعبارة الهندية بعد قوله أو جصصها لزم الآمر، وكذلك الوكالة
بالبيع ا ه‍. وفي البحر: والوصية بمنزلة الوكالة.
ففي وصايا الخانية: ولو قال أوصيت بهذا الرطب الذي في نخلتي فصار تمرا قبل موت الموصي
في القياس تبطل الوصية، ولا تبطل استحسانا، ولو قال أوصيت بزرعي هذا لفلان وهو بقل فصار
حنطة أو شعيرا قبل موت الموصي بطلت الوصية، وفي الوكالة: إذا تغير في هذا كله بطلت الوكالة،
وفي البيع بشرط الخيار: إذا تغير في أيام الخيار لا يبطل البيع ولا الخيار. ا ه‍.
وفي البدائع: إذا باع الموكل ما وكل ببيعه ولم يعل الوكيل فباعه الثمن فهلك في
يده ومات العبد قبل التسليم ورجع المشتري على الوكيل رجع الوكيل على الموكل، وكذا لو دبره أو أعتقه
أو استحق أو كان حر الأصل لأنه صار مغرورا من جهة، ولو مات الموكل أو جن لا يرجع لعدم
الغرور، والوكيل بقبض الدين لو قبضه وهلك في يده بعد ما وهبه الموكل للمديون ولم يعلم الوكيل لم
يضمن. وتمامه فيه ا ه‍. قوله: (أو بقي أثره) أي أثر ملكه: أي وتبقى الوكالة إذا بقي أثره كمسألة
العدة، وهي ما إذا وكله بطلاقها ثم طلق الآمر لنفسه بقيت الوكالة لبقاء أثر الملك، وقد أمكن إيقاع
الوكيل فيه فلم يكن تصرف الموكل معجزا عن تصرف الوكيل معه. قال بعض الفضلاء: هذا ليس على
إطلاقه، بل مقيد بزوال حاجة الموكل، وهو موجود فيما إذا وكله بالهبة فوهب بنفسه ثم رجع لم يكن
للوكيل أن يهب كما قدمناه قريبا، لان الواهب مختار بالرجوع فتبين برجوعه عدم حاجته إلى الهبة،
لأنه لو كان محتاجا لما رجع فكان دليلا على نقض الوكالة، ولهذا صرح المصنف بأنه إذا وكله بطلاق
زوجته فطلقها واحدة والعدة قائمة بقيت الوكالة، لان الوكيل يمكنه بتقييد ما وكل به ولا دليل لزوال
الحاجة، وكذا لو ذكره الشارح: إذا وكله بالبيع فباع ثم رد عليه بعيب بقضاء فللوكيل أن يبيعه، لان
الرد بقضاء بلا اختياره فلم يكن دليل زوال الحاجة، فله أن يبيعه لان الحاجة قائمة. كذا في الحواشي
اليعقوبية. ومثله في العناية وغيرهما من المعتبرات. قوله: (كمسألة العدة) وهي ما إذا وكله بطلاق
امرأته ثم طلق الآمر بنفسه بقيت الوكالة لبقاء أثر الملك وقد أمكن إيقاع الوكيل فيه فلم يكن تصرف
الموكل معجزا عن تصرف الوكيل معه فتصرف الوكيل بأن يوقع الباقي غير متعذر. كذا في الفتاوى
الصغرى.
قال في الشرنبلالية: والمراد بالباقي الطلقة الواحدة الباقية لا أكثر منها، لان قوله إذا طلق امرأته

826
واحدة وهي في العدة مفيد إيقاع الواحدة في العدة من طلقة سابقة، ولأن التوكيل بالتطليق لا يقتضي
إيقاع أكثر من واحدة ا ه‍. والأصل فيه أن ما كان الموكل فيه قادرا على الطلاق كان وكيله كذلك،
وكذا إذا وكل بالخلع فخالعها. كذا في العناية. قوله: (بخلاف ما لو تحدد الملك) كما إذا اشترى ما
وكل في بيعه من مشتريه فلا يعود التوكيل لعدم عود قديم الملك، وإنما هو ملك مستأنف، ومثله فيما
يظهر لو نكحها بعد زوج آخر وقد طلقها ثلاثا ط.
قال الزيلعي: ولو وكله ببيع عبده فأسره العدو وأدخلوه في دارهم ثم رجع إلى الموكل يملك
جديد بأن اشتراه منهم لا تعود الوكالة، ولو أخذه من المشتري منهم بالثمن أو بالقيمة ممن وقع في
سهمه من الغانمين فهو على وكالته، لأنه بالأخذ بهذا الطريق عاد إلى قديم ملكه. ا ه‍. قاله أبو الطيب.
قوله: (لا ينعزل ما لم يصله الكتاب) لأنه عزل قصدي يشترط فيه العلم وعلمه بوصول الكتاب إليه
ط. قوله: (صح) أي وإن لم يعلم. قوله: (وبعده لا) أي إلا إذا علم في العزل القصدي، وليس
معناه أنه لا ينعزل مطلقا. قوله: (ونسي) أي نسي من دفعها إليه. قوله: (لا يضمن الوكيل بالدفع)
لأنه فعل ما أمر به ولم يكن متعديا بالنسيان، وهذا بخلاف مسألة ذكرها البزازي، وهي: وكيل البيع
قال بعته وسلمته من رجل لا أعرفه وضاع الثمن، قال القاضي يضمن لأنه لا يملك التسليم قبل قبض
ثمنه، والحكم صحيح، والعلة لا لما مر أن النهي عن التسليم قبل قبض ثمنه لا يصح، فلما لم يعمل
النهي عن التسليم فلان لا يكون ممنوعا عن التسليم أولى. ا ه‍. قوله: (أبرأه مما له عليه) أي إجمالا،
ولكن في ظنه أنه عشرة فتبين أنه مائة. قوله: (برئ من الكل قضاء) اعتمادا على إطلاق البراءة.
قوله: (إلا بقدر ما يتوهم أن له عليه) وهو عشرة، والأولى ذكر سام إن وانظر ما مناسبة ذكر هذا
الفرع هنا. قوله: (قال لمديونه) قال الشرنبلالي: قال للمديون من جاءك بعلامة كذا أو من أخذ
خنصرك قال لك كذا فادفع إليه مالي لا يصح التوكيل لأنه للمجهول فيضمن المأمور بالدفع لذلك
ولا يخرج عن العهدة ما لم يكن أمر إنسانا بعينه بالقبض، فعلم أن المراد أنه بالقول الأول لا يصير
وكيلا. أما لو قال الانسان بعده اقبض دين فلان واقبض خنصره علامة صدقك صار وكيلا ولكن
يحتاج إلى ثبوت ذلك عن رب المال، ولا يثبت بمجرد قبض الخنصر ونحوها. قوله: (لأنه توكيل
مجهول فلا يبرأ بالدفع إليه) ولو لم يدفع إليه حتى هلكت لم يضمن لجواز أن غير رسوله يأتي بتلك
العلامة. بيري عازيا إلى الملتقطات. ومحل عدم صحة توكيل المجهول إذا كانت الجهالة فاحشة تؤدي إلى
المنازعة. أما إذا كانت يسيرة كما إذا قال مالك عبد: إن باعه أحد هذين الرجلين فهو جائز فأيهما باع
كان جائزا ا ه‍. أبو السعود في حاشية الأشباه.

827
وقد ذكر هذه المسألة في القنية آخر الكتاب في المسائل التي لم يوجد فيها رواية منصوصة ولا
جواب من المتأخرين: إذا قال المودع للمودع من جاءك بعلامة كذا بأن أخذ أصبعك أو قال لك كذا
فادفع إليه الوديعة فهل يصح هذا التوكيل أم لا يصح لكون الوكيل مجهولا ويضمن بالدفع؟. ا ه‍. فقد
جزم هنا بعدم صحة الوكالة وتردد فيما إذا وكل بعض الورثة إنسانا ليستوفي نصيبه من ديون مورثه
على الناس ولا يعلم الموكل والوكيل بعض من عليهم الديون يصح، أفتى به تاج الدين أخو الحسام
الشهيد بعد التأمل والمباحثة الكثيرة ا ه‍. مع أنها توكيل مجهول. تأمل.
فرع: قال في الولوالجية: رجل غاب وأمر تلميذه أن يبيع السلعة ويسلم ثمنها إلى فلان فباعها
وأمسك الثمن عنده ولم يسلمه حتى هلك لا يضمن، لان أستاذه لا يضيق عليه عادة فلا يصير بتأخير
الأداء ضامنا. ا ه‍.
بعث المديون المال على يد رسول فهلك، فإن كان رسول الدائن هلك عليه، وإن كان رسول
المديون هلك عليه، وقول الدائن ابعث بها مع فلان ليس رسالة منه فإذا هلك هلك على المديون،
بخلاف قوله ادفعها إلى فلان فإنه إرسال، فإذا هلك هلك على الدائن. وبيانه في شرح المنظومة ا ه‍.
أشباه. قوله: (وفي الوهبانية الخ) هذه الأبيات منها ليست على نسق واحد بل من مواضع متعددة.
قوله: (لم يبرأ) قال العلامة عبد البر: ورأيت بخط بعض العلماء بطرة القنية في هذا الموضع: هذا
الجواب إنما يستقيم على قولهما، والله تعالى أعلم بالصواب. قوله: (وبعه وبع بالنقد) هذه صور
واحدة، فإنه يجوز له فيها أن يبيع بالنسيئة في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقوله أو بع لخالد: يعني
إذا قال له بعه وبعه لخالد جاز له أن يبيعه من غيره ويحمل على المشهورة، كما إذا قال لمضاربه: خذ
هذا المال مضاربة واشتر به البر وبعه فله أن يشتري غير البر، لان الكلام مشورة منه، بخلاف ما إذا
قال بعه بالنقد أو قال بعه من فلان فلا يجوز له المخالفة، كما لو قال: لا تبع إلا من فلان فباع من
غيره لا يجوز.
وفي المبسوط: الوكيل بالبيع من فلان لا يبيع من غيره لان المقصود الثمن، وإنما رضي بكونه
في ذمة من سماه لان الناس يتفاوتون في ملاءة الذمم فلا يجوز بيعه من غير من سماء. وفي البزازية:
بعه من فلان فباعه من غيره جاز. وفي الكافي: لا يجوز.
قال العلامة ابن الشحنة في شرح الوهبانية: وإذا تأملت فيما ذكروا من الأصل رأيت أن من قال
بالجواز في بعه من فلان فباع لغيره رأى أن هذا مفيد من وجه فقط ولم يوجد التأكيد بالنفي، ومن قال
لا يجوز بيعه من غيره رآه مفيدا من كل وجده ا ه‍.
وفي الخلاصة وجامع البزازي: لو قال بعه إلى أجل فباع نقدا، قال الامام السرخسي: الأصح
أنه لا يجوز بالاجماع.
وفي الوجيز شرح الجامع الكبير: ولو دفع إليه عبدا وأمره بالبيع ونهاه عن التسليم بعد البيع
حتى يقبض الثمن، قال محمد: النهي باطل، وقيل أبو حنيفة معه، وقال أبو يوسف: يصح، حتى لو

828
سلم يضمن الثمن إن هلك وإلا له أن يسترد، وكذا لو باع ثم نهاه عن التسليم. ا ه‍.
وفي الخانية وكله بالبيع ثم نهاه عن البيع حتى يقبض الثمن فباع قبل الثمن وسلم المبيع كان البيع
باطلا حتى يسترد المبيع من المشتري ثم يبيع ا ه‍.
قال الشرنبلالي في شرحه عليها: لو قال بعه وبع بالنقد أو بعه وبع لخالد فخالفه جاز البيع، قال
لأنه لما أمر بالبيع كان مطلقا، ثم قوله وبع بالنقد أو بع لخالد بعده كان مشورة، بخلاف قوله بالنقد بع
لخالد فإنه قيد فيه فلا يبيعه نسيئة، كما لو قال لا تبع إلا بالنقد وباع بالنسيئة لا يجوز، ولو قال بع
لفلان لا يجوز لغيره، ونقل خلاف هذا لو قال بعه لزيد أو في سوق كذا جاز في غيره ولغيره. ولو
قال لا تبعه إلا لزيد أو إلا في سوق كذا لا يجوز في غيره ولا لغيره، ولهذا الخلاف أتى بصيغة قالوا
لأنها تذكر فيما فيه الخلاف. ا ه‍. قوله: (فخالفه أي الوكيل. قوله: (قالوا يجوز) أي للوكيل التغير:
أي المخالفة، لأنه لما أمر بالبيع كان مطلقا، فإن قيل فيه فلا يخالفه كما مر.
والحاصل: أن قوله بعه وبع بالنقد وبعه وبع لخالد ليس بتقييد ولا تبع إلا بالنقد وإلا لخالد
تقييد، وكذا قوله بالنقد بع لخالد كما علمت. والضابط لهذه المسائل كما قدمنا أن الموكل متى شرط
على الوكيل شرطا ينظر فيه: إن كان نافعا من كل وجه يجب مراعاة شرطه مطلقا، وإن ضارا من كل
وجه لا يجب مراعاته مطلقا، وإن كان نافعا من وجه ضارا من وجه: إن أكده بالنفي يجب مراعاته،
وإن لم يؤكده لا يجب مراعاته، وذكرنا أمثلة ذلك فيما تقدم فراجعها إن شئت. قوله: (وفي الدفع قل
قول الوكيل مقدم) صورته: دفع إلى آخر مالا وقال اقض به ديني لفلان فقال المأمور فعلت وقضيت
وقال الدائن لم يقض شيئا فالقول قول الوكيل في براءة نفسه عن الضمان، سواء كان في حال حياة
الآمر، وقد دفع إليه المال ليدفعه للطالب أو أمره باقتضاء دين له ليأتي به إليه أو يدفعه لغريمه أو كان
بعد موت الآمر، ولا فرق بين الوكيل بقبض الدين والعين، فإن القول قوله إذا قال سلمته لأنه أمين
ولا يسرى على الطالب، والقول له في عدم القبض ويجبر الخصم على قضاء حقه، وهذا معنى قوله
كذا قول رب الدين ومعنى قول مقدم: أي على قول الموكل إنه ما
دفع، وعلى قول الدائن إنه ما قبض لكن في حق إبرائه فقط لا في سقوط حق الدائن حتى كان القول قوله إنه ما قبض ولا يسقط
دينه عن الموكل، وهذا أيضا معنى قوله كذا قول رب الدين الخ. قوله: (كذا قول رب الدين) يعني
قوله مقدم على قول الموكل والوكيل في عدم سقوط حقه. قوله: (والخصم) يعني الموكل يجبر على
الدفع إلى دائنه لعدم نفاذ قول الأمين عليه، بل إنما كان القول قوله في براءة نفسه فقط، فقوله قول
الوكيل مقدم أي في براءة نفسه لأنه أمين ينفي الضمان عن نفسه، وقوله كذا قول رب الدين أي
في عدم وصول حقه إليه بمجرد دعوى الوكيل الايصال لان القول قول الأمين في نفي الضمان عن
نفسه لا في إلزام غيره فيما يدعيه. وإذا كان القول قول رب الدين في بقاء دينه فالخصم وهو المديون
الموكل يجبر على إيفاء ما في ذمته لعدم سقوط حق الدائن، ولا رجوع على الوكيل لأنه أمين والقول
قوله في براءته، ثم الموكل إن كذبه الطالب وصدق الوكيل حلفه، فإن حلف لم يظهر قبضه، وإن نكل
ظهر وسقط حقه، وإن عكس حلف الوكيل، ومثل ما ذكر في الدين من التفصيل يقال في الوديعة.

829
ط بزيادة. قوله: (ولو قبض الخ) أي أخذ الدلال ثمن المبيع ليسلمه لمالك فضاع منه يصالح بينهما
بالنصف فيضمن الدلال نصفه.
قال المصنف: ينبغي إن أذن له المالك في القبض لا يضمن، وإلا ضمن رب السلعة أيا شاء،
فإن ضمن المشتري يرجع على الدلال ما لم يكن رسولا في الدفع إلى البائع. والظاهر أن هذا في غير ما
حصل منه إذن في القبض أو نهى عنه. كذا في شرح الوهبانية للشرنبلالي. ثم ينبغي أن يكون هذا في
دلال توسط بين البائع والمشتري، أما لو دفع الثوب ليبيعه كان وكيلا عن مالكه ورجعت حقوق العقد
إليه وكان قبض الثمن له ولا يعتبر حينئذ إذن البائع ولا نهيه، واستغفر الله العظيم.

830