الكتاب: كتاب الفتوح
المؤلف: أحمد بن أعثم الكوفي
الجزء: 7
الوفاة: 314
المجموعة: مصادر سيرة النبي والائمة
تحقيق: علي شيري ( ماجستر في التاريخ الإسلامي )
الطبعة: الأولى
سنة الطبع: 1411
المطبعة: دار الأضواء
الناشر: دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع
ردمك:
ملاحظات: دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع ص ب 40 / 25 غبيري - أو 6641 / 113 الحمرا . / تلكس 23717 بيدر أو 23407 هادي - بيروت - لبنان
كتاب الفتوح

1
جميع حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1411 ه - 1991 م
دار الأضواء
للطباعة والنشر والتوزيع
ص ب 40 / 25 - أو 6641 / 113 الحمرا.
تلكس 23717 بيدر أو 23407 هادي - بيروت - لبنان

2
كتاب الفتوح
للعلامة أبي محمد أحمد بن أعثم الكوفي
تحقيق
علي شيري
ماجستير في التاريخ الاسلامي
الجزء السابع
دار الأضواء

3
بسم الله الرحمن الرحيم

4
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر كلام عبد الملك بن مروان على المنبر،
وإجابة الحجاج إياه، وتولية الحجاج
العراقين (1) جميعا
قال: فتكلم عبد الملك بن مروان، فقال: أيها الناس! إن العراق قد تكدر
ماؤها، وظهر جدبها، وملح عذبها، وبدا وميضها، واشتد ضرامها، وكثر لهبها،
وثار قتامها (2)، وعظم شررها، وعلا أمرها، وأبرق رعودها، وكثر وقودها، بحطب
حي، وجمر ذكي، ودخان وهي، وهؤلاء الأزارقة، الطغاة المارقة، قد اشتدت
شوكتهم، وتفرقت جرثومتهم، حتى قد حذرهم (3) الصغار، وليس يقوم لهم الكبار،
فمن ينتدب لهم منكم بسيف قاطع، وسنان لامع، وقلب جامع، فيخمد نيرانهم
وينتفع بها خطرها ويأمن الكاعب، ويرجع الغائب، ويصفو البلاد، ويسلس القياد؟
قال: فسكت (4) الناس وقام الحجاج فقال: أنا للعراق يا أمير المؤمنين! فولني
إياها، فأنا الليث القمقام، والليث الضرغام، والسيف الحسام، الهشام للعظام
والهام، وأنا فراج الصفوف، وقاتل الألوف، ومأوى القرى والضيوف، وخلس
الحمام والحتوف، والقنا والسيوف. قال فقال له عبد الملك بن مروان: اسكت!
فلست هناك. ثم قال: أيها الناس! إنه قد أطرقت الليوث، وكاعت الديوث،
وتربصت البعوث، ولست أرى أسدا يقصد لفريسته، ولا ذئبا يسمو نحو بغيته، ولا
نمرا يخرج من غيضته، فمن للعراق وحرب الأزارقة؟ قال: فسكت الناس وتكلم
الحجاج فقال: أنا لها يا أمير المؤمنين! فولني إياها، فأنا الليث الغشمشم، والقرن



(1) في الأصل: العراق.
(2) في الأصل: قتام.
(3) الأصل: حذروهم.
(4) في الأصل: فسكتوا.
5
المنتقم، من الظالم الخائن، والغادر الآفن، أنا ذو النفاذ واللسان، والعدل
والاحسان، والسرعة إلى الأقرن، عند تشاجر المران. قال فقال عبد الملك: إن
لكل أمير آلة وقلائد، فما آلتك وقلائدك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! الشدة واللين،
والعفو والقتل، والريث والعجل، والرفق والحزق، والمكاشفة والمداراة، والإدناء
والابعاد، والجفاء والتواضع، والصلة والحرمان، أنا الليث الهصور، المتقمص
بجلد النمور، فمن رمقني بسوء حددته، ومن نازعني بددته، ومن لوى شدقيه
جذعته، ومن تكبر علي قمعته، ومن نازعني قصمته، ومن دنا مني أكرمته، ومن
نأى عني طلبته، و [من] ثبت لي طاعنته، ومن ولى عني لحقته، ومن أدركته
قتلته، ومن ماحكته غلبته، ومن طلب الأمان أعطيته، ومن تواضع لي أدنيته، ومن
سارع إلى طاعة أمير المؤمنين أن تسبرني وتجربني! فإن كنت للأعناق قطاعا، وللأرواح
نزاعا، وللخراج جماعا، وفي الأمور نفاعا، وإلا استبدلت بي غيري. وفي رواية
أخرى أنه قال: إن آلتي أن أزرع بدرهمك من يواليك، وأحصد بسيفك من
يعاديك، سود لي قرطاسا واعقد لي خرقة في رأس قناة. فقال له: أنت لها ولكل
شدة، فكتب عهد بيده. قال فقال له عبد الملك‌ بن مروان: أنت لها يا حجاج،
فسر إليها مشمر الإزار، وشديد الحذار، فارفع الشريف، وقو الضعيف، فقد وليتك
العراقين جميعا والبصرة، فاضغطها ضغطة يحيق بها أهل البصرة، وإياك وهوينا أهل
الحجاز! فإن القائل يقول ألفا ولا يقطع حرفا.
قال: ثم التفت عبد الملك بن مروان إلى كاتبه فقال: اكتب عهده على
العراقين، وأطلق يده في الرجال والسلاح والأموال ولا تجعل له علة، واعلم أهل
العراق أنه قادم إليهم أميرا عليهم فليلزموا طاعته وليحذروا صولته. قال: فكتب عهد
الحجاج على العراقين يوم الاثنين، وخرج يوم السبت، فلم يزل يسير حتى دخل
الكوفة (1).



(1) في الطبري 6 / 202 أن عبد الملك كتب إلى الحجاج على العراق دون خراسان وسجستان وأرسل إليه
الكتاب، وهو بالمدينة واليا عليها، يأمره بالمسير إلى الكوفة وذلك بعد وفاة أخيه بشر بن مروان،
فخرج الحجاج من المدينة في اثني عشر راكبا على النجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار فجأة.
وفي الإمامة والسياسة 2 / 39 أن عبد الملك كتب إلى الحجاج: أن سر إلى العراقين، واحتل
لقتلهم، فإنه قد بلغني عنهم ما أكره.
6
ذكر قدوم الحجاج إلى الكوفة
وكلامه على المنبر
قال: فلما دخل الكوفة قدم (1) أشراف الناس ينظرون إليه من كل ناحية، حتى
نزل على باب المسجد الأعظم، ثم دخل المسجد الأعظم من ساعته وعلى رأسه
عمامة له حمراء قد اعتجر بها، وتنكب قوسا له عربيا وهو متقلد بالسيف حتى صعد
المنبر فجلس عليه، واجتمع (2) الناس حتى انغص المسجد بأهله والحجاج جالس
على المنبر ما يحدر اللثام عن وجهه ولا ينطق بحرف. قال: وأهل الكوفة يومئذ ذوو
هيئة وعزة وبزة ومنعة وحالة جميلة، الرجل منهم يدخل المسجد ومعه جماعة من
أهل بيته ومواليه، وعليهم الخزوز وأشباه ذلك، قال: وفي المسجد يومئذ أشراف
مجتمعون. قال: فتكلم رجل منهم فقال: لعن الله بني مروان حين يستعملون مثل
هذا أميرا! فوالله لو كان كله كلاما لما كان شيئا! قال: والحجاج ساكت ينظر يمينا
وشمالا، فلما أن رأى أن المسجد قد انغص بأهله قال: اجتمعتم؟ قال رجل
منهم: نعم، قد اجتمعنا أصلح الله الأمير! فهات ما عندك، قال: فسكت الحجاج
قليلا لا يأتي بجواب، فلما نظروا إلى سكوته أهووا بأيديهم إلى حصباء المسجد
ليحصبوه. قال: وفطن الحجاج لذلك فقام قائما على قدميه، وخففت الطبول
والاعلام على باب المسجد، وتكلم الحجاج وقال: أفعلتموها يا أهل الفتنة
الداجنة! ثم سفر العمامة عن وجهه وجعل يقول:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني (3)
صليب العود من سلفي نزار (4) * كنصل السيف وضاح الجبين
وماذا يبتغي الاقران (5) مني * وقد جاوزت حد الأربعين



(1) الأصل: قدموا.
(2) بالأصل: واجتمعوا.
(3) البيت لسحيم بن وثيل الرياحي، من أبيات تمثل بها الحجاج.
قوله ابن جلا: هو الصبح لأنه يجلو الظلمة، طلاع الثنايا: العارف بالأمور والشديد المجرب، والثنايا
أيضا: ما صغر من الجبل ونتأ.
(4) في العقد الفريد 4 / 110 رياح.
(5) في العقد الفريد: الشعراء.
7
أخو الخمسين مجتمع أشدي * وهمي في مداواة الشؤون
وإني لن يعود إلي قرني * غداة الروع إلا بعد حين (1)
قال (2): ثم سكت هنية وقال: إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها،
وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء، وإنها لترقرق [بين] (3) العمائم واللحى.
قال: ثم جعل يرتجز ويقول:
والقوس فيها وتر عرد * مثل ذراع الفيل أو أشد (4)
لابد مما ليس منه بد * قد جد عني أمركم فجدوا
قال: ثم سكت هنية فطفق يقول (5):
هذا أوان الشد (6) فاشتدي زيم * عند النطاح يغلب الكبش الأحم
قد لفها الليل بسواق حطم * ململم الخلق عنوف في الظلم
خدلج الساقين خفاق القدم * فلم تنم ليلتها ولم ينم
بات يراعيها غلام ذو همم * ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر وضم (7) * من يلقه يود كما أودت إرم
قال: يا أهل العراق! إني لست‌ بأعرابي أعود بجراثيم العوسج، ولا أغمز (8)



(1) في العقد الفريد: غداة العبء إلا في قرين.
(2) وردت خطبة الحجاج في كثير من كتب التاريخ والأدب مروج الذهب 3 / 154، الطبري 7 / 210
الكامل لابن الأثير 3 / 85 الكامل للمبرد 2 / 492 البيان والتبيين 2 / 223 عيون الاخبار 2 / 243 صبح
الأعشى 1 / 218 وفيات الأعيان 2 / 33 مع بعض الاختلاف بين هذه المصادر من زيادة أو نقصان
واختلاف في بعض الكلمات أو الالفاظ وأحيانا العبارات. وما نراه مناسبا سنلاحظه عند الضرورة.
(3) زيادة عن المصادر.
(4) الأبيات لحنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي (النقائض ص 642) في العقد الفريد والكامل للمبرد
(الكبر) بدل (الفيل).
(5) الأرجاز لرويشد بن رميض العنزي كما في اللسان (حطم) والأغاني 14 / 45 بولاق، ونسبها المبرد
للحطم القيسي 2 / 499. وانظر شرح الحماسة للمرزوقي ص 354 والتبريزي 1 / 184.
(6) في مروج الذهب وابن الأثير: الحرب.
(7) بالأصل: الوضم. والوضم: ما وقي به اللحم عن الأرض.
(8) يغمي أي يضغط ويلوي.
8
كغمز التنين، ولا أقرع كقرع المرقة، ولا يقعقع لي بالشنان (1)، ولقد فررت عن
ذكاء (2)، وفتشت عن تجربة، وجربت‌ إلى الغاية القصوى، وإني لأحمد الرجل
منكم بفعله وأحذوه بنعله، وإن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان نكث كنانته
فعجم (3) عيدانها عودا عودا، فوجدني أمرها عودا وأصلبها مكسرا وأحزمها أمرا
وأصدقها مخبرا، فوجهني إليكم ورماكم بي أميرا عليكم، لان الشيطان قد باض في
نحوركم، ودب ودرج في صدوركم، فأنتم له زين، وهو لكم قرين (ومن يكن
الشيطان له قرينا فساء قرينا) (4)، يا أهل الكوفة! إنكم طالما أبطأتم عن الحق،
وعدلتم عن الصدق، وسننتم سنن الغي والجهالة، وتسكعتم في العمى والضلالة،
وأيم الله لأقرعنكم قرع المروءة، ولأعصبنكم عصب السلمة (5)، ولأقطعنكم عن
خضاب الكثم، ولأبرينكم بري القلم، واعلموا أني لا أعد إلا وفيت، ولا أقول إلا
أمضيت، ولا أدنو إلا فهمت، ولا أبعد إلا سمعت، فإياكم وهذه الهنات
والجماعات والبطالات وقال وقيل وماذا يقول (6)، وأمر فلان إلى ماذا يؤول، وما أنتم
يا أهل العراق ويا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الاخلاق! وإنما أنتم أهل قرية
(كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس
الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) (7)، ألا! وإن خير الرأي ما هدى الله به العباد،
إلى سبيل الرشاد، فليعقل من كان له معقول، أو لسان به يقول، أو ذهن به يصول،
أو رأي مدخول، ألا! وقد أتتكم بائقة من بوائق الزمان، ذات علم وبيان، يتلوها
سطوة من سطوات الله ذي الجلال، يحتاج فيها كرائم الأموال، يراق فيها الدماء،
ويجعل الحرائر فيها إماء، ثم لا يستطيعون عند ذلك عبرا، ويرونها لكم غيرا،
فهيهات هيهات! لما قد مضى وفات، ما الخبر ما الخبر! الحجاج حية ذكر،
يجتلى بسيفه الهام والقصر، وله في كل يوم نهر ومزدجر، ألا! من استوسقت لنا



(1) لا يقعقع لي بالشنآن: الشنآن واحدها شن وهو الجلد اليابس فإذا قعقع به نفرت الإبل منه، فضرب
ذلك مثلا لنفسه.
(2) ذكاء: تمام السن، والذكاء على ضربين: أحدهما تمام السن، والاخر: حدة القلب.
(3) عجم عيدانها: مضغها لينظر أيها أصلب، يقال: عجمته عجما.
(4) سورة النساء الآية 38.
(5) السلمة واحدة السلم. ضرب من الشجر كثير الشوك. قال ابن الأثير: شجر من العضاة.
(6) في البيان والتبيين: وما يقولون.
(7) سورة النحل الآية 112.
9
طاعته، فهو منا ونحن منه، ومن ركب الموماة وأخذ في الشبهات، فلات حين
مناص، لأهل الهنات والمعاصي، يا أهل الكوفة! ما تخافون أن تغير عليكم الخيل
الملجمة، عليها الكماة المعلمة، فتترك رجالكم كأمثال الزقاق الناصبة، السائلة
بأرجلها العاصبة، ألا! إن سيفي سيروى من دمائكم، ويفرى من جلودكم، فمن
شاء فليحقن دمه، وإلا أطعمت السباع لحمه، وأقمت الرخم على شلوه، فمهلا
مهلا يا أهل العراق! فإن مثلي يقرن الصعاب ويرتبط الخيل العتاق، لأني في
الحروب ولدت، وفي الحروب نشأت وحنكت، ونبتت نواجذي، وصلع رأسي،
ألا! وإني قد سست وساسني السائسون، وأدبني المؤدبون، فاستقيموا وبايعوا،
واسمعوا وأطيعوا، واعلموا أنه ليس مني الاكثار ولا الاهدار، ولا الفرار والنفار،
وإنما هو انتضاء هذا السيف البتار، ثم لا يغمد حتى يذل الله لأمير المؤمنين
صعبكم، ويقيم له أولادكم، ألا! وإني وجدت اليسر مع الصدق، والصدق في
الجنة، ووجدت الكذب مع الفجور، والفجور في النار، ألا (1)! وإن أمير المؤمنين
قد أمرني أن أوفر عليكم عطاياكم وأن أشخصكم إلى مجاهدة عدوكم، وقد أمرت
بذلك لكم، والحجاج بن يوسف‌ يعطي ربه عهدا يأخذه ويستوفيه منه، لئن بلغني
أن رجلا منكم تخلف عن قبض عطائه يوما واحدا لأضربن عنقه، ولأنهبن ماله
ولأهدمن داره (1).
ثم قال: يا غلام! اقرأ عليهم! [فقرأ عليهم] كتاب أمير المؤمنين إلى من
بالعراق: بسم الله الرحمن الرحيم، من عند عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين،
إلى من بالعراق من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم - فلم يقل أحد شيئا، فقال
الحجاج: يا أهل الفتن! يسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون عليه السلام! أما والله
لأؤدبنكم بأدب غير هذا إن شاء الله ولا قوة إلا بالله! يا غلام! أعد القراءة، فلما بلغ
إلى قوله: سلام عليكم، لم يبق أحد في المسجد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين
السلام ورحمة الله وبركاته، وعلى الأمير معه. قال: ثم قرأ الكتاب عليه بالسمع
والطاعة للحجاج حتى إذا أتى على آخره قال (2) الناس: سمعنا وأطعنا أيها الأمير!
فمد الله لنا في عمرك.



(1) في الطبري: وقد بلغني رفضكم المهلب وإقبالكم على مصركم عصاة مخالفين، وإني أقسم لكم بالله
لا أجد أحدا بعد ثالثة إلا ضربت عنقه. زيد في ابن الأثير: وأنهبت داره.
(2) بالأصل: قالوا.
10
قال: ثم نزل الحجاج عن المنبر ودخل إلى قصر الامارة فأقام ثلاثا، فلما كان
في اليوم الرابع وقعد للناس وأمر بفتح أبوابه، ووضع للناس العطاء، فجعلوا
يقبضون ويتجهزون إلى المهلب بن أبي صفرة لحرب الأزارقة.
قال: وأقبل رجل من بني تميم يقال له عمير بن ضابئ (1) البرجمي ومعه نفر
من بني عمه حتى أوقفهم على باب الحجاج، ثم دخل فسلم فقال: أيها الأمير!
أصلحك الله وأصلح على يديك، وجعلك صلاحا لمن لاذ بك ولجأ إليك وأناخ
بفنائك، فإنك كهف للعرب وطودها بعد أمير المؤمنين، إني قد سمعت النداء وخرج
اسمي في هذا البعث إلى حرب الأزارقة وأنا شيخ ولي ابن هو أقوى مني وأجلد في
الحرب وأصبر في السفر، فإن رأى الأمير أيده الله أن يقبله مني بديلا ويمن علي
بلزوم منزلي فعل موفقا مانا متفضلا، فإني سأملأ الأرض ثناء والسماء دعاء، والشاكر
محبوب وقد أحبه الله عز وجل وأمر به عباده، فقال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه
(واشكروا لي ولا تكفرون) (2) وقد قال الشاعر حيث يقول:
فإن كان يستغني عن الشكر ماجد * لعزة مجد وارتفاع مكان
لما أمر الله العباد بشكره * فقال اشكروا لي أيها الثقلان
قال فقال الحجاج: يا شيخ! فإننا قد أجبناك إلى ما سألت، انطلق فوجه
بابنك بديلا فلا بأس بشاب يكون مكان شيخ. فلما ولى الشيخ من بين يدي الحجاج
التفت كاتب الحجاج عنبسة بن سعيد (3) فقال: أصلح الله الأمير أتعرف هذا الشيخ؟
فقال الحجاج: لا، قال: هذا عمير بن ضابئ البرجمي الذي دخل على أمير
المؤمنين عثمان بن عفان في يوم الدار وهو مقتول فكسر ضلعا من أضلاعه، قال فقال
له الحجاج: أيها الشيخ الضال! ألست‌ القائل يوم قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان
هذا البيت:
أردت (4) ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله (5)



(1) عن الطبري 6 / 207 وبالأصل (صافي).
(2) سورة البقرة الآية 152.
(3) عن الطبري 6 / 207 وبالأصل سعيد بن عيينة.
(4) في الطبري: هممت.
(5) في البداية والنهاية 9 / 9 فعلت ووليت البكاء حلائلا.
11
أتشهد يوم الدار ببدنك وتبعث اليوم بابنك بديلا! هل بعثت بديلا يوم الدار!
أما والله إن في قتلك صلاحا لأهل المصرين! يا غلام اضرب عنقه! قال: فتنحى
الشيخ من بين يدي الحجاج فضرب عنقه فإذا رأسه يتدهده، قال: وسمع الحجاج
ضجة بالباب فقال: ما هذا الضجيج؟ فقيل له: أصلح الله الأمير هؤلاء بنو عم هذا
المقتول، فقال: ألقوا إليهم رأسه، فألقي إليهم الرأس، فلما نظروا إليه ولوا هاربين
على وجوههم حتى دخلوا منازلهم. قال: وجعل يتمثل بقول سويد بن أبي كاهل:
كيف يرجون سقاطي بعد ما * جلل الرأس مشيب وصلع
ساء ما ظنوا وقد أبليتهم * عند غايات المنى كيف أقع
رب من أنضجت غيظا صدره * قد تمنى لي موتا لم يطع
ويراني كالشجا في حلقه * عسرا مخرجه ما ينتزع
ويحييني إذا لاقيته * وإذا يخلو له لحمي رتع
قال: وأقبل ابن الزبير الأسدي عند باب الحجاج فزعا مذعورا، فلقيه ابن عم
له يقال له إبراهيم (1) فقال: ما وراءك يا بن الزبير؟ فقال: ورائي وا لله كل بلية،
فقال: وما ذاك؟ قال: قتل عمير بن ضابئ صبرا فالنجاة النجاة! ثم أنشأ يقول:
أقول لإبراهيم لما لقيته * أرى الامر أمسى واهنا (2) متشعبا
تخير فإما أن تزور ابن ضابئ * عميرا وإما أن تزور المهلبا (3)
هما خطتا سوء (4) نجاؤك منهما * ركوبك حوليا من الثلج أشهبا (5)
وإلا فما الحجاج غامد سيفه * يد الدهر حتى يترك الطفل أشيبا



(1) في الطبري 6 / 209 إبراهيم بن عامر أحد بني غاضرة من بني أسد.
(2) في الطبري وابن الأثير: منصبا.
(3) قبله في الطبري وابن الأثير:
تجهز واسرع والحق الجيش لا أرى * سوى الجيش إلا في المهالك مذهبا
(4) الطبري: خطتا كره، وفي ابن الأثير: خطتا خسف.
(5) بعده في الطبري وابن الأثير:
فحال ولو كانت خراسان دونه * رآها مكان السوق أو هي أقربا
فكائن ترى من مكره العدو مسمن * تحمم حنو السرج حتى تحببا
12
قال: وأصبح الحجاج من غد فدعا بكاتبه، فقال: اكتب إلى المهلب بن
أبي صفرة: أما بعد فإن بشر بن مروان وجهك إلى الحرب التي (1) للأزارقة وكان
مستكرها لنفسه فيك، وأنا أريد لحاجتي إليك فأبشر وقر عينا وأثبت على حرب
القوم، فوالله لأحشرن إليك حشرا ولأعجلن الرجال على إلحام الخيل، ولآخذن
السمي بالسمي والكني بالكني والولي بالولي حتى يكون من يوافيك أكثر مما
يفارقك، وما لي قول هو أعظم من نعمة الله عز وجل عليك - والسلام - (2).
قال: ثم أمر الحجاج مناديه، فنادى بالكوفة: ألا! إننا قد أجلنا من كان من
أصحاب المهلب ثلاثا، فمن أصبناه بعد ذلك فعقوبته ضرب عنقه. قال: ثم دعا
الحجاج بحاجبه زياد بن عروة وبصاحب شرطته سويد بن ثروان فقال لهما: اركبا في
حماعة من الجند، وأمراهم (3) أن يعلقوا السياط في خناصرهم والسيوف في
أيمانهم، واحشرا (4) الناس إلى المهلب حشرا، فمن تأخر وأبى فاستعملوا فيه
السيف. قال: فحشرا الناس إلى المهلب بن أبي صفرة حتى لم يفقد من أصحابه
الذين تفرقوا عنه رجلا واحدا.
قال: ثم كتب إليه الحجاج يعلمه أنه قد جعل له الشرط الأول وأن له خراج ما
غلب عليه من البلاد إلى أن يقضي حرب الأزارقة. قال: فكانت الأموال تنتقل إليه
من أرض فارس إلى أرض‌ البصرة في البدر مكتوب عليها: (هذا ما أطعم الله
المهلب بن أبي صفرة مما غلب عليه من بلاد الله) يحمله إلى قومه من العتيك، لا
يعترض عليه معترض.
قال: وعلم (5) أهل خراسان بقدوم الحجاج إلى العراق فكتبوا إليه يشكون
أميرهم أمية بن عبد الله بن خالد القرشي وأنه قعد عن الجهاد، وفي الكتاب إلى



(1) الأصل: الذي.
(2) كتاب الحجاج إلى المهلب في الكامل للمبرد 3 / 1304. وزيد فيه: فكتب إليه المهلب: ليس قبلي
إلا مطيع، وإن الناس إذا خافوا العقوبة كبروا الذنب، وإذا أمنوا العقوبة صغروا الذنب، وإذا يئسوا
من العفو أكفرهم ذلك. فهب لي هؤلاء الذين سميتهم عصاة فإنهم فرسان أبطال، أرجو أن يقتل الله
بهم العدو وأكثرهم نادم على ذنبه.
(3) الأصل: وأمروهم.
(4) الأصل: واحشروهم.
(5) الأصل: وعلموا.
13
الحجاج هذه الأبيات:
أحجاج بن يوسف أنت راع * وراعي القوم يحفظ ما أضاعوا
وإنا معشر من جذم قيس * لنا في الناس مكرمة وباع
عبرنا حقبة ولنا أمير * جبان القلب ذو خوف يراع
وإنك قد وليت أمور قوم * وثغر لا يقوم له الشجاع
وأنت المستغاث إذا ألمت * بأهل الثغر داهية شناع
فلا تغفل فداك أبي وأمي * أناسا ما يعينهم القراع
إذا فلوا كتائب خارجي * عدت أخرى وهمتها المضاع
وما ينفك نصرتهم ببيض * تلالا في الأكف لها شعاع
كذلك دأبنا في كل حرب * طوال الدهر أو يخزى (1) الكراع
قال: فلما ورد كتاب أهل خراسان على الحجاج وقرأه ونظر في هذا الشعر كأنه
هم أن يعزل أمية بن عبد الله عن خراسان، غير أنه اشتغل بأمر الأزارقة فكتب إليهم
يعدهم ويمنيهم أنه يوجه إليهم بأمير يرضونه، وأخبرهم في كتابه أنه مشغول بحرب
الأزارقة.
قال: فلما اجتمع للمهلب بن أبي صفرة أمره قام في الناس خطيبا، فحمد الله
وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن الله قد دفع عني وعنكم ما كنا نخاف ونحذر من
أمر (2) الأزارقة وقد كنا بدار مضيعة، وإن الله تبارك وتعالى أسأله أن يتم نعمته علي
وعليكم، فاحمدوا الله على ما أعطاكم، وسيروا إلى عدوكم. قال: ثم نادى في
أصحابه فسار وساروا معه حتى صار إلى أرجان (3) فأقام بها ثلاثا، ثم سار منها إلى
سابور (4)، والأزارقة يومئذ بها وقد جعلوها دار هجرتهم. قال: فأقام المهلب على
سابور يحارب الأزارقة الليل مع النهار حتى حاربهم ثلاث سنين كملاء مثل يوم
واحد. قال: وأرسل الحجاج إلى المهلب أن ناجز القوم (5)، ما تنتظر بهم إلى هذه



(1) الأصل (نحوى) وما أثبت يناسب السياق.
(2) الأصل: أمراء.
(3) أرجان: مدينة كبيرة. انظر معجم البلدان الجزء الأول.
(4) سابور: انظر معجم البلدان الجزء الثالث.
(5) في الكامل للمبرد 3 / 1312 أن الحجاج وجه البراء بن قبيصة إلى المهلب. يستحثه في مناجزة
القوم.
14
الغاية! فكتب إليه المهلب: أيها الأمير! إني أنتظر بهم ثلاث خصال (1): موت
صاحبهم قطري بن الفجاءة، أو فرقة وتشتيتا، أو جوعا قاتلا، وأنا أرجو أن أدرك
ذلك فيهم إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العظيم.
قال: وكان الحجاج قد ظن في نفسه أن المهلب ليس بناصح في حرب
الأزارقة، فدعا برجل من أصحابه يقال له عبد الله بن الجراح وكان عنده من الثقات،
فضم إليه قوما من أصحابه وقال: أريد منكم أن تسيروا إلى المهلب فتقيموا عنده أياما
وتنظروا إلى حرب الأزارقة وتأتوني بالخبر (2)! قال: فسار القوم حتى صاروا إلى
المهلب فنزلوا عنده شهرين كاملين، فجعلوا ينظرون إلى المهلب، وأنه يعبئ في
كل يوم رجلا من أولاده في أول النهار، ثم يقاتلهم بنفسه في آخر النهار، ثم أقبل
على الرسل بعد ذلك فقال: انظروا هل بعد هذا من جهد؟ فقالوا: لا والله يا أبا
سعيد! ولا ظن الأمير أن حرب القوم على هذا الشأن. قال: ثم رجع القوم إلى
الحجاج وتقدم عبد الله بن الجراح، فلما سلم وقضى حق التسليم قال له الحجاج:
ما وراءك يا بن الجراح؟ وكيف رأيت المهلب في حرب القوم؟ فقال: أيها الأمير!
رأيت والله منه ما سرني، رأيته يحتمل المصيبة ويلقى القوم بنفسه وأولاده فيجاهدهم
في الله حق جهاده. قال فقال له الحجاج: ما أحسن ثناءك على المهلب؟ فقال:
أيها الأمير! إنه كان يفعل ذلك الفعال فحقيق بالثناء.
قال: وجعل المهلب يحارب القوم حتى حاربهم بعد ذلك سنة كاملة. قال:
فكتب إليه الحجاج: أما بعد، فإنك قد طاولت العدو وجبيت‌ البلاد، ولو شئت أن
تفرغ من حرب الأزارقة لفرغت، ولكنك تحب المطاولة لجباية الأموال، فناجز القوم
ولا تطاولهم - والسلام -. قال: ثم دفع الحجاج كتابه إلى رجل من ثقيف له لسان
ذرب ومنطق ذلق (3) فقال له: صر إلى المهلب وانظر أن تحثه على قتال القوم



(1) في الكامل للمبرد 3 / 1312 إني منتظر بهم إحدى ثلاث: موت ذريع، أو جوع مضر أو اختلاف من
أهوائهم.
(2) في الكامل للمبرد 3 / 1316 أن الحجاج كتب إلى المهلب مع ابن الجراح انظر فيه نص الكتاب -
وجواب المهلب إليه بعد عودة ابن الجراح يطلع الحجاج على أخبار المهلب الكامل 3 / 1317 -
1318.
(3) في الطبري 6 / 301 والكامل للمبرد 3 / 1312 بعث الحجاج البراء بن قبيصة بكتاب إلى المهلب.
15
ومناجزتهم فإنه قد طاولهم. فلما ورد كتاب الحجاج على المهلب وقرأه تبسم ضاحكا
ثم قال: والله ما أنا والحجاج إلا كما قال أوس بن حجر (1):
ومستعجل عما يرى من آبائنا * ولو أضجرته الحرب لم يترمرم (2)
قال: فجعل ذلك الثقفي (3) يتكلم ويخطب ويحرض على القتال، فقال له
المهلب: أيها الرجل! إن الحرب ليس بالكلام ولا بالخطب، ولكن اصبر حتى ترى
وتنظر إلى حرب القوم! قال: ثم نادى المهلب في الناس وزحف نحو الأزارقة،
واختلط القوم فجعلوا يقتتلون من صلاة الظهر إلى أن انتصف الليل. قال: وبقي
الثقفي حيران لا يدري ما يقول، ثم أقبل على المهلب فقال: حسبك يا أبا سعيد!
فقال له المهلب: اصبر قليلا ولا تعجل، قال: فلم يزل القوم يقتتلون إلى وقت
السحر، وكاد الثقفي يموت لما رأى. قال: وأصبح القوم فرجع عن بعضهم بعض
في وقت الضحى، فأنشأ رجل من أصحاب المهلب في ذلك يقول (4):
ما زلت يا ثقفي تخطب دانيا (5) * وتغمنا بوصية الحجاج
حتى إذا ما الموت أقبل زاخرا * وسما لنا صرفا بغير مزاج
وليت يا ثقفي غير مناظر * تبدين (6) بين أحزة وفجاج
وبنو المهلب في الغبار كأنهم * أسد لبسن يلامق الديباج
ليست مقارعة الكماة لدى الوغا * شرب المدامة في إناء زجاج



(1) في الكامل للمبرد 3 / 1327 أن المهلب قال البيت متمثلا بعد أن وجه الحجاج برجلين إلى المهلب
أحدهما من كلب والاخر من سليم يستحثانه بالقتال.
(2) روايته في الكامل:
ومستعجب مما يرى من أناتنا * ولو زبنته الحرب لم يترمرم
لم يترمرم: أي لم يتحرك.
(3) يريد بالثقفي عبيد بن أبي ربيعة بن أبي الصلت الثقفي وكان الحجاج قد أرسله أيضا إلى المهلب
يستحثه بالقتال. (كما في الكامل للمبرد 3 / 1340) وكانت رسل الحجاج إلى المهلب قد كثرت حتى
أن الروايات اختلفت في الوقت الذي أرسل فيه هذا الرسول أو ذاك وهذا ما أحدث هذا الاضطراب في
تحديد أسمائهم ومتى أرسلوا.
(4) في الكامل للمبرد 3 / 1343 رجل من بني عامر بن صعصعة.
(5) في الكامل للمبرد: بيننا.
(6) في الكامل للمبرد: تنساب.
16
قال: ثم أقبل المهلب على هذا الثقفي فقال: انصرف الان إلى الحجاج
فأخبره أن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب - والسلام -. قال: ثم كتب أبو خالد
اليشكري مع هذا الثقفي إلى الحجاج بهذه الأبيات:
ألا قل لمن ظن المهلب خائنا * هلم فكن فينا مكان المهلب
وحدث بتعليم القتال وحاربا * بأجسامنا (1) والعفو عن كل مذنب
فإن رجالا غيبوا عن طعاننا * وعن ضرب هامات الليوث المجرب
قد أعطوك من أمر المهلب عنوة * وقد ذهبت أبناؤه كل مذهب
فلو ذقت كأسا من عبيدة مرة * وعمرو القنا أو عبد رب وشوذب
ومن قطري أو عطية وابنه * ومن صالح أو من زبير ومصعب
لا يقنت أنا في حلوق عدونا * شجى ناشب سل يا بن يوسف تعجب
فأرسل إلينا من يعاين فعلنا * يقل حين يخبرنا فدا لكم أبي
قال: فغضب الحجاج من ذلك، ثم قال لجلسائه: ألا ترون إلى فعل هذا
المروي قد أكل الأرض وجبا الأموال ثم يتربص بي وبأمير المؤمنين ويكتب إلي بمثل
هذا وأشباهه. ثم قال: يا غلام! اكتب إلى المهلب! وابعث به إليه: أما بعد فإنك
مري وابن مري (2)، وأيم الله لئن لم تجهد في قتال القوم لأبعثن إليك من يحملك
على مكروهك - والسلام -. قال: فكتب إليه المهلب: أما بعد فقد ورد علي كتابك
تذكر فيه أني مري وابن مري، وما أنكر ذلك وأنا مروي - اسم سمتنا به العجم،
ولكن الأمير - أعزه الله - من قبيلة قد ادعت في خمس قبائل من العرب وما استقرت
بعد قرارها في واحدة منها، واحدة أنهم بقية من بقايا آل ثمود، والثانية أنهم انتموا
إلى وحاظة (3) ووحاظة لا عقب لها، والثالثة أنهم انتموا إلى زياد، والرابعة أنهم انتموا
إلى هوازن، والخامسة أنهم انتموا إلى ثقيف، فليت شعري في أي الاحياء هم
اليوم - والسلام -. قال: فقرأ الحجاج كتاب المهلب [و] استغرب ضحكا، ثم
قال: أفحشنا على الرجل ففحش علينا، والبادي أظلم.
قال: ثم كتب بعض أصحاب المهلب إلى الحجاج بهذه الأبيات:



(1) الأصل: بأحسابنا.
(2) كذا.
(3) وحاظة اسم قبيلة، وهو أحاظة بن سعد بن عوف... بن حمير بن سبأ.
17
لعمرك ما أخطأ المهلب رأيه * فلا عاش فينا بالخطأ المهلب
ولا ضن (1) عنا في اللقاء بنفسه * ولا ببنيه حين قال ألا اركبوا
فآسوا رجالا قد وفتكم نفوسهم * بأنفسكم حفوا إليها وأعقبوا
فما كان إلا القول حتى كأنهم * أسود بأكناف العرين تلهب
لكل امرئ من كرة الخيل نوبة * يطاعن بالرمح القويم ويضرب
إذا ما قاها جاء آخر بعده * فكل لكل في العجاجة معقب
فلا ينثني إلا وثغرة نحره (2) * تسيل دما والرأس فيه ملحب
فلولا بنوه في اللقاء وصبرهم * لقلنا لفرسان الأزارقة اذهبوا
لكم كل ما كان المهلب حازه * من الأرض فاجبوه ولا تتهيبوا
قال: فلما قرأ الحجاج هذه الأبيات جعل يقول: والله ما يختلج بقلبي أن قوما
يثبتون لمثل هذه الحروب، ولكني أحب أن أوجه بقوم ليأتوني بحقيقة ما يرون من
حرب هؤلاء الأزارقة، فوالله لو كانوا من حجارة أو حديد لما زادوا. قال: ثم دعا
الحجاج بعبد الاعلى بن عبد الله بن عامر بن كريز وبعبد الله بن عبد الرحمن بن
سمرة بن حبيب (3) وبجماعة من قريش فجهزهم، وقال: أريد منكم أن تسيروا إلى
المهلب وتعلموا لي علمه وتأتوني بحقيقة أمره، فإنه قد عظم علي أمر هؤلاء
الأزارقة، فقالوا: نفعل ذلك أيها الأمير.
قال: ثم سار القوم حتى قدموا على المهلب، والمهلب يومئذ نازل على باب
سابور في عسكره، فلما رآهم رحب بهم وقربهم ثم سألهم عن حالهم، فقال له
بعضهم: أبا سعيد! إن الأمير الحجاج قد كره مطاولتك لهذا العدو وقد أحب منك
المناجزة لهم لكي يشغلك بغيرهم. قال: فسكت المهلب ساعة ثم رفع رأسه
فقال: إنما أنا والحجاج كما قال الأول:
أبلغ أبا مالك عني مغلغلة * إن الكتائب لا تهزمن باللعب
ثم أقبل عليهم فقال: إن الأمير أكرمه الله أتاه السماع فقبله وأتاه العيان فرده،



(1) الأصل: ظن.
(2) في الأصل: (نعره نحوه) وما أثبت يناسب السياق.
(3) بالأصل: (جندب) وما أثبت عن جمهرة ابن حزم ص 67.
18
وقد كتبت إليه (أيها الأمير! إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فلا تكثر علي من
رسلك فأنا أعلم بحرب القوم منك)، فزعم أنه هو الشاهد وأني الغائب، ولكن
أقيموا إذ قدمتم الان حتى تعاينوا حرب الأزارقة، فوالله لا لقيتهم اليوم إلا بما لقيتهم
أمس. قال: ثم نادى المهلب في أصحابه فركبوا، ونادى قطري بن الفجاءة في
الأزارقة فركبوا، ودنا القوم بعضهم من بعض، وتقدم عشرة من أبطال الأزارقة
ورؤسائهم وساداتهم حتى وقفوا أمام الخيل، منهم قطري بن الفجاءة المازني وهو
صاحبهم وأميرهم، وعبيدة بن الهلال اليشكري، وعمرو القنا العنبري، وصالح بن
مخراق العبقسي، وعطية بن الأسود الحنفي، وشوذب بن عامر العامري، وحيطان
الايادي (1)، وعنترة المرادي (2)، وعبد ربه الصغير. قال: ونظر المهلب إلى ذلك
فدعا ببنيه وهم يومئذ عشرة، كل وأحد يعد بألف: المغيرة ويزيد وحبيب وقبيصة
ومدرك والمفضل ومحمد وحماد (3) وعبد الملك ومروان، قال: فأمر المهلب لكل
واحد أن يخرج إلى رئيس من رؤساء الأزارقة.
قال: فخرج يزيد وبين يديه رجل من الأزد وهو يرتجز ويقول أبياتا:
قل للشراة جاءكم يزيد * ذاك الذي لجمعكم مبيد
ذاك الذي دماركم يريد * ذاك الذي قتاله شديد
ذاك الذي ساعده حديد * من كل أمر شركم بعيد
وعنده من قتلكم مزيد
قال: ثم تقدم حبيب بن المهلب وبين يديه رجل من الأزد وهو يرتجز ويقول
قل للشراة ذهب الزبيب * إذ جاءكم في ظله حبيب
ذاك الحروب السيد المهيب * ذاك الذي بسيفه يصيب
من كل أمر ساءكم قريب
قال: ثم تقدم المفضل وبين يديه رجل من الأزد وهو يرتجز ويقول:
قل للشراة جاءكم مفضل * مودد مسود مبجل
سنانه من طعنه تشلشل



(1) كذا، ولعله عمران بن حطان بن ظبيان السدوسي.
(2) كذا بالأصل ولم نجده.
(3) كذا، ولم نعثر في أولاد المهلب من اسمه حماد.
19
وسيفه من ضربه مفلل * كأنه البازل حين يرفل
والخيل تعدو قد علاها قسطل
ثم تقدم المغيرة وبين يديه رجل من الأزد وهو يرتجز ويقول:
يا معشر الأزارق النحيره * أتاكم في خيله مغيره
كفاه كف بالندى مطيره * وكفه الأخرى لكم مبيره
ولا يرى كبيرة كبيره * لا بل يراها عنده صغيره
قال: ثم تقدم مدرك وبين يديه رجل من الأزد وهو يرتجز ويقول:
يا قطري بن الفجاءة الأنوك * أين إذا ضاق عليك المسلك
تسلك والخيل عليها مدرك * لن يبرح الدهر وهذا المعرك
صفكم أو تهلكوا أو نهلك
قال: فاختلط الفريقان (1) واقتتلوا من وقت الضحى إلى أن اختلط الظلام،
ورسل الحجاج ينظرون إلى ذلك. قال: وسقط رمح بعض الأزارقة فأخذه رجل من
أصحاب المهلب فحلفت الأزارقة أنهم لا يرجعون ولا يبرحون أن يأخذوا الرمح!
وحلف أصحاب المهلب أنهم لا يردونه عليهم! واقتتل (2) القوم على الرمح من وقت
اختلاط الظلام إلى الصبح حتى قتل من الفريقين جماعة، فأنشأ المغيرة بن حبناء (3)
التميمي يقول في ذلك أبياتا مطلعها:
ليت شعري وللأمور قرار * هل بلغنا مدى رضا الحجاج
إلى آخرها.
قال: ثم أقبل المهلب على رسل الحجاج فقال: كيف رأيتم حرب الأزارقة؟
فقالوا: حسبنا ما رأينا فردنا إلى صاحبنا! فوالله ما رأينا أشد كلبا على الاسلام من
هؤلاء الخوارج. قال: فخلع عليهم المهلب ورجعوا إلى الحجاج. فلما دخلوا عليه
قال: كيف رأيتم المهلب في حرب عدوه؟ فقالوا: أيها الأمير! ما رأينا قط قوما
أضرب بسيف، ولا أطعن برمح، ولا أرمى بسهم، ولا أعود إلى الحرب من بين



(1) الأصل: فاختلطوا الفريقين.
(2) الأصل: واقتتلوا.
(3) بالأصل: حسناء، وما أثبت عن معجم الشعراء للمرزباني.
20
الفرخ من قوم رأيناهم بالأمس من الفريقين. قال: فعذر الحجاج للمهلب على
إبطائه، ثم كتب إليه أن أعمل برأيك وامض (1) لما أحييت، فقد علمت أن الرأي ما
رأيت.
قال: وعبى قطري بن الفجاءة أصحابه تعبية الحرب وخرج من مدينة سابور،
ونظر المهلب رهج الخيل فوثب فعبى أصحابه، ودنا القوم بعضهم من بعض، وتقدم
عبيدة (2) بن هلال أمام الأزارقة فجعل يدعو للبراز ويطلب النزال، فصاح المهلب
بابنه مدرك فقال: يا مدرك! اكفني عبيدة! قال: أفعل - أصلح الله الأمير! ثم خرج
إليه المدرك! ونظره عبيدة فحمل عليه وبادره مدرك بطعنة مدركة، فولى عبيدة وله
عوي كعوي الكلب، فأنشأ المغيرة بن حبناء (3) التميمي في ذلك يقول أبياتا
مطلعها:
من رأى مدركا غداة التقينا * إذ أتاه عبيدة بن هلال
إلى آخرها.
قال: وكان عبيدة بن هلال قبل ذلك إذا لقي للحرب لا يولي ويقول: ما أولي
دبري في الحرب ولكني أخاف النار! فلما كان ذلك اليوم وطعنه مدرك بن المهلب
وولى من بين يديه ناداه مدرك: أين الفرار يا عبيدة؟ فقال: لست أفر ولكني أنحاز
إلى فئة تمنعني، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (4) في ذلك يقول أبياتا مطلعها:
قل للمهلب إن سيفك مدرك * حامي الحقيقة مدرك الأوطار
إلى آخرها.
قال: واقتتل القوم على باب سابور بيوم ذلك إلى الليل، ثم انهزمت الأزارقة
حتى دخلوا إلى المدينة ورجع المهلب إلى عسكره.
فلما كان الليل وهدأت العيون وسكنت الحركات خرجت الأزارقة من مدينة
سابور مع نسائهم وأموالهم وأولادهم هاربين على وجوههم حتى صاروا على مسيرة



(1) الأصل: أمضي.
(2) الأصل: عيينة خطأ.
(3) الأصل: حسناء، خطأ.
(4) عن الكامل للمبرد 3 / 1347 وبالأصل المغيرة بن معدان الأشعري.
21
عشرين فرسخا من مدينة سابور. قال: وعلم المهلب أنهم قد تنحوا فأقام في عسكره
يومه ذلك ولم يتبعهم، ثم أمر بعسكره فضرب على باب سابور، وبعث إلى أهل
المدينة فأخذ منهم الخراج وعزم على أن يجعل سابور منزله وداره ويحارب الأزارقة
حيث كانوا، فأنشأ رجل من أصحاب المهلب يقول في ذلك أبياتا مطلعها:
قل للأزارقة الذين تحزبوا * إن التفرق أول الاخراج
إلى آخرها.
قال: وجعلت الأزارقة يتباعدون من بين أيدي المهلب والمهلب لا يتبعهم،
وذلك أن الشتاء هجم عليه ووقعت الثلوج والأمطار واشتد البرد فلم يتبعهم
المهلب، حتى إذا انحسر عنهم الشتاء أقبل على أصحابه فقال: أيها الناس! إن بيننا
وبين عدونا على ما بلغني أقل من ثلاثين فرسخا وقد انحسر عنهم الشتاء وإنما هو
وجيف ليلة الخيل، فإذا القوم قد وافوا، فصاح المهلب بغلام له يقال له: مازن،
فقال: يا مازن! ناد في الناس بالرحيل. قال: فنادى مازن في الناس بالرحيل. ثم
سار المهلب وأصحابه فلم يشعر إلا وخيل الأزارقة قد أقبلت كأنها كواسر العقبان.
ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا ساعة، ثم وقعت الهزيمة على الأزارقة فانهزموا
إلى الموضع الذي جاؤوا منه. فقال المهلب: الحمد لله الذي كفانا شرهم، فوالله
لو فاجأونا ونحن على غير أهبة الحرب لفضحونا. قال: ورجع المهلب وأصحابه
إلى سابور، فأنشأ المغيرة بن حبناء (1) يقول في ذلك أبياتا مطلعها:
أكدنا ومن أرسى ثبيرا (2) مكانه * يسأل بنا لولا أتينا المهلب
إلى آخرها.
قال: فبينا المهلب ذات يوم يخطب الناس بسابور وذلك في يوم النحر إذ
أقبلت الأزارقة في جيش عرمرم يقدمهم عمرو القنا، قال: وبلغ ذلك المهلب،
فقطع الخطبة فقال: سبحان الله! في مثل هذا اليوم وافانا هذا العدو وإنه يوسف شريف
عند الله تعالى لا يحب أن تسفك فيه الدماء، غير أن الله عز وجل يقول: (الشهر
لحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما



(1) الأصل: حسناء.
(2) بالأصل: نبيرا.
22
اعتدى عليكم) (1). ثم أقبل المهلب إلى ابنه المغيرة ثم قال: يا بني! دع الناس
وعيدهم وأخرج إلى أعداء الله! قال: فعبى المغيرة أصحابه وخرج من باب سابور،
فلما صار على باب الخندق وإذا بعمرو القنا وقد تلقاه بجيشه، قال: فنظر إليه
المغيرة فحمل عليه والتقيا بطعنتين طعنه المغيرة طعنة خر منها صريعا على وجهه،
قال: وذهب المغيرة ليضربه بسيفه فحمله ثلاثة نفر من الأزارقة بكير وحطان
الايادي (2) وعميرة المرادي (3)، فانفلت عمرو القنا وهو لما به من طعنة المغيرة،
فأنشأ المغيرة بن حبناء (4) التميمي في ذلك يقول أبياتا مطلعها:
وما لاقى ذليل من عزيز * كما لاقى الشراة من المغيرة
إلى آخرها.
قال: فتقدم فتى من الأزارقة من مذحج يقال له معاذ حتى وقف بين الجمعين
فجعل يقول (5):
نحن صبحناكم غداة النحر * بالخيل أمثال الوشيج تجري (6)
يقدمنا (7) عمرو القنا في الفجر * إلى أناس لهجوا بالكفر
اليوم أقضي في الدماء (8) نذري * ومدرك ما أرتجي بوتر
قال: فما لبث أن خرج إليه رجل من أصحاب المغيرة بن المهلب يقال له
سعد بن أبي نجد الأزدي (9) والتقيا بضربتين، ضربه الأزدي ضربة جدله قتيلا، ثم



(1) سورة البقرة الآية 194.
(2) كذا بالأصل. ولعله عمران بن حطان.
(3) كذا بالأصل.
(4) بالأصل: حسناء. خطأ.
(5) الأرجاز في شعر الخوارج ونسبت إلى عمرو القنا وبعضها في الاخبار الطوال ص 285 ونسبت إليه
أيضا. والبيت الأول في الكامل للمبرد ونسب لغلام من الخوارج.
(6) في الاخبار الطوال وشعر الخوارج: تسري.
والوشيج: القنا، وسمي وشيجا لتداخل بعضه في بعض واشتباكه، ويقال: وشجت العروق وشيجا:
إذا تداخل بعضها في بعض.
(7) الاخبار الطوال وشعر الخوارج: يقدمها.
(8) الاخبار الطوال وشعر الخوارج: العدو.
(9) في الكامل للمبرد 3 / 1316 سعد بن نجد الفردوسي.
23
حمل على الأزارقة فجعل يضرب فيهم ضربا منكرا، فأنشأ رجل من أصحاب المغيرة
في ذلك يقول:
ألا لله ما لاقى معاذ * غداة النحر من سعد بن نجد
دعاه للبراز فما تلكأ * وسعد في صدورهم كأحد
وسعد ماجد بطل هزبر * وثوب في الوغى كوثوب فهد
فيا سعد السعود فدتك نفسي * أعدها في فوارسهم وأبدي
قال: وانكشفت الأزارقة من بين يدي ابن المهلب كشفة فضيحة، فأرسل
المغيرة بهزيمة القوم إلى أبيه المهلب يخبره بذلك، ثم دخل مدينة سابور فضحى مع
الناس (1).
فلما كان بعد الأضحى بثلاثة أيام إذا بالأزارقة وقد أقبلت بخيلها ورجلها
مستعدين للموت. قال: وبلغ ذلك المهلب فعبى أصحابه كما كان يعبئهم، ثم
تقدم بنفسه حتى وقف أمام الخيل واتبعه بنوه، فاختلط الخيلان بعضها ببعض وكلبت
الأزارقة على المسلمين فاشتد القتال، وحمل المهلب بنفسه على القوم فلم يزل
يقاتل حتى جرح سبع عشرة جراحة، فقال له رجل من أصحابه يقال له عباس
الكندي: أيها الأمير، أصلحك الله! إن الله تبارك وتعالى قد جعل كفاية من ولدك
وفتيانك وقوم وعشيرتك، فلم تلقى هؤلاء الأعداء بنفسك؟ فقال له المهلب: يا
عباس! إن الأسد إنما غلظت رقبته لأنه رسول نفسه، يا عباس! إن بني فرسان
ولكنهم لا يبلغون في الحرب مبلغي، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (2) في ذلك
يقول أبياتا مطلعها:
وليس إذا رأى ابن الورد بعد * ومسحا بالمهلب في الصباح
إلى آخرها.
قال: وعزمت الأزارقة على أن يبيت (3) المهلب في عسكره، فزحفت (4)



(1) انظر تفاصيل هذه الوقعة في الكامل للمبرد 3 / 1315 - 1316.
(2) الأصل: الأشعري. وما أثبت عن الكامل للمبرد.
(3) الأصل: يتبت.
(4) الأصل: فزحفوا.
24
الأزارقة في جوف الليل حتى أشرفوا على المهلب على باب سابور وعبيدة بن الهلال
اليشكري أمام الأزارقة، فالتفت إلى أصحابه وقال: أيقظوا القوم لكيلا يقولوا إننا
أتيناهم وهم نيام! قال: ثم جعل عبيدة يرتجز ويقول أبياتا مطلعها:
لسنا نريد غرة السبات * إن اغترار بكم من السوءات (1)
إلى آخرها.
قال: فاستيقظوا الناس وصاح المهلب بأصحابه، وتصعصعت الرايات،
وأجمحت الفرسان، وذاك في ليلة باردة ذات ثلج ومطر وريح منكرة. قال: وكان
أول من ركب واستوى على فرسه مدرك بن المهلب، فتقدم أمام الخيل وتبعه الناس
وهم يقولون: ألا! إنها روعة البيات! فاتقوا الله واصبروا! قال: ونظر مدرك بن
المهلب إلى صالح بن مخراق في سواد الليل وهو يهدر كأنه الجمل الأورق، وكان
من فرسان الأزارقة والمعدودين فيهم، فحمل عليه مدرك والتقيا (2) بضربتين، ضربه
صالح بن مخراق ضربة على بيضته ثبت لها مدرك، ثم ضربه ضربة أداره عن فرسه،
فأقعى صالح على رجليه، وتبددت خيل الأزارقة يمنة ويسرة، ثم تراجعوا واشتبك
الحرب، فأصبح القوم وقد قتل من الأزارقة جماعة، فأنشأ المغيرة بن حبناء يقول في
ذلك أبياتا مطلعها:
نفسي فداء أخي الحفيظة مدرك * عند الثبات لوقعة كانت شجا
إلى آخرها.
قال: فعظم مدرك بن المهلب من تلك الليلة في صدور إخوته وأحبه الناس حبا
شديدا. وإذا عين للمهلب أقبل إليه فقال: أيها الأمير! إن أردت القوم الساعة فإن
القوم قد صاروا إلى شعب بوان (3)! قال: فنادى المهلب في أصحابه فركبوا، وسار
يريد القوم، ونظرت الأزارقة إلى غبار الخيل فعلموا أنها خيل المهلب فتعبوا
للحرب، وإذا قطري بن الفجاءة أمام الخيل وهو يرتجز ويقول أبياتا مطلعها:



(1) الرجز في شعر الخوارج.
(2) الأصل: التقوا.
(3) شعب بوان: واد بين فارس وكرمان.
25
إن شجانا في الوغى المهلب * ذاك الذي سنانه مخضب (1)
إلى آخرها.
قال: ثم حمل عليه المهلب بنفسه والتقيا بطعنتين فافترقا بجراحتين. قال:
وأطبقت الحرب على الفريقين، وكان الفضل للأزارقة في أول النهار وللمهلب في
آخره، حتى انتصف بعضهم من بعض، فأنشأ المغيرة بن حبناء (2) التميمي في ذلك
يقول أبياتا مطلعها:
إذا قطري جاءني مرجحنة * فشبهه الراؤون في الليل كوكبا
إلى آخرها.
قال: وارتحلت الأزارقة من موضعهم حتى صاروا إلى إصطخر، قال:
ونظرت الأزارقة وإذا خيل المهلب قد وافتهم فرجعوا إليه وقد صفوا صفوفهم، ثم دنا
بعضهم من بعض، وخرج حطان الايادي (3) وكان من فرسان الأزارقة وشجعانهم ذا
بطش شديد لا يراه أحد إلا هابه وكره نزاله، فخرج حتى وقف بين الجمعين ثم جعل
يرتجز ويقول:
ادعوا بعباس وادعوا سعدا * وابن أبي الزناق ادعوا غمدا
والعتكي اليحمدي جلدا * ما إن أرى من النزال بدا
قال: فالتفت المهلب إلى عباس الكندي وكان من الابطال، فقال: يا
عباس! شأنك والرجل! فإنه قد بدأ باسمك. قال: فخرج إليه عباس الكندي
والتقيا (4) بطعنتين، طعنه عباس طعنة انكسر رمحه في يده فبقي عباس بلا رمح،
فقال: يا حطان! إنك رامح وقد انكسر رمحي، فإن أردت النصفة فألق رمحك
وسابقني! فقال له حطان: قد أنصفت يا عباس! قال: ثم رمى حطان برمحه
وضرب بيده للسيف، والتقيا للضراب، بادره عباس بضربة على بيضته فقد البيضة،
ثم رمى حطان عن فرسه قتيلا، فأنشأ المغيرة بن حبناء (2) التميمي في ذلك يقول أبياتا



(1) الشطران في شعر الخوارج.
(2) الأصل: حسناء خطأ.
(3) كذا. والأرجاز في شعر الخوارج ص 117 ونسبت إليه أيضا.
(4) الأصل: والتقوا.
26
مطلعها:
دعاك شقي للشقاء فوارسا * فعاجله دون الفوارس عباس
إلى آخرها.
قال: وانهزمت الأزارقة إلى إصطخر وتحصنوا (1)، وأقبل المهلب في خيله
ورجله حتى نزل عليهم فحاصرهم بها شهرا كاملا. فلما كان بعد شهر خرجوا إليه
وعزموا على المناجزة، ونظر المهلب إليهم وإلى ما قد أعدوا له من آلة الحرب،
فقال لأصحابه: أيها الناس! إن البادئ بالقتال مغلوب، والمضطر معذور، ومن
وطئ في داره فقد ذل، ومن صبر ظفر، وقد تكون البلايا بالذنوب، فانظروا كيف
يكون صبركم اليوم. قال: ودنا القوم بعضهم من بعض، وأقبل عبيدة بن هلال
وعمرو القنا حتى نزلا ووقفا على تل مشرف على عسكر المهلب، ثم رفع عمرو القنا
صوته وهو يقول:
كفى حزنا إنا ثلاثون ليلة * قريب وأعداء القران على خفض (2)
وما هكذا [إنا] نكون وهذه * أضاقت على عمرو القنا سعة الأرض
وأحسبهم أمسوا على حذو نعلنا * فذاك بذاك القوم بعض على بعض (2)
قال: ثم انحط عمرو القنا على التل على أصحاب المهلب كأنه باز خطوف وهو
يرتجز ويقول شعرا. قال: ثم انفض عبيدة بن هلال من التل كأنه الفحل القطم وهو
يرتجز ويقول شعرا.
قال: فالتفت المهلب إلى ابن أخ له يقال له بشر (3) فقال له: يا بن أخ! أحب
أن تكفيني أمر عبيدة بن هلال وعمرو القنا جميعا! فقال بشر: أفعل - أصلح الله
الأمير -! قال: ثم خرج بشر ابن أخي المهلب نحوهم وهو يرتجز ويقول شعرا. قال:



(1) ذكر المبرد أنهم أقاموا بإصطخر مختلفين فيما بينهم، انظر في أسباب اختلافهم الكمال 3 / 1322 -
1324.
(2) البيت في الكمال للمبرد 3 / 1324 وروايته فيه:
ألم تر أنا مذ ثلاثون ليلة * قريب وأعداء الكتاب على خفض
(3) الأبيات في شعر الخوارج ص 104.
(4) كذا، ولعله بشر بن المغيرة بن المهلب كما في الكامل للمبرد 3 / 1325.
27
ثم حمل بشر ابن أخي المهلب على عبيدة بن هلال فطعنه طعنة فإذا عبيدة في
الأرض، فحماه أصحابه، وحمل عمرو القنا على بشر فالتقيا بضربتين، ضربه بشر
في وجهه فرده إلى ورائه، ثم وقف في ميدان الحرب فأنشأ وجعل يقول أبياتا
مطلعها:
وكأني مليك إذ سطع النق‍ * - ع وحولي من الرماح عوالي
إلى آخرها.
قال: وتعاظم الامر بين الفريقين فاقتتلوا قتالا شديدا، وجعل قطري بن
الفجاءة ينادي بأعلى صوته ويرتجز ويقول أبياتا مطلعها:
سبحان ربي باعث العباد * سبحان ربي حاكم المعاد (1)
قال: وثار النقع وسطع الغبار وكلبت القوم بعضهم على بعض، وضرب يومئذ
المهلب على جبهته ضربة منكرة حتى كاد أن يسقط منها عن فرسه، وتسايلت الدماء
على وجهه ولحيته، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (2) في ذلك يقول أبياتا مطلعها:
خلص القتال إلى المهلب بعد ما * منع الذمار وليس فينا مانع
إلى آخرها.
قال: وانكشفت الأزارقة من بين يدي المهلب مفضوحين وقد قتل منهم نيف
عن ثلاثين رجلا.
فلما كان من الغد زحف القوم بعضهم إلى بعض، وأقبل المهلب على
أصحابه فقال: أيها الناس! إن كل من في عسكري فهو لي، ألا! وإني أحبكم،
وأحب ما إلي أهل النجدة، فانظروا من كان يحب منكم أحدا منهم فإني أعفيه عن
صحبته رجلا من ولدي حتى أجعله في صحبته. قال: فوثب فتى من أهل الكوفة
يقال له مالك بن أبي حبان الأسدي فقال: أيها الأمير! اسمع عني ما أقول، فقال
المهلب: قل ما بدا لك! فأنشأ وجعل يقول:
اجعلني مع الحرون كأني * فارس الناس في عجاج الحرون
فإذا قادني سواه فإني * لا أساوي عقال بان زبون



(1) الشطران في شعر الخوارج ص 129.
(2) بالأصل: الأشعري.
28
كلنا نطلب الحرون وما من * كان يهوى الحرون بالمغبون
قد حمانا الركبان [منا] جميعا * وحمانا بقرية الزيتون
إذ أتانا عبيدة بن هلال * يقدم القوم في دموك طحون
وأتانا عمرو القنا بلواه * مزبدا في العجاج كالمجنون
فدعاه المهلب بن أبي صف‍ * - رة ليس الحرون كالمأفون
فكفاه ما همه وأتاه * بعد ضيق الخناق بالتهوين
قال: فالتفت المهلب إلى ابنه حبيب فقال: يا بني! خذ هذا الفتى إليك
واعتقده واحتفظ به فإنه يحبك، وأخرى أن ينفعك وقت حاجتك إليه.
قال: وتقدم عبيدة بن هلال أمام الأزارقة فجعل يرتجز ويقول:
حتى متى يقتلنا المغيرة * ومدرك فيكم له عفيره
أصغركم وحدكم كبيره (1)
قال: ثم حمل على خيل المهلب وطاعن ساعة ورجع إلى عسكره، وتقدم
رجل من الأزارقة يقال له مالك بن قرير الطائي حتى وقف بين الجمعين فجعل يرتجز
ويقول شعرا. قال: فما لبث أن خرج إليه فتى من أصحاب المهلب يكنى أبا
الدرياق وكان شجاعا، فحمل عليه فطعنه طعنة فقتله، فأنشأ رجل من أصحاب
المهلب يقول في ذلك أبياتا مطلعها:
سال النزال فتى الأزارق مالك * فأجاب دعوته أبو (2) الدرياق
إلى آخرها.
قال: وأقبل رجل من الأزارقة يقال له عطية بن الأسود الحنفي إلى قطري بن
الفجاءة فقال: يا أمير المؤمنين! أريد أن توليني قتال المهلب وبنيه في هذا اليوم!
فقال قطري بن الفجاءة: قد فعلت ذلك. قال: فنادى عطية بن الأسود في فرسان
الأزارقة فلم يبق منهم فارس مذكور إلا صار إليه، فدنا عطية بن الأسود حتى وقف
بين الجمعين في قتال الأزارقة وشجعانه. والتفت المهلب إلى ابنه يزيد فقال: يا
بني! هذا عطية بن الأسود قد أقبل في فرسان الأزارقة فأخرج إليه في إخوانك الذين



(1) الأشطار في شعر الخوارج ص 110.
(2) بالأصل: أبا.
29
تثق بهم في الاقدام على المكروه. قال: فنادى يزيد بن المهلب في فرسان الأزد،
فاجتمعوا إليه من كل أوب، فقال لهم: اعلموا أنه من تخلف عني في وقت حاجتي
إليه محوت اسمه من الديوان. قال فقال أصحابه: أبا خالد! انظر إن تخلف منا
عنك أحد فاضرب عنقه.
قال: فدنا يزيد بن المهلب في أصحابه، ودنا عطية بن الأسود في أصحابه،
وتقدم فتى من بني ضبة من الأزارقة فجعل يقول شعرا. قال: ثم حمل الضبي على
يزيد بن المهلب فضربه فلم يصنع شيئا، وضربه يزيد ضربة لم يتمكن منه كما
يريد، فسقط الضبي إلى الأرض فأخذه يزيد أسيرا، فلما رآه غلاما شابا استحيى أن
يقتله فقال له: الحق بأهلك ما كنت الذي أقتل مثلك.
قال: ثم تقدم عطية بن الأسود حتى وقف بين الجمعين وطلب البراز، فذهب
يزيد بن المهلب ليخرج إليه، فتقدم رجل من أصحابه فأخذ بلجام فرسه فقال: أبا
خالد! لا تخرج إليه فإنه من الابطال المعدودين في الأزارقة، قال: فغضب يزيد بن
المهلب ثم قال: أطلق ويلك لجام الفرس وإلا هممتك بالسيف! قال: فتنحى
الرجل وحمل يزيد بن المهلب على عطية بن الأسود فالتقيا بضربتين [وضربة يزيد]
ضربة على بيضته فصرعه عن فرسه، وهم أن يضربه أخرى غير أنه اشتغل بغيره،
فوثب عطية بعده حتى اختلط بالقوم، فاقتتلوا يومهم ذلك إلى الليل. فلما اختلط
القوم انهزمت الأزارقة وقد قتل منهم جماعة، فأنشأ رجل من بني أسد في ذلك يقول
أبياتا مطلعها:
أتانا عطية في خيله * فقال المهلب نادوا يزيدا
إلى آخرها.
قال: فأقام القوم أياما متحاجزين قد كف بعضهم عن بعض، قال: وإذا قوم
من الأزارقة (1) قد أقبلوا إلى سرح المهلب فاستاقوا منه نيفا على ثلاثمائة رأس.
قال: فصاح المهلب بابنه مدرك، فقال: يا بني! إن السرح قد ذهب بعضه، وإنما
نحن بالله ثم بالسرح، فالحق القوم! قال: فنادى مدرك في فرسان الأزد، فركبوا
وركب مدرك في خيله نحو السرح حتى لحقه، وإذا رجل من الأزارقة يسوق السرح



(1) في الكامل للمبرد 3 / 1325 أن صالح بن مخراق أغار على السرح.
30
وهو يرتجز ويقول شعرا (1). قال: فلم يشعر الأزارقة ومدرك بن المهلب قد
وافاهم في خيله (2)، فلما نظروا إليه رجعوا إليه، فجعل رجل منهم يرتجز
ويقول (3):
أكل يوم يبعث المهلب * خيلا عليه من بنيه أغلب
ليس لنا في الأرض منه مهرب * لا شيء إلا الموت وإلا فاهربوا
قال: فحمل عليهم مدرك بن المهلب في خيله، فقتل منهم من قتل واستنقذ
السرح، وانهزمت الأزارقة وتركوا عامة أموالهم، فرجع مدرك بأسلاح وأسلاب القوم
إلى العسكر، فقال له المهلب: ما فعلت يا بني؟ فقال: استنقذت السرح وجئت
بعامة أسلاب القوم، فقال: ولم فاتك أحد منهم لم تقتله؟ فقال: أصلح الله
الأمير! لقد قاتلت القوم أشد القتال، ولولا ذلك لما قدرت على السرح. فقال
المهلب: هيهات يا بني! كل امرئ (4) لا أليه بنفسي فهو ضائع! فقال له رجل من
أصحابه (5): أصلح الله الأمير! لئن كنت لا تريد من الرجال إلا مثلك فلا والله ما فينا
من يساوي شسع نعلك، قال: ثم أنشأ ذلك الرجل يقول أبياتا مطلعها:
قل للمهلب والسياسة كاسمه * إن كنت تطلب للسياسة مثلكا
إلى آخرها.
قال: فبينا المهلب نازل على باب إصطخر محاصرا للأزارقة إذ خرجوا في
جوف الليل يريدون الهرب منها إلى المدينة البيضاء (6)، وذلك أنهم قد أكلوا جميع
ما كان بمدينة إصطخر فخرجوا عنها هاربين، واتصل الخبر بالمهلب، فنادى في



(1) وأخذ رجل أسود من الأزارقة يشل السرح أي يطرده وهو يقول:
نحن قمعناكم بشل السرح * وقد نكأنا القرح بعد القرح
أنظر الكامل للمبرد 3 / 1325 - 1326.
(2) في الكامل للمبرد 3 / 1325 فثار بشر بن المغيرة ومدرك والمفضل ابنا المهلب، فسبق بشر إلى
الطريق. وإذا برجل من الأزارقة يشل السرح... ولحقه المفضل ومدرك...
(3) الأشطار في شعر الخوارج ص 149.
(4) في الكامل للمبرد 3 / 1325: أمر.
(5) في الكامل للمبرد: فقال له بشر بن المغيرة.
(6) المدينة البيضاء أكبر مدينة في كورة إصطخر.
31
أصحابه أن اركبوا! ثم تبعهم. قال: والتفتت الأزارقة إلى خيل المهلب قد وافتهم،
فرجعوا إليه وعزموا على الموت، فتقدم عبيدة بن هلال وحسر عن رأسه وهو يرتجز ويقول:
حتى متى يتبعنا المهلب * كأنه في أثر صحبي كوكب
في كل يوم معزبات (1) شزب * فرسانها من حنق تلتهب
ليس لنا في الأرض منهم مهرب * ولا السماء أين أين المهرب (2)
قال: فحمل عليه بشر ابن أخي المهلب (3) فطعنه طعنة، سقط عبيدة عن
فرسه مفضوحا، فأنشأ بشر يقول في ذلك أبياتا مطلعها:
يا مليك ابنة الملوك سل بي * وبطعني عبيدة بن هلال
إلى آخرها.
قال: وصاح صالح بن مخراق: يا معشر المهاجرين! موتوا على دينكم،
وولوني قتال القوم! قال: ثم تقدم صالح أمام القوم وجعل ينادي: يا معشر المحلين
بشر لبشر ونفر لنفر، والله لا برحت أموت أو تموتوا. قال: فالتفت المهلب إلى ابنه
المفضل، فقال: أبا غسان! شأنك والرجل، فأخرج إليه في أصحابك فإنه قد خرج
في أصحابه، فإنه عجل فتأن وإن أمسك فتقدم. قال: فخرج المفضل بن المهلب
في خيله حتى وقف قبالة صالح بن مخراق، قال ثم قال: أنا أبو غسان فأثبت يا بن
مخراق! قال: ثم عطف عليه المفضل والتقيا بضربتين، ضربه المفضل انفلت منها
صالح بن مخراق وهو يولول، فناداه المفضل: إلى أين يا بن مخراق؟ إن كنت
صادقا فاثبت! قال: فلم يجبه صالح إلى شيء واشتغل بما قد نزل به من الضربة.
قال: واشتد القتال وجعلت الأزارقة كلما مل منهم قوم من القتال تأخروا وتقدم
آخرون، فقال المهلب: سبحان الله العظيم! والله ما رأيت ولا سمعت بمثل هؤلاء
القوم ساعة قط، كان كل ما ينقص منهم أن يزيد فيهم. فقال المفضل: نعم والله.
أصلح الله الأمير! وأعجب من ذلك أني كلما قلت ملوا من الحرب قد عادوا حتى



(1) في شعر الخوارج: مقربات.
(2) الأشطار الأول والخامس والسادس في الاخبار الطوال ص 276.
(3) لعله بشر بن المغيرة بن المهلب، وقد ورد اسمه كثيرا في الكامل للمبرد، وأنه كان كثير البلاء في قتاله
للخوارج.
32
كأنهم لم يفعلوا شيئا. فقال المهلب: هكذا الرجال يا بني، أما والله أن لولا الكتاب
المؤجل إذا لأبادونا أو أبدناهم.
قال: وضجرت الأزارقة وملوا من الطعن والضرب فولوا مدبرين نحو المدينة
البيضاء، فقال المهلب لأصحابه: لا تتبعوهم! فوالله ما انصرفوا حتى انتصفوا منا
وانتصفنا منهم. قال: فأنشأ المغيرة بن حبناء التميمي في ذلك يقول أبياتا مطلعها:
أتى ابن مخراق ليقضي نذره * وكان إذا ما قال افعل تفعلوا
إلى آخرها.
قال: وأقبل المهلب حتى نزل على مدينة البيضاء والأزارقة مجتمعون بها،
فنزل عليهم وحاصرهم وضيق عليهم غاية الضيق، فلما رأوا ذلك خرجوا إليه كالسباع
الضارية، وجعل رجل منهم ينادي: يا معشر المحلين! حتى متى نفر منكم، هذا
يوم نموت فيه جميعا. قال: وتقدم عمرو القنا حتى وقف بين الجمعين وجعل
ينادي: أين أبو غسان؟ أين المفضل بن المهلب؟ قال: فما لبث أن خرج إليه
المفضل وبين يديه رجل من الأزد يحرضه على حرب القوم، وهو يقول أبياتا
مطلعها:
أقدم فدتك النفس يا مفضل * فأنت من إخوتك المبجل
إلى آخرها.
قال: فحمل عليه عمرو القنا (1) وفي يده لواء الأزارقة، وحمل عليه المفضل
فطعنه في صدره طعنة، فأوهنه حتى سقط اللواء من يده فأخذ أصحاب المفضل
اللواء من عمرو، ومر عمرو مجروحا لما به، فأنشأ المغيرة بن حبناء التميمي يقول
في ذلك أبياتا مطلعها:
يا عمرو لا تلقى المفضل بعدها * بلواء قومك إذ سلبت لواءكا
إلى آخرها.
قال: وأقبلت الأزارقة على عمرو القنا فقالوا: يا عمرو! إنه قد أخذ منك
اللواء ورجع بغيرك، ألا تعلم أنه عار عليك وعلى عشيرتك! قال: فرجع عمرو القنا
إلى الحرب ثانية، واشتبك القتال بين الفريقين، وحمل عمرو القنا على رجل من



(1) بالأصل: عمرو بن القنا.
33
أصحاب المفضل قد كان اللواء في يده ليأخذه منه، وحمل عليه المفضل فضربه
ضربة ثم قال: خذها يا عمرو! أنا الغلام الأزدي. قال: فولى عمرو القنا منهزما هو
وأصحابه حتى دخلوا مدينة البيضاء، وذلك في وقت المساء. فقال المهلب لابنه
المفضل: ادن مني يا بني! هكذا فكن كما كان آباؤك من قبل، فأنشأ الأشرس
الحرمي في ذلك يقول أبياتا مطلعها:
قل للمفضل قد شفيت نفوسا * يوم التقى الجمعان بالبيضاء
إلى آخرها.
خبر سبرة (1) بن الجعد مع الحجاج بن يوسف
قال: ولما بلغ الحجاج ما فيه المهلب من حرب‌ الأزارقة وما لقي منهم فاغتم
لذلك غما شديدا وامتنع من النوم وأرق ذات ليلة، فلما طال عليه ذلك دعى بصاحب
حرسه فقال: اخرج فائتني بمحدث يقطع عني بعض هذه الليلة! قال: فخرج الحرسي فإذا هو برجل جسيم وسيم قد لقيه، قال له: أجب الأمير! قال: ففزع
الرجل وطار عقله وأتى به حتى دخل على الحجاج، فلما سلم قال له الحجاج: إيه
ما عندك! [فقال له الرجل: إيه ما عندك -] (2)، قال فقال الحجاج للحرسي:
ويلك! أمرتك أن تأتيني بمحدث فأتيتني برجل مرعوب قد ذهب عقله، أخرجه
عني، أخرج الله نفسك ونفسه! فخرج الحرسي فوجد إنسانا يصلي، فقال له: كلم
الحجاج! قال: فأوجز الرجل في صلاته [ثم] أتى به حتى أدخل على الحجاج،
فسلم بلسان طلق ذلق (3) وقلب شديد، فقال الحجاج: ممن الرجل؟ قال: رجل
من ربيعة، قال: ومن أيها؟ قال: من بني شيبان، قال: فما اسمك وابن من؟
قال: اسمي سبرة (4) بن الجعد، قال الحجاج: اجلس يا سبرة بن الجعد وأخبرني
هل قرأت القرآن؟ فقال: نعم أيها الأمير لقد قرأته وجمعته في صدري، فإن عملت
به فقد حفظته وإن لم أعمل به فقد ضيعته.



(1) في مروج الذهب 3 / 164 سميرة بن الجعد.
(2) زيادة عن مروج الذهب.
(3) الذلق: الطلق الفصيح.
(4) في مروج الذهب: سميرة بن الجعد.
34
قال الحجاج: صدقت، فهل علمت من الفرائض (1)؟ فقال: نعم وإني
لأعرف الاختلاف في الجد، قال: فهل تبصر الفقه؟
قال: نعم، إني لابصر منه ما أقوم به أهلي وأرشد به ذا العماء من قومي.
قال: فهل نظرت في النجوم؟ فقال: نعم، إني لأعرف منازل القمر، وما
أهتدي (2) به في السفر، قال: فهل تروي الشعر؟ قال: نعم، إني لأروي منه
المثل وأعرف الشاهد من أيام العرب. قال: فاتخذه الحجاج سميرا وأجرى عليه
رزقا، فلم يكن يسأله عن شيء من العلوم والاخبار والأحاديث والأسمار إلا وجد عنده
من ذلك طرفا (3).
قال: وبلغ ذلك قطري بن الفجاءة صاحب الأزارقة، فاشتد عليه مكان
سبرة بن الجعد من الحجاج لأنه كان قد يرى رأيهم، قال: فكتب إليه قطري بن
الفجاءة بهذه الأبيات:
لشتان ما بين [ابن] جعد وبيننا * إذا نحن رحنا في الحديد المظاهر (4)
وراح ابن جعد الخير نحو أميره * أمير بتقوى ربه غير آمر
نجالد (5) فرسان المهلب كلنا * صبور على وقع السيوف البواتر
أبا الجعد أين العلم والحلم والنهى * وميراث آباء كرام العناصر
ألم تر أن الموت لا شك نازل * ولا بعث إلا للألى في المقابر
عراة حفاة والموات لديهم * إلى ظلمة تغشى عيون النواظر (6)
وتب توبة تهدي إليك سعادة * فإنك ذو ذنب ولست بكافر
فإن الذي قد نلت يفني وإنما * بقاؤك في الدنيا كوقعة طائر



(1) في مروج الذهب: فهل تفرض.
(2) عن مروج الذهب، وبالأصل: وما يهتدى.
(3) في مروج الذهب: علما.
(4) (ابن) زيادة عن مروج الذهب. والمظاهر الذي ليس بعضه فوق بعض، كان يظاهر المحارب بين
درعين، والحديد: الدرع.
(5) في مروج الذهب 3 / 165 نجاهد.
(6) البيت في مروج الذهب:
حفاة عراة والثواب لربهم * فمن بين ذي ربح وآخر خاسر
35
وسر نحونا تلق (1) الجهاد غنيمة * تفدك ابتياعا رابحا غير خاسر (2)
هي الغاية القصوى العظيم ثوابها * إذا نال في الدنيا الغنى كل تاجر
قال: فلما قرأ سبرة (3) بن الجعد كتاب قطري بن الفجاءة توارى عن الحجاج
ليلة من الليالي، ثم ركب فرسه فلحق بالأزارقة فصار معهم. قال: وطلبه الحجاج
فلم يقدر عليه، وجعل يسأل عنه فلم يعطه أحد خبره، قال: فلم يرع الحجاج إلا
وكتابه قد ورد عليه فيه شعر قطري بن الفجاءة الذي كان كتبه إليه، وفيه هذه الأبيات
إلى الحجاج:
فمن (4) مبلغ الحجاج أن سميره * على كل دين غير دين الخوارج
رأى الناس إلا من رأى مثل رأيه * ملاعين تراكين قصد المناهج
فأي امرئ أمي امرئ يا بن يوسف * ظفرت به لم يأت غير الولائج
إذا لرأيت الحق منه مخالفا * لدينك إن كنت أمرا غير فالج
يسائلني الحجاج عن أمر دينه * وليس هواه للصواب بواشج
فأضلل به من واشج خلجت‌ به * عن الدين والاسلام إحدى الخلائج
وتهاب ثلج والمقيم بنهرها * إذا قستها في البعد من ملء عالج
فيا ليتني إذ أمكنتني فرصة * فتكت به فتك امرئ غر نافج
فقد كدت لولا الله أن أمزج الهوى * هدى الحق من قلبي بمذقة مازج
فعممته مثل العقيقة صارما * يخال على متنيه ماء الصهارج
فأقبلت نحو الله بالله واثقا * وما كربتي غير (5) الاله بفارج
على ظهر محبوك العرى متمطرا * إلى فتية بيض الوجوه بناهج
إلى قطري في الشراة معالجا * ولست إلى غير الشراة بعالج
إلى عصبة أما النهار فإنهم * صموت من الفحشاء غير ممازج
وأما إذا ما الليل جن فإنهم * هم الأسد أسد الحرب عند التهايج (6)



(1) عن مروج الذهب وبالأصل تلقى.
(2) عن مروج الذهب. وبالأصل: بائر.
(3) في مروج الذهب وشعر الخوارج ص 136 سميرة.
(4) عن مروج الذهب 3 / 166 وبالأصل (من).
(5) عن مروج الذهب وبالأصل (عند).
(6) البيتان في مروج الذهب.
36
ينادون بالتحكيم لله إنهم * رأوا حكم عمرو كالرياح الهوائج
وحكم ابن قيس مثل ذلك فاعصموا * بحبل شديد الفتل (1) ليس بناهج
ولا خير في الدنيا إذا الدين لم يكن * صحيحا ولم يصمد لقصد المخارج
قال: فلم قرأ الحجاج هذا الكتاب تغير لونه ووجهه، ثم رماه إلى كاتبه (2)
وقال: هذا كتاب سميرنا الشيباني وكان من الخوارج ولم نعلم. قال: ثم جعل
الحجاج يعض أنامله ويتأسف على ما فاته من قتله.
ثم رجعنا إلى أخبار الأزارقة
قال: وأصبحت الأزارقة ذات يوم فخرجوا عن مدينة البيضاء إلى حرب المهلب
وأصحابه في تعبية لم ير (3) مثلها قبل ذلك، وزحفوا حتى جعلوا مدينة البيضاء من
ورائهم، وتقدم رجل منهم من بني ضبة يقال له زياد فجعل ينادي: يا معشر
المحلين! هل من مبارز! قال: فصاح المهلب برجل يقال له الرقاد بن عمرو (4) فقال
له: يا رقاد! أكفنا هذا الفارس! فقال: أفعل أصلح الله الأمير ولو أمرتني بالبراز إلى
من هو أعظم خطرا منه. ثم حمل الرقاد بن عمرو على زياد الضبي، فطعنه طعنة خر
منها قتيلا. قال: ونظرت الأزارقة إلى زياد الضبي قد سقط فضجوا بالبكاء، ثم انهم
استماتوا فجعلوا يقاتلون أشد القتال إلى أن اختلط الظلام ثم تحاجز الفريقان وقد
انتصف منهم خيل المهلب، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (5) يقول في ذلك أبياتا
مطلعها:
ولما بدت خيل تنادي * بأن الصياح للأعادي
إلى آخرها.



= إلى عصبة أما النهار فإنهم * هم الأسد أسد الغيل عند التهايج
وأما إذا ما الليل جن فإنهم * قيام كأنواح النساء النواشج
(1) في مروج الذهب: المتن.
(2) في مروج الذهب: إلى عنبسة بن سعيد.
(3) الأصل: لم يرى.
(4) في الكامل للمبرد 3 / 1327 الرقاد، من فرسان المهلب، وهو أحد بني مالك بن ربيعة.
(5) في الأصل (الأشعري) خطأ.
37
خبر الجاريتين ابنتي تبع الحميري وخبر
محمد بن يوسف أخي الحجاج وخبر السيف وهذا
داخل في حديث الأزارقة
قال الهيثم بن عدي في بعض أخباره: كان محمد بن يوسف أخو الحجاج بن
يوسف يومئذ عاملا على اليمن من قبل الحجاج، فدلوه على مطمورة هناك، فحفرها
فإذا هو بحجر منقور طويل، وفي الحجر جاريتان عند رؤوسهما لوح من حجر مكتوب
فيه الحميري: (يا أخي! وهذه أختي لميس، ونحن ابنتا تبع الحميري، غير أننا
متنا ولا نشرك بالله شيئا. وإذا عند رأس إحداهما (1) هذه الأبيات مكتوبة في الحجر:
كنت العزيزة في قومي فما امتنعت * نفسي بعزتها لما أتى القدر
لما أتاني الذي قد كنت أحذره * سلمت واستعجلتني عبرة درر
وارفض من كان حولي من ذوي ثقة * كيما أوارى فلا شخص ولا أثر
وأخرجوني من الدنيا وزينتها * وصار أكبر ما ألحقته المدر
قال: وإذا عند رأس الأخرى مكتوب في الحجر هذه الأبيات:
جار الزمان علينا مثل ما صنعت * أيامه بابن ذي الصقرين ذي يزن
كنا نرى وملاهي الدهر تذهلنا * إن المنعم قد تعرى من الحزن
كانت لنا جنة خضراء معشبة * للطير والوحش فيها صوت مرتهن
قال: وإذا بين هاتين سيف مأثور لا يدرى ما قيمته، قال: فأخذ محمد بن
يوسف ذلك السيف وخرج من المطمورة ورد الحفر إلى ما كان. ثم كتب إلى
الحجاج يعلمه أمر المطمورة وبعث إليه بذلك السيف، قال: فنظر الحجاج إلى
سيف قاطع من سيوف الأولين، فقال لجلسائه: ما يصلح هذا السيف إلا للمهلب
يقاتل به هؤلاء الخوارج. قال: فبعث الحجاج بذلك السيف إلى المهلب وأمره أن
يدفعه إلى أشد أولاده وأشجعهم. قال: فوهب المهلب هذا السيف لابنه المغيرة.
وزحفت الأزارقة نحو المهلب في جيش لجب، وتقلد المغيرة بذلك السيف وخرج
نحو الأزارقة، ودنت الأزارقة يقدمهم صالح بن مخراق العبدي شاكا في السلاح،
وعلى رأسه بيضة مجلية، وقد وضع على قفاه مزردة محشية بالقز وهو يرتجز ويقول:



(1) الأصل: إحداهم.
38
قل للمحلين أتاكم صالح * وصالح في الحرب كبش ناطح
وصالح في الغيل ليث كالح * وصالح ظفر وناب جارح
يهوي به طرف سريع سالح * في كفه عضب حسام لائح
ثم حمل على خيل المهلب، وحمل عليه المغيرة بذلك‌ السيف فضربه ضربة
على بيضته فقدها حتى أسرع السيف إلى رأسه وسقط صالح بن مخراق عن فرسه،
فحماه أصحابه وهو لما به، ثم حمل المغيرة على جميع الأزارقة وكان لا يضرب
منهم بسيفه أحدا إلا جندله صريعا. قال: فلم يزل كذلك حتى انكشفوا من بين
يديه، ثم رجع المغيرة إلى أبيه والسيف بيده خضيبا بالدماء. قال فقال المهلب:
أحسنت يا بني! لقد أخذته بحقه (1)، وأنا كاتب إلى الحجاج بما صنعت في هذا
اليوم، فأنشأ المغيرة بن حبناء التميمي يقول في ذلك أبياتا مطلعها:
قل للمهلب قد وقيت نفوسنا * ببنيك فعلة تبع ذي التاج
إلى آخرها.
ذكر اختلاف الخوارج وتشتيت أمرهم
قال: ووقع الخلاف بين الأزارقة فاختلفوا فصاروا على ثلاث فرق: فرقة مع
صاحبهم قطري بن الفجاءة، وفرقة مع عبد ربه الكبير، وفرقة مع عبد ربه الصغير.
قال: وتشتت أمورهم واختلفت كلمتهم، فأنشأ رجل منهم يقول في ذلك أبياتا
مطلعها:
كفى حزنا أن الخوارج أصبحوا * قد انشتت نياتهم فتصدعوا (2)
إلى آخرها.
قال: وبلغ المهلب ما هم فيه من التشتيت والاختلاف، فقال لأصحابه:
أبشروا! فهذا الذي كنت أرجو من هؤلاء الخوارج، وقد أذن الله في هلاكهم
وبوارهم.
ثم وثب رجل منهم يقال له الصلت بن مرة الايادي إلى قطري بن الفجاءة



(1) انظر رواية أخرى ذكر المبرد في الكامل 3 / 1332.
(2) البيت في شعر الخوارج ص 150.
39
فقال: يا أمير المؤمنين! إننا كنا مرة أفاعي فأصبحنا اليوم خنافس، وقد كنا أسودا
فأصبحنا ضباعا، وقد أصبح المهلب يرجو منا ما كنا نرجو منه، وقد بلغني أنك تريد
الهرب، فإن (1) كنت إنما تريد الله والدار الآخرة فاثبت ومت حتى نموت معك، وإلا
فدع أصحابك حتى يستأمنوا إلى المهلب فإنه يؤمنهم، قال: ثم أنشأ يقول أبياتا
مطلعها:
أبقى لنا عبد رب بعد ألفتنا * طعن الصدور فصرنا ضحكة العرب (2)
إلى آخرها.
قال: فلما سمع قطري بن الفجاءة هذه الأبيات استعبر باكيا ووطن نفسه على
الموت، ونادى فيمن أجابه من الأزارقة وزحف إلى المهلب وأصحابه، ودنا القوم
بعضهم من بعض، وتقدم قطري أمام الخيل وهو يرتجز ويقول شعرا. قال: فما
لبث قطري بن الفجاءة أن خرج إليه المهلب بنفسه وهو يرتجز ويقول:
يا قطري أين أين المهرب * لا أين منك والفتى المهلب
يطعن أحيانا وحينا يضرب * كأنه وسط العجاج يلعب
قال: فعلم قطري أنه المهلب فجعل يرتجز وهو يقول:
إن يلقني بجده المهلب * اصبر وإلا لم يضرني المهرب
شيخ بشيخ ذا وذا مجرب * رمحاهما كلاهما مخضب (3)
قال: فاقتتل القوم يومهم ذلك إلى الليل. وارتحل عبد ربه الكبير وعبد ربه
الصغير نحو بلاد كرمان أحدهم في سبعة آلاف والاخر في أربعة آلاف، فصار كل



(1) في الكامل للمبرد 3 / 1336: إن كنت إنما تريد الله فأقدم على القوم، وإن كنت إنما تريد الدنيا فأعلم
أصحابك حتى يستأمنوا.
(2) ورد في شعر الخوارج منسوبا مع أبيات أخرى إلى زيد بن جندب الأزرقي. وفي الكامل للمبرد
3 / 1336 - 1337 ذكر للصلت بن مرة أبياتا أخرى:
قل للمحلين قد قرت عيونكم * بفرقة القوم والبغضاء والهرب
كنا أناسا على دين ففرقنا * طول الجدال وخلط الجد باللعب
ما كان أغنى رجالا ضل سعيهم * عن الجدال وأغناهم عن الخطب
إني لأهونكم في الأرض مضطربا * ما لي سوى فرسي والرمح من نشب
(2) الأشطار في شعر الخوارج ص 129.
40
واحد منهم على حدة. قال: وارتحل قطري بن الفجاءة حتى صار إلى مدينة
جيرفت (1) فنزلها فيمن بقي معه من أصحابه. قال: وجعل كل واحد من هؤلاء القوم
يعزم على قتال المهلب بنفسه وأصحابه ليتبين صبره وجهاده من جهاد غيره، وأنشأ
كعب بن معدان يقول أبياتا مطلعها:
دعوا التبايع والاسراع وارتقبوا * إن المحارب يشنأني وينتظر
إلى آخرها.
قال: واشتد الحصار على قطري بن الفجاءة وأصحابه بمدينة جيرفت،
واتصل الخبر بأصحابه أنه يريد الهرب، فقام إليه رجل من الأزارقة يقال له عامر بن
عمرو السعدي فقال: يا أمير المؤمنين! إننا قد بلغنا عنك أنك تريد الهرب، فإن
قاتلت قاتلت معك، وإن هربت فأنا أبرأ إلى الله منك! فقال قطري بن الفجاءة: من
ههنا اضربوا عنقه! قال: فضرب عنق السعدي. فوثب ابن عم له فقال له: يا أمير
المؤمنين! يكلمك ابن عمي بكلمة فيها رضى فتأمر بضرب عنقه! لا يجب أن يكون
جوابك القتل، وعقابك السيف، فإن الطاغي يوجع، والمستعتب يعتب، ألا والله
لم يبق معك أحد إلا فارقك! فإن فعالك هذه من فعال الجبارين، ثم أنشأ يقول (2):
أيا قطري بن الفجاءة ما لنا * من النصف شيء غير فعل الجبابر
أما تستحي يا بن الفجاءة التي * لبست بها عارا وأنت مهاجر (3)
أفي كل يوم للمهلب أسلمت (4) * له شفتاك الفم والقلب طائر
فحتى متى هذا الفرار حذاره * وأنت ولي والمهلب كافر
[و] إن قال يوما عامر فضربته * بأبيض مصقول فلله عامر
أسرت ولم تأمر به فدماؤه * تسيل على ثوبيه والرأس نادر



(1) جيرفت: مدينة بكرمان.
(2) الأبيات في شعر الخوارج ونسبها إلى حصين بن حفصة السعدي ص 118 وبعضها في الاخبار الطوال
ص 277 ونسبها إلى رجل من أصحاب قطري بن الفجاءة.
(3) البيت في الاخبار الطوال:
أيا قطري الخير إن كنت هاربا * ستلبسنا عارا وأنت مهاجر
(4) الاخبار الطوال:
إذا قيل قد جاء المهلب
41
أما حسبنا من عبد رب وصحبه * شجى ناشب لم تبتلعه الحناجر
قتلت الذي لا تستطيع فراقه * حياتك لا تنفع وموتك صائر
فمت قطري إن في الموت راحة * وأنت لديه لا محالة سائر
قال: فهم به قطري أن يقتله، ثم إنه خشي أن يلتاث عليه أهل عسكره فسكت
عنه، وجاء الليل فهرب ذلك الرجل في جماعة من الأزارقة حتى صاروا إلى المهلب
فاستأمنوه، فأمنهم وأحسن جوائزهم، ثم أنشأ ذلك الرجل يقول (1):
قد قلت لما أرهجت لي عجاجة * هوى قطري وسطها يتذبذب
فيا قطري بن الفجاءة ما لنا * جواب لحاك الله إلا المشطب
فلما أبى إلا اللجاج بقتلنا * نظرت وكان المستجار المهلب
عفو عن الذنب العظيم كأنه * لمن ليس يرجو العفو عن ذنبه أب
عقوبته فيما يعاقب غيره * عليه بمصقول الظبي حين يغضب
يعاتبه المرء الشفيق نصيحة * يزيدهم عفوا إذا القوم أذنبوا
لحقت به ما استبان ضلاله * كأني إليه (2) كنت بالأمس أهرب
فما جئته أغشو إليه بشبهة * ولا طالبا مالا ولا المال أطلب
ولكنني أحدثت لله توبة * قفلت إليها والقلوب تقلب
ولم تك لي بعد البصيرة عرجة * ولم يك لي بعد المهلب مذهب
قال: وبقي قطري بن الفجاءة مغموما [فيما] هو فيه، لأنه قد فارقه رجال من
أصحابه، ففرقة مع عبد ربه بوادي كرمان، والذين هم معه بجيرفت هو منهم على
وجل فلم يدر ما يصنع، وضاق به الامر، فأنشأ يقول (3):
أقول لنفسي حين طال حصارها * وفارقها للحادثات نصيرها
لك الخير موتي إن في الموت راحة * فيأتي عليها حينها ما نصيرها (4)
فلو أنها ترجو الحياة عذرتنا * ولكنها للموت يحدي بعيرها
وقد كنت أوفي للمهلب صاعه * ويشجى بنا والخيل يثني نحورها



(1) الأبيات في شعر الخوارج ص 118 - 119.
(2) في الأصل: إليهما.
(3) الأبيات في شعر الخوارج ص 132 - 133.
(4) شعر الخوارج: ما يضيرها.
42
إذا ما أتت خيل لخيل لقيتها * بأقرانها أسدا يداني زئيرها
ولا يبتغي الهندي إلا رؤوسها * ولا يلتقي الخطي إلا صدورها
ففرق أمري عبد ربه وصحبه * أدار رحى موت عليها مديرها
فقدما رأى منا المهلب فرصة * فها تلك أعداتي طويل سرورها
وأعظم من هذا علي مصيبة * إذا ذكرتها النفس طال زفيرها
فراق رجال لم يكونوا أذلة * وقتل رجال جاش منها ضميرها
لقوني بالامر الذي في نفوسهم * ولا يقتل الفجار إلا فجورها
عبرنا (1) زمانا والشراة بغبطة * يسر بها مأمورها وأميرها
قال: ثم أرسل قطري إلى من كان معه في مدينة جيرفت وأوصاهم وعهد إليهم
وقال: اعلموا أني قد عزمت غدا على الخروج إلى المهلب وأصحابه فانظروا كيف
تكونون! فأرسلوا إليه أن يا أمير المؤمنين إننا قد عزمنا على الموت، فاعزم على
ذلك. فلما كان من الغد فتح القوم أبواب المدينة وخرجوا منها إلى لقاء المهلب
وأصحابه في زيادة على عشرة آلاف، وعبى المهلب أصحابه كما كان يعبيهم من
قبل، ودنا القوم بعض من بعض، واختلطوا وتلاحموا واقتتلوا قتالا نسوا ما كان قبل
ذلك، ولم يزالوا على ذلك يومين وليلتين.
فلما كان اليوم الثالث أقبل عبد ربه الصغير على أصحابه وهو في أربعة
آلاف، فقال: ويحكم يا معشر المهاجرين! إن قطريا وأصحابه في الحرب منذ
يومين وليلتين، وهذا عار علينا أن نسلم إخواننا، ولكن سيروا بنا إليهم. قال: فلم
يشعر المهلب إلا وعسكر لجب قد وافاه في أربعة آلاف من الأزارقة، فقال لابنه
يزيد: أبا خالد! هذا عبد ربه الصغير قد أقبل، فاضمم إليك من أحببت من العسكر
واكفني أمره، ودعني وقطري بن الفجاءة وأصحابه: قال: فما انتصف النهار حتى
قتل عبد ربه الصغير وقتل عامة أصحابه، فما انفلت منهم إلا شرذمة قليلون. ونظر
قطري إلى ما قد نزل بعبد ربه الصغير وأصحابه فولى منهزما، ووضع السيف في
أصحابه فقتل منهم مقتلة عظيمة، ونجا قطري وأصحابه في الذين بقوا معه، فمر
هاربا على وجهه، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (2) يقول أبياتا مطلعها:



(1) في شعر الخوارج: غبرنا.
(2) الأصل: الأشعري.
43
نجا قطري والرماح تنوشه * على سابح نهد التليل مقرع
إلى آخرها.
قال: ومضى قطري بن الفجاءة هاربا على وجهه حتى صار إلى مدينة الري
ومعه عبيدة بن هلال ومن تبعهم من الأزارقة، فلما صار القوم إلى بلد الري افترقوا،
فصار قطري إلى ناحية طبرستان، ومضى عبيدة بن هلال في نفر من أصحابه إلى بلد
قومس (1)، فنزلها ثم بعث إلى المهلب بن أبي صفرة بهذه الأبيات:
طال ليلي وغير الدهر حالي * ورماني بصائبات النبال
أفرق الدهر بيننا أي قطري * ورمانا بفتنة الدجال
وأرى عبد ربه ترك الح‍ * - ق فهذا في الردى والضلال
أوقدوها على الشراة وقالوا * شن هذا عبيدة بن هلال
ولعمري إن هما زعماه * لقليل في جمعهم أمثالي
إنني للصبور في حمس (2) الحر * ب بصير بما علي وما لي
غير أني لم أحبها علم الل‍ * - ه ولا حل في اللجاج عقالي
قرة العين بالشراة وأمسى * للمحلين غير ما زلزال
وتبارى المهلب بن أبي صف‍ * - رة للقوم عند هلك الرجال
مد رجليه للفراغ من الحر * ب ومد اليدين للأنفال
وعيالي يطرحون بجيرف‍ * - ت لك الخير أين مني عيالي
إن تنلهم يد المهلب في الحر * ب سبايا فإنني لا أبالي
يمنع الشيخ منهم عظم الخط‍ * - ب وأن ليس بيعهم بحلال
إن من حالة المهلب في النا * س له هيبة وعز جلالي (3)
قال: فذكروا أن المهلب قد وصلت إليه هذه الأبيات، فلما ظفر بمن بقي من
الأزارقة اشترى عيال عبيدة بن هلال وأولاده بخمسين ألف درهم من ماله وألحقهم
بقومه.



(1) بالأصل: قومص. وفي معجم البلدان: قومس بالسين في ذيل جبال طبرستان.
(2) الأصل: خمس.
(3) الأبيات في شعر الخوارج ص 112.
44
قال: وانضمت الأزارقة إلى عبد ربه الكبير فبايعوه بالخلافة وقالوا: نحن معك
أو نفنى عن آخرنا. قال: فغضب لذلك عطية بن الأسود وخرج من العسكر مخالفا
لعبد ربه، وتبعه عبد ربه في نفر من أصحابه فقال: يا أبا الأسود! ارجع رحمك الله
ولا تشق العصا، فإن الناس قد بايعوني، فلا تخالف ما عليه إخوانك، فقال له
عطية بن الأسود: لا حاجة لي في المقام معك. قال: فحمل عليه عبد ربه فطعنه
في خاصرته طعنة فقتله ورجع إلى عسكره، فلما كان الليل لم يبق أحد من أصحاب
عطية إلا خرج من العسكر وهم يقولون: الصلاة خلف عبد ربه حرام بعد هذا، ثم
صاروا إلى المهلب فاستأمنوا إليه، فأمنهم وأحسن جوائزهم.
قال: وجمع عبد ربه الكبير من بقي معه من أصحابه ثم قام فيهم خطيبا،
فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا معشر المهاجرين! فإن كنتم فقدتم
الرجال فلم تفقدوا الاسلام، وقد أراحكم الله من خمسة أشياء: من جفاء قطري بن
الفجاءة، وأخلاط عبيدة بن هلال، ونخوة عمرو القنا، وغي عبد ربه الصغير، وفتنة
عطية بن الأسود، وقد صيركم الله إلى بصائركم الأولى، فاحمدوا الله على ذلك!
وقد علمتم أن المهلب قد نزل بمدينة جيرفت واحتوى على غنائم إخوانكم وبني
أعمامكم، وأنا سائر إليه فسيروا على بركة الله.
قال: ثم سار وسارت الأزارقة معه نحو مدينة جيرفت، وبلغ ذلك المهلب
فنادى في أصحابه وأمرهم بالرحيل، ثم خرج من جيرفت كالمنهزم عنها، وأقبل عبد
ربه في الأزارقة وقد بلغه خروج المهلب من جيرفت، فظن أنه قد انهزم بين يديه،
فأقبل حتى دخل المدينة فنزلها في أصحابه. وعلم المهلب بذلك فرجع حتى نزل
بجيرفت وجميع جنده، ثم إنه قام في الناس خطيبا وقال: أيها الناس! إنكم نلتم ما
رجوتم في عدوكم من الفرقة والتشتيت، وقد (1) كفاكم الله خمسة من قرناء
الشيطان: قطري بن الفجاءة، وعبيدة بن هلال، وعطية بن الأسود، وعمرو القنا،
وعبد ربه الصغير، وقد بقي عبد ربه الكبير، وأنا أرجو أن يقتله الله غدا إن شاء الله،
والقوم لاقوكم فاصبروا. فقال (2) الناس: سمعا وطاعة! قال: فعندها عزم المهلب



(1) في الكامل للمبرد 3 / 1339 إن الله عز وجل قد أراحكم من أقران أربعة: قطري بن الفجاءة وصالح بن
مخراق وعبيدة بن هلال وسعد الطلائع، وإنما بين أيديكم عبد ربه في خشارة من خشارة الشيطان
تقتلونهم إن شاء الله.
(2) الأصل: فقالوا.
45
على مناجزة القوم، وجعل يقول لأصحابه: لا تبدأوهم بالتقال حتى يبدأوكم، فإن
القوم متكلون على ما في المدينة من الأطعمة، ولقد نفد ما عندهم وجاعوا وإلا
خرجوا إليكم. قال: واشتد الحصار على الأزارقة في مدينة جيرفت حتى أكلوا جميع
ما قدروا عليه، ثم إنهم خرجوا إلى حرب المهلب في تعبية وجيش لجب، قال:
وعبى المهلب أصحابه كراديس، وجعل في كل كردوس رجلا من أولاده، ثم أقبل
عليهم وقال: يا بني! إنما أقاتل الله، وأنتم تقاتلون لله وعن أبيكم، وتذبون عن دين
الاسلام، وليس يقاتل معكم إلا من رزقه الله النية في الجهاد، وليس أحد أولى
بحرب منكم، فقاتلوا واصبروا وكونوا كما قال أخو قيس حيث يقول:
إن على أهل اللواء حقا * أن يخضبوا الصعدة أو بيرقا
واعلموا يا بني! أنكم لا تملكون رقاب الناس وإنما تملكون طاعتهم، فكونوا
كما قال الأول:
إذا أعطيت راحلة ورحلا * ولم أوضع فقام علي ناعي
قال: فعندها جد بنو المهلب في القتال، وإذا غلام من الأزارقة وقد وقف على
تل مرتفع ورفع صوته وجعل يقول (1):
أفرق الامر بيننا قطري * ولهجنا بلفظ قيل وقال
ورمانا عمرو القنا بهواه * وأخوه عبيدة بن هلال
ورضينا بعبد ربه والمر * ء رهين بجاذب الأهوال
فلقد عاين المهلب ما كا * ن رجا من تقارب الآجال
قال: ثم حمل ذلك الغلام على أصحاب المهلب فلم يزل يقاتل حتى قتل،
واشتد الحرب على باب جيرفت يومهم ذلك من وقت الضحى إلى أن غابت
الشمس. قال: وصاح رجل من أصحاب المهلب يقال له سلقط (2) بن عمرو فقال:
أيها الناس! إنه قد جاء الليل وغابت الشمس والليل لا يقاتل فيه إلا الشجاع المطبوع
على الشجاعة، فأيكم يبايعني على الموت؟ قال: فانتدبت له جماعة من فتيان
الأزد، وتقدم سلقط هذا فيمن اجتمع إليه نحو الأزارقة، فلم يزل يقاتلهم هو



(1) الأبيات في شعر الخوارج ص 150.
(2) كذا، ولم نجده فيما لدينا.
46
وأصحابه حتى ألجأهم إلى وادي جيرفت، وصاح المهلب بابنه يزيد فقال: يا بني!
ابسط خيلك على القوم، قال: فبسط يزيد خيله على الأزارقة، وثبتت الأزارقة
للحرب، وجعل أصحاب يزيد بن المهلب لا يرون داعيا من الأزارقة إلا ورموه
بالحجارة، فلم يزالوا كذلك إلى الصباح حتى قتل من الأزارقة بشر كثير، وقتل
سلقط بن عمرو الأزدي، فأنشأ سماعة بن يزيد يقول أبياتا مطلعها:
توى سلقط في حومة الحرب مسندا * فيا عين جودي بالدموع لسلقط
إلى آخرها.
قال: وولت الأزارقة منهزمين حتى دخلوا مدينة جيرفت بشر وعر، فأقاموا
يومهم ذلك. فلما كان الليل إذا برجل من الأزارقة قد أشرف على سور المدينة وهو
يقول أبياتا مطلعها:
إلى الله أشكو كربة أن تفرجا * وهما دخيلا لا أرى منه مخرجا (1)
إلى آخرها.
قال: فلما سمع المهلب شعره التفت إلى رجل من أصحابه فقال: اسأله ممن
هو؟ فناداه ذلك الرجل: أيها المتكلم ممن تكون؟ فقال: أنا رجل من الأزد من أهل
الكوفة، وأنا ابن عم سراقة البارقي، وأيم الله أني لخائف أن أبتلي الفتنة.
قال: فلما أصبح المهلب عبى أصحابه للحرب ودنا من باب جيرفت، وبلغ
ذلك عبد ربه رئيس الأزارقة فقام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (2): يا
معشر المهاجرين! إن قطري بن الفجاءة عبيدة بن هلال وعمرو القنا وشيعتهم إنما
هربوا رجاء البقاء. وليس إلى البقاء من سبيل وقد زحف إليكم القوم،
وهؤلاء قوم
بحدهم وحديثهم، فإن غلبوكم على الحياة فلا يغلبوكم على الموت، فانظروا أن لا
يبقى الرماح إلا بالنحور والسيوف إلا بالوجوه، وتعجلوا إلى قبل أحداث هذه الدنيا،
وهبوا أنفسكم لله في الدنيا يهبها لكم في الآخرة، ولا تيأسوا من النصر، فكم من فئة
قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين.
قال: فخرجت الأزارقة مستميتين (3) وقد عزموا على الموت. ودنا القوم



(1) الشطران في شعر الخوارج ص 151.
(2) انظر الكامل لابن الأثير 3 / 129 حوادث سنة 77. والكامل للمبرد 3 / 1340 باختلاف بين النصوص.
(3) في الأصل: مستميتون.
47
بعضهم من بعض، ثم أقبل رجل من الأزارقة حتى وقف بين الجمعين، قال:
وجعل يرتجز ويقول:
إن كان قد فارقتنا عبيده * وقطري ذو المدى البعيدة
فعبد رب حمزه عنيده * وشوكه وكيده شديده (1)
قال: ثم ح مل على أصحاب المهلب فكبا به فرسه فسقط إلى الأرض، فأخذ
أسيرا وأتي به إلى المهلب حتى وقف بين يديه، فقال المهلب: اضربوا عنقه!
فقال: أيها الأمير! أنا ابن عم لك، أنا رجل من الأزد من بارق، وأنا صاحب الشعر
البارحة. قال: فخلى عنه المهلب ولم يقتله. واختلط القوم فاقتتلوا قتالا شديدا،
وصاح عبد ربه بأصحابه: يا معشر المهاجرين! روحوا إلى الله فإن القوم رائحون إلى
النار. قال: فعندها كلبت الأزارقة واشتد القتال، ونزل عبد ربه عن فرسه فكسر
جفن سيفه، ونزلت معه الأزارقة وكسروا جفون سيوفهم، وعزموا على الموت.
ونادى المهلب بأصحابه: يا معشر المسلمين! إن هذا يوم له ما بعده من الأيام
وبصبركم أمس بلغتم اليوم، وبصبركم اليوم تبلغون غدا. قال: وكثرت القتلى في
الأزارقة وعضهم السلاح وكأنهم كاعوا عن الحرب، ونظر المهلب إلى ذلك، فجمع
أولاده وابطال أصحابه، ثم حمل وحملوا معه، فقتل عبد ربه وقتل معه قريب من
أربعة آلاف رجل في ربضة واحدة، وسألت دماؤهم إلى وادي جيرفت حتى أحمر ماء
الوادي، وبقي الباقون بلا نظام فولوا هاربين، فمنهم من دخل إلى مدينة جيرفت،
ومنهم من استأمن إلى المهلب فأمنه، ومنهم من هرب على وجهه في البلاد، ودخل
المهلب إلى مدينة جيرفت فاحتوى على ما كان فيها من أمتعة الأزارقة ودوابهم
وسلاحهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم (2)، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (3) يقول
في ذلك أبياتا مطلعها:
ألم يأتها أن الأزارق شردوا * وصارت عليهم في البلاد الفضائح
إلى آخرها.



(1) الأشطار في شعر الخوارج ص 152.
(2) انظر تفاصيل حول هذه المعركة الكامل للمبرد 3 / 1339 والكامل لابن الأثير 3 / 129 حوادث سنة
77.
(3) الأصل: الأشعري.
48
قال: ثم جمع المهلب غنائم الأزارقة فجعل يقسمها في أصحابه على أقدارهم
ومراتبهم، ثم أقبل حتى نزل في أصل شجرة في موضع سوق جيرفت وقال: يا
غلام! خذ عني سلاحي، قال: فنزع الغلام درعه وخفيه، وعلق سيفه على
الشجرة، ثم مد رجليه وقال: الحمد الله الذي ردنا إلى ما كنا عليه من الخفض
والدعة، فإنه ما كان عيشنا بعيش، فأنشأ رجل من أصحابه (1) وهو يقول في ذلك
أبياتا مطلعها:
لقد مس منا عبد رب وجنده * عقاب فأمسى سبيهم في المقاسم
إلى آخرها (2).
قال: ثم رفع رأسه فإذا بقوم بين يديه لا يعرفهم، فعلم أنهم من الأزارقة
فاتقاهم على نفسه أن يفتكوا به، فتبسم ثم قال: ما أشد عادة السلاح، يا غلام! رد
علي درعي وهات خفي، قال: فأتي بدرعه فأفرغ عليه، ومد خفيه في رجليه.
وتقلد بسيفه، ثم قال: إني أرى وجوها ما أعرفها، ثم قال لأصحابه: خذوهم!
فأخذوهم، فقال لهم المهلب: ما أنتم؟ فقالوا: نحن قوم من الأزارقة، غير أننا
عجزنا عن قتالك فاجتمعنا على قتلك في وقتنا هذا. قال: فضحك المهلب ثم
قال: أجل ما أردتم ما لم يرده الله، فاختاروا الان واحدة من اثنتين: القتل أم
التوبة، فقالوا: بل التوبة! فأوهبهم المهلب لقوم من عشائرهم (3)، فأنشأ رجل
منهم يقول أبياتا مطلعها:
خلونا وقلنا للمهلب غرة * فأعجلنا لما رآنا المهلب
إلى آخرها.
قال: ثم دفع المهلب كل جريح من الأزارقة إلى عشيرته فقال داووه فاخلطوه
بأنفسكم، ومن رابكم أمره (4) فاعرضوه على السيف. قال: ثم جمع المهلب
الأموال فسرحها مع غلمانه إلى البصرة وأقام بجيرفت حتى أعطى حقوقهم، ثم قام



(1) هو الطفيل بن عامر بن واثلة كما في الطبري 6 / 308 وابن الأثير 3 / 129.
(2) راجع الأبيات في الطبري 6 / 308 وابن الأثير 3 / 129.
(3) ورد خبرهم في الكامل للمبرد 3 / 1347 وفيه أنه أمر بهم فقتلوا بعد أن قالوا له: جئنا لنطلب غرتك
لنفتك بك.
(4) الأصل: أمر.
49
في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس! أما ما مضى من جباية
الأموال فقد كان لي دونكم من حقوقكم على الولاة، وأما ما بقي الان فهو لكم
دوني، وليس أحد منكم ابتلى بلاء حسنا إلا وما ادخر الله له في الآخرة خير له من
ثواب هذه الدنيا، فإياكم والحرص! فإن الحرص يضر بالرزق، وإياكم أن تمنوا
على ربكم بالذي كان من جهادكم! فإن المن يحبط الاجر - والسلام -.
ذكر كتاب المهلب بن أبي صفرة إلى الحجاج
بعد فراغه من الأزارقة
قال: ثم دعا المهلب برجل يقال له بشر بن مالك الحرسي فأرسله إلى
الحجاج بالفتح بشيرا (1)، وكتب معه كتابا (2): إلى الحجاج بن يوسف من
المهلب بن أبي صفرة، أما بعد، فالحمد لله الكافي بالاسلام الذي أوصل الشكر
بالمزيد، وقضى أن لا ينقطع المزيد منه حتى ينقطع الشكر من عباده، ثم إنه قد كان
من أمرنا وأمر عدونا ما انتهى إلى الأمير خبره مع كل ذي صباح ومساء، وقد كانت
مني إلى الأزارقة مطاولة ظن الأمير أيده الله أني جبيت بهم البلاد، ولعمري أن الذي
جبته الأزارقة بنا لأكبر مما جبيناه بهم! وإن كنا قد نلناه منهم ما لم ينالوه منا، وقد كان
الناس قد رعبوا منهم رعبا شديدا، حتى روعت بهم الفتاة الكعاب، ونوم بهم الصبي
الرضيع، وأدنيت السواد من السواد حتى تعارفت (3) الوجوه، وحتى رغب الناس من
النبل إلى الرماح، وعن الرماح إلى السيوف، وانتهزت من الناس الفرص وأخذت
منهم الثياب، وكنت كالطبيب للمريض الذي يحميه مما يشتهيه ويسقيه مما يكره،
وقد وليت قتالهم رجالا من قبلي، فأخطأوا الورد وأظمأوا الصدر، فعارهم قلائد في
أعناقهم إلى يوم القيامة، فلم نزل (4) وعدونا على حالتين مختلفتين ما يسوءهم منا
دون ما يسرهم، وما يسرهم منا دون ما يسوءنا منهم، حتى وقع فيهم الاختلاف
والجوع، فلم يزل بهم ذلك وأصابهم البلاء، وهرب منهم أهل الخنى والسفاهة،



(1) كذا بالأصل والاخبار الطوال ص 279 وفي الكامل للمبرد 3 / 1347 أن المهلب وجه كعب بن معدان
الأشقري ومرة بن تليد الأزدي على الحجاج.
(2) نسخة للكتاب في الكامل للمبرد 3 / 1349 باختلاف عن الأصل.
(3) عن الكامل للمبرد وبالأصل تفارقت.
(4) عن المبرد، وبالأصل فلم يزل.
50
وأقام أهل الحياء والدين فاتقوا العار وتواصوا بالصبر، وأخذنا ما أخذوا به، وكنا أولى
به منهم، فلم يزل الله تبارك وتعالى يمحصنا ويمحقهم، وينصرنا ويخذلهم، حتى
بلغ بنا وبهم الكتاب أجله (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب
العالمين) (1)، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
قال: ثم طوى الكتاب ودفعه إلى بشر بن مالك بن لبيد الحرسي (2) وقال:
اعلم بأنك‌ ترد على الحجاج من قد علمت، فإذا وقفت بين يديه فانظر كيف تكون،
فقال: كفيت أصلح الله الأمير.
ذكر الرسول وكلامه بين يدي الحجاج
قال: ثم رحل بشر بن مالك حتى قدم على الحجاج، فوقف بين يديه وسلم
ثم ناوله الكتاب، فلما قرأه الحجاج بن يوسف رفع رأسه إليه فقال: كيف المهلب؟
فقال: بخير أصلح الله الأمير! قد نال ما رجا، وأمن ما خاف، فقال الحجاج:
الحمد لله، فكيف كان أمركم من عدوكم؟ قال: كنا إذا لقيناهم بحدنا وحدهم
أيسوا منا وطمعنا فيهم، قال الحجاج: أجل، إن العاقبة للمتقين، فكيف كان بنو
المهلب في الحرب؟ فقال: كانوا كفاة (3) السرح بالليل، وليوث الوغى بالنهار،
قال الحجاج: فأين المهلب من بنيه؟ قال: فضله عليهم كفضلهم على غيرهم،
قال: أجل، لأنهم خلقوا منه ولم يخلق منهم، قال: فكيف فاتكم قطري بن
الفجاءة، قال: كادنا بعض ما كدناه به. قال الحجاج: صدقت، فأي بني المهلب
أفضل؟ قال: ذلك إلى المهلب. قال الحجاج: فكيف الجند؟ قال: أرضاهم
الحق وأغناهم النفل، قال الحجاج: فكيف رضاهم بالمهلب؟ فقال: لهم منه
إشفاق (4) الوالد، وله منهم بر الولد، فقال الحجاج: أخبرني أكنت هيأت هذا
الكلام الذي أسمعه منك؟ فقال: كلا أيها الأمير! إنه لا يعلم الغيب إلا الله!
قال: فتبسم الحجاج ثم التفت إلى كاتبه عنبسة بن سعيد فقال: هذا والله لكلام
الحولى لا ما تجيء به أنت وأصحابك (5). قال: ثم أقبل عليه الحجاج فقال: هل



(1) سورة الانعام الآية 45.
(2) انظر ما تقدم بشأن رسول المهلب إلى الحجاج.
(3) في الكامل للمبرد 3 / 1348 حماة السرح نهارا، فإذا أليلوا ففرسان البيات.
(4) في الكامل للمبرد: شفقة الوالد.
(5) انظر مقابلة رسول المهلب للحجاج في الكامل للمبرد 3 / 1348 والكامل لابن الأثير 3 / 130.
51
تقول الشعر؟ قال: نعم أصلح الله الأمير وأنا القائل (1):
قد حسمنا داء الأزارقة الده‍ * - ر فأمسوا كعادها وثمود (2)
وأصبنا مع المهلب ما كا * ن تمنى من رأيه المحمود
لم يضر ذاك بالوعيد ولا الكذ * ب ولم يضرر العدو وعيد
لكن الضرب في العجاج بالبي‍ * - ض وطعن يشيب رأس الوليد (3)
كل يوم يثور في عالي النق‍ * - ع أسود مخلوقة لأسود
كلما شئت راعني قطري * فوق عبل الشوى أقب عنود
مزبدا يضرب الكتيبة بالسي‍ * - ف وعمرو القنا على الصيخود (4)
وأخوه عبيدة بن هلال * كالهمام المتوج الصنديد
فإذا ما لقيتهم برد الخل‍ * - د على منيتي وأي برود
ثم لا ينثني الخدود ولما * بل سيفي من ضربة الأخدود
إن بشرا ومعبدا ومرادا * ووكيعا والصعب كانوا شهودي
ثم لا أنطق الحديد بحرف * من فعالي ليس الفعال بمودي
أو يقول الأناس (5) أحسن والل‍ * - ه لبشر بن مالك بن لبيد
نلت هذا مع المهلب إني * واثق ما شكرته بمزيد
كلنا عنده كبعض بنيه * في سؤال لنا عن المفقود
ويداوي جريحنا بيديه * ثم يكفي وليمة المولود
كل خير يقوله الناس فيه * من بلاء ونائل محمود
يجد الناس مثل من فقدوه * غير ذا الشيخ ليس بالموجود
قال: فلما فرغ بشر بن مالك هذا من نشيده أمر له الحجاج بعشرة آلاف درهم



(1) الأبيات في الاخبار الطوال ص 279 ونسبها إلى بشر بن مالك.
(2) في الاخبار الطوال: فأضحوا طرا، كآل ثمود.
(3) البيت في الاخبار الطوال:
بطعان الكماة في ثغر القو * م وضرب يشيب رأس الوليد
(2) البيت في الاخبار الطوال:
معلما يضرب الكتيبة بالسي‍ * - ف وعمرو كالنار ذات الوقود
(5) بالأصل: الناس.
52
وفرس ودرع وغلام وجارية، ثم كتب إلى المهلب.
ذكر كتاب الحجاج إلى المهلب
أما بعد (1)، فإن الله تبارك وتعالى قد صنع لك وصنع بك خيرا. وقد كانت
مني إليك ظهيرة، ودعاني إليها لجاج الحرب وتعجيل الفراغ، وأنت كنت أعلم بما
يليك مني، وقد تيقنت من رأي البركة بمد الله ومنه، وقد فرغ الله بك من عدوك،
وعلت يداك على ما كنت عليه، فأما قطري بن الفجاءة وعبيدة بن هلال وعمرو القنا
وفلهم فنحن نكفيهم إن شاء الله. فانظر إن كان في القوم بقية تخافها على البلاد
فأوقف لها خيلا تكون بإزائها، واستخلف على القوم (2) أجرا ولدك وأمضاهم
عزيمة، وأقدم إلي على بركة الله وعونه، وليكن معك بنوك وفرسانك، ولا تأذن
لاحد منهم بالانصراف (3) حتى تقدم بهم علي إن شاء الله - والسلام -.
قال: فلما ورد كتاب الحجاج على المهلب دعا بابنه يزيد فاستخلفه على بلاد
كرمان، وقال: يا بني! اعلم قد كان بالأمس لك، اليوم لغيرك، وليس بسط يديك
فيما تملك كبسطهما فيما لا تملك، واعلم يا بني أنه إنما لك من بلاد كرمان ما فضل
عن الحجاج، وأنك لن تحتمل إلا ما يحتمل أبوك، وقد رأيتني يا بني في أيام
مصعب بن الزبير وأنا لا أطالب بدرهم واحد فما سواه فكن يا بني كذلك، واعلم أن
بلاد كرمان ليست لك ولا لأبيك بميراث، وانظر من تخلف معك من قومك فأحسن
إليهم بقدر حاجتك إليهم، وإن (4) رابك أمر من الأمور فرده إلي - والسلام -.
قال: ثم تجهز المهلب وسار حتى قدم على الحجاج في بنيه وفرسان أصحابه
وشجعانهم، فلما دخل وسلم رد الحجاج عليه السلام ثم قربه وأدناه وأجلسه معه
على فراشه، فقال المهلب: أيها الأمير! أحمد الله على هلاك هذا العدو حمد من يعلم أن النعمة
منه وأن الحمد له (5)، وأشكره شكر الموجب لك به المزيد، ويهيئك



(1) نسخة كتاب الحجاج إلى المهلب في الكامل للمبرد 3 / 1349 - 1350 باختلاف بسيط.
(2) في الكامل للمبرد واستعمل على كرمان من رأيت، وول الخيل شهما من ولدك. (وانظر الكامل لابن
الأثير 3 / 130).
(3) في الكامل للمبرد: ولا ترخص لاحد في اللحاق بمنزله دون أن تقدم بهم علي.
(4) في الكامل للمبرد 3 / 1350 وإن أنكرت من إنسان شيئا فوجهه إلي.
(5) في الأصل: عليه.
53
به النعم، فلسنا نمن على الله عز وجل ولا على الناس خيرا كان منا، بل الله المن
علينا - والسلام -. قال الحجاج: أحسنت أبا سعيد! أتيت بكلام قليل في إيجاز،
وقد قضيت ما عليك وبقي ما علينا، ولكني أحب أن تعرض علي فرسانك الذين كانوا
يبلون بين يديك. قال: فجعل المهلب يعرض على الحجاج فارسا بعد فارس
ويسميه له باسمه ويخبر بنجدته وشجاعته، حتى عرض عليه ستمائة وعشرون رجلا
كل رجل منهم يعد بأل فرجل. قال: فأمر الحجاج لكل واحد من هؤلاء الابطال
بجائزة سنية وأمر لسائر الجند بألف ألف درهم. ثم عقد للمهلب عقدا وولاه بلاد
خراسان وعزل عنها أمية بن عبد الله (1).
ذكر ولاية خراسان للمهلب بعد فراغه
من حرب الأزارقة
قال: فسار المهلب حتى دخل أرض خراسان في عسكر لجب ونزل مدينة
مرو، ثم جعل يغزو الكفار غزوا متداركا لا يفتر من الجهاد، فخيل له بسمرقند،
وأخرى ببخارا، وأخرى ببلخ، وأخرى بطخارستان (2)، وأخرى ببست (3)، وكلما
فتح فتحا أخرج من ذلك الخمس فوجه به إي الحجاج وقسم باقي الفيء في
أصحابه. قال: وفرح أهل خراسان بولاية المهلب بن أبي صفرة عليهم فرحا
شديدا.
ذكر مسير سفيان بن الأبرد الكلبي
لما بعث به الحجاج إلى حرب من
انفلت من الأزارقة
قال: ودعا الحجاج برجل يقال له سفيان بن الأبرد الكلبي فضم إليه جيشا
عظيما من أهل الشام وأهل العراق، وأمره أن يطلب قطري بن الفجاءة وأصحابه
حيث‌ كانوا من بلاد الله، قال: فسار سفيان بن الأبرد من العراق حتى قدم مدينة



(1) انظر في مقابلة المهلب للحجاج وما دار بينهما من حديث الكامل للمبرد 3 / 1354 - 1355.
(2) بالأصل بيحارستان، وما أثبت عن معجم البلدان وطخارستان ولاية كبيرة واسعة تشتمل على عدة بلاد
وهي من نواحي خراسان، وهي طخارستان العليا والسفلى.
(3) بست: مدينة بين سجستان وغزنين وهراة.
54
الري فنزلها، وقطري بن الفجاءة يومئذ بطبرستان قد تغلب عليها فأخذها وجعل يجبي
خراجها. قال: فسار إليه سفيان بن الأبرد في جيشه ذلك، فبلغ ذلك قطري بن
الفجاءة فجمع إليه أصحابه من الأزارقة ومن التأم إليه من أهل البلد، ودنا القوم
بعضهم من بعض (1) فاقتتلوا قتالا شديدا. قال: وكان تحت‌ قطري بن الفجاءة
برذون له أشهب، فكبا به البرذون فسقط قطري وسقط عليه البرذون، فكسر فخذه
وأحاطت به الخيل من كل جانب، فقال لهم قطري بن الفجاءة: يا فساق! يا فجار!
هلموا فهذه إربتكم التي كنتم تطلبون! قال: فبرز إليه رجل يقال له باذام (2) مولى
عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فضربه ضربة اتقاها قطري بيده، فنكى السيف في قطري فرمى بها، ثم ضربه أخرى فسقط قطري على قفاه، فتقدم إليه باذام (2)
فقتله واحتز رأسه.
قال: وعطفت الخيل على أصحابه وفيهم عمرو القنا وصالح بن مخراق
وفرسان من الأزارقة، فلم يزالوا يقتتلون حتى قتلت الأزارقة بأجمعها في معرك
واحد (3)، فما انفلت منهم إلا رجل واحد يقال له قيس بن الأصم الضبي وهو الذي
يقول أبياتا مطلعها:
صلى الاله على قوم شهدتهم * كانوا إذا ذكروا وذكروا شهقوا (4)
إلى آخرها.
قال: ثم أمر سفيان بن الأبرد برأس قطري بن الفجاءة، ورأس عمرو القنا
وصالح بن مخراق ورؤوس القوم بأجمعهم، فجمعت وعلقت في أعناقهم وآذانهم
الرقاع وبعث بها إلى الحجاج وكتب إليه يخبره مع القوم.



(1) وذلك في شعب من شعاب طبرستان كما في الكامل لابن الأثير 3 / 131.
(2) في الكامل لابن الأثير: فجاء إليه نفر من أهل الكوفة منهم سورة بن الحر التميمي وجعفر بن
عبد الرحمن بن مخنف والصباح بن محمد بن الأشعث وباذان (في الطبري: بادام) مولاهم وعمر بن
أبي الصلت، فقتلوه، وكل هؤلاء ادعى قتله.
(3) في الكامل لابن الأثير 3 / 132 وقال بعض العلماء: وانقرضت الأزارقة بعد مقتل قطري وعبيدة، إنما
كانوا دفعة متصلة أهل عسكر واحد... واتصل أمرهم بضعا وعشرين سنة.
(4) بعده في شعر الخوارج ص 141:
كانوا إذا ذكروا نار الجحيم بكوا * وإن تلا بعضهم تعريفها صعقوا
55
قال: ثم سار سفيان بن الأبرد في أصحابه حتى صار إلى قومس، ونزل على
ذلك الحصن الذي فيه عبيدة بن هلال، فأنشأ عبيدة بن هلال يقول (1):
ذكرت الصغير وأشياعه * فيما لك هما إلينا سرى
فيا ليتني قبل هذا الحصار * ثويت بجيرفت فيمن ثوى
ونحن من الخيل ذو منعة * أجش هزيما (2) إذا ما جرى
قال: فلما طال الحصار على عبيدة بن هلال وأصحابه بقومس ركب سفيان بن
الأبرد الكلبي ذات يوم ودنا من الحصن في نفر من أصحابه، ثم قال: يا معشر
الأزارقة! حتى متى وإلى متى هذا الحصار؟ وأنتم قوم عرب تكرهون العار، اعلموا
أنه لا أمان لاحد منكم عندي إلا من جاء برأس عبيدة بن هلال وأخيه وابن عمه،
قال: فكاد القوم يثبوا بعضهم على بعض لما فيهم من الجوع والجهد. قال: وأقبل
عبيدة بن هلال حتى أشرف من الحصن على سفيان بن الأبرد وأصحابه، فقال: يا
أهل الشام! يا عبيد من غلب! يا بقية الأحزاب! اجتمعوا إلي! فدنا (3) الناس من
الحصن، فقال: أيما أحب إليكم: أقرأ القرآن أم أنشدكم الشعر؟ فقالوا: أما
القرآن فقد حفظناه يا عبيدة بن هلال ولكن أنشدنا شيئا من شعرك. فقال عبيدة: يا
فسقة يا فجرة يا كفرة! أتختارون الشعر على القرآن، يا عبيد عبد الملك بن مروان
والحجاج دهمان! قال: ثم أنشأ يقول:
إلى (4) الله أشكو ما أرى (5) بجيادنا * تساوك هزلي مخهن (6) قليل
فإن يك أفناها الحصار فربما * تشحط يوما (7) بينهن قتيل
قتيل عزيز في العشيرة فقده * يودون لو يشرونه ببديل



(1) الأبيات في شعر الخوارج ص 113.
(2) بالأصل: هزيم.
(3) الأصل: فدنوا.
(4) قبله في الأثير 3 / 131:
لعمري لقد قام الأصم بخطة * لها في صدور المسلمين غليل
(5) في ابن الأثير والطبري 7 / 175 ترى.
(6) عن الطبري وابن الأثير وبالأصل: بزلهن.
(7) الطبري وابن الأثير: فيما.
56
تعاورها القذاف من كل جانب * بقومس حتى صعبهن ذليل
وقد كن مما أن برين بغبطة * لهن بأبواب القباب صهيل
فيا نفس صبرا كل ما حم واقع * وليس إلى ما تعلمين سبيل
وقومي إلى دروازق الحصن فانظري * إلى خندق فيه الحصار طويل
لعمري لئن أعطيت سفيان بيعتي * وخالفت ربي (1) إنني لجهول
قال: ثم أمر عبيدة بن هلال بباب الحصن ففتح، ثم خرج في أصحابه إلى
سفيان بن الأبرد وأصحابه، فاقتتلوا قتالا شديدا على باب الحصن ساعة، ثم نزل
عبيدة بن هلال عن فرسه فعرقبه وكسر جفن سيفه وترك أصحابه ففعلوا كذلك، فلم
يزل يقاتلون قتال قوم قد أيسوا من الحياة حتى قتل عبيدة بن هلال وأصحابه كلهم في
معركة واحدة. فأنشأ بعض الخوارج (2) يقول أبياتا مطلعها:
ذكرت الشراة الصادقين (3) وقد فنوا * وذكرني أهل القران السذور (4)
إلى آخرها.
قال: ثم أمر سفيان بن الأبرد برأس عبيدة بن هلال ورؤوس أصحابه،
فجمعت ووجهت إلى الحجاج، ووجه بها الحجاج إلى عبد الملك بن مروان.
قال: وكان حرب الأزارقة من أول أمرهم وخروجهم إلى أن أبادهم الله تبارك
وتعالى، وفرغ من حربهم ثمان عشرة سنة (5) والله أعلم.



(1) في الطبري وابن الأثير: وفارقت ديني.
(2) الأبيات للأصم الضبي، قيس بن عبد الله، كما في شعر الخوارج ص 141.
(3) في شعر الخوارج: الصالحين.
(4) السذور موضع بقومس التجأ إليه الخوارج وأميرهم عبيدة بن هلال بعد مهلك قطري بن الفجاءة
بطبرستان.
وبعده في شعر الخوارج ص 141:
بقومس فارفضت من العين عبرة * يجود بها ريعانها المتحدر
فقلت لأصحابي قفوا حين أشرفوا * قليلا لكي نبقى وقوفا وننظر
إلى بلد الشارين أضحت عظامهم * تضمنها من أرض قومس أقصر
(5) في الكامل لابن الأثير 3 / 132 بضعا وعشرين سنة.
57
ذكر خروج شيب بن يزيد وما كان من
أمره وخروجه على الحجاج
قال: فلما كان بعد ذلك بمدة قليلة خرج رجل من بني شيبان (1) يقال له
شبيب بن يزيد حتى صار إلى دمشق وكان يرى رأي الشراة، فنزل على رجل من
أشراف دمشق يقال له روح بن زنباع الجذامي، فقال روح: ممن الرجل؟ قال:
رجل من بني شيبان ثم أحد بني مرة، ولي شرف وقدر وطاعة في قومي، وقد فزعت
إليك، فإن رأيت أن تكلم لي أمير المؤمنين أن يفرض لي فرضا وأكون في ناحية
فعلت منعما! قال روح: أفعل ذلك وكرامة لك. ثم أقبل روح حتى دخل على
عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين! عندي رجل من بني شيبان وله شرف
وقدر في قومه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يلحقه بقومه وبغيره من أهل الشرف فعل
منعما. فقال عبد الملك بن مروان: يا أبا زرعة! إني لأكره أن أفرض لاحد من
أهل (2)... بالشام فرضا لان رأيهم رأي الخوارج، ولكن هل سألت هذا الرجل عن
نسبه؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين - يذكر أن نسبه كذا وكذا، فقال عبد الملك بن
مروان: ما أعرف هذا النسب. قال: فرجع روح بن زنباع إلى شبيب فقال: إني قد
ذكرت لأمير المؤمنين وذكرت له نسبك، فذكر أنه لا يعرفك، فقال شبيب: أرجو أن
يعرفني بعد هذا اليوم إن شاء الله! قال: ثم خرج شبيب حتى قدم العراق، وكان له
منزل بالكوفة، فأرسل إلى امرأته وأمه فانتخبهما إليه، وجعل يبعث إلى قبائل العرب
فيدعوهم إليه ويوعدهم الغارة، فلم يزل كذلك حتى اجتمع إليه جيش لجب.
قال: وبلغ ذلك الحجاج فوجه إليه برجل من أهل الشام يقال له عبيدة بن
مخراق القيني في ألف فارس فهرمه شبيب وقتل عامة رجاله، ثم وجه إليه برجل يقال
له يزيد بن هبيرة المحاربي في ألفي فارس فهزمه شبيب وقتل عامة أصحابه، ثم وجه
إليه بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي فهزمه شبيب وأتى على
أصحابه (3)، ثم وجه إليه بزحر بن قيس الجعفي (4) فهزمه هزيمة قبيحة وقتل من



(1) بالأصل (سفيان) خطأ وسيرد صوابا.
(2) بياض بالأصل.
(3) انظر تفاصيل أوردها ابن الأثير حول محاربة شبيب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث 3 / 110
والطبري حوادث سنة 76.
58
أصحابه جماعة، وانفلت زحر بن قيس وبه ثمانون طعنة وضربة واحدة وأنه ليحمل
في القطن، ثم وجه إليه بعتاب بن ورقاء التميمي (1) فقتله شبيب وهزم أصحابه، ثم
وجه إليه بالطهمان مولى آل بني معيط فقتله شبيب، فوجه إليه الحجاج بمولى له يقال
له أبو الورد فقتله شبيب، ثم وجه إليه بزياد بن عمرو العتكي (2) فهزمه شبيب وقتل
عامة أصحابه، ثم وجه إليه محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله (3) فقتله شبيب،
ثم وجه إليه برجل يقال له الطرس (4) مولى بني تميم فقتله شبيب، كذلك أربع سنين
كاملة يهزم عساكر الحجاج ويقتل رجاله.
قال: وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فضاقت عليه الأرض بما رحبت، ثم
كتب إلى الحجاج يأمره أن يخرج إليه بنفسه. قال: فعندها خرج الحجاج من الكوفة
في عسكر لجب حتى نزل بموضع يقال له السبخة (5). وبلغ ذلك شبيبا فسار إليه في
جيشه ذلك فلم يشعر الحجاج إلا وخيل شبيب قد وافته وهم يقولون: لا حكم إلا لله
ولو كره المشركون! نحن المطالبون بدماء الأزارقة. قال: ثم وضعوا السيف في
أصحاب الحجاج، فقتل منهم نيف عن مائة رجل وانهزم الباقون مع الحجاج حتى
دخل الكوفة، ورجع شبيب بأصحابه حتى نزل مدينة الأنبار.
وكتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين الغوث الغوث!
فإن شبيب بن يزيد قد هتك الحريم، وأيتم الأولاد، وأرمل الأزواج. قال: فوجه
إليه عبد الملك بن مروان بألف رجل من أهل الشام. قال: وبلغ الخبر إلى شبيب
بأن الحجاج قد وافته الجيوش من أهل الشام في أربعة آلاف فارس، فأقبل على
أصحابه فقال: ما الرأي عندكم الان؟ فقالوا: الرأي رأيك يا أمير المؤمنين! قال:
فإني رأيت أن أكبس الكوفة الليلة لنا أم علينا، فقال أصحابه: ها نحن معك،
فافعل ما أحببت. قال: فاعلفوا إذا خيلكم وحشوها واسقوها، ففعلوا ذلك. ثم
ركب شبيب وركب معه أصحابه، وأقبل نحو الكوفة ومعه أمه يقال لها الجهيزة في



= (4) انظر ابن الأثير 3 / 107 والطبري حوادث سنة 76.
(1) انظر الطبري وابن الأثير حوادث سنة 77 وفيهما محارب شبيب عتاب بن ورقاء.
(2) أنظر الطبري 7 / 235 وابن الأثير 3 / 108.
(3) بالأصل عبد الله والصواب من الطبري وابن الأثير.
(4) كذا بالأصل ولم نجده. ولعله (أبي الضريس مولى بني تميم) كما في ابن الأثير 3 / 109.
(5) بالأصل سحه وما أثبت عن الطبري وابن الأثير انظر حوادث سنة 77.
59
امرأة من نساء الخوارج ومعه أيضا امرأته (1). قال: وكانت غزالة من سبي أصفهان،
فأقبلت غزالة ومعها خمسون امرأة من نساء الخوارج، قال: فسار شبيب أيضا في
عسكره ومعه مائتان وخمسون امرأة من نساء الخوارج، قد تقلدن بالسيوف وفي
أيديهن الرماح، وقد ذكر ذلك أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي في شعره حيث يقول
أبياتا مطلعها:
أبي القاسطون من أهل العراق * على الله في الحرب إلا قسوطا
إلى آخرها.
قال: فكبس شبيب بن يزيد الكوفة ليلا وقد هدأت العيون فلم يكذب أن دخل
المسجد الأعظم (2)، فدعا بأمه وامرأته فأقعدهما على المنبر، ثم وضع السيف في
أهل المسجد من المصلين والحرس فقتلوا بأجمعهم، وهو يقول: يا عدو الله! يا
ابن أبي رغال! يا أخا ثمود! اخرج إلينا. والحجاج يقول لغلمانه: لا تكلموهم،
فلعل الله أن يكفينا أمرهم. قال: وقد ذكر ذلك رجل من الخوارج (3) حيث يقول:
لعمري لقد نادى شبيب وصحبه * على الباب لو أن الأمير يجيب
فأبلغ أمير المؤمنين نصيحة (4) * وذو النصح لو يصغى إليه قريب
أتذكر إذ دارت عليك رماحنا * يمكن والكلبي ثم غريب
فلا صلح ما دامت منابر أرضنا * يقوم عليها من ثقيف خطيب
فإنك إن لم ترض بكر بن وائل * يكن لك يوم بالعراق عصيب
فلا ضير إن كانت قريش عداتنا * يصيبون منا مرة ونصيب
فإن يك منكم (5) كان مروان وابنه * وعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فمنا سويد والبطين وقعنب * ومنا أمير المؤمنين شبيب (6)



(1) الأصل (امرأة).
(2) وكانت غزالة قد نذرت أن تصلي في جامع الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران (ابن الأثير
3 / 121).
(3) هو عتبان بن أصيلة ويقال وصيلة كما في معجم المرزباني ص 266.
(4) عند المرزباني: رسالة.
(5) عن المرزباني، وبالأصل: وإن يك منهم.
(6) يريد سويد بن سليم بن خالد الشيباني، والبطين من بني عمرو بن محلم، وقعنب منهم أيضا،
وشبيب بن يزيد الأنصاري.
60
ومنا سنان الموت وابن عويمر * ومرة فانظر أين ذاك يغيب
قال: فلم يزل كذلك حتى إذا طلع الفجر قال لبعض أصحابه: أذن وأقم،
فأذن وأقام، وتقدم شبيب فصلى بأصحابه، فقرأ بهم في الركعة الأولى بأم القرآن
والبقرة والثانية بأم القرآن وآل عمران، حتى كادت الشمس أن تطلع، ثم جلس في
المحراب يسبح، وأقبلت الخيول من كل جانب حتى أحدقت بأبواب المسجد وهم
يقولون: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون.
قال: وأقبل الحجاج ومعه أربعة آلاف رجل من أهل الشام، فخرج إليهم
شبيب وأصحابه، واضطرب القوم في وسط السوق اضطرابا شديدا حتى قتل من
الفريقين جماعة فأنشأ عبد الرحمن بن عمرو الشيباني يقول في ذلك أبياتا مطلعها:
يا ليتني في الخيل وهي تدوسهم * في السوق يوم اصطفن بالحجاج
إلى آخرها.
قال: واشتبكت الحرب بين الحجاج وشبيب، وكثر القتلى بين الفريقين (1)،
وحملت غزالة امرأة (2) شبيب فيمن معها من النساء وحمل أصحاب شبيب معهن (3)،
وانهزم الناس من بين أيديهم حتى صار الحجاج إلى باب قصره فأنشأ بعض الخوارج
في ذلك يقول (4):
صرعت غزالة قلبه بكتيبة * تركت مسامعه كأمس الدابر (5)
ليث الخوان (6) وفي الحروب (7) نعامة * فتخاء تنفر (7) من صفير الصافر



(1) انظر ابن الأثير 3 / 122.
(2) بالأصل: أمه خطأ.
(3) بالأصل: معهم.
(4) الأبيات لعمران بن حطان الشيباني (شعر الخوارج ص 193 - 194) وانظر الكامل للمبرد 2 / 929
والعقد الفريد 5 / 36.
(5) البيت في العقد الفريد:
صدعت غزالة جمعه بعساكر * تركت كتائبه كأمس الدابر
(6) العقد الفريد: أسد علي.
(7) عن العقد الفريد، وبالأصل: النحور.
(8) في مروج الذهب 3 / 195 (فزعاء تفزع).
61
هلا خرجت (1) إلى غزالة في الوغى * إذ صار قلبك في جوانح طائر (2)
ألق السلاح وخذ وشاح معصفر * واعمد بمنزلة الجبان الكافر
قال: فلم يزل شبيب وأصحابه يضارب فيهم ويطاعن من وقف الغداة إلى
الليل، وأجهد أصحابه وقتل منهم جماعة، فانهزم شبيب وخرج من الكوفة ومضى
هاربا على وجهه وقد قتل أصحابه، حتى صاروا إلى مدينة الأنبار فنزلها.
قال: ووجه الحجاج في طلبه برجل من الكوفة يقال له حبيب (3) بن
عبد الرحمن الحكمي في ثلاثة آلاف رجل، وبلغ ذلك شبيبا فخرج إليه فيمن بقي
من أصحابه، فاقتتل القوم يوما وليلة قتالا شديدا، ثم ولى شبيب منهزما حتى صار
إلى بادرايا (4) وباكسايا (5) ثم صار من هنالك [إلى كرمان] فنزلها.
فوجه إليه الحجاج بسفيان بن الأبرد الكلبي، فأقبل سفيان حتى نزل على
شاطئ الدجيل، وأقبل شبيب نحوه، فلما أقبل ليعبر الدجيل إلى ما قبله أمر
سفيان بن الأبرد بالغواصين بجسر الدجيل فقطع، واستدارت السفن فغرق شبيب مع
فرسه وسلاحه. قال: فأمر سفيان بن الأبرد بالغواصين فأخرجوه من الماء واحتزوا
رأسه، ووجه به سفيان إلى الحجاج وقتل أمه جهيزة وامرأته غزالة (6) وقتل عامة
أصحابه، فلم ينفلت منهم إلا القليل.
قال: وأسر سفيان بن الأبرد جماعة من أصحاب شبيب فوجه بهم إلى
الحجاج، فلما وقفوا بين يديه رفع رأسه فنظر إلى شيخ منهم وسيم جسيم فقال له:
يا شيخ! اخترت الدنيا على الآخرة! قال: كلا يا حجاج! ولكني اخترت الآخرة
على الدنيا بخروجي عليك وعلى صاحب الفاجر. فقال الحجاج: اضربوا عنقه،
فقال الشيخ: الحمد لله ولا حكم إلا لله، الحمد لله على ما قضى وقدر، ولكن لا
تعجل يا حجاج فقد قلت بيتين من الشعر أريد أن أختم بها عملي، فقال الحجاج:



(1) في العقد الفريد: برزت.
(2) في مروج الذهب والكامل للمبرد: في جناحي طائر.
(3) عن الطبري وابن الأثير وفي الأصل: علقمة.
(4) بادرايا: طسوج بالنهروان وهي بليدة قرب باكسايا بين البندنيجين ونواحي واسط.
(5) بلدة قرب البندنيجين وبادرايا بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي في أقصى النهروان.
(6) بالأصل: أمه غزالة وامرأة جهيزة، وخطأ.
62
قل ما بدا لك، فأنشأ يقول:
أبرأ إلى الله من عمرو وشيعته (1) * ومن علي ومن أصحاب صفين
ومن معاوية الغاوي وشيعته * لا بارك الله في القوم الميامين
قال: ثم قدم فضرب عنقه.
ثم قدم إليه آخر، فقال له الحجاج: ما دينك أيها الرجل؟ فقال: أنا على
دين صاحب الفلك، قال الحجاج: وأنا على دين صاحب الفلك أيضا، فما تقول
في علي وعثمان؟ قال: كافران، فقدم ثم ضرب عنقه.
ثم قدم إليه آخر، فقال له الحجاج: ما دينك؟ قال: أنا على دين صاحب الأحقاف، قال الحجاج: وأنا على دين صاحب الأحقاف، فما تقول في علي وعثمان؟ قال: كافران جميعا، فقدم فضربت عنقه.
ثم قدم إليه رجل، فقال له الحجاج: ما دينك؟ فقال: أنا على دين صاحب الحجر، قال: فما تقول في علي وعثمان؟ قال: كافران، قال: فقدم فضربت عنقه.
وقدم إليه ثلاثة نفر في حبل وقد شدت أيدهم على أعناقهم، قال لهم
الحجاج: ما دينكم؟ فقال أحدهم: أنا على دين الذي وفى، وقال الاخر: وأنا
على دين صاحب الأيكة، وقال الثالث: وأنا على دين صاحب الألواح، فقال
الحجاج وأنا على دين من ذكرتم، فقال: ما تقولين في الختنين علي وعثمان
والحواريين طلحة والزبير والحكمين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري؟
فقالوا: نقول إنهم كفار وليس الحكم إلا لله رب العالمين، فقدموا فضربت أعناقهم
صبرا.
ثم قدم إليه رجلان يحجلان في قيودهما حتى وقفا (2) بين يديه. فقال الحجاج
لأحدهما: ما دينك؟ فقال: أنا على دين الاسلام الذي بعث الله به نبيه
محمدا صلى الله عليه وسلم، فهدى به من الضلالة، وأنقذ به من العمى والضلالة والجهالة، وعلى
دين صاحبه أبي بكر الصديق الذي ولي أمور الناس من هذه الأمة فكان محمودا،



(1) يريد عمرو بن العاص.
(2) بالأصل: رجلين يحجلون في قيودهم حتى وقفوا.
63
وخرج من هذه الأمة مفقودا، وعلى دين صاحبه عمر بن الخطاب الذي عاش في
الدنيا حبيبا، ثم قبضه الله إليه سعيدا وشهيدا. قال الحجاج: فما تقول في أمير
المؤمنين عثمان بن عفان؟ قال: ذاك رجل لا يلتقي باسمه الشفتان، قال: فما تقول
في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟ قال: ذاك رجل آمن صغيرا وكفر كبيرا.
قال: فما تقول في معاوية بن أبي سفيان؟ قال: وما أقول في رجل بين أطباق النيران
ينادي: يا حنان يا منان! والرب عليه غضبان! قال: فما تقول في عبد الملك بن
مروان؟ قال: وما الذي أقول في ابن طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعينه، لقد أخطأ خطيئة
أطبق بها السماء على الأرض بتوليته إياك على رقاب المسلمين، فويل له من ديان يوم
الدين! قال: دع عنك هذا، قال: ما تقول في أنا؟ فقال: ما عرفتك إلا عادلا
قاسطا، فقال الحجاج: قاتلك الله من رجل كأنك أردت قول الله تبارك وتعالى:
(الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا
بربهم يعدلون) (1)؟ فقال: هذا أردت يا حجاج! قال: وكأنك أردت قوله
عز وجل: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) (2)؟ قال: هذا أردت يا حجاج!
فقال الحجاج: أخروه، فأخروه فضربت عنقه صبرا.
ثم أقبل على الاخر فقال له: ما تقول فيما سألت عنه صاحبك؟ فأنشأ
يقول (3):
أحجاج إني والذي أنا عبده * على خير للعالمين محمد
ودين أبي بكر وصاحبه الذي * مضى عادلا في حكمه لا يفند
ولست لعثمان بن عفان باغضا * ولا قائلا فيه مقالة ملحد
وإن يك عثمان بن عفان ظالما * فربك للعبد الظلوم بمرصد
وأما علي ذو المعالي فإنه * وصي نبي ذي سناء وسؤدد
وإن يك مظلوما [له] الله ناصر * فينصره من كل باغ ومعتدي
وقد كان مولى المؤمنين وإنني * مقر به في كل ناد ومشهد
فذلك ديني لا أدين بغيره * ولست كهذا الكافر المتلدد (4)



(1) سورة الانعام الآية 1.
(2) سورة المدثر الآية 15.
(3) الأبيات في شعر الخوارج ص 155.
(4) يتضح من إقرار هذا الرجل أنه لم يكن على دين الخوارج وذلك إن كان صادقا فيما أنشده، ولعل تبرؤه =
64
قال: فأمر به الحجاج فأطلق من قيده، وكساه وأحسن إليه وألحقه بعطائه.
قال: ثم قدمت إليه امرأة من نساء الخوارج وكانت من المتكلمات يقال لها أم
علقمة، فقال لها الحجاج: يا عدوة الله! الحمد لله الذي قتل أباك وأخاك
وزوجك، فقالت: نعم الحمد لله الذي قدمهم إلى الجنة وأخرني بعدهم، وقد
علمت أنه لم يؤخرني إلا لذنب عظيم قد أتيته. فقال الحجاج: لأفعلن بك
ولأفلعن! فقالت: ويلك يا حجاج! علي تبرق وترعد! والله لقد خفت الله خوفا
جعلك في عيني أصغر من الذباب. قال: وجعلت أم علقمة تكلم الحجاج وهي
منكسة الرأس، فقال لها الحجاج: ارفعي رأسك وانظري إلي، فقالت: إني لأكره
أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه. قال: فأمر الحجاج بقتلها فكانت السيوف تأخذها
وهي تقول: لا حكم إلا لله، حتى بردت.
قال: وكان آخر من قدم إليه رجل من هؤلاء الخوارج له شاهد وسمت وطلل،
فلما هم الحجاج بقتله سمع ضجة بالباب، فقال لحاجبه: ما هذه الضجة؟ فقال:
نسوة بالباب يسألن (1) الاذن على الأمير، فقال الحجاج: ائذن لهم بالدخول،
فدخلن وهن ثلاث وعشرون امرأة، كلهن أهل بيت هذا الخارجي الذي هم الحجاج
بقتله، فقال لهن الحجاج: ما حاجتكم؟ فتقدمت امرأة منهن فقالت: أصلح الله
الأمير! إن رأيت أن تتفضل باستماع ما أقول! فقال الحجاج: قولي ما أحببت،
فأنشأت وجعلت تقول:
أحجاج لو (2) تشهد مقام بناته * وعماته يندبه الليل أجمعا
أحجاج إما (3) أن تمن بتركه * علينا وإما أن تقتلنا معا
أحجاج لم (4) تضجع له ونسائه * ثمانا وتسعا واثنتين وأربعا
فمن رجل دان يقوم مقامه (5) * علينا فمهلا لا تزدنا تضعضعا



= من الخوارج كان بسبب خوفه، وبعد أن رأى بأم عينه الذين قتلوا قبله.
(1) في الأصل: يسألون.
(2) في تهذيب ابن عساكر: لم تشهد.
(3) تهذيب ابن عساكر 4 / 62 إما أن تجود بنعمة.
(4) تهذيب ابن عساكر: كم تقتل به إن قتلته * ثمانا وعشرا...
(5) ابن عساكر: من هذا يقوم... إن تزدنا.
65
قال: فخلى الحجاج سبيله وزاده في عطائه مائة دينار، وكتب إلى
عبد الملك بن مروان يخبره بخبره وخبر النسوة والمرأة وشعرها. قال: فكتب إليه
عبد الملك بن مروان: زده في عطائه دنانير أخرى! فصارت له زيادتان: زيادة
الحجاج وزيادة عبد الملك بن مروان، فأنشأت‌ ليلى الأخيلية تمتدح الحجاج وهي
تقول:
إذا نزل الحجاج أرضا منيعة * تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها * همام إذا هز القناة سقاها
سقاها دماء المارقين وعللها * إذا جمحت يوما وخيف رداها
أحجاج لا تعط العصاة مناهم * فلا وإلهي لا تصيب مناها
ولا كل حلاف تقلد بيعة * بأعظم حق الله حين شراها
ذكر عمران بن حطان الخارجي (1)
قال: وجعل الحجاج يطلب عمران بن حطان بالعراق أشد الطلب لأنه كان من
رؤساء الخوارج وأعلامهم، وعلم عمران بن حطان أن الحجاج يطلبه، فضاقت عليه
العراق فهرب حتى لحق بالشام خوفا من الحجاج، فنزل على قوم من بني غسان
فأنكروه، وتحول عنهم فنزل على قوم من بني لخم فأنكره رب منزله، فتحول (2)
حتى صار إلى روح بن زنباع الجذامي ونزل عليه، وكان عمران بن حطان هذا من
أفصح الناس وأعلمهم بأيام العرب، وكان روح بن زنباع هذا سيدا في قومه عظيم
القدر عند أهل الشام، فلما نزل عليه عمران بن حطان سأله روح بن زنباع عن اسمه
ونسبه، فغير اسمه ونسبه وذكر أنه من أزد شنوءة، قال: فقربه روح بن زنباع وأكرمه
بغاية الكرامة. ثم قال ذات يوم لعبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين! إن في
ضيافتي رجل من أزد شنوءة لم أر مثله ساعة، ثم جعل يحدثه بما سمع منه من أخبار
العرب، فقال عبد الملك بن مروان: ويحك يا أبا زرعة! هذا رجل علامة فصفه



(1) هو أحد بني عمرو بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل (الكامل
للمبرد 3 / 1084).
(2) في الكامل للمبرد: أنه كان إذا نزل في حي انتسب نسبا بقرب منه، ففي ذلك يقول:
نزلنا في بني سعد بن زيد * وفي عك وعامر عوثبان
وفي لخم وفي أدد بن عمرو * وفي بكر وحي بني العدان
66
لي، فقال: نعم يا أمير المؤمنين! هو رحل آدم، طويل، أفوه، فصيح، حسن
الرواية للشعر، كثير الصلاة، ما دفعت إلى رجل هو أكثر صلاة منه ولا أعبد. قال
فقال عبد الملك بن مروان: ويحك يا أبا زرعة! هذه صفة رجل مسلم زاهد، وإني
لأحسبه حروري أهل العراق، ولكن إذا رجعت إلى منزلك فسله من الذي يقول:
إني لأحسبه يوما فأذكره (1) * من أرجح الناس عند الله ميزانا
يا ضربة بحسام (2) ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرض رضوانا
قال: فقال روح بن زنباع: إني قد سألت عن ذلك يا أمير المؤمنين، فأخبرني
بهذا الشعر ورواه لي عن آخره وذكر أنه لعمران بن حطان في ملجم (3) وضربته
علي بن أبي طالب! قال فقال: يا غلام! علي بكتاب الحجاج! فجاء به فإذا فيه:
وإني لأخبرك يا أمير المؤمنين أن رأسا من رؤوس الخوارج يقال له عمران بن حطان
كان قد أفسد قياما من الناس بالعراق، وقد كنت أردت أخذه، فلما ضاقت عليه
العراق لطلبي إياه خرج إلى الشام، فهو ينتقل في مدائنها، وعلامته يا أمير المؤمنين
أنه رجل آدم طويل أفوه، فإن ظفرك الله به فسرحه إلي لأطهر منه البلاد، وأريح منه
العباد - والسلام -.
قال فقال روح: هذه والله صفته يا أمير المؤمنين! قال عبد الملك بن مروان:
فجئني به يحدثني يوما واحدا وهو آمن بأمان الله، واكتب له كتابا منشورا أن لا سبيل
للحجاج عليه أبدا ما بقي. قال: فانصرف روح بن زنباع إلى منزله، ثم قال: أيها
الشيخ! إن أمير المؤمنين أحب زيارتك فزره إن شئت، فإنه أمرني بذلك، فقال: ما
أشوقني إلى محادثة أمير المؤمنين، لكني أخاف على نفسي، ولكن ائتني منه بكتاب
أمان بخط يده. قال: فركب روح بن زنباع (4) فرسه ومر على وجهه، فقال
عبد الملك بن مروان: أما الأمان فأكتبه لك، ولكني أظنك لا تجده في منزلك إذا
رجعت فاعلم ذلك! فانصرف روح بن زنباع إلى منزله فإذا الامر على ما قال



(1) البيت في الكامل للمبرد 3 / 1085.
إني لأذكره حينا فأحسبه * أوفى البرية عند الله ميزانا
(2) في الكامل: من تقي.
(3) كذا، يريد ابن ملجم قاتل علي بن أبي طالب (رض).
(4) بالأصل: فركب عمران بن حطان.
67
عبد الملك بن مروان، فرجع إليه فأعلمه بذلك، فقال: قد علمت ذلك أبا زرعة!
والرجل هو عمران بن حطان. فلما كان بعد أيام أتاه غلام برقعة فقال: وجدت هذه
الرقعة تحت فراش ضيفنا الذي هرب! قال: فنظر روح بن زنباع في الرقعة فإذا فيها
هذه الأبيات (1):
يا روح كم من أخي مثوي نزلت به * قد ظن ظنك من لخم (2) وغسان
حتى إذا خفته زايلت (3) منزله * من بعد ما قيل عمران بن حطان
قد كنت ضيفك حينا لا يروعني (4) * منه طوارق (5) من إنس ومن جان
حتى أردت بي العظمى فأوحشني * ما أوحش (6) الناس من خوف ابن مروان
فأعذر أخاك ابن زنباع فإن له * في الحادثات (7) هناك ذات ألوان
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن (8) * وإن (9) معد بن عدنان فعدنان
لو كنت مستشعرا (10) يوما لطاغية (11) كنت المقدم في سري وإعلان
لكن أبت لي آيات مفصلة (12) * عند (13) الولاية في طه وسبحان
قال: فعلم روح بن زنباع أنه عمران بن حطان، وندم على ما أخبر به
عبد الملك بن مروان.
قال: ومضى عمران حتى نزل على زفر بن الحارث الكلابي وكان زفر أيضا



(1) الأبيات في الكامل للمبرد 3 / 1086 وشعر الخوارج ص 179 - 180.
(2) في ابن عساكر (ترجمة عمران): من عك.
(3) الكامل للمبرد وشعر الخوارج: فارقت.
(4) الكامل وشعر الخوارج: قد كنت جارك حولا ما يروعني.
(5) في المرجعين: فيه روائه.
(6) المبرد: فأوحشني وأوحش...
(7) المبرد: النائبات خطوبا.
(8) ابن عساكر: فإن لقيت يمانيا فمن يمن.
(9) المبرد: وإن لقيت معديا فعدنان.
(10) المبرد: مستغفرا.
(11) عن المبرد وبالأصل: لطاعته.
(12) المبرد: مطهرة.
(13) ابن عساكر: (عقد الولاية) والولاية بفتح الواو مصدر الولي، وبكسرها: الاسم يريد ما توليت من
أعمال.
68
سيدا في قومه، فقال له: ممن الرجل؟ فقال له: رجل من حمير من الأوزاع، وكان
لزفر خؤولة من الأوزاع فقربه وأدناه، فأقام عنده مدة. ثم قال له ذات يوم: أيها
الرجل! إني أرى لك حالا ليست كالأحوال، فإن كنت خائفا آمناك وإن كنت فقيرا
أغنيناك (1)! قال: فتبسم عمران ثم قال: الله المؤمن والله المغني: وإنما أنا ابن
سبيل. قال: فبينا هو كذلك إذا أقبل رجل من عند روح بن زنباع إلى زفر بن الحارث
في أمر من الأمور، فلما نظر إلى عمران بن حطان ع رفه، فقال لزفر: هذا كان ضيفا
لروح بن زنباع وهو رجل من الأزد، قال فنظر إليه زفر نظرة مغضب وقال: يا شيخ!
أزدي مرة وأوزاعي أخرى! أو نبأتني عن شأنك وأمرك كان خيرا لك! وكأنه أسمعه
كلاما. قال: فسكت عمران بن حطان ولم يقل شيئا، فلما كان الليل هرب على
وجهه في البلاد، وكتب (2) إلى زفر بهذه الأبيات:
إن التي أصبحت يعيي بها زفر * أعيا عياها (3) على روح بن زنباع
أنشأ يسائلني (4) حولا لأخبره * والناس من بين مخدوع وخداع
حتى إذا انجذمت مني حبائله * كف السؤال ولم يولع بإهلاعي
فاكفف كما كف روح إنني رجل * إما صرح (5) وإما فقعة القاع
وازجر لسانك عن شتمي ومنقصتي * ماذا تريدون من شيخ لأوزاع (6)
إذا الصلاة فإني لست تاركها * كل امرئ للذي يسعى له ساعي
أكرم بروح بن زنباع وأسرته * حتى دعا أوليهم للعلى داعي
جاورته سنة فيما زعمت له (7) * عرضي صحيح ونومي غير تهجاع
فارتع فإنك منعي بحادثة * حسب اللبي بما يوعيه من واعي (8)



(1) الكامل للمبرد: جبرناك.
(2) الكامل للمبرد: وخلف في منزله رقعة فيها:
(3) المبرد: أعيت عياء. وفي الأغاني 16 / 148 يعني بها وفي شرح النهج 5 / 94 أعيت زمانا.
(4) المبرد: ما زال يسألني، الأغاني: أمسى يسائلني.
(5) الكامل: حميم. وفقعة القاع: الكمأة، يقال ذلك لمن لا أصل له.
(6) البيت في الكامل للمبرد:
واكفف لسانك عن لومي ومسألتي * ماذا تريد إلى شيخ لأوزاع
(7) الأغاني: فيما دعوت به.
(8) في شرح النهج: (من داع) وفي المبرد: من ناعي.
69
قال: فعلم زفر بن الحارث أنه عمران بن حطان، فطلبه ليأخذ أشد الطلب
ليرده إلى منزله ويأخذ له الأمان، فلم يقدر عليه.
قال: ومضى عمران بن حطان حتى صار إلى بلاد عمان فنزل على قوم من
الأزد وكانوا يرون رأيه ويتناشدون أشعاره ويبكون عليه وعلى أبي بلال الحروري
قال: فتعرف إليهم عمران بن حطان وأقام بينهم آمنا مطمئنا لا يخاف أحدا ثم أنشأ
يقول (1):
نزلت بحمد الله في خير أسرة * أسر بنا فيهم من الانس والخفر
نزلت بقوم يجمع الله شملهم * وليس لهم عود سوى الحق يعتصر
من الأزد إن الأزد أكرم أسرة * يمانية حقا إذا نسب البشر
فأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر * بدوني وقالوا من ربيعة أو مضر
أو الحي قحطان وتلك سفاهة * كما قال لي روح وصاحبه زفر
وما منهما إلا يسر بتهمة * تقربني منه وإن كان ذا زمر
فنحن بنو الاسلام والله واحد * وأولى عباد الله بالحق من شكر
قال: فلم يزل عمران بن حطان مقيما بأرض عمان مدة من عمره إلى أن مات
الحجاج وتغيرت الأمم، ثم صار إلى البصرة وبها يومئذ رجل يقال له سويد بن
منجوف، وتحته امرأة من بنات الخوارج يقال لها حمرة، فلما سمعت بعمران بن
حطان وعبادته ونسكه بعثت إليه أن خلصني من سويد بن منجوف فإني قد كرهته،
وقد أحببت أن أكون لك فإن رأيي رأيك وديني دينك. قال: فأقبل عمران ومعه نفر
من الخوارج حتى استأذنوا على سويد، فأذن لهم، فدخلوا وجلسوا فقال عمران:
أيها الرجل! إننا قد أتيناك في أمر لا أظن أن أحدا قبلنا جاء في مثله، قال: وما ذاك
يا أبا شهاب؟ قال: إن حمرة امرأة من بنات المسلمين وقد كرهتك ونحن نحب أن
تخلي سبيلها فإن أعوانها عليك من المسلمين كثير، فخل سبيلها طائعا فهو خير لك
وأحسن بك. قال: فاتقى سويد على نفسه من الخوارج، ثم صاح بها وقال: يا
حمرة! ما تقولين فيما تسمعين؟ فقالت: لا خير لك في مستكره ولست أحل لك
لأنك لست على ديني ورأيي! قال: فخلى سويد سبيلها. فلما انقضت عدتها



(1) الأبيات في الكامل للمبرد 3 / 1088 وشعر الخوارج ص 182 الأغاني 16 / 148 باختلاف في بعض
الالفاظ بين المصادر والأصل.
70
تزوجها عمران بن حطان ثم أنشأ يقول (1):
سويد بن منجوف كريم نمت به * جدود وآباء عظام الدسائع (2)
دعتني إليه حاجة فوجدته * لعمر أبيك الخير سهل التسارع
دعا حمرة لم يقبل الكفر قلبها * فلم تر رأي الفاضح الدين نافع
فقال لها يا حمر ردي جوابه * بحق وكفي عن جواب المخادع
فقالت مقال المستزيد لنفسه * خلاصا وكانت فورة للمقارع
لم أر مطلوبا إليه حليله * أرد بمحمود من القول جامع
على مثلنا منه فلله دوره * وإن ك ان شيخا للهدى غير تابع
فقيل لسويد بن منجوف: أطلقت حمرة خوفا من الخوارج؟ فقال: لا،
ولكني لا أحب أن يكون عندي من يكرهني، قال ثم أنشأ يقول:
تركت لعمران بن حطان أخته * وأعطيتها من أمرها ما تمنت
وقد كان ديني في المنية دينها * فلما رأتني قد توليت ولت
على غير ذنب كان مني علمته * على أنها صامت لجاجا وصلت
فإن تكن الأيام أحدثن فرقة * فلست أبالي أكثرت أم أقلت
وقد جاهرتني بالتجلد خدعة * على أنها قد ولولت وتملت
فما أنا بالباكي عليها صبابة * ولا سائلا عن دارها حيث حلت
قال: فلما هلك عمران بن حطان أتاها سويد بن منجوف فاستأذن عليها،
فأذنت له ثم قالت: ما حاجتك؟ جئت خاطبا إليك نفسك، وأنا من قد عرفت
وقد مضى (3) أبو شهاب لسبيله، فإن أردت شيئا من ذلك فلا تعدليه عندي. قال
فقالت له: مكانك حتى أخرج إليك! ثم قامت فدخلت إلى مخدع لها فلبست مطرفا.
كان لعمران بن حطان ولفت‌ عمامته على رأسها وخرجت، فقال لها سويد بن
منجوف: ما هذا يا حمرة؟ فقالت: إني سمعت خليلي أبا شهاب وهو يقول في
بعض قوله (4):



(1) الأبيات في شعر الخوارج ص 178 - 179.
(2) عظيم الدسائع: كثير العطية، وقيل الدسيعة: مجتمع الكتفين.
(3) الأصل: (أبا شهاب).
(4) البيتان في شعر الخوارج ص 166.
71
ويلبس يوما عرسه من ثيابه * إذا قيل هذا يا فلانة خاطب
كأن لم يكن من قبل ذاك ولم يكن * نصيب لها في سالف الدهر صاحب
فأحببت أن أصدق قول أبي شهاب بلبسي هذا من ثيابه، فانصرف عني من
حيث جئت فلا حاجة لي في التزويج بعد أبي شهاب.
ثم رجعنا إلى الخبر الأول وأمر خراسان
وهذا ابتداء أمر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي، والحديث طويل
وهذا ابتداء، وسنأتي به من أوله إلى آخره إن شاء الله تعالى.
قال: وصفت العراقان (1) للحجاج بن يوسف فلم يكن أحد يناويه، وجعل
الحجاج يضرب على الناس البعوث ويوجه بهم في الاعمال، فخرج اسم
عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فلم يحب أن يخرج فيه، فجاء إلى أمه أم
عمران بنت‌ سعيد بن قيس الهمداني فقال: يا أماه! إن الحجاج قد ضرب على
الناس بعثا إلى موضع كذا وكذا وقد خرج اسمي في ذلك البعث، وقد أحببت أن
تكلميه في ذلك فلعله أن يعفيني من الخروج فيه. قال: وكانت أم عمران امرأة عاقلة
لبيبة جزلة من النساء، ولم يكن بالعراق امرأة هي أكرم على الحجاج منها لشرفها في
قومها. قال: فركبت إلى الحجاج فكلمته في ابنها عبد الرحمن بن محمد، فقال
الحجاج: يا أم عمران! إني ما كنت أحب أن أرخص لاحد من الناس في التأخر عن
هذا البعث إلا أن يكون مشغولا بعمل من أعمال أمير المؤمنين، وما لحاجتك من
مدفع وقد أعفيناه من ذلك البعث على أن يكون في أعوان أبي مسلم (2) حتى خليفته.
قال فقالت أم عمران: أيها الأمير! اجعله حيث شئت بعد أن تعفيه من السفر، قال
الحجاج: فإنا قد أعفيناه يا أم عمران. قال: وانصرفت أم عمران إلى منزلها،
وصار عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى أبي مسلم خليفة (3) الحجاج. قال:
وكان أبو مسلم هذا رجلا فهما عاقلا لبيبا عالما بالسنن والفرائض، وكان إذا أصبح
واجتمع إليه الناس يقول لهم: لا تتكلموا واذكروا الله، ثم يبدأ هو بالكلام فيتكلم،



(1) الأصل: العراقين.
(2) كذا، ولم نعثر فيما لدينا، على هذا الاسم في خلفاء الحجاج.
(3) بالأصل: خليفته.
72
ثم يتكلم رجل منهم حتى يأتي على آخرهم، قال الشعبي (1): فجلس يوما كما كان
يجلس في أصحابه، فتكلم وتكلم (2) الناس‌ حتى أفضى الكلام إلى عبد الرحمن بن
محمد بن الأشعث، فتكلم وأوجز وأحسن، قال: فأعجبني منه وأنا لا أعلم ما في
قلبه.
قال: ثم جمع الحجاج الناس ذات‌ يوم فقال: دلوني على رجل يصلح
للشرطة، فقال له كاتبه عنبسة: أصلح الله الأمير! عبد الرحمن بن محمد بن
الأشعث في شرفه وجلده ومكانه من أهل مصره! فقال الحجاج: هو لها. قال
الشعبي: فبادرت إليه وهو في منزل أمه أم عمران، فقلت له: البشرى يا أبا
الأشعث! فقال: بماذا؟ فقلت: إن الأمير ذكر رجلا يصلح للشرطة فذكرك له
عنبسة بن سعيد، قال الشعبي: فرأيته قد غضب فقال: ويحك يا أبا عمرو! ومثلي
يتقلد سيفا ويمشي بين يدي ابن أبي رغال! والله ما رأيت أحدا قط على منبر يخطب
إلا وظننت في نفسي أنا أحق بذلك منه! قال فقلت‌ له: دع عنك هذا، فإن الحجاج
ليس ممن يعادى ولا ينابح، فلا تسأله عن نفسك! فتبينت الكراهة في وجهه.
ثم ركب وركبت معه إلى عنبسة بن سعيد كاتب‌ الحجاج، فلما دخلنا عليه
قلت: أصلحك الله! إني قد أخبرت أبا الأشعث بما كان من برك وعنايتك ورأيك
فكره ذلك! فقال عنبسة: ولم ذلك؟ قال ابن الأشعث: لأنه لا حاجة لي في ولاية
الشرطة. قال الشعبي: فسكت عنبسة، فقلت له: جعلت فداك! تدارك إصلاح
ذلك، فقال: أفعل ذلك. ثم ركب إلى الحجاج فلما دخل وأخذ مجلسه جعل
يتناعس في المجلس، فقال له الحجاج: ولم ذلك؟ قال: لأني أشرت على الأمير
أصلحه الله بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وهو رجل شريف شديد الحياء من
الناس، فأخاف عليه الشفاعات. قال الحجاج: فلا حاجة لي فيه، ولكن دلوني
على رجل يصلح لهذا الامر! فقال له بعض جلسائه: فأي رجل يريده الأمير - أصلحه
الله؟ قال: دائم العبوس، طويل الجلوس، سمين الأمانة، أعجف الخيانة، يهون
عليك شباك الاشراف في الشفاعات. فقال له أهل المجلس: ما نعرف مثل هذا إلا



(1) هو عامر بن شراحيل الشعبي، من ندماء عبد الملك بن مروان، مات بالكوفة سنة 103 ه‍.
(2) الأصل: وتكلموا.
73
عبد الرحمن بن عبيد السعدي، فقال له الحجاج: يا عبد الرحمن (1) إني قد
استعملتك على الشرطتين جميعا البصرة والكوفة، فصيف عندنا بالكوفة وشت
بالبصرة، فقال: أصلح الله الأمير! قد قبلت ما وليتني فاكفني حاشيتك وأهلك
وولدك في الشفاعات! فقال: قد كفيناك ذلك، يا غلام! مر المنادي فليناد: ألا!
ومن طلب شفاعة من حاشية الأمير وأهله وولده فقد برئت منه الذمة! قال الشعبي:
فوالله ما رأيت أحدا قط يشبه عبد الرحمن بن عبيد! كان إذا أتي برجل قد نقب على
قوم منزلهم وضع منقبه في بطنه حتى يخرج من ظهره، وإذا أتي برجل قد شهر سلاحا
قدمه فقطع يده، وإذا أتي برجل قد أحرق على قوم شيئا أمر به فأحرق بالنار حرقا،
وإذا أتي برجل قد شك فيه آخره فضربه ثلاثمائة سوط وخلى عنه، وكان لا يحبس
أحدا إلا في دين، وكان إذا انحدر إلى البصرة يخلف خليفة بالكوفة، وإذا رجع إلى
الكوفة فخليفته بالبصرة، وكان خليفتاه جميعا يعملان في الناس كعمله.
قال: ودعا الحجاج أمية بن عبد الله (2) بن خالد بن أسيد فعقد له عقدا بولاية
سجستان (3) وأمره أن يغزو أرض كابل، فسار أمية بن عبد الله في جميع عظيم حتى
دخل أرض كابل وغلغل فيها، فلما أراد الخروج أرسل مالك البلد واسمه رتبيل فأخذ
عليه الشعاب والعقبات والمضايق، فلم يقدر أمية على الخروج من البلد، فصالح
رتبيل ملك كابل على مائتي ألف درهم، فأعطاه ذلك ثم خرج من البلد، وقد سلم
وسلم أصحابه.
قال: وبلغ ذلك الحجاج، فكتب إلى عبد الملك بن مروان: يا أمير
المؤمنين! إن أمية بن عبد الله اشترى النار بالجنة وزاد مائتي ألف درهم! فكتب إليه
عبد الملك بن مروان أن اعزله عن البلاد وول مكانه عبيد الله بن أبي بكرة (4).
قال: فتقدم ابن أبي بكرة إلى سجستان، ثم إنه جمع الناس وغزا أرض كابل



(1) الأصل: يا أبا عبد الرحمن.
(2) بالأصل عبد الرحمن وما أثبت عن ابن الأثير 3 / 132.
(3) في ابن الأثير أنه كان واليا على خراسان وسجستان. وقد عزله عبد الملك عنهما سنة 78 وضمهما إلى
أعمال الحجاج، فبعث الحجاج المهلب على خراسان، وبعث عبيد الله بن أبي بكرة على سجستان
3 / 135.
(4) انظر الحاشية السابقة.
74
ومعه يومئذ شريح بن هانئ الحارثي في أهل الكوفة، فلما توسط المسلمون (1) البلاد
وأخذ عليهم أيضا رتبيل العقبات والشعاب كما فعل بأمية بن عبد الله من قبل، قال:
فبقي ابن أبي بكرة لا يقدر على الخروج، فبعث إلى رتبيل أنك قد فعلت كذا الفعال
بغيري، ولكن ما يغنيك، وما الذي تريد؟ قال: أريد منك أن تحط عني خراج عشر
سنين وتعطيني ألف ألف درهم ونصف ما معك من السلاح والكراع، وتعطيني ولدك
وأشراف قومك رهائن حتى أخلي لك السبيل (2)! فأرسل ابن أبي بكرة إلى من كان
معه من أهل البصرة وأهل الكوفة فأخبرهم بهذا الخبر. فقال البصريون: أيها
الأمير! الرأي عندنا أن نصالحه ونعطيه ما سأل، فقال شريح بن هانئ الحارثي وأهل
الكوفة: لا والله ما كان ذلك لرتبيل منا أبدا! قال: فغضب ابن أبي بكرة، ثم قال
شريح بن هانئ: هذا ما أنت والاعتراض علي ما أريد، تريد أن تنقض علي أمري
ويقتل المسلمون! فقال شريح: يا بن [أبي] بكرة! إنما أنت عبد حبشي،
وشرفك بالبصرة حمامك وبستانك، فدع عنك هذه الرئاسة فإننا إنما قدمنا إلى هذا
البلد لأجل الجهاد، والله لا متنا إلا كراما إن شاء الله (3). قال: ثم أقبل شريح على
أهل الكوفة فقال: أخبروني عنكم ماذا نقول غدا لشباب مذحج بالكوفة؟ إننا قد
اشترينا اللؤم بالكرم والكفر بالايمان والنار بالجنة كما فعل ذلك أمية بن عبد الله بن
قبل! ثم قال: ألا! من كان ههنا من مذحج وهمدان فليتقدم معي إلى أعداء الله!
قال: فأجابه الناس من كل ناحية بالتلبية. قال: وكان شريح بن هانئ في وقته ذلك
قد نيف على مائة سنة وهو أحد المعمرين، وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وأبا (4) بكر وعمر
وعثمان، وقد شهد وقعة الجمل وصفين والنهروان مع علي بن أبي طالب رضي الله
عنه. قال: فتقدم يومئذ عشرة آلاف رجل من أهل الكوفة وهو يرتجز ويقول (5):
أصبحت ذا بث أقاسي الكبرا * قد عشت بين المشركين أعصرا



(1) الأصل توسطوا المسلمين.
(2) في فتوح البلدان ص 491 خمسمئة ألف درهم ويبعث إليه بثلاثة من ولده: نهار والحجاج وأبي بكرة
رهناء، ويكتب لهم كتابا أن لا يغزوهم ما كان واليا. وانظر ابن الأثير 3 / 136 والطبري حوادث سنة
79.
(3) انظر مقالة ابن أبي بكرة لشريح ورد شريح عليه في الطبري 6 / 323 وابن الأثير 3 / 136.
(4) الأصل: أبا بكر.
(5) الأرجاز في الطبري 6 / 323 وابن الأثير 3 / 137.
75
ثمة (1) أدركت (2) النبي المنذر * وبعده صديقه وعمرا
ويوم مهران ويوم تسترا (3) * والجمل المعروف يدعى عسكرا
والجمع من صفينهم والنهرا * هيهات ما أطول هذا عمرا
قال: فلم يلبث حتى حمل، فلم يزل يقاتل حتى قتل، وقتل جميع من كان
معه من أهل الكوفة (4)، وأما ابن أبي بكرة فإنه كره الموت، فصالح رتبيل ملك كابل
على أنه يضع عنه خراج عشر سنين ويعطيه ألف ألف درهم ويرهن عنده ابنه وأشراف
قومه، ففعل ثم خرج من أرض كابل حتى صار إلى مدينة بست فنزلها، وبلغ ذلك
الحجاج بن يوسف وأهل العراق، فأنشأ أعشى همدان وهو يقول في ذلك أبياتا
مطلعها:
ما بال حزن في الفؤاد يولج * [و] دمعك المنحدر المنهج
إلى آخرها.



(1) عن ابن الأثير، وبالأصل ثم.
(2) عن الطبري وبالأصل أدركتا.
(3) الرجز في الأصل: ويوم نهروان ويوم دسترا
وما أثبت عن الطبري وابن الأثير.
(4) في الطبري: قتل في ناس من أصحابه، ونجا من نجا.
76
ابتداء أمر [ابن] الأشعث مع الحجاج بن يوسف
قال: فعندها دعا الحجاج بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فعقد له عقدا
وضم إليه جيشا، وقال: قد علمت ما نزل بشريح بن هانئ والمسلمين (1) بأرض الكفار، وما كان من هذا المنافق عبيد الله بن أبي بكرة وما كان من صلحه من رتبيل،
فسر ولا تعرج على شيء حتى تدخل أرض الداور (2) من بلاد الترك وكابل، ثم فرق
الجنود بها وأبلغ فيها الغاية لأبعدها. ثم مكنه الحجاج بن يوسف من الأموال وضم
إليه الاشراف من القبائل (3).
قال: وجاءت إخوة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، منهم قيس وإسحاق
والمنذر والصباح (4) حتى دخلوا على الحجاج فقالوا: أيها الأمير! لا توجه
عبد الرحمن في هذا الجيش، فإننا نتخوف أن يخرج عليك! قال: فتبسم الحجاج
ثم قال: ليس هذا أول حسد الاخوة، وإنما أنتم حسدتموه لأنه ليس من أمكم.
فقالوا: أيها الأمير! أما نحن فقد قضينا ما علينا ونحن خارجون معه.
قال: وخرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث من الكوفة ومعه أشراف الناس



(1) الأصل: والمسلمون.
(2) الداور: اسم إقليم خصيب وهو ثغر الغور من ناحية سجستان.
(3) في الطبري وابن الأثير أن الحجاج جهز بعشرين ألفا من أهل الكوفة وعشرين ألفا من أهل البصرة
وأعطى الناس أعطياتهم كملا وأخذهم بالخيول الروائع والسلاح الكامل. وزيد في ابن الأثير: أنه
أنفق فيهم ألفي ألف.
(4) في الطبري 6 / 328 أتى الحجاج عمه إسماعيل بن الأشعث. وانظر فيه وفي ابن الأثير 3 / 139 مقالته
للحجاج.
77
وفرسان أهل العراق حتى صاروا إلى فارس، وبها يومئذ رجل يقال له هميان (1) بن
عدي السدوسي في عسكر لجب، غير أنه كان عاملا للحجاج فخالفه وعصى عليه
وخلع الطاعة. قال: فحاربه ابن الأشعث حتى هزمه من فارس إلى كرمان وقتل عامة
أصحابه، ثم بعث برؤوسهم إلى الحجاج وكتب إليه يخبره بموافقته إياهم.
قال: ثم سار إلى الأشعث إلى كرمان وكتب الحجاج إلى عبيد الله بن أبي بكرة
فعزله عن سجستان، فخرج يريد العراق فأدركه الموت فمات في الطريق.
قال: وسار ابن الأشعث إلى رخج (2) فنزلها واقام بها. وجعل الحجاج يكتب
إليه ويستحثه ويأمره بالمسير إلى رتبيل والاقتحام عليه في بلده. قال: وعبد الرحمن
يكتب إليه: أيها الأمير! لا تعجل علي، فإني وجهت عيوني ليأتوني بأخبار البلد وأنا
قادم عليه إن شاء الله ولا قوة إلا بالله (3). ثم كتب عبد الرحمن إلى رتبيل ملك
كابل: أما بعد فإنك علج قد تعديت طورك، ودخلت في غير حدك، وكسرت خراج
أمير المؤمنين، وقتلت المسلمين، وقد أعذر من أنذر، وأنا سائر إليك في الحد
والحديد، والخيل والجنود، ثم إني لا أعاملك معاملة من كان قبلي، لكني أطأ
بلدك، وأقتل ولدك، وآخذ مالك، وأسبي حريمك إن شاء الله. قال: فلما ورد
كتاب ابن الأشعث على رتبيل كتب إليه: أيها الأمير! إنه لم يدعني إلى قتال
أصحابك إلا ما حملوني عليه وما بدأوني به من الغدر وسوء السيرة، ولولا ذلك لم
أفعل ما فعلت، وأنا نازل عندما أحببت، وغير مخالف أيها الأمير فيما أردت -
والسلام -. قال: ثم وجه رتبيل بكتابه إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث حتى
صار في جمع عظيم.
قال: وعزم ابن الأشعث على الخلع والعصيان، وكره الدخول إلى أرض
الداور، ثم إنه جلس فكتب كتابا عن لسان الحجاج بن يوسف إلى عبد الرحمن بن
محمد بن الأشعث: أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فاقتل فلانا وفلانا وابعث برؤوسهم



(1) عن الطبري، وبالأصل (هيمان).
(2) عن معجم البلدان، وبالأصل (روح) ورخج قصبة سجستان وهي مدينة من نواحي كابل.
(3) انظر المراسلات بين الحجاج وابن الأشعث بشأن تعجيل حرب رتبيل في الطبري 6 / 334 وابن الأثير
3 / 143 - 144. وابن كثير 9 / 35.
78
إلي! قال: ثم سمى جماعة من رؤساء العسكر، وطوى كتابه وختمه. ثم تركه حتى
جف ختمه، ثم جعل يرسل إلى رجل بعد رجل من أجلاء عسكره فيخلو به فيقول:
يا هذا! هل أذنبت إلى الحجاج ذنبا؟ فيقول الرجل: لا والله أيها الأمير ما أعرف لي
ذنبا إلى الحجاج، فيقول له: ويحك! فهذا كتابه إلي فيك يأمرني بقتلك، ولا والله
ما كنت بالذي أقتل مثلك فاكتم علي هذا، قال: فلم يزل ابن الأشعث كذلك حتى
غلظ قلوب الاشراف على الحجاج، ثم قال: ألا ترون أنه يكتب إلي ويأمرني
بالدخول إلى بلاد الداور وإلى أرض رتبيل والاقدام عليه في بلده، ورتبيل في وقته
هذا نيف على مائة ألف، والله ما يريد بهذا إلا أن تهلكوا كما هلك جيش ابن أبي
بكرة، وأخرى فإنه قد سار فيكم بما قد علمتم وشردكم في البلاد، وقد نبذ كتاب الله
وراء ظهره، وأنا قد عزمت على خلعه وخلع صاحبه عبد الملك بن مروان، فماذا
ترون؟ قالوا: ذا إليك أيها الأمير! وأمورنا تبع لأمرك (1). قال: فإني أريد أن أقوم
فأخطب، فإذا أنتم سمعتموني أذكر بني مروان تقوموا فتكلموا بما بدا لكم! قال: ثم
نادى ابن الأشعث في أصحابه فجمعهم، ثم قام فيهم خطيبا فحمد الله واثنى عليه،
ثم ذكر بني مروان وسوء سيرتهم وما ارتكبوا من العامة، ثم ذكر الحجاج وما صنع قبل
ذلك بعبد الله بن الزبير والحرم. قال: فوثب أولئك الرؤساء الذين أقرأهم الكتاب
الذي صنعه عن الحجاج في قتلهم، فقالوا: أيها الأمير! فاخلعه - خلعه الله وخلع
صاحبه من رحمته! قال ابن الأشعث: فإننا قد خلعنا ابن مروان وخلعنا الحجاج بن
يوسف، ونحن منصرفون إلى جهادهم ومحاربتهم إن شاء الله ولا قوة إلا بالله.
قال: وقد كان في عسكر ابن الأشعث رجل يقال له مصقلة بن رقبة العبدي



(1) أهم الأسباب التي دفعت بابن الأشعث وأصحابه للثورة على الحجاج هي:
- البغض الذي كان يكنه ابن الأشعث للحجاج، وسوء العلاقة الشخصية بينهما.
- قوانين الحجاج الصارمة وممارساته القمعية ضدهم.
- الحقد على الحجاج لظلمه أهل العراق بني جلدته وإهانتهم، وسوء معاملته قواده وجنده حتى أنهم
سموه فرعون.
- عصبية الحجاج المتطرفة ضد الموالي وشدة تمسكه بانتمائه القيسي.
- القسوة التي استخدمها الحجاج في مراسلاته لابن الأشعث بشأن رتبيل واتهامه له بالضعف والجبن
والعجز.
- الطموح الشخصي لابن الأشعث وقد ملك بلادا واسعة وملا يديه منها غنائم عظيمة.
79
فأخذ على فجور فأتي به ابن الأشعث فأقام عليه الحد. فلما كان ذلك اليوم وقال ابن
الأشعث ما قال وخلع الحجاج وعبد الملك بن مروان هرب‌ مصقلة بن رقبة هذا وهرب
معه ثلاثة نفر، منهم: غدافر بن يزيد التيمي ولاوي بن شفيق بن ثور السدوسي
وقتادة بن قيس الكندي، فهربوا حتى لحقوا بالحجاج فأخبروه بذلك. قال: وبلغ
المهلب بن أبي صفرة ما قد عزم عليه، فكتب إليه من مدينة مرو.
ذكر كتاب المهلب بن أبي صفرة إلى
عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث (1)
أما بعد يا بن الأخ! فإنك قد وضعت رجلك في ركاب (2) طويل الغي لامة
محمد صلى الله عليه وسلم، فأنشدك بالله يا بن الأخ ألا تداركت هذا في نفسك، أتترك المشركين
وتقاتل المسلمين؟ لا تفعل يا بن الأخ! واذكر بلاء الحجاج عندك! إنه جمع لك أهل
المصرين جميعا: البصرة والكوفة، ثم إنك تريد أن تنقص ثغورهم وتضرب بعضهم
ببعض، مهلا يا بن الأخ! واحذر العار في العاجلة والنار في الآجلة - والسلام -.
قال: وتواترت الاخبار إلى الحجاج بما قد عزم عليه ابن الأشعث فقال: أما إن
إخوته قد نصحوني فلم أقبل ذلك منهم.
قال: وعزم ابن الأشعث على المسير إلى العراق لمحاربة الحجاج، ثم دعا
عبد الله بن عامر التميمي (3) فاستخلفه على سجستان وأمره بمداراة رتبيل ملك
الداور (4)، ثم جعل يجمع الناس ويعطيهم ويعدهم ويمنيهم، فقال له أعشى
همدان: أيها الأمير! أما لنا منك نصيب؟ فقال له ابن الأشعث: ثكلتك أمك أبا
المصبح! إن هذه أيام مداراة، ولكن أمهلني إلى أن يثني لي الوسادة ونظفر ببعض ما
نريد، ثم انظر بعد ذلك (هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا) (5).



(1) انظر نص كتابه في الطبري 6 / 328 اختلاف وانظر نسخة في البداية والنهاية 9 / 45.
(2) الطبري: غرز.
(3) عن الطبري، وبالأصل: عامر بن عبد الله التيمي.
(4) في الطبري 6 / 336 أن ابن الأشعث بعث إلى رتبيل فصالحه على أن ابن الأشعث إن ظهر فلا خراج
عليه أبدا ما بقي، وإن هزم فأراده ألجأه عنده.
(5) سورة مريم الآية 98.
80
ذكر وفاة المهلب بن أبي صفرة ووصيته عند موته
قال: وحضرت المهلب بن أبي صفرة في تلك‌ الأيام الوفاة (1) وهو يومئذ بمدينة
مرو الروذ، فدعا ببنيه فأجلسهم بين يديه فقال: يا بني! إني أوصيكم (2) بتقوى الله
وصلة الرحم، فإن تقوى الله يعقب الجنة، وصلة الرحم تنسئ في الاجل وتثري
المال، وتجمع الشمل، وتكثر العدد، وتعمر الديار وتعز الجانب، وأنهاكم عن
معصية الله وقطيعة الرحم، فإنها تعقب الذلة، وتورث القلة، وتقل العدد، وتفرق
الشمل، وتدع الديار بلاقع، وتذهب بالمال، وتبدي العورة، وعليكم يا بني بإكرام
قومكم، فإنه ليس‌ لكم عليهم فضل، بل الفضل لهم عليكم إذ سودوكم وفضلوكم
على أنفسهم، فانظروا إن سألوكم فأعطوهم، وإن شتموكم فاحتملوهم، واحذروا
الجواب، واتقوا زلة اللسان، فإن الرجل تزل قدمه فيقوم من زلته، ويزل لسانه
فيكون فيه هلكته، يا بني! اصطنعوا المعروف وحبوه، وانهوا عن المنكر واجتنبوه،
وآثروا الحق على الباطل، والجود على البخل، والعرب على ما سواهم، وسودوا
كباركم، وعرفوا فضل ذوي أنسابكم، يعظم بذلك منازلكم، وارحموا صغيركم،
ووقروا كبيركم، وأجيروا يتيمكم وعودوا عليه بما قدرتم، وخذوا على أيدي
سفهائكم، وتعاهدوا فقراءكم وجيرانكم، واصبروا للحقوق ونوائب الدهر، وعليكم
في الحرب بالأناة والتؤدة عند اللقاء، وإياكم والطيش والعجلة! والزموا الطاعة
والجماعة، وإياكم والخلاف والفرقة! وعليكم بحفظ القرآن والسنن والفرائض!
وتأدبوا بآداب الصالحين من سلفكم، ولا تجالسوا أهل الدعارة والريبة، وإياكم
والخفة والخوف في مجالسكم! وإياكم وكثرة الكلام في غير حاجة! فإنه لا يكاد
يسلم صاحبه، وأدوا ما يجب عليكم من حق الله، واعلموا يا بني أني قد أبلغت
إليكم في وصيتي، وجعلت لله الحجة عليكم في تركها، والثواب من الله على
المحافظة عليها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال: ثم توفي بمرو الروذ فقبره (3) بها، فقال فيه نهار بن توسعة هذين
البيتين:



(1) وكانت وفاته سنة 82 في ذي الحجة منها وكان عمره 76 سنة، كان له من الولد عشرة، مات في مرو
الروذ وجعل من بعده الامر لابنه يزيد بن المهلب.
(2) انظر وصيته في الطبري 6 / 354 وابن الأثير 3 / 152.
(3) وفي سبب موته قيل إنه مرض بالشوكة هو داء كالطاعون، وقيل الشوكة: حمرة تعلو الوجه والجسد =
81
ألا (1) ذهب الغزو المقرب للغنى * ومات الندى والجود بعد المهلب
أقاما بمرو الروذ رهن ضريحه * وقد فقدا من كل شرق ومغرب (2)
قال: ثم أنشأ كعب بن معدان الأشقري (3) أيضا يرثيه وهو يقول:
ترحلت الأجياد تبغي عميدها * أخا الحرب وارته السفائف والقبر
يقولون هل بعد المهلب نعمة * من العيش إلا قد أتى دونها الدهر؟
ولا نائل إلا قليل مصدد * قليل الغنى في الناس مطلبه وعر
وهدت لذاك الأرض حتى كأنها * بكته الجبال الصم وانصدع الفجر
وأظلمت الآفاق حتى كأنما * يرى دون ضوء الشمس من دونها ستر
فمن ذا الذي يرجى لكل عظيمة * تحل بنا أو من يسد به الثغر
بقينا بحالات أبي الدهر دونها * عرى الحزم والمعروف والنائل الغمر
أيرجون أن يعرى سمرقند غيرها * وعليا بخارستان وانقطع النهر
قال: فلما مات المهلب صار أمر خراسان إلى ابنه يزيد، فقال أصحاب ابن
الأشعث: أيها الأمير! إنك قد عزمت على المسير إلى العراق، ولو بدأت بخراسان
فأخذتها واستوليت عليها فإنها الثغر الأعظم! فقال ابن الأشعث: إنه لو كان غير
يزيد بن المهلب بها لفعلت ذلك، ولكن يزيد رجل جليل القدر له عشيرة وطاعة في
قومه، ودان الناس له بالسمع والطاعة، وأنا أكره أن أبدأ بنفسي بالانهزام، ولكن
أسير إلى الحجاج بن يوسف، فإن ظفرت بالعراق فما أيسر والله أمر خراسان إن شاء
الله ولا حول ولا قوة إلا بالله [العلي] العظيم.
ذكر مسير ابن الأشعث إلى العراق لمحاربة الحجاج
قال: ثم سار ابن الأشعث يريد (4) الحجاج فكان معه أخوه القاسم فلم



= (اللسان)، وقيل إن مرضه كان بالشوصة وهي ريح تأخذ الانسان في لحمه تحول هنا مرة وهنا مرة
ومرة في الجنب ومرة في الأضلاع (اللسان). وقيل إنه مات من آكلة في رجله (اليعقوبي). وفي
فتوح البلدان أن بدء علته كان بسبب حزنه على ابنه المغيرة بن المهلب.
(1) عن الطبري 6 / 355 وابن الأثير 3 / 153 وبالأصل إذا.
(2) زيد بعده في الطبري أبيات.
(3) الأصل: الأشعري.
(4) بالأصل (يزيد) خطأ.
82
يفارقه، قال: وسار ابن الأشعث حتى صار إلى كرمان فأقام بها أياما، ثم استعمل
عليها هارون بن دراع الحنفي (1)، وخرج منها يريد أرض فارس، وقد ركب تجيبا له
برجل مدلج ولبس حلة صفراء والناس عن يمينه وشماله وهو يتمثل بقول مهلهل
الثعلبي حيث يقول:
وأعز من ولد الأراقم ماجد * صلت الجبين معاود الاقدام
خلع الملوك وصار تحت لوائه * غر الورى وأكابر الأقوام (2)
قال: وسار حتى دخل أرض فارس فأقام بها أياما، ثم رحل عنها وركب نجيبا
له برجل مدلج وعليه حلة حمراء وهو يتمثل بقول الحارث بن وعلة (3) الجرمي حيث
يقول:
سائل مجاور جرم هل جنيت لهم * حربا تزايل بين الجيرة الخلط
أم هل دلفت (4) بجرار له لجب * جم الصواهل بين السارة الفرط (5)
وهل تركت (6) نساء الحي ضاحية * يوقدن وسط بيوت الحي بالخمط (7)
قال الهيثم بن عدي: فأنبأني عبد الله بن عياش (8) [عن] الشعبي قال: كانت
بفارس عجلة من بنات الفرس يقال لها أمير زاد وكانت من أجمل الناس، وكانت لا
يبيت الرجل عندها إلا بمائة درهم، وكان مع ابن الأشعث رجل من بني تميم يكنى
أبا حراثة وكان صاحب دعابة ومضاحكة، فبات عندها ولم يكن معه شيء يعطيها،
فدفع إليها سرج برذونه، فلما هم ابن الأشعث بالرحيل من فارس عرض له أبو حراثة



(1) في الطبري 6 / 337 (خرشة بن عمرو التميمي) وفي ابن الأثير 3 / 144 حريثة.
(2) عجزه في مروج الذهب 3 / 159:
شجر العرى وعراعر الأقوام
(3) بالأصل: وعلة بن الحارث وما أثبت عن الطبري 6 / 338 والابيات في الأغاني 19 / 140.
(4) في الطبري: (وهل سموت) وفي الأغاني: أم هل علوت.
(5) عجزه في الأغاني: يغشى المحارم بين السهل والفرط
(6) في الأغاني: حتى تركت.
(7) الطبري: في ساحة الدار يستوقدن بالغبط.
(8) عن لسان الميزان وبالأصل: عباس.
83
هذا، فلما رآه ابن الأشعث قال: ما وراءك يا أبا حراثة؟ فجعل يقول:
أمير زاد ذهبت بالسرج * في فتنة الناس وهذا الفرج
قال: فضحك ابن الأشعث وقال: استفكوا له سرجه، قال: وبلغ
الحجاج بن يوسف فقال: ويلي عليه عدو نفسه يعاقب مصقلة بن رقبة العبدي على
الزنى ويستفك سرج الزناة، إني لأرجو أن يخزيه الله إن شاء الله.
قال: فجمع الحجاج أصحابه فخطبهم ثم قال: أيها الناس! إن هذا الفاسق
عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث قد خلع الطاعة وفارق الجماعة وسار إلى ما قبلكم
فهاتوا آراءكم! قال: فوثب عليه سلمة بن عبد الله المنقري قال: أيها الأمير! رضينا
بالله ربا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وبالاسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبعبد الملك بن
مروان خليفة، وبك أميرا، أصلح الله الأمير! إن لم يكن نبي ولا كتاب ولا إمام لما
رضينا بالحائك ابن الحائك عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. قال فقال الحجاج:
هذا كلام حسن لا أرده عليك ولا أدخله صداي حتى أبلو ما عندك. قال: ثم عقد له
الحجاج عقدا وضم إليه خيلا، وأعطاه عشرة آلاف درهم، فهرب حتى لحق بابن
الأشعث فصار معه.
ثم وثب في ذلك الوقت حنظلة بن الحارث الضبابي فقال: أصلح الله الأمير!
إنك قد وليت بلاد سجستان غلاما سفيها، ولم يكن لذلك أهلا، وأنا أرجو أن يدركه
الله بإحدى عثراته! قال فقال له الحجاج: يا حنظلة! أما بالأمس فقلت لي إنه سيد
الناس وفتى العرب، واليوم تقول إنه غلام سفيه - والله المستعان. ثم نزل الحجاج
عن المنبر ودعا بحنظلة بن الحارث هذا، فعقد له عقدا وضم إليه خيلا وأمر له بعشرة
آلاف درهم، فهرب حتى لحق بابن الأشعث فصار معه.
قال: وجعل الحجاج يتألف الناس والناس دون عيونهم إلى ابن الأشعث،
فلما رأى ذلك كتب إلى عبد الرحمن بن مروان: يا أمير المؤمنين! الغوث الغوث من
عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث! وإني قد وجهت إليك لاوي (1) بن شقيق
السدوسي فليسأله أمير المؤمنين عما صنع ابن الأشعث - والسلام -.



(1) الأصل: (لأي) وقد مر قريبا صوابا.
84
قال: فلما ورد كتاب الحجاج على عبد الملك بن مروان وقرأه قال: لا حول
ولا قوة إلا بالله، قال: هات ويحك يا لاوي (1) ما عندك من الخبر! قال: فجعل
لاوي بن شقيق يحدثه له بخروج ابن الأشعث، وما كان منه، وعبد الملك بن مروان،
يتغير وجهه ساعة بعد ساعة، ثم جعل يتمثل بقول الحارث بن وعلة (2) الجرمي وهو
يقول (3):
ما بال من أسعى لتجبر عظمه * حفاظا وينوي من سفاهته كسري
أعوذ على ذي اللب والجهل منهم * بحلمي ولو عاقبت غرقهم بحري
أناة وحلما وانتظارا بهم غدا * فما أنا بالفاني ولا الضرع الغمر
وإني وإياهم بمنزلة القطا * ولو لم تنبه كانت الطير لا تسري
أظن صروف الدهر والجهل منهم * ستحملهم مني على مركب وعر
ألم تعلموا أني صبور على الأذى * وأن قناتي لا تلين على الكسر
قال: ثم قام عبد الملك بن مروان في أهل الشام خطيبا، فحمد الله وأثنى
عليه وقال: يا أهل الشام! إن أهل العراق قد استعجلوني قدري قبل انقضاء أجلي،
اللهم فلا تسلط علينا ظالما، ولا تسلطنا على ظلم ولي من أوليائك، اللهم
أصيبت (4) سيوف أهل الشام على العراق حتى يبلغوا رضاك، فإذا بلغوا بهم رضاك
فلا تجاوز بهم سخطك إنك على كل شيء قدير. قال: ثم نزل عن المنبر ودخل إلى
منزله فجعل يعطي الناس ويجهزهم إلى العراق، وبعث إلى خالد بن يزيد بن معاوية
فدعاه - وكان خالد بن يزيد علامة بأيام الناس عارفا بكتب الفتن، فقال له: ويحك يا
أبا هاشم! هل تتخوف اليوم علينا من الرايات السود شيئا؟ فإننا نجد في الكتب أن
ذهاب ملكنا على أيديهم، قال له خالد: وما اسم (5) [بلد] هذا الرجل الذي خرج
عليك يا أمير المؤمنين؟ قال: سجستان، قال خالد: الله أكبر لا تخف (6) يا أمير



(1) الأصل: (وعلة بن الحارث) تحريف.
(2) بعض الأبيات في مروج الذهب 3 / 159 والاخبار الطوال ص 317. باختلاف بعض الالفاظ.
(3) الطبري 6 / 339 سلط.
(4) الأصل: أنتم.
(5) الأصل: لا تخاف.
85
المؤمنين ما لم يأتك الامر من قعر مرو (1). قال: وجعل عبد الملك بن مروان لا ينام
الليل من الفكر والغم، وربما هجع وأغفى ثم يستيقظ كالفزع المرعوب وهو يقول:
لقد تركني ابن الأشعث في هجوع، اللهم أدركه واكفني أمره كيف شئت وأنى
شئت.
قال: وفصل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث من أرض فارس، ثم كتب
إلى عباد بن الحصين الحبطي، وعباد يومئذ بالبصرة، فكتب إليه: أما بعد فقد
عرفت رأيك وفضلك وقدرك وحالك وطاعتك في قومك وأهل مصرك، وقد عرفت
الحجاج وسوء أثره فيكم، فاكتب إلي برأيك أتبعه فإنك المستمع منه والمقبول قوله -
والسلام -. قال: فورد كتاب ابن الأشعث على عباد بن الحصين الحبطي، وعباد
يومئذ شيخ كبير لا يستمتع منه بشيء إلا برأيه. فلما ورد عليه كتاب ابن الأشعث وقرأه
قال: أوه! لو قال هذا القول لي وبي حراك أو نهوض لأبليت لله وللمسلمين بلاء
حسنا! قال: ثم إنه كتب إليه: أما بعد يا بن الأشعث! فإني لا أرى شيئا هو لك
أمثل ولا خير لك من أن لا تمكن أهل البصرة من أذنيك، وإذا رأيت رأيا فأمضه -
والسلام -.
قال: فعندها دعا ابن الأشعث برجل من أشداء أصحابه يقال له عطية بن عمرو
العنبري، فضم إليه أربعة آلاف فارس وأمره أن يسير إلى كور فارس ورساتيقها فيجبي
أموالها ولا يترك أحدا من شيعة الحجاج إذا قدر عليه إلا قتله. قال: فسار عطية بن
عمرو في البلاد فجعل يجمع الأموال ويبعث بها إلى ابن الأشعث، وابن الأشعث
يفرقها في الناس ويقوم بها ويأمرهم بالاستعداد للحرب والقتال، فأنشأ أعشى همدان
يقول في ذلك:
من مبلغ الحجاج! * ني قد ندبت إليه حربا
حربا مذكرة عوا * نا تترك الشبان شيبا
وتجندل البطل الكم‍ * - ي وتملا الرعديد رعبا
نبئت أن ابن (2) يو * سف خر من زلق فتبا



(1) العبارة في الطبري: فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان هذا الحدث من قبل سجستان فلا تخفه، وإن
كان من قبل خراسان تخوفته.
(2) في الطبري 6 / 392 بني.
86
فابعث عطية في الخيو * ل يكبهن عليك كبا
قال: وسار ابن الأشعث حتى نزل إلى الأهواز، وبلغ ذلك الحجاج وهو يومئذ
بالبصرة، فدعا بالحكم بن أيوب (1) بن أبي عقيل فاستخلفه على الصلاة، وجعل
عبد الله بن عامر بن مسمع على شرطة البصرة، ثم جمع الناس وخرج في جيش كبير
حتى نزل على سبعة فراسخ من الأهواز (2). فدعا بعبد الله بن رميثة (3) الطائي من
أهل حمص ومطهر بن حر العكي (4) من أهل الأردن، فضم إليهما ثمانية آلاف فارس
وأمرهم بالمسير إلى ابن الأشعث جاد مجدا.
وهذه أول وقعة كانت لابن الأشعث مع الحجاج
قال: فسارت الخيل حتى نزلوا بساحة ابن الأشعث. قال: وعبى ابن
الأشعث أصحابه وسار حتى وقف على نهر دجيل (5)، ثم صاح بفرسه وعبر فعبر
الناس معه إلى خيل الحجاج ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا ساعة من النهار،
وتقدم رجل من همذان من أهل الكوفة من أصحاب ابن الأشعث وفي يده راية له
سوداء، فجعل يحمل على أصحاب الحجاج فمرة يطاعنهم بالراية ومرة يضاربهم
بالسيف، فلم يزل كذلك حتى قتل منهم جماعة. قال: فصاح به رجل منهم من
أهل الشام: حسبك يا صاحب الراية من دمائنا في هذا اليوم! قال: وكثر القتل في
أصحاب الحجاج.
قال: وبلغ ذلك الحجاج وذلك في يوم الأضحى والحجاج واقف على الجسر
يخطب، فصعد إليه رجل (6) من أصحابه فأخبره بالخبر. قال: فنزل الحجاج من
منبره مسرعا، ثم أمر بالأثقال وبالأموال فوضعت في السفن، ووقف ينتظر ما يكون



(1) عن الطبري 6 / 340 وبالأصل: أبي أيوب.
(2) في رواية أنه نزل تستر وفي رواية أخرى: نزل رستقباذ وهي من دستوى من كور الأهواز (انظر الطبري
6 / 339 و 340).
(3) عن الطبري 6 / 339 وبالأصل (دميت).
(4) عن الطبري وبالأصل: حيي العتكي.
(5) عن الطبري وبالأصل (دستر).
(6) هو أبو كعب بن عبيد بن سرجس (الطبري 6 / 340).
87
من أمر أصحابه، قال: وإنه لكذلك إذ أتاه الخبر بأن أصحابه الثمانية آلاف قد قتلوا
بأجمعهم فما انفلت منهم أحد، قال: فجلس الحجاج في سفينة ومر في جوف الليل
هاربا منهزما حتى دخل البصرة بأشد حالة تكون.
قال الهيثم بن عدي قال أنبأني عبد الله بن عياش (1) قال: كان لأهل العراق على أهل الشام النصر والظفر في ثلاثة مواطن، قتلوا منهم ستة وثمانون ألفا، منها
وقعة بابلا (2) يوم يزيد بن أنس الأسدي رحمه (الله) حين وجه به المختار، قتل من
أهل الشام ثمانية آلاف، ومنها وقعة خازر (3) مع إبراهيم بن الأشتر، قتل عبيد الله بن
زياد وقتل معه نيف على سبعين ألفا، ومنها يوم دجيل (4)، قتل منهم عبد الرحمن بن
محمد بن الأشعث ثمانية آلاف.
قال: وأقبل ابن الأشعث على أصحابه فقال: يا أهل العراق! أما هذا الذي كان فليس عندي بشيء، ولكني أريد عبد الملك بن مروان. قال: ثم أقبل من
دجيل (4) في طلب الحجاج إلى البصرة، وبلغ ذلك الحجاج فقطع جسر الأبلة وضم
الأسواق ثم نادى في عسكره وقال: يا أهل الشام! انظروا لا تتركوا بالمكلأ (5) شيئا
من العلف والطعام إلا أخذتموه ونقلتموه إلى العسكر، فإنما الناس أحد رجلين:
فمن لحق ما أغطيناه من طعامه وعلفه، ومن لحق بعدونا فدمه حلال لنا.
قال: وأقبل ابن الأشعث ونزل بالبصرة ثم قال: علي بعباد بن الحصين
الحبطي (6)! فإنه شيخ بني تميم، وإني أحب أن آخذ برأيه، قال: فأتي بعباد بن
الحصين يحمل في محفة له حتى قعد بين يديه، فلما رآه رحب به وقربه ثم قال: يا
أبا جهضم! أشر علي برأيك، فقال له عباد بن الحصين: أيها الأمير! إنك قد أسأت
الرأي حين سرت من سجستان إلى العراق ولم تبدأ بخراسان فتأخذها فتكون قد



(1) الأصل: (عباس) وقد مر قريبا.
(2) بابلا: قرية كبيرة بظاهر حلب بينهما نحو ميل.
(3) عن معجم البلدان وبالأصل (حارد).
(4) عن الطبري وبالأصل (دستر).
(5) في الطبري: (بالكلاء) وهو سوق البصرة.
(6) بالأصل: (الحنظلي) وما أثبت عن جمهرة ابن حزم ص 197.
88
جمعت أمر الثغر جميعا، وأسأت أيضا حين هزمت أصحاب الحجاج بدجيل (1) ولم
تنزل الأهواز فتبعث إلى البلاد فتأخذها وتترك الحجاج ههنا يموت جزعا، والآن فإن
الرأي عندي أن تترك المربد (2) وتضرب فيه عسكرك وتخندق على نفسك خندقا، فإن
الحجاج قد نزل الزاوية (3)، فإن جاءتك خيل من قبله أخرجت إليها خيلا مثلها،
قال: فقال له عبد الحميد بن المنذر بن الجارود: ويحك يا أبا جهضم! أتخندق
خندقا على المربد وفيه دور بني أمية ودور الأزد ودور عبد القيس! لا والله ما هذا
برأي! قال: فغضب عباد بن الحصين ثم قال: ويحك يا عبد الحميد! إن الامر
عندنا أعظم من أن ينظر في الدور، إن غلبنا الحجاج فما أقدرنا على الدور! فقال
عبد الحميد: لا ولكني أرى من الرأي أن تنزل الخريبة (4) فتعسكر بها ثم تقاتل عن
البصرة كلها، قال: فوقع هذا الرأي بقلب ابن الأشعث فأخذ به. ثم نزل الخريبة
فعسكر بها، ثم خندق على نفسه خندقا، وصار إليه أشراف الناس من قريش وسائر
العرب، وعزم الحجاج على حربه.
وهذه الوقعة الثانية بالبصرة بين ابن الأشعث وبين الحجاج بن يوسف
قال: ودنا (5) القوم بعضهم من بعض، والحجاج يومئذ في ثلاثة وعشرين ألفا
من أهل الشام ومن تبعه من أهل العراق، وابن الأشعث في زهاء عن ستين ألفا.
قال: وجعل الحجاج يقول لأصحابه: أيها الناس! إن حدث بي حدث فأميركم من
بعدي حكم بن أيوب (6) بن الحكم، فإن أصيب فسفيان بن الأبرد الكلبي، فإن
أصيب فيزيد بن هبيرة المحاربي. قال: فزحف الناس بعضهم إلى بعض فاقتتلوا
قتالا شديدا، فقتل من أصحاب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث خمسمائة نفر من
أشد أصحابه، منهم: عطية بن عمرو العنبري، والحريش بن هلال السعدي،



(1) الأصل: بدستر.
(2) المربد: إحدى محال البصرة.
(3) الزاوية: موضع قرب البصرة.
(4) الخريبة: بلفظ التصغير، موضع بالبصرة.
(5) الأصل: ودنوا.
(6) الأصل: عبد الرحمن، وقد مر قريبا.
89
وعبد الحميد بن المنذر بن الجارود العبدي (1)، وزياد بن مقاتل الجهدري
وعبد الله بن رزام (2) الحارثي، هؤلاء الخمسة من فرسان أصحاب ابن الأشعث،
وقتل من أصحاب الحجاج أيضا جماعة، فانتصف بعضهم من بعض، وجاء الليل
فحجز بين الفريقين. فدعا ابن الأشعث بعبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن
الحارث بن عبد المطلب بن هاشم فاستخلفه على أصحابه وأمره بحرب الحجاج
وأصحابه، ثم خرج ابن الأشعث من عسكره في جوف الليل في ألف فارس من
أبطال عسكره فسار في الأجمة على الظهر حتى دخل الكوفة فأخذها، وأصبح الناس
وقد فقدوا ابن الأشعث فلم يعلموا ما حاله وخبره إلا الذين أعلمهم من خاصته،
قال: وتزاحف القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا، وأقام الحرب بين الحجاج، وبين
عبد الرحمن بن العباس خليفة ابن والأشعث من بين يدي الحجاج وانهزم أصحابه
حتى صاروا إلى الكوفة (3)، وابن الأشعث بها وقد احتوى على بيت مال الحجاج
فأخذ جميع ما فيه، وقد أخذ أيضا عامل الحجاج الذي كان بالكوفة واسمه مطر بن
ناجية (4)، قال: فهم ابن الأشعث بقتله، فقال: أيها الأمير! فإني من شيعتك!
قال: فاستبقاه ابن الأشعث وأمره، فصعد المنبر فشتم الحجاج وعبد الملك بن
مروان جميعا ولعنهم، ثم حرض على قتال أهل الشام، فأنشأ رجل من أصحاب
الحجاج يقول في ذلك أبياتا مطلعها:
أبني تميم ما لمنبر ملككم * ما يستقر بعوده يتمرمر
إلى آخرها.
قال: وبلغ الحجاج أن ابن الأشعث قد أخذ الكوفة واحتوى على بيت المال،
فضاقت عليه الأرض بما رحبت ولم يدر ما يصنع، غير أنه جمع أصحابه فأعطاهم
الارزاق وأمرهم بالاستعداد، ثم دعا بالحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل وهو
ختن الحجاج على أخته زينب (5) فاستخلفه على البصرة ثم سار يريد الكوفة، حتى



(1) في الطبري 6 / 343 المنذر بن الجارود.
(2) عن الطبري 6 / 343 وبالأصل دارم.
(3) وذلك بعد قتاله الحجاج خمس ليال أشد قتال رآه الناس، كذا في الطبري 6 / 343.
(4) في الطبري 6 / 345 عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي.
(5) الأصل: أيوب.
90
إذا تقارب منها عدل وضرب عسكره بموضع يقال له دير الجماجم (1) على سبعة
فراسخ من الكوفة، فنزل هنالك بأصحابه وأوليائه - والله أعلم وأحكم.
ذكر وقائع دير الجماجم.
قال: وجعل الحجاج يقول لأصحابه: هذا موضع حسن وليس بيني وبين أمير
المؤمنين نهر يمنعني من المسير إليه، ولي رستاقان هما في يدي بابل (2) والفلوجة.
قال: وبلغ ابن الأشعث أن الحجاج قد نزل بدير الجماجم، فدعا بابن عمه
عبد الله بن إسحاق بن الأشعث فاستخلفه على الكوفة، ثم جمع أصحابه وسار نحو
الحجاج حتى نزل قريبا من دير الجماجم، وكان بين عسكره وعسكر الحجاج بثق ماء
مسدود، إذا بثق لم يقدر أحدهم على قتال صاحبه، فأرسل الحجاج إلى ذلك البثق
ففتحه خوفا على عسكره أن يكبس في جوف الليل.
قال: وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فضم إليهم أشراف أهل الشام وأهل
الجزيرة، ووجه بهم إلى الحجاج مددا له في سبعين ألفا، ثم كتب إلى ابن الأشعث
بالأمان له ولأصحابه على أنه يرجع عما هو عليه ويوليه أي بلد شاء، وكتب أيضا إلى
أهل العراق أنه قد بلغني ما أنتم عليه من شتمي وخلعي، فإن كنتم إنما تريدون عزل
الحجاج عنكم عزلته، وأخرجت أهل الشام من بلادكم، ووليت عليكم من تحبون،
ولا يرى العراق شاما أبدا - والسلام -. (3)
قال: وأقبل عبد الله بن عبد الملك وعمه محمد بن مروان في سبعين ألفا حتى
نزلوا بدير الجماجم وضربوا عسكرهم ناحية من عسكر الحجاج، ثم بعث عبد الله بن
عبد الملك بن مروان بالأمان إلى ابن الأشعث الذي كتب له عبد الملك بن مروان،
وبعث أيضا إلى أهل العراق بكتاب عبد الملك بن مروان إليهم، فعزم أهل العراق



(1) في الطبري: نزل الحجاج بدير قرة، ونزل ابن الأشعث بدير الجماجم.
(2) بابل: ناحية منها الكوفة والحلة.
(3) في الطبري وابن الأثير أن عبد الملك عرض على أهل العراق:
- نزع الحجاج عن العراق.
- أن يجري عليهم أعطياتهم كما تجري على أهل الشام.
- أن ينزل ابن الأشعث أي بلد شاء ويكون واليا عليه ما دام حيا وما دام عبد الملك واليا.
91
على أن يقبلوا ما في الكتاب وأن يخذلوا ابن الأشعث، ثم بلغهم بعد ذلك أن
عبد الله بن عبد الملك ومحمد بن مروان في طاعة الحجاج وأنهم يصلون خلفه،
فغضبوا لذلك وشتموا عبد الملك والحجاج، وعزموا على الحرب والمناجزة.
قال: ودنا (1) القوم بعضهم من بعض، فقال عبد الله بن عبد الملك بن
مروان: يا أهل العراق! أخرجوا إلينا أشرافكم حتى نكلمهم وننظر ماذا أنتم عليه
عازمون! قال: فخرج أهل العراق حتى وقفوا قبالة أهل الشام، ثم انتسبوا بعضهم
إلى بعض، فلما قال عبد الله بن عبد الملك: أمير المؤمنين، قال أهل العراق: أما
عبد الملك فقد عرفناه، وأما أمير المؤمنين فلا نعرفه، وقد خلعنا أبا الديان - يعنون
بذلك عبد الملك بن مروان. قال: فرجع (2) القوم بعضهم عن بعض، فقال
الحجاج: يا أهل الشام! أنى! قد آن لكم بأن القوم ما يريدون خلعي، إنما يريدون
خلع أمير المؤمنين وخلعكم.
قال: ثم نادى الحجاج في أصحابه، ونادى ابن الأشعث في أصحابه، ودنا
القوم بعضهم من بعض، وقد كان الحجاج في ثلاثة وعشرين ألفا فجاء المدد في
سبعين ألفا فصار في ثلاثة وتسعين ألفا، وابن الأشعث يومئذ في زهاء عن ستين
ألفا. فاقتتل القوم هنالك قتالا شديدا لم يسمع بمثله. قال الهيثم بن عدي قال
عوانة: فمن الناس من يقول إنهم اقتتلوا أربعة أشهر وأقل من ذلك وأما عبد الله بن
عياش (3) فيذكر عن أصحابه أنهم اقتتلوا مائة يوم، ليس من يوم إلا وينتصف ابن
الأشعث من الحجاج، ويزيد يومئذ في عسكر ابن الأشعث زهاء عن ثمانية آلاف
رجل من القراء والزهاد والعباد ممن يرى قتل الحجاج جهادا، منهم: محمد بن
سعد (4) بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شداد بن الهاد
سعد (4) بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شداد بن الهاد
الليثي، وعامر بن شراحيل الشعبي، وزاذان أبو عمر مولى كندة، وأبو البختري
الطائي، ومسلم (5) بن يسار، وسعيد بن جبير (6) - وأشباههم من الناس على ذلك،



(1) الأصل: ودنوا.
(2) الأصل: فرجعوا.
(3) الأصل: عباس، وقد مر.
(4) بالأصل: سعيد خطأ.
(5) عن طبقات ابن سعد وبالأصل سليم.
(6) بالأصل: جبيرة خطأ انظر الإمامة والسياسة.
92
مائة يوم مثل يوم واحد ما يفترون ولا يكيع بعضهم من بعض، فلما كان في آخر الأيام
اقتتلوا من صلاة المغرب إلى أن أصبحوا، ثم رجع عن بعضهم بعض وقد قتل من
الفريقين سبعة عشر ألف إنسان، ثم وضعوا السلاح.
وصعد ابن الأشعث إلى منبر له في عسكره - قد كان حمله قبل ذلك معه -
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن الحرب سجال تهلك فيها أنفس
الرجال، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ظفر يوما قط حتى ينال منه ومن أصحابه، فإن كان هذا
الامر في قريش فقد فقأتم (1) بيضة قريش، وإن يكن في غيركم من العرب فأنا
عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس (2) بن معدي كرب، أيها الناس! إنكم
لتعيرون آل مروان بأمهم الزرقاء، ولا والله ما كان لهم نسب قط أشرف من الزرقاء!
وإنكم تعلمون أن مروان هو الطريد ابن طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وإنه على منبره يقول ما يقول إذ نادى منادي الحجاج بالقتال، فزحف
القوم بعضهم إلى بعض، فجعلوا يقتتلون ويتناجزون وابن الأشعث واقف على
المنبر، وإن السهام لتأتيه من بين يديه حتى تجوزه فما يستتر منها بشيء ولا يتقيها،
لكنه ينظر إلى أصحابه كيف يقتلون. فلم يزل كذلك حتى وقعت الهزيمة على
أصحابه من خيل خرجت لهم في الكمين، فمروا منهزمين لا يقف أحد على أحد
حتى دخلوا الكوفة، فلما نظر ابن الأشعث إلى ذلك نزل عن المنبر فاستوى على
فرسه، ثم وقف على حامية الناس في قريب من ألف رجل، فجعل مرة يحمل عليهم
فيكشفهم، ومرة يدنو من الكوفة، فنظر إلى أبياتها فكبر ودخلها فجعل يحمل نساءه
وحريمه وأولاده وأمواله حتى صار إلى السوس فنزلها ومعه زهاء عن عشرة آلاف من
أصحابه، وسائرهم قد تفرقوا في البلاد.
قال: والحجاج في موضعه ذلك بدير الجماجم لا يبرح حتى علم أن ابن
الأشعث قد خرج، فأقبل حتى دخل الكوفة وتلاحقت به الناس من دير الجماجم،
ثم دخل الحجاج إلى قصر الامارة ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه من كل ناحية.
قال: وتقدمت إليه قبائل النخع لتبايعه وتطابقه وتشايعه - والله أعلم وأحكم -.



(1) في الطبري 6 / 349 فعني فقئت.
(2) عن الطبري وبالأصل: يزيد.
93
ذكر مقتل كميل بن زياد رضي [الله] عنه
صاحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه
قال فقال الحجاج: يا معشر النخع! أخبروني عن كميل بن زياد من أبي قبيلة
هو منكم؟ فقالوا: من بني الصهبان، فقال الحجاج: لا والله! لا خرجتم من الدار
أو تأتوني به وإلا ضربت أعناقكم. قال: فقال الهيثم بن الأسود وكان ممن يتمسك
بطاعة بني مروان: أصلح الله الأمير! مهلا عن كميل بن زياد، فإن أمير المؤمنين
عثمان بن عفان وأمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد ومعاوية بن يزيد
ومروان بن الحكم وأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان كل هؤلاء قد عرفوا قدر
كميل بن زياد، وقد عرفوا رأيه ومذهبه فعفوا عنه، فاعف عنه أيها الأمير! قال:
فغضب الحجاج ثم قال: أما والله يا بن الأسود لتحسن أو لتكربني! فقال الهيثم بن
الأسود: قد والله حميته عنك يا حجاج! قال: ثم خرج من عنده وأتى بكميل بن زياد
رحمة الله - والحجاج في وقته ذلك مشغول برجل قدم إليه يقال له عتيبة بن النهاس (1)
العجلي، فقال له الحجاج: أنت عتيبة بن النهاس؟ فقال: نعم أصلح الله الأمير أنا
عتيبة بن النهاس، فقال له الحجاج: بايعت عدونا عبد الرحمن بن محمد بن
الأشعث؟ قال: نعم أيها الأمير بايعته خوفا على نفسي وأهلي وولدي ولم أقاتل معه
أحدا، فليسعني عفوك واصطنعني - فقال الحجاج: يا عبد النخع أمقعد في الجماعة
وصحيح في الفتنة! فعلت بعثمان بن عفان ما فعلت ثم عفا عنك يزيد وابنه معاوية بن
يزيد ومروان بن الحكم وأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، ثم قدمت العراق
فعفوت عنك وبررتك ورفعت قدرك، فلما نظرت إلى مطر بن ناجية - وهو أعرابي من
أعراب بني تميم - يشتمني على المنبر ويشتم عبد الملك بن مروان نهضت معه في
ذلك وصوبت رأيه! قال: ثم التفت الحجاج إلى يزيد بن هبيرة المحاربي فقال له:
يا يزيد! خذه إليك فاضرب عنقه صبرا، قال: فقدم كميل بن زياد رحمه الله
فضربت عنقه صبرا (2).
قال: وجعل الحجاج يؤتى برجل بعد رجل فمنهم من يراقب فيه عشيرته فيعفو



(1) عن الإصابة، وبالأصل: (عتبة بن النهاش) وقد صححت أينما وردت في الخبر.
(2) في البداية والنهاية 9 / 57 أرسل إليه ابن أدهم من أهل حمص، ويقال أبا الجهم بن كنانة فضرب
عنقه.
94
عنه، ومنهم من يأمر بضرب عنقه. قال: وبلغ ذلك ابن الأشعث وهو يومئذ مقيم
بالسوس فجعل يقول (1):
فما كنا أناسا أهل دين * فنصبر للبلاء (2) إذا ابتلينا
وما كنا أناسا أهل دنيا * فننصرنا وإن لم نرج دينا (3)
قال: فقال بكير بن هارون البجلي: أيها الأمير! إنما الدنيا بالرأس، فإن لم
تثبت الرأس فأحرى أن لا يثبت الذنب، ولو وقفت لوقفنا معك وكنا نموت كراما ولا
نترك أرضا لبقية آل ثمود، قال: ثم أنشأ بكير بن هارون في ذلك يقول:
نفينا عتاة الشام عن عقر أرضنا * فلا خسر مضر ولا البيع رابح
تركنا لهم صحر العراق وناقلت * بنا الأعوجيات الطوال السوائح
فقل للغواني أن تبكين غيرنا * ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
لعمري لأهل الشام أطعن بالقنا * وأحمى لما يخشى عليه الصفائح
قال: ثم دعا الحجاج بعمرو بن هانئ العنبسي فاستخلفه على الكوفة وخرج
في طلب ابن الأشعث في زهاء عن ثلاثين ألفا، وترك باقي جيشه بالكوفة. ثم سار
يريد المدائن وقد كان بالمدائن يومئذ محمد بن [سعد بن] أبي وقاص في قريب من
عشرة آلاف من أصحاب ابن الأشعث، فلما أحص بالحجاج أنه قد وافاه ترك البلاد
وخرج بمن معه هاربا حتى لحق بابن الأشعث وهو يومئذ بالسوس، قال: فونبه ابن
الأشعث وقال: أنت في عشيرة آلاف فارس من نخبة أهل العراق وتهرب من بين يدي
الحجاج، هلا وقفت له وقفة! فإن كانت لك فذاك، وإن لم تكن لك لم يضعف
أمرك! قال: فسكت محمد بن سعيد بن أبي وقاص ولم يقل شيئا. قال: وجعل
أعشى يضعف رأي أهل الكوفة ويخيبهم ويذكر صبر أصحاب الحجاج، فأنشأ في



(1) الأبيات لأبي جلدة اليشكري من قصيدة طويلة الأغاني 11 / 310 الطبري 6 / 368 ابن الأثير 4 / 484
البداية والنهاية 9 / 59.
(2) في الطبري: في البلاء.
(3) عجزه في الأغاني: فنمنعها ولو لم نرج دينا.
95
ذلك أبياتا مطلعها (1):
أبى الله أن يتمم نوره * ويخمد نار الفاسقين فتخمدا (2)
إلى آخرها.
قال: وبلغ هذا الشعر الحجاج بن يوسف فتبسم له ثم قال: (يقولون
بألسنتهم ما ليس في قلوبهم)، والله لئن ظفرت به لأضربن عنقه. قال: وبلغ هذا
الشعر ابن الأشعث فقال: مدق والله أعشى همدان! لقد ونينا وعجزنا، يا غلام!
احمل إليه مائة دينار.
ثم جمع ابن الأشعث عساكره وسار بهم يريد البصرة، وبلغ ذلك الحجاج
والحجاج يومئذ مقيم بالمدائن، فسار نحو ابن الأشعث أيضا يريد بالبصرة، فأخذ
على شاطئ الدجلة حتى انتهى إلى موضع يقال له المفتح (3)، وبلغ ذلك ابن
الأشعث فصار إليه حتى وافاه بالمفتح.
ذكر وقعة القوم بالمفتح
قال: ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا قتالا شديدا. قال الهيثم: فذكر
عوانة أنهم اقتتلوا بالمفتح عشرين (4) يوما، كل ذلك على الحجاج حتى قتل من
أصحابه مقتلة عظيمة وهم أن ينهزم، فلما رأى ذلك بعث إلى الكوفة فجاءته الجيوش
في أربعين ألفا، فلما رأى أصحاب ابن الأشعث ذلك كأنهم جزعوا من تلك العساكر
ثم اقتتلوا، فصارت الدائرة على أصحاب ابن الأشعث، فقتل منهم في يوم واحد في
معركة واحدة نيف على ثلاثة آلاف، وأسر منهم خلق كثير. فقال الحجاج: هذا
فتح الفتوح.



(1) من قصيدة طويلة في الطبري 6 / 376 الأغاني 6 / 59 مروج الذهب 3 / 162.
(2) عجزه في الطبري: ويطفئ نور الفاسقين فيخمدا
(3) المفتح: قرية بين البصرة وواسط وهي من أعمال البصرة.
وما ورد في الطبري أن الحجاج خرج بالناس إلى مسكن على دجيل.
(4) الطبري: خمس عشرة ليلة.
96
قال: ثم اجتمعت القراء الذين في عسكر ابن الأشعث إلى الحسن بن يسار (1)
البصري، والحسن يومئذ مقيم بالمفتح فقالوا له: يا [أبا] سعيد: هات ما عندك
وتكلم بما ترى! فقال الحسن: إني أرى أنها فتنة صماء، وذلك أنكم لم تختلفوا
في رب ولا نبي ولا كتاب ولا قبلة، فرحم الله عبدا اتقى ربه ونظر ليوم معاده! قال:
فقال له الناس: أبا سعيد! فما أغنى عنا كلامك. فكف عنا يرحمك الله! أيقتل منا
مثل أبي البختري الطائي وعبد الله بن شداد بن الهاد وعبد الرحمن بن أبي ليلى وتقول
هذه المقالة! إليك عني فما أنت إلا رجل مرائي مداهن.
ذكر الأسارى ومن قتل منهم صبرا يوم المفتح
قال: ثم أمر الحجاج أن تقدم إليه الأسارى! فأول من قدم إليه منهم
الفضل بن مروان مولى بني البكاء وكان شريفا في الموالي، فقال له الحجاج:
أفضل؟ قال: نعم، قال الحجاج: خبرني عنك، ألم أستعملك؟ قال الفضل:
بلى استعبدتني، قال الحجاج: ألم أكرمك؟ قال الفضل: بل أهنتني! قال
الحجاج: والله لأقتلنك! قال الفضل: والله لأخاصمنك في دمي إلى ربي، قال
الحجاج: إذا أخصمك، قال الفضل: الحكم إلى غيرك! فقال الحجاج: اضربوا
عنقه.
قال: ثم أتي بالطفيل بن حكيم الطائي فقال له الحجاج: أطفيل؟ قال: نعم
يا حجاج! طفيل، قال: ألم تقدم العراق أعرابيا لا يفرض لمثلك ففرضت لك؟ قال
طفيل: بلى، قال الحجاج: فما أخرجك علي؟ فقال: أبا محمد! إن رأيت أن تأذن
لي حتى ألحق بأهلي! فقال الحجاج: وأنت مشتاق إليهم؟ فقال: نعم يا حجاج!
فقال: ذهب والله عقل الرجل! سواء علي قتلت هذا أو قتلت مجنونا، خلوا عنه،
قال: فكان ابن عياش (2) يقول: والله لقد كان طفيل بن حكيم من أعقل الناس
وأدهاهم، ولكنه أوهم الحجاج أنه قد ذهب عقله، فأفلت من يده.
قال: ثم قدم إليه أعشى همدان، فلما نظر إليه الحجاج قال: يا عدو نفسه!
ألم أقدم العراق فأكرمتك، وقبلت شعرك، وجعلتك إمام قومك، وقدمتك عليهم في



(1) الأصل: الحسن.
(2) الأصل: عباس.
97
الاذن؟ قال: بلى، قال الحجاج: فما أخرجك علي؟ ولست القائل في
عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث:
فإذا سئلت المجد أين محله * فالمجد بين محمد وسعيد
بين الأشج وبين قيس باذخ * بخ بخ لوالده وللمولود
قال: أصلح الله الأمير أنا القائل:
أخبثا ولؤما وارتدادا وذلة * أهان إلهي ما أهان فأبعد (1)
فقال: إنك لشديد التحريض على أهل العراق، ألست القائل:
أمكن ربي من ثقيف همدان * يوما إلى الليل أسلى ما كان
يا عدو نفسه! لقد أمكن الله ثقيفا منك ولم يمكنك من ثقيف، والله (2) ما
مدحت بعدها أبدا، ثم أمر به فضربت عنقه.
قال: وقدم إليه عامر بن المعتمر التميمي، فلما رآه الحجاج قال: هذا شيخ
لم يقر على نفسه بالنفاق! فقال: بلى والله يا حجاج وأقول: ما فارقك إلا كافر.
فقال الحجاج: خلوا عنه.
قال: ثم قدم إليه أيضا رجل من بني تميم يقال له عمرو بن مالك فقال: يا
حجاج! كافني ببلاء عندك ولا تقتلني، فقال له الحجاج! ما بلاؤك عندي؟ فقال:
قام فينا ابن الأشعث بسجستان فما ترك سوءا إلا قاله فيك، ثم إنه ذكر أبويك،
فقمت إليه فقلت: أيها الرجل! أما الحجاج فأنت أعلم، وأما أبواه فكف عنهما فما
والله فيهما من وصم ولا قادح. فقال الحجاج: ومن يعلم هذا منك؟ فالتفت
التميمي إلى فتى من الأسارى من بجيلة. فقال: هذا يشهد بذلك وقد كان معي
حاضرا في ذلك اليوم، قال فقال الحجاج للبجلي: هكذا كان أيها الرجل؟ قال:
نعم أيها الأمير! لقد سمعت ذلك، قال الحجاج: خلوا عنهما جميعا. قال: فقال



(1) البيت في الطبري 6 / 377.
أنكثا وعصيانا وغدرا وذلة * أهان الاله من أهان وأبعدا
(2) في الطبري، وبعد إنشاده بخ بخ... قال الحجاج: لا والله لا تبخبخ بعدها لاحد أبدا، فقدمه
فضرب عنقه.
98
للشاهد بعد ذلك: هل كان من هذا شيء؟ قال: لا والله! ولكني رأيت موضعا
رجوت فيه الفرج.
قال: ثم قدم إليه قيس بن مسعود بن عطارد التميمي ومعه ابنه وابن أخيه،
فلما رآه الحجاج قال: أمسعود؟ قال: نعم أيها الأمير! قال: ما ظننتك إلا عند
صهرك أبي حفص عمر بن محمد بن الحكم بأرض البلقاء، ثم قال الحجاج:
اعزلوهم ناحية. فقال يزيد بن أبي كبشة السكسكي - كان جالسا عن يمين الحجاج -
فقال: سبحان الله! (أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر) (1)؟ [فقال
الحجاج]: أظننت أني إنما عزلتهم لمصاهرتهم إيانا، ردوهم، فضربت أعناقهم.
قال: ثم قدم إليه عمران بن عصام العنبري فقال له الحجاج: أعمران؟ قال:
نعم أيها الأمير! قال: ألم أقدم العراق وأنت صعلوك فشرفتك، وزوجتك سيدة
نساء قومها ماوية بنت مقاتل بن مسمع ولست لها بكفوء؟ قال: قد كان ذلك،
قال: فلما أخرجك علي؟ قال: الشقاء، قال: صدقت، ثم قدم فضربت عنقه.
فكان آخر من قدم إليه في ذلك اليوم رجل زعمت كندة أنه منهم، فلما وقف
بين يدي الحجاج رفع صوته فقال: ما لك يا حجاج لا جزاك الله عن الاسلام والقرآن
وآية خيرا، قال الحجاج: ولم ذلك؟ ويلك! قال: لأنك لم تأخذ فينا بقول الله
تعالى إذ يقول: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا
الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها) (2) فنحن الذين كفروا
بزعمك، فلا والله ما مننت ولا فديت! قال فقال الحجاج: ما له لعنه الله فلقد
خصمني! قال: ثم التفت الحجاج إلى جلسائه فقال: ويحكم! أما كان فيكم أحد
يتلو هذه الآية حتى تلاها هذا المنافق؟ خلوا سبيله وسبيل من بقي من الأسارى بقول
ذلك الرجل.
قال: ومر ابن الأشعث منهزما حتى صار إلى السوس ثانية فنزلها في جميع
أصحابه الذين بقوا معه. وأقبل الحجاج منصرفا على شاطئ الدجلة حتى صار إلى
موضع مدينة واسط، فنزل هنالك ثم قال: هذا منزل وسط بين البصرة والكوفة
والأهواز والمدائن، ثم أمر فبني له بها قصرا ومسجدا فسمي واسطا إلى يومنا



(1) سورة القمر، الآية 43.
(2) سورة محمد الآية 4.
99
هذا (1). قال: ثم دعا الحجاج برجل من وجوه أصحابه يقال له عمارة (2) بن تميم
اللخمي فضم إليه جيشا كثيفا من أهل الشام والجزيرة والعراق ووجه به في طلب ابن
الأشعث، فخرج ابن الأشعث للقاء عمارة، فالتقى القوم على شاطئ نهر السوس
فاقتتلوا، وانهزم ابن الأشعث من بين يدي عمارة بن تميم هزيمة قبيحة، وتبعه عمارة
فلم يزل يهزمه حتى بلغ إلى سابور فارس، والتقى القوم أيضا بسابور فاقتتلوا،
وانهزم ابن الأشعث نحو بلاد كرمان وتفرق عنه أصحابه، ولم يتبعه عمارة بن تميم،
وكتب إلى الحجاج يخبره بهزيمته من بين يديه، فأمر الحجاج بالرجوع عنه
ذكر هرب ابن الأشعث إلى بلاد كرمان
قال: وجعل ابن الأشعث يسير إلى بلاد كرمان وبين يديه رجل يمشي وقد
تخرقت ثيابه وخفاه، فنظر إليه ابن الأشعث على تلك الحالة فجعل يقول:
منخرق الخفين يشكو الوجا * سكنه (3) أطراف مرو حداد
شرذمة الخوف بلا مرة (4) * كذاك من يكره حر الجلاد
قد كان في الموت له راحة * والموت رهن في رقاب العباد
قال: فالتفت إليه رجل فقال (5): هلا ثبت حتى نموت معك.
قال: ومضى ابن الأشعث حتى انتهى إلى مدينة بست وبها يومئذ عامل يقال له
عياض بن هميان (6) السدوسي فسكت عن ابن الأشعث حتى دخل المدينة، ثم وثب
عليه فأخذه وشده في الحديد، وعزم أن يوجه به إلى الحجاج. قال: فقامت إلى
عياض هذا أم ولد يقال له سهلة، فكلمته فيه فقالت: ويحك! تقتل مثل ابن



(1) انظر خبر بناء مدينة واسط في معجم البلدان والطبري 6 / 383 - 384.
(2) عن الطبري 6 / 367 وبالأصل عمار.
(3) في الطبري 6 / 392 تنكبه.
(4) صدره في الطبري:
يطرده الخوف فهو تائه
(5) في الطبري: هلا ثبت في موطن من المواطن فنموت بين يديك فكان خيرا لك مما صرت إليه.
(6) عن الطبري 6 / 369 وبالأصل عمرو.
100
الأشعث وقد ولاك هذا البلد! اذكر بلاءه عندك مع أني لست آمنة عليك. قال: وإذا الجيوش (1) قد أقبلت حتى دخلت مدينة بست، فلما بلغهم أن ابن الأشعث في
الحديد وجعلك عاملا على هذا البلد فتكبله في الحديد؟ فقال عياض: إني إنما
فعلت بالأمير ما فعلت وأوثقته عندي مخالفة أن يدخل أرض الترك ويتركنا ههنا بلا
أمير. فقال ابن الأشعث لأصحابه: خذوه إليكم وأطلقوني من هذا الحديد. قال:
فأطلقوه، فعمد إلى عياض بن هميان هذا فضرب عنقه، وصلبه (2)، وأخذ أمواله
وخرب منزله.
قال: واجتمع الناس إلى ابن الأشعث من جميع البلاد وجاءته الفلول
الذين فارقوه، فصار في سبعين ألفا أو يزيدون، فعندها أعجبته نفسه وأشار عليه
أصحابه، بمحاربة يزيد بن المهلب، فأبى عليهم وقال: مهلا عن يزيد! فإنه رجل
لم يتحرك علي فيمن تحرك وأنا أنهاكم عنه، قال: فأبوا عليه وضعفوا رأيه، وقالوا:
لا بد لنا من محاربته، فقال لهم ابن الأشعث: أما إذا أبيتم علي فإني أجيبكم إلى ما
تريدون من ذلك.
ذكر الوقعة مع يزيد بن المهلب
قال: فعقد ابن الأشعث بعبد الرحمن بن العباس بن ربيعة الهاشمي عقدا
وضم إليه أصحابه (3) وأمره بمحاربة يزيد بن المهلب، قال: وخرج القوم نحو
يزيد بن المهلب في زهاء ستين ألفا، ويزيد يومئذ بمدينة هراة (4) من خراسان، فلما
بلغه مسير القوم إلى ما قبله جمع أصحابه وسار إليهم من هراة في جمع عظيم حتى
وافاهم بموضع يقال له المنعرج ودنا القوم بعضهم من بعض، فقال يزيد بن



(1) كذا، وفي الطبري 6 / 369 فجاء رتبيل حتى أحاط ببست ثم نزل وبعث إلى البكري (والله لئن آذيته
بما يقذي عينه أو ضررته ببعض المضرة أو رزأته حبلا من شعر لا أبرح العرصة حتى استنزلك فأقتلك
وجميع من معك...).
(2) يفهم من الطبري 6 / 369 أن رتبيل أفن عياض ولم يقبل أن يقتله عبد الرحمن.
(3) في رواية عن الطبري 6 / 371 أن عبد الرحمن خطب أصحابه، بعد أن تفرق عنه بعض قادته،
وأبلغهم أنه سيرجع إلى صاحبه رتبيل، بعد تخوفه من مقاتلة يزيد بن المهلب. وانصرف إليه، فبايع
أصحابه عبد الرحمن بن العباس.
(4) هراة: مدينة مشهورة من أمهات مدن خراسان.
101
المهلب: ويلكم يا أهل العراق! أفسدتم علينا العراق ثم أتيتمونا ونحن في نحر
العدو ليتفرقوا جماعتنا، تبا لكم من قوم ما أضل حلومكم! فناداه أصحاب ابن
الأشعث وقالوا: أدر عنك يا مروزي! فإنا ندعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه
محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال يزيد: ويلكم من هذا الذي يرغب عن كتاب الله عز وجل وسنة
نبيه محمد صلى الله عليه وسلم! ثم قال: يا هؤلاء مهلا! فإني قد أجلتكم ثلاثا فتنظروا في أمركم،
فقالوا: لا ولا ساعة من نهار، ثم عطعطوا وضجوا، فقال يزيد: اللهم! إني
استنصرك عليهم، ثم حمل والتقى الجمعان فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من أصحاب
ابن الأشعث بشعر كثير، وأسر منهم جماعة.
وفيمن أسر منهم: محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعياش (1) بن الأسود بن
عوف الزهري، و [عمر بن] (2) موسى بن عبيد الله (3) بن معمر التميمي،، وعتبة بن
عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة، وجماعة من قبائل مضر واليمن، فأما اليمانية
فأطلقهم يزيد بن المهلب، وأما المضرية فشدهم في الحديد ووجههم إلى
الحجاج (4).
قال: فقدم بالأسارى على الحجاج، والحجاج يومئذ بواسط العراق، فأول
من قدم إليه محمد بن سعد بن أبي وقاص وقد كان يلقب بظل الشيطان من طوله،
فلما رآه الحجاج قال: يا ظل الشيطان! كيف رأيت صنيع الله بك؟ ثم التفت
الحجاج إلى جلسائه فقال: إن هذا رغب عن يزيد بن معاوية وزعم أنه أحق بالامر
منه، يتشبه بالحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن
الزبير ثم ما زال يركض في الفتن إلى أن تبع حوالي كندة وصار مؤدبا (5) للظالمين.
قال فقال محمد بن سعد: أيها الأمير! إنك قد ظفرت، فإن تعف فقد أمر الله
عز وجل بالعفو، وإن تقتل فقد قدرت، فقال الحجاج: أبعدوه من بين يدي وهاتوا
غيره، قال: فأتي بعتبة بن عبيد الله (6) بن عبد الرحمن بن سمرة، فقال له



(1) عن الطبري 6 / 373.
(2) زيادة عن الطبري.
(ظ) عن الطبري وبالأصل عبد الله.
(4) أرسلهم إلى الحجاج مع سيرة بن نخف بن أبي صفرة.
(5) الطبري 6 / 379 مؤذنا لابن كنازا عبد بني نصر، يعني عمر بن أبي الصلت.
(6) الأصل: عبد الله.
102
الحجاج: يا بن الفاسق الدجال! كيف رأيت صنيع الله فيك وفي أبيك من قبل؟
قال: فسكت ولم يقل شيئا، فقال: أبعدوه عني، فأبعدوه. وأتي بعياش (1) بن
الأسود بن عوف الزهري، فلما رآه الحجاج قال: هذا والله المجهول في الجماعة
المعروف في الفتنة، والله لقد وليت العراق سبع سنين فما علمت أن لهذا والدا
يعرف. قال: ولم يزل الحجاج يوبخ رجلا بعد رجل ويقول فيه القبيح، ثم أمر
الحجاج فضربت أعناقهم إلا نفرا منهم، سأله فيهم قوم فوهبهم لهم.
قال: ثم دعا الحجاج عمارة بن تميم اللخمي فضم إليه جيشا وأمره بالمسير
إلى ابن الأشعث وأن يطلبه حيث كان، قال فسار إليه عمارة، وكتب ابن الأشعث إلى
رتبيل ملك الداور: أما بعد فإن عساكر الحجاج قد سارت إلى ما قبلي، وإني قد
عزمت على مصالحتك على أني قد ملكتك البلاد ولا جزية عليك - والسلام -.
قال: فأجابه رتبيل (2) إلى ذلك وكتب إليه: إن أردت هذا ففرق من كان معك
في البلاد من أصحابك وهلم إلي، فكن عندي إلى أن تنظر ما يكون من أمر
الحجاج. قال: ففرق ابن الأشعث أصحابه في بلاد الداور ثم أقبل فيمن بقي معه
حتى صار إلى رتبيل، فأكرمه رتبيل وقربه وأحسن إليه.
قال: وإذا كتاب الحجاج قد ورد على رتبيل: أما بعد فإن ابن الأشعث قد
صار إلى ما قبلك، وقد وجهت إليك بعمارة بن تميم اللخمي في ثلاثين ألفا من أهل
الشام لم يخلعوا طاعة ولم يبايعوا إمام الضلالة، يستعظمون الحرب استعظاما،
ويقدمون عليها إقداما، فإذا قدموا بلدك فسلم إليهم ابن الأشعث وأنت آمن في بلدك
أبدا ما بقيت، لا يؤخذ منك الجزية، ولا يغزوك أحد من العرب، وتعطى في كل
سنة خمسمائة ألف درهم.
قال: فلما ورد كتاب الحجاج على رتبيل وثب على ابن الأشعث في ستة
وعشرين رجلا من أهل بيته، فشدهم في الحديد. قال: وبلغ ذلك أصحاب ابن الأشعث المتفرقين في البلاد فهربوا، فمنهم من قتل، ومنهم من أفلت. ثم وجه
رتبيل (3) بابن الأشعث وبأهله مليكة بنت يزيد العامري ومن معه إلى عمارة بن تميم



(1) بالأصل: عباس.
(2) الأصل: (زنبيل) وقد مر.
(3) في مقتل ابن الأشعث عدة روايات ذكرها الطبري 6 / 390 - 394 وابن الأثير 4 / 501 والإمامة =
103
اللخمي. قال: وابن الأشعث يومئذ عليل وهو مع ذلك مثقل بالحديد فلم يصل إلى
عمارة بن تميم حتى مات في بعض الطريق، فاحتز القوم رأسه وحملوه إلى عمارة،
وأقبلوا بولده وأخيه ومن معه إلى عمارة.
قال: وكتب الحجاج إلى عمارة أن اضرب أعناقهم هنالك وابعث إلي
برؤوسهم. قال: فقدمهم ابن تميم فضرب أعناقهم بأجمعهم هنالك، وبعث
برؤوسهم إلى الحجاج، فوضعت بين يديه وأدخلت إليه مليكة بنت يزيد امرأة ابن
الأشعث، فلما نظر إليها الحجاج قال: يا مليكة! أملكنا أمثل أم ملك الترك؟
فقالت: أبا محمد! إن لم تكن فحاشا فاحذر الجواب! قال الحجاج: قد فعلت ولم
أرد بهذا شيئا مما تظنين، وليس لك ذنب تعاقبين عليه يا مليكة! ثم جهزها الحجاج
بجهاز حسن وألحقها بأهلها. ثم وجه برأس ابن الأشعث ورأس أخيه القاسم ورؤوس
أصحابه إلى عبد الملك بن مروان، فلما وضعت بين يديه خر ساجدا، ثم رفع رأسه
فقال: الحمد لله على حسن البلاء وتظاهر النعماء! ثم أمر برؤوسهم فطيف بها في
أجناد أهل الشام وأهل مصر، ثم بعث بها بعد ذلك إلى بئر برهرت - برهوت
حضرموت فألقيت هنالك - انقضى أمر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.
ذكر مقتل سعيد بن جبير رحمه الله (1)
ثم دعا الحجاج برجلين من عتاة أصحابه: أحدهما إسماعيل بن الأوسط،
والاخر المتلمس بن الأحوص، وهما جميعا من ثقيف، فضم إليهما نفرا من ثقات
أصحابه، ثم قال: اطلبا لي الان سعيد بن جبير، فأتياني به من حيث ما كان، فإنه
لم يكن فيمن خرج علي مع ابن الأشعث أشد منه! فخرج القوم في طلبه فجعلوا
يسألون عنه وعن موضعه، فلا يرشدهم إليه أحد. قال: فبينما هم كذلك إذ مروا
براهب في صومعة فوقفوا عليه فسألوه عنه، فقال الراهب: أما سعيد بن جبير فإني لا
أعرفه، ولكني رأيت رجلا مر بي من عشية أمس عليه جبة من صوف وكساء، فتوضأ



= والسياسة 2 / 55. وعلى كل حال لم يصل ابن الأشعث إلى الحجاج حيا، وإنما أرسل إليه رأسه بعدما
قتل (في رواية أنه سقط من علالي القصر). وفي رواية أن رتبيل قتله وفي رواية ثالثة أنه مرض بالسل
ومات فحز رتبيل رأسه قبل أن يدفن) وقد ذكرت وفاته في الطبري وابن الأثير سنة 85 بينما ورد في
البداية والنهاية أن مقتله كان سنة 83 (9 / 65 - 66).
(1) انظر ما روي في الطبري 8 / 95 ابن الأثير 4 / 580 حلية الأولياء 4 / 291 وفيات الأعيان 2 / 372 تاريخ
أصبهان 1 / 324 الإمامة والسياسة 2 / 60.
104
بهذه البئر ثم صلى ركعتين ومضى في هذه البرية، فلا أدري إلى أين صار، قال:
فسار القوم عند ذلك وجعلوا يقتصون الأثر حتى وقفوا عليه، فوجدوه ساجدا، قال:
فلم يشعر سعيد بن جبير إلا والقوم على رأسه فسلموا عليه، فأوجز في صلاته ثم رد
عليهم السلام. ثم قال: ما وراءكم عافاكم؟ فقالوا: نحن رسل الأمير الحجاج بن
يوسف فأجب! فقال سعيد بن جبير: ولا بد لكم من ذلك؟ قالوا: نعم. فوثب
سعيد ومشى معهم حتى انتهى إلى باب الدير وذلك في وقت المساء، فقال لهم
الراهب: أصبتم صاحبكم؟ قالوا: نعم قد أصبناه، قال: فأدخلوا إذا الدير، فهذا
موضع مسبع فلم يخل من السباع، وهذا وقت المساء! فبادروا ودخلوا، قال:
فدخل القوم وأبى سعيد بن جبير أن يدخل معهم، فقال له القوم: يا بن جبير! إنا
نظنك أنك قد عزمت على الهرب! فقال: لا، ولكني لا أحب أن أدخل منزلا لا
يصلي فيه أهله الخمس، فأدخلوا وذروني ههنا على باب الدير، فإني أعطيكم عهد
الله وميثاقه أن لا أبرح مكاني هذا حتى أصبح. قال: فتركوه ودخلوا الدير، وقام
سعيد يصلي والراهب ينظر إليه من فوق صومعته، فلما مضى من الليل ما مضى إذا
بالأسد واللبوة قد أقبلا جميعا إليه وهما يزئران حتى تقاربا منه ثم شماه وتنحيا عنه
فريضا قريبا منه، والراهب ينظر إلى ذلك، فصاح بالقوم وقال: يا هؤلاء! قوموا
وانظروا إلى صاحبكم! قال: فأشرف أصحاب الحجاج من فوق حائط الدير،
فنظروا إلى سعيد بن جبير قائما يصلي والأسد واللبوة رابضان جميعا قريبا منه
، فعجبوا من ذلك، ثم قال بعضهم لبعض: بأي وجه نلقى غدا وقد ذهب بمثل هذا
الرجل إلى الحجاج ولعله أن يقتله! وانصرف الأسد واللبوة وأصبح القوم، فأول من
خرج إليه الراهب صاحب الدير فأسلم، ثم خرج إليه أصحاب الحجاج فقالوا: أيها
الرجل الصالح! إن الحجاج قد أخذ علينا الايمان المغلظة أنا إن عايناك لم نفارقكم
فنأتيه بك، فمرنا بما شئت! فقال سعيد: ولابد لكم إذا قد حلفتم أن تحضروني
إليه، ولا راد لقضاء الله وقدره. قال: فحمله القوم على دوابهم وساروا حتى تقاربوا
من واسط، قال لهم سعيد: لا تعجلوا، هذه واسط قد بلغناها، ولست أشك أن
أجلي قد حضر، ولكني ذروني الليلة حتى آخذ أهبة الموت، فإذا أصبحت أدخلوني
على صاحبكم! قال: فسكت القوم وخلوا عنه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: لا
نطلب أثرا بعد عين، نخاف أن يهرب، فقال بعضهم: لا والله لا يهرب وقد أعطاكم
على باب الدير من العهود والمواثيق ثم وفى لكم بما قال ولم يهرب! وقد رأيتم من
الأسد واللبوة ما قد رأيتم، فذروه ليلته هذه يصنع ما بدا له قال: فتركه القوم ليلته

105
ونزل القوم ناحية عنه، وقام سعيد يصلي وهو مع ذلك لا يأكل ولا يشرب، حتى إذا
أصبح القوم وصلوا حملوه حتى دخلوا مدينة واسط والناس ينظرون إليه، فأتي به إلى
باب الحجاج، ودخل إسماعيل بن الأوسط فقال: أصلح الله الأمير! قد جئتك
بسعيد بن جبير، وقد والله رأيت منه شيئا ما ظننت أن يكون لاحد في هذا الدهر، قال
الحجاج: وما ذلك؟ فحدثه إسماعيل بما رأى من صومه وصلاته وخشوعه، وما رأى
من الأسد واللبوة، قال: فزبره الحجاج وقال: أخرج فأتني به، قال: فأدخل
سعيد بن جبير على الحجاج، فلما نظر إليه قال: لا مرحبا بك يا رأس النفاق! فقال
سعيد: المنافق من كان من شيعة المنافقين، قال الحجاج: صدقت يا شقي!
قال: بل أنا سعيد بن جبير، [قال الحجاج]: بل أنت شقي بن كسير، قال
سعيد: أمي كانت أعرف بي منك، قال الحجاج: لقد شقيت أمك حين ولدتك،
قال سعيد: الغيب (1) يعلمه غيرك، قال الحجاج: يا عدو نفسه! ألم أقدم العراق
وأنت بها فقربت منزلك ورفعت مرتبتك؟ ثم بلغني عنك علم وفقه فزدتك في
عطائك؟ قال سعيد: قد كان ذلك يا حجاج! قال: فما الذي أخرجك علي؟ قال:
بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث فلم أر نقضها، قال: فغضب الحجاج ثم قال: يا
عدو نفسه! فبيعة أمير المؤمنين كانت أحرى أن تفي بها من بيعة ابن الأشعث حوالي
كندة، والله لأذيقنك (2) حياض الموت، ولأبدلنك بالدنيا نارا تلظى! قال سعيد: لو
علمت‌ أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها. قال الحجاج: يا عدو نفسه! ما تقول في خلفاء
بني أمية؟ قال: [لست] (3) عليهم بوكيل، ولا أقول ما لا أعلم. قال: فأي رجل
أنا عندك؟ قال سعيد: يوم القيامة تعلم ذلك! قال الحجاج: فأحب أن تعلمني!
قال سعيد: أنا أهون على ربي من أن يطلعني على غيبه، قال الحجاج: فإنه لابد
لك من أن تصدقني من نفسي، قال سعيد (4): لا أحب أن أكذب، وأنت‌ عندي
رجل سوء. قال الحجاج: خبرني عنك ما بالك لا تضحك قط؟ قال: إني لم أر
شيئا يعجبني فأضحك منه، وكيف يضحك مخلوق ولا يدري أتمسيه المنية أم
تصبحه! ثم لا يدري بعد ذلك إلى الجنة يصير أم إلى النار! قال الحجاج: أصدقني



(1) عن الإمامة والسياسة وبالأصل: العلم.
(2) الإمامة والسياسة: لأوردنك.
(3) زيادة عن الإمامة والسياسة 2 / 62.
(4) الإمامة والسياسة: بل لم أرد أن أكذبك.
106
هل سمعت لهوا قط؟ قال سعيد: لا ولا رأيته. قال: فدعا الحجاج بالعود والناي،
فضرب بالعود ونفخ في الناي، قال: فبكى سعيد بكاء شديدا، فقال له الحجاج:
ما يبكيك؟ فقال: إذا أخبرك يا حجاج! أما هذه النفاخة فإنها ذكرتني نفخة إسرافيل
إذا نفخ في الصور (ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل آتوه
داخرين) (1)، وأما هذه الأخشاب والأوتار فإنها قطعت وفتلت من هذه المصارين
لمعصية الله والله سائلك عنها يا حجاج! فقال الحجاج: ما تقول في علي بن أبي
طالب؟ قال سعيد: أقول إنه في الجنة، قال: فما تقول في بني مروان في الجنة
هم أم في النار؟ قال سعيد: لو دخلت الجنة وفيها أهلها لعلمت من فيها. قال
الحجاج: كيف شهدت لغير بني مروان بالجنة؟ فقال سعيد: شهدت لهم بشهادة
الرسول لهم أن العشرة في الجنة، ولكن ما أنت يا حجاج وما هؤلاء وما سؤالك عن
المغيب وقد عزب عليك علمه. قال الحجاج: الويل لك مني يا سعيد! قال
سعيد: بل الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار. قال الحجاج: خذوه! فبادر
إليه أعوان الحجاج، قال سعيد: (بسم الله مجريها ومرسها إن ربي لغفور
رحيم) (2) ثم مضوا به ليقتل، قال الحجاج: ردوه! وهو يضحك. قال الحجاج:
وما يضحكك وقد بلغني أنك لم تضحك قط؟ قال: عجبت من جرأتك على الله
وحلم الله عنك. قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه! قال سعيد: (وجهت وجهي
للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين) (3). قال
الحجاج: اصرفوا وجهه عن القبلة! قال سعيد: (أينما (4) تولوا فثم وجه الله) إن
الله واسع عليم. قال الحجاج: اضربوا وجهه بالأرض! قال سعيد: (منها
خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) (5) قال الحجاج: اضربوا عنقه!
فقدم سعيد بن جبير فضرب عنقه - رحمه الله -.
قال: واختلط على الحجاج عقله، فلم يزل نادما على قتله حتى ربما كان



(1) في سورة النحل الآية 87 (ويوم ينفخ في الصور... وكل آتوه داخرين).
(2) سورة هود الآية 41.
(3) سورة الانعام (وليس فيها مسلما) الآية 79.
(4) سورة البقرة الآية 115 وفيها فأينما.
(5) سورة طه الآية 55.
107
يستيقظ من نومه فزعا مرعوبا وهو يقول: ما لي ولسعيد بن جبير! قال: وبلغ ذلك (1)
عبد الملك بن مروان فكتب إلى الحجاج: أما بعد يا حجاج! فقد بلغني عنك سرف
في القتل وتبذير في الأموال، وهاتان خلتان لا أحتمل عليهما أحد من الناس، وقد
حكمت عليك في الخطأ الدية، وفي العمد القود، وفي الأموال أن تردها إلى
موضعها، فإنها أموال الله ونحن أمناؤه عليها، وسواء عندي يا حجاج عطاء في باطل
أو منع من حق - والسلام - (2). ثم أثبت في أسفل كتابه هذه الأبيات (3):
إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها * وتأبى رضائي بالذي أنا طالبه
وتخشى الذي يخشاه مثلي فكن إذا * كذا الدر يوما ظن بالدر حالبه (4)
وإن تر مني غفلة قرشية * فيا رب يوم غص بالماء شاربه
وإن تر مني وثبة أموية * فهذا وهذا كل ذا أنا صاحبه
فلا تأمنني والحوادث جمة * فإنك مجزي بما أنت كاسبه
ولا تمنعن الناس حقا علمته * ولا تعط مالا ليس للناس واجبه (5)
فإنك إن تعط الحقوق فإنما * تريد به الامر الذي أنا واهبه
وإني لأغضي جفن عيني على الأذى * أريد به الامر الذي أنا راكيه
وأملي لذي الذنب العظيم كأنني * أخو غفلة عنه وقد خب عاربه
فإن كف لم أعجل عليه وإن أبى * وثبت عليه وثبة لا أراقبه



(1) كذا بالأصل. فإن كان يريد أن قتل سعيد بن جبير بلغ عبد الملك فهو خطأ كبير، فقد كان قتل ابن
جبير سنة 95 وفي قول سنة 94 وذلك بعد موت عبد الملك بوقت ليس بالقصير. ولعله يريد حسب
رواية المسعودي أنه لما أسرف الحجاج في قتل أسارى دير الجماجم وإعطائه الأموال بلغ ذلك
عبد الملك (المروج 3 / 162).
(2) انظر نسخة للكتاب في مروج الذهب 3 / 162 باختلاف بسيط.
(3) الأبيات في مروج الذهب 3 / 162 - 163. باختلاف وزيادة.
(4) البيت في مروج الذهب: ونخشى الذي يخشاه مثلك هاربا * إلى الله منه ضيع الدر حالبه
(5) البيت في مروج الذهب:
ولا تنقصن للناس حقا علمته * ولا تعطين ما ليس لله جانبه
وقبله في المروج:
ولا تعد ما يأتيك مني وإن تعد * يقوم بها يوما عليك نوادبه
108
قال: فكتب الحجاج (1): أما بعد، فقد جاءني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه
سرفي في القتل وبذري (2) في الأموال، ولعمري ما بلغت حقوق أهل الطاعة ولا
عقوبة أهل المعصية! فإن كان قتلي العصاة سرفا وإعطائي المطيعين تبذيرا فليجعل
أمير المؤمنين في ذلك حدا لا أعدوه إلى غيره، وبعد يا أمير المؤمنين فإني ما قتلت
إلا فيك، ولا أعطيت إلا لك، وما قتلت عمدا فأقاد به ولا خطأ فآتي فيه الدية -
والسلام -.
ثم أجابه عن أبياته وهو يقول (3):
إذا أنا لم أطلب رضاك واتقي * أذاك فيومي لا توارى كواكبه
ولا أنا من يعطي الخليفة حبه * يعد من الامر الذي هو راهبه (4)
وإن قارف الحجاج فيك خطية * فقامت عليه في الصباح نواديه
إذا أنا لم أذن الشفيق لنصحه * وأقصي الذي تسري إلي عقاربه
فمن يبغني يوما ويرجو مروتي * ويحذرني والدهر جم نوائبه
فأمري إليك اليوم ما قلت قلته * وما لم تقله لي فإني مجانبه
فقف لي على حد الرضا لا أجوزه * مدى الدهر حتى يرجع الدر حالبه
وإلا فذرني والأمور فإنني * شفيق رفيق أحكمته تجاربه
قال: فلما ورد الكتاب على عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج أن اعمل
برأيك - والسلام - (5).
قال: فاستقامت العراق جميعا للحجاج. فلم يكن أحد يناويه ولا يخرج عن
طاعته، فأنشأ الفرزدق بن غالب يقول في ذلك:
إن ابن يوسف محمود صنائعه * سيان معروفه في الناس والمطر



(1) نسخة كتابه في مروج الذهب 3 / 163.
(2) المروج: وتبذيري.
(3) الأبيات في مروج الذهب 3 / 163 ببعض اختلاف.
(4) روايته في مروج الذهب:
وما لامرئ بعد الخليفة جنة * تقيه من الامر الذي هو كاسبه
(5) العبارة في مروج الذهب: فلما انتهى كتابه إلى عبد الملك قال: خاف أبو محمد صولتي، ولن أعود
لشيء يكرهه.
109
هو الشهاب الذي يرمى العدو به * والمشرفي الذي يقضي له مطر
لا يرهب الموت إن النفس باسله * والرأي مجتمع والجود منتشر
أحيى العراق وقد مالت دعائمه * صرامة منه لا يبقي ولا يذر
ذكر خروج مسلمة بن عبد الملك إلى بلاد الروم
قال: وتحركت الروم بأرض القسطنطينية وغيرها من بلاد الروم، فاجتمعوا في
خلق عظيم وعزموا على مفاجأة المسلمين في دارهم، وأخذ الشام من أيديهم، وبلغ
ذلك عبد الملك بن مروان، فنادى في أهل الشام فجمعهم في المسجد الأعظم، ثم
صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس! إن العدو قد كلب عليكم وطمع
فيكم، وهنتم عليه لترككم العمل بطاعة الله تعالى، واستخفافكم بحق الله،
وتثاقلكم عن الجهاد في سبيل الله، ألا! وإني قد عزمت على بعثكم إلى أرض الروم
فماذا عندكم من الرأي؟ قال: فأجابه الناس بأحسن الجواب، ورغبوا فيما رغبهم
فيه من الجهاد وعزموا على ذلك. قال: فعندها أمر عبد الملك بن مروان فكتب له
أربعة كتب، كتاب منها إلى أبان بن عثمان - وهو عامله على الحجاز - أن يوجه إليه
برؤساء أهل الحجاز وفرسانهم، وكتاب إلى علقمة بن مرداس الخولاني - وهو عامله
على اليمن - أن يوجه إليه بفرسان أهل اليمن، وكتاب إلى أخيه عبد العزيز بن
مروان - وهو عامله على بلاد مصر - أن يشخص إليه بنفسه في أجناد أهل مصر،
وكتاب إلى الحجاج بن يوسف، أن يوجه إليه بأجناد العراق.
ثم كتب أيضا إلى أخيه محمد بن مروان وإلى ابنه مسلمة وهما يومئذ في بلاد
أرمينية وأذربيجان فأشخصهما إليه في جميع من معهما من أجنادهما.
قال: فلما اجتمع الناس من جميع الأمصار قام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى
عليه ثم قال: أيها الناس! إنكم قد علمتم ما ذكر الله عز وجل في كتابه من فضل
الجهاد، وما وعد الله عليه من الثواب، ألا! وإني قد عزمت أن أغزو بكم غزوة
شريفة إلى أليون (1) صاحب الروم فإنه قد طغى وبغى، وقد بلغني أنه قد جمع
للمسلمين جموعا كثيرة وعزم على غزوكم ومفاجأتكم في دياركم، وقد علمت أن الله
تعالى مهلكه ومبدد شمله وجاعل دائرة السوء عليه وعلى أصحابه، وقد جمعتم من
كل بلد وأنتم أهل البأس والنجدة والشجاعة والشدة، وأنتم من قام لله بحقه ولدينه.



(1) بالأصل: النون.
110
بنصرته، وهذا ابني مسلمة وقد أمرته عليكم، فاستمعوا له وأطيعوا يوفقكم الله
ويرشدكم لصالح الأمور! قال فقال الناس: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين! قال:
فأمرهم عبد الملك بن مروان فعسكروا خارجا من مدينة دمشق في خلق عظيم،
وخرج إليهم عبد الملك بن مروان فعبأهم هنالك، فجعل على كل قبيلة من القبائل
رجلا من ساداتهم يقتدون برأيه وينتهون إلى أمره، ثم قال لابنه: يا بني! إني قد
ندبتك لهذا الامر وشرفتك بهذا الجيش، فجعلته لك شرفا وذكرا إلى آخر الأبد،
فكن يا بني بالمسلمين بارا رحيما وأميرا حليما، ولا تكن عنيدا كفورا ولا مختالا
فخورا، واعلم يا بني! أن الروم سيلقونك بجيش كثير وجمع كبير، فثق بالله واستعن
به وتوكل عليه، فكفى به وليا وناصرا، وانظر يا بني! لا يهولنك ما ترى من جمع
الروم وكثرة عددهم، فإن الله تبارك وتعالى بفضله ومنه مهلكهم وضارب وجوههم
ومرعب قلوبهم ومزلزل أقدامهم، ومعك يا بني بحمد الله خلق كثير، فإذا عزمت
على حرب عدوك فاجعل عمك محمد بن مروان على ميمنتك، واجعل ابن عمك
محمد بن عبد العزيز على ميسرتك، واجعل محمد بن الأحنف بن قيس‌ على
طلائعك، وعبد الرحمن بن صعصعة بن صوحان على جناحك، واعتمد في حربك
على البطال بن عمر فإنه بطل شجاع مقدام شياع، وانظر يا بني! لا تكسل ولا تفشل
ولا تجزع ولا تهلع، فإنك إن لم تفعل ذلك وتعديت ما أوصيتك به، استوجبت من
الله المقت ومن عباده البغض ومن ملائكة اللعن، فإنه تعالى يقول: (ومن يولهم
يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم
وبئس المصير) (1).
قال: ثم أقبل عبد الملك بن مروان إلى الناس، فقال: أيها الناس
المسلمون! أنتم إخواني وأعواني، وهذا ابني مسلمة وهو سيفي ورمحي وسهمي،
وقد رميت به في نحر هذا العدو، وبذلت دمه ومهجته لله عز وجل، ورجوت أن
يقضي الله به جيش الروم، فأعينوه واعضدوه وقوموا معه، وانصروه إذا كسل،
وشجعوه إذا فشل، وأيقظوه إذا غفا، وفهموه إذا هفا، فإن أصيب فالأمير بعده عمه
محمد بن مروان، فإن أصيب فابن عمه محمد بن عبد العزيز، فإن أصيب فاختاروا
من أحببتم الأفضل فالأفضل، والخيار في ذلك إليكم - والسلام -.



(1) سورة الأنفال الآية 16.
111
ثم دعا مسلمة فعانقه وقبل بين عينيه وقال: السلام عليك يا ولدي وقرة عيني
وثمرة فؤادي! فإن نفسي تحدثني أني لا أراك ولا تراني بعد هذا أبدا - ثم بكى وبكى
الناس لبكائه، وودع الناس بعضهم بعضا ورحلوا من عسكرهم يوم الجمعة، وذلك
في أول يوم من رجب بعد صلاة الجمعة، وعبد الملك بن مروان معهم يشيعهم إلى
أن نزلوا على فرسخين من مدينة دمشق، فأقاموا يومهم ذلك هنالك فلما كان من الغد
ودعهم عبد الملك بن مروان ورجع إلى دمشق في نفر من أصحابه.
وسار القوم في الآلة والسلاح الكامل والزي الحسن والخيل العتاق والبراذين
المطهمة حتى نزلوا بموضع يقال له مرج دابق (1). قال: فلم يزل مسلمة هنالك نازلا
والناس يخرجون إليه ويتلاحقون به من كل موضع راغبين في الجهاد حتى صار في
عسكر عظيم، ووافاه الفتية المدنيون التوابون.
ذكر الفتية المدنيين التوابين وهو خبر حسن
قال: ذكر عيسى بن دأب أن هؤلاء الفتية كانوا عشرة نفر منهم سليمان بن
عمرو القرشي، وأخوه يحيى بن عمرو، وهارون بن الحصين التميمي، وأخوه
أحمد بن الحصين، ومحمد بن زرعة العبدي، وأحمد بن محمد اليشكري،
وبشر بن مطر الأزدي، وسعيد بن إسماعيل الطائي الأسدي، وعبد الله بن عمرو
الطائي، ويعقوب بن عبد الله الأنصاري.
قال عيسى بن دأب: وكان السبب في توبة هؤلاء القوم أنهم كانوا بالمدينة على
أمر من الأمور التي يحبها الله عز وجل، ولكل واحد منهم جارية يهواها من بنات
العرب، فسليمان بن عمرو القرشي جاريته الذلقاء بنت أبي بهس‌ العدوية، وأخوه
يحيى بن عمرو جاريته أم أبيها بنت أبي سلمة النهدية، وهارون بن الحصين جاريته
أسماء بنت عمرو بن مذل الغطفانية، وأحمد بن الحصين جاريته قبول بنت المعذل
الحنظلية، ومحمد بن زرعة العبدي جاريته سلمى بنت عبد العزيز العذرية،
وأحمد بن محمد اليشكري جاريته ليلى بنت محصن السعدية، وبشر بن مطر الأزدي
جاريته حجل بنت عكاشة الباهلية، وسعيد بن إسماعيل الأسدي جاريته ظلوم بنت
مرة الكلبية وعبد الله بن عمرو الطائي جاريته هند بنت المحكم العجلية،
ويعقوب بن عبد الكريم الأنصاري جاريته الهيفاء بنت رماحس الكلبية.



(1) دابق قرية قرب حلب بينهما أربعة فراسخ، عندها مرج معشب نزه.
112
قال: وكان هؤلاء الفتية العشرة في كل نعمة سابغة، لا يأتي عليهم يوم من
الأيام إلا وهم أشد سرورا وأطول حبورا من يومهم الذي مضى إلى أن وقع الخبر
إليهم بأن عبد الملك بن مروان قد وجه جيشا إلى بلاد الروم، قال: وأراد الله
عز وجل ما أراد من الخير وأحب الله عز وجل أن ينقذهم مما هم فيه من ظلمة
المعاصي إلى نور الطاعة. قال: فأول من ارتدع منهم عما هو فيه ودعته نفسه إلى
التوبة والإنابة إلى الله تعالى يحيى بن عمرو القرشي، فعزم على ذلك وجعل يسره
في نفسه ولا يذكر لاخوانه شيئا مما قد عزم عليه، وهو مع ذلك يجالسهم ويحادثهم.
قال: فبينا هم ذات يوم على شرابهم ولهوهم إذ أخذوا شيئا من تناشد الاشعار التي قد
أحدثوها بينهم، فجعل كل واحد منهم يقول شيئا ويحيى بن عمرو القرشي ساكت لا
ينطق بشيء حتى فرغوا من نشيدهم، فأحب أن يلقي إليهم شيئا مما قد عزم عليه من
أمر التوبة ونزوع ما هو عليه، فأنشأ يقول:
قالت: سلوت فقلت: لست بجاحد * أنا والمهيمن ذي الجلال الواحد
وسلخت ودك من فؤادي مثل ما * سلخ النهار من الظلام الراكد
قالت: فعد فالعود عندي أحمد (1) * فأجبتها هيهات لست بعائد
إني أخاف عذاب رب سرمد * تبدو فضائحه ولست ببائد
قال: فلما سمع القوم من يحيى بن عمرو القرشي هذه الأبيات أنكروا ذلك منه
إنكارا شديدا بليغا، ثم إنهم عضوه بألسنتهم وعذلوه فأكثروا فيه من عذله ولومه، ثم
قالوا: يا هذا! قد سمعنا منك شيئا نخاف أن يكون فيه تفريق جماعتنا وتشتيت
ألفتنا، وإننا نناشدك الله في ذلك. قال: فتبسم يحيى بن عمرو القرشي ثم حرك
رأسه وأنشأ يقول:
إن في اللهو ما علمت سرورا * لا يرى في (2) حوادث الاقدار
غير أني تركت ذلك خوفا * وحذارا (3) من شر عار ونار
فأنيبوا إلى الاله وتوبوا * كم إلى كم نقيم في الاصرار؟
قال: فلما سمع القوم ذلك أقبل عليه سليمان بن عمرو فقال: والله يا أخي



(1) العود أحمد، مثل، انظر قصته في مجمع الأمثال للميداني حرف العين.
(2) الأصل: لم يوفى.
(3) الأصل: حذرا.
113
ما عدا جميع ما تكلمت به سويداء قلبي ولقد أخذ بمجامع قلبي وعقلي حتى لقد
غلب على سمعي وصدري، وحال بيني وبين لذتي، ولقد علمت أن الامر كما
ذكرت وأن الرغبة فيما رغبت، قال: ثم أنشأ سليمان بن عمرو يقول:
يا من يلوم مرفقا * يدعو إلى إسعاده
أبدى النصيحة إذ دعا * لم يأل في إجهاده
لا تنكروا ما قاله * من بذله لرشاده
فلقد أتى بنصحه * موصولة بسداده
قال: فلما سمع القوم كلام سليمان بن عمرو وميله إلى أخيه جعل بعضهم
يقول لبعض: هذا ما كنا نحذر من تفريق الألفة وتكدير صفو العيش، فعند الله
نحتسب ما فجعنا به منكما! قال: ثم انصرف القوم عن مجلسهم يومهم ذلك وهم
مغمومون بأمر يحيى بن عمرو وأخيه سليمان.
فلما كان في الليلة المقبلة اجتمعوا أيضا فجلسوا، فلما اطمأن بهم المجلس
أقبل عليهم يحيى بن عمرو فقال: يا إخوتي ويا أخلائي ومن تقر عيني بصلاحهم
واجتماع كلمتهم! إنه قد ينبغي للراقد أن يستيقظ من رقدته ويستجلي عن غشوته،
ومهما شككتم في شيء فلا تشكوا في الموت، إنه نازل بي وبكم، وأسأل الله
العصمة والتوفيق والتسديد لي ولكم - والسلام -، ثم أنشأ يقول:
دعوتكم للرشد والنصح جاهدا * وما زلت للاخوان مذ كنت ناصحا
فإن تقبلوا نصحي تنالوا سعادة * وتأتوا طريقا بين القصد واضحا
ومن يترك القصد المنير طريقه * يلاقي غدا نارا ويخلد كالحا
قال: ثم أقبل عليهم سليمان بن عمرو فقال: يا إخوتي ومن قد عظمت
حقوقهم علي وابيضت أيديهم عندي! إنكم قد علمتم ما افترقنا عليه في ليلتنا
الماضية وما دعاكم إليه أخي يحيى بن عمرو الناصح لكم، الشفيق عليكم، فإن
تجيبوا إلى التوبة والنزوع عما أنتم عليه فحظكم أصبتم وإلى الخير أجبتم، وإن
تقيموا على ما أرى من لغطكم واتباعكم أهواءكم فإني أسأل الله لكم التوفيق -
والسلام -، ثم أنشأ سليمان بن عمرو يقول:
سألت إلهي أن يؤلف بيننا * على الخير كالتأليف في سائر الدهر
فقد عشتم عصرا وعصرا وإننا * لفي غمرة جهلاء نهوي وما ندري

114
نلجج في بحر سكارى بحيرة * فحتى متى لسنا نفيق من السكرى
وتوبوا تنالوا جنة الخلد إنما * ينال جنان الخلد من كان ذا صبر
قال: فلما سمع بشر بن مطر الأزدي مقالة يحيى وسليمان بن عمرو واستحكم
قولهما في قلبه أعجبه ذلك، ثم قال: لقد علم من أعين عقلا وأحضر هما أين
موضع الحق - والسلام -، ثم أنشأ يقول:
لعمري لئن بعت الهداية بالعمى * وآثرت غير الحق إني لخاسر
أأترك حظي بعد إذ أنا قادر * على أخذه والحق فيه بصائر
سأجبر نفسي عن هواها وغيها * بصبر قوي الحزم والحر صابر
قال: فلما سمع القوم مقالة بشر بن مطر الأزدي فغمهم ذلك غما شديدا. ثم
أقبل هارون بن الحصين على أصحابه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أعظم
الرزية بفرقتكم وأجل المصيبة بتباعدكم، والله ما أظن هذا الامر إلا مشتتا جماعتنا،
مكدرا علينا صفو عيشنا، لان الذي دعوتنا إليه من مزايلة ما نحن فيه شديد وهو أثبت
وأرسخ من أن يزيله العظات أو أن يقلعه الصفات. قال: ثم افترقوا أيضا ليلتهم
مغمومين.
فلما كان في الليلة الثالثة اجتمعوا، فلما اطمأن بهم المجلس أقبل عليهم محمد بن زرعة العبدي فقال: يا إخوتاه! اسمعوا عني كلامي وتدبروا بعقولكم فقد
أتيتكم بأعجوبة! فقالوا: هات ما بدا لك! فقال: اعلموا أني فارقتكم الليلة وصرت
إلى منزلي أرقا شديدا، حتى إذا كان قبيل الصبح أغفيت إغفاء، فإذا أنا بآت قد
أتاني في منامي وهو يقول: هذه الأبيات:
يا تارك القصد بعد معرفة * وسالكا غيره من الطرق
يحيى وأصحابه على رشد * كما جلى الليل ساطع الفلق
فلا تكونن كالمقيم على * دحض مزل (1) أشفى على غرق
قال: فلما سمعت ذلك استيقظت فزعا مرعوبا حتى كاد الخفقان أن ينزع قلبي
حتى سكنني من كان بحضرتي. قال: فأقبل عليه يعقوب بن عبد الكريم (2)



(1) الأصل: المنزل.
(2) مر قريبا عبد الله.
115
الأنصاري فقال: يا أخي! فكأني والله وإياك إنما كنا على أمر واحد غير أن الالفاظ
مختلفة، وذلك أني قمت عن مجلس حين افترقنا بالأمس وبي من الفرقة والأسف
لتشتيت الفرقة ما لا أبلغ وصفه حزنا على إخواني، وما رأيت من مفارقتهم لنا
ونقضهم علينا ما نحن فيه من الألفة والمودة، فأتيت إلى منزلي وظللت عامة ليلي أدير
عيني على الغمض فلا أقدر على ذلك، فبينا أنا كذلك بين النائم واليقظان إذ أنا
بهاتف يهتف بي وهو يقول:
يا خائضا في غمرة (1) الجهل * وحائدا عن واضح السبل
لست على شيء فلا تكذبن * في راجع التوبة في مهل
من قبل يوم معظم هائل * يشيب رأس المرضع الطفل
فلما سمعت ذلك استيقظت وما معي شيء من عقلي، فهذا والله يا إخوتي ما
رأيت. فلما سمع القوم ذلك عجبوا وجعل بعضهم يقول لبعض: كيف حتى خص
محمد بن زرعة ويعقوب بن عبد الكريم (2) بهؤلاء الهواتف من بيننا هذا سكون لنا
بنا. قال: ثم أقبل سعيد بن إسماعيل الأسدي على محمد بن زرعة وهو يقول:
لولا الذي أضمرت من غدره * ما راعك الهاتف إذ يهتف
خصصت بالهاتف من بيننا * ما لك في قولك لا تنصف
والله رب العرش يا إخوتي * فإنني مجتهدا أحلف
لا خنت من أهوى ولا شتمته * جهرا ولا مثلي به يوصف
قال: ثم أنشأ هارون بن الحصين التميمي وهو يقول:
أبالأحلام أسلو عن هواي * لأقوام أتوا بالترهات
أتونا يزعمون بأن آت * أتى بنصيحة عند البيات
يحضهم على هجر وغدر * وقطع الحبل منا والشتات
فمن يك راغبا عن وصل ألف * فلست براغب حتى الممات
قال: وتفرق القوم أيضا ليلتهم تلك وقد وفق الله عز وجل للتوبة خمسة نفر:
[ابني] عمرو، وبشر بن مطر الأزدي ومحمد بن زرعة العبدي ويعقوب بن



(1) الأصل: غرة.
(2) مر قريبا: عبد الله.
116
عبد الكريم (1) الأنصاري، وبقي منهم خمسة: هارون بن الحصين [وأحمد بن
الحصين] (2) وعبد الله بن عمرو الطائي وسعيد بن إسماعيل الأسدي وأحمد بن
محمد اليشكري. قال: وجعل هؤلاء الخمسة الذين قد تابوا يدعون الله ويتضرعون
في أن يراجع بقلوب إخوانهم إلى ما هم عليه من التوبة، فلم يزالوا كذلك إلى أن
استجاب الله منهم دعاءهم في إخوانهم وأقبل بقلوبهم إلى طاعته، وكتب هارون بن
الحصين إلى يحيى بن عمرو القرشي بهذين (3) البيتين:
نفسي الفداء لمن جلى الاله به * عنا العمى ووقاه مورد التلف
قد كان ما بيننا في الدين مختلفا * فاليوم نحن جميعا غير مختلف
قال: ثم كتب أخوه محمد بن الحصين إلى سليمان بن عمرو أيضا بهذين (3)
البيتين:
أتتني منك موعظة * يقوم نصحها أودي
فجئتك تائبا في اليو * م خوفا من عقاب غد
قال: ثم كتب أحمد بن محمد اليشكري إلى محمد بن زرعة العبدي (4) بهذين
البيتين:
نفسي فداؤك من فتى * منح النصيحة جاهدا
فأطيع رأيك‌ لا أرى * للناصحين معاندا
قال: ثم كتب عبد الله بن عمرو الطائي إلى بشر بن مطر الأزدي بهذين
البيتين:
لقد قرأت كتابا منك هيجني * يدعو إلى الله إسرارا وإعلانا
أجبته ودعوت الله مجتهدا * كما نكون على الخيرات أعوانا
قال: ثم كتب سعيد بن إسماعيل الأسدي إلى يعقوب بن عبد الكريم (5)



(1) مر قريبا عبد الله.
(2) زيادة لاستقامة المعنى، انظر أول الخبر.
(3) الأصل: بهذه.
(4) ورد خطأ: العنبري.
(5) ورد قريبا (عبد الله).
117
الأنصاري بهذين البيتين:
أتاني كتاب منك فيه مواعظ * تخط على خير وتدعو إلى رشد
فأبصرت ما فيه من الحق والهدى * وفارقت من أهوى على أجهد الجهد
فلما وصلت هذه الأبيات من هؤلاء الخمسة إلى إخوانهم فرحوا لذلك
واستبشروا، واشتد سرورهم، ثم إنهم ابتهلوا إلى الله عز وجل في أن يقوي عزمهم
على ما عزموا عليه من التوبة، فاستجاب الله لهم ذلك. قال: إنهم تواعدوا أن
يجتمعوا في مشربة لهم فيكلم بعضهم بعضا، فاجتمعوا في مشربتهم تلك. قال:
وهي مشربة معروفة بالمدينة يقال لها مشربة التوبة وهي مشربة على العطارين
بالمدينة. قال: فلما اجتمعوا هنالك اعتنقوا وبكى بعضهم إلى بعض لطول الفرقة
وما كانوا عليه من التباعد، وحمدوا الله على ما ألف بينهم من التقوى، وسألوه
التوفيق والعصمة مما هم عليه. ثم أقبل عليهم يحيى بن عمرو القرشي فقال: يا
إخوتي! إنكم قد علمتم ما قد وعد الله عز وجل عباده... (1).
قال: ثم حمل على العلج فضربه ضربة على فخذه فقطعها، فسقط العلج
ميتا. قال: وإذا بعلج آخر يقال بولص قد بدر إلى أحمد بن الحصين، قال: فنظر
إليه أحمد فقصد نحوه وهو يقول:
دونك حربا لا تقيه ترسي * صبرا على المكروه مني نفسي
كيما أنال منزلا في القدس * فإنما الدنيا كيوم أمس
قال: واختلفا بطعنتين طعنه العلج في خاصرته جدله قتيلا - رحمه الله - قال:
فلما قتل هارون بن الحصين وأخوه أحمد خرج من بعدهما سعيد بن إسماعيل
الأسدي نحو ذلك العلج وهو يقول:
يا بولص الروم إليك نفسي * قد طال في ظل الخطايا حبسي
اليوم أحمي إخوتي بالحمس * كيما يكون بطن سبع رمسي
قال: والتقيا بضربتين، ضربة الأسدي ضربة جدله قتيلا، قال: وخرج من
بعده علج آخر يقال له قسطنطين الأصغر، قال: فقصده الأسدي وهو يقول:



(1) بياض بالأصل قدر صفحة ونصف صفحة. ويفهم من السياق أن النقص هو اتفاقهم على المشاركة في
غزوة الروم واللحاق بجيش المسلمين، وقد التحقوا جميعا وقاتلوا إلى جانبهم إخوانهم.
118
يا أيها الداعي إلى الجلاد * في حومة الابطال والأنجاد
أتاك ليث سلس القياد * ذو صولة يكرهها الأعادي
ثم تطاعنا برمحيهما فلم يصنعا شيئا، وتضاربا بسيفهما فلم يصنعا شيئا،
فاعتنق كل واحد منهما صاحبه حتى سقطا عن فرسيهما إلى الأرض، فشد عليه العلج
بخنجر كان معه فوجأه في نحر فقتله - رحمه الله -. قال: وخرج من بعده يعقوب بن
عبد الكريم (1) الأنصاري نحو القسطنطين هذا العلج وهو يقول:
لتذهبن اليوم نفسي أسفا * إذ كنت بعد خمسة مخلفا
قد نلت من لذة عيشي ما صفا * حسبي الذي عاينت حسبي وكفا
ثم حمل الأنصاري على قسطنطين العلج فقتله. ثم وقف ودعا إلى البراز فلم
يخرج إليه أحد، وكاعت الروم بعد قتل قسطنطين.
قال: وجعل مسلمة بن عبد الملك ومن معه من المسلمين يتعجبون من إقدام
هؤلاء الفتية على الموت وصبرهم على الحرب، وكل واحد منهم يتلو صاحبه.
قال: والتفت بشر بن مطر الأزدي إلى إخوته الذين بقوا معه يعقوب بن عبد الكريم (1)
الأنصاري وأحمد بن محمد اليشكري، ومحمد بن زرعة العبدي، فقال: يا
إخوتي! إنه قد قتل منا خمسة ومضوا لسبيلهم ونحن ههنا أربعة ونرجو أن نلحق بهم
عن قريب‌ إن شاء الله، ولكن هل ترون ما أرى؟ فقالوا: وما ترى يرحمك الله؟
فقال: ويحكم! إني رفعت رأسي إلى السماء أنظر إلى هذه الغمامة التي (2) قد
أظلت هذا العسكر فرأيت عجبا عجيبا، وذلك أني رأيت رجالا لم أر (3) مثلهم ولا
مثل صورتهم ساعة قط، ومعهم خيام بيض لم أر (3) على حسنها شيئا، ونظرت إلى
نسوة يطلعن علينا من هذه الغمامة ويضحكن إلى إخواننا هؤلاء الذين قتلوا، فهذا ما
رأيت. قال: فعند ذلك اقشعرت جلود القوم ووقفت شعورهم، واشتاقوا إلى ما
شوقهم إليه صاحبهم بشر بن مطر الأزدي، ثم غلبتهم أعينهم بالبكاء والترحم على
إخوانهم، وجعل بعضهم يقول لبعض: إنه يجب علينا الان أن لا نقصر في جهاد
هؤلاء القوم الكفار، فعسى الله أن يجمعنا مع إخواننا في مستقر رحمته.



(1) ورد في أول الخبر (عبد الله).
(2) الأصل: الذي.
(3) الأصل: (لم أرى) خطأ.
119
قال: فكان أول من تقدم منهم إلى الحرب يومئذ بشر بن مطر الأزدي وهو
الذي رأى ما رأى، فجعل يرتجز ويقول أبياتا مطلعها:
من كان في شك وفي تعامي * فقد رأيت الحور في الغمام
صبرا لهذا يا بني الكرام * حتى تحلوا ساحة السلام
قال: ثم تقدم محمد بن زرعة العبدي وهو يقول:
إن كان لابد مصيري للفنا * فما مقامي بعد خمس ههنا
إن نلت ما أبغي فقد نلت المنى * جنات عدن ليس فيها من عنا
قال: ثم تقدم أحمد بن محمد اليشكري وجعل يرتجز ويقول:
لا خير في العيش بعد صحبي * حسبي من العيش حسب حسبي
لا أرجع اليوم وأقض نحبي * ثم أحل في جنان ربي
قال: ثم حمل هؤلاء الفتية فاقتتلوا قتالا شديدا. وجعل يعقوب بن
عبد الكريم (1) الأنصاري يرتجز ويقول:
هيهات مني سفهي وطيشي * أقصد للحصن أمام جيشي
قد ذهب السادة من قريش * لا خير لي من بعدهم في العيش
قال: ثم حمل يعقوب بن عبد الكريم الأنصاري حملة يريد باب الحصن،
قال: ولحقه إخوته الثلاثة حتى صاروا إلى باب حصن طوانة (2)، فجعلوا يقاتلون
أشد القتال. قال: وصاح مسلمة بالمسلمين فحملوا وانكشفت الروم من بين أيديهم
كشفة قبيحة.
قال: وجعل قوم يقاتلون وقوم ينقبون السور نقبا واسعا، وبادر يعقوب بن
عبد الكريم (1) الأنصاري فدخل الحصن من ذلك النقب وجعل يقاتل أهل الحصن
وحده، فلم يزل كذلك حتى قطعت إحدى قدميه ووثب قائما على تلك الحالة
يقاتلهم على فرد قدم وهو يقول:
أضرب بالسيف على فرد قدم * والحر لا يجزع من وقع الألم



(1) تقدم أنه عبد الله.
(2) طوانة: بلد بثغور المصيصة. فتحها المسلمون في جمادى سنة 89 وقتلوا من أهلها خمسين ألفا
(انظر تاريخ خليفة بن خياط ص 302).
120
والموت بعد الألف أشفى للقرم * مع الذي أرجوه من باري النسم
أرجو جنانا حققت كل النعم * مع فتية كانوا لعمري كالبهم
في مجمع الحرب إذا الحرب اضطرم * خوفا من الله العزيز ذي النقم
قال: فلم يزل الأنصاري يقاتلهم وحده ويدفعهم عن ذلك حتى دخل إليه
إخوته الثلاثة، فأعانوا ودفعوا الروم عن ذلك النقب، ثم إنهم كبروا وصاحوا
بأصحاب مسلمة، فدخل الناس من ذلك النقب وفتحوا باب الحصن، والأنصاري
ينزف الدم من رجليه حتى مات - رحمه الله! وقتل إخوته الثلاثة الذين كانوا معه -
رحمة الله عليهم أجمعين -!
قال: واشتغل المسلمون بالغنائم وجمعها، فجمعوا شيئا كثيرا وخيلا وبغالا
وحميرا وذهبا وفضة وأثاثا فاخرة. قال: فجمع مسلمة هذه الغنائم، فأخرج منها
الخمس وقسم باقي ذلك على المسلمين، ثم وجه بالخمس إلى أبيه عبد الملك بن
وكتب إليه يخبره بما فتح الله على يديه من حصن طوانة، فأنشأ أعشى تغلب يقول
أبياتا مطلعها:
خير لمسلمة البنان فإنه * فضلت أنامله الأكف وطالها
إلى آخرها.
ذكر مسير مسلمة بن عبد الملك إلى عمورية (1)
بعد فتح طوانة
قال: ثم نادى مسلمة في أصحابه بالسير إلى عمورية، وبلغ شمعون صاحب
عمورية بأن العرب قد سارت إلى ما قبله، فجمع من كان حوله من القرى والحصون
الصغار فأدخلهم عمورية، ثم دعا بطريقا من بطارقته يقال له ورسيب، فضم إليه
أربعة صلبان. تحت كل صليب عشرة آلاف، وأمره أن يكون على مقدمته. قال:
فسار ورسيب في أربعين ألفا على مقدمة شمعون. وأقبل شمعون من ورائه في ثمانين
ألفا. وبلغ ذلك مسلمة بن عبد الملك فعبى أصحابه، ثم دعا بالبطال بن عمرو،
فأمره أن يتقدم بين يديه، قال: فسار البطال في المقدمة ومعه عشرة آلاف من
المسلمين لا يرى منهم إلا الحدق، حتى إذا أشرف على عمورية إذا ورسيب قد



(1) عمورية: بلد في الروم. وكان ذلك بعد فتح طوانة سنة 88 كما في ابن الأثير.
121
استقبله في أربعين ألفا من النصرانية.
قال: ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا، فأسرع القتل في المشركين.
قال: وحمل ورسيب على البطال وهو لا يعلمه، وعلم البطال أنه ورسيب فخفق عليه
ثم ضربه ضربة على قونس بيضته، فقد البيضة والهامة، وخر ورسيب قتيلا. ثم
جال البطال في ميدان الحرب وهو يقول:
قد يقتل المرء بلا ذنوب * وربما كان أخا تكذيب
لا سيما مثل الشقي ورسيب * جدلته بصارم قضيب
مهند ذي صنعة وشوب * ليس بمفلول ولا خشيب
قال: وبلغ ذلك شمعون صاحب عمورية بأن ورسيب قتل، فزحف بخيله
ورجله يريد لقاء المسلمين، وأرسل البطال بن عمرو إلى مسلمة فخبره بذلك، فأقبل
مسلمة في جماعة من المسلمين، حتى صاف الروم وصهلت الخيل وتداعت
الفرسان، وأقوت الخيلان والجيشان، واستبشر المسلمون بما وعدهم الرحمن، من
الخلود في الجنان. قال: وتقدم عبد الرحمن بن صعصعة بن صوحان العبدي أمام
المسلمين وهو يرتجز ويقول:
أنا ابن عبد القيس جدي صعصعة * ذو البأس والاقدام عند المعمعه
إذا التقى الابطال وسط المعمعه * والروم قد سارت إلينا مجمعه
ومن يخاف الله فالله معه
ثم حمل فقاتل ساعة ورجع مجروحا. وتقدم عبد الله بن جرير بن عبد الله
البجلي وهو يقول:
أنا ابن ذي الفضل فتى بجيله * جرير شيخي وله فضيلة
فضيلة عظيمة جليله * من النبي صاحب الوسيلة
ثم حمل على جميع الروم فقاتل ورجع مجروحا. قال: وتقدم محمد بن
مروان أخو عبد الملك بن مروان وهو يقول:
أنا ابن مروان إذا الهيج اضطرم * أكز في الحرب كليث مقتحم
بصارم عضب حسام ذي صرم * كذاك شيخي كان قدما والحكم
قال: ثم حمل فقاتل، وحمل عليه شمعون بنفسه فطعنه طعنة منكرة، فرجع

122
محمد بن مروان إلى صفه وهو لما به. وتقدم محمد بن عبد العزيز وهو يرتجز
ويقول:
أنا ابن ذي الفضل الكريم الماجد * عبد العزيز القرم ذي المحامد
وفي يميني مرهف الحدائد * يخترم الروس مع القماحد
ثم حمل فقاتل ساعة ورجع مجروحا. قال: وترجل مسلمة بن عبد الملك
فنزل عن فرسه ونزل الناس معه، واختلط القوم فاقتتلوا قتالا شديدا، وصبر القوم
بعضهم لبعض، وصاح صائح من المسلمين: أيها الأمير! البشرى فقد قتل الله
شمعون. قال: فكبر مسلمة وكبر المسلمون معه، وإذا البطال قد أقبل وفي يده
رأس شمعون حتى ألقاه بين يدي مسلمة. قال: فعند [ذلك] وثب مسلمة واستوى
على فرسه واستوى الناس معه على خيولهم ثم حمل وحمل الناس معه، وانهزمت
الروم وولوا الادبار، وأذعنوا بالذل والصغار، وتسارع الناس إلى باب‌ عمورية
فدخلوها بالسيف عنوة، فقتلوا مقاتلتها وغنموا أمتعتها وأموالها. قال: وكانت غنائم
عمورية يومئذ تزيد على مائتي ألف مثقال من الذهب والفضة سوى الأمتعة والبغال
والحمير. قال: فأخرج مسلمة من ذلك الخمس ووجه به إلى أبيه عبد الملك بن
مروان (1)، وكتب إليه يخبره بفتح عمورية، وقسم باقي الغنائم في أصحابه.
قال: ثم سار مسلمة من عمورية يريد القفورية (2) وبين يديه رجل من
المسلمين وهو يقول أبياتا مطلعها:
أبلغ يديك وخير القول أصدقه * أما أبيت عميد الروم أليونا
إلى آخرها.
قال: وسار المسلمون حتى إذا أشرفوا على القفورية نظروا فإذا هم بنقفور
الأكبر قد خرج إليهم في زهاء سبعين ألف عنان سوى الرجالة. قال: وكان نقفور هذا
ختن ملك الروم على ابنة أخ له، فلما نظر إلى جيش المسلمين صاح بأصحابه أن
احملوا! ثم حمل وحمل معه أصحابه، وانكشف القوم من بين أيديهم كشفة قبيحة
وقد قتل منهم جماعة. قال: ونادى مسلمة في أصحابه بأعلى صوته: يا أهل



(1) كذا، وثمة اتفاق أن فتح عمورية كان سنة 89، والمعروف أن عبد الملك مات سنة 86 في منتصف
شوال.
(2) كذا ولم نجدها. ولعلها قمونية أو قمورية.
123
الشام! لا شام لكم، ويا أهل العراق! لا عراق لكم، ويا أهل مصر! لا مصر لكم
إن أنتم وليتم الادبار، اليوم يعلم الله منكم حسن الصبر واليقين. قال: ونادى
محمد بن مروان وقال: يا أهل الاسلام! أما تستحيون أن ينهزم أهل الدين والقرآن
من بين أيدي الكفرة وعبدة الصلبان! أما ترغبون فيما رغبكم فيه ربكم وأتاكم به
نبيكم النصر! والله ينصركم ويثبت أقدامكم.
قال: فعندها صدقت عزيمات المسلمين وتراجعوا إلى الروم، والتحم
القتال، وحمل نقفور وحده من بين أصحابه على مسلمة بن عبد الملك فضربه ضربة
على بيضته نكسه إلى الأرض، ثم صاح بالروم فحملوا على المسلمين حملة كادوا
أن يزيلهم عن مواقفهم غير أنهم ثبتوا للروم وأشرعوا الرماح في وجوههم ورشقوهم
بالسهام، ورجعت الروم إلى ورائها، ووثب مسلمة فاستوى على فرسه ثم نادى
بأعلى صوته: أيها الناس! إلي إلي! أنا مسلمة بن عبد الملك! يوجب الله لكم
الرضوان. قال: فاجتمع عليه الناس ثم تواصوا بالصبر، ووغط بعضهم بعضا،
وحملوا على الروم كحملة رجل واحد ووضعوا فيهم السيوف. قال: وكان نقفور أول
قتيل. قال: وعلمت الروم بقتل نقفور فولوا الادبار والسيف يأخذهم، حتى صارت
القتلى بينهم كالتلول بعضهم على بعض. قال: وسبق البطال بن عمرو وجماعة من
المسلمين إلى باب مدينة نقفور (1)، فهجموا على أهلها فقتلوا من قدروا عليه، وأقبل
مسلمة في جماعة من المسلمين حتى أحاطوا بالمدينة، فاجتمعوا عليها وغنموا ما
فيها. قال: وبلغت غنائم نقفورية (1) مائة وثمانين (2) ألف مثقال من الذهب والفضة
سوى الدواب والأمتعة والرقيق. قال: وعرض مسلمة أصحابه، فإذا قد قتل منهم
في نطوانة وعمورية والنقفورية ثمانمائة إنسان ما بين فارس وراجل. قال: فأخرج
مسلمة الخمس من تلك الغنائم فوجه بها إلى أبيه عبد الملك بن مروان (3)، وقسم
باقي ذلك على المسلمين.
ثم نادى بالرحيل وسار يريد السماوة الكبرى (4)، فأنشأ بعض المسلمين يقول



(1) كذا.
(2) الأصل: وثمانون.
(3) كذا، وانظر ما لا حظناه قريبا.
(4) السماوة: ماءة بالبادية، وهي بين الكوفة والشام.
ولم نعثر على اسم السماوة في بلاد الروم.
124
أبياتا مطلعها:
أي هذا الأمير عمرك الله * ولا زلت في الورى منصورا
إلى آخرها.
قال: وسار المسلمون نحو السماوة وبها يومئذ بطريق من البطارقة الرومية يقال
له إفريطون في ثمانين ألفا من الروم، وقد حصن السماوة قبل ذلك، ونصب على
سورها عشرين منجنيقا وثلاثين عرادة. قال: فنزل مسلمة والمسلمون على السماوة
ثم أمر بمجانيقه، فنصبت عليها من كل جانب، وترامى الفريقان رميا متداركا، ودام
الحرب بينهم أربعين يوما، لا يفترون من ذلك ليلا ولا نهارا.
فلما كان بعد ذلك أقبل بطريق من بطارقة الروم يقال له قرطس إلى مسلمة بن
عبد الملك حتى وقف بين يديه في جوف الليل فكفر له وقال: أيها الأمير! إن
السماوة حصن حصين، وفيها خلق كثير، وليس يتهيأ لك أن تفتحها إلا أن يفتح لك
من داخلها فتدخلها، وإن إفريطون هذا صاحب السماوة قد أساء إلي وغصبني على
ابنة لي فأخذها مني قهرا وقد عزمت على أن أفتح لك هذا الباب الذي هو مقابلك،
فإذا أصبحت فعبىء أصحابك واقترب من باب المدينة وألق الحرب بينك وبين
الروم، وقد أبطال عسكرك في يديك فإني فاتح لك هذا الباب الذي هو مقابلك،
قال فقال له مسلمة: إن أنت فعلت ذلك حملتك وكسوتك وبررتك بعشرين ألف
درهم وخلطتك بأصحابي. قال فقال له قرطس: أيها الأمير! إذا دخلت المدينة
فافعل من ذلك ما أحببت. قال: ثم رجع قرطس إلى المدينة.
فلما كن من غد عبى مسلمة أصحابه كما كان يعيبهم من قبل ذلك، ثم دنا من
باب المدينة وهي السماوة (1)، وبين يديه البطال بن عمرو في فرسان من أصحابه.
قال: ثم عطعطت الروم وكبر المسلمون، فاختلط الفريقان واشتبك الحرب على
باب المدينة، وفتح ذلك البطريق الباب، واقتحم المسلمون معه فجعلوا يقتلون
ويأسرون. قال: وفتح إفريطون بابا آخر من أبواب السماوة وخرج هاربا على وجهه
ومعه خلق كثير من أصحابه حتى صار إلى المدينة من مدن الروم يقال له
المسيحية. (2) قال: فضم المسلمون ما كان فبلغت غنائمها ألف ألف وثلاثمائة ألف



(1) كذا.
(2) كذا بالأصل ولم نجده.
125
مثقال من الغنائم والذهب والفضة والأمتعة والدواب والرقيق، فأخرج مسلمة من ذلك
الخمس ووجه به إلى أبيه عبد الملك بن مروان (1)، وقسم باقي ذلك على
المسلمين، فأنشأ بعض المسلمين يقول أبياتا مطلعها:
نحمد الله ذا المعارج والطو * ل وذا الكبرياء والسلطان
إلى آخرها.
قال: واقترب المسلمون من المسيحية، وبلغ ذلك إفريطون صاحب
السماوة، فنادى في جميع النصرانية فاجتمعوا إليه، فخرج بهم من المسيحية وبين
يديه بطريق يقال له شماس في ثلاثين ألفا وإفريطون من ورائه في أربعين ألفا. قال:
فدنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا قتالا شديدا، وحملت الروم بأجمعها على
عساكر المسلمين حملة فهزموهم حتى ألحقوهم بالسماوة وقد قتل منهم جماعة، ثم
رجع المسلمون عليهم فهزموهم حتى ألحقوهم بالمسيحية، واشتبك الحرب على
باب المسيحية. قال: وجعل شماس البطريق يحمل على المسلمين حملة بعد حملة
فيقتل ويرجع إلى أصحابه حتى قتل نفرا من المسلمين. قال: وحملت قبيلة من
الروم على الضحاك بن يزيد السلمي فقتلوه وقتلوا معه جماعة من المؤمنين، وتقدم
إفريطون صاحب السماوة في جمهور بطارقة الروم، فجعل يقاتل يكافئ المسلمين.
قال: وقصده محمد بن عبد العزيز على فرس له أصدى وهو يرتجز ويقول:
قد علم الروم ومن والاها * وكل علج أقلف ساواها
إني إذا الحرب خبت لظاها * ألقيت أخراها على أولاها
قال: واختلفا بطعنتين طعنه إفريطون طعنة قتله. قال: فاغتم المسلمون لقتل
محمد بن عبد العزيز غما شديدا، وتقدم البطال بن عمرو حتى وقف حذاء إفريطون
وهو يقول:
لابد من عرض ومن مقام * على مليك صمد منعام
فجاهدي يا نفس لا تلامي * بكل عضب ذكر حسام
ثم حمل البطال على إفريطون والتقيا بطعنتين طعنه البطال طعنة جدله قتيلا،
ثم نزل فاحتز رأسه ورفعه على رأس رمحه ثم كبر وكبر المسلمون معه. قال:



(1) كذا.
126
ونظرت الروم إلى رأس إفريطون وقد رفع فانكسروا لذلك انكسارا، وألقى الله تعالى
في قلوبهم الرعب فولوا الادبار وكبستهم خيل المسلمين وأخذتهم السيوف، فقتل
منهم خلق كثير، وانهزم الباقون على وجوههم وسلموا مدينة المسيحية بجميع ما
فيها، فدخلها المسلمون عنوة فقتلوا من قتلوا واحتووا على غنائمها، فبلغت غنيمة
المسيحية نيفا على مائتي ألف مثقال من الذهب والفضة سوى الأمتعة والدواب
والرقيق.
قال: وهجم عليهم الشتاء بالثلوج والأمطار والبرد الشديد، فأقام المسلمون
بالمسيحية تلك الشتوة وهي مدينة من مدن الروم حصينة عامرة كثيرة البساتين كثيرة
الخير، حتى إذا انحسر عنهم الشتاء زحفوا منها يريدون مدينة بدروق (1) وبها يومئذ
بطريق يقال له لبوس، وكان لبوس عظيم القدر عند ملك الروم، فلما بلغه مسير
المسلمين إلى ما قبله بعث إلى ملك الروم فخبره بذلك وسأله المدد، فأمده ملك
الروم بخمسين ألفا، واجتمع إليه أيضا نيف على ثلاثين ألفا، فصار لبوس في نيف
على ثمانين ألف فارس. قال: ودنا منهم المسلمون والقوم قد أعدوا على سور
المدينة المجانيق والعرادات. قال: فكبر المسلمون ثلاث تكبيرات، فامتلأت
قلوب الكفار رعبا وخوفا، وتقدم لبوس بطريق بدروق حتى وقف بين يديه وبين يدي
أصحابه عن يمينه صليب وعن يساره صليب.
قال: ونظر إليه البطال بن عمرو وقد انبرى من بين أصحابه فأقبل إلى
مسلمة بن عبد الملك فاستأذنه في الخروج إليه، فقال له مسلمة: أذنت لك، ولكن
انظر أين تضع رمحك! فقال البطال بن عمرو: كفيت أيها الأمير! ليس مثلي من
يحتاج إلى الوصية في مثل هذا الوقت. قال: ثم جعل البطال بن عمرو يرتجز
ويقول:
قل للأمير ذي الصيال مسلمه * وابن الكرام السادة المكرمة
ومقعص الابطال يوم الملحمه * إني أنا البطال جدي علقمة
كم ساعد وبيضة وجمجمه * طرحتها عند هياج الغمغمه
وأسمر رويته من غلصمه * وأنت محمود بكل مكرمه
قال: ثم رفع رأسه وخرج من الصف فجال جولة، ثم حمل على قلب الروم



(1) كذا، ولم نجدها.
127
وأمكنته الفرصة من لبوس فلم يكذب أن حمل عليه فضربه بسيفه ضربة فلق تاجه
وهامته، فخر لبوس قتيلا ينحط (1) في دمه. قال: وولت النصرانية من غير قتال
وأخذهم السيف، فقتل منهم مقتلة عظيمة، ومر الباقون على وجوههم لا يعرجون
على شيء حتى لحقوا بحر القسطنطينية. قال: واقتحم المسلمون على مدينة بدروق
فاحتووا على غنائمها فكانت أموالا كثيرة يجل وصفها عن شرحها. فأخرج مسلمة
منها الخمس فوجه به إلى عبد الملك بن مروان (2)، وقسم الباقي في المسلمين،
فأنشأ البطال بن عمرو يقول:
لقد علم الروم الأراجس أننا * قتلنا لدى الهيجاء منها رئيسها
تركنا لبوسا في القتام مجدلا * فقبح ربي ذو الجلال لبوسها
ونحن أبدنا في العجاج كماتهم * ونحن هزمنا جيشها وحميسها
ونحن إذا ما الحرب ثبت وأرهجت * نخوض لظاها عنوة ووطيسها
ونحن قسمنا فيئها ونساءها * ببدروق لما أن أثرنا شريسها
وكان لبوسا كهفها وعمادها * وكان لعمري ليثها وهموسها
وكانت له الابطال تسطو لأنه * إذا ناب أمر لم تجده حسيسها
وسوف تكر الخيل فينا شوازبا * عناجيج تبدي في الغبار جسيسها
نريد بها أليون (3) كيما نثيره * ونشفى لدى الحرب العوان نفوسها
قال: وسار المسلمون يريدون بحر القسطنطينية، حتى إذا دنوا من خليج
البحر لاحت لهم المدينة فنظروا إليها وإلى سورها، غير أنها في جزيرة وليس لها
طريق إلا من جانب واحد وقد أوقف أليون ملك الروم المقاتلة على ذلك الطريق لكيلا
يخلص أحد إلى الجزيرة.
قال: فجمع مسلمة من كان في يديه من الروم وأمرهم باتخاذ السفن وعزم على
العبور إلى القوم. قال: فأخذ القوم في اتخاذ السفن ففرغوا منها بعد ثلاثة أشهر،
ثم نادى مسلمة في الناس، فركبوا في السفن من دوابهم وأثقالهم ورفعت الشرع،
وسار القوم يريدون الجزيرة. وبلغ ذلك أليون ملك الروم فأمر بمراكبه، فحمل فيها



(1) الأصل: يتنحط.
(2) كذا.
(3) الأصل: (النون) خطأ. وقد صححناه في كل مواضع الخبر.
128
المقاتلة بالآلة والسلاح الشاك والنيران ونصاحات النفط. قال: فلم يشعر المسلمون
وهم يسيرون في ذلك الخليج إلا ومراكب الروم قد وافتهم في الآلة والسلاح والاعلام
والمطارد. قال: وكبر المسلمون وعطعطت الروم، ودنت المراكب بعضها من
بعض، وهبت الريح ونصحت الروم، فأشعلت النيران ورجعت على الروم فاحترقت
بعض مراكبهم. قال: وانكشفت المراكب الباقية بين أيدي المسلمين مفلولين حتى
صاروا إلى ساحل الخليج. قال: وسار مراكب المسلمين سيرا قاصدا حتى حطت
بساحة الجزيرة، فخرج المسلمون من المراكب وأخرجوا أثقالهم ودوابهم، فصاروا
مع الروم في جزيرتهم. قال: ومدينة القسطنطينية في وسط الجزيرة وسائر الجزيرة
لزروعهم ومواشيهم. قال: فجعل مسلمة يدور في الجزيرة مع جماعة من أصحابه
يطلب موضعا يبني فيه بناء له ولأصحابه، حتى إذا أصاب موضعا كما يريد أمر
الناس، فبنوا مدينة حذاء مدينة القسطنطينية وحصنوها وغلقوا عليها الأبواب،
وسموها مدينة القهر. قال: والروم في خلال ذلك يحاربون المسلمون ويطمعون
أنهم يمنعوهم من البنيان، والمسلمون يحاربونهم ويبنون، حتى إذا فرغوا من
المدينة نادى مسلمة في أصحابه فركبوا، ثم زحف بهم في خيله ورجله حتى دنا من
باب القسطنطينية. قال: وخرجت الروم في التعبية والآلة والسلاح، فاقتتل القوم
قتالا شديدا.
قال: وإذا ببطريق من بطارقة الروم يقال له بوقاس قد خرج من صف الروم،
فجعل يحمل على المسلمين فلا يلحق أحدا إ لا قتله. قال: فتحاماه الناس وخافوه
وكاعوا عنه لما يرون من بأسه وشدته، قال: ونظر إليه البطال بن عمرو فتهيأ للحملة
عليه ثم جعل يقول:
يا لك يوما ما رأينا قبله * فيما مضى من الحروب مثله
يوما عبوسا قد أرانا حمله * وقد أتى بوقاس يبدي جهله
هذا لأني قد أردت قتله * إن الجهاد قد عرفنا فضله
قال: ثم حمل عليه البطال فالتقيا بضربتين ضربه البطال ضربة جدله قتيلا. ثم
إنه حمل وحمل الناس معه، وولت الروم الادبار، فأخذهم السيف حتى ألحقوهم
بمدينتهم، ورجع المسلمون مظفرين حتى دخلوا مدينة النهر وقد غنموا دوابا وسلاحا
كثيرا وسلبا.

129
ثم أمر مسلمة أصحابه بالغرس فغرسوا الأشجار من الكروم وأنواع الفواكه،
وعزموا على المقام هنالك إقامة من لا يريد الرجوع إلى بلاد الاسلام أبدا. قال:
وليس من يوم إلا والحرب يقع بين المسلمين والكفار، فيقتل من الفريقين وينتصف
بعضهم من بعض، وكلما اجتمع عند مسلمة شيء من الغنائم يخرج منها الخمس
فيوجه به إلى أبيه عبد الملك‌ بن مروان ويقسم باقي ذلك في المسلمين.
وههنا تقع أخبار يزيد بن المهلب وما كان من أمره
ثم نرجع إلى أخبار قسطنطينية وانصراف المسلمين
عنها إن شاء الله تعالى
قال: فكان مسلمة بن عبد الملك مقيما بأرض الروم ويزيد بن المهلب يومئذ
بخراسان، وقد أحبه الناس حبا شديدا ومالوا إليه بالسمع والطاعة، حتى أنهم كانوا
لا يحلفون إلا بحياته مثلا، فأقام يزيد بذلك ما شاء الله أن يقيم، ثم إنه تغير على
بني عمه وغيرهم من أجناد خراسان، فجعل يبغضهم ولا يقبل فيهم وصية أبيه، حتى
أبغضه أهل خراسان وجعلوا ينظرون إليه بغير العين التي كانوا ينظرون بها إليه قبل
ذلك، ثم أنشأ منهم في ذلك يقول (1):
وما كنا نؤمل من أمير * كما كنا نؤمل من يزيد
فأخلف ظننا فيه وقدما * زهدنا في معاشرة الزهيد
إذا لم يعطنا نصفا أمير * مشينا نحوه مثل الأسود
ولا يرضى الدناءة غير نكس * قضيب الباع يرهب للوعيد
نجيء فلا نرى إلا صدودا * على أنا نسلم من بعيد
فنرجع خائبين بلا نوال (2) * فما بال التجهم (3) والصدود
فمهلا يا يزيد ومل إلينا * وذرنا من صنيعك بالعبيد



(1) هو نهار بن توسعة كما في الطبري 6 / 528 قال وكان يزيد قد أدنى أهل الشام وقوما من خراسان.
والابيات أيضا في الكامل لابن الأثير حوادث سنة 97.
(2) عن الطبري وبالأصل: سؤال.
(3) عن الطبري وبالأصل: التهجم.
130
ولا تظهر عداوتنا فإنا * نسل عليك صارمة الحديد
قال: وأقبل إليه ابن عم له يقال له ثابت بن كعب الأزدي، وكان من فرسان
أهل خراسان وشعرائهم، فقال: أصلح الله الأمير! إني أرى قومي من الأزد وغيرهم
من أجناد خراسان قد خشنت صدورهم عليك لما يرون من جفائك لهم، وقد كانوا
قبل اليوم متشوقين إلى ولايتك عليهم، فلا يكونن جزاؤهم منك الجفاء والعقوق، فإن
الأيام عوج رواجع وأنا لك ناصح - والسلام عليك -، ثم أنشأ يقول:
أبا خالد إن الأمور التي ترى * عوار فلا يبقى لشيء خلودها
ألم ترها تمضي بقوم أعزة * ذوي أسرة لم تغن عنها جنودها
وأسورة كانوا ملوكا فأصبحت * أحاديث شيء قد أرقت حدودها
وإنك في أمر العشيرة كلها * للابس أثواب العقوق جديدها
تهين ذوي الأحساب منهم وتصطفي * لئامهم إذ كان ذاك بعيدها
رأيت ذوي الأحساب عاصت حدودهم * لذاك وفات للئام حدودها
قال: فقال له يزيد بن المهلب: يا ثابت! فإني أعتبكم من كل ما كرهتم
وأكون لكم من الامر بحيث ما أحببتم إن شاء الله.
قال: وبلغ ذلك الحجاج بن يوسف فأحب أن يعزل يزيد بن المهلب عن
خراسان فلم يقدر عليه، وكان الحجاج قد أذل أهل العراق بأجمعهم من البصرة
والكوفة إلا يزيد بن المهلب وأهل بيته، فإنه لم يقدر عليهم حيلة واحدة لميل
عبد الملك إليهم، وأخرى لامتناعهم بخراسان. قال: فرأى الحجاج أن يتزوج
إليهم، فتزوج لأخت يزيد بن المهلب وكان لها مال وشرف وكمال، فزفت إليه من
البصرة إلى واسط العراق. قال: وبلغ ذلك يزيد بن المهلب فكأنه أحس بالشر من
قبل الحجاج. قال: وجعل الحجاج يكتب إليه ويأمره أن ينصرف من خراسان إلى ما
قبله، ويزيد يعتل عليه بحروب خراسان، حتى إذا كان في آخر خلافة عبد الملك بن
مروان (1) دعا الحجاج بالمفضل بن المهلب فولى الري وما والاه من البلاد. ثم كتب
إلى أخيه: إني وليت أخاك المفضل بن الري وقد أمرته أن يتسلم خراسان منك فيكون
خليفة لك بها إلى أن تنصرف إليها، فإذا ورد عليك كتابي هذا فسلم العمل إلى



(1) وكان ذلك في سنة 85.
131
أخيك المفضل واقدم إلي، فإني احتجت إلى مناظرتك في أمر مهم والحظ فيه لك -
والسلام -.
فلما ورد هذا الكتاب على يزيد دعا برجل من أجلاء عرب خراسان يقال له
حضين (1) بن المنذر الربعي، فقال: يا حضين (2)! إنه قد كثرت علي كتب الحجاج
يأمرني بالمصير إلى ما قبله، وهذا أخي المفضل قد نزل الري وقد أمرني الحجاج أن
أسلم إليه أمور خراسان، فهات ما عندك من الرأي، فقال له حضين بن المنذر: لا
والله أيها الأمير! ما أشير عليك بالمصير إلى الحجاج، لأني أخاف عليك الحبس
والغرم، ولعله أن يقتلك ولا يبالي، ولعله إنما ولى أخاك المفضل الري ونواحيها
مكيدة لك حتى تقع في يده، فاتق الله في نفسك وأقم بموضعك هذا فإنه خير لك،
واعتل على الحجاج بحروب الترك والسغد فإنه يكف عنك، فإن هو فعل وإلا فخرج
عليه وحاربه وتمسك بما في يدك من بلاد خراسان، فإنك إن حاربته أعانك الناس
عليه لبغضهم إياه وكراهتهم لولايته. قال فقال له يزيد: ويلك يا حضين! أما قولك
بأنه يحبسني ويغرمني فإني ما لا أشك في هذا، وأما أن يقدم علي بالقتل فما أظنه
يروم ذلك وأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان حي، لأنه قد علم بأني وأبي وأهل
بيتي من صنائع أمير المؤمنين، وبعد فإنا أهل بيت قد بورك لنا في الطاعة، فنحن
نكره القطيعة، وقد كان أبي أوصاني قبل ذلك وأوصى إخوتي أن لا نخرج أيدينا من
الطاعة ولا نفارق الجماعة (3)، ولابد لي من المصير إلى الحجاج على أي
الأحوال. قال: ثم تجهز يزيد بن المهلب وخرج من بلاد خراسان في غلمانه ومواليه
وبني عمه، وسار يريد العراق حتى صار إلى الري ونزلها، فقدم أخوه المفضل إلى
خراسان (4).
قال: وبلغ الحجاج أن يزيد بن المهلب قد صار [فدعا قتيبة بن مسلم] (5)
فعقد له عقدا وضم إليه جيشا وولاه خراسان، وقال له: سر وانزل همدان ولا تعلم



(1) عن الطبري 6 / 395 وبالأصل: حصين.
(2) بالأصل: (حصين) وقد صحح في كل مواضع الخبر.
(3) انظر - فيما سبق - وصية المهلب لأولاده قبيل موته.
(4) في الطبري إشارة إلى تأخر يزيد بن المهلب بتلبية نداء الحجاج له، وإلى أن خلافا وقع بين يزيد وأخيه
المفضل الذي عينه الحجاج، وكان رأي يزيد أن الحجاج سيعزل المفضل بمجرد خروج يزيد عنها،
وهذا ما حصل. (6 / 395).
(5) زيادة لاستقامة المعنى.
132
أحدا أنك متوجه إلى خراسان، ولكن ألق الخبر إلى الناس أنك على عمل الماهين،
فإذا علمت أن يزيد بن المهلب قد توجه إلى ما قبلي فسر أنت إلى خراسان وخذ
المفضل بن المهلب ومن قدرت عليه من آل المهلب واحملهم إلي، وانزل خراسان
فجاهد الكفار الذين بها من الترك والسغد والرقس (1)، وكن بها إلى أن يأتيك أمري
إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. قال: فخرج قتيبة بن مسلم حتى نزل همدان، ورحل
يزيد بن المهلب من الري فصار إلى همدان وبها قتيبة بن مسلم، [فخرج] من
همدان حتى وافى الري، وصار يزيد بن المهلب إلى حلوان ونزل الموت
بعبد الملك بن مروان.
ذكر موت عبد الملك بن مروان ووصيته
عند موته إلى أولاده
قال: فلما نزل الموت بعبد الملك بن مروان دعا بأولاده وجلسائه فأجلسهم
بين يديه ثم قال: يا بني! أوصيكم بتقوى الله، فإن التقوى أزين حلية وأحسن
حلة (2)، ليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير منكم حق الكبير،
وإياكم والاختلاف والفرقة! فإن بهما هلك الملوك الماضين وذوي (3) العز
المتكبرين، وانظروا ابني مسلمة حفظه الله إذا قدم من أرض الروم، فاعرفوا له حق
الجهاد في سبيل الله، وكذلك فاعرفوا لأخي محمد بن مروان حقه وسنه، وأكرموا
الحجاج بن يوسف فإنه وطأ لكم البلاد، وأذل لكم العباد، وعقد لكم القناطر،
وداس لكم رقاب العرب، وكفاكم المؤن وشدة الفتن، وانظروا يا بني أن تكونوا بني
أم برة، لا تدب العقارب بينكم، وكونوا في الحرب أعوانا وعلى المعروف إخوانا،
وضعوا ذخائركم عند ذوي الميراث منكم، فإنها أصون لأحسابكم، واشكروا لما
يسدى إليكم، وكونوا ذوي حلاوة في مرارة، ولين في شدة، ألا! وإني قد
استخلفت عليكم ابني الوليد من بعدي، فاسمعوا وأطيعوا، وإذا هلك فابني



(1) كذا ولم نقف عليها.
(2) في الكامل لابن الأثير 3 / 181 (وأحصن كهف) وفي مروج الذهب 3 / 197 فإنها عصمة باقية وجنة
واقية فالتقوى خير زاد وأفضل في المعاد وهي أحصن كهف.
(3) بالأصل: ذو.
133
سليمان، فإذا هلك فاختاروا من شئتم وأحببتم من أولادي أو من خيار بني أمية (1)،
ثم أنشأ يقول (2):
انفوا الضغائن والتخاذل بينكم * في الغائبين وفي الحضور الشهد (3)
بصلاح ذات البين طول بقائكم * إن مد في عمري وإن لم يمدد
حتى تلين قلوبكم وجلودكم * لمسود منكم وغير مسود
فلمثل ريب الدهر ألف بينكم * بتواصل وتراحم وتودد
وتكون أيديكم معا في أمركم * ليس اليدان في التعاون كاليد
لا تقطعوا أرحامكم فتفرقوا * ليس الجميع كواحد متفرد
إن القداح إذا جمعن فرامها * بالكسر ذو حنق وبطش أيد
عزت فلم توهن وإن هي بددت * فالوهن والتضييع للمتبدد
قال: فأجابه الوليد وهو يقول:
إني لما أوصيتنيه لحافظ * أرعاه غير مقصر في المحتد
وأكون للأعداء سما ناقعا * ولذي القرابة كالحميد الأيد
ولكل إخواني وجل عشيرتي * أرعى المغيب في حفظهم في المشهد
وأقوم بعدك في الرعية بالذي * أوصيتني بهم بحسن تودد
قال: فقال له عبد الملك: أحسنت يا بني! وأرجو أن تكون عند ظني بك،
فانظر يا بني من مال عنك برأسه هكذا فكن كما قال حسان بن ثابت:
بنو الحرب لا نعيى بشيء نريده * ولا نحن مما يحدث الدهر نجزع
لنا ميت في كل يوم فلا نرى * لنا مقلة في سالف الدهر تدمع
قال: ثم جعل عبد الملك بن مروان يردد هذا البيت وهو يقول:
فهل من خالد إن نحن متنا * وهل بالموت للاحياء عار (4)



(1) انظر الكامل لابن الأثير 3 / 181 ومروج الذهب 3 / 181 والاخبار الطوال ص 325.
(2) الأبيات في مروج الذهب 3 / 203.
(3) البيت في مروج الذهب:
اتقوا الضغائن عنكم وعليكم * عند المغيب وفي حضور المشهد
(4) روايته في البداية والنهاية 9 / 82:
134
قال: ثم رفع صوته وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن
محمدا عبده ورسوله! وفارق الدنيا، فكانت خلافته ثلاث عشرة سنة وستة أشهر -
والله أعلم - (1).
قال: وصار الامر من بعده إلى ابنه الوليد، وبلغ ذلك يزيد بن المهلب فاغتم
غما شديدا وعلم أن الحجاج قد خدعه وأخرجه من خراسان وولى قتيبة بن مسلم،
فجعل يقول لمن معه: إن الحجاج بن يوسف لم يكن ليقدم علينا بسوء وأمير
المؤمنين حي، والوليد لا يعرف حقنا ما كان أبوه يعرفه لنا من قبل.
قال: وبلغ المفضل (2) بن المهلب أن قتيبة بن مسلم قد ولي خراسان فكأنه
أتقى على نفسه أمرا من الأمور، فخرج عن خراسان هاربا حتى لحق بالبصرة فنزلها
عند أخيه مروان بن المهلب.
قال: وسار يزيد بن المهلب نحو العراق وهو في ذلك مغموم لا يدري كيف
يقع من الحجاج، حتى إذا تقارب من أرض واسط أمر الحجاج باستقباله، فاستقبله
الناس بالكرامة والبر حتى دخل على الحجاج فأكرمه وبره وأنزله وخلع عليه، فكان
يزيد يغدو على الحجاج ويروح والحجاج لا يسأله عن شيء.
ذكر دخول قتيبة إلى خراسان أميرا عليها
ثم نرجع إلى خبر يزيد بن المهلب
قال: ودخل قتيبة بن مسلم بلاد خراسان فنزل مدينة مرو، فلم يكن بخراسان
قيسي إلا استبشر بولايته ولا يماني إلا كره ذلك. قال: وجعل قتيبة يأخذ كل من كان
يهوى إلى المهلب يحبسهم ويعذبهم ويطلب منهم الأموال ظلما وعدوانا، فأنشأ
رجل من أهل خراسان يقول:
أبا خالد ضاعت خراسان بعدكم * وذال ذوو الحاجات أين يزيد
فلا مطر المروان بعدك قطرة * ولا اخضر فيها بعد عزلك عود



(1) = فهل من خالد إما هلكنا * وهل بالموت للباقين غار
(1) انظر في مقدار خلافته وعمره ويوم موته الطبري 6 / 418 البداية والنهاية 9 / 83 مروج الذهب
3 / 109.
(2) الأصل: الفضل.
135
ينقص من دهري عظيم فقصرت * لنا في الأمور النائبات حدود
شددت لها أزري وأيقنت أنها * جدود علت من فوقهن جدود
لعل الذي ولى وكان ربيعنا * ترده أيامه فيعود
قال: وكان الفرزدق بن غالب أيضا ممن يكره ولاية قتيبة بن مسلم وهو الذي
يقول:
بكت جزعا مروا خراسان إن رأت * بها باهليا بعد آل المهلب
تبدلت الحول القصار أنوفها * بكل فنيق (1) يحمل السيف أغلب
أغر كأن البدر تحت ثيابه * نجيب إلى الام النجيبة والأب
فوارس ضرابون والخيل تلتقي * عليها غبيط من دم متصبب
وقال أيضا نهار بن توسعة الشاعر في ذلك:
كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها * وكل باب من الخيرات مفتوح
فبدلت بعده قردا يطيف به * كأنما وجهه بالخل منضوح
قال: فلما استقر قتيبة بن مسلم بخراسان أقبل رجل من عبد القيس يقال له
تمامة بن القعقاع حتى دخل على قتيبة فقال: أصلح الأمير! أتأذن لي في الكلام
وأنا آمن؟ قال قتيبة: ومن أنت؟ قال، أنا رجل من ربيعة من عبد القيس وأنا أحد
بني لكيز، فقال: قل ما تشاء وأنت آمن، فأنشأ العبقسي يقول:
تعلم أبا حفص بأنا رعية * وأنك راع فانظرن كيف تصنع
وإنا أناس أهل فخر ونجدة * على حدثان الدهر لا نتضعضع
وأنت أمير والأمير مسلط * يضر إذا ما شاء يوما وينفع
فإن لعبد القيس جأواء فحمة * ترى الموت في حافاتها الدهر يلمع
وفتيان صدق من لكيز كأنهم * أسود فمنها (2) حاسر ومقنع
إذا الملك الجبار لم يعط حقهم * مشى نحوه منهم همام سميدع
فحلله عطبا إذا مس أعظما * يرى وحواليه ذئاب وأضبع
إذا الذئب ولى عامرا عاد شلوه * جامع تستهوى إليه وتجمع



(1) الأصل: فسق.
(2) الأصل: منها.
136
فإن تعطنا نصفا وتكرم سراتنا * تجدنا إلى ما شئت نسعى ونخضع
ويأتيك منا عصبة عبقسية * لباسهم ما حاك كسرى وتبع
هم يردون الموت دونك محسرا * رماحهم دون الأعادي شرع
وقد علمت قيس بن غيلان أننا * كرام يمانا ومع الرب أروع
أبونا الذي لم يعط يوما دنية * ومات ‌وريب الدهر بالناس بجمع
قال: فقال له قتيبة: أفرغت من شعرك؟ قال: نعم أصلح الله الأمير! فقال:
أما والله لولا ما أعطيتكم من الأمان لأخرجت لسانك من قفاك! أخرج من بين يدي
عليك لعنة الله وعلى من جرأك على مثل هذا الكلام. ثم قال قتيبة: يا أهل
خراسان! احذروا أن يصيبكم مني فاقرة فإنه ليس بعد السوط إلا السيف. قال:
فتقدم إليه رجل من رؤساء أهل خراسان وشعرائها يقال له حنظلة بن عرادة التميمي
فأنشأ يقول:
أتيت خراسان ابن عمرو وأهلها * حيارى ونار بينهم تتحرق
فأطفأتها والعدل منك سجية * وأنت لعمري للسداد موفق
فمرنا أبا حفص بما شئت إننا * إلى كل ما تهوى نخب ونسبق
فأنت لنا راع ونحن رعية * وكفاك بالاحسان فينا تدفق
فلا تأخذنا يا قتيبة بما مضى * من الجهل إن الحر يعفو ويرفق
قال: فسكن غضب قتيبة وأمر لقائل هذه الأبيات بجائزة، وقر قراره بمدينة مرو
مجاهدا للترك والسغد والبرقس (1).
رجعنا إلى خبر يزيد بن المهلب والحجاج بن يوسف
قال: ثم دعا الحجاج بيزيد بن المهلب فطالبه بأموال خراسان وأخرج عليه أشياء
لم يكن يزيد يعرفها حتى طالبه بسبعة آلاف ألف درهم، فأنكر يزيد ذلك، فدعا له
الحجاج بالدهق فوضع على ساقيه، فلما مسه ألم الدهق رفع صوته فصاح،
وسمعت أخته هند (2) صوت أخيها فصاحت ورفعت صوتها بالصراخ، ووثب الحجاج
فدخل إليها فقال: تصيحين: يا هند وترفعين صوتك بالصراخ وأخوك قد كسر أموال



(1) كذا، وقد مر قريبا: الرقس، ولم نعثر عليهما.
(2) كان الحجاج قد تزوج أخت يزيد بن المهلب هند، وقد مر هذا قريبا.
137
خراسان على أمير المؤمنين! أنت طاق إن صحت بعدها، قال: فرفعت صوتها
صائحة، فقال الحجاج: وأنت طاق إن صحت بعدها! فرفعت لا والله أو ثلاث!
فطلقها ثلاثا فبانت منه، ثم ندم بعد ذلك أشد الندامة وأمر بيزيد إلى السجن وضيق
عليه وجعل يستأديه الشيء حتى استأداه أربعة آلاف ألف درهم وبقيت
عليه ثلاثة آلاف ألف (1)، ولم يقدر يزيد على أن يؤدي لك، وأيس الحجاج أن
يستأديه أكثر من ذلك.
ذكر هرب يزيد من السجن إلى بلاد الشام واتصاله
بسليمان بن عبد الملك
قال: وكان يزيد بن المهلب مكرما للسجان وجميع من في السجن، وكان له
مع ذلك طباخ وموائد منصوبة، فلم يزل كذلك حتى استمال قلوب أهل السجن، ثم
إنه كتب إلى أخيه مروان بن المهلب ومن بالبصرة من إخوته وأهل بيته ومواليه فأمرهم
أن يكونوا على أهبة الهرب. قال: ثم إنه كان يدعو بالسجان في كل وقت فيبره
ويخلع عليه ويعده من نفسه بالجميل، والسجان يجيبه إلى ذلك ويمايله حتى بذل له
يزيد ألف دينار على أن يعمل في خلاصه، فأجابه السجان إلى ذلك، ثم إنه وعده
أن يهرب معه في ليلة كذا وكذا (2). فلما كانت تلك الليلة قعد السجان على باب
السجن، ثم بعث إلى منزله فأتى بشراب فجعل يشرب ويسقي أعوانه ومن يلوذ به
حتى أسكرهم ومضى من الليل بعضه، ثم بعث إلى يزيد بن المهلب أن قم فهذا
وقتك، قال: فوثب يزيد ثم دعا بثياب طباخه فلبسها وغطى رأسه (3) وخرج من باب
السجن ولم يمنعه مانع، فلما مر على السجان وأعوانه نظروا إليه فقالوا للسبحان: ما
أشبه مشية هذا بمشية يزيد بن المهلب، فضحك السجان ثم قال: أخطأتم، هذا
طباخ يزيد بن المهلب.
قال: ومضى يزيد بن المهلب حتى صار إلى شاطئ دجلة، وذلك في جوف
الليل، لم يعرف ذلك الزورق من كثرة الزوارق، قال: وإذا بالسجان قد انسل من
بين أصحابه وأقبل إلى شاطئ الدجلة فنظر إلى يزيد هنالك قائما فأخذ بيده وأقبل،



(1) في الطبري 6 / 448 أغرمه ستة آلاف ألف.
(2) انظر رواية هربه في الطبري 6 / 449 وابن الأثير 3 / 199.
(3) في الطبري: ووضع على لحيته لحية بيضاء.
138
حتى قعدا جميعا في الزورق، ثم قال السجان للملاح: ادفع ولا تقف، فدفع
الملاح زورقه وذلك في أوان المد وزيادة الماء، فلم يصبح القوم إلا وهم على
البطائح (1)، فعدا لهم الملاح عن البطائح حتى خرج بهم إلى الشط. ثم دعا يزيد
برجلين من تلك الناحية وكتب معهما كتابا إلى البصرة إلى إخوته وبني عمه ومواليه
وأمرهم أن يلحقوا به، قال: وأقبلت إليه الخيل حتى وافته في موضعه ذلك (2).
قال: فركب يزيد وركب معه إخوته وبنو عمه ومواليه وركب معه السجان أيضا، وسار
في جميع من معه يؤم الشام وقد أمن الحجاج.
قال: وأصبح الحجاج فاتصل به الخبر، وطلب السجان فلم يقدر عليه
وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وخاف أن يكون قد رجع إلى خراسان، فكتب إلى
قتيبة بن مسلم أن كن على حذر فإن يزيد بن المهلب قد هرب من سجني ولا أدري
أين توجه وأخاف أن يفسد عليك خراسان إن دخلها. قال: ومر يزيد ومن معه يؤم
أرض الشام وهو لا يعرف الطريق. قال: فبينا هو كذلك إذ مر برجل من العرب
راكب فرس له قد عارضه، فلما نظر إليه يزيد أمره بالوقوف، فقال له يزيد: ممن
الرجل؟ قال: رجل من اليمن، قال: حياك وقربك! من أين أنت؟ قال: من أهل
هذا البلد، قال: وأين لك الأهل؟ قال: في حي كذا وكذا، قال: وتخبر الطريق
إلى أرض الشام؟ قال: أنا من أخبر الناس بالطريق، قال: فما اسمك؟ قال:
عبد الرحمن بن عاصم (3)، قال: يا عبد الرحمن! هل لك أن تكون دليلا إلى أرض
الشام إلى أرض فلسطين، ولك عشرة آلاف درهم، وأحملك وأخلع عليك؟ فقال:
من أنت؟ قال: أنا رجل ما شددت إزاري منذ عقلت العقل إلا وأنا أمير وأخو أمير،
وربما كنت أسيرا، قال فقال له الرجل: فأنت إذا يزيد بن المهلب! قال: أنا
يزيد بن المهلب، وإنما هربت من سجن الحجاج أريد ابن عم لي بأرض فلسطين
يقال له زهرة (4) بن عبد الرحمن الأزدي وأحببت بأن أكون في‌ ناحية ويكون هو الذي
يأخذ لي الأمان من القوم، فقال عبد الرحمن بن عاصم هذا: أيها الأمير! فأنا أوردك
إلى أرض فلسطين من موضعك هذا في سبع ليال، أسير بك ليلا وأنزل بك نهارا.



(1) وكان بينهم وبين البصرة ثمانية عشر فرسخا.
(2) في الطبري في موقع يقال له (موقوع) وهو ماء بناحية البصرة.
(3) في الطبري 6 / 449 عبد الجبار بن يزيد بن الربعة، من كلب.
(4) في الطبري: (وهيب) وكان كريما على سليمان.
139
قال يزيد: الله أكبر فسر بنا، قال: فسار الدليل بين يدي يزيد فكان يسير به ليلا
وينزل به نهارا، ولا يصبح به إلا على ماء من مياه العرب، حتى إذا تقارب من أرض
الشام ونظر إلى قصور الشام [و] فلسطين أدركهم الماء ذات ليلة ساروا وهم لا يشكون
أنهم يصبحون في الموضع الذي يريدونه، حتى كان قبيل الصبح صاح يزيد
بالدليل: ويحك يا عبد الرحمن! إني أرى النعاس قد غلبنا فكم بيننا وبين الموضع؟
قال: ثلاثة أميال، قال: فانزل بنا حتى نرقد في ليلتنا هذه فقد أضر بي السهر!
قال: فعدل به الدليل إلى قصر هنالك في البرية فأنزله قريبا من باب القصر، فنزل
يزيد ونزل من كان معه، ونام القوم فلم ينتبهوا إلا والشمس على ظهورهم، فاستيقظ
القوم وعلموا أنه قد فاتهم الصلاة فنظروا إلى ساقية هنالك فتوضأوا منه وصلوا،
وأشرفت امرأة من القصر ومعها جارية لها مملوكة فنظرت الجارية إلى يزيد بن المهلب
فقالت لمولاتها: ما أشبه هذا الرجل بيزيد بن المهلب! فقالت لها مولاتها:
أو تعرفين يزيد بن المهلب؟ فقالت: وكيف لا أعرفه وقد كنت لبعض مواليه. قال: فرفع
يزيد رأسه إليها وهو متلثم، قال: أيتها الجارية! ما اسمك؟ قالت: فلانة، قال:
فلمن هذا القصر؟ قالت: هذا قصر زينب بنت يوسف أخت الحجاج امرأة أبي عقيل
الثقفي، فقال يزيد: إنا لله وإنا إليه راجعون! ما يفارقنا الحجاج حيث ما ذهبنا، ثم
قال للدليل: ارحل بنا ويحك! قال: فرحل القوم حتى دخلوا أرض فلسطين.
ثم صار يزيد إلى زهرة (1) بن عبد الرحمن الأزدي، فنزل عليه وحدثه بقصته
مع الحجاج وقال: أسألك أن تسير الان إلى سليمان بن عبد الملك بن مروان فتأخذ
لي منه الأمان حتى أكون في ناحيته، فلا يقدم على أمير المؤمنين، ولا أخاف صولة
الحجاج. قال: فركب زهرة بن عبد الرحمن إلى سليمان بن عبد الملك بن مروان
فخبره بقصة يزيد وسأله أن يكون في‌ ناحيته حتى يأخذ له الأمان من الوليد بن
عبد الملك. قال: فآمنه سليمان، فصار إليه يزيد فقربه وأدناه وخلع عليه وأقام عنده
مدة مديدة.
وبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى الوليد بن عبد الملك كتابا: أما بعد يا أمير
المؤمنين فإن يزيد بن المهلب قد كان تغلب على بلاد خراسان فجبى أموالها، وأني
بعثت إليه فأشخصته إلى ما قبلي فطالبته بسبعة آلاف ألف درهم، فأنكر ذلك



(1) في الطبري: وهيب.
140
فحبسته، وأنه هرب من سجني وصار إلى أرض الشام، ثم إنه قد اتصل الان بأخي
أمير المؤمنين وولي العهد سليمان بن عبد الملك، وأمير المؤمنين أعلى عينا -
والسلام -.
قال: فلما ورد كتاب الحجاج على الوليد بن عبد الملك كتب إلى أخيه
سليمان بذلك، فكتب إليه: أما بعد يا أمير المؤمنين إنما أجرت يزيد بن المهلب لأنه
وأباه وإخوته من صنعائنا قديما وحديثا، ولم أجر عدوا لأمير المؤمنين، وقد كان
الحجاج عذبه في حبسه وأرهقه وأغرمه أربعة آلاف ألف درهم ظلما وعدوانا، ثم
طالبه بعد ذلك بثلاثة آلاف ألف درهم، وقد صار هذا الرجل إلي مستجيرا فأجرته،
وأنا أغرم عنه هذه الثلاثة آلاف ألف درهم، فإن رأى أمير المؤمنين أيده الله أن (1) لا
يخزيني في ضيفي فعل منعما إن شاء الله.
قال: فكتب إليه الوليد أنه لابد من أن توجه به إلي! قال: فعاوده سليمان في
ذلك، فأبى الوليد ذلك وقال: والله لتوجهن به إلي مكبلا مغلولا. فلما ورد الكتاب
على سليمان بن عبد الملك دعا بابنه أيوب فقيده، ثم دعا بيزيد فقيده، ثم شد يد
هذا مع هذا بسلسلة وغلهما جميعا بغلين وحملهما إلى الوليد بن عبد الملك وكتب
إليه: أما بعد يا أمير المؤمنين فإني قد وجهت إليك بيزيد بن المهلب فابدأ بأيوب من
قبله ثم اجعل يزيد ثانيا واجعلني إذا شئت ثالثا - والسلام - (2). قال: فلما دخل
يزيد بن المهلب وأيوب بن سليمان في سلسلة مع يزيد استحيى لذلك ثم قال: قد
أسأنا إلى أبي أيوب إذ بلغنا به هذا المبلغ. قال: وذهب يزيد بن المهلب ليتكلم
ويحتج عن نفسه فقال له الوليد: اسكت فقد قبلنا عذرك وعرفنا ظلم الحجاج. ثم
قال: يا غلام! علي بالحداد، فدعا بالحداد وأطلق عنهما جميعا ووصل أيوب بن
سليمان بثلاثين ألف درهم وردهما إلى سليمان. ثم كتب إلى الحجاج: أما بعد فإنه
لا سبيل لك على يزيد بن المهلب، فانظر لا تعاودني بعد هذا اليوم - والسلام -.
قال: فصار يزيد بن المهلب، عند سليمان بن عبد الملك بن مروان في أفضل
المراتب وأعلى المنازل.



(1) الطبري 6 / 451 فأنشدك الله أن تفضحني ولا أن تخفرني.
(2) نص كتاب سليمان إلى الوليد في الطبري 6 / 451 - 452.
141
ثم رجعنا إلى خبر قتيبة بن مسلم وسنرجع
إلى خبر يزيد بعد إن شاء الله تعالى
قال: واستولى قتيبة على خراسان ودان له الناس بالسمع والطاعة، فلم يكن
بخراسان أحد يتقى من ناحيته إلا رجلان: أحدهما يقال له نيزك (1) البرقشي، وكان
تركيا غير أنه أسلم على يدي بعض ولاة خراسان وكان مع ذلك شريرا غدارا، والاخر
عثمان بن مسعود التميمي، وكان أيضا شريرا قتالا وكان متزوجا إلى الترك، وهو
الذي قتل موسى بن عبد الله بن خازم السلمي من قبل. قال: فاتقى قتيبة بن مسلم
من هذين الرجلين، غير أن نيزك (1) البرقشي قدم على قتيبة فصالحه (2) عن أرضه
وبلاده وصار معه وناصحه، وأما عثمان بن مسعود فكأنه تأبى على قتيبة أن يصير
إليه. قال: وجعل قتيبة يكتب إليه ويلطفه في كتبه ويختدعه بالهدايا، فلم يزل
كذلك حتى صار إليه فقربه قتيبة وأدنى مجلسه وألطفه. قال: ودخل المجشر (3) بن
مزاحم السلمي على قتيبة مسلما، فنظر إلى عثمان بن مسعود جالسا عن يمينه،
فأحب أن يحرضه عليه فقال: أبا عمرو! وما فعل موسى بن عبد الله بن خازم
السلمي؟ فقال عثمان: أعن ابن عمتك تسألني؟ فقال: نعم، عنه أسألك، قال:
استودعته نهر بلخ، وأيم الله لو كنت حاضرا في ذلك الوقت لألحقتك به! قال:
فعلم قتيبة بن مسلم أن الرجل قتال سفاك للدماء، فقال له: أبا عمرو! إن الأمير
الحجاج بن يوسف قد كتب إلي فيك يأمرني بإزعاجك إلى ما قبله، فسر إليه فإنه قد
علم حسن بلائك وما كان من نكايتك في العدو، فإنه يحب أن يراك ويكافئك على
ذلك وبلغ بك ما أنت أهله في طاعتك وأثرك. فقال له ابن مسعود: نعم أيها الأمير!
ولكني انصرف فأتأهب لذلك، فقال قتيبة: وذاك لك. قال فقال المجشر (4) بن
مزاحم: أيها الأمير! إن صار إلى منزله لم يرجع إليك أبدا، ولم تره إلا في الخيل
والكتائب، فإن بني تميم يحمونه، وله في الناس صنائع ليس لاحد مثلها، فقال له
قتيبة بن مسلم: وما هذه الصنائع التي له عند الناس؟ قال: فوثب عثمان بن مسعود
وخرج فلم يحب أن يسمع ذلك، فقال قتيبة: ويحك! فما هذه الصنائع؟ فإنه قد



(1) عن الطبري 6 / 428 وبالأصل تيرل. وفي الطبري: نيزك طرخان.
(2) وكان ذلك في سنة 87 ه‍.
(3) عن الطبري 6 / 472 وفي نسخة المجسر. وبالأصل المحسن.
(4) الأصل: المحسن.
142
وثب ولم يحب أن يسمعها، فقال من حضر: أيها الأمير! إنه أهديت إليه جارية
حسناء وعنده قوم من بني عمه فأراد أن يدفعها إلى رجل منهم ثم قال: إن هذا لقبيح
أن أدفعها لرجل وأترك الباقين! وكانوا ثمانين إنسانا فأمر لكل واحد منهم بجارية
ووصيف، وله مثل ذلك كثير في الناس أيها الأمير! قال: فقال قتيبة: ردوه، فلما
ردوه إلى قتيبة أمر به فقيد، ثم حمله على البريد ووجه به إلى الحجاج وكتب إليه:
أيها الأمير! اكفني عثمان بن مسعود أضبط لك خراسان إن شاء الله ولا قوة إلا بالله
العلي العظيم. قال: وأدخل عثمان بن مسعود على الحجاج فنظر إلى رجل بهي
جميل تام من الرجال، فتأمله الحجاج ساعة ثم أمر به فقيد بقيد ثقيل، ثم دعا به بعد
ذلك بأيام فدخل على الحجاج وهو يحجل في قيده وذلك كأن ليس في رجله شيء،
فقال له الحجاج: ارتفع! قال: فطفر [ابن] مسعود طفرة بقيده فاستوى مع الحجاج
على سريره، فقال الحجاج: ما كنت أظن أن أحدا يقدر هذا، فقال عثمان: أيها
الأمير! إن السلاح أثقل من هذا القيد وأنا أثب على الفرس ومعي سلاحي، فقال
الحجاج: إني لم آمرك أن ترتفع معي على سريري، إنما أمرتك أن ترتفع في
المجلس، ثم أمر به الحجاج إلى السجن ثانية وأمر أن يزاد في حديد. قال: ثم
جعل يستأديه (1) حتى أخذ منه مالا عظيما، ثم لا يدري ما فعل به الحجاج بعد
ذلك - والله أعلم -.
ذكر مغازي قتيبة بن مسلم بخراسان
قال: وعزم قتيبة على الغزو، فقام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم
قال (2): أيها الناس! إن الله عز وجل وإنما أحلكم هذا المحل ليعزبكم دينه ولتذبوا
عن حرمات المسلمين، وقد أمركم بالصبر ووعدكم النصر، ووعد المجاهدين منكم
في سبيله أفضل الثواب وأعظم الذخر، فتنجزوا موعد (3) ربكم ووطنوا أنفسكم على
مضض الألم، وإياكم والهوينا والفشل - والسلام -. قال: فاستخلف على مدينة
مرو (4) وخرج يريد بخارستان، حتى إذا صار بالطالقان (5) أقبل إليه دهاقين بلخ فعبروا



(1) بالأصل: يستأدنه.
(2) الطبري 6 / 424.
(3) الطبري: موعود ربكم.
(4) الطبري: استخلف بمرو على حربها إياس بن عبد الله بن عمرو وعلى الخراج عثمان بن السعدي.
(5) عن الطبري 6 / 428 وبالأصل: بالطقان.
143
معه النهر، ثم سار قتيبة بن مسلم في عسكر لجب حتى صار إلى بخارستان فنزل
عليها، وخرج إليه ملكها فصالحه وأعطاه الرضى وأخذ منه قتيبة الرهائن.
ثم سار يريد بيكند (1) مدينة من أداني بخارا وبها يومئذ خلق كثير من الترك
والسغد والبرقس (2). قال: فسار إليهم قتيبة حتى نزل بساحتهم ونظر إلى
عساكرهم، فلما أصبح وثب فعبى أصحابه ميامن ومياسر وقلبا وجناحا وكمينا، ثم
زحف بهم إلى الكفار.
قال: وقد كان قتيبة وجه إلى الكفار بجاسوس يقال له تنذر (3) ليأتيه بأخبارهم،
قال: وعلمت به الترك فأخذوه وأتوا به إلى ملكهم خاقان، فقالوا: أيها الملك! هذا
رجل منا وهو عين لقتيبة بن مسلم علينا فمرنا فيه بأمرك، قال فقال له خاقان: ويحك
يا تنذر! أنت رجل منا فما الذي يحملك على أن تكون عينا لقتيبة علينا؟ فقال تنذر:
أيها الملك! إن الرجل لمحسن إلي جدا، ولكن لك علي أن أرده عنك مع جيشه
هذا الذي أتاك به، قال فقال له خاقان: إن فعلت ذلك يا تنذر فلك عندي عشرة
آلاف درهم وغلام وجارية، وإن أنت مضيت ولم تفعل ذلك ثم وقعت في يدي
ضربت ‌عنقك؟ قال تنذر: كفيت أيها الملك! ذرني وقتيبة. قال: ثم رجع تنذر إلى
قتيبة فتقدم إليه سرا من أصحابه فقال له: أيها الأمير! إنه قد غرك الحجاج وألقاك
إلى التهلكة، وهذا عامل يقدم عليك من قبل الوليد بن عبد الملك، فلا تحارب
هؤلاء القوم في يومك هذا فإنك لا تدري كيف يكون الامر بينك‌ وبينهم! قال: فتبسم
قتيبة من ذلك ثم قال: يا عدو الله! وما الذي أتاك بهذا الخبر دوني، أهذا شيء
دبرته على أن أصرف جيشي هذا عن الترك في يومي هذا، قال: ثم قدمه قتيبة
فضرب عنقه صبرا (4). فرأى المسلمون قد راعهم ما فعل قتيبة بجاسوسه هذا، فقال
قتيبة: أيها الناس! ما لي أراكم قد راعكم قتل تنذر هذا عبد أحانه الله وقد كنت أظنه
ناصحا للمسلمين [بل كان] (5) غاشا لهم، فذروا عنكم ما كان مني إلى تنذر،
وعليكم بجهاد عدوكم.



(1) بيكند: بلدة بين بخارى وجيحون على مرحلة من بخارى.
(2) كذا.
(3) عن الطبري 6 / 430 وفي نسخة تيذر وبالأصل غير منقوط (سدر) وقد صحح في كل مواضع الخبر.
(4) انظر الطبري 6 / 430 وابن الأثير 3 / 187.
(5) زيادة عن الطبري.
144
قال: فدنا القوم بعضهم من بعض، وتقدم خاقان ملك الترك وهياطلتهم.
قال: فالتفت قتيبة إلى رجل من أصحابه يقال له وكيع بن أبي سود التميمي، فقال:
يا وكيع! كم تقدر هؤلاء الكفار يكونوا؟ فقال: أيها الأمير! أقدر أنهم يزيدون
على ثمانين ألفا، فقال قتيبة: صدقت، قد خبرت أنهم سبعة وثمانون ألفا ولكن ما عندك
الان فيهم؟ فقال وكيع: أيها الأمير! عندي كل ما تحبه مني، فقال قتيبة
أحسنت، ولكن لا تعجل بالحملة حتى أنظر ما يكون. قال: ثم تناوش القوم ساعة
وكانت بينهم مناولة فأخذت السيوف من الكفار مأخذها فقتل منهم جماعة ثم التفت
وكيع إلى قومه من بني تميم فقال: يا معشر المسلمين! انظروا من كان منكم يريد
الموت فليتبعني، وكان كارها فليثبت في مكانه. قال: فأجابته بنو تميم بأحسن
الجواب، فتقدم وكيع في زهاء عشرة آلاف من بني تميم ومواليهم، وساعدتهم بنو
بكر بن وائل، وقصرت عنهم قبائل العرب من اليمن حسدا منهم لهم، فلم
يساعدوهم على القتال. قال: فدنت منهم الترك فاقتتلوا قتالا شديدا، واختلط
القووم من وقت بزوغ الشمس إلى زوالها، ثم صاح وكيع بن أبي سود بأصحابه
وحمل وحملوا معه حملة منكرة، وصدقوهم الضرب والطعن، فولت الترك من بين
أيدي المسلمين وأخذهم السيف، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وانهزم الباقون أقبح
الهزيمة، فأنشأ نهار بن توسعة التميمي يقول في ذلك أبياتا مطلعها:
لعمري لقد فازت تميم بذكرها * وسائر أحياء العراق وقوف
إلى آخرها.
قال: ومضت الترك والسغد هاربين على وجوههم نحو الجبال والغياض قد
ألقى الله تبارك وتعالى الخوف والرعب في قلوبهم.
ذكر غنائم بيكند وما وجد في خزائنها
قال: ودنا قتيبة من مدينة بيكند فنزل عليها، ولم يزل محاصرا لها حتى فتحها
بالسيف، فقتل مقاتلتها وهدم سورها حتى وضعها بالأرض ثم جمع غنائمها، فأخرج
منها الخمس فوجه به إلى الحجاج، وكتب إليه يخبره بفتح بيكند، ثم قسم باقي
الغنائم في المسلمين. قال: وقوي المسلمون بما أصابوا من غنائم بيكند، وتنافسوا
في شراء السلاح حتى بلغ الرمح سبعين درهما، وبلغ الدرع سبعمائة درهم،
وبلغت السيوف أثمانها على أقدارها، قال: وجلبت إليهم الدواب من كل بلد،

145
وأصاب قتيبة في خزائن بيكند سلاحا كثيرا، فقسمه بين المسلمين، وأصاب أيضا
خزانة مقفلة فأمر بفتحها ففتحت، فأخرج منها من آنية الذهب والفضة ما لا
يحصى، وأصابوا أيضا في هذه الخزانة صنما عظيما من ذهب، فأمر قتيبة بإذابته
فأذيب فخرج منه خمسون ومائتا ألف دينار (1). قال: وأصابوا في هذه الخزانة
لؤلؤتين عظيمتين فعجب قتيبة من كبرهما وضيائهما، ثم دعا بسدنة بيت النار،
فقال: خبروني كيف وقعت هاتان اللؤلؤتان إلى بلدكم هذه؟ فقالوا: أيها الأمير! إنا
نظرنا ذات يوم إلى طائرين قد وقعا على بيت النار والأصنام فألقيا هاتين اللؤلؤتين من
مناقرهما ثم طارا، قال: فعجب قتيبة من ذلك، ثم بعث بهاتين اللؤلؤتين إلى
الحجاج وكتب إليه بخبرهما، فكتب إليه الحجاج: إني قد فهمت ما ذكرت من أمر
هاتين اللؤلؤتين، وإن أعجب من أمرهما وأمر الطائرين سخاء نفسك لنا بهما أبا
حفص - والسلام -. (2)
قال: وكان عامة أهل بيكند يومئذ بالصين في تجارات لهم، فلما رجعوا نظروا
إلى بيكند فطلبوا نساءهم وأولادهم، فجعلوا يشترونهم من المسلمين بالمال
الجزيل. قال: وكانت امرأة رجل منهم قد وقعت مع ابنين لها إلى رجل من المسلمين
يقال له عبد الله بن سليمان الغنوي، فطلبها زوجها وطلب أيضا ابنيها منه، واستام
عليه الغنوي عشرة آلاف درهم، فقال له التركي: يا هذا! أنا أتزوج امرأة غير هذه
فتلد في في سنتين غلامين، ولا أعطيك عشرة آلاف درهم، فقال له الغنوي: ذاك
إليك فاصنع ما بدا لك، قال: فاشترى التركي امرأته وابنيه بعشرة آلاف درهم، ثم
لقي الغنوي بعد ذلك فقال له: أيها العربي! إنك لو أبيت علي أن لا تبيعني أهلي
وابني إلا بأربعمائة ألف درهم لأخذتهن وطابت نفسي به.
قال: وعمر أهل بيكند مدينتهم ثانية بإذن قتيبة ونزلوا بها على أنهم يؤدون إليه
في كل سنة شيئا معلوما. فصالحهم على ذلك وكتب عليهم بذلك كتابا.
قال: ثم سار قتيبة من بيكند إلى نومشكث (3)، فلما دنا منهم خرجوا إليه
فصالحوه على مال يعطونه كل سنة على أنهم يكونون في طاعته، فقبل قتيبة ذلك



(1) في الطبري 6 / 432 خمسون ومائة ألف مثقال أو خمسون ألف مثقال.
(2) انظر الطبري 6 / 431 - 432 وابن الأثير 3 / 188.
(3) عن الطبري 6 / 436 وفتوح البلدان ص 410 تومشكت وفي الأصل بومشكت.
146
منهم (1).
ثم قفل يريد مرو فإذا بطرخان (2) ملك السغد وكور مغانون (3) ملك الترك قد
أقبلا في مائتي ألف يريدون قتاله. قال: وقد كان قتيبة في الجيش وخلف أخاه
عبد الرحمن بن مسلم على الساقة، فلما نظر إلى جيش الكفار قد وافاه في ذلك
الخلق العظيم أرسل إلى قتيبة فأعلمه بذلك، فرجع قتيبة إلى ورائه، والتقى القوم
فاقتتلوا قتالا شديدا إلى الليل، ثم ناجزهم في اليوم الثاني فقاتلهم، فكانت الدائرة
على الكفار، فقتل منهم مقتلة عظيمة وانهزموا، وتبعهم قتيبة والمسلمون فقتلوهم
قتالا ذريعا، وغنم المسلمون غنائم كثيرة، ثم رجع قتيبة إلى مرو ثم كتب إلى
الحجاج خبره بوقعته هذه وكيف رزق عليهم الظفر، فوجه إليه بالخمس - والله
أعلم -:
ذكر مسير قتيبة بن مسلم إلى بخارى
قال: ثم جمع قتيبة بن مسلم المسلمين وسار إلى بخارى، وبها يومئذ ملك
عظيم الشأن يقال له معاينون بن راع (4) في نيف على أربعين ألفا، ونزل عليهم قتيبة
بجيشه ودام الحرب أياما كثيرة لا يفترون من الحرب، حتى إذا عضهم السلاح
ووجدوا ألم الجراح أرسلوا إلى قتيبة يسألونه الصلح على أنهم يعطونه مائتي ألف
درهم ويعينونه بأنفسهم، فرضي قتيبة منهم بذلك، فأخذ منهما ما صالحهم عليه.
قال: وقد كان قتيبة أخذ منهم رجلا أعور أسيرا فكان شيطانا من شياطينهم، فقدمه
ليضرب عنقه فقال: أيها الأمير! لا تقتلني وأنا أفدي نفسي بما قيمته ألف ألف
درهم، قال قتيبة لأصحابه: ما ترون فيما يقول هذا الكافر؟ فقالوا: أيها الأمير!
هذا الذي قد بذله رغبة وزيادة في الغنيمة فخذ منه ما قد بذل ولا تقتله، فقال قتيبة:
لا والله لا تروه باسمه مسلمة أبدا! ثم قدمه فضرب عنقه.
قال: وخرج أهل بخارا إلى قتيبة فصاروا معه في عسكره، فأنشأ المغيرة بن
حبناء التميمي يمدح قتيبة بن مسلم وهو يقول أبياتا مطلعها:



(1) وكان ذلك في سنة 88 ه‍.
(2) الأصل: طرحون.
(3) عن الطبري 6 / 437 وبالأصل لور معاينون.
(4) في الطبري 6 / 439 رد وردان خذاه.
147
عفت الديار بسفح طود شمام * إلا بقية أثلب وتمام (1)
إلى آخرها.
ذكر نيزك البرقشي وهربه من عسكر قتيبة
قال: وهرب نيزك البرقشي من عسكر قتيبة في جوف الليل مع رجل من وجوه
الترك (2) يقال له باذان يريد إلى قلعة باذغيس (3)، قال: فطلبه قتيبة فلم يقدر عليه
فعلم أنه قد هرب، فوجه الخيل في طلبه فلم يقدر عليه، فأقبل نيزك إلى قلعته
فدخلها، وهي قلعة حصينة لا ترام ولا يقدر عليها أحد، واسمها براسكين (4)، وهي
التي يقول فيها الشاعر حيث يقول:
براسكين من حل ذروتها حاز ال‍ * - بلاد فإن شاء جار أو ظلما
منيعة لم يرمها قبله أحد * تخالها كوكبا في الجو قد نجما
تخال نيرانها من بعد منظرها * بعض النجوم إذ ما ليلها عتما
لما أطاف بها ضاقت بساحتها * حتى أقروا له بالحكم فاحتكما
قد ذل نيزكها من بعد عزته * وجاءها عارفا بالذل مهتضما
قال: وسار قتيبة في عسكره وجنده حتى نزل على القلعة، قال: وسمعت
ملوك خراسان بأن قتيبة قد سار إلى نيزك، ونيزك قد كان يسيء إليهم ويغير عليهم ولم
يكن لهم في حيلة لحصانة قلعته (5). فلما سار إليه قتيبة زحفت معه ملوك خراسان
ودخلوا في طاعته ورغبوا في معاونته، قال: وأقبل قتيبة حتى نزل أسفل القلعة ومعه
أهل بخارا وأهل مرو والطالقان والفارياب وأهل بلخ وسرخس وما ولاها. قال: ثم



(1) البيت من أبيات في الطبري 6 / 460 وروايته فيه:
لمن الديار عفت بسفح سنام * إلا بقية أيصر وثمام
(2) وكان سبب هربه خوفه من قتيبة خاصة بعد ما رأى من فتوحه ما رأى. كما في الطبري 6 / 446 وفيه أن
نيزك استأذن قتيبة وكانوا بآمل الرجوع إلى تخارستان فأذن له... وبعدما ابتعد عنه أعلن خلعه وكاتب
ملوكا أجابوه إلى الطاعة.
(3) في الطبري: توجه إلى تخارستان.
(4) كذا ولم نجدها.
(5) كذا وفي الطبري أن نيزك كتب إلى أصبهبذ بلخ وباذام ملك مرو روذ وإلى سهرب ملك الطالقان وترسل
ملك الفارياب وملك الجوزجان فأجابوه.
148
دعا قتيبة برجل من أصحابه يقال له سليم بن عبد الله وكان يقال له سليم الناصح،
فأرسله إلى نيزك يدعوه إلى الطاعة ويعذله على هربه ويضمن له على قتيبة ما
أحب (1). قال: فأقبل سليم الناصح هذا حتى صعد الجبل وصار إلى باب القلعة،
ثم استأذن على نيزك فأذن له، فدخل فلما نظر إليه نيزك قربه وأدناه ثم قال: ما
وراءك يا سليم الناصح؟ فقال له سليم: ويحك ما الذي حملك على الهرب من
العسكر وأنت أنت وقدرك عند الأمير هو القدر الذي علمت؟ فقال نيزك: ويحك يا
سليم! إني لم أكن آمن على نفسي من قتيبة مع إكرامه إياي، لان العربي بمنزلة
الكلب، إن ضربته نبح، وإن أطعمته بصبص، وإن غزوته فقاتلته ثم صالحته
فأعطيته شيئا رضي، هذا رجل قدم إليه فلان الأعور قيل له ألف ألف درهم على أن
لا يقتله فلم يقبل ذلك منه وقتله، فلما رأيت ذلك منه لم آمن على نفسي وهربت،
فهات الان ما عندك يا سليم! فقال سليم: عندي والله أنه جال في جيشه كله وقد
زحفت معه ملوك خراسان من جميع البلاد ولا أظنه نازحا عن موضعه هذا، وأظنه يشتو
فيه هذا الشتاء هلك أم سلم، وأنا أرى لك من الرأي أن تنزل من قلعتك هذه ولا
يعلم أحد بنزولك حتى تدخل إلى عسكره فتضع يدك في يده، فقال نيزك: ويحك يا
سليم إن نفسي لتأبى ذلك، فقال سليم: إني ما جئتك إلا ناصحا مشيرا عليك، فأما
إذا أبيت فإني منصرف عنك، قال: ثم وثب سليم لينصرف، فقال له نيزك:
فنغديك إذا يا سليم! [قال: إني لأظنكم في شغل عن تهيئة الطعام و -] (2) معنا
طعام كثير، ثم قال سليم لغلامه: يا غلام! ائتنا بالطعام الذي حملناه معنا من
العسكر، قال: فجاء الغلام بطعام كثير لا عهد له بمثله، فلما نظرت الأتراك إلى
ذلك الطعام وحسنه وكثرته بادروا إليه فانتهبوه. قال: فاغتم نيزك لذلك، فقال له
سليم: يا أبا الهياج! إني لك من الناصحين، أرى أصحابك هؤلاء إن طال بهم
الحصار أن يستأمنوا قتيبة ويسلموك، فقال نيزك: أو أنزل إلى قتيبة من غير أمان
وظني به أنه قاتلي؟ قال سليم: يا هذا! فإنه قد آمنك وإنما هو الذي أرسلني إليك
أفتتهمني؟ قال نيزك: لا أتهمك، فقال أصحابه مثل قول سليم وقالوا: اقبل منه
قوله فإنه ناصح لك. قال: فدعا نيزك بدابته فركب وركب معه أصحابه، وخرج من
باب القلعة حتى إذا صار إلى الدرجة التي ينتهي (3) منها إلى قرار الأرض ضرب



(1) في الطبري أن قتيبة طلب من سليم أن يأتيه بنيزك بغير أمان، وإن أعياه وأبي فليعطه أمانه. 6 / 456.
(2) زيادة عن الطبري 6 / 456.
(3) الطبري: يهبط.
149
قبله، فالتفت إلى سليم الناصح فقال: يا سليم! من كان لا يعلم متى يموت فأنا
أعلم متى أموت، إذا عاينت قتيبة فأنا ميت! فقال له سليم: كلا يا أيها الهياج! لا يكون إلا خيرا إن شاء الله. قال: وسار نيزك حتى إذا خرج من فم الشعب وقع
التكبير في عسكر المسلمين (1)، ففزع الأتراك لذلك التكبير ثم تخلفوا عن نيزك،
فقال نيزك: أما هذا أول الشر، فقال له سليم: لا عليك يا أبا الهياج! فإن تخلف
هؤلاء عنك فهو خير لك من مسيرهم معك فسر.
قال: فسار نيزك حتى إذا دخل العسكر ونظر إليه قتيبة كلمه بلغة الباذغيسية ثم
قال: مرحبا برجل غدار، ثم أمر به فحبس في خيمة لقتيبة وقيد بقيد ثقيل، وكتب
إلى الحجاج يخبره بأمر نيزك هذا، فكتب إليه الحجاج أن اقتله فإنه رجل سوء غدار
عدو لأهل الاسلام. قال: فورد كتاب الحجاج على قتيبة بعد أربعين يوما، فلما ورد
عليه الكتاب دعا به قتيبة فأقبل يحجل في قيده حتى وقف بين يديه، فقال له قتيبة: يا
نيزك! ألك عندي أمان؟ فقال: لا ولكن عند سليم الناصح أمان، فقال قتيبة:
كذبت يا عدو الله لا أمان لمثلك وقد رجعت عن دين الاسلام غير مرة، ثم قال قتيبة
لأصحابه: ما تقولون في نيزك؟ قال: فصاح الناس من كل جانب (2) فقالوا: نقول
إنه كافر فاسق مرتد غدار! قال: فدعا قتيبة بالسيف ليضرب‌ عنقه، فقال له نيزك:
إني إنما نزلت إليك بكتاب الله، قال قتيبة: وأنا أقتلك بحكم الله، قال نيزك: فإني
أفدي نفسي منك بمال، قال قتيبة: وما مبلغ ما تفدي نفسك مني؟ قال: ألف ألف
درهم، قال قتيبة: زدني، قال: ألف ألف درهم، قال: زدني، قال: ثلاثة آلاف
ألف درهم، فلم يزل حتى بذل له عشرة آلاف ألف درهم، فقال قتيبة: أين هذا
المال؟ قال: في القلعة، قال: القلعة وما فيها لنا، والله لو لم يبق من أجلي إلا
ثلاث كلمات لقتلتك (3). قال: ثم قدمه فضرب عنقه صبرا، وقتل معه سبعمائة رجل
من أصحابه على دم واحد، فأنشأ المغيرة بن حبناء التميمي (4) في ذلك يقول أبياتا



(1) في الطبري أن الخيل التي تركها على فوهة الشعب، حالت بين الأتراك والخروج، وكان سليم قد
اتفق مع عبد الرحمن أن يبعث رجالا على فم الشعب يحولوا دون الخروج منه: 6 / 457.
(2) في الطبري اختلفوا في قتله، فمنهم من قال يجب قتله لكفره وغدره ومنهم من قال لقتيبة أنك أعطيته
عهدا فلا تقتله.
(3) في الطبري 6 / 458 لقلت: اقتلوه اقتلوه اقتلوه.
(4) كذا بالأصل والطبري 6 / 458 وفي الكامل لابن الأثير 3 / 202.
150
مطلعها:
لعمري لنعمت غرة الجند غزوة * قضت نحبها من نيزك فاشمعلت (1)
إلى آخرها.
قال: ثم بعث قتيبة إلى قلعة نيزك فاحتوى على ما فيها من الأموال والأسلحة
والأثاث، واحتوى أيضا على أهل نيزك وولده وخدمه، فأخرج من ذلك كله الخمس
فوجه به إلى الحجاج ووجه إليه برأس نيزك (2) ورأس ابن أخيه عثمان وبرؤوس القوم
الذين قتلهم مع نيزك وقد علق في آذانهم الرقاع بأسمائهم، فلما وردت الرؤوس على
الحجاج ونظر إليها دعا بعثمان بن مسعود التميمي من الحبس، فأقبل يحجل في
قيوده، فقال له الحجاج: أتعرف هذه الرؤوس يا ع ثمان؟ قال: نعم أيها الأمير،
هذه رؤوس أصحاب نيزك الذين كانوا معه وكانت نعمة الله عليهم سابغة، وهذا رأس
نيزك البرقشي صاحب قلعة باذغيس، وهذا رأس ابن أخيه عثمان بن سور، فقال
الحجاج: ويحك يا عثمان! الترك تسمي أولادها بعثمان؟ فقال: لا، ولكن سمي
هذا باسمي لأني كنت مصاهرا لهم، قال الحجاج: فهل رأيت أحدا أعظم غنى ممن
قتل هذا - وأومأ الحجاج إلى نيزك؟ فقال: نعم أيها الأمير، من قتل صاحب هذا
الخاتم، فقال: هذا خاتم موسى بن عبد الله بن خازم السلمي - ثم رمى بالخاتم
إليه، فنظر إليه الحجاج فإذا خاتم من ذهب قصة ياقوت أحمر، فقال الحجاج:
صدقت يا عثمان! إن من قتل صاحب هذا الخاتم هو أعظم غنى من قاتل نيزك.
خبر المنطقة
قال: ثم أقبل الحجاج على عثمان بن مسعود فقال له: يا عثمان! إنه قد كتب
إلينا قتيبة بهذه المنطقة يذكر أنه منطقة نيزك فانظر إليها، قال: فنظر عثمان بن مسعود
إلى المنطقة فقال: أيها الأمير! ليست هذه منطقة نيزك، هذه منطقة رجل من عظماء
الترك يقال له جبغويه (3) ومنطقة نيزك موصولة وهي نصف منطقة فيروز، وذلك أن
منطقة فيروز لما قتل سقط عن فرسه في نهر خزار (4) فانقطعت منطقته فذهب السيل



(1) الطبري وابن الأثير: وتعلت.
(2) أرسل مع محفن بن جزء الكلابي وسوار بن زهدم الجرمي.
(3) عن الطبري 6 / 459 وبالأصل: جعوه.
(4) خزار: موضع بقرب وخشن من نواحي بلخ.
151
بنصفها مما يلي الأبرين وصار إلى نيزك موصولة. قال فقال رجل ممن حضر مجلس
الحجاج: كذبت أيها الأمير! هذه منطقة نيزك، فقال له عثمان: إذا عرب يا لكيع!
ما أنت وهذا؟ وما يدخلك فيما ليس من أمرك؟ ما علمك بالملوك ولباسهم؟ أنت
تأكل الضب واليربوع والجرذ والقنفذ، أنا أعلم منك بأمور الملوك ودأبهم. قال:
فضحك الحجاج ثم قال: ردوه إلى الحبس! فردوه إلى الحبس، فلم يزل يعذب في
الحبس‌ ويستأدى حتى مات في السجن من شدة العذاب، فهذا أصح خبر ورد علينا
من أمر عثمان بن مسعود التميمي - والله أعلم -.
ثم رجعنا إلى خبر قتيبة بن مسلم
قال: فلما قتل قتيبة نيزك البرقشي دخل من ذلك على أهل خراسان فرح
وسرور شديد، وقالت الشعراء في قتيبة أشعارا كثيرة، ومدحه نهار بن توسعة بهذه
الأبيات:
أصبت ووفقت ابن عمرو ولم تزل * على كل حال [قد] توفق للرشد
قتلت عدو الله نيزك بعد ما * أتى وجنود المسلمين على حقد
فكم ثم كم من غمرة قد عقرتها * وكم عاند في القوم قومت للقصد
وكم مقتر أنعشته يا بن مسلم * وأعطيته الآمال في طلب الحمد
وكم من عظيم البال يحتال في الوغى * نزلت صريعا للدرين وللحد
وكم بائس أغنيته بعد عيلة * فأصبح ذا مال كثير وذو لبد
ومن متلد دغدغت بالسيف ماله * وقدما قديما كان يأوي إلى صفد
ذكر مسير قتيبة إلى مرو الروذ والطالقان
والفارياب والجوزجان في وقت واحد
قال: ثم سار قتيبة يريد مرو الروذ، وبها ملك يقال له باذان، وقد كان باذام
هذا أعان نيزك البرقشي على قتيبة وقتل ولدا له كبيرا وقتل له أخا صغيرا، وعلق
رأسه في عنق أمه ثم أمر بقتلها بعد ذلك فقتلت، فقال له المجشر (1) بن مزاحم
السلمي: أيها الأمير! لو كنت وهبت هذه المرأة لرجل من أصحابك ولم تقتلها كان
ذلك عندي أحسن! قال: فنظر إليه قتيبة نظرة ظن أنه سيقتله، ثم سكت ونادى في



(1) عن الطبري، وبالأصل (المحشر).
152
أصحابه وسار إلى الطالقان، بها يومئذ من صعاليك الترك فحاربهم قتيبة يوما واحدا
فظفر بهم، فقتل منهم جماعة وصلبهم، ثم استعمل على من بقي منهم أخاه
عمرو بن مسلم، وسار يريد الفارياب، فلما دنا منها تلقاه ملكها مذعنا مقرا له
بالسمع والطاعة، فلم يهيجه قتيبة ولم يؤذن ورده إلى بلده مكرما (1)، ثم سار منها إلى
الجوزجان، فتلقاه أهلها سامعين مطيعين، وهرب ملكها إلى الجبل، فلم يطلبه
قتيبة ولم يؤذ أحدا من أهل الجوزجان، غير أنه استعمل عليها عامر بن مالك
الجماني (2) أحد بني تميم وهم أن يسير إلى غيرها فجاء إليه ملك الجوزجان سامعا
مطيعا فصالحه قتيبة عن أرضه. قال: فمضى ملك الجوزجان إلى بلاده فشد عليه
رجل من أصحابه فقتله، وبلغ ذلك قتيبة فطلب ذلك الرجل حتى وقع في يده،
فأخذه قتيبة فطلاه بالنفط ثم صلبه وأحرقه بالنار. قال: وجعل قتيبة يقتل ويأمر وينهب
حتى أذل الترك إذلالا ما أذلهم أحد قبله مثله قط، فأنشأ نهار بن توسعة في ذلك
يقول:
أرك الله في الأتراك حكما * كحكم في قريظة والنضير
قضاء من قتيبة غير جور * به يشفي الغليل من الصدور (3)
قال: ثم جمع قتيبة من كان في يده من أسارى الترك، فكانوا نيفا على ثمانين
رجلا من سادات الترك وملوكهم، فكبلهم بالحديد واستوثق منهم بالاغلال، ووجه
بهم إلى الحجاج مع أموال كانت عنده من أموال الخمس، فأنشأ حاجب بن ذبيان
المازني يقول أبياتا مطلعها:
كم من كمي تركت مجندلا * شلوا طريحا للذئب والرخم
إلى آخرها.
قال: ثم رجع قتيبة إلى مرو فنزلها وأرسل إلى امرأة نيزك البرقشي فخطبها
ليتزوج بها، فأرسلت إليه: أيها الأمير! إنك لست بخليفة ولا أنت الحجاج، إنما
أنت أمير من أمراء خراسان مثل يزيد بن المهلب وغيره، وقد قتلت زوجي وولدي



(1) في الطبري 6 / 454 استعمل عليها رجلا من باهلة.
(2) في الطبري: الحماني.
(3) زيد في الطبري 6 / 460.
فإن ير نيزك خزيا وذلا * فكم في الحرب حمق من أمير
153
واحتويت على أموالي ثم بعثت إلي تخطبني، أفما تخاف أن أعمل في قتلك فآخذ
بثأري منك؟ قال: فعلم قتيبة أنها قد صدقت في قولها وأنصفت وحققت فلها عنها
وتركها.
ذكر مسير قتيبة إلى بلاد سجستان ثم منها إلى بلخ
قال: ثم جمع قتيبة أصحابه وسار بهم يريد سجستان، وبها يومئذ ملك يقال
له رتبيل (1) في نيف عن سبعين ألفا من الكفار، فأقبل حتى نزل عليها، ثم أمر
أصحابه بالغارة، فجعلوا يغيرون يمنة ويسرة على بلاد سجستان حتى ملأوا أيديهم
من الغنائم. قال: وكره رتبيل ملك سجستان حرب قتيبة وعلم أنه لا يقوم له ولا
لأصحابه، فأرسل إليه يسأله الصلح، فأجابه قتيبة إلى ذلك، ووقع الصلح بينهما
على خمسمائة ألف درهم ومائتي رأس من الرقيق جوار وغلمان، فأخذ قتيبة منهم
ذلك، فأخرج منه الخمس فوجه به إلى الحجاج، وقسم باقي ذلك في المسلمين.
ذكر مسير قتيبة إلى بلخ وما والاها من الكور
قال: ثم نادى قتيبة في أصحابه بالرحيل وسار حتى نزل على بلخ، وبها يومئذ
ملك يقال له الشاه بن نيزك في جمع عظيم، فلما بلغه نزول قتيبة بساحته خرج إليه،
ووقع الحرب بين الفريقين فاقتتلوا، فقتل من المسلمين نيف على سبعمائة رجل،
وقتل من الكفار بشر كثير، وأسر منهم ألف رجل أو يزيدون، فقدمهم قتيبة وضرب
أعناقهم صبرا، ثم إنه جلس ودعا بالطعام وجعل يتغدى والقتلى بين يديه وهو لا
يكترث لذلك. قال: ونظر أهل بلخ إل يذلك من قتيبة فاتقوا وخافوا على أنفسهم
خوفا شديدا وطلبوا الصلح، فأجابهم قتيبة إلى ذلك، فوقع الصلح بين قتيبة وبين
أهل بلخ على ثلاثمائة ألف درهم وثلاثمائة رأس من الرقيق، فأخذ قتيبة منهم ذلك
وكتب لهم كتابا بالصلح، ثم أخرج من ذلك المال الخمس فوجه به إلى الحجاج،
وقسم باقي ذلك في المسلمين، فأنشأ زياد الأعجم يقول في ذلك أبياتا مطلعها:
إن خير الولاة حر كريم يد * من كان قبله حين كيدا
إلى آخرها.



(1) في الأصل (زنبيل) وقد صححت في كل مواضع الخبر.
154
ذكر مسير قتيبة إلى خوارزم
ثم سار قتيبة بجيشه حتى نزل على خوارزم، وبها يومئذ ملك يقال له جنغان (1)
في أربعمائة ألف عنان من أصناف الكفار، وقال: ولجنغان أخ يقال خرزاد (2) قد
غلبه على أمره فليس له معه أمر ولا نهي، وكان يحب أن يقدم قتيبة إلى البلد،
فسكت حتى جاء قتيبة ونزل حذاء خوارزم، وكتب إليه جنغان يعلمه أنه قد بذل له
مائة ألف رأس‌ ومتاعا سماه له في كتابه على أن يدفع إليه أخاه ويملكه في بلاده،
قال: فأرسل بكتابه إلى قتيبة سرا ولا يعلم به أحد من أهل خوارزم. قال: وبعث
إليه بثلاثة (3) مفاتيح من الذهب. فقدم رسول جنغان على قتيبة وقد عزم على
الحرب، فلما قرأ الكتاب أجابه إلى ما سأل، ثم إنه أظهر في عسكره أنه يريد
السغد، ووقع الخبر بذلك بخوارزم، فقال خرزاد لأهل مملكته: إن قتيبة يريد
السغد وقد أمنتم من حربه وأن يغزوكم في هذه السنة (4).
ثم نادى قتيبة بالرحيل نحو بلاد السغد قبل يومه ذلك، ثم رجع إلى بلاد
خوارزم، فلم يشعر القوم إلا وقتيبة قد وافاهم، ففزعوا لذلك فزعا شديدا، ثم
اجتمعوا إلى جنغان فقالوا: أيها الملك! ما عندك من الرأي؟ [قال]: ههنا لأخي
خرزاد فصيروا إليه. قال: فاجتمع القوم إلى خرزاد فقالوا: إن هذا الرجل قد نزل
بساحتنا يريد هلاكنا فهات ما عندك من الرأي، قال: فعلم خرزاد بأن أخاه قد كاتب
قتيبة فهم بقتل أخيه، ثم خشي أن يقتله أهل البلد فلم يقتل أخاه، ثم نادى في
الناس وخرج حتى نزل بموضع يقال له فنك (5)، ونزل قتيبة قريبا منه. قال:
وخوارزم يومئذ ثلاث مدائن يحيط لها مياه الفارقين. قال: ووقع الحرب بين
الفريقين وسلم جنغان إلى قتيبة مدينتين من مدن خوارزم وصار معه في عسكره،
وبقي خرزاد في المدينة الثالثة وطلب الأمان، ثم بعث إلى قتيبة: أنا أيها الأمير
عبدك فاصطنعني واستبقني، فنعم العبد أنا لك! فقال قتيبة لرسوله: ارجع إليه فقل



(1) في ابن الأثير 3 / 215 خوارزمشاه.
(2) في الطبري 6 / 469 خرزاذ.
(3) عن الطبري وبالأصل: (بثلاث) وكانت خوارزم مدائن ثلاث كما في فتوح البلدان ص 410.
(4) زيد في الطبري: فهلم نتنعم في ربيعنا هذا، فأقبلوا على الشرب والتنعم، وأمنوا عند أنفسهم
الغزو.
(5) فنك: قرية بينها وبين سمرقند نصف فرسخ.
155
عني: إن رضي أخوك جنغان بذلك آمنتك واستبقيتك، فكلمه واطلب إليه في
ذلك. قال: فأرسل إليه خرزاد: أيها الأمير! إنه ليس في عسكرك أحد يطمع أن
يعيش خمسين سنة، وقد علمت أن مصيري إلى الموت، وليس مثلي من ذلك
لأخيه، وإنما أحببت أن أكون لك لا لغيرك، والقتل أحب إلي من الطلب إلى
أخي، فإن مت أو قتلت فإنه قد مات من كان أنبل مني وأشد مني تملكا وتجبرا -
والسلام -.
قال: ووقع الحرب بين أهل خوارزم وبين قتيبة، فلم يكن إلا ساعة حتى أخذ
خرزاد أسيرا، فأتي به إلى قتيبة حتى وقف بين يديه، فقال له قتيبة: كيف رأيت ما
أنزل الله بك يا خرزاد؟ فقال: أيها الأمير! لا تلمني فإني ما ضربت بيدي إلى سيفي
إلا لتحكم بيني وبينك فخذلني سيفي ولم يطاوعني، قال قتيبة: هذا يكون، ثم
قدمه فضربت عنقه صبرا (1). فقال جنغان: أيها الأمير! إنك لم تشف صدري بعد،
قال قتيبة: فما تريد يا جنغان؟ قال: أريد أن تقتل كل من كان معه علي، قال:
فجمعهم قتيبة وهم خلق كثير من الأسارى فسلمهم إلى جنغان، فقدمهم جنغان
فضرب أعناقهم صبرا، ثم أخذ أموالهم فدفعها إلى قتيبة، ثم وفى بما كان ضمن
له. قال: فأخرج قتيبة من ذلك الخمس فوجه به إلى الحجاج، وقسم باقي ذلك في
المسلمين، فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (2) يقول في ذلك أبياتا مطلعها (3):
إني رأيت أبا حفص يزينه (4) * أيامه ومساعي الناس تختلف
إلى آخرها.
ذكر مسير قتيبة إلى السغد من بعد فتح
خوارزم وما والاها
قال: فلما فرغ قتيبة من أمر خوارزم قام إليه المجشر (5) بن مزاحم السلمي



(1) في الطبري 6 / 471 أن قتيبة دفع خرزاد إلى أخيه خوارزم شاه ومن كان يخالفه فقتلهم واصطفى أموالهم
فبعث بها إلى قتيبة. وانظر فتوح البلدان ص 410.
(2) عن الطبري وبالأصل الأشعري.
(3) الأبيات في الطبري 6 / 471.
(4) الطبري: تفضله.
(5) عن الطبري وبالأصل (المحسن).
156
فقال: أيها الأمير! ههنا سر بيني وبينك! قال: فتنحى معه ناحية ثم قال: هات ما
عندك، فقال: إن أردت السغد يوما من الدهر فاليوم، فإنه ما بينك وبينه إلا مسيرة
عشرة أيام، قال فقال قتيبة: هل أشار عليك بهذا أحد * قال: لا، [قال: فأعلمته
أحدا؟ قال: لا، قال:] (1) فوالله لئن تكلم بهذا غيرك من الناس لأضربن عنقك.
قال: ثم دعا قتيبة بأخيه عبد الرحمن بن مسلم فقال له: قدم الأثقال إلى مرو،
فنادى عبد الرحمن بالرحيل إلى مرو، فارتحل الناس ومضت الأثقال بين يديه وتبعها
الناس يريدون إلى مرو، حتى إذا أمسى عبد الرحمن بن مسلم وهو في المسير أتاه
كتاب أخيه قتيبة بن مسلم أن انظر إذا أصبحت فوجه الأثقال إلى مرو وسر أنت في
الخيل والرجال إلى السغد، واكتم ذلك فإني من ورائك بالأثر إن شاء الله تعالى.
قال: فأمر عبد الرحمن بن مسلم بالأثقال فمضت إلى مرو، وانصرف هو في الخيل
والرجال نحو سمرقند، وقام قتيبة في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، وقال (2):
أيها الناس! إنه الله عز وجل قد فتح عليكم من البلاد ما علمتم، وأنا أرجو أن يكون
سبي سمرقند كسبي بني قريظة والنضير، فأبشروا ثم أبشروا - والسلام -.
ذكر كتاب الحجاج إلى قتيبة
قال: وإذا كتاب‌ الحجاج قد ورد على قتيبة: أما بعد فإني لست بآئس إذ فتح
الله علينا وعليك خوارزم وأغنمنا أموالها وخزائنها وغنائمها أن يفتح الله عليك وعلينا ما
بعدها، وقد بلغني أنك تريد المسير إلى سمرقند وأنا أنشدك أن غزوت بالمسلمين،
وأنا أسأل الله أن يعز نصرك، وأن يحسن عاقبتك، وأن يمدك بالملائكة المردفين،
وأن يرعب قلوب أهل سمرقند، وأن يخالف بين كلمتهم، وأن يلقي بأسهم بينهم،
وأن يورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم، وأن يجعل دائرة السوء عليهم، إنه على كل
شيء قدير - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -.
قال: فلما ورد كتاب الحجاج على قتيبة نادى في الناس فجمعهم وأقرأهم
الكتاب، ثم ندبهم للمسير إلى سمرقند فخف معه الصغير والكبير من جميع مدائن
خراسان، خرج معه السوقة بالعصي والمقاليع فضلا عن غيره. قال: فسار بهم
قتيبة حتى قطع البلاد ثم سار إلى سمرقند فنزل عليها.



(1) زيادة عن الطبري 6 / 472.
(2) الطبري 6 / 472 وفيه زيادة.
157
ذكر نزول قتيبة على سمرقند ومحاربته أهلها
قال: فنزل قتيبة على سمرقند وبها يومئذ ملكها غوزك بن أخشيد السغدي في
ثلاثين ومائة ألف من السغد، قال: فأحدق قتيبة بأبوابها، وخرجت إليه السغد في
الآلة والسلاح والعدة الكاملة، واشتبك الحرب بين الفريقين فاقتتلوا مرارا، كل ذلك
ينتصف بعضهم من بعض، فلما كان بعد ذلك بأيام أقبل نفر منهم حتى وقفوا على
سور المدينة، ثم تكلم رجل منهم بالسغدية فقال: يا معشر العرب! على ماذا
تقاتلونا وتدخلون على أنفسكم المشقة والعناء في أمر لا تصلون إليه؟ إنا قد وجدنا
في بعض كتبنا أن مدينتنا هذه لا يفتحها إلا رجل اسمه أكاف الجمل، فانصرفوا عنا
ولا تتعبوا خيلكم وتقتلوا أنفسكم، فقال قتيبة: ما الذي يقول هؤلاء القوم؟ فقال
رجل ممن يفهم كلامهم: إنهم يقولون كذا وكذا، فقال قتيبة: الله أكبر! فأنا والله
أكاف الجمل، أنا قتيبة والقتب قتب الجمل. قال: ثم جد في حربهم، فقتل منهم
في ذلك اليوم خلق عظيم.
قال: وكتب ملك سمرقند إلى ملك الشاش (1) بأن العرب قد قاتلونا
وقاتلناهم، فإن هم ظفروا بنا ساروا إليكم فانظروا لأنفسكم فإنما (2) نحن الجنة
دونكم، فإن وصل إلينا كنتم أنتم أذل وأهون. فاجتمع أهل الشاش على نصرة أهل
سمرقند، ثم إنهم أرسلوا إلى غوزك بن أخشيد أن أشغلهم أنت بالقتال حتى نبيت
نحن عسكرهم. قال: وجعل أهل الشاش ينتخبون أهل النجدة والشجاعة من أهل
بلدهم (3)، ثم إنهم ساروا مجمعين على بيات العسكر عسكر قتيبة، واتصل الخبر
بقتيبة، فانتخب من عسكره سبعمائة (4) رجل، كل رجل منهم يحتاج إلى رجال، ثم
قال لهم: اعلموا أن أهل الشاش قد ساروا إلى ما قبلكم يريدون أن يبيتوكم
بزعمهم، فأخرجوا إليهم الان فاكمنوا لهم في موضع كذا وكذا، وذبوا عن دينكم
وأحسابكم - والسلام -.
قال: فخرج المسلمون وذلك في وقت المغرب، فنزلوا على فرسخين من



(1) الطبري 6 / 476 كتب إلى ملك الشاش وإخشاذ فرغانة وخاقان.
(2) الطبري: إنا نحن دونكم فيما بينكم وبين العرب.
(3) وولوا عليهم ابنا لخاقان كما في الطبري.
(4) الطبري: أربعمائة رجل.
158
عسكر قتيبة على طريق القوم الذي وصف لهم. قال: ورئيس المسلمين يومئذ صالح
أخو قتيبة، ففرق أصحابه ثلاث فرق فجعلهم كمناء: كمينا عن يمينه، وكمينا عن
شماله، ووقف هو في الفرقة الثالثة على قارعة الطريق، حتى إذا مضى نصف الليل
أو ثلثاه إذا أهل الشاش قد أقبلوا في الآلة والعدة التامة الكاملة، قال: فلما نظروا
إلى المسلمين حملوا عليهم واختلط القوم، وخرج عليهم الكمينان عن يمينه ويساره
فانطووا عليهم، وصبر الفريقان بعضهم لبعض ساعة، وشد على رجل من أهل
الشاش عظيم القدر فيهم فضربه ضربة على قرطه فأطار رأسه، ووقعت الهزيمة على
الكفار، فانهزموا والسيف يأخذهم، فلما أفلت منهم إلا الشديد. قال: وأسر منهم
جماعة، وانصرف المسلمون إلى قتيبة فخبروه بذلك، فقال قتيبة: جزاكم الله من
جماعة، وانصرف المسلمون إلى قتيبة فخبروه بذلك، فقال قتيبة: جزاكم الله من
قوم خيرا فلقد جاهدتم فأحسنتم الجهاد، وأبليتم فأحسنتم البلاء. قال: ثم قدم
هؤلاء الأسارى فضرب أعناقهم عن آخرهم، ثم أقبل على كعب بن معدان
الأشقري (1) فقال له: يا كعب! ألست القائل في المهلب بن أبي صفرة هذه
الأبيات (2):
ألا ذهب الغزو (3) المقرب للغنى * ومات الندى والجود بعد المهلب
أقاما (4) بمرو الروذ رهن ضريحه * وقد فقدا من كل شرق ومغرب
فقال: بلى أيها الأمير! أنا قائل هذا، وأنا الذي أقول فيك:
فما كان مذ كنا ولا كان قبلنا * ولا كائن كالباهلي ابن مسلم
أعم (5) لأهل الأرض باسا ونائلا * وأقسم فينا مغنما بعد مغنم (6)
قال: فأمر له قتيبة بجائزة سنية، وأقبل حتى نزل على سمرقند، فوضع عليها
المجانيق فجعل يحاربهم أشد الحرب. قال: فأرسل إليه غوزك بن أخشيد ملك



(1) الأصل: الأشعري.
(2) في الطبري 6 / 479 فدعا قتيبة نهار بن توسعة حين صالح أهل السغد، فقال: يا نهار أين قولك...
وذكر البيتين.
(3) بالأصل: إذا ذهب العرف وما أثبت عن الطبري.
(4) عن الطبري، وبالأصل أقاموا.
(5) عن الطبري 6 / 479 وبالأصل: أهم.
(6) عجزه في الطبري:
وأكثر فينا مقسما بعد مقسم
159
السغد: أيها الأمير! أنت إنما تقاتلني بإخواني من العجم (1)، فأخرج إلي العرب
حتى تعلم كيف أحاربهم! قال: فغضب قتيبة لذلك ثم نادى في المسلمين فانتخب
الابطال من عسكره فقدمهم إلى الحرب، وأمر أصحاب المجانيق بالرمي، فكان
المسلمون يرمونه بحجارة المجانيق والسغد يرمونهم بالنشاب، فلم يزل المسلمون
كذلك حتى ثلموا السور برمي الحجارة. قال: وصاح القوم بقتيبة أن ارجع عنا اليوم
فإنا نصالحك غدا، فقال قتيبة: إنه قد جزع السغد فانصرفوا عنهم على كفرهم.
قال: فانصرف المسلمون (2) عنهم إلى عسكرهم (3).
ذكر صلح قتيبة بن مسلم على سمرقند
ودخوله والمسلمين إياها
قال: فلما كان من غد دنا قتيبة من السور ووقع الصلح بين القوم، فصالحهم
قتيبة على ألفي ألف درهم عاجلة ومائتي ألف درهم في كل سنة، وعلى ثلاثة آلاف
رأس من الرقيق ليس فيهم صبي ولا شيخ، وعلى ما في بيوت النيران من حلية
الأصنام، وعلى أنهم يبنون لقتيبة في المدينة مسجدا، وعلى أنهم يخلون المدينة فلا
يكون فيها مقاتل، ويدخلها قتيبة وأصحابه ويصلي ويخطب ويتغدى بها ثم
يخرج (4)، فأجابه غوزك بن أخشيد إلى ذلك على أنه يدخل من باب كس ونسف
ويخرج من باب الصين. قال: وأمر غوزك باتخاذ الطعام لقتيبة ولوجوه أصحابه ثم
أمر بباب سمرقند ففتح، فدخل المسلمون المدينة بالتكبير، وأقبل قتيبة في إخوته
وبني عمه حتى إذا صار إلى باب سمرقند قد استقبله غوزك بن أخشيد فسجد له، ثم
مشى بين يديه حتى صار إلى بيت الأصنام فجلس فيه، وأقبل غوزك حتى وقف بين
يديه بلا سيف، فجعل قتيبة ينظر إلى غلمان غوزك في مناطق الذهب المرصعة
بالجوهر، فاغتاظ لذلك غيظا عظيما حتى احمرت عيناه وأراد أن يغدر بغوزك فتبين
ذلك في وجهه، ثم إنه لم ير ذلك صوابا، فتم لغوزك ما صالحه عليه، فأنشأ



(1) الطبري: بإخواني وأهل بيتي من العجم.
(2) بالأصل: (فانصرفوا المسلمين).
(3) وفي رواية باهلة: قال قتيبة: لا نصالحهم إلا ورجالنا على الثلمة ومجانيقنا تخطر على رؤوسهم
ومدينتهم.
(4) انظر فتوح البلدان ص 410 والطبري 6 / 475.
160
كعب بن معدان الأشقري (1) في ذلك يقول أبياتا مطلعها:
ألا أيها الباغي قتيبة غيبة * أبى الله إلا أن يكون مؤيدا
إلى آخرها (2).
قال فقال له قتيبة: أحسنت يا غلام! ادفع إلى الأشقري عشرة آلاف درهم.
قال: ثم دعا بالطعام، فأمر غوزك بن أخشيد بالموائد وقدمت، وعليها ألوان
الأطعمة، فأكل قتيبة وإخوته وبنو عمه وقواده، حتى إذا فرغ القوم من من طعامهم وغسلوا
أيديهم وثب قتيبة فصلى ركعتين، ثم دعا بكاتبه أن يكتب لغوزك بن أخشيد
عهده الذي صالحه عليه.
ذكر العهد الذي كتب الغوزك بن أخشيد
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح قتيبة بن مسلم بن عمرو الباهلي
غوزك بن أخشيد أفشين السغد، إنه صالحه وشرط له بذلك عهد الله وميثاقه وذمته،
وذمة رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم وآله)، وذمة أمير المؤمنين الوليد بن
عبد الملك بن مروان، وذمة الأمير الحجاج بن يوسف بن الحكم، وذمة المؤمنين،
وذمة قتيبة بن مسلم، فصالحه عن سمرقند ورساتيقها كس ونسف أرضها ومزارعها
وجميع حدودها على ألفي ألف درهم عاجلة، ومائتي ألف درهم في كل عام، وثلاثة
آلاف رأس من الرقيق ليس فيهم صبي ولا شيخ على أن يسمعوا ويطيعوا لعبد الله
الوليد بن عبد الملك بن مروان وللأمير الحجاج بن يوسف وللأمير قتيبة بن مسلم،
وعلى أن يؤدي غوزك بن أخشيد أفشين السغد ما صالحه عليه قتيبة بن مسلم من مال
ورقيق، فما أعطى من ذلك في جزية أرضه من السبي يحسب له كل رأس بمائتي
درهم، وما كان من الثياب الكبار كل ثوب بمائة درهم والصغار بستين درهما، وما
كان من حرير فكل شقة بثمانية وعشرين درهما، والذهب الأحمر كل مثقال بعشرين
درهما، والفضة البيضاء مثقال بمثقال، وعلى قتيبة بن مسلم العهد والميثاق أنه لا
يعمل على غوزك بن أخشيد أفشين السغد بشيء ولا يغدر به ولا يأخذ منه أكثر مما
صالحه عليه، فإن خرج على غوزك بن أخشيد عدو من الأعداء فعلى قتيبة بن مسلم



(1) بالأصل: الأشعري.
(2) في الطبري 6 / 480 أبيات على هذا الروي نسبت لكعب الأشقري وهذا البيت ليس فيها. وقيل إن
الأبيات للمختار بن كعب الجعفي كما في فتوح البلدان ص 411.
161
أن ينصره ويعاونه على عدوه، ويقول قتيبة بن مسلم بأني قد ملكتك يا غوزك بن
أخشيد سمرقند وأرضها وحدودها وكس ونسف وبلادها وحصونها، وفوضت إليك
أمرها، وأخذت خاتمك عليها، لا يعترض عليك معترض، وأن الملك من بعدها
لولدك أبدا ما دامت لي ولاية بخراسان، شهد على ذلك الحضين بن المنذر البكري
وضرار بن حصين التميمي وعلباء بن حبيب العبقسي ومعاوية بن عامر الكندي
ووكيع بن أبي سود الحنظلي وإياس بن نبهان والأشجع بن عبد الرحمن والمحرر بن
حمران والمجشر (1) بن مزاحم وعبد الله بن الأزور والفضيل بن عبد الله وعثمان بن
رجاء والحسن بن معاوية والفضيل بن بسام، وكتب ثابت بن أبي ثابت كاتب قتيبة بن
مسلم في سنة أربع وتسعين. قال: وختم قتيبة بن مسلم الشهود بخواتيمهم على هذا
العهد، ودفع العهد إلى غوزك بن أخشيد، فأنشأ الفرات بن عبد الله السني (2) يقول
في ذلك (3):
يرى الموت من عادى قتيبة مجهرا * وليس بوقاف ولا بمواكل
ولكنه سمح بنفس كريمة * يصول بها يوم الفنا والقبائل
فما لأبي حفص يزيد إذا سما * بأرعن مثل الطود جم الصواهل
حوى السغد حتى شاع في الناس ذكره * ونال التي أعيت على المتطاول
ونال التي قد رامها الناس قبله * فأعيوا وأمسى ذكره غير خامل
قال: ثم دعا قتيبة بأخيه عبد الرحمن بن مسلم (4) فجعله مقيما بمدينة سمرقند
لئلا ينكثوا ولا يغدروا، ثم أقبل إلى مدينة مرو فنزلها، وكتب إلى الحجاج يخبره بما
فتح الله عليه من سمرقند وما كان من صلحه إياهم، ووجه إليه الخمس من أموال
سمرقند.
ذكر كتاب الحجاج إلى قتيبة
أما بعد، يا قتيبة! فقد استقبل الله عز وجل من أمرك بما لم يستقبل به أحد
قبلك من التمكن في البلاد والظهور على الأعداء، فخذ ما آتاك الله بقوة وكن من



(1) بالأصل: المجسر.
(2) عن معجم الشعراء، وبالأصل (الثني).
(3) الأبيات في معجم الشعراء باختلاف بعض الالفاظ.
(4) في الطبري 6 / 480 استخلف على سمرقند عبد الله بن مسلم.
162
الشاكرين، وأعلمك يا قتيبة بأنك إلى الشدة في دين الله عز وجل أحوج منك إلى
اللين والوهن والضعف، فاشدد يديك أبا حفص بما قلدك الله تبارك وتعالى من أمر
خراسان، واتبع السياسة التي رضي الله بها عن عبده الصالح ذي القرنين إذ قيل له
لما بلغ مغرب الشمس (يذا الفرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا) (1)
فأحب الله تبارك وتعالى أن يبلوه فيما آتاه فهداه إلى طاعته ومرضاته من الحرم والقوة.
فقال: (أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا * وأما من آمن
وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا) (2)، فرضي الله بصنيعه
الحسن وقص ذلك في كتابه العزيز على نبيه صلى الله عليه وسلم ليقتدي به أئمة الحق ورعاة الدين،
فتدبر أبا حفص ما كتبت به إليك من موعظة العبد الصالح - والسلام عليك ورحمة الله
وبركاته -.
قال: فوصل الكاب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان.
ذكر كتاب الحجاج إلى قتيبة عند وفاته
قال: ومرض الحجاج مرضته التي توفي فيها، فلما أحس من نفسه الضعف
وعلم أنه ميت كتب إلى قتيبة أيضا بهذا الكتاب: أما بعد يا قتيبة! فإني كتبت إليك
كتابي هذا وقد اشتد وجعي، لعل الله تعالى أن يجعل علتي هذه كفارة لذنوبي، والله
أحب أن أخلد في هذه الدنيا كما خلد إبليس اللعين - عليه من الله والملائكة والناس
أجمعين اللعنة والخزي والبوار وسوء الدار - ولي أسوة برسول الله (صلى الله عليه وسلم
وآله) والأئمة الصالحين من بعده، وإني لاعلم رجالا من المنافقين سيشتد سرورهم
بما لي عند الله من عداوتهم إياي على دينه وأخذ حقه منهم، وإني لاعلم رجالا يشتد
لذلك جزعهم لما يتخوفون من ظهور الأعداء، وقد علمت أن الذي ينصرهم في
حياتي وهو الذي ينصرهم بعد مماتي، فانظر يا قتيبة أن تكون أشد مما كنت في أمر
الله وجهاد الكفار والمنافقين، واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير،
أستودعك الله يا قتيبة أنت ومن معك من المسلمين حتى نلتقي نحن وأنت غدا بين
يدي الرب الرحيم.
قال: ثم توفي الحجاج فكانت وفاته بالعراق ليلة الجمعة لسبع مضين من شهر



(1) سورة الكهف الآية 86.
(2) سورة الكهف الآيتان 87 - 88.
163
رمضان لخمس أو ست وتسعين (1) - والله أعلم -، فأنشأ الفرزدق بن غالب يقول:
لبيك على الاسلام من كان باكيا * على الدين أو مستوحش الليل خائف
وأرملة لما أتاها نعيه * أجادت له بالواكفات الذوارف
وقالت لأتراب لها قمن حسرا * فقد مات راعي ذودنا بالتألف
فما ضمنت أرض كمثل ابن يوسف * ولا خط يوما في بطون الصحائف
قال: واتصل موت الحجاج بالوليد بن عبد الملك فأظهر عليه الحزن والجزع
أياما كثيرة.
ذكر ولاية يزيد بن أبي كبشة على العراق
ومسير قتيبة إلى فرغانة
قال: ثم دعا الوليد بن عبد الملك برجل يقال له يزيد بن أبي كبشة السكسكي
فاستعمله على العراق في موضع الحجاج، وأمره أن يقر قتيبة بن مسلم على
خراسان. قال: فأقبل يزيد بن أبي كبشة حتى نزل العراق، ثم كتب إلى قتيبة بن
مسلم يخبره بولايته على العراق ويأمره بالمسير إلى فرغانة (2) ويحثه على ذلك.
قال: فلما ورد كتاب يزيد بن أبي كبشة على قتيبة نادى في أصحابه فجمعهم
وأقرأهم الكتاب، ثم أمرهم بالتجهز إلى فرغانة لمحاربة أهلها. قال: فأجابه الناس
إلى ذلك، فسار قتيبة في جيش عظيم حتى نزل أرض فرغانة، فجعل يقتل ويسبي
حتى انتهى إلى الشعب الذي ينتهي منه إلى الصين، وقد غنم المسلمون غنائم كثيرة.
ثم أقبل قتيبة حتى نزل على ملك فرغانة واسمه باشك وكان له حصن وثيق يقال له
كذه، وقد جمع باشك في ذلك الحصن جميع ما يحتاج إليه من آلة الحصار، قال:
قأقام عليه قتيبة سبعة أشهر حتى فني ما كان عنده، ثم خدعه قتيبة فاستنزله من حصنه
بغير أمان، ثم قدمه فضرب عنقه صبرا. ثم احتوى على أمواله وقليله وكثيرة،
فأخرج من ذلك كله الخمس، ثم وجه به إلى يزيد بن أبي كبشة أمير العراقين،
وقسم باقي ذلك في المسلمين، فأنشأ حاجب بن ذبيان المازني في ذلك يقول أبياتا
مطلعها:



(1) الطبري 6 / 493.
(2) يفهم من رواية الطبري أن قتيبة غزا فرغانة سنة 94 وذلك قبل موت الحجاج.
164
كم من عدو قتلت ذي كلب * جهم المحيا صبحت بالحرب
إلى آخرها.
قال: وبلغ الوليد بن عبد الملك أن قتيبة بن مسلم قد فتح فرغانة وظفر بأهلها
وقتل ملكها، فكتب إليه (1): أما بعد، فإن أمير المؤمنين قد عرف بلاءك (2) في عدو
المسلمين ونكايتك في المشركين، وأمير المؤمنين رافعك وصانع بك كل الذي
تحب، فأتمم (3) مغازيك وانتظر ثواب ربك، ولا تغب أمير المؤمنين من كتبك حتى
كأنه ينظر إلى جهادك والثغر الذي أنت فيه - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته -.
ذكر فتح كاشغر من أداني مدائن الصين
ووفاة الوليد بن عبد الملك
قال: فلما فتح قتيبة فرغانة وكان من أمرها ما كان نادى في الناس فجمعهم ثم
سار بهم إلى كاشغر (4)، وكاشغر من أداني مدائن الصين. قال: فسار إليهم قتيبة
بخيله ورجله، حتى إذا تقارب من بلادهم نزل بعسكره في أداني أرضهم، ثم دعا
برجل من أصحابه له كثير بن أيم الرياق (5) فضم إليه سبعة آلاف رجل من فارس
وراجل ووجه بهم إلى كاشغر، قال: فأقبل كثير حتى نزل عليهم فقاتلهم قتالا
شديدا، وسبى منهم مائتي رأس، فختم رقابهم ووجه بهم إلى قتيبة، فأنشأ نهار بن
توسعة يقول في ذلك:
لقد ذاقت بنو الأتراك حربا * وذلا ليس بالذل الحقير
وكم في الحراب حمق من أمير * وكم في الحرب حزم من أمير
قال: ثم رجع قتيبة بن مسلم من غزوته تلك وتوفي الوليد بن عبد الملك.
فكان ملكه تسع سنين وثمانية أشهر، وتوفي بدمشق في يوم السبت في النصف من



(1) انظر الطبري 6 / 492 - 493.
(2) الطبري: بلاءك وجدك في جهاد أعداء المسلمين.
(3) الطبري: فالمم.
(4) وكان ذلك في سنة 96 ه‍.
(5) في الطبري 6 / 500 كثير بن فلان.
165
جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وهو يومئذ ابن سبع وأربعين سنة (1)، وكانت وفاته
بعد وفاة الحجاج بأحد عشر شهرا - والله أعلم -.
ذكر ولاية سليمان بن عبد الملك وخبر
يزيد بن المهلب
قال: فلما توفي الوليد بن عبد الملك صار الامر إلى أخيه سليمان بن
عبد الملك، فدعا سليمان بيزيد بن المهلب فخلع عليه وحمله وعزم على أن يوليه
العراقين: البصرة والكوفة. فقال له يزيد بن المهلب: يا أمير المؤمنين! إن العراق
قد أجبر به الحجاج بن يوسف في ولايته وأنا رجل من أهل العراق، ومتى وليته
وقدمت عليهم أخذتهم بالخراج، والخراج لا يستخرج إلا بالضرب والشتم والحبس
الشديد، ومتى فعلت هذا بهم أكون عندهم كالحجاج فتغلظ علي قلوبهم، فإن رأى
أمير المؤمنين أيده الله أن يعفيني من ذلك، وأنا أدله على رجل بصير بأمر الخراج
وسياسة الأمور فيوليه إياها، قال سليمان: ومن هذا الرجل؟ فقال: صالح بن
عبد الرحمن مولى بني تميم، فقال سليمان: فإنا قد قبلنا ذلك منك وولينا خراسان
إن أحببت، فقال يزيد: يا أمير المؤمنين! تلك غايتي ومنيتي. قال: فدعا
سليمان بن عبد الملك بصالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم فعقد له عقدا وولاه
العراق، وعقد ليزيد بن المهلب بلاد خراسان حربها وخراجها كما كان في أول
مرة (2).
ذكر ابتداء خلاف قتيبة بن مسلم على سليمان بن
عبد الملك وعصيانه إياه
قال: [فخرج] يزيد بن المهلب من الشام أميرا على خراسان غير أنه صار إلى
البصرة ليجتمع إليه الناس من إخوته وبني عمه ومواليه، قال: وبلغ ذلك قتيبة بن



(1) انظر في مدة خلافته ومقدار عمره ويوم وفاته الطبري 6 / 495 ابن الأثير 3 / 232 العقد الثمين 1 / 87
مروج الذهب 3 / 192.
(2) الطبري 6 / 506 عزل سليمان يزيد بن أبي مسلم عن العراق وأمر عليه يزيد بن المهلب وجعل
صالح بن عبد الرحمن على الخراج.
وفي البداية والنهاية 9 / 188 ولى على إمرة العراق ثم خراسان يزيد بن المهلب فإعادته إلى إمرتها بعد
عشر سنين.
166
مسلم فاتقى على نفسه لما كان ارتكب من آل المهلب في ولاية الحجاج، فنادى في
الناس فجمعهم إليه ثم قال: أيها الناس! إن خليفتكم الوليد بن عبد الملك قد مضى
لسبيله كما قد علمتم، وقد صار الامر إلى أخيه سليمان بن عبد الملك، وقد علمتم
منزلة يزيد بن المهلب منه، وقد بلغني أنه قد ولي هذا البلد وأنا أكره أن أكون في بلد
وفيه مثل يزيد بن المهلب، وأنا ناظر في أمري بعد هذا - والسلام - (1).
ثم دخل قتيبة إلى رحله وكتب إلى سليمان بن عبد الملك يهنئه بالخلافة ويعزيه
عن أخيه الوليد، ووجه بالكتاب مع رجل من الأزد، فلما ورد كتاب قتيبة على
سليمان بن عبد الملك وقرأه أقبل على الرسول فقال: كيف رأيت قتيبة؟ فقال: يا
أمير المؤمنين! رأيته كارها لولاية يزيد بن المهلب خراسان، وأظنه سيخالف على
أمير المؤمنين. قال: فكتب سليمان إلى قتيبة: أما بعد، فإن الناس قد اشتد عليهم
البلاء في ولاية الحجاج من الخوف والحبس والتشريد حتى ضاقت صدورهم، وقد
أحب أمير المؤمنين أن يحل عقد الخوف عنهم وأن ينعشهم بالعدل والانصاف
والامن، وقد فهم أمير المؤمنين كتابك وتهنئتك وما قد أضمرت في نفسك من
الخلاف، فلا تفسدن صالح عملك بشق العصا فإن أمير المؤمنين (2) وإن عزلك عن
خراسان ولاك غيرها، فأقبل إلى أمير المؤمنين فيمن أحببت من إخوتك وقوادك آمنا
مطمئنا - والسلام -.
قال: فلما ورد كتاب سليمان بن عبد الملك على قتيبة جعل يحرك رأسه ثم
أنشأ يقول:
رماني سليمان بأمر أظنه * سيحمله مني على شر مركب
رماني بجبار العراق ومن له * على كل حي حد ناب ومخلب
وللموت خير من حياة ذليلة * وحبل ضعيف قد وهى متقضب
وللترك أدنى في الوداد مودة * وأقرب مني من بني المهلب
قال: فوثب إليه رجل من أصحابه يقال له جهم بن زحر الجعفي فقال: أيها



(1) في الطبري 6 / 507 وفتوح البلدان ص 411 أن قتيبة بن مسلم خاف سليمان بن عبد الملك واستوحش
منه لأنه كان قد سعى في بيعة عبد العزيز بن الوليد ودفع ولاية عهد الوليد عن سليمان أخيه.
(2) يرد سليمان على إشارة قتيبة وقد وردت في كتابه إليه أنه على طاعته ونصيحته إن لم يعزله عن
خراسان. (انظر الطبري 6 / 507 وابن الأثير 3 / 234).
167
الأمير! إنك قد أخذت في شيء لا يدرى ما هو فاشرحه لنا واسلك بنا سبيلا نعرفه،
فقال قتيبة: إياك عني، واسمعي يا جارة! قال: فعندها وقع في قلوب الناس وعلموا
أن قتيبة مخالف على سليمان بن عبد الملك وأنه قد عزم على العصيان، فأنشأ
بعضهم في ذلك يقول:
أقتيب إنك قد أتيت عظيمة * فانظر قتيبة أين أين المهرب
أصبحت ناكث بيعة أعطيتها * طوعا فجلدك للخلافة أجرب
مهلا فإنا لا نجيبك والذي * تدعو إليه من أمورك أعجب
ما ابن المهلب بالذي يزرى به * نقص ولا في أمره متغلب
ولانت أحقر والذي أنا عبده * في عينه من بقة تتذبذب
فانظر لنفسك يا قتيبة فربما * نظر السفيه فضاق عنه المهرب
قال: ثم دعا قتيبة برجل من أصحابه فوجه به إلى نيسابور وقال له: كن هنالك
مقيما واكتب إلي بالاخبار الصحيحة من أمر يزيد بن المهلب حتى أعمل على حسب
ذلك، وانظر أن لا تخفي علي شيئا من الأخبار. قال: فخرج ذلك الرجل حتى صار
إلى نيسابور فنزلها، ثم جعل يستخبر الاخبار المتواترة بالصحة أن سليمان بن
عبد الملك قد ولى يزيد بن المهلب أرض العراق وقد دفع إليه آل أبي عقل من أهل
بيت الحجاج ليستأديهم الأموال - والسلام -.
قال قتيبة: لئن كان ولاه العراق فقد ولاه خراسان، اللهم! إني أسألك ميتة
كريمة! قال: ثم عزم قتيبة على أن يأتي خوارزم فيتحصن بها، ثم بدا له في ذلك الرأي
وعزم على أن يأتي فرغانة فيتحصن بها، ثم إنه قعد فافتعل كتابا على لسان سليمان بن
عبد الملك: أما بعد، يا قتيبة! فقد بلغ أمير المؤمنين في الآثار الصادقة أن خليفة
من خلفاء بني أمية اسمه اسم نبي يفتح الله على يديه مدينة القسطنطينية، فيجد فيها
قميص آدم وجبة حواء ومائدة عيسى ابن مريم، ويفتح الله له أرض الصين فيحتوي
على أموالها، وقليلها وكثيرها، وقد توجه أمير المؤمنين نحو القسطنطينية واثقا بالله
وبالاخبار الصادقة أن الله عز وجل يفتحها على يديه، فانظر يا قتيبة إذا ورد عليك
كتابي هذا فاغز بمن معك من المسلمين إلى أرض فرغانة، ثم سر منها إلى الصين،
وعليك بالجد والجلد في أمر الله، فإن أمير المؤمنين واثق بطاعتك، عارف بيمنك
وبركتك لما كان من العدو ومنك، وأنه رافعك وزائدك وصانع إليك ما لم يصنعه إلى

168
أحد ممن كان قبله من الخلفاء - والسلام -، قال: ثم جمع قتيبة الناس فأقرأهم
الكتاب وأمرهم بالاستعداد والتأهب والمسير إلى فرغانة.
قال: فتجهز الناس وخرجوا على كره منهم، واتصل الخبر بسليمان بن
عبد الملك، فكتب‌ إلى يزيد بن المهلب فأشخصه من البصرة إلى ما قبله، ثم قال:
اعلم أن قتيبة بن مسلم قد خاف من ولايتك أرض خراسان خوفا شديدا لا يكون لنا
معه طاقة، فالرأي أن تكتب إليه كتابا تزين له المسير إلى فرغانة وتصوب له رأيه
وتأمره أن لا يخرج عنها حتى يفتح الله قلاعها، وتأمر الرسول الذي يصل إليه بالكتاب
أن يقول للناس بأن أمير المؤمنين قد زادكم في العطايا مائة مائة، وقد أذن لمن أحب
منكم القفول أن يقفل إلى منزله، فإن الناس يحبون القفول إلى منازلهم وقتيبة يمنعهم
من ذلك فيخالفونه.
قال: فكتب يزيد بن المهلب إلى قتيبة بن مسلم بما أمر به سليمان بن
عبد الملك، فلما ورد الكتاب على قتيبة فرح بذلك واستبشر، ثم خرج إلى الناس
فقرأ عليهم، فلما فرغ من قراءة الكتاب قام الرسول فقال: أيها الناس! إن أمير
المؤمنين قد زادكم في العطاء مائة مائة وقد أذن لمن أحب منكم القفول إلى منزله
فليقفل. قال: فعلم قتيبة أن هذا الرسول قد أغرى به الناس، فقال: أيها الناس!
إن هذا الرسول يمنيكم الضلال والأباطيل، إنه يريد بكم غير ما تظنون، إن
سليمان بن عبد الملك إنما يدعوكم إلى أن تبايعوا ابنه أيوب، وأيوب غلام لا تحل
ذبيحته، والله إن غ لامي هذا الذي يخدمني لافضل من أيوب بن سليمان.
قال: ثم دخل قتيبة إلى رحله فكتب إلى سليمان بن عبد الملك ثلاثة كتب:
كتاب منها في طومار يذكر فيه طاعته لعبد الملك بن مروان ولابنه الوليد، وأنه له (1)
على مثل ما كان [لهما] (2) عليه في أول أمره (3)، وكتاب في ثلث طومار فيه فتوحه
وأيامه وقدره عند العجم وبعد صوته فيهم، ويذم آل المهلب ويحلف بالله لئن
استعمل يزيد بن المهلب على خراسان ليخالفنه (4) وليفتقن عليه فتقا عظيما، وكتاب



(1) عن الطبري 6 / 507.
(2) عن الطبري.
(3) زيد في الطبري: من الطاعة والنصيحة إن لم يعزله عن خراسان.
(4) الطبري: ليخلعنه.
169
في ربع طومار بخلع سليمان والخلاف عليه. ثم قال: من يبلغ كتبي هذه إلى
سليمان بن عبد الملك فله دينه! فقال له مولى له (1): أنا أبلغها فهاتها! قال: فدفع
قتيبة كتبه هذه إلى مولاه ثم قال: أوصل هذا الطومار الأكبر إلى سليمان بن
عبد الملك أنت بنفسك، فإن قرأه وألقاه إلى يزيد بن المهلب فادفع إليه الثاني،
[فإن قرأه وألقاه إلى يزيد فادفع إليه الثالث] (2) فإن قرأ الكتاب الأول ولم يدفعه إلى
يزيد فاحبس الكتابين الآخرين معك ولا تدفعهما إليه.
قال: فقدم رسول قتيبة بن مسلم إلى الشام ووافاه يزيد بن المهلب عند
سليمان بن عبد الملك، فدخل ودفع الطومار الأكبر إلى سليمان، فقرأه ثم ألقاه إلى
يزيد، فدفع الثاني إليه فقرأه ثم ألقاه إلى يزيد، ثم دفع إليه الثالث فقرأه ووضعه إلى
جانبه ثم تبسم وألقاه إلى يزيد (3) وقال: لقد ظلمنا قتيبة وإنه لعظيم الغناء حسن
البلاء، ثم نهض وأمر برسول قتيبة فحول إلى دار الضيافة وأخذ الكتاب الثالث. فلما
أمسى دعا سليمان برسول قتيبة فأعطاه صرة فيها دنانير فقال: هذه جائزتك وهذا عهد
صاحبك قتيبة على خراسان مع رسولي هذا. قال: ثم وجه سليمان بن عبد الملك
معه برجل من عبد القيس يقال له صعصعة (4)، فخرجا حتى إذا صارا بحلوان تلقاهما
الناس بخلع قتيبة وعصيانه، قال: فمضى رسول قتيبة ورجع رسول سليمان إلى
الشام.
قال: ودخل رسول قتيبة إلى خراسان فقال له قتيبة: وما وراءك؟ فقال: ورائي
أني قد كنت أتيت بعهدك من أمير المؤمنين، فلما صرت إلى حلوان وسمع الرسول
بخلعك رجع بعهدك إلى صاحبه. قال: فندم قتيبة على ما عزم عليه من الخلع
والعصيان، ثم كتب إلى البحتري بن عبد الله الأسدي، وكان كبيرا أثيرا عظيم القدر
عند أهل خراسان، فقال له: يا بحتري! إني قد جربت منك يمنا ورأيا، وقد كان



(1) الطبري: رجل من باهلة.
(2) زيادة عن الطبري.
(3) في الطبري 6 / 508 فقرأ فتمعر لونه، ثم دعا بطين فختمه ثم أمسكه بيده.
قال معمر بن المثنى: ك ان في الكتاب الأول وقيعة في يزيد بن المهلب، وذكر غدره وكفره وقلة
شكره، وكان في الثاني ثناء على يزيد، وفي الثالث: إن لم تقرني على ما كنت عليه وتؤمنني
لأخلعنك خلع النعل ولأملأنها عليك خيلا ورجالا.
(4) صعصعة أو مصعب كما في الطبري.
170
مني ما علمت، ولست آمن سليمان فهات ما عندك، قال فقال له البحتري: إذا
أخبرك بذلك أن القوم قد عرفوك وعرفوا منك الطاعة، وقد علموا أن ما كان منك في
العدو ليس بصغير، فهم لا يستنقذونك من قدرك وموضعك وبعد صوتك. قال فقال
له قتيبة: يا أعور! أتظن أني أخاف القتل، ما أخاف ولكني لا آمن أن يولي يزيد بن
المهلب خراسان فيدعوني والناس حضور عنده فيقصر بي، والموت عندي أيسر من
ذلك، قال فقال له البحتري: أيها الأمير أصلحك الله! إن ظني بيزيد بن المهلب
وإن ولي خراسان فإنه لا يفعل بك ما تظن، وإن فعل بك ما تخاف لن ينقصك
ذلك. قال فقال قتيبة: ذر عنك هذا، ما الذي تقوله الناس؟ فقال: يقولون بأنك
خالع عاص، فقال قتيبة: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال البحتري: نعم ما قلت،
ولكن انتظر رسولك وما يأتيك به من عند أمير المؤمنين، فإني أظن أنه سيأتيك
بعهدك، فلا تعجل فتعرض نفسك وأهل بيتك للحرب والقتال، فإنه لا يدرى على ما
ينجلي أمرك، قال فقال له قتيبة: ويحك يا بحتري! إنه قد جاء رسولي بعهدي إلى
حلوان، غير أن رسول أمير المؤمنين رجع بالعهد إلى الشام، وأما الحرب والقتل
فو الله ما من غائب هو أحب إلي من الموت وإني لأدعو بالأعاجم خاليا ومعهم
خناجرهم وسيوفهم، وما منهم إلا من قد وترته بشتم أو بضرب أو بقتل ذي محرم
فأتهددهم بالضرب والقتل فما يزيدهم ذلك إلا خضوعا وذلا، وإني لأخرج ليلا
فأمشي وحدي في قميص بين قوم ما منهم رجل إلا وقد نالته مني عقوبة فما يعرض لي
أحد منهم، ولقد دعوت بصاحب دواتي وقد كنت ضربته بالأمس فدعوته وأنا
وحدي، فقام بين يدي طويلا سيفه معه وخنجره في وسطه وأنا لا أكلمه، وأقول إنه
سيفتك بي، فما فعل بي شيئا ثم خرج من بين يدي فزعا مرعوبا، فلست أخاف
القتل.
قال: ثم أرسل قتيبة إلى الحضين بن المنذر البكري فدعاه ثم قال: يا أبا
محمد! إني أريد أمرا وأخاف أهل خراسان وانتقاصهم على المسلمين، فقال له
الحضين بن المنذر: أيها الأمير! وما هذا الامر الذي تريد؟ قال: أريد أن أوجه إلى
كاشغر رجلا في خيل وإلى طريق فأحصن ذلك الطريق، قال فقال له الحضين بن
المنذر: أيها الأمير! ههنا طريق واحد إن قدرت على إحكامه فالطريق كلها آمنة،
قال قتيبة: وأي طريق هذا؟ فقال: طريق الاجل المقدر، قال: فغضب قتيبة وأخذ
قلنسوته فضرب بها الأرض حتى انشقت، قال: فقال له الحضين: بئسما تفاءلت به

171
لنفسك أيها الأمير، فقال قتيبة: لأنك تلقاني بكل ما أكره في كل وقت. قال:
فوثب الحضين فخرج من عنده.
وأرسل قتيبة إلى إخوته فشاورهم في أمره، فقال عبد الرحمن: قم فصر إلى
سمرقند، وقل للناس من أحب المقام فله المواساة، ومن أراد الانصراف إلى بلده
فغير مستكره، فإنه لا يقيم معك إلا الناصح لك، ثم حينئذ أخلع سليمان فإنه لا
يأمنك، فقال له عبد الله بن مسلم: اخلعه (1). قال: فأخذ قتيبة برأي أخيه
عبد الله، فأنشأ نهار بن توسعة يقول في ذلك:
شمر ونمر يا قتيبة بن مسلم * فإن يزيدا ظالم وابن ظالم
ولا تأمنن الثائرين ولا تنم * فما ليل أصحاب التراب بنائم
ولا تثقن بالأزد فالغدر رأيهم * ومكر منهم مستحل المحارم
وإني لأخشى يا قتيب عليكم * معرة يوم مثل يوم ابن خازم
ذكر كلام قتيبة في خطبته
قال: فعندها نادى قتيبة في الناس فجمعهم، ثم قام فيهم خطيبا، فحمد الله
وأثنى عليه ثم قال (2): أيها الناس! إنكم قد علمتم أني وليت أموركم فضممت الأخ
إلى أخيه والابن إلى أبيه، وقسمت فيئكم، ووفرت عليكم عطياتكم، وقد جربتم
الولاة قبلي، أتاكم أمية بن عبد الله فكان كاسمه في رأيه وعقله، يخضع في كور
خراسان لا يجبي فيئا ولا ينكىء عدوا ولا مذعنا للطاعة ولا منيبا للمعصية، كتب إلى
أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان بأن خراسان لأي قوم لمطبخه، ثم جاءكم من بعده
المهلب بن أبي صفرة فدوم بكم ثلاث سنين لا تدرون في طاعة أنتم أم في معصية،
حتى بليت ثيابكم وذهبت أموالكم، لا يجبي فيئا ولا ينكىء عدوا، ثم جاءكم بنوه
منهم ابن الرحمة (3)، [وإنما خليفتكم] (4) يزيد بن ثروان هبنقة (5) القيسي بل هو



(1) الطبري: اخلعه مكانك، وادع الناس إلى خلعه، فليس يختلف عليك رجلان.
(2) انظر الطبري 6 / 509 وابن الأثير 3 / 235.
(3) يريد يزيد بن المهلب، وبالأصل دحمة.
(4) زيادة عن الطبري.
(5) عن الطبري وفتوح البلدان ص 412 وبالأصل: بوران هبنقة. وهو يزيد بن ثروان بن هبنقة ذو الودعات
القيسي المضروب به المثل في الحمق.
172
أحمق منه، وأقل عقلا من بأقل (1)، وقد رأيتم عدلي فيكم وإنصافي إياكم، فهاتوا
ما عندكم. قال: فما أجابه أحد بشيء، قال: فغضب قتيبة لذلك ثم قال: يا أهل
السافلة! ولا أقول: يا أهل العالية، وبني بكر بن باطل! ولا أقول: بكر بن وائل،
ويا بني ذميم! ولا أقول: بني تميم، ويا أهل الشح والبخل بأي يوميكم تخوفونني
أم بأي يوم تمنون علي! أبيوم حربكم أم بيوم سلمكم، وأنتم يا معشر الأزد تبدلتم
بقلوس (2) السفن أعنة الحصن (3)، وبالمرادى (4) الرماح، وبالمجاذيف السيوف،
وأنتم أعراب. وما الاعراب! ولعنة الله على الاعراب (الاعراب أشد كفرا
ونفاقا) (5) جمعتكم من منابت الشيح والقيصوم كما يجمع قزع (6) الخريف بعد
ركوبكم الأتن والبقر في جزيرة بني كاوان (7)، حتى إذا ملأتم أيديكم من غنائم
الأعاجم وخدمتكم أبناء ملوك الترك والسغد قلتم كيت وكيت وذيت وذيت، أما والله
لئن وليكم يزيد بن المهلب ليعصبنكم عصب النسعة (8) وليقرعنكم قرع المروة.
قال: فسكت الناس فما أجابه أحد بشيء، فجعل يتمثل بهذا البيت:
إن امرأ ملك اليمامة كلها * أعطى الملوك مقادة لم يضلل
قال: فنهض الناس وتفرقوا وهم غضاب من شتمه لهم وسوء مقالته فيهم.
ودخل قتيبة إلى رحله وأقبل إليه إخوته وأهل بيته فقالوا له: أيها الأمير! ماذا أتيت إلى
الناس في هذا اليوم! والله ما قصرت عن أهل العالية وهم شعارك ودثارك، ثم
تناولت بني بكر بن وائل وهم أنصارك، ثم لم ترض حتى تناولت بني تميم وهم
إخوتك، ثم تناولت الأزد وهم يدك وجناحك، فقال قتيبة: لأني تكلمت فما أجابني
أحد منهم بشيء، وقد مضى القوم فذروهم، إن أهل العالية كابل الصدقة جمعت
من كل أوب، وبنو بكر أمة لا تمنع يد لامس، وتميم جمل أجرب، وعبد القيس ما



يضرب المثل بعيه، وهو رجل من أياد (انظر مجمع الأمثال للميداني 1 / 329).
(2) قلوس جمع قلس وهو حبل ضخم من ليف أو خوص.
(3) الحصن جمع حصان.
(4) المرادي واحدها المردى خشبة تدفع بها السفينة تكون في يد الملاح.
(5) سورة التوبة الآية 97.
(6) القزع كل شيء يكون قطعا متفرقة.
(7) هي جزيرة عظيمة وهي جزيرة لافت وهي من بحر فارس بين عمان والبحرين.
(8) الطبري: عصب السلمة.
173
يضرب الحمار ببطنه (1)، والأزد أعلاج وأشرار خلق الله، والله أن لو ملكت أمرهم
لوسمتهم.
قال: فعندها مشى الناس إلى عبد الرحمن القسري، وكان قتيبة قد أضر به،
فكلموه وقالوا: أما رأيت ما تكلم به هذا الرجل فينا وفي قومنا وعشائرنا؟ فقال: قد
بلغني ذلك، فما تريدون؟ فقالوا: نريد أن تدخل إليه فليأذن لنا في القفول إلى
بلادنا، وهو أعلم بعد ذلك إن شاء فليخلع سليمان بن عبد الملك وإن شاء فليسمع
وليطع، فإن هو لم يأذن لنا فلا يلومن إلا نفسه. قال فقال لهم عبد الرحمن
القسري: يا هؤلاء! أنتم تعلمون الذي بيني وبينه من التباعد، ولكني ألقى أخاه
عبد الرحمن بن مسلم فإنه من أمثلهم، فقالوا: ذاك إليك.
قال: فأقبل عبد الرحمن القسري حتى دخل على عبد الرحمن بن مسلم فسلم
عليه ثم قال: إني لأحسب أن أخاك قتيبة قد خذل، ولولا ما كان منه إلي لكلمته في
ذلك لان الناس قد هموا به، فليأذن لهم بقفولهم إلى بلادهم من قبل أن يتفاقم
الامر. قال فقال له عبد الرحمن: إن قتيبة لا يخاف هذا الكلام، إني لو بعثت أمتي
لفرقتهم في الجبال، قال: فغضب القسري من ذلك ثم قال: إ نك لو بعثت أمتك
لنكحوها ورجعت إليك مفضوضة. قال: ثم خرج القسري من عنده، وأقبل
عبد الرحمن بن مسلم حتى دخل على قتيبة فخبره بما كان تكلم به القسري وما يتكلم
به القسري.
قال: فبلغ ذلك عباد بن إياس الغنوي فأقبل حتى دخل على قتيبة فقال: أيها
الأمير! إنك قد أفسدت قلوب الناس عليك، فناد فيهم بالقفول إلى منازلهم حتى
تذهب عنك العامة وأهل الأحقاد ثم ترى رأيك بعد ذلك، قال: لا أفعل ولا آذن لهم
بالقفول. قال، فادع إذا بثقاتك من العجم، فلا يشعر الناس إ لا وأنت مشمر
للحرب، ثم ادع من تخافه على نفسك فاضرب عنقه من قبل إجماع الكلمة عليك،
قال قتيبة: لا أفعل ذلك. قال: فاعط الناس حقهم وأرضهم بالأموال، قال: لا ولا
كرامة! قال: فأنت والله مقتول.
قال: ثم خرج عنه عباد بن إياس الغنوي، ونادى قتيبة في الناس فجمعهم ثم
خرج إليهم فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أهل خراسان! حتى متى



(1) الطبري: فما يضرب العير بذنبه.
174
يتبطح أهل الشام في فيئكم، والله لقد أدنوني وأقصوكم، وأكرموني وهانوكم،
ورفعوني ووضعوكم، يا أهل خراسان! أتيتكم وأنتم رجلان: رجل قد نزع سنان
رمحه فجعله محراثا يحرث به، ورجل منكم على حربه إن هدرت هدر وإن سكنت
استقر، لباسكم العباء، وطعامكم الخشب، فأطعمتكم الجرمق، وألبستكم
النرمق، وبصرتكم ما لم تكونوا تتناولونه قبل ذلك، فنطقت فيكم الشعراء، وتفوهت
فيكم الأدباء. خرجتم مع ابن الأشعث ثم أتيتموني خائفين من سيف الحجاج
فآمنتكم وكففت عنكم، حتى إذا تم لكم الامن وأمنتم النقمة أشرتم وبطرتم
النعمة، فأنشأتم تضربوني في الأمثال وتمنون الأماني، والله أن لو شئت لكنت أعز
العرب دعوة وأكثرها ناصرا بما قد أفاءه الله علي. ثم قال: أين رماة الحدق! فقام
أبناء ملوك السغد وأبناء ملوك الترك والطراخنة والبرقش وأبناء ملوك بخارستان وغيرهم
من أبناء ملوك خراسان، وهم يومئذ زيادة على عشرة آلاف غلام لا يسقط لاحد منهم
سهم. قال قتيبة: هؤلاء أعظم الأعاجم أخطارا، وأكرمهم نجارا، وأضرب منكم
بالسيوف، وأثبت منكم عند اللقاء. قال: فسكت القوم فما أجابه أحد بشيء من
ذلك، فازداد غضبه، ثم سكت وتنحى عن موضعه ذلك ودخل إلى رحله، ونهض
الناس مزمعين (1) على حربه وقتله.
ذكر مقتل قتيبة بن مسلم واجتماع أصحابه على ذلك
قال: ثم إنهم مشوا إلى الحضين بن المنذر فقالوا له: يا أبا محمد (2)! هل
لك أن نوليك أمورنا إلى أن يقدم علينا أمير من عند سليمان بن عبد الملك ويكفينا أمر
قتيبة، فقد تعدى طوره وجاوز قدره، فقال الحضين: لا حاجة بي في ذلك،
فقالوا: ولم؟ قال: لان مضر خراسان إنما ثلاثة أخماس (3)، بنو تميم خاصة
الجيش وأكثرها فرسان، فهم لا يرضون أن يكون في غيرهم، وأخرى فإنكم إن
أخرجتموهم من هذا الامر أعانوا قتيبة عليكم. قال فقالوا له: يا أبا ساسان! إن قتيبة
قد وتر بني تميم بقتل ابن الأهتم (4) فقال: صدقتم ولكنهم يتعصبون للمضرية.



(1) الأصل: مزمعون.
(2) في الطبري: أبا حفص، وكان يكتني في الحرب بأبي ساسان، ويقال: كنيته أبو محمد.
(3) عن الطبري وبالأصل: أجناس.
(4) عن الطبري وبالأصل: بني الأبهم.
175
قال: فترك القوم حضينا، ثم صاروا إلى عبد الله بن حوذان الجهضمي، وهو
يومئذ سيد من سادات الأزد، فكلموه في ذلك فلم يجبهم إلى شيء، فرجعوا إلى
الحضين بن المنذر فقالوا: يا أبا محمد! إن بكر بن وائل لا تخالفك ونحن نوليك
أمرنا، فقال: ما أحببت أن يكون لي في هذا الامر ناقة ولا جمل، عليكم بغيري فإن
قبائل مضر لا ترضى أن تسلبوها أمرها وتقتلوا ويولى الامر عليها غيرها.
قال: فتركوه وأقبلوا إلى حيان (1) بن إياس العدوي (2) فقالوا له: نريد منك أن
تمشي معنا إلى الحضين بن المنذر فتكلمه في هذا الامر. فأقبل حيان إلى الحضين
فقال: يا أبا محمد! ما الذي تكره من أن تخلع قتيبة ونوليك هذا الامر؟ فقال
الحضين: أذكرك الله أبا معمر أن تراجعني في هذا الامر، فوالله ما أستطيع أن
أستمعه - وكان الحضين في وقته ذلك قائما فجلس، ثم قال: والله ما يحملني
رجلاي مخافة أن يبلغ قتيبة ذلك، فذرني وعليك بغيري.
فخرج حيان بن إياس من عند الحضين بن المنذر، ثم بعث إلى قوم من قبائل
مضر فجمعهم، ثم قال: إنه لم يكن لهذا الامر إلا هذا الاعرابي - يعني وكيع بن أبي
أسود التميمي (3)، فإنه رجل مقدام بطل، لا ينظر في عاقبة، وله عشيرة تطيعه وتقبل
منه (4)، فصيروا إليه. ثم صار القوم إلى وكيع بن أبي سود فكلموه في ذلك، فقال
وكيع: هات يدك يا حيان! فمد حيان يده فبايع وكيعا.
قال: واتصل الخبر بقتيبة بن مسلم بأن حيان بن إياس العدوي (5) قد بايع
وكيعا وأنه قد أفسد عليه الناس، فقال قتيبة: والله لقد حذرنيه الحجاج قبل هذا اليوم
حين وليته أمر السغد، فقال: أحذره فإن لك منه يوما أروباتا (6).
قال: وجعل الناس يصيرون إلى وكيع بن أبي سود فيبايعونه سرا حتى بايعه



(1) عن الطبري وبالأصل: عباد.
(2) عن الطبري وبالأصل: الغنوي.
(3) انظر فتوح البلدان ص 412 البداية والنهاية 9 / 167 ابن خلكان 4 / 87 ابن الأثير 3 / 336.
(4) زيد في الطبري 6 / 512 وهو موتور يطلب قتيبة برياسته التي صرفها عنه وصيرها إلى ضرار بن
حصين بن زيد الفوارس.
(5) عن الطبري وبالأصل الغنوي.
(6) كذا.
176
خلق كثير، فجعل يتمثل بقول الأشهب بن رميلة حيث يقول:
سأجني ما جنيت وإن ركني * لمعتمد إلى ركن ركين
قال: وبخراسان يومئذ من مقاتلة أهل البصرة أربعون ألفا، منهم بنو تميم
عشرة آلاف ورئيسهم يومئذ ضرار بن حصين بن زيد الفوارس بن حصين بن ضرار،
وعشرة آلاف من الأزد ورئيسهم يومئذ عبد الله بن حوذان الجهضمي، والحضين بن
المنذر البكري (1)، وعبد القيس خاصة في أربعة آلاف (2)، فهؤلاء كلهم (3) على
قتيبة إلا من كان من قبائل قيس عيلان، فإنهم كانوا مع قتيبة.
قال: وجعل قوم يأتون قتيبة ويقولون له: أيها الأمير! عليك بالاستعداد
والحذر فإن الناس قد بايعوا وكيعا وخلعوك، قال: فكان قتيبة لا يصدق بشيء من
ذلك ويقول: هؤلاء قوم يحسدون وكيعا لأنه يشرب في منزلي ويسكر حتى يخدر
ويحمل من منزلي وهو سكران لا يعقل، وهو يريد الخروج والخلاف علي، هذا لا
يكون أبدا. قال: فجعل الناس يبايعون وكيعا ويقولون له: يا أبا المطرف! إنما
نبايعك لأمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك ولمن يوليه علينا ولمن يستخلفه سليمان
على أنك تسمع له وتطيع فلا تدعين غير هذا. قال وكيع: ما أدعي غير هذا وأنا
سامع مطيع لكل من يقدم من عند أمير المؤمنين. قال: ودس قتيبة إلى وكيع رجلا
يقال له ضرار بن سنان (4) الضبي على أنه يبايع وكيع ويأتي قتيبة بالخبر، قال:
فذهب‌ الضبي إلى وكيع فبايعه ثم جاء إلى قتيبة فخبره بذلك. قال: فأرسل قتيبة إلى
وكيع أن صر إلينا أبا المطرف! فإنا قد احتجنا إلى مناظرتك، قال: فجاء رسول قتيبة
إلى وكيع ووكيع في وقته ذلك قد طلى رجليه مغرة (5) وعلق على ساقيه خرزا وعنده
رجلان من زهرة (6) يرقيانه من الحمرة، فقال له الرسول: أجب الأمير أبا المطرف!
فقال وكيع: قد ترى ما بي فكيف آتيه وأنا على هذه الحالة.
قال: فرجع رسول قتيبة



(1) وهو رئيس بكر وهم في سبعة آلاف كما في الطبري.
(2) ورئيسهم عبد الله بن علوان عوذي.
(3) فاته: من أهل العالية تسعة آلاف. يتم عددهم على أربعين ألفا.
(4) عن الطبري 6 / 513 وبالأصل (سيار).
(5) المغرة طين أحمر يصبغ به.
(6) الطبري: زهران.
177
إليه فخبره بذلك، فقال قتيبة: عد إليه! فقال الرسول: أصلحك الله! فإني قد
رأيت برجله شيئا لا يقدر على الركوب ولا أظن ذلك الوجع إلا قاتله، فقال قتيبة: لا
شفاه الله مما به! عد إليه فأتني به على سرير محمولا، فرجع الرسول إليه فقال له:
يقول لك الأمير: إن لم تقدر على الركوب فتحملك الرجال على السرير، فقال
وكيع: إن الرجال يحركونني على السرير فتزداد علتي هذه، قال: فرجع الرسول
إلى قتيبة فأعلمه ذلك، فقال قتيبة: يا غلام! قل لشريك بن الصامت (1): فلينطلق
إليه وليأتني به سحبا على وجهه، قال فقال ثمامة بن ناجذ (2) العدوي: أنا آتيك به
أصلح الله الأمير! قال: ثم أقبل ثمامة إلى وكيع فقال له: كن على أهبة فإن الرجل
قد عزم على أخذك، قال: ثم قعد ثمامة عند وكيع فلم يرجع إلى قتيبة، فقال قتيبة:
أين شريك بن الصامت؟ فقال: ها أنا ذا أصلح الله الأمير! فقال: اذهب إلى وكيع
فأتني به سحبا على وجهه، فإن امتنع عليك فجئني برأسه. قال: فقام هريم بن أبي
طحمة التميمي فقال: أنا آتيك به أصلح الله الأمير! قال: وقام جماعة من بني تميم
فقالوا: نحن نأتيك به أو برأسه أيها الأمير! فلا تقلق. ثم ركبوا إلى وكيع فقالوا له:
قم وإلا هلكت وأهلكتنا معك، قال: فدعا وكيع بسكين فقطع ما كان على ساقه من
الخرز، ثم جعل يرتجز ويقول:
شدا على من رامني لا انكشف * يوما لهمدان ويوما للصدف (3)
قال: ثم دعا بسلاحه ودرعه فتدرع وتقلد سيفه وتناول رمحه، ونادى في الناس
فكأنهم إنما كانوا على أهبة، ثم مضى وحده نحو فسطاط قتيبة وهو يقول:
سنجنح حمل مكروهة * شدلها الشرسوف والقاصعا (4)



(1) زيد في الطبري: ورجل من غني.
(2) عن الطبري وبالأصل (ناحية).
(3) البيت في الطبري 6 / 513.
شدوا على سرتي لا تنقلف * يوم لهمدان ويوم للصدف
(4) البيت في الطبري 6 / 514
قرم إ ذا حمل مكروهة * شد الشراسيف لها والحزيم
وقال قوم: تمثل وكيع حين خرج:
أنخن بلقمان بن عاد فجسنه * أريني سلاحي لن يطيروا بأعزل
178
قال: فلقيه رجل من أصحاب قتيبة يقال له إدريس فقال له: أبا المطرف! إنك قد خفت من الأمير ما لم يرده بك وقد آمنك، فالله في نفسك. قال: فالتفت
وكيع إلى أصحابه وقد لحقوا به فقال: أيها الناس! هذا إدريس وهو رسول قتيبة
يؤمنني إن أنا أتيته، وكذب والله ابن الحدباء! لا والله أو يؤتى برأسي أو أوتي برأسه!
قال: وجعل الناس ينادي بعضهم بعضا وهم يقولون: افزعوا إلى وكيع شيخ تميم،
قال: وأقبل الناس من كل أوب، وأقبل وكيع حتى وقف بإزاء فسطاط قتيبة، فصار
بنو تميم والأزد مقابل الفسطاط، وقبائل ربيعة من وراء السرادق، وقتيبة في أهل
بيته، وأقبلت قبائل قيس لينصروا قتيبة، فعلموا أنهم لا طاقة لهم بأهل العسكر.
قال: وسمع قتيبة الضجة فقال: ما هذا؟ قالوا: وكيع قد أقبل في عسكر،
قال: فدعا قتيبة دابته ليركبها فلم تقر الدابة ولم تقف، فقال: نحوها، فنحوها
وقعد قتيبة على سريره وعليه قميص ورداء وهو معتم بعمامة بيضاء قد كانت أمه بعثت
بها إليه قبل ذلك وقد احتبى بحمائل سيفه، وعنده يومئذ إخوته وجماعة من أهل بيته
وعشائره، فقال له رجل من أصحابه يقال له ميسرة بن عبد الله الجدلي وكان شجاعا
بطلا: أيها الأمير! إن شئت أتيتك برأس وكيع، فقال له قتيبة: اسكت، فسكت.
وأقبل رجل من موالي بني أسد يقال له يزيد بن مسلم، وقد كان قتيبة قبل ذلك ضربه
وحلق رأسه ولحيته وأطافه في عسكره، فجعل يحرض الناس على قتيبة ويذكر من
قتله قتيبة منهم قبل ذلك ويسميهم بأسمائهم، ويقول: أين بنو الأهتم؟ أين بشر بن
صفوان؟ أين ضرار بن حسه (1) بن القاسم بن زياد؟ أين فلان؟ وأين فلان؟ قال:
فجعل يزيد بن مسلم يحض بني تميم ويذكرهم ذحولهم وقتلاهم ويجدد أحقادهم.
قال فقال قتيبة لرجل عنده: اخرج فناد: أين بنو عامر؟ فقال له رجل من بني عامر:
حيث تركتهم، فقال قتيبة: أذكركم الله والرحم! فناداه محفن بن جزء الكلابي (2):
أنت قطعتها، قال قتيبة: فلكم العتبى، قال محقن (3) بن جزء: لا أقالنا إذا إن
أقلناك، قال: فجعل قتيبة يتمثل بهذين البيتين وهو يقول:



(1) كذا بالأصل ولم نظفر به.
(2) عن الطبري 6 / 514 وبالأصل: محرم بن حرى.
(3) بالأصل: محقر بن حرى.
179
يا قوم صبرا على ما كان من مضض * إذ لم أجد لعتاة القوم أقرانا (1)
لو كان قومي أحرارا لقد منعوا * سلوى يطائر عنه الناس خذلانا
قال: فقال رجل من أصحاب قتيبة يقال له صالح بن حيان مولى مصقلة بن
هبيرة لغلام له: يا غلام! ناولني قوسي، فقال له صالح بن مسلم أخو قتيبة بن
مسلم: ليس هذا وقت قوس (2).
قال: ثم ذهب صالح بن مسلم ليكلم الناس فرماه (3) رجل من بني ضبة يقال له
سليمان (4) ويلقب بريح أترنج بسهم فصرعه، فابتدره الناس فحمل إلى أخيه قتيبة،
وكان أكبر ولد مسلم، فأدخل الفسطاط ورأسه مائل، فقام إليه قتيبة فجلس عنده
ساعة حتى قضى، ثم رجع إلى سريره. وتقدم عبد الرحمن بن مسلم أخو قتيبة،
فرماه مولى لبني حنيفة يكنى أبا فديك بسهم فقتله. ثم أقبل يزيد بن الأهتم الأزدي
على قومه من الأزد فقال: أيها الناس! تعلمون أن قتيبة بن مسلم هذا جعلني رئيسا
عليكم؟ فقالوا: اللهم نعم، قال: فإني والله سمعته وهو يقول: والله لاستأصلن
الأزد حتى لا يبقى لعمايتها سادة ولا قادة! قال: ثم تقدم في قومه من الأزد نحو
فسطاط قتيبة بن مسلم متمثلا بهذا البيت وهو يقول:
أعلمه الرماية كل يوم * فلما قال قافية هجاني
ويروى:
أعلمه الرماية كل يوم * فلما اشتد ساعده رماني
قال: ثم تقدم سعد بن نجد الأزدي وجهم بن زحر الجعفي وفي يده راية له،
فنظر إليه حيان بن إياس العدوي (5) فحمل عليه، وحمل عليه جهم فضربه بالسيف
ضربة فوقع على معرفة البرذون فقطع تجافيفه وعنق الفرس، ورمى جهم بنفسه من



(1) البيت في الطبري:
يا نفس صبرا على ما كان من ألم * إذ لم أجد لفضول القوم أقرانا
(2) انظر الطبري 6 / 515.
(3) عن الطبري، وبالأصل فرآه.
(4) وقيل بل رماه رجل من بلعم. وقيل إنه بعد رميه طعنه زياد بن عبد الرحمن الأزدي من بني شريك بن
مالك.
(5) بالأصل (الغنوي) وقد صححت في كل مواضع الخبر.
180
الفرس وحمل على العدوي برمحه راجلا، فهرب العدوي من بين يديه إلى قتيبة.
قال: وصاح رجل من أصحاب وكيع: ما تنتظرون بالرجل؟ تغدوا به قبل أن يتعشى
بكم! قال: فدعا وكيع بالنار والحطب فأحرق الناس (1)، وبها نجوا ثم دنوا
من الفسطاط، فدخل إلى قتيبة مؤذنه فقال: أيها الأمير! على ماذا أقبل؟ قال: على
طاعة الله ورسوله محمد (صلى الله عليه وسلم وآله)، فخرج المؤذن فقاتل حتى قتل،
وتقدم عبد الله بن وألان وعبد العزيز بن الحارث وميسرة [الجدلي] وعبد الرحمن بن
عبد الله القسري - هؤلاء الأربعة، فخرجوا من القارة خوفا على أنفسهم أن يقتلوا،
وتقدم عبد الله وعبد الكريم والحصين بن زياد (2) إخوة قتيبة، فقاتلوا حتى قتلوا عن
آخرهم. وتقدم كثير بن قتيبة فقتل، ثم تقدم مغلس بن عبد الرحمن بن مسلم ابن
أخي قتيبة فقاتل فقتل. فقال قتيبة لرجل واقف بين يديه يقال له جنادة الوائلي: انج
بنفسك، فقال: لا والله وأقتل بين يديك! أنا أسلمك، قد أطعمتني الجرمق (3)
وألبستني النرمق (4)! فقاتل فقتل. وخرجت أم ولد لقتيبة يقال لها الصماء فشد عليها
رجل من القوم فقتلها. قال: وقتل حاجب قتيبة شريك بن الصامت، وصبر قتيبة مع
أخيه وهاجت بينهم قسطلانية، ومالت الأزد وبنو بكر فقطعوا أطناب السرادق، ثم
هجموا على قتيبة، وقصده رجلان أحدهما سعد بن نجد (5) الأزدي والاخر جهم بن
زحر الجعفي، فطعنه جهم بن زحر وضربه سعد بن نجد، ويقال: أنهما جميعا
ضرباه فقتلاه، وقد ذكر ذلك الحضين بن المنذر البكري في قصيدة له حيث يقول:
ألم تر جهما وابن نجد تعاورا * بسيفيهما رأس الهمام المتوج
وما أدركت في قيس عيلان نارها * بنو شنفر إلا بأسياف مذحج
وإلا بفتيان العتيك وغيرهم * من الأزد في داج من الرهج أدعج
أتاها ابن زحر بعد ما هب جمعها * فباشرها في حرها المتوهج
أصم غداني كأن جبينه * مجاجة نفس في أديم ممجمج



(1) عبارة الطبري 6 / 515 فأحرق الناس موضعا كانت فيه إبل قتيبة ودوابه، ودنوا منه.
(2) لم يرد في الطبري ولا في ابن الأثير.
(3) في الطبري وابن الأثير: الجردق. وهو الرغيف بالفارسية.
(4) النرمق: اللين بالفارسية.
(5) في فتوح البلدان: مجد.
181
قال: ودخل عبد الله بن حوذان الأزدي إلى قتيبة فاحتز رأسه (1) ومضى به إلى
الأزد. قال: وطلب وكيع بن أبي سود الرأس، فقيل له: إن رأس قتيبة وخاتمه قد
صار إلى الأزد، قال: فغضب وكيع ثم قال: لا والله لا أبرح أو أوتى بالرأس! وإلا
ألقحت بها فتنة صماء، وإلا ذهب رأسي مع رأسه. قال فقال بعض أصحابه (2): يا
أبا المطرف! فإنك تؤتى بالرأس فلا عليك! قال: وأقبل رجل من الأزد إلى قومه
فقال: أحمقى أنتم! بايعنا رجلا وقلدناه أمورنا وعرض نفسه للتلف وتأخذون أنتم
الرأس؟ احملوا إليه الرأس حتى يصنع به ما يشاء، قال: ثم أقبلوا بالرأس إلى وكيع
وقالوا: يا أبا المطرف! إن هذا الذي احتز الرأس - وأومأوا إلى عبد الله بن حوذان أو
عبد الله بن علوان، قال: فأمر له وكيع بثلاثة آلاف درهم، ثم بعث بالرأس إلى
سليمان بن عبد الملك بن مروان مع رجل يقال له سليط بن عطية (3) الحنفي
وأنيف بن حسان (4) العدوي في رجال من قومها، وكتب إليه يعلمه بقصة قتيبة بن
مسلم وما كان من خلعه وعصيانه، فأنشأ عبد الله بن جمانة الباهلي يقول في ذلك
أبياتا مطلعها:
علام تلوم عاذلتي سفاها * وتلحاني وما أنا بالمليم
إلى آخرها.
قال: وجعل الناس يسلبون من قدروا عليه من قبائل باهلة، فأقبل قوم من
قيس عيلان إلى عبد الرحمن بن عبد الله القسري (5)... إلى وكيع فقال: أبا
المطرف! إنكم قد قضيتم شأنكم من قتيبة فعلى ماذا يسلب الناس؟ قال: فأرسل
وكيع مناديه، فنادى في العسكر: ألا! من أخذ شيئا من سلب باهلة ولم يرده فقد
حل دمه. قال: فرد الناس ما كان في أيديهم من السلب، قال: وأتي وكيع برجل
قد سلب باهليا فقال له: أسلبته بعد ما سمعت النداء؟ ثم قدمه وكيع فضرب عنقه.
قال: وكان وكيع هذا من أخمر الناس، غير أنه كان فارسا بطلا لا يقوم له أحد عند



(1) في فتوح البلدان: ابن علوان احتز رأسه. وفي الطبري: أن سعد بن نجد (مجد) احتز رأسه.
(2) في الطبري: فقال له حضين.
(3) الطبري: عبد الكريم.
(4) عن الطبري وبالأصل: حيان.
(5) في الكلام سقط لا نعلم مقداره اختل معه السياق.
182
اللقاء، وخطب ذات يوم فلم يدر ما يقول، فحمد الله واثنى عليه ثم حضر فجعل
يقول:
شربت خميرة فسكرت منها * فمال السرج وانقطع اللجام
قال: وسعد المنبر ذات يوم فقال: أيها الناس! إني لست بخطيب ولكني
والغ دم، وقد قتلت ابن الحدباء قتيبة بن مسلم، وكذلك سولت لي نفسي، ثم نزل
عن المنبر. وقال لهريم بن أبي طحمة التميمي: أنت أخطب مني فاصعد واخطب،
قال: فصعد هريم المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: لعن الله وكيعا (1) فلقد قتل
رجلا ملعونا، قال فقال له وكيع وهو تحت رجله جالس: حسبك! لعنك الله ولعن
من أنت أخطب منه!
قال: وقد أراد سليمان بن عبد الملك أن يولي وكيعا بلاد خراسان، فقال له
ابن الأهتم: مهلا يا أمير المؤمنين! فإن وكيعا رجل أهوج مقدام ترفعه الفتنة وتضعه
الجماعة. قال: فلما كان بعد قتل قتيبة بن مسلم دخل الفرزدق على سليمان بن
عبد الملك فقال له: يا بن غالب! أسرك مقتل قتيبة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين!
وأنا الذي أقول في ذلك أبياتا مطلعها:
أتاني ورحلي بالمدينة وقعة * لآل تميم أقعدت كل قائم
إلى آخرها.
قال: فأجابه رجل من باهلة وهو يقول أبياتا مطلعها:
أتتك لعمري بالمدينة وقعة * تعاظمها الأقوام إحدى العظائم
إلى آخرها.
قال أبو الحسن المدائني: فلما قتل قتيبة ومضى لسبيله احتوى وكيع بن أبي
سود على بلاد خراسان، فأقام بها تسعة أشهر يولي ويجبي ويعزل، وسليمان بن
عبد الملك يحب أن يولي يزيد بن المهلب خراسان غير أنه يقدم ويؤخر. قال:
ويزيد يومئذ قد صار إلى البصرة فهو مقيم بها عند أهل بيته وبني عمه يتوقع أن يؤمر
بالمسير إلى خراسان. قال: ودعا سليمان بن عبد الملك بعبد الملك بن المهلب
فقال له: أبا عبد الله! ماذا أنت صانع إن وليتك؟ فقال: يجدني أمير المؤمنين



(1) كذا.
183
بحيث أحب. قال: وبلغ ذلك يزيد بن المهلب فاشتد ذلك عليه (1)، وكتب
سليمان بن عبد الملك أن يوليه خراسان، ويعلمه في كتابه أنه لا يقوم بأمرها أحد
سواه. قال: وقدم أيضا رسول وكيع بن أسود من خراسان يطلب الولاية لنفسه.
قال: فنظر سليمان في كتاب يزيد بن المهلب، ثم نظر في كتاب وكيع بن أبي
سود، ثم دعا بعبد الله بن الأهتم فقال له (2): خبرني كيف علمك بخراسان، فقال:
أنا أعلم الناس بها يا أمير المؤمنين! ولدت بها وبها نشأت. قال سليمان: الله أكبر!
فأشر علي برجل أوليه إياها، فقال: أمير المؤمنين أيده الله أعلم بمن يريد أن يولي،
فإن ذكرهم خبرته بعلمي فيهم أيصلح لها أم لا يصلح، قال: فسمى له سليمان عدة
من قريش، فقال ابن الأهتم: لا يصلحون لها، قال سليمان: فما تقول في
وكيع بن أبي سود؟ فقال ابن الأهتم: وكيع رجل مقدام شجاع بطل همام حازم،
غير أنه أعرابي وفيه جفوة، فقال له سليمان بن عبد الملك: صدقت ليس وكيع من
رجال خراسان، قال ابن الأهتم: نعم يا أمير المؤمنين وشجاعة وكيع أكثر من عقله
فإن وثق بثلاثمائة رجل من أصحابه لا يرى لاحد عليه طاعة، قال سليمان: فمن
لها؟ قال ابن الأهتم: لا أبوح باسمه إلا أن يضمن لي أمير المؤمنين كتمانه، فقال:
سليمان لمن في مجلسه: اخرجوا، فخرج الناس، ثم قال سليمان: من هو الان يا
ابن الأهتم؟ فقال: يزيد بن المهلب، فقال سليمان: يزيد بالعراق وأظنه بها أحب
إليه، فقال: صدقت يا أمير المؤمنين ولكن تكرهه على ذلك وتشخصه إلى
خراسان، فليس لها أحد سواه لأنه قد كان بها حياة أبيه وبعد أبيه، فهو أعرف الناس
بها، فقال سليمان: صدقت.
ثم كتب سليمان إلى يزيد بن المهلب: أما بعد، فإن عبد الله بن الأهتم
كما (3) نحب وتحب في فضله وعقله ورأيه ودينه، وقد شاورته في أمر خراسان فوقعت



(1) وكان يزيد بن المهلب بالعراق، وقد ضجر من الإقامة فيه خاصة أن صالح بن عبد الرحمن أخذ يضيق
عليه، ولم يستطع التعاون معه (الطبري).
(2) وكان يزيد بن المهلب قد كلف ابن الأهتم بتدبير أمر توليته خراسان وإقناع سليمان بن عبد الملك
بذلك. وقد وعد ابن الأهتم يزيد بإقناع سليمان.
وفي الطبري أن يزيد أرسل كتابين إلى سليمان بن عبد الملك أحدهما يتعلق بأمر العراق ويثني فيه على
ابن الأهتم وسعة اطلاعه.
(3) في الطبري: كما ذكرت.
184
خيرته عليك، وقد وليتك إياها حربها وخراجها، فإذا أتاك كتابي هذا فاجمع إليك
الناس وسر على بركة الله، فأمير المؤمنين رافعك ومبلغك أملك ومنيتك إن شاء الله -
والسلام -. قال: ودفع سليمان الكتاب إلى ابن الأهتم وخلع عليه وأجازه.
قال: فسار ابن الأهتم سيرا حثيثا حتى دخل البصرة، ثم دخل على يزيد بن
المهلب فسلم عليه، فرد عليه يزيد السلام ثم قال: ما وراءك يا بن الأهتم؟ فقال:
ورائي كل خير، ثم دفع إليه الكتاب، فلما قرأه قال: الله أكبر! إلى كم تنتظرني!
ذكر ولاية يزيد بن المهلب أرض خراسان
قال: ثم وثب يزيد من ساعة فتجهز، وقدم ابنه مخلدا على مقدمته إلى
خراسان. قال: فسار مخلد بن يزيد حتى تقارب من مدينة مرو، وقدم أيضا خليفة له
يقال له عمرو (1) بن عبد الله بن سنان (2) العتكي الصنابحي (3)، فأقبل هذا
الصنابحي (3) حتى دخل مدينة مرو وبها يومئذ وكيع بن أسود، قال: فأرسل
وكيع بن أبي سود [إلى] الصنابحي أن صر إلي فإني أريد مناظرتك، فأرسل إليه
الصنابحي: أنت أعرابي جلف أحمق، أتأمرني بالمصير إليك وأنا قادم عليك؟
فاستقبل أميرك وذر عنك الجهل والحمق.
قال: وخرج وجوه أهل مرو ليستقبلوا مخلد بن يزيد بن المهلب، قال: وتأنى
وكيع ولم يخرج حتى أخرج كرها. قال: وترحل الناس لمخلد بن يزيد بن المهلب
ومشوا بين يديه إلا هؤلاء الثلاثة: وكيع بن أبي سود ومحمد بن حمران (4) السعدي
وعباد (5) بن لقيط أحد بني قيس بن ثعلبة، فإنهم لم ينزلوا لمخلد بن يزيد فأنزلوا
كارهين حتى مشوا بين يديه. فلما دخل مخلد بن يزيد إلى مدينة مرو أخذ عمال
وكيع بن أبي سود فحبسهم وعذبهم من قبل قدوم أبيه عليه.
قال: وبلغ وكيع بن أبي سود بأن يزيد بن المهلب قد فصل من العراق فكتب
إليه كتابا وبدأ باسمه قبل اسم يزيد، وقال في كتابه: أما بعد يا يزيد فإن أعطيتني ما



(1) عن الطبري 6 / 527 وبالأصل عمر.
(2) عن الطبري وبالأصل بشار.
(3) عن الطبري وبالأصل (الضحياني). وقد صححت في كل مواضع الخبر.
(4) عن الطبري وبالأصل عمران.
(5) عن الطبري وبالأصل عتاب.
185
أريد وإلا فعلت وفعلت. فلما وصل الكتاب إلى يزيد وقرأه غضب وشتم وكيعا أقبح
الشتيمة ثم سار حتى دخل الري فأقام بها ثلاثة أيام، ثم سار منها سيرا حثيثا. حتى
إذا تقارب من مدينة مرو نادى المنادي في المدينة: ألا! إن الأمير قد أقبل، فمن
أراد استقباله فليخرج، قال: فخرج الناس لاستقبال يزيد بن المهلب وخرج وكيع بن
أبي سود فيمن خرج، وأقبل يزيد حتى دخل مدينة مرو فنزلها، وبعث إلى وكيع
فدعاه وقال: أتكتب إلي وتبدأ باسمك قبل اسمي وتقول في كتابك ما تقول! والله
لأقتلنك! فقال وكيع: لا تفعل ذلك لأنك شجاع وأنا شجاع، ولو كنت جبانا
لقتلتني. قال: فشتمه يزيد وتهدده، فقال له وكيع: أما والله لقد علمت أنه ما وطأ
لك البلاد ولا مهد لك الفرش غيري! ولو قدمت على قتيبة وإخوته وبني عمه لوجدت
حسابهم خشنا، قال فقال له يزيد: يا عدو الله! أد مال الله الذي أخذت من كور
خراسان، فقال: وهل كنت خائن (1) الله أيها الأمير؟ قال: فحبسه يزيد وحبس
عماله وحاشيتهم وعذبهم بالدهق، فأنشأ عبد الله بن همام (2) السلولي يقول في
ذلك:
خذ العفو واصفح يا يزيد فإنني * رأيت ثواب الله خيرا وأفضلا
ولا تسمعن قول الوشاة فإنهم * يودون لو يسقى الرعاف المثملا
خف الله في قوم تووا منذ خفتهم * يرجون عدلا من لدنك مؤملا
وأنت ثمال يا يزيد فلا تكن * عليهم عذابا بالبلاء موكلا
قال: ثم عزم يزيد على الغزو فضم جنده إلى ابنه مخلد، فغزا مخلد بالناس
أرض الترك حتى صار إلى حصن لهم حصين وفيه من الترك خلق عظيم. قال:
فجاورهم مخلد بن يزيد وهم ينظرون إليه كأنه يريد إلى غيرهم مكيدة منه لهم، حتى
إذا بعد عنهم كر عليهم في أصحابه (3)، فقتل منهم من قتل، وبادر الباقون إلى
مدينتهم فدخلوها، وهي مدينة عظيمة - وأخذوا أموالها (4) وقليلها وكثيرها وأخذوا
جميع ما كان في المدينة وسبوا منها سبيا كثيرا وغنموا غنائم خطيرة. قال: وأتى



(1) في فتوح البلدان ص 414: أو خازنا لله كنت.
(2) بالأصل (سلام) خطأ.
(3) في فتوح البلدان ص 414: وغزا مخلد البتم ففتحها ثم نقضوا بعده فتركهم ومال عنهم فطمعوا في
انصرافه، ثم كر عليهم حتى دخلها.
(4) بالأصل: أمواله وقليله وكثيره.
186
بامرأة ذلك الطرخان الذي قتل حتى وقفت (1) بين يدي مخلد بن يزيد بن المهلب،
فقال لها مخلد بالتركية: اختاري من أحببت من أصحابي هؤلاء، قال: فنظرت
المرأة إلى رجل من عبد القيس، وكان رجلا جميلا بهيا من الرجال وكان يخضب
بالسواد، فنظرت إلى بياض في لحيته وصرف بوجهها عنه، ثم نظرت إلى محمد بن
المهلب، أخذها قال له مخلد بن يزيد: وكل بخدمها وجواريها. وأقبل بالأموال
والغنائم إلى أبيه يزيد بن المهلب. قال: وجعل يزيد بن المهلب يجمع عمال
قتيبة بن مسلم فيعذبهم أشد العذاب ويستأديهم الأموال، ثم أخذ عمرو بن مسلم أخا
قتيبة فعذبه ووضع في عنقه جامعة. ثم أمر مدرك بن المهلب بمطالبته، فلم يزل
يستأديه حتى أخذ منه كل شيء قدر عليه. ثم دعا به يزيد فقال له: ويحك يا بن
مسلم! إنما تجمع الرجال الأموال لثلاث خصال: يوسع الرجل على نفسه، والثانية
ينوبه في عشيرته، أو يدفع عن نفسه أمرا من الأمور، وأنت فلا أراك تسخو نفسك
لنفسك عن شيء من مالك! قال: فأومأ عمرو بن مسلم إلى مدرك بن المهلب بالدواة
فأصاب أنفه وأدماه، ثم شتمه. فقال محمد بن المهلب: إن لهذا فعلا والله ما
كففتم عن ماله ولا عن عرضه ولا عن بشره! كأنه لم يكن بي في حالكم، وكأنكم قد
أمنتم أن تكونوا في مثل حاله. قال: ثم خرج محمد بن المهلب من عند أخيه
مغضبا. فقال عبد الله بن الأهتم إلى يزيد فقال: أصلح الله الأمير إن قتيبة بن مسلم
قتل أهل بيته وألقاهم إلى الكلاب، وإن الناس قد قتلوا قتيبة فقتلنا رسله كما قال
الأول:
ألا يا كلب غيرك أرجعوني * وقد ألصقت خدك بالتراب
ألا يا كلب فانتشري وسيري * فقد أودى عمير بن الحباب
ولكن فاقتلوا أولاد قوم * هم أخذوا مواريث الكلاب
قال: وجعل يزيد بن المهلب يغزو أطراف خراسان مما لم يصل إليه قتيبة ولم
يبلغه، ففتح فتحا بعد فتح حتى فتح حصونا كثيرة واحتوى على أموال خطيرة. قال:
فدخل عليه بعض شعراء خراسان فمدحه وأطنب في مدحه، فقال له يزيد بن
المهلب: من أنت أيها الرجل؟ فقال: أنا فلان ابن فلان الفلاني، فقال يزيد: قد



(1) الأصل: وقف.
187
عرفتك، ألست القائل في قتيبة بن مسلم حيث تقول:
قتيبة بن مسلم بن عمر * يرئس أقواما وقوما سري
يعطي على غلاته واليسر * ما زال مذ كان شديد الأسر
قال فقال له الشاعر: نعم أصلح الله الأمير أنا قائل ذلك والقائل فيك هذه
الأبيات (1):
ما زال سيبك يا يزيد ينوبني * حتى انتعشت وجودكم لا ينكر
أنت الربيع إذا تكون خصاصة * عاش السقيم به وإثرى (2) المقتر
عمت سحائبكم جميع بلادنا (3) * فسقوا وأغدقهم ملث ممطر (4)
فسقاك ربك حيث كنت مخيلة * ريا سحائبها تجود وتبكر
قال: فوصله يزيد وأحسن جائزته. قال: وجعل يزيد لا يسمع برجل عمل
بقتيبة يوما عملا إلا بعث إليه وأخذه وقيده وحبسه. فأرسل إليه أبو الحرباء الغنوي من
السجن بهذه الأبيات:
يا بن المهلب لا تسمنا خطة * قد كنت تكرهها وأنت أسير
إن الفضيلة كاسمها أكرومة * ولها خبور بين وسرور
واصفح بعفوك عن ذنوب سراتنا * إن المسامح ذنبه مغفور
وافعل كما فعل المهلب قبلكم * فيمن ولاه وسيفه مشهور
قال: فعندها قصر يزيد عن عذاب القوم وعزم على المسير إلى جرجان.
ذكر مسير يزيد بن المهلب إلى جرجان
وما كان منه إلى أهلها
قال: وكانت جرجان في زمان العجم وسلطانهم قد حوطوا عليها حائطا من



(1) الأبيات في الطبري 9 / 529 نسبت إلى عبد الملك بن همام السلولي.
(2) الطبري: وعاش.
(3) الطبري: بلادكم.
(4) عجزه في الطبري:
فرروا وأغدقهم سحاب ممطر
188
الاجر فجعلوها حصنا لا يرام وتحصنوا به من الترك. قال: وهو حائط طويل أحد
طرفيه في البحر والطرف الاخر ممدود في البلاد، لان الترك إنما كانت تأتيهم من
ناحية خوارزم فلا يقدرون عليهم من أجل الحائط. قال: وكان سابور ذي الأكتاف
وخسرو وهرمز بن أنو شروان وقباذ بن فيروز وغيرهم من ملوك الأعاجم قد غزوا
جرجان وراموها في سالف الدهر فأعياهم ذلك ولم يقدروا عليها لحصانتها ولكثرة
أهلها. قال: ثم إن أهل جرجان صالحوا الترك بعد ذلك وخالطوهم، ونزل الترك
بين أظهرهم، فأقاموا فيهم ما شاء الله أن يقيموا ثم رحلوا عنهم إلى بلادهم، وبقيت
منهم بقية يزيدون على أربعة آلاف فنزلوا دهستان، فكانوا يغيرون على جرجان
ويؤذونهم غاية الأذى، فلم تزل بلاد جرجان على ذلك من حالها إلى أن جاء الله
بالاسلام، فغزاها سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص (1) بن أمية في خلافة
عثمان بن عفان (2)، فصالحوه على مائتي ألف درهم، فأخذ منهم سعيد ذلك المال
وانصرف عنهم، ثم لم يغزها أحد بعد سعيد بن العاص. قال: وانقطعت الطرق
أيضا إلى بلاد جرجان، فلم يكن يسلك طريق خراسان وناحية قومس إلا على وجل
وخوف شديد. قال: وإنما كان الطريق إلى خراسان من ناحية فارس إلى كرمان ثم
إلى خراسان. قال: وكان أول من سهل الطريق من قومس إلى خراسان قتيبة بن
مسلم. قال: وكان قتيبة يكتب إلى الحجاج يستأذنه في غزو جرجان، فكتب إليه أن
إياك والتوريط فيما لا طاقة لك به من جرجان وعليك بغيرها.
قال: وكان سليمان بن عبد الملك إذا سمع بفتوح قتيبة بن مسلم يقول لمن
حضر من وزرائه: ألا ترون إلى فتوح قتيبة بأرض خراسان؟ قال: فكان يقول له
يزيد بن المهلب: يا أمير المؤمنين! ليس هذه بفتوح ابن قتيبة عن فتح جرجان
الذي قد أعيت الملوك من قبل وحالت بين الناس وبين خراسان (3). قال: فلما ولي
يزيد بن المهلب خراسان لم تكن له همة إلا جرجان فسار إليها، حتى إذا تقارب منها
وجد رائحة منتنة كريهة، فقال: ما هذه الرائحة؟ فقالوا: أيها الأمير! إن صول



(1) عن فتوح البلدان ص 330 وبالأصل: أبي العاص.
(2) وكان عثمان (رض) قد ولى سعيد الكوفة في سنة 29.
(3) في ابن الأثير 3 / 246 كان سليمان كلما فتح قتيبة فتحا يقول ليزيد: ألا ترى إلى ما يفتح الله على
قتيبة؟ فيقول يزيد: ما فعلت جرجان التي قطعت الطريق وأفسدت قومس ونيسابور ويقول: هذه
الفتوح ليست بشيء، الشأن هي جرجان.
189
التركي أغار هذه البلاد، فقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وهذه رائحة القتلى. قال
فقال يزيد: قبح الله قتيبة! يترك هؤلاء وهم في بيضة الاسلام ويغزو فرغانة
والصين، قال فقال رجل من بني تميم: أيها الأمير! إن قتيبة قد كان أراد أن يغزو
هذه الناحية غير أن الحجاج منعه من ذلك، فقال يزيد: وأين صول هذا التركي؟
فقال: صول بجرجان وعساكره بدهستان (1).
قال: فسار يزيد إلى جرجان، وخرج صول من جرجان فصار إلى دهستان
واجتمعت إليه الترك، فصار في قريب من مائتي ألف إنسان وسار إليه يزيد في
عشرين ومائة ألف (2) من جند الشام وجند خراسان والعراق، ودنا الفريقان بعضهم
من بعض، فاقتتلوا قتالا شديدا. قال: ونظر رجل من أهل العراق يقال له محمد بن
أبي سبرة إلى رجل من الترك وهو يقاتل، فحمل عليه ليضربه بسيفه وبادره التركي
بضربة على بيضته فقد البيضة، وذهب التركي ليجذب سيفه عن البيضة فلم يواتئه،
وانخزل عليه محمد بن أبي سبرة فضربه ضربة فقتله، ثم أقبل نحو المسلمين وسيف
التركي في بيضته كأحسن شيء نظر إليه. قال: وإذا بقبيلة عظيمة من الترك قد أقبلت
وفيها زهاء أربعة آلاف شاكين في السلاح، فنظر إليهم يزيد بن المهلب، فلم يكذب
أن حمل عليهم بنفسه وفي إخوته وبني عمه ومواليه (3)، فهزمهم حتى بلغ بهم إلى
أبواب دهستان.
قال: فلما دام الحرب على أهل دهستان ورأوا أنه لا طاقة لهم بالمسلمين
كاعوا عن الحرب فلم يحاربوا، فأرسل صول صاحب الترك إلى يزيد بن المهلب
يسأله الصلح، فأجابه يزيد إلى ذلك. ووقع الصلح على ألف رأس من الرقيق
وسبعمائة ألف درهم وعلى أن يطأ صول بساط يزيد بن المهلب. قال: فتم الصلح
على ذلك (4)، وأخذ يزيد من القوم ما أخذ، فأخرج من ذلك كله الخمس فعزله،
وقسم باقي ذلك في المسلمين، فأنشأ واثلة بن خليفة السدوسي يقول في ذلك أبياتا
مطلعها:



(1) في ابن الأثير: قهستان.
(2) الطبري 6 / 532 في مائة ألف مقاتل سوى الموالي والمماليك والمتطوعين.
(3) كان في نحو أربعمائة كما في الطبري.
(4) انظر شروط الصلح في الطبري 6 / 534 وفتوح البلدان ص 331.
190
ما زال مذ كان أبو خالد * يزيد خرقا راغبا في السماح
إلى آخرها.
قال: ثم سار يزيد حتى نزل على جرجان، فلم يحارب أهلها إلا ساعة من
نهار حتى صالحوه، فوقع الصلح بينهم وبينه على ثلاثمائة ألف درهم ومائتي رأس
رقيق، فأخذ منهم ما صالحهم عليه (1)، وولى عليهم أسد بن عبد الله الأزدي أو
عبد الله بن معمر اليشكري (2) في أربعة آلاف رجل وسار يريد طبرستان، فأنشأ فلان
الحماني يقول في ذلك أبياتا مطلعها:
إذا ما يزيد سار يوما بجيشه * إلى غاية منه أفادك مغنما
إلى آخرها.
ذكر مسير يزيد بن المهلب
قال: وسار يزيد بن المهلب حتى دخل حدود طبرستان وملكها يومئذ الأصبهبذ
جيل جيلان في جمع عظيم من الديلم وأصناف الكفار، فأمر يزيد بقطع الشجر
وتسهيل الطرق وإصلاح المسالك، ثم وجه بأخيه مدرك بن المهلب في أربعة
آلاف، ووقف يزيد في باقي الجيش.
قال: وبلغ الأصبهبذ مسير المسلمين إلى ما قبله، فأراد أن يهرب إلى
الديلم، فقال ابنه: أيها الملك! بينا أنت ملك تهابك الناس ويتقونك وينظرون إليك
بعين الجلالة إلى أن تصير مطلوبا تهرب من يزيد بن المهلب، وقد وقف له من ليس
مثلك ولا فوقك؟ ولعل الديلم إن دخلت إليهم لا يوفون لك فتؤخذ أسيرا فتسلم إلى
يزيد، قال: فأقام ولم يبرح، ثم استجاش بأهل جيلان فأجابوه بعشرة آلاف أو
يزيدون.
قال: وبلغ ذلك يزيد بن المهلب فدعا بخداش بن المغيرة بن المهلب وأبي
الجهم الكلبي فضم إليهما عشرين ألفا ووجه بهم إلى أصحابه معونة لهم (3). قال:



(1) في فتوح البلدان ص 331 تلقاه أهلها بالإتاوة التي كان سعيد بن العاص صالحهم عليها فقبلها.
(2) ورد الاسمان في روايتين مختلفتين عند الطبري انظر فيه 6 / 534 و 6 / 539.
(3) في الطبري 6 / 540 وجه أبا عيينة أخاه من وجه وخالد بن يزيد ابنه من وجه وأبا الجهم الكلبي من وجه
وقال: إذا اجتمعتم فأبو عيينة على الناس.
191
وسار إليهم سليمان الديلمي من قبل الأصبهبذ في جيش عظيم، فالتقى القوم واقتتلوا
قتالا شديدا، فقتل سليمان الديلمي، قتله ابن أبي سبرة الجعفي، وانهزم الكفار
هزيمة قبيحة حتى اشتدوا في الجبل وأتبعهم المسلمون، قال: فسار الكفار إلى
رؤوس الجبال فجعلوا يرمون المسلمين بالحجارة والنشاب. قال: ثم وقعت الهزيمة
على المسلمين فانهزموا حتى صاروا إلى يزيد بن المهلب وقد قتل منهم جماعة.
قال: وأخذت عليهم المضايق والشعاب والطرق.
ثم كتب الأصبهبذ صاحب طبرستان إلى المرزبان صاحب جرجان بأنا قد قتلنا
يزيد بن المهلب وأصحابه فاقتل أنت الان ومن يليك من العرب. قال: فعطف
المرزبان وأصحابه على المسلمين بجرجان وهم أربعة آلاف فقتلوهم عن آخرهم (1)
حتى ما أفلت منهم أحد وفيهم خمسون رجلا من بني عم يزيد بن المهلب. قال:
وبلغ ذلك يزيد بن المهلب. قال: وقد أخذت عليه الطرق والمضايق، فعظم ذلك
عليه وأسقط في يده. قال: فدعا بكاتب له يقال له عبد الله بن الحارث العجرمي وقد
كان يزيد غضب عليه قبل ذلك بخراسان واستعفاه ووضع الجامعة (3) في عنقه ثم
رضي عنه بعد ذلك، قال: فعزم يزيد على أن يوجه به إلى الأصبهبذ، فقال له:
أتوجهني إلى هذا الرجل وأثر الجامعة في عنقي! قال: فلم يرسله يزيد وضاق به
الامر ولم يدر ما يصنع، ثم إنه دعا برجل يقال له حيان النبطي مولى مصقلة بن هبيرة
الشيباني، وكان حيان هذا أصله من الديلم، وإنما قيل له نبطي لأنه كان ألكن لم
يكن عنده عبارة ولكن كان له تدبير فدعاه يزيد بن المهلب وقال له: أبا الغمر (3)!
إني قد كنت أسأت إليك بخراسان وأغرمتك‌ وأخذت مالك، والآن قد احتجت
إليك فلا يمنعك ما كان مني إليك من نصيحة المسلمين، إنه قد جاء من خبر جرجان
ما قد علمت، وقد أخذ علينا هؤلاء الطرق كما ترى، فانظر لله وللمسلمين، قال
فقال له حيان النبطي: أيها الأمير! إنه إن كان منك إلي ما كان فإني لم أترك النصيحة
للمسلمين إن شاء الله.



(1) وكان يزيد بن المهلب قد أبقى في‌ جرجان بعد ما صالح أهلها أربعة آلاف من المسلمين. عليهم
عبد الله بن المعمر اليشكري. انظر فتوح البلدان ص 332.
(2) بالأصل: (الجماعة) خطأ.
(3) في فتوح البلدان ص 332: أبا المعمر.
192
قال: ثم ركب حيان وصار إلى الأصبهبذ، فأذن له ثم أدناه وأجلسه، فقال له
حيان: أيها الأصبهبذ! إني وإن كنت على دين الاسلام فالأصل مني ومنك واحد،
وأنا ناصح لك وقد كنت أصلحت بين العرب والترك ومن كان من وراء النهر،
وأنصحهم فيقبلون نصحي فلا تقترن بما نلت من المسلمين من الهزيمة في وفيك هذا
فإنك لا تطيق حرب أمير المؤمنين، وقد أرسل يزيد يستمد بالجيوش ولست آمن أن
يأتيه من المدد ما لا تقوم له ومن الامر ما لا تطيقه، ويزيد بن المهلب في وقته هذا
سريع إلى الصلح فإن قوي أمره لم يرض منك بالصلح، والرأي عندي أن تصالحه
ينصرف عنك إلى جرجان فيكون حربه وسطوته عليهم لغدرهم وقتلهم لأصحابه. قال
فقال له الأصبهبذ: ويحك يا حيان! إنه قد بلغني عن يزيد بن المهلب إنه قد أساء
إليك بخراسان واستصفى مالك والآن فإني أراك قد صرت له رسولا، فكيف هذا؟
قال فقال له حيان: صدقت أيها الأصبهبذ قد كان منه إلى ما ذكرت وليس يمنعني ذلك
من النصيحة لك وله، ومع ذلك فإن عجزت عن الصلح لما يريد أن يعطيه أعنتك بما
تريد من المال، فلم يزل حيان كذلك حتى خدع الأصبهبذ، فاتفق الصلح بينه وبين
يزيد بن المهلب على ألفي ألف درهم وأربعمائة وقر زعفران أو قيمة ذلك (1) وأربعمائة
غلام على رأس كل غلام جام فضة وعلى كل جام طيلسان وشقة حرير وخاتم فضة أو
ذهب، وعلى أن يدفع إليه خمسمائة رجل من الأتراك كانوا قتلوا ج ماعة من
المسلمين ولجأوا إليه، وعلى أن يطلق له ثلاثمائة أسير قد كانوا في يده (2). قال:
فوقع الصلح على ذلك ولم يبرح حيان النبطي من عند الأصبهبذ حتى قبض ذلك كله
وأتى به إلى يزيد بن المهلب. قال: ووصل الأصبهبذ حيان بثلاثمائة ألف درهم
وخلى لهم الطريق.
قال: فانصرف يزيد عن بلاد طبرستان سالما غانما بعد الإياس من نفسه
وأصحابه، فقدم أولئك الأتراك الذين وجه بهم الأصبهبذ فضرب أعناقهم عن آخرهم
صبرا، وسار يريد جرجان
ذكر مسير يزيد إلى جرجان وما فعل بها وبأهلها
قال: فسار يزيد بن المهلب إلى جرجان حنقا عليهم لما كن من غدرهم



(1) في الطبري: أو قيمته من العين.
(2) انظر فتوح البلدان ص 332 والطبري 6 / 541.
193
وقتلهم لأصحابه، وقد أعطى الله عهدا وميثاقا لئن ظفر بهم وظهر عليهم أن يبيرهم أو
يدير الأرحية بدمائهم فيطحن ويخبز من الطحين ويأكل من ذلك الخبز. قال: وبلغ
ذلك المرزبان فخرج عن جرجان هاربا حتى صار إلى قلعة (1) له في الجبل فتحصن
بها، وهي قلعة بين غياض (2) ملتفة ليس لها إلا طريق واحد. قال: وعلم يزيد بن
المهلب أن المرزبان قد خرج وصار إلى القلعة، فأقبل يزيد حتى نزل عليه وحاصره
أربعة أشهر (3) لا يقدر منه على شيء وقاتلهم مرارا ونصب عليهم المجانيق (4) فلم
يقدر من القلعة على حيلة.
فبينما يزيد بن المهلب على ذلك من شأنه وقد تطاول نزوله على القلعة إذ خرج
رجل من أصحابه من أهل طوس يقال له الهياج بن عبد الرحمن الأزدي إلى الصيد
ومعه كلب، فنظر إلى ظبية أو وعل يتوقل في الجبل، فتبعه الأزدي في طريق على
مثل شراك النعل وقد كان معه قوم من أهل العسكر، فقال لهم: قفوا مكانكم حتى
أرجع إليكم فوقفوا له في موضع أشب كثير الشجر والشوك والوغل. قال:
والهياج بن عبد الرحمن يتبع الوعل ويتوقل في الجبل، فلم يزل كذلك حتى اطلع
على القلعة من طريق خفي [و] وعر، فلما عاين ذلك انصرف راجعا، وخشي أن
يشتبه عليه الطريق، فجعل يخرق (5) ما عليه من الثياب ويجعله على الشجر
علامات، ولم يزل كذلك حتى انتهى إلى العسكر، ثم أقبل إلى عامر بن أينم (6)
الواشجي صاحب شرطة يزيد بن المهلب، فذهب ليدخل إليه فمنعوه من الدخول،
فصاح وقال: عندي نصيحة، فدعا به عامر بن أينم (7)، ثم قال: هات ما عندك من
النصيحة، فقال: تحب أن تدخل هذه القلعة بلا قتال؟ قال: نعم، قال: فأدخلني
على الأمير، فجاء به حتى أدخله على يزيد، فقال: أيها الأمير! ما لي عندك إن
أخذت لك هذه القلعة بلا قتال؟ قال: لك عندي عشرة آلاف دينار، قال: فعجل



(1) في فتوح البلدان هي قلعة وجاه.
(2) عن فتوح البلدان والطبري وبالأصل رياض.
(3) في الطبري وفتوح البلدان: سبعة أشهر.
(4) بالأصل: المناجنيق.
(5) الطبري: يخرق قباءه.
(6) عن الطبري 6 / 542 وبالأصل: وثيل.
(7) بالأصل هنا: أتيم.
194
لي منها بأربعة آلاف درهم! قال: فأمر له يزيد بأربعة آلاف درهم، وضم إليه من
الرجال ما أحب (1)، ثم دعا بابنه خالد فجعله معه وقال: انظر لا أراك منهزما.
قال: فسار القوم والهياج بن عبد الرحمن الأزدي بين أيديهم وذلك في جوف
الليل (2)، وقد أضرمت النيران حول العسكر حتى صارت النيران كأمثال الجبال،
قال: ونظر أهل القلعة إلى تلك النيران فهالهم ذلك، ثم خرجوا من باب القلعة
يريدون حرب المسلمين كعادتهم وهم آمنون من ذلك الوجه الذي قد قصده
المسلمون. قال: وأشرف المسلمون عليهم وعلى القلعة ونظروا إلى ما فيها،
فكبروا واقتحموا. قال: فلم يشعر العدو إلا والمسلمون من ورائهم في القلعة فأعطوا
بأيديهم، وفتحوا القلعة عنوة وأخذ المرزبان، وأخذت القلعة وجميع ما فيها من
الرجال والنساء والذرية والأموال، ولم يبرح خالد بن يزيد من موضعه ذلك حتى
أصبح، ثم أقبل إلى أهله بأهل القلعة مع نسائهم وأموالهم وأولادهم وكثيرهم
وقليلهم. فأمر يزيد بن المهلب بالمرزبان فضربت عنقه صبرا وأعناق أصحابه،
واحتوى على أموالهم ونسائهم وأولادهم، ثم أمر بهدم حيطان القلعة، وأقبل حتى
نزل على جرجان في موضع فوضع عليها المجانيق ورماها بالنيران والنفط، فلم يزل
كذلك حتى فتحها عنوة بالسيف. ثم أمر بقتل القوم (3)، فلم يزل يقتل ويجتهد إلى
أن جرت الأرحية، فلم يجر الدم فأجرى معه الماء، فدارت الأرحية بالماء والدم،
فطحن واختبز له من ذلك الطحين خبزا فأكل وبر قسمه (4)، فأنشأ بعض بني عمه يقول
في ذلك:
فتح الله للأمير يزيد * ذي المعالي والفضل والاحسان
بلد الترك والأعاجم طرا * من قرى مروها إلى جرجان
كمن القوم بالسلاح عليهم * كل قوم من القروم هجان
ولقد وجه الجنود إليهم * واثقا بالمهيمن الحنان



(1) الطبري: انتدب ألف وأربعمائة، ثم اختار منهم ثلاثمائة.
(2) في الطبري 6 / 543: فلما قارب انتصاف النهار من غد أمر يزيد الناس أن يشعلوا النار في حطب كان
جمعه في حصاره إياهم... وانظر فتوح البلدان ص 333.
(3) زيد في الطبري: وقاد منهم اثني عشر ألفا إلى الأندرهز - وادي جرجان - وقال من طلبهم فليقتل،
فكان الرجل من المسلمين يقتل الأربعة والخمسة في الوادي...
(4) انظر الطبري 6 / 543 وفتوح البلدان ص 333.
195
فحباه الاله بالنصر لما * أن رماهم بالنفط والنيران
ثم أمر يزيد بقتلى جرجان وقتلى القلعة فنصب لهم الخشب من باب جرجان
إلى فرسخين منها فصلبهم عليها ميمنة وميسرة على طريق طبرستان، ثم جمع الأموال
فأخرج منها الخمس وقسم باقي ذلك في المسلمين فأغناهم بغنائم لم يروا مثلها،
فأنشأ كعب بن معدان الأشقري (1) يقول أبياتا مطلعها:
يهب الحصون بأهلها لصديقه * وجياد كل مقلص سباح
إلى آخرها.
ذكر كتاب يزيد بن المهلب إلى سليمان بن
عبد الملك بن مروان
قال (2): ثم كتب يزيد بن المهلب إلى سليمان بن عبد الملك: أما بعد، يا
أمير المؤمنين! فإن الله عز وجل قد فتح الله فتوحا لم يفتحها على خليفة من خلفاء
المسلمين من قبلك من أهل خراسان إلى جرجان ودهستان وطبرستان، وقد أعيى
ذلك الفاروق وعثمان ومن بعدهما من الخلفاء، حتى فتح الله ذلك كرامة لأمير
المؤمنين وزيادة في نعم الله عليه، وقد صار في يدي مما أفاء الله على المسلمين بعد
أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة عشرون ألفا ألف درهم (3)، وأنا
باعث بهذه الأموال التي أفاء الله بها إلى أمير المؤمنين إن شاء الله - والسلام -.
قال فقال له كاتبه المغيرة بن أبي قرة (4) مولى بني سدوس: أصلح الله الأمير!
لا يتقدم هذا الكتاب إلى أمير المؤمنين، فإنك لا تدري ما يكون من الحدثان من
اليوم إلى الغد ولكن احبس هذا الكتاب يكون عندك، واكتب إلى أمير المؤمنين
بالفتح وسله أن يأذن لك بالشخوص إليه، تلقاه وتشافهه بما يريد، فذلك الرأي،
فأبى يزيد ذلك ووجه بالكتاب. فلما قرأ سليمان بن عبد الملك بن مروان ذلك سره
سرورا شديدا (5).



(1) بالأصل الأشعري.
(2) انظر نسخته في الطبري 6 / 544.
(3) الطبري وابن الأثير: ستمائة ألف ألف، وفي فتوح البلدان: خمسة وعشرون ألف ألف درهم.
(4) عن الطبري وابن الأثير 3 / 251 وبالأصل أبي فروة.
(5) في فتوح البلدان: فوقع الكتاب في يدي عمر بن عبد العزيز فأخذ يزيد به وحبسه.
196
قال: وجعل يزيد يضم الأموال بعضها إلى بعض ويمد يده إلى أموال خراسان
حتى أخذ منهم أموالا جليلة ظلما وعدوانا. قال: وكتب قوم من أهل خراسان إلى
سليمان بن عبد الملك بأن يزيد بن المهلب يريد أن يتغلب على خراسان وأنه قد عزم
على الخلع والعصيان كما فعل قتيبة بن مسلم، فلما قرأ سليمان بن عبد الملك كتاب
أهل خراسان اغتم لذلك وضاق صدره وتحير في أمره ولم يدر ما يصنع، ثم استشار
خاصته وأهل بيته ووزراءه، فقال له بعض وزرائه: يا أمير المؤمنين! إن الأموال التي
قد صارت إلى يزيد بن المهلب ليست بقليلة، ومن صارت إليه مثل هذه الأموال
أمكنه أن يتغلب على البلاد، والرأي في ذلك أن يوجه أمير المؤمنين إلى يزيد بن
المهلب برجل من أهل بيته أو بعض إخوته حتى يأخذ ما عنده من الأموال، فإذا فعل
به ذلك يكون قد قص جناحه، فإن رام العصيان لم يقدر على ذلك. قال فقال
سليمان بن عبد الملك: هذا هو الرأي بعينه.
ذكر رجوع مسلمة بن عبد الملك إلى دار الاسلام
بعد أربع عشرة سنة (1)
قال: ثم كتب سليمان إلى أخيه مسلمة بن عبد الملك، ومسلمة يومئذ بأرض
الروم على باب القسطنطينية نازل في مدينة القهر التي قد ذكرناها قبل ذلك. قال:
فكتب إليه سليمان بن عبد الملك كتابا لطيفا يعزيه في أبيه عبد الملك وفي أخيه
الوليد، وخبره في كتابه بأمر يزيد بن المهلب، وأمره في كتابه بالانصراف إلى ما قبله
ليوجه به إلى خراسان.
فلما ورد الكتاب على مسلمة لم يجد بدا من الانصراف إلى أرض الشام، ثم
نادى في الناس أن اركبوا فإني قد عزمت على مناجزة أهل قسطنطينية، قال: فركب
الناس وزحفوا نحوها. قال: وعلمت الروم بذلك فخرجوا إلى مسلمة في تعبية لم
يخرجوا إليه في مثلها قبل ذلك اليوم، ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا، فقتل من
الفريقين جماعة وولت الروم الادبار والسيف يعمل في أقفيتهم حتى دخلوا مدينتهم،
واحتوى المسلمون على ما قدروا عليه من غنائمهم ورجعوا إلى مدينتهم القهر.
فلما كان من الغد إذا بكتاب ‌إليون ملك الروم وقد ورد على مسلمة: أما بعد
أيها الأمير! فقد طال هذا الامر بيننا جدا ولم أظن أن أمرنا يكون هذا، والآن فإني قد



(1) الأصل: أربعة عشر خطأ.
197
عزمت على مصالحتك على أنك ترحل عن هذه الجزيرة وترجع إلى المسيحية (1)
وتقيم بها، ونؤدي إليك في كل سنة ألف ألف‌ درهم وألف أوقية من ذهب وخمسة
آلاف رأس من البقر والغنم وألف رمكة بفحولها سوى ما يتبع ذلك من أنواع
البزيون (2) والديباج والسقلاطون (3) وأشباه ذلك، وتسالمني وأسالمك إلى أن ترى
رأيك في ذلك - والسلام -.
قال: فكتب إليه مسلم: أما بعد فقد ورد علي كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه
من الصلح على أنك تعطيني ما سميت وأرحل عنك إلى المسيحية، غير أني قد آليت
يمينا لا كفارة لها أني لا أرحل عن هذه الجزيرة أبدا دون أن أدخل مدينتك هذه، فإذا
دخلتها نظرت بعد ذلك فيما ذكرت، وإن أنا لم أدخلها صبرت عليك أبدا حتى يفتح الله
على يدي، فإن وصلت إلى ذلك فذاك الذي أريد، وإن تكن الأخرى وقتلت أو مت
شهيدا مجاهدا كان المصير إلى ثواب الله عز وجل الذي وعده عباده المجاهدين في
سبيله - والسلام -.
قال: فمضى الرسول بالكتاب، ونادى مسلمة في الناس فركبوا، فزحف بهم
إلى باب قسطنطينية، وبلغ ذلك إليون ملك الروم، فأقبل معه أشراف أهل مملكته
وبطارقتهم حتى أشرف على المسلمين، ثم قال: أيها الناس! إن أميركم مسلمة؟
فإني أريد كلامه مشافهة، قال: فدنا مسلمة حتى وقف حذاءه ثم قال: أنا مسلمة!
فما الذي تريد؟ قال: بلغني ما كان من يمينك التي حلفت بها أنك لا تقلع حتى
تدخل مدينتي هذه، وقد رضيت ورضيت الروم أيضا بذلك على أنك لا تدخلها إلا
وحدك، لا يكون معك ثان ولك الأمان حتى تخرج، قال مسلمة أيضا: رضيت
بذلك أن أدخل وحدي على شرط أنك لا تغلق الباب وعلى أن يقف البطال بن عمرو
على باب المدينة في جميع أصحابي، فإن كان منكم إلي غدر اقتحم البطال مدينتكم
فقتل المقاتلة وسبى النساء والذرية وأخذ الأموال، قال إليون: قد رضينا بذلك.
قال: ثم أمر إليون بالباب الأعظم ففتح، ثم أمر بصف الخيل والرجالة من
باب المدينة إلى باب الكنيسة العظمى بالرايات والاعلام، وترتبت البطارقة بأحسن ما



(1) كذا ولم نجدها.
(2) البزيون: السندس، وبالأصل: البربون.
(3) السقلاطون ضرب من الثياب، وبالأصل: السقلطون.
198
يقدرون عليه من الزينة [و] وقفوا سماطين على طريق مسلمة، ثم أذن إليون بالدخول
إلى المدينة. فأقبل مسلمة على البطال بن عمرو فقال: إني داخل هذه المدينة وقد
علمت أنها دار النصرانية (1) وقصبتها وعزها وما أريد بدخولي إليها إلا عز الاسلام
وإذلال الكفر، ولست أدري ما يكون من الحدثان، فانظر إذا صليتم العصر ولم
أخرج فاقتحموا المدينة بخيلكم ورجلكم فاقتلوا وأحرقوا، والأمير من بعدي عمي
محمد بن مروان، فاسمعوا له وأطيعوا. قال: ثم كبر مسلمة تكبيرة عالية ودخل
قسطنطينية وحده وعليه درع وبيضة ومن فوق الدرع عمامة بيضاء، وقد تقلد سيفين
وفي يده رمح وفي رأسه عذبة بيضاء. قال: ورمقته الروم بأبصارها من كل ناحية
متعجبين من شجاعته وإقدامه وشدة قلبه. قال: ومسلمة يسير في المدينة فلا ينظر
إلى أحد حتى صار إلى باب قصر إليون ملك الروم، [فلما نظره إليون] وثب قائما
وقد كان قاعدا على باب قصره، فقام إلى مسلمة فقبل يده، ثم سار معه راجلا حتى
صار مسلمة إلى باب‌ الكنيسة ثم دخل الكنيسة راكبا، واشتد ذلك على الروم وجزعوا
لذلك جزعا شديدا، وهموا بمسلمة، فمنعهم من ذلك إليون. قال: ونظر مسلمة
إلى صليبهم الأعظم، والصليب من الذهب المرصع بالجوهر، وقد نصب على
كرسي من ذهب. قال: فدنا مسلمة من الصليب فاحتمله عن الكرسي ووضعه بين
يديه، فقال له إليون: أيها الأمير! إن الروم لا ترضى بهذا وأخاف عليك منهم
الشغب، فرد الصليب إلى موضعه ولك قيمته! قال: فحلف مسلمة أن لا يخرج إلا
والصليب معه، قال: وضجت الروم لذلك، فقال لهم إليون: كفوا إياكم الرجل،
ذروه يأخذه ولكم علي مثله، فإني أخاف عليكم البطال بن عمرو أن يقتحم عليكم
فيقتل رجالكم ويسبي نساءكم وذريتكم وأموالكم ويحرق مدينتكم، قال: فسكت
القوم، وخرج مسلمة من الكنيسة والصليب معه وإليون ملك الروم يسايره، حتى إذا
توسط مسلمة المدينة رفع الصليب منكسا على رأس رمحه والقوم سكوت ما فيهم أحد
ينطق بشيء خوفا من البطال بن عمرو أن يهجم عليهم فيمن معه من المسلمين.
قال: وخرج مسلمة من المدينة في وقت العصر والصليب على رأس رمحه وقد هم
البطال بن عمرو وأصحابه أن يقتحموا المدينة في ذلك الوقت، فلما نظروا إلى
مسلمة كبروا بأجمعهم تكبيرة واحدة. قال: وسار مسلمة حتى دخل مدينة القهر.
فلما كان من الغد كتب مسلمة إلى إليون ملك الروم: أما بعد، فإن الله قد



(1) الأصل: النصارنية.
199
أظفرني بك وأعلاني عليك، وجعل جدك الأسفل، فله الحمد على إعزاز أوليائه
وإذلال أعدائه، وقد عزمت على الرحيل عن بلدك إلى بلاد الشام، فابعث إلي ما
صالحتني عليه فإني راحل عن قريب إن شاء الله. قال: فكتب إليه إليون: للأمير
مسلمة بن عبد الملك من إليون ملك الروم، أما بعد، فقد بعثت إليك عشرين ألف
ألف درهم وخمسة آلاف رأس من البقر والغنم وخمسة آلاف أوقية من الذهب وألف
رمكة بفحولها، وبتاج من الذهب مرصع بالجوهر لك خاصة دون أصحابك، وأنا
أسألك أيها الأمير أن تفي بما ضمنت وترحل عن هذه الجزيرة وتقيم حيث شئت من
أرض الروم - والسلام - (1). قال: فلما أتاه الكتاب وورد عليه تلك الأموال وذلك
التاج، عمد مسلمة إلى ذلك التاج فباعه في العسكر وضمه إلى تلك الأموال،
وأخرج من ذلك كله الخمس، وقسم باقي ذلك في المسلمين.
ثم أمر مناديه، فنادى في الناس فجمعهم وخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم
قال: أيها الناس! أعلمكم أني في غمرات وغموم منذ بضع عشرة (2) سنة، ولم
أخبركم بشيء من ذلك مخافة أن تفشلوا عن قتال عدوكم ولعله قد بلغكم بعض
ذلك، أعلمكم أني لما عبرت هذه الجزيرة وأمرتكم ببناء هذه المدينة ورد علي الخبر
بموت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فكتمتكم ذلك مخافة العدو، ثم ولى
الناس أخي الوليد بن عبد الملك، فأقام في ملكه تسع سنين وثمانية أشهر وأياما،



(1) يرى مؤلف كتاب الدولة البيزنطية د. العريني ص 188 وهو يبحث في اضطرار المسلمين إلى رفع
الحصار عن القسطنطينية أن أسباب ذلك تعود إلى:
- ظهور مواهب ليو الحربية فيما قام به من الدفاع عن المدينة إذ أغلق مدخل البوسفور بسلسلة ضخمة
من الحديد. شحن أسوار العاصمة بالعساكر الذين بذلوا كل الجهود لمنع المسلمين من اقتحام
الأسوار.
- طيلة الحصار، وبرد الشتاء وقسوته مما عانى منه المسلمون كثيرا.
- هجوم البلغار على المسلمين.
- ما سببته النيران الإغريقية بالأسطول الاسلامي.
- تواطؤ البحارة المسيحيين في الأسطول الاسلامي مع البيزنطيين.
- نفاذ الأقوات وطول أمد الحصار.
- طول خط الإمدادات.
- تدابير ليو الحربية والبحرين.
(2) الأصل: عشر.
200
فكان يكتب إلي وأكتب إليه، ولعله قد بلغكم وقد توفي الوليد وقام بالامر من بعده
أخي سليمان بن عبد الملك منذ ثلاثة (1) وعشرين شهرا، وهذا كتابه يأمرني بالقدوم
عليه لامر قد دهمه من بلاد خراسان من قبل يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، وأنا
راحل إلى ما قبله إن شاء الله ولا قوة إلا بالله، فأحببت إعلامكم بذلك. قال: فبكى
الناس ثم قالوا: هلم أيها الأمير حتى نبايعك، فأنت أحق بهذا الامر، فقال
مسلمة: مهلا عافاكم الله! فإني رجل قد بلغ الناس عني ما قد فعلت بأرض العدو
طول هذه المدة، ولا أحب أن أشق العصا وأخرج على رجل قد بايعه الناس طائعين
غير مكرهين، وأنا قد بايعت أخي سليمان فبايعوه رحمكم الله! قال: فبايع الناس
سليمان بن عبد الملك.
ونادى مسلمة في الناس بالرحيل، فرحلوا إلى بلاد الشام، ثم قدمت المراكب
لعبور خليج البحر، ثم كتب إلى إليون ملك الروم: من مسلمة بن عبد الملك أمير
المؤمنين إلى إليون صاحب الروم، أما بعد فإني قد أحببت أن أحسن إليك لأني
رأيتك محبا للعاقبة وأنا راحل عنك، وقد تركت عندك مسجدي الأعظم وهو وديعتي
فانظر لا تقلعن منه حجرا، لا تنقصن من سقفه خشبة، ولا تكسرن منه عودا واحدا
فما سواه، وإياك أن تعبر هذا الخليج في طلبي أو تطلب أثري إذا أنا عبرت من
جزيرتك هذه، فإنك أن تعديت ما أمرتك به رجعت إليك ثم لا أقلع عنك أبدا أو
يهلكك الله على يدي، فاقبل من ذلك ما شئت أو دع - والسلام على عباد الله
الصالحين -. قال: فكتب إليه إليون: للأمير مسلمة بن عبد الملك من عبده إليون
صاحب الروم، أما بعد، فقد فهمت كتابك وجميع ما ذكرت، وأنا لك أيها الأمير
على السمع والطاعة، لا أخرج عن الطاعة ولا أتعدى عن أمرك، وأما مسجدك أيها
الأمير فإني أحلف لك بالنصرانية والإنجيل والمعمودية أني آمر بسد بابه، فلا يقلع
منه حجر ولا يكر منه عود ولا يدخله أحد من الروم أبدا ما دمت حيا، وقد وجهت لك
أيها الأمير بمائة رمكة يتبعها مائة قلو وخمسمائة ثوب بزيون وسقلاطون (2) هدية مني.
لك خاصة دون أصحابك - والسلام -. قال: فلما ورد الكتاب على مسلمة بن
عبد الملك والهدايا عمد إليها فوزعها في المسلمين ولم يفضل نفسه عليهم بقليل ولا
كثير.



(1) الأصل: ثلاث.
(2) الأصل: يربون وسقلطون. وقد مرت العبارة قريبا، وتقدم الشرح فارجع إليه.
201
ثم دعا البطال بن عمرو فقال له: مر الناس بالعبور، قال: فنادى البطال بن
عمرو في الناس بالرحيل، فرحل الناس وقعدوا في المراكب وساروا في خليج
البحر، وتخلف مسلمة في ثلاثمائة فارس من نجباء عسكره حتى إذا علم أن المراكب
في لجج البحر أقبل إلى باب المدينة، ثم وقف عليه وأرسل إلى إليون ملك الروم
فدعاه، فأقبل إليون مسرعا إلى مسلمة، فلما نظر إليه نزل عن دابته ثم دنا فقبل يده
فقال: أيها الأمير! ائذن لي في تشييعك، فأبى عليه مسلمة وأمره بالرجوع، فرجع
إليون إلى مدينته، ومضى مسلمة في هؤلاء الثلاثمائة حتى صار إلى الخليج، فركب
في مركب أعد له، فعبر وعبر من كان معه حتى لحق بأصحابه. قال: وأقام مسلمة
على شاطئ الخليج ستة أيام، ثم رحل ورحل الناس عنها. قال: وأمر إليون
بخراب مدينة القهر فخربت عن آخرها إلا مسجدها فإنه لم يمس.
قال: وسار مسلمة في المسلمين حتى صار إلى المسيحية (1)، فلما نزلها وقع
الوباء في المسلمين، فمات منهم خلق كثير من الرجال والنساء والصبيان. قال:
وهم أهل المسيحية بالوثوب على المسلمين لما رأوا من ضعفهم، قال: وبلغ ذلك
مسلمة فنادى في أصحابه أن ضعوا فيهم السيف، فقتل جماعة من أهل المسيحية ثم
أمر بخرابها، فخربت عن آخرها ووضع سورها بالأرض. قال: ثم سار مسلمة إلى
النقفورية (2) فنزلها وأدركه الشتاء، فأقام بها ستة أشهر.
وتوفي سليمان بن عبد الملك، وكان ملكه سنتين وثمانية أشهر (3)، وتوفي
بموضع يقال له مرج دابق في يوم الجمعة لثلاث ليال بقين من المحرم سنة تسع
وتسعين (4)، وهو يومئذ ابن خمس وأربعين سنة (5)، وصار الامر إلى عمر بن
العزيز.
خلافة عمر بن عبد العزيز (6)
قال: وكان يزيد بن المهلب يومئذ مقيما بجرجان، فلما بلغه موت سليمان



(1) كذا، ولم نعثر عليها.
(2) كذا، ولم نعثر عليها.
(3) انظر في مدة ولايته العقد الفريد 4 / 432 مآثر الإناقة 1 / 141 مروج الذهب 3 / 135 البدء والتاريخ
6 / 45 تاريخ خليفة ص 316 تاريخ اليعقوبي 2 / 300 الطبري 8 / 126.
(4) عن الطبري وبالأصل سبع وتسعين. وانظر المصادر في الملاحظة السابقة.
(5) انظر في مقدار عمره، المراجع المذكورة سابقا.
(6) عن هامش الأصل.
202
كأنه اغتم لذلك وجعل يقول لمن حضره من أصحابه: إن معاوية بن أبي سفيان إنما
كان له ولد واحد فملك الخلافة هو وابنه بضعا وعشرين سنة، وسليمان بن
عبد الملك له سبع سنين، فمتى يخرج هذا الملك منهم! لا يخرج إلى يوم القيامة!
ولنبايعن الأطفال من ولد سليمان. قال: وظن يزيد بن المهلب أنه سيملك الخلافة
من بعد سليمان ابنه أيوب، قال: وإنه لكذلك إذ بلغه أن أيوب بن سليمان قد مات،
فعجب لذلك ثم نادى في أصحابه بالرحيل إلى نيسابور، فسار بين يديه راجزا له وهو
يقول:
إن كان أيوب مضى لشأنه * فإن داود لفي (1) مكانه
يقيم ما قد زال من سلطانه * كذا يكون الملك في أوانه
قال: ثم أقبل يزيد بن المهلب إلى نيسابور فنزلها، وكتب إلى عماله فقدموا
عليه من أطراف خراسان، وقدم عليه أخوه مدرك بن المهلب من بلخ ومعه هدايا
كثيرة، وقدم ابنه مخلد بن يزيد من طخارستان ومعه مائة دابة من دواب طخارستان.
قال: واتصل به الخبر أن الامر قد صار إلى عمر بن عبد العزيز، فجلس بنيسابور
متمسكا بما في يديه.
قال: ومسلمة بن عبد الملك يومئذ مقيم بالنقفورية من بلاد الروم، فلم يشعر
إلا وكتاب عمر بن عبد العزيز قد ورد عليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله
عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة بن عبد الملك، أما بعد! فأعظم الله لك الاجر في
أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك، وبارك له فيما صار إليه! فإن أهل الشام قد
بايعوني طائعين غير مكرهين على أني أعدل في الرعية وأقسم الفيء بالسوية، وأنا
أسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى، فإذا ورد عليك كتابي هذا فاسمع وأطع توفق
وترشد، وعجل بالقدوم علي، وإياك والخلاف والشقاق فتفسد ما أصلحت وتنقض
ما أبرمت! وادخل في الطاعة وكن مع الجماعة، واقدم إلي بجميع ما معك من
المسلمين - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته - (2).
قال: فلما ورد كتاب عمر بن عبد العزيز على مسلمة بن عبد الملك دعا بوجوه



(1) عن الطبري 6 / 545 وبالأصل: كفى.
(2) انظر الطبري 6 / 553 وابن الأثير 3 / 256 والبداية والنهاية 9 / 174.
203
أصحابه ثم استشارهم في المسير إلى عمر بن عبد العزيز، فقالوا: أيها الأمير! نشير
عليك بأن لا تخالف، وأن تكون مع الجماعة، فإنك بحمد الله ممن يحتاج إليه
ويرغب فيما عنده لما قد أعطاك الله من العلم والحلم والشدة والشجاعة والنجدة
والشرف في أهل بيتك ونكايتك في العدو، ولا تفسدن هذه الخصال بالخلاف
والشقاق، فيكون آخر أمرك إلى الدمار والشنآن والتبار، فقال مسلمة: لعمري لقد
أحسنتم المشورة، وقد ولي هذا الرجل وهو أهل لما هو به لدينه وورعه وزهده
وعبادته ونسكه وشرفه في قومه، وأنا سائر إليه إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم.
قال: فعندها نادى مسلمة في الناس وسار حتى صار إلى عمورية، فأقام بها
أياما حتى عزل عماله عن جميع بلاد الروم. ثم سار من عمورية يقطع البلاد حتى
صار إلى طرطوس. ثم رحل عنها إلى دمشق في ثلاثين ألفا من الناس، وقد كان
دخل إلى بلاد الروم في ثمانين ألفا. قال: ولم يدخل دمشق إلا بأمر عمر بن
العزيز، فأقبل بجيشه حتى وقف بباب عمر بن عبد العزيز ثم استأذن، فلم يأذن له
فانصرف إلى منزله، فلما كان من الغد ركب إليه في عشرة آلاف فارس، فلم يأذن له
فانصرف إلى منزله، ثم ركب إليه من الغد فلم يأذن له، فركب إليه من الغد وحده
وخلفه غلام له فاستأذن [فأذن] له، فلما دخل عليه وسلم فرد عليه عمر السلام،
وأذن له بالجلوس فجلس، ثم قال: يا أمير المؤمنين! أحب أن تخبرني ما ذنبي،
إن كنت أذنبت ذنبا فقد أذنب غيري، وإن كنت أخطأت فالخطأ يكون من بني آدم،
والكمال لا يكون إلا لله عز وجل. فقال له عمر بن عبد العزيز: يا مسلمة! إنك
ضربت بالناس برا وبحرا، وسهلا وجبلا، وقتلت الناس ‌وبلغت موضعا لم تؤمر به،
وأردت أن يقال: غزا مسلمة وفعل مسلمة وفتح مسلمة وأغار مسلمة! فطلبت بذلك
الاسم والذكر، فالويل لمن عمل في هذه الدنيا رياء للناس! وقد قيل إنك فعلت
وصنعت، فإن كنت فعلت ما فعلته لله تبارك ‌وتعالى لا تريد به الحمد والذكر من
الناس فطوباك! وإن فعلت ما فعلت رياء للناس فقد صار عملك هباء منثورا، وبعد
فغفر الله لنا ولك أبا سعيد وتجاوز عنا وعنك! فإنه متجاوز كريم. ثم قال: حدثني
عن القسطنطينية وعن بنيانها، فقال مسلمة: نعم يا أمير المؤمنين! أما بناؤها فقد
كنت أراه بالحجارة والجص خلا كنيستها العظمى وقصر ملكها إليون، فإنهما جميعا
من الرخام الأبيض، وأما سورها فلها سبعة أسوار مختلفات الأبواب، ومع ذلك فإنها

204
أكثر بلاد الله خيرا، وليس لها من خليج البحر إلا طريق واحد - فهذه صفتها يا أمير
المؤمنين! قال: ثم قام مسلمة وانصرف إلى منزله، ودعا عمر بن عبد العزيز برجل
يقال له سراقة بن عبد الرحمن التميمي فعقد له عقدا وولاه الثغر، وأمره أن لا يجاوز
طرطوس إلى غيرها.
قال: وجعل مسلمة يغدو في كل يوم إلى عمر بن عبد العزيز مسلما عليه
وينصرف إلى منزله. قال: وبلغ عمر أن مسلمة كل يوم يمضي ينفق على مائدته ألف
درهم، فأرسل إليه عمر وسأله أن يتغدى عنده، فأجابه مسلمة إلى ذلك. قال: فأمر
عمر طباخه بأطعمة كثيرة وباتخاذ العدس والبصل والزيت - وهذا كان أكثر طعامه، ثم
إنه أوصى طباخه فقال: إذا جاء مسلمة وقدمت المائدة فابدأ بالعدس، ثم قدم ما بدا
لك! قال: وحضر مسلمة بن عبد الملك من غد للطعام، فلم يزل عمر يحدثه
ويسأله أخبار الروم حتى انتصف‌ النهار، وجاع مسلمة جوعا شديدا، فقال عمر
لطباخه: قدم المائدة فقد جاع أبو سعيد جوعا شديدا! فقدم المائدة، وابتدأ بالعدس
والبصل والزيت كما أمره عمر. قال: فأكل مسلمة من ذلك العدس حتى شبع، ثم
قدمت الألوان بعد ذلك فلم يأكل مسلمة منها شيئا، فقال له عمر: كل أبا سعيد! ما
بالك قد رفعت يدك؟ فقال: قد شبعت يا أمير المؤمنين! فقال عمر: يا سبحان
الله! فأنت تشبع من عدس، لعله إنما يقوم علينا بدرهم واحد، وينفق على مائدتك
كل يوم ألف درهم، اتق الله أبا سعيد ولا تكن من المسرفين، واجعل نفقة مائدتك
في بطون جائعة، فإنه أقرب لك إلى الله عز وجل، فقال مسلمة: أفعل ذلك يا أمير
المؤمنين ولا أعصي لك أمرا، وانصرف مسلمة إلى منزله.
ذكر كتاب عمر بن عبد العزيز إلى
يزيد بن المهلب
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين إلى
يزيد بن المهلب (1)، أما بعد يا يزيد فإن سليمان بن عبد الملك كان عبدا من عباد الله
أنعم عليه ثم قبضه إليه، وقد كان استخلفني واستخلف أخاه يزيد من بعدي، وإن



(1) نسخة الكتاب في الطبري 6 / 566 - 567.
205
الذي ولاني الله تبارك وتعالى من ذلك وقلدني (1) ليس بهين علي، ولو كانت رغبتي
في اتخاذ أزواج واعتقاد (2) أموال كان الله تبارك وتعالى قد أعطاني من ذلك وبلغ بي
أفضل ما بلغه بأحد من خلقه، وإني لخائف فيما ابتليت به من أمر هذه الأمة حسابا
شديدا وسؤالا حفيا (3)، وقد بايعني الناس أجمعون، فبايع رحمك الله ومر من قبلك
بالبيعة - والسلام -. قال فقرأ يزيد بن المهلب كتاب عمر بن عبد العزيز ثم ألقاه إلى
بعض إخوانه فقرأه (4).
ثم دعا بابنه مخلد فاستخلفه على خراسان وخرج يزيد بن المهلب يريد العراق
ومعه وجوه خراسان. وخرج حتى صار إلى الري [و] وجه بجميع ما كان معه من
الأموال إلى البصرة. ثم خرج من بعد ذلك يريد البصرة وإذا عدي بن أرطأة الفزاري
قد أقبل في طلب يزيد بن المهلب، حتى إذا صار إلى العراق فنزل بواسط دعا برجل
يقال له موسى بن الوجيه الحميري، فوجه به في طلب يزيد إلى البصرة وكتب إليه:
أما بعد يا يزيد فإن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز قد ولاني العراقين جميعا البصرة
والكوفة. وما والاهما من البلاد، فإن كنت في السمع والطاعة فأقبل إلي راجعا -
والسلام -. قال: فأخذ موسى بن الوجيه الكتاب ثم أقبل وقعد في طيار، وسار في
الدجلة سيرا حثيثا حتى لحق بيزيد بن المهلب بموضع يقال له نهر معقل قبل أن
يدخل البصرة فدفع إليه الكتاب، فلما قرأ يزيد الكتاب كتاب عدي بن أرطأة قال:
سمع وطاعة لأمير المؤمنين وعامله. ثم رجع مع موسى بن الوجيه إلى واسط (5).
فلما دخل يزيد بن المهلب على عدي بن أرطأة سلم عليه وهنأه بولاية العراق،
فرد عليه عدي بن أرطأة السلام وأمره بالجلوس، فقال له عدي: أبا خالد! إن أمير
المؤمنين عمر بن عبد العزيز أمرني أن أقبض منك الأموال التي جبيتها من بلاد
خراسان وجرجان وطبرستان، فقال يزيد: أيها الأمير! إنه كان ذلك، غير أني فرقته
في أجناد خراسان وقويتهم به في جهاد عدوهم ولم أدخر من تلك الأموال شيئا، قال
فقال له عدي بن أرطأة: دع هذا يا بن المهلب وأخرج من هذه الأموال، وإلا



(1) الطبري: وقدر لي.
(2) في ابن الأثير: واعتقال.
(3) الطبري: ومسألة غليظة.
(4) الطبري: ألقاه إلى أبي عيينة.
(5) في الطبري 6 / 556 لحقه في نهر معقل عند الجسر، جسر البصرة فأوثقه.
206
حملتك إلى أمير المؤمنين فيرى فيك برأيه، قال فقال له يزيد: أيها الأمير! إذا شئت
ذلك فافعل، فإني ما أكره المسير إلى أمير المؤمنين. قال: فأمر به عدي بن أرطأة
فحبس عنده بواسط لكي يحمله إلى عمر بن عبد العزيز. قال: وقدم وجوه أهل
خراسان وساداتهم يتظلمون من يزيد بن المهلب حتى صاروا إلى واسط ودخلوا على
عدي بن أرطأة.
ذكر القوم المتظلمين من يزيد بن المهلب وما
كان من كلامهم بين يدي عدي بن أرطأة وما كان
من رده عليهم بجواب لم يسمع بمثله
قال: فأول من تقدم وكيع بن أبي سود التميمي فقال: السلام عليك أيها الأمير
ورحمة الله وبركاته! قدمت أيها الأمير خير مقدم للفضل والمغنم وجزيل القسم وفوائد
النعم، فأنت أيها الأمير من كان إليه هوانا وغايتنا ورغبتنا ومنتهانا، فالحمد لله الذي
أرانا هذا اليوم وأراحنا من إمارة هؤلاء القوم، فإذا جاء الحق زهق الباطل، وجاءنا الله
بالأمير الفاصل، أيها الأمير أصلحك الله! أعذنا من هذا العماني يزيد بن المهلب،
الذي انتهك المحارم واستحل العظائم، يأخذ هذه الأموال من غير حلها، ويضعها
في غير موضعها وحقها - والسلام - (1).
قال: ثم تقدم هريم بن أبي طحمة (2) التميمي فقال: السلام عليك أيها الأمير
ورحمة الله وبركاته، أيها الأمير! أتم الله عليك النعمة، وهنأك الكرامة، وختم لك
بالسعادة والسلامة والنجاة من أهوال يوم القيامة، فإن الأمير أسعده الله أبعد العرب
همة، وأوفاها ذمة، إن حكم عدل، وإن قال فعل، ولي حقوق يجب على الأمير
حفظها، وقد كانت من يزيد بن المهلب إلينا سيرة استحل بها حرمنا واستطال بها
علينا، فأنصفنا منه أيها الأمير وأعدنا عليه، وإلا ركبت فيه إلى أمير المؤمنين عمر بن
عبد العزيز - والسلام -.
ثم تقدم عمر بن يزيد فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته!
أسأل الله للأمير أتم النعماء وأحسن البلاء وأفضل العطاء، فإن الأمير أيده الله تعالى



(1) وكان يزيد بن المهلب قد حبس وكيعا وأصحابه وعذبهم ليستأدي منهم الأموال التي كانت بحوزتهم.
(2) الأصل (أبي طلحة) خطأ وقد تقدم.
207
غياث المظلوم وفراج الهموم، وقد فزعنا إليه في أمور ملمة مقطعة مهمة آتاها إلينا
يزيد بن المهلب واجتر بها لدينا، لم يفعل ذلك بعز عشيرته ولا بشرف إمرته، ولكن
بقسوة قلبه وجرأته على ربه، وبسلطان أمير المؤمنين الماضي سليمان بن
عبد الملك، فأنصفنا منه أيها الأمير وأعدنا عليه، وإلا ركبت فيه إلى أمير المؤمنين
عمر.
قال: ثم تقدم محمد بن مسلم الباهلي، فلما سلم هم أن يتكلم، فقال له
عدي بن أرطأة: يا هذا أربع قليلا فإنكم قد تكلمتم فأكثرتم، فإن شئتم جمعت
بينكم وبين صاحبكم حتى تسمعوا منه، فإن أحببتم أن يكون ذلك في خلوة، وإن
أحببتم أن يكون ذلك علانية على رؤوس الاشهاد. قال: فأرسل عدي بن أرطأة إلى
يزيد بن المهلب فدعا به من محبسه، فلما دخل وسلم أمره عدي بن أرطأة بالجلوس
فجلس، ثم أقبل على القوم فقال: هذا صاحبكم الذي ذكرتموه وطلبتموه، فكلموه
الان بما تريدون.
وهذا كلامهم ليزيد بن المهلب على رؤوس الاشهاد.
قال: فتكلم وكيع بن أبي سود فقال: الحمد لله الذي أذلك، وأوهن أمرك،
وصغر قدرك، وقصر يدك، فنطقت فيك غ ير مقمع ولا مبكت، فالآن توعر ما
استسهلت وتجازى بما استحللت، وتكافأ بما فعلت، فإنما فتحت خراسان فتح
الخونة وقد كانت قبل ذلك مكنونة، ثم تشكو نعماي إليك، ولأحسن بلائي لديك،
فاردد علي يا عدو نفسه ما لم تكسبه أنت ولا آباؤك من قبلك! وإلا ركبت فيك إلى
أمير المؤمنين عمر - والسلام -.
قال: ثم تكلم هريم بن أبي طحمة (1) فقال: يا بن المهلب! الان حملت
على ذنبك وقلة خوفك من ربك إذا زالت عنك إمارتك، وأوبقك جريرتك، وودعك
سلطانك، وخذلك أعوانك، وأخذت بذنوبك، ورميت بعيوبك يا بن الرحمة شرة
حرة وأمة، فاردد الان ما أخذت من أموالنا بغير حقها، وإلا ركبت فيك إلى أمير
المؤمنين عمر.
ثم تكلم عمر بن يزيد فقال: يا بن المهلب! أخذت أموالنا وانتهكت محارمنا



(1) الأصل: أبي طلحة، خطأ.
208
وقد أقام الله عز وجل إماما عادلا، لا تأخذه في الله لومة لائم، والله يا عدو نفسه أن
لولا حق الله تبارك وتعالى وسلطان أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك لما كنت أنت
وقومك بالذين يغلبوننا ولا ينثروننا، فإن كنت ابتلعتها حلوا فإنك ستقيؤها بريش علق
وعلقم، ثم تغص بها غصص الشيخ الأدرد مع ركوبي فيك إلى أمير المؤمنين عمر.
قال: ثم تكلم محمد بن مسلم الباهلي قال: يا بن المهلب أنا الذي لم آل
لك عملا قط ولم تطلبني بنيل كان مني إليك ولا دخل، فكيف بك إذا حتوت راكبا
فأحمل السيف على عداوتك فأسقيك بما سقيت وأجزيك بما أسديت لا أنام إذا
هجعت، ولا أراعيك إذا خضعت مع ركوبي فيك إلى أمير المؤمنين عمر.
قال: وكان هؤلاء الأربعة يتكلمون والناس يستمعون ويزيد بن المهلب مطرق
إلى الأرض لا يتكلم بشيء حتى فرغ القوم من كلامهم، أقبل عليه عدي بن أرطأة
فقال له: إنه قد تكلم خصماؤك فما الذي تقول يا يزيد؟
ذكر جواب يزيد لهؤلاء القوم
قال: فقال يزيد: الحمد لله على سراء أمره وضرائه، وما قدم إلينا من كثير
نعمائه، الذي كان من سرور فمنه، وما كان من غير ذلك‌ فمن آلائه وحسن بلائه،
فأما ما وصفتم من عدل الأمير أيده الله فهو المحمود فهمه، العظيم حلمه، ثم إن
أمور العباد بيد الله فمسيء ومذنب ومعاقب ومعطب، فأما أنت يا وكيع بن أبي سود
فإنك وكيل باطل، لست في أمرك بشيء من طائل، إن دعيت لغي كنت له منقادا،
وإن دعيت إلى خير ازددت منه بعادا، شيخ أروه معتوه أبله، إن قدموك قدمتهم،
وإن أخروك تبعتهم، صدك عن المجلد أصلك، وأمال بك عن الحق جهلك، ثم
علي ثكلتك أمك بعد العدم! إن فتحت خراسان فتح الخونة، وكانت قبل فتحي لها
مكنونة، إنه لو علم أهل خراسان أن رجلا هو أشهى وأهفى منك رأيا لقلدوه
أمورهم، ولكنك أنت بمنزلة الحاضنة على بيض أخرى، فالمؤنة عليها والفراخ
لغيرها، وأما أنت يا هريم بن أبي طحمة، الذاكر للرحمة! للأمة اللخناء،
الموصوفة بالشنعاء، المعروفة بالسوءاء، المصروفة عن سريرات النساء، جاءت بك
مشبها في العشيرة، وكانت بأبيك خبيرة، مع أن لله علي نذرا واجبا لئن أظفرني الله
بك فيما يكون من الجديدين، لأقطعن منك أعز الوصلتين، ثم لأبينها إبانة الشعرى
من الفرقدين، إلا أن تراجع، ولما رأى أن ذلك لك شافع، وأما أنت يا عمر بن

209
يزيد! فوالله إنك لفي ضحضاح من اللوم أقيح، ومركز من الذل أقبح، وحشاش في
موضع من القبائل وما أراك منها قان الحامل، وأيم الله ما أظن أنك قمت هذا
المقام، مجترئا علي هذا الكلام، حتى مزجت خمرة ذات سورة فملأت منها
بطنك، وأفضت علي سبالك، وطفطفت علي شواربك، ثم دعتك نفسك إلى ما
يقصر عنه باعك، ويقل دونه متاعك، وأما أنت يا باهلة! فوالله لانت المسند في
محتدك، والمقهور في بلدك، المخالف في قولك، الضعيف في فعلك، وأيم الله
إن لو كنت ثائرا من أحد لاستثأرت من هذا القاعد إلى جنبك وكيع بن أبي سود
المتقرب إلي بقتل أخيك قتيبة بن مسلم وأصحابه، وإنما تهددكم إياي بأمير المؤمنين
عمر بن عبد العزيز أعزه الله وأيده فمن طلب شيئا فليركب. قال: ثم وثب يزيد بن
المهلب‌ فنفض ثوبه في وجوه القوم وخرج، فالتفت عدي بن أرطأة فقال: كيف رأيتم
مصادر الكلام، والله لقد أفحمكم حتى رأيت وجوهكم قد ارتدت! وما رأيت أحدا
منكم يقدر على إجابته. قال: ثم أقبل عدي بن أرطأة على أهل مجلسه فقال: هذا
والله رجل أهل العراق وعميدها، فلله دره ودر أبيه!
ذكر قدوم يزيد بن المهلب على عمر بن عبد العزيز
قال: ثم أمر عدي بن أرطأة بيزيد بن المهلب فقيد وحمل إلى عمر بن
عبد العزيز (1)، فلما دخل عليه وسلم أمره بالجلوس فجلس، وسأله عمر عن الأموال
التي كتب بها إلى سليمان بن عبد الملك (2)، فقال يزيد: نعم يا أمير المؤمنين إني
قد كنت من سليمان بالمكان الذي قد علمت، فكتبت إليه بذلك الكتاب ليسمع به
الناس، وقد علمت أن سليمان لم يكن ليأخذني بما كتبت به إليه، ولا كنت أخاف
أن يأتيني من قبله أمر أكرهه. قال فقال له عمر بن عبد العزيز: يا بن المهلب! دع
عنك هذا، فإني ما أجد بدا من أخذك بتلك الأموال حتى تؤديها وإلا حبستك بها،
فاتق الله يا بن المهلب‌ وأد ما قبلك فإنها حقوق المسلمين ولن يسعني تركها عليك.
قال: فأبى يزيد بن المهلب بأن يقر له بشيء، فأمر به عمر فزيد في حديده، وأمر
بحبسه.



(1) بعثه عدي مع موسى بن الوجيه كما في الطبري 6 / 557.
(2) يريد كتاب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك بعد فتحه جرجان وما أفاء الله عليه من غنائم وأموال، وما
حاز من جواهر والمال الذي أمسكه لديه، وقد تقدمت الملاحظة أن هذا الكتاب - كما في فتوح البلدان -
وقع بيد عمر بن العزيز.
210
ذكر قدوم مخلد بن يزيد بن المهلب على
عمر بن عبد العزيز من خراسان
قال: وقدم مخلد بن يزيد بن المهلب من خراسان إلى عمر بن عبد العزيز،
فلما دخل سلم عليه بالخلافة ووقف بين يديه، ثم قال: يا أمير المؤمنين! إن الله
تبارك وتعالى قد صنع لهذه الأمة بولايتك عليها (1)، وليس يجب أن تكون أشقى
الناس بها، فلماذا تحبس والدي ولا ذنب له؟ قال: أحبسه بالمال الذي احتازه من
خراسان، وكتب به إلى سليمان بن عبد الملك بن مروان، قال فقال مخلد: يا أمير
المؤمنين! فصالحني عنه بما أحببت، فقال عمر: لست أصالحك على شيء أبدا،
ولا يخرج من محبسي أو يؤدي ما عليه! فقال مخلد: يا أمير المؤمنين! إن كان هاهنا
بينة يشهدون عليه بهذا المال فخذه به، وإن لم تكن بينة فصدق مقالته
واستحلفه (2)، فقال عمر: لا أحلفه ولا يخرج من محبسي أو يؤدي ما عليه! قال:
فسكت مخلد بن يزيد وخرج من عند عمر بن عبد العزيز، فالتفت عمر إلى جلسائه
فقال: هذا عندي خير من أبيه.
ثم إن مخلد بن يزيد اعتل علة شديدة، فمكث فيها أياما عليلا، ثم مات بعد
ذلك. وبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز، فأرسل إلى يزيد بن المهلب أن أخرج من
محبسك وافرغ من أمر ابنك، فإذا دفنته فارجع إلى محبسك. قال: فأرسل إليه يزيد
إن رأيت أن تصلي عليه أنت يا أمير المؤمنين، فإني لا أخرج من هذا الحبس إلا
وأنت راض عني. قال: فصار عمر بن عبد العزيز إلى مخلد بن يزيد وقد فرغ من
جهازه وحمل على أعواد المنايا، فصلى عليه، فلما دفن التفت عمر إلى من كان معه
فقال: لقد مات اليوم فتى من سادات الأزد.
ذكر ولاة خراسان وأرمينية
قال: وبقيت خراسان بلا أمير، فدعا عمر بالجراح بن عبد الله الحكمي فعقد
له عقدا وولاه بلاد خراسان، قال: فسار الجراح بن عبد الله حتى صار إلى خراسان
ونزل مدينة مرو. ثم دعا عمر أيضا برجل يقال له عبد العزيز بن حاتم فعقد له عقدا



(1) زيد في الطبري 6 / 557 وقد ابتلينا بك.
(2) زيد في الطبري: فإن لم يفعل فصالحه.
211
وولاه بلاد أرمينية، قال: فسار عبد العزيز بن حاتم يريد أرمينية، وبلغ عمر بن
عبد العزيز عنه أمر من الأمور، فأرسل إليه فعزله، وولى مكانه عدي بن عدي
الكندي، [فسار عدي] إلى بلاد أرمينية حتى نزل البيلقان، وكان يصيب أهلها
العطش، فحفر لهم عدي نهرا وأجرى فيه الماء، فذلك النهر إلى يومنا هذا لا يعرف
إلا بنهر عدي (1). قال: فأقام عدي بن عدي على عمله بأرمينية بضعة عشر شهرا،
ثم عزله عمرو ولى مكانه الحارث بن عمر والطائي. قال: فأقبل الحارث بن عمر إلى
بلاد أرمينية حتى نزل برذعة، فأقام بها شهرا، ومرض عمر بن عبد العزيز مرضته التي
مات فيها، ويزيد بن المهلب في السجن، فلما علم أن عمر بن عبد العزيز قد مرض
جعل يحتال في الهرب من السجن مخافة من يزيد بن عبد الملك، لان يزيد بن
المهلب علم أنه إذا مات عمر بن عبد العزيز فلن يلي الخلافة إلا يزيد بن
عبد الملك. قال: وإنما كان خوف يزيد بن المهلب من يزيد بن عبد الملك لامر
كان بينه وبينه قديما - والسلام -.
خبر يزيد بن المهلب ويزيد بن عبد الملك
قال: وقد كان يزيد بن المهلب في أيام سليمان بن عبد الملك دخل ذات يوم
إلى الحمام، وخرج وعليه حلة له يمانية، وفي رجله نعل له يصر صريرا شديدا،
وقد تضمخ بالغالية، فقال يزيد بن عبد الملك وهو جالس إلى جنب عمر بن
عبد العزيز: قبح الله هذه الدنيا وما فيها! لوددت أن مثقال غالية بألف دينار فلا ينالها
إلا كل شريف! قال: فسمع ذلك يزيد بن المهلب فالتفت إلى يزيد بن عبد الملك
فقال: يا مؤنث! ألي يقال هذا وأنا ابن المهلب بن أبي صفرة! إنما كان يجب عليك
أن تقول: وددت أن الغالية لا توجد إلا في جبهة الأسد فلا ينالها إلا مثلي، قال:
فقال عمر بن عبد العزيز: مهلا أبا خالد! ولا كل هذا، فإنه ولي عهد، ومع اليوم
غد. قال: فالتفت يزيد بن عبد الملك فقال: والله يا بن المهلب لئن وليت هذا
الامر يوما من الأيام لأقطعن خير طابق من يديك! فقال له يزيد بن المهلب: والله لئن
وليت هذا الامر وأنا حي لأضربن وجهك بخمسين ألف سيف. وهذا كان السبب بين



(1) كذا، وفي معجم البلدان: نهر عدي بن أرطأة بالبصرة، أما نهر عدي بن عدي بأرمينيا فلم تعثر
عليه.
212
يزيد بن عبد الملك ويزيد بن المهلب (1). فلما مرض عمر بن عبد العزيز اتقى
يزيد بن المهلب على نفسه، فأرسل إلى مواليه الذين كانوا معه بالشام وأمرهم أن
يعدوا إبلا ليهرب عليها، ثم إنه صانع الحرسي بألف دينار وخرج ذات ليلة من الدار
التي هو محبوس فيها، ثم أقبل إلى الموضع الذي قد أعدت له فيه الإبل، فركب
وركب معه مواليه، ومضى هاربا على وجهه حتى صار على مراحل من الشام،
وتقارب من العراق.
ثم كتب إلى عمر بن عبد العزيز (2): أما بعد يا أمير المؤمنين فوالله إن لو علمت
أنك تبقى حيا ما برحت من محبسي الذي حبستني فيه أبدا حتى تكون أنت الذي
تخرجني، والتي رأيتك عليلا فعلمت أنك إن مت لم آمن يزيد بن عبد الملك على
نفسي لما قد علمت ما كان بيني وبينه فلا تظن بي غير ذلك - والسلام -.
قال فقال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن كان يزيد بن المهلب يريد بهذه الأمة
شرا فاكفهم شره (3)، إنك على كل شيء قدير، وذلك عليك يسير.
ذكر وفاة عمر بن عبد العزيز
قال: وحضرت عمر الوفاة فدعا بابنه محمد فأقعده بين يديه فأوصى إلى بوصيته
وعهد إليه عهده، ثم قال: يا بني! اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: إن الامام إذا كان
عادلا في رعيته ثم مات وألحد في قبره يترك على ما ألحد في قبره، وإذا كان ظالما
غشوما قلب على شماله. فانظروا إذا أنا مت فضعوني في لحدي وسرجوا علي اللبن
وذروني ساعة، ثم ارفعوا اللبنة التي على رأسي، فانظروا فإن كنت على حالتي التي
وضعت عليها فالحمد لله رب العالمين، وإن رأيتموني قد انقلبت على شمالي فإنا لله
وإنا إليه راجعون! قال: ثم مات عمر بن عبد العزيز. وكانت خلافته سنتين وستة
أشهر ويومين، وتوفي بموضع يقال له دير سمعان يوم الاحد لست ليال خلون من



(1) ذكر ابن كثير سببا آخر للخلاف بين يزيد بن المهلب ويزيد بن عبد الملك وذلك أن يزيد بن المهلب لما
ولي العراق عاقب أصهاره آل أبي عقيل، وهم بيت الحجاج بن يوسف الثقفي وكان يزيد بن
عبد الملك مزوجا ببنت محمد بن يوسف، وله ابنه الوليد بن يزيد الفاسق المقتول. وكان يزيد يقول:
لئن وليت لأقطعن من يزيد بن المهلب طائفة. انظر الطبري 6 / 564.
(2) نسخة كتابه في الطبري 6 / 564.
(3) زيد في الطبري: واردد كيده في نحره.
213
رجب سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة (1).



(1) اختلفوا في مدة ولايته. انظر فيها وفي يوم وفاته ومقدار عمره: الطبري 6 / 565 مروج الذهب 3 / 223
الاخبار الطوال ص 331 مختصر أبي الفداء 1 / 201 تتمة المختصر 1 / 274 تاريخ خليفة ص 321
المحير ص 28 ابن الأثير 3 / 266 البداية والنهاية 9 / 209.
وفي موته أقوال: قيل إن بني أمية تخوفوا من أن يخرج عمر بن عبد العزيز أموالهم من أيديهم وأن يخلع
يزيد بن عبد الملك من ولاية عهده فوضعوا له من سقاه سما فلم يلبث إلا ثلاثا حتى مرض ومات.
وفي العقد الفريد: أن يزيد بن عبد الملك دس إليه السم مع خادم له.
وفي طبقات ابن سعد 5 / 253 إشارة إلى أن عمر بن عبد العزيز لما أزعجه بنو مروان هددهم
بالانسحاب إلى المدينة وجعلها شورى، فقد يكون هذا ما عجل باتخاذهم قرارا بإبعاده عن مسرح
السياسة الأموية فقتلوه.
214