التطفيف
لقد استهدفت الشريعة إرساء المعاملات الاقتصادية علي اُسس أخلاقية متينة بعيدة عن حالات الاحتيال والخداع . . ومن ذلك التطفيف ، إذ حرّمته بشدّة . . وقد بحث الفقهاء حكم المعاملة المشتملة علي التطفيف من حيث الصحة والفساد وفصّلوا في الحكم حسب الصور التي يمكن أن تقع عليها المعاملة . . في حين أنّنا لا نلحظ هذه الدقّة والتفصيل في موقف الفقه الوضعي الذي جعل الطرف المتضرّر مخيّرا بين الفسخ وأخذ التفاوت( التحرير )
أوّلاً ـ المراد بالتطفيف والبخس :
إنّ التطفيف ـ علي ما في تاج العروس ـ نقص يخون به صاحبه في كيل أو وزن ، وقد يكون النقص ليرجع إلي مقدار الحق فلا يسمي تطفيفاً ( 1 ) .ويقرب منه ما حكي عن الشيخ الطوسي قدسسره في تفسير التبيان من أنّ المطفّف المقلّل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في الكيل أو الوزن ، والتطفيف : التنقيص علي وجه الخيانة في الكيل أو الوزن ( 2 ) .
ثمّ إنّ البخس أيضاً بمعني نقصان الحق كما نقله ابن السكيت عن الأزهري ؛ ولذا قال في القاموس وتاج العروس : « البخس : النقص والظلم » ( 3 ) . ومما ذكر ينقدح أنّ التطفيف متقوّم بالخيانة ، كما أنّ البخس متقوّم بالظلم
وعليه فلا وجه لما في تعليقة الإيرواني من أنّ التطفيف بنفسه ليس عنوانا من العناوين المحرّمة ـ أعني الكيل بالمكيال الناقص ـ وكذا البخس في الميزان مع وفاء الحق كاملاً ؛ كما إذا كان ذلك لنفسه ، أو تمّم من المشتري من الخارج ، أو أراد المقاصّة منه ، أو نحو ذلك . كما أنّ إعطاء الناقص أيضاً ليس حراما بل قد يتّصف بالوجوب ، وإنّما المحرّم عدم دفع بقية الحق إذا لم يكن الحق مؤجلاً ؛ وإلاّ لم يكن ذلك أيضاً بمحرّم بل يكون التعجيل فيما أعطاه تفضّلاً وإحسانا ( 4 ) .
ولذلك أورد عليه في مصباح الفقاهة : بأنّ التطفيف قد اُخذ فيه عدم الوفاء بالحق ، والبخس هو نقص الشيء علي سبيل الظلم ، وهما بنفسهما من المحرمات الشرعية والعقلية ( 5 ) .
وبالجملة ، النقص في الكمية سواء كان وزنا أو كيلاً أو عدّا أوذرعا يكون تطفيفا وبخسا إذا كان علي سبيل الخيانة والظلم وهما من العناوين المحرمة ، كما أنّ الغش والتدليس من العناوين المحرّمة وهما خيانة وخديعة ؛ كمزج اللبن بالماء ، أو خلط الجيّد بالرديء ، أو إخفاء العيب الذي فيه ، أو إظهار ما ليس فيه من الكمالات ، وغير ذلك . وإنّما الفرق بين التطفيف والبخس وبين الغش والتدليس في أنّ الأوّل في الكمّيات والثاني في الكيفيات ، وفي اعتبار الجهل في الثاني دون الأوّل ، فلا تغفل .
ثانيـا ـ موارد تحقق التطفيف والبخس :
إنّ البخس ـ كما عرفت ـ لا يختص بنقصان الكيل أو الوزن ، بل يشمل أيضا النقصان في العدد والذرع والمدة والوقت وغيرها من الاُمور المقررة في استحقاق الاُجرة للأجير ، بل لعل التطفيف أيضاً كذلك ؛ لإمكان أن يكون الكيل والوزن مذكورين من باب الغلبة ، ويعضده ما حكي عن المصباح من أنّ التطفيف مثل التقليل وزنا ومعنيً ، وعليه فالنقص في العدد أو الذرع داخل في البخس والتطفيف موضوعا . فلا وجه لما أفاده شيخنا الأعظم قدسسره حيث قال : « إنّ البخس في العدد والذرع يلحق به حكما وإن خرج عن موضوعه » ( 6 ) . ثالثـا ـ العنوان المأخوذ في الحرمة :
إنّ وجه الحرمة هو كون التطفيف والبخس متقوّمين بعنوان الظلم وهو من العناوين المحرّمة ، وعليه فلا وجه للترديد في تعليقة السيد قدسسره من أنّ حرمته هل هي من حيث إنّه عنوان مستقل من العناوين المحرّمة ، أو باعتبار كونه داخلاً في عنوان أكل مال الغير بالباطل والعدوان ؟وتظهر الثمرة فيما لو طفّف ولم يتصرف بعد في العوض ؛ فعلي الأوّل يكون مرتكبا للحرام بمجرد هذا ، وعلي الثاني لا يحصل الحرام إلاّ بعد الأخذ والتصرف ، نعم يحرم التطفيف من باب كونه مقدّمة للحرام ، فتدبر ( 7 ) .
وذلك لما عرفت من أنّ التطفيف والبخس متقوّمان بعنواني الظلم والخيانة وهما من العناوين المحرمة . هذا مضافا إلي أنّ التصرف في مال الغير محرّم آخر يحصل بنفس أخذ العوض زائداً علي ما استحقّه من المشتري ؛ فإنّه تصرّف عدواني ولاتتوقف الحرمة علي صرف العوض في شيء آخر ، فلا تغفل .
رابعـا ـ حرمة التطفيف والبخس :
إنّ التطفيف والبخس محرّمان بنصّ الكتاب والسنّة ؛ أمّا الكتاب فقوله تعالي : « ويل للمطفّفين الذين إذا اكتالوا علي الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسِرون »( 8 ) ، أي اذا اشتروا يستوفون وإذا باعوا يُخسِرون .وقوله تعالي : « ولاتنقصوا المكيال والميزان »( 9 ) .
وقوله تعالي : « ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين »( 10 ) .
وأمّا السنّة فقد ورد النهي عن التطفيف والبخس في جملة من الروايات :
منهـا : ما رواه الصدوق في عقاب الأعمال بسند صحيح عن أبيه ، عن سعد بن عبد اللّه ، عن أحمد بن محمد بن عيسي ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي ، عن أبان الأحمر ، عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « قال رسول اللّه صلياللهعليهوآلهوسلم : خمس إن أدركتموهنّ فتعوّذوا باللّه منهن : لم تظهر الفاحشة في قوم حتي يعلنوها إلاّ ظهر فيهم الطاعون ( 11 ) والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلاّ اُخذوا بالسنين ( 12 ) وشدة المؤونة وجور السلطان ، ولم يمنعوا الزكاة إلاّ منعوا القطر ( 13 ) من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ، ولم ينقضوا عهد اللّه وعهد رسوله إلاّ سلّط اللّه عليهم عدوّهم وأخذ بعض ما في أيديهم ، ولم يحكموا بغير ما أنزل اللّه إلاّ جعل اللّه بأسهم بينهم » ( 14 ) .
والرواية وإن كانت في مقام بيان آثار تلك المحرمات لا أحكامها ولكن الظاهر منها مفروغية حرمتها ، كما لا يخفي .
ومنهـا : معتبرة حمران عن أبي عبد اللّه عليهالسلام ـ في حديث ( يخبر فيه عما يقع في آخر الزمان ) ـ قال : « ألا تعلم أنّ من انتظر أمرنا وصبر علي ما يري من الأذي والخوف فهو غدا في زمرتنا ؟ ! فإذا رأيت الحق قد مات وذهب أهله ورأيت الرجل معيشته من بخس المكيال والميزان ـ إلي أن قال : ـ فكن علي حذر ، واطلب إلي اللّه النجاة ، واعلم أنّ الناس في سخط اللّه عزّوجلّ وإنّما يمهلهم لأمر يراد بهم ؛ فكن مترقّبا واجتهد ليراك اللّه عزّوجلّ في خلاف ما هم عليه ، فإن نزل بهم العذاب وكنتَ فيهم عجلت إلي رحمة اللّه ، وإن اُخّرتَ ابتُلوا وكنت قد خرجت مما هم فيه من الجرأة علي اللّه عزّوجلّ ، واعلم أنّ اللّه لا يضيع أجر المحسنين وأنّ رحمة اللّه قريب من المحسنين » ( 15 ) .
فذيل الرواية يدل علي أنّ الاُمور المذكورة التي منها البخس في المكيال والميزان موجبة لسخط اللّه وعذابه ، وهو يكفي في الدلالة علي الحرمة .
ومنهـا : ما رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه الصلاة والسلام عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار رضياللهعنه بنيسابور ، في شعبان سنة اثنين وخمسين وثلاثمئة ، قال : حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري عن الفضل بن شاذان قال : سأل المأمون علي بن موسي الرضا عليهالسلام أن يكتب له محض الإسلام علي سبيل الإيجاز والاختصار ، فكتب عليهالسلام له : « إنّ محض الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ـ إلي أن قال : ـ واجتنابُ الكبائر ؛ وهي : قتل النفس التي حرّم اللّه تعالي ، والزنا . . . والبخس في المكيال والميزان » ( 16 ) .
ورواه الصدوق بطريقين آخرين ، وقال : « وحديث عبد الواحد بن محمد بن عبدوس رضياللهعنه عندي أصح ، ولا قوة إلاّ باللّه » ( 17 ) . وعليه فالسند معتبر ، هذا مضافا إلي تصحيح العلاّمة لخبر عبد الواحد بن محمد بن عبدوس ، واعتماد الكشي علي علي بن محمّد بن قتيبة النيسابوري ، وصحبة علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري ، للفضل بن شاذان .
وعليه فلا وجه لما عن بعض من أنّه لا يضرّ ضعف أسانيد الصدوق بعد كثرة هذه الأخبار وتعدّدها ؛ لما عرفت من صحة الأسناد واعتبارها ، فلا تغفل .
وكيف كان ، فالآيات الكريمة والروايات المعتبرة تدل علي حرمة البخس والتطفيف ، هذا مضافا إلي حكم العقل بقبح الظلم والخيانة ، وقد عرفت أنّهما متقوّمان بهما .
وأمّا الاستدلال بالإجماع ـ مع ما عرفت من الكتاب والسنّة ـ ففيه : أنّ الإجماع فيما إذا كان محتمل المدرك أو معلومه لا يكشف عن شيء آخر . ومما ذكر يظهر ما في كلام شيخنا الأعظم قدسسره حيث قال : « ويدل عليه الأدلّة الأربعة » ( 18 ) .
خامسـا ـ حكم المعاملة من ناحية الصحة والفساد :
1 ـ إن جرت المعاوضة علي الوزن المعلوم الكلي فيدفع الموزون علي أنّه بذلك الوزن ، فإن طفّف في أحدهما صحت المعاوضة ولكن اشتغلت ذمته بما نقص . ولا فرق فيه بين كون المعاملة ربوية أو غير ربوية ، كما لا فرق بين كون الكلي كليا ذميا أو كلياً معيّنا خارجيا .2 ـ إن جرت المعاوضة علي الموزون المعين الخارجي بموزون آخر باعتقاد المشتري أنّه بذلك الوزن مع أنّه ناقص عنه ، فسدت المعاوضة في الجميع ، للزوم الربا لو كان العوضان متجانسين .
ولو لم يكن العوضان متجانسين ؛ فلو كان المقصود شراء الموجود كائنا ما كان وكان كيله أو وزنه من جهة حصول العلم بالمقدار ليخرج عن كونه بيع المجهول ، فإذا اعتقد المشتري وزنه ولو من دون كيل أو وزن وعلم البائع بمقداره كانت المعاملة صحيحة ؛ لارتفاع الجهالة باعتقاد المشتري وعلم البائع بالحال .
ولا خيار إلاّ خيار الغبن إذا ظهر أنّ الموجود لا يساوي الثمن بنحو يصدق الغبن .
نعم ، لو كان البائع جاهلاً بمقدار ما طفّف قال السيد المحقق اليزدي قدسسره : « يبطل البيع من جهة جهله بمقدار المبيع ؛ إذ يحتمل أن يعتبر علم كلا الطرفين » ( 19 ) .
3 ـ إن جرت المعاوضة علي الموزون المعيّن الخارجي بشرط كونه بالمقدار المساوي للعوض الآخر بجعل ذلك عنوانا للعوض فحصل الاختلاف بين العنوان والمشار إليه ، فقد ذهب شيخنا الأعظم قدسسره إلي الصحة ، حيث قال : « لم يبعد الصحة » ( 20 ) .
وأورد عليه الفاضل الإيرواني بأنّ المعاملة باطلة حيث قال : « بطلت المعاملة بظهور عدم الوجود للمبيع ؛ فإنّ المبيع العنوان المتحقق في هذا المشاهَد ، ولا عنوان متحقق في هذا المشاهد ، وليس المبيع هذا المشاهد بأيّ عنوان كان ، ولا العنوان في أيّ مصداق كان ؛ إذ لا وجه لإلغاء الإشارة أو الوصف بل اللازم الأخذ بكليهما ، ونتيجته ما ذكرناه من البطلان ، وهذا الحكم سيّال في كل مشاهَد بِيعَ تحت عنوان من العناوين ؛ كما إذا بِيعَ هذا الذهب فظهر أنّه مُذهَّب ، أو هذا البغل فظهر أنّه حمار ، أو هذه الجارية فظهر أنّه عبد . وربما يفرّق بين الأوصاف الذاتية والعرضية فيحكم بالصحة مع الخيار في الثاني ؛ كما إذا باع هذا الرومي فبان أنّه زنجي ، أو هذا الكاتب فبان أنّه اُمّي ؛ فكأنّه لاستظهار الشرطية في الأوصاف العرضية ، وليكن المقام من ذلك ، والمسألة مشكلة ؛ فإنّ الظاهر دخل العنوان وإن كان عرضيا ، ومع استظهار عدم الدخل فليكن العنوان الذاتي أيضاً غير دخيل ( 21 ) .
وفيـه : أنّ العناوين المشروطة سواء كانت ذاتية أو عرضية تكون دخيلة ، ولا نقول بعدم الدخل حتي يقال : لا يضرّ ذلك في الذاتية أيضاً ، وإنّما الفرق بينهما في أنّ العناوين الذاتية تكون من الصور النوعية للشيء عند العرف بحيث يكون تخلّفها عند العرف مساوقا لعدم وجود المبيع أصلاً ، وهذا بخلاف العناوين العرضية فإنّها ليست كذلك عندهم ، بل يوجب تخلّفها تخلّف الوصف عن المبيع الموجود عرفا ؛ فله الخيار بسبب التخلّف .
هذا ، مضافا إلي إمكان أن يقال : إنّ المقام من صغريات تعارض الإشارة والعنوان .
وقد ذهب الشيخ في أمثاله إلي تقديم جانب الإشارة ( 22 ) .
ومقتضاه أنّ العبرة بالخارج لا بالوصف ، وعليه فتصحّ المعاملة مع ثبوت الخيار .
ولكن أورد عليه في مصباح الفقاهة : بأنّ كبري [ تعارض الإشارة والعنوان [ وإن كانت مذكورة في كتب الشيعة والسنّة إلاّ أنّها لا تنطبق علي ما نحن فيه ؛ فإنّ البيع من الاُمور القصدية ، فلا معني لتردد المتبايعين فيما قصداه ، نعم قد يقع التردد منهما في مقام الإثبات من جهة اشتباه ما هو المقصود بالذات ( 23 ) .
وفيـه : أنّ كلاًّ من الوصف والإشارة مقصود في المقام ، وإنّما الكلام في الأقوي منهما فيما إذا لم يكن العنوان مطابقاً للواقع ، فإن كان الأقوي هو الإشارة فلا عبرة بالوصف ، كما يظهر من الشيخ الأعظم في خيار الرؤية حيث قال : « وأمّا كون الاشارة أقوي من الوصف عند التعارض فلو جري فيما نحن فيه لم يكن اعتبار بالوصف ، فينبغي لزوم العقد وإثبات الخيار من جهة كونه وصفا لشخص لا مشخصاً لكلي حتي يتقوّم به » ( 24 ) .
وعليه ، فلا عبرة بالوصف وإنّما المعتبر هو الإشارة ؛ لأنّ العناوين في البيوع الشخصية واسطة في الثبوت لا في العروض ، وعليه فالخارج مقصود ، بل البيع في الأعيان الخارجية لا يتعلّق بالعنوان الذهني ؛ لأنّ العرف يري التبادل بين الأعيان الخارجية بلا توسّط شيء ، فلا وجه للبطلان ، وغايته هو الخيار ؛ لتخلّف ما شرط فيه .
لا يقال : لا وجه للخيار مع كون التبادل بين الأعيان .
لأنّا نقول : إنّ المبيع وإن كان هو العين الخارجية ولكن شرط فيه شيء يتخلّف ، فيوجب الخيار .
نعم ، لو كان العوضان متجانسين فاختلافهما في المقدار يوجب الربا ، فيحكم ببطلان المعاملة من جهة الربا ، فلا وجه لإطلاق الحكم بالصحة ، كما يظهر من شيخنا الأعظم قدسسره .
لا يقال : إنّ شرط المقدار بعنوان وصف المبيع يرجع إلي التعليق في الإنشاء يوجب البطلان بالإجماع .
لأنّا نقول : لا تعليق في الإنشاء ، وإنّما الشرط المذكور كسائر الشروط التي تكون التزاما في ضمن الالتزام ، فلا وجه للبطلان من هذه الناحية أيضاً .
لا يقال : إنّ البيع علي أن يكون المبيع بذلك الوزن يوجب الغرر في المعاملة ؛ إذ لم يصر المشتري بسبب ذلك الشرط عالما بمقدار المبيع ، والغرر يفسد البيع .
لأنّا نقول : بأنّ الغرر يندفع ببناء المتعاملين علي ذلك المقدار ؛ فإنّ ذلك ـ كما أفاد شيخنا الأعظم قدسسره في مسألة إخبار البائع بمقدار المبيع ( 25 ) ـ ليس بأدون من بيع العين الغائبة علي أوصاف مذكورة في العقد ، فيقول : بعتك هذه الصبرة علي أنّها كذا وكذا صاعا ، فالمتعيّن حينئذٍ هو الصحة والخيار في غير المتجانسين والبطلان في المتجانسين ؛ للربا . هذا كله بناءً علي أنّ المراد من شرط المقدار هو وصف المبيع بكونه كذا وكذا مقدارا من دون انحلال وتقسيط .
وأمّا إذا كان المراد من الشرط المذكور انحلال المبيع وتقسيط الثمن فالمعاملة صحيحة في مقابل الموجود وباطلة في مقدار الناقص ، من دون فرق بين المتجانسين وغيرهما .
ولعلّه إليه أشار الشيخ الأعظم قدسسره حيث قال : « ويمكن ابتناؤه علي أنّ لاشتراط المقدار مع تخلّفه قسطا من العوض أم لا ؟ فعلي الأوّل يصح دون الثانـي » ( 26 ) .
سادسـا ـ عدم اختصاص الحكم بالبيع والأعيان :
إنّ مقتضي ما مرّ من تعميم البخس موضوعا هو حرمة نقصان العمل المستحق له ، فإذا صار أحد أجيرا لغيره لعمل فلا يجوز للعامل أن ينقصه ؛ فمثلاً إذا صار بنّاء أجيرا لغيره لبناء البيت فلم يتمّه فهو بخس ، وإذا صار أحد للخدمة في مدة فلم يُتمّ المدة فهو بخس ، فلا تختص الحرمة بالبيع ، بل البخس في الإجارة أيضا محرّم ؛ لتعميم عنوان البخس أو التطفيف بناءً علي عدم اختصاصه بالنقصان في الكيل أو الوزن في البيع .وهكذا مقتضي تعميم معني البخس هو حرمة نقصان الحقوق والامتيازات المستحقة ، فإذا كان شخص مالكا لامتياز الهاتف أو الكهرباء أو الحج ونظائرها فلا يجوز لمن عليه هذه الامتيازات أن يبخس فيها ، كما لا يخفي .
( 1 ) تاج العروس 6 : 182 .
( 2 ) التبيان 10 : 295 .
( 3 ) تاج العروس 4 : 105 .
( 4 ) التعليقة : 22 .
( 5 ) مصباح الفقاهة 1 : 243 .
( 6 ) المكاسب : 25 .
( 7 ) التعليقة : 22 .
( 8 ) المطففين 1 ـ 3 .
( 9 ) هود : 84 .
( 10 ) هود : 85 .
( 11 ) في نسخة « الوباء » .
( 12 ) بكسر السين : أي سنين القحط .
( 13 ) في نسخة : « المطر » .
( 14 ) وسائل الشيعة 11 : 512 و 513 ، ب 41 من الأمر والنهي ، ح 1 .
( 15 ) وسائل الشيعة 11 : 514 ـ 518 ، ب 41 من الأمر والنهي ، ح 6 .
( 16 ) عيون الأخبار 2 : 127 . جامع الأحاديث 13 : 353 .
( 17 ) عيون الأخبار 2 : 127 .
( 18 ) المكاسب : 25 .
( 19 ) التعليقة : 23 .
( 20 ) المكاسب : 25 .
( 21 ) التعليقة : 23 .
( 22 ) انظر : المكاسب : 250 .
( 23 ) مصباح الفقاهة 1 : 245 .
( 24 ) المكاسب : 250 .
( 25 ) انظر : المكاسب : 194 .
( 26 ) المصدر السابق : 250 .