من فقهائنا - من فقهائنا نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

من فقهائنا - نسخه متنی

صفاء الدین الخزرجی

نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
افزودن یادداشت
افزودن یادداشت جدید











من فقهائنا


محمّد بن مسلم الطائفي



هو الفقيه الورع ، المحدّث الثقة أبو جعفر أو ( أبو محمّد ) محمّد بن مسلم ابن رياح ( أو رباح ) الثقفي الطائفي .


كان من فقهاء الكوفة وأعلامها البارزين الذين عاصروا الامامين الباقر والصادق عليهما‏السلام وتخرجوا من مدرستهما .


استقبل أمره بادئ ذي بدء سنة ثمانين هجرية في حاضنته الاُولي في ثقيف الطائف ففيها كانت ولادته ونشأته ، ثمّ انتقل منها إلي الكوفة ( 1 ) ، ولم يؤرّخ لسنة ذلك تحديدا كما لم يظهر بقاؤه فيها إلي آخر حياته ، إلاّ أنّ وصفه في عبارة النجاشي بأنّه وجه أصحابنا بالكوفة تدل علي بقائه فيها فترة ليست بالقصيرة وربما تكون إلي آخر حياته حيث لم ينقل مترجموه إعراضه عنها أو انتسابه إلي بلد آخر ، وتصفه بعض الروايات الآتية بأنّه كان من أهل الكوفة ، نعم أقام في المدينة ـ بعد انتقاله إلي الكوفة ـ أربع سنين يتلمّذ فيها علي الامام أبي جعفر الباقر عليه‏السلام .


أمّا اُسرته فلا نملك معلومات مفصّلة عنها ، ولكن وردت أسماء بعض ولده في أسانيد الأخبار ، والمذكور منهم شخصان :


1 ـ ابراهيم بن محمّد بن مسلم ، ولم يذكروه في كتب الرجال ، وقد روي عن أبيه حديثا نقله في البحار عن تنبيه الخواطر للشيخ ورّام ( 2 ) ، ورواية اُخري عن أمالي الشيخ المفيد .


2 ـ أحمد بن محمّد بن مسلم ، روي عنه أيضا العلاّمة المجلسي نقلاً عن طب الأئمة رواية واحدة ( 3 ) . والظاهر أنّهما لم يكونا من المكثرين في الرواية .


وقد كان بريد العجلي ومحمّد بن مارد ختنيه ( 4 ) . وذكر بعضهم الكاهلي أيضا ( 5 ) .


وأمّا مولاه فهو سويد وكان قد صحبه وفقه عليه ، وله كتاب يرويه جماعة وكان من الثقات الوجوه ( 6 ) .


وأمّا ختناه فكانا أيضا من الرواة والثقات ، فإنّ حال بريد العجلي أشهر من أن يذكر ، وأمّا محمّد بن مارد فهو عين ثقة كما يصفه النجاشي وكان له كتاب يرويه الحسن بن محبوب ، وكان كوفيا ، عربي صميم ( 7 ) .


منزلته عند الأئمة عليهم‏السلام ورعايتهم له :


لقد حظيت شخصية محمّد بن مسلم بمرتبة سامقة لدي الامامين الباقرين عليهما‏السلام ، حيث كانا يكنّان لشخصه احتراما وودّا خاصّين ، مما جعله موردا لعناياتهم وتفقدهم . ولا شك انّه إنّما نال ذلك لاستحقاقه وأهليّته علما وعملاً وسلوكا .


ولقد كانت هذه الرابطة متينة ومتبادلة بينه وبينهم عليهم‏السلام سيما وأنها قد امتدت عدة عقود من الزمن .


وثمّة أخبار تكشف عن عمق هذه العلاقة نكتفي منها بخبر واحد .


قال محمّد بن مسلم : خرجت إلي المدينة وأنا وجع ثقيل فقيل له : محمّد بن مسلم وجع ، فأرسل إليّ أبو جعفر عليه‏السلام بشراب مع الغلام مغطّي بمنديل ، فناولنيه الغلام وقال لي : اشربه فانّه قد أمرني أن لا أرجع حتي تشربه ، فتناولت ، فإذا رائحة المسك منه ، وإذا شراب طيّب الطعم بارد ، فلمّا شربته قال لي الغلام : يقول لك إذا شربت فتعال ، ففكّرت فيما قال لي ولا أقدر علي النهوض قبل ذلك علي رجلي ، فلمّا استقرّ الشراب في جوفي ، كأنّما اُنشطت من عقال ، فأتيت بابه فاستأذنت عليه ، فصوّت بي : نصح الجسم ، ادخل ، فدخلت وأنا باكٍ ، فسلّمت وقبّلت يده ورأسه ، فقال لي : وما يبكيك يا محمّد ؟ فقلت : جعلت فداك أبكي علي اغترابي وبُعد الشقّة وقلّة المقدرة علي المقام عندك والنظر إليك ، فقال لي : أمّا قلّة المقدرة فكذلك جعل اللّه‏ أولياءنا وأهل مودّتنا وجعل البلاء إليهم سريعا ، وأمّا ما ذكرت من الغربة فلك بأبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام اُسوة بارض ناءٍ عنّا بالفرات صلّي اللّه‏ عليه . أمّا ما ذكرت من بعد الشقة فإنّ المؤمن في هذه الدنيا غريب وفي هذا الخلق منكوس حتي يخرج من هذه الدار إلي رحمة اللّه‏ ، وأمّا ما ذكرت من حبّك قربنا والنظر الينا وأنّك لا تقدر علي ذلك فاللّه‏ يعلم ما في قلبك وجزاؤك عليه ثمّ قال لي : كيف وجدت الشراب ؟ فقلت : أشهد أنكم أهل بيت الرحمة وأنك وصي الأوصياء ، لقد أتاني الغلام بما بعثت وما أقدر علي أن أستقل علي قدمي ، ولقد كنت آيسا من نفسي ، فناولني الشراب فشربته ، فما وجدت مثل ريحه ولا أطيب من ذوقه ولا طعمه ، ولا أبرد منه ، فلما شربته قال لي الغلام : إنّه أمرني أن أقول لك إذا شربته فأقبل إليّ ، وقد علمت شدّة ما بي ، فقلت : لأذهبن إليه ولو ذهبت نفسي : فأقبلت إليك وكأني اُنشطت من عقال . فالحمد للّه‏ الذي جعلكم رحمة لشيعتكم . فقال : يا محمّد إنّ الشراب الذي شربته فيه من طين قبور آبائي وهو أفضل ما استشفي فلا تعدلنّ به ، فإنّا نسقيه صبياننا ونساءنا فنري فيه كل خير . . . قال محمّد بن مسلم : فسقاني منه مرّتين ، فما أعلم أني وجدت شيئا مما كنت أجد حتي انصرفت ( 8 ) .


ومن هنا فإنّ ثمّة روايات كثيرة صدرت منهم عليهم‏السلام لبيان فضله ومنزلته وهي تشيد بدوره في إحياء مذهب أهل البيت عليهم‏السلام . وقد بلغت هذه الأخبار حدّ الاستفاضة في الكثرة .


قال المحقق السيد الخوئي قدس‏سره : والروايات في مدح محمّد بن مسلم وجلالة شأنه وعظم مقامه متظافرة مستفيضة ( 9 ) :


1 ـ الكشي عن جميل بن دراج قال : سمعت أبا عبد اللّه‏ عليه‏السلام يقول : « بشّر المخبتين بالجنّة : بريد بن معاوية العجلي وأبو بصير ليث بن البختري المرادي ومحمّد بن مسلم وزرارة ، أربعة نجباء اُمناء اللّه‏ علي حلاله وحرامه ، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوّة واندرست » ( 10 ) .


2 ـ عن الفضل بن عبد الملك قال : سمعت أبا عبد اللّه‏ عليه‏السلام يقول : « أحبّ الناس إليّ أحياءً وأمواتا أربعة : بريد بن معاوية العجلي وزرارة ومحمّد بن مسلم والأحول ، وهم أحب الناس إليّ أحياءً وأمواتا » ( 11 ) .


3 ـ عن سليمان بن خالد الأقطع قال : سمعت أبا عبد اللّه‏ عليه‏السلام يقول : « ما أجد أحدا أحيا ذكرنا وأحاديث أبي عليه‏السلام إلاّ زرارة وأبو بصير ليث المرادي ومحمّد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي ، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا ، هؤلاء حفّاظ الدين واُمناء أبي عليه‏السلام علي حلال اللّه‏ وحرامه ، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة » ( 12 ) .


4 ـ عن أبي عبيدة الحذّاء قال : سمعت أبا عبد اللّه‏ عليه‏السلام يقول : « زرارة وأبو بصير ومحمّد بن مسلم وبريد من الذين قال اللّه‏ تعالي : « والسابقون السابقون * اُولئك المقرّبون »( 13 ) » ( 14 ) .


5 ـ عن جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام في حديث انّه ذمّ رجلاً فقال : « لا قدّس اللّه‏ روحه ولا قدّس مثله ، انّه ذكر أقواما كان أبي عليه‏السلام ائتمنهم علي حلال اللّه‏ وحرامه وكانوا عيبة علمه ، وكذلك اليوم هم عندي مستودع سرّي وأصحاب أبي عليه‏السلام حقّا ، إذا أراد اللّه‏ بأهل الأرض سوءا صرف بهم عنهم السوء ، هم نجوم شيعتي أحياءً وأمواتا ، يحيون ذكر أبي عليه‏السلام ، بهم يكشف اللّه‏ كلّ بدعة ، ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين وتأويل الغالين » ثمّ بكي ، فقلت : من هم ؟ فقال : « مَن عليهم صلوات اللّه‏ وعليهم رحمته أحياءً وأمواتا : بريد العجلي وزرارة وأبو بصير ومحمّد بن مسلم . . » ( 15 ) .


6 ـ عن داود بن سرحان قال : سمعت أبا عبد اللّه‏ عليه‏السلام يقول : « إنّي لاُحدّث الرجل بالحديث وأنهاه عن الجدال والمراء في دين اللّه‏ ، وأنهاه عن القياس فيخرج من عندي فيتأوّل حديثي علي غير تأويله ـ إلي أن قال : ـ إنّ أصحاب أبي كانوا زينا أحياءً وأمواتا ، أعني : زرارة ومحمّد بن مسلم ومنهم ليث المراديّ وبريد العجلي ، هؤلاء القوّامون بالقسط ، هؤلاء القوّامون بالصدق ، هؤلاء السابقون اُولئك المقرّبون » ( 16 ) .


7 ـ عن عبد اللّه‏ بن أبي يعفور قال : قلت لأبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام : إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك ولا يمكن القدوم ، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كلّ ما يسألني عنه ، فقال : « فما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي ! فانّه قد سمع من أبي وكان عنده وجيها » ( 17 ) .


ولكن ورد في مقابل هذه الأخبار ، روايات في ذمّه ، وقد أجاب عنها المحققون وناقشوا في طرقها .


قال الامام الخوئي قدس‏سره :


« ولو صحت أسانيد هذه الروايات لم يعتد بها في قبال الروايات المستفيضة المتقدمة ، وقد أسبقنا في ترجمة زرارة ما دلّ من الروايات أنّ المعصوم سلام اللّه‏ عليه ربما كان يصدر منه ذم أصحابه حفظا لهم » ( 18 ) .


مدحــه :


لقد أجمع الرجاليون وأئمة الفقه والحديث علي مدحه واطرائه وتوثيقه بما يعرب عن منزلته وفضله العظيم . وإليك بعض كلماتهم فيه :


قال عبد الرحمان بن الحجّاج وحماد بن عثمان ـ وهما من معاصريه ـ : ما كان أحد من الشيعة أفقه من محمّد بن مسلم ( 19 ) .


وقال النجاشي : محمّد بن مسلم بن رباح أبو جعفر الأوقص الطحّان مولي ثقيف وجه أصحابنا بالكوفة ، فقيه ورع ، صحب أبا جعفر وأبا عبد اللّه‏ عليهما‏السلام وروي عنهما وكان من أوثق الناس ( 20 ) .


وعدّه الشيخ الكشي ممن اجتمعت العصابة علي تصديقهم من الأولين من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد اللّه‏ عليهما‏السلام الذين انقادوا لهم بالفقه ، بل هم أفقه الأولين ( 21 ) .


وأشاد الشيخ المفيد معلّم الاُمّة بدوره عادّا له من الفقهاء والأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام الذين لا يطعن عليهم ولا طريق إلي ذم واحد منهم ( 22 ) .


وعدّه البرقي ( تارة ) في أصحاب الباقر عليه‏السلام قائلاً : محمّد بن مسلم الثقفي الطائفي و ( اُخري ) من أصحاب الصادق عليه‏السلام قائلاً : أبو محمّد محمّد بن مسلم بن رياح ثمّ الثقفي الطائفي ، ثمّ انتقل إلي الكوفة ، عربي ، والعامة تروي عنه وكان منّا ، وأنس الراوي يروي عنه ( 23 ) .


وعدّه الشيخ الطوسي تارة في أصحاب الباقر عليه‏السلام واُخري في أصحاب الصادق عليه‏السلام قائلاً : محمّد بن مسلم بن رباح ( رياح ) الثقفي أبو جعفر الطحّان الأعور اُسند عنه ، قصير حدّاج ، وروي عنهما وأروي الناس منه : العلاء بن رزين القلاء ، مات سنة خمسين ومئة وله نحو سبعين سنة . وثالثة من أصحاب الكاظم عليه‏السلام قائلاً : محمّد بن مسلم الطحان لقي أبا عبد اللّه‏ عليه‏السلام ( 24 ) .


سيرته الذاتية :


تميّزت شخصية مترجمنا رضوان اللّه‏ عليه بسجايا كريمة وخصال رفيعة ، كما هو شأن العظماء الذين تجتمع فيهم خصال الخير فتكون ذواتهم معدنا للنبل وسيرتهم مثال يحتذي ، سيما إذا اقترنت تلك الخصال بالعلم والفقاهة . وفيما يلي اشارة إلي بعض مزايا شخصية فقيهنا المترجم في حدود ما بأيدينا من معلومات في هذا المجال .


1 ـ تواضعه :


كان محمّد بن مسلم رجلاً شريفا موسرا ذا وجاهة وشأن علمي اجتماعي مرموقين . وورد وصفه في عبارة مترجميه بأنّه كان وجه أصحابنا بالكوفة ، والمراد بالأصحاب هم العلماء لا عامة الشيعة والناس . إلاّ أنّ سيرته قد تجسدت فيها أعلي درجات التواضع ، فقد نُقل انّ الامام الباقر عليه‏السلام قد أمر محمّد بن مسلم ـ وكان عنده بالمدينة ـ بالتواضع فقال : تواضع يا محمّد . وأيّا كانت المصلحة التي قدّرها الامام عليه‏السلام في نصحه فانّه لما قفل محمّد إلي الكوفة راجعا أخذ امتثالاً لأمر الامام عليه‏السلام قوصرة من تمر مع الميزان وجلس علي باب مسجد الجامع وصار ينادي عليه ، فأتاه قومه فقالوا له : فضحتنا . فقال : إنّ مولاي أمرني بأمر فلن اُخالفه ، ولن أبرح حتي أفرغ من بيع ما في هذه القوصرة . فقال له قومه : إذا أبيت إلاّ أن تشتغل ببيع وشراء فاقعد في الطحانين ، فهيّأ رحيً وجملاً وجعل يطحن ( 25 ) .


وواضح انّ الإمام عليه‏السلام لم يحدد نوع العمل عندما أشار علي محمّد بن مسلم بالتواضع والعمل إلاّ انّه اختار أقل الأعمال شأنا .


2 ـ عبادته وورعه :


من الصفات التي اشتهر بها كثرة العبادة وشدة الورع ، فقد ذكر أحمد بن محمّد بن خالد البرقي : « انّه كان مشهورا في العبادة وكان من العبّاد في زمانه » ( 26 ) وتعبيره بالعباد صيغة مبالغة تدل علي كثرة عبادته وتميّزه بها بين أصحاب الأئمة عليهم‏السلام . إلاّ انّه مع ذلك كلّه نراه يستقلّ ورعه ولا يعتبره في الحد المطلوب الذي يجب أن يكون عليه شيعة أهل البيت عليهم‏السلام . وهذه فضيلة ومنقبة اُخري تسجل لهذه الشخصية حيث إنّه يستسخف ورعه ولا يراه شيئا إذا ما قيس بورع غيره من اخوانه . فقد روي عبد اللّه‏ بن بكير عن زرارة قال : شهد أبو كريبة الأزدي ومحمّد بن مسلم الثقفي عند شريك بشهادة وهو قاض فنظر في وجههما مليا ثمّ قال : جعفريان فاطميان فبكيا فقال لهما : ما يبكيكما ؟ قالا له : نسبتنا إلي أقوام لا يرضون بأمثالنا أن يكونوا من اخوانهم لما يرون من سخف ورعنا ، ونسبتنا إلي رجل لا يرضي بأمثالنا أن يكونوا من شيعته ، فإن تفضل وقبلنا فله المن علينا والفضل فينا ! فتبسّم شريك ثمّ قال : إذا كانت الرجال فليكن أمثالكما باُولئك اُجيزها هذه المرّة . قال فحججنا فخبّرنا أبا عبد اللّه‏ عليه‏السلام بالقصة . فقال : ما لشريك شركه اللّه‏ يوم القيامة بشركين من نار ( 27 ) .


ومرّ به الإمام الصادق عليه‏السلام وهو بمسجد رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم يصلي في شدّة الحرّ ، قال محمّد بن مسلم : فلقيني بعدُ فقال : إياك أن تصلي الفريضة في تلك الساعة ، أتؤديها في شدّة الحرّ ؟ قلت : إنّي كنت اتنفل ( 28 ) !


وقد كانت هذه الصفة مشهورة ومشهودة له في كلمات مترجميه التي وصفته بأنّه « فقيه ورع » كما وصفته بأنّه « كان من أوثق الناس » ( 29 ) إذ لازم الورع أن يكون موردا لوثوق الناس وركونهم إليه .


3 ـ وثاقته ووجاهته :


لقد جسّدت عبارة النجاشي السابقة ـ التي وصفته بأنّه كان من أوثق الناس ـ الثقة الاجتماعية التي كانت تتمتع بها شخصية المترجم ، وهي تعكس بلا شك وجاهته الاجتماعية ، وقد وصفه معاصروه من أمثال والد محمّد بن خالد الطيالسي بالجلالة والشرف في قومه ، وقد كان مقبولاً موثوقا به عند الخاص والعام وفي كلا البعدين الاجتماعي والعلمي . فقد روي عنه الجمهور وكان محترم الرأي لدي أئمة مذاهبهم وقضاتهم من أمثال أبي حنيفة وابن أبي ليلي وشريك القاضي الذي عبّر عنه قائلاً : امّا انّه لقد كان مأمونا علي الحديث .


4 ـ انقياده للأئمة عليهم‏السلام :


من المميزات المهمّة في شخصية محمّد بن مسلم هو شدة التزامه وانقياده لأوامر الأئمة الطاهرين وتوجيهاتهم ، فكان لا يتخلف عنها قيد أنملة مما يعكس عمق اعتقاده بهم لا في المسائل العلمية والنظرية فحسب ، بل حتي فيما يرجع لاُموره الشخصية كما عرفنا ذلك سابقا من أمر الامام عليه‏السلام له بالعمل والتواضع فاختار أوضع الأعمال ـ وبتلك الطريقة التي نقلها الخبر لنا ـ تعبيرا عن التزامه بتوصية الامام عليه‏السلام وإرشاده في حين انّه كان بامكانه من باب الابراء للذمة أن يتخذ عملاً أرقي من العمل الذي اتخذه وهو بيع التمر بباب المسجد الجامع وهو ينادي عليه .


إلاّ انّه أراد أن يجسد طاعته لهذا الأمر الارشادي بأعلي درجات الامتثال وأفضلها . لمدة دامت طويلاً وربما إلي آخر حياته حتي اكتسب من خلالها شهرة ( الطحّان ) فكان يعرف بذلك .


وهكذا تجده مسلِّما منقادا بعلم وبصيرة في القضايا الاعتقادية بنفس الدرجة من التسليم والانقياد في غيرها . فقد حدّث قائلاً : كنت عند أبي جعفر محمّد بن علي الباقر عليهما‏السلام إذ دخل جعفر ابنه ، وعلي رأسه ذؤابة وفي يده عصا يلعب بها فأخذه الباقر عليه‏السلام وضمّه إليه ضمّا ثمّ قال : بأبي أنت واُمّي لا تلهو ولا تلعب ثمّ قال لي : يا محمّد هذا امامك بعدي فاقتد به واقتبس من علمه واللّه‏ انّه لهو الصادق الذي وصفه لنا رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم . انّ شيعته منصورون في الدنيا والآخرة وأعداؤه ملعونون علي لسان كل نبي ، فضحك جعفر عليه‏السلام واحمرّ وجهه . فالتفت اليَّ أبو جعفر وقال لي : سله . قلت له : يا ابن رسول اللّه‏ من أين الضحك ؟ قال : يا محمّد العقل من القلب والحزن من الكبد والنفس من الريّه والضحك من الطحال . فقمت وقبّلت رأسه ( 30 ) .


انّ الخبر المذكور يوضح جليا مدي ارتباط محمّد بن مسلم بأئمة أهل البيت عليهم‏السلام وانقياده لهم صغارا كانوا أو كبارا ، فالجميع عنده أئمة حجج مفترضوا الطاعة ، ولذا سارع إلي السؤال من الامام الصادق عليه‏السلام ـ بعد طلب الامام منه ذلك ـ بلا تردد أو شك في علميّته علي صغر سنّه . كما انّ في الرواية اشارة طريفة إلي ذكاء محمّد بن مسلم حيث انّه لم يتوجه بالسؤال عن قضايا الفقه أو الاعتقادات لاختبار الامام وإنّما سأله سؤالاً مناسبا للمقام حيث انّ الامام عليه‏السلام كان قد ضحك فجاء سؤاله مناسبا لذلك المقام .


عطاؤه العلمي :


ليس بامكان الباحث في حياة القدماء من فقهائنا سيما طبقة أصحاب الأئمة عليهم‏السلام أن يقف علي تصور كامل للأبعاد العلمية والفقهية لديهم ، وذلك لعدم وجود الضبط التأريخي الدقيق لتلك المرحلة ولفقدان الكثير الكثير من آثارهم ومصنفاتهم التي لولاها لا يتم عرض متكامل وتقويم دقيق لعطائهم العلمي ، ومن هنا فإنّ محاولة الخوض والبحث ستكون في حدود المتوفر بأيدينا من تراثهم ، لدراسته واستنطاق كل ما يمكن استنطاقه من النصوص الواردة عنهم لتكوين عناصر البحث .


1 ـ البعد الفقهي :


مكانته ودوره في الفقه :


لا شك أنّ لفقيهنا المترجم دور بارز في رفد حركة الفقه وانتشارها في القرن الثاني وذلك من خلال ما أسداه من خدمات علمية جليلة في هذا المجال . ولم يكن هذا الدور ليؤثر أثره لولا تخطيط أئمة أهل البيت عليهم‏السلام ورعايتهم في إرساء قواعد تلك المدرسة العلمية الكبري واعدادهم لمثل هذه الطبقة من الفقهاء والعلماء الذين ملأوا العالم علما ونورا .


ومحمّد بن مسلم هو من ثمرات تلك المدرسة المباركة وممّن أدّوا حقها وقاموا بنشر رسالتها .


ولذا فقد عرف أئمة أهل البيت عليهم‏السلام له ذلك وأشادوا بدوره عبر كلماتهم التي كشفت عن ضخامة ذلك الدور وخطورته . فقد عدّه الامام الصادق عليه‏السلام من ذوي الاستنباط ومن حفاظ الدين والاُمناء من قبل اللّه‏ علي الحلال والحرام ومن القائلين بالصدق القوامين بالقسط . وأنّه من أصحاب أبيه الذين ائتمنهم علي حلال اللّه‏ وحرامه ، وكانوا عيبة علمه ، قال عليه‏السلام : « وكذلك اليوم هم عندي ، هم مستودع سرّي ، وأصحاب أبي عليه‏السلام حقا ، إذا أراد اللّه‏ بأهل الأرض سوء صرف بهم عنهم السوء ، هم نجوم شيعتي أحياءً وأمواتا ، يحيون ذكر أبي عليه‏السلام ، بهم يكشف اللّه‏ كل بدعة ، ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين ، وتأويل الغالين ، ثمّ بكي عليه‏السلام ـ فسأله جميل بن درّاج راوي هذا الحديث عنهم ـ فقال : من عليهم صلوات اللّه‏ وعليهم رحمته أحياءً وأمواتا : بريد العجلي وزرارة وأبو بصير ومحمّد بن مسلم » ( 31 ) .


وأعظم بها من كلمات معبّرة عن قدر هذا الفقيه الكبير وعن الدور والمهام التي كانت علي عاتقه ، ولولا هذه الكلمات والشهادات الصادرة عنهم عليهم‏السلام لكان من الصعب جدا الاحاطة والاطلاع علي الجهود والمنجزات العلمية الضخمة لفقهاء تلك الطبقة .


لقد منح الامام الصادق عليه‏السلام ثقته المطلقة لمثل هذه الشخصية النادرة كما أبان لخاصّة أصحابه وعلمائهم ـ فضلاً عمّن دونهم ـ فضلها ومقامها العلمي الشامخ مشيرا بالرجوع اليها . فقد سأله عبد اللّه‏ بن يعفور انّه ليس كل ساعة ألقاك ولا يمكن القدوم ، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كل ما يسألني عنه فقال : « فما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي ؟ ! فانّه قد سمع من أبي وكان عنده وجيها » ( 32 ) .


وواضح أنّ ابن أبي يعفور لم يكن من سواد الناس ليرجعه الامام عليه‏السلام لمحمد بن مسلم ، بل كان وجها من وجوه أصحابهم عليهم‏السلام وذا شأن ومحل لديهم ، فقد وصفه الشيخ النجاشي بالوثاقة والجلالة في الأصحاب كريما علي أبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام ( 33 ) . وعدّه الشيخ المفيد في الفقهاء الأعلام والرؤساء المأخوذ منهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام ( 34 ) .


ومن هنا فقد كان لمقامه ومنزلته الرفيعة شأنا بين الأصحاب لا يخفي علي أحد منهم ، فقد أطراه كل من معاصِرَيه الفقيهين الجليلين عبد الرحمان بن الحجاج وحماد بن عثمان مثنيين علي مقامه وعلوّ درجته ، حيث شهدا له بالفقاهة والفضل قائلين : « ما كان أحد من الشيعة أفقه من محمّد بن مسلم » ( 35 ) ، بل هي شهادة بالأعلمية والتقدم علي كل معاصريه بحسب ما يراه هذان العلمان ممن عاصروه واطّلعوا علي فضله ونشاطه الفقهي والعلمي .


وقد كان عبد الرحمان من شيوخ أصحاب أبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام وخاصته وبطانته وثقاته الفقهاء الصالحين كما تصفه عبارة الشيخ المفيد رحمه‏الله ( 36 ) وكان من وكلائه عليه‏السلام واستاذا لصفوان وهو الذي يخاطبه الامام الصادق عليه‏السلام قائلاً : « يا عبد الرحمان كلّم أهل المدينة ، فاني أحب أن يُري في رجال الشيعة مثلك » ( 37 ) . كما أنّ حماد بن عثمان كان مثله في العلم والفضل ، فقد عدّه النجاشي في أصحاب الإجماع من الفقهاء ، وهما معا من أصحاب الكتب . . وعليه فلا غرو أن تكون لهذه الشهادات في حق محمّد بن مسلم قيمتها ووزنها ، سيما مع صدور بعضها من معاصرين له ، مما لا يمكن صدورها لصرف التبجيل والإطراء !


هذه هي مكانته لدي الوسط العلمي الشيعي ، وأمّا الأوساط العلمية لدي باقي المسلمين ، فقد كان يتمتع فيها أيضا بنفس النظرة من الاحترام والتقدير عند فقهائهم وقضاتهم ، حيث كانوا يُرجعون الناس إليه في بعض الموارد التي تشكل عليهم ، كما في قصة أبي حنيفة معه ، أو برجوعهم أنفسهم إليه كما حصل مع ابن أبي ليلي وشريك ، وكانا من القضاة ، وفيما يلي بعض تلك الشواهد المعبّرة عمّا ذكرنا :


1 ـ عن محمّد بن مسلم قال : إني لنائم ذات ليلة علي السطح إذ طرق الباب طارق فقلت : من هذا ؟ فقال : شريك رحمك اللّه‏ ، فأشرفت فاذا امرأة فقالت : لي بنت عروس ضربها الطلق ، فما زالت تطلق حتي ماتت والولد يتحرّك في بطنها ويذهب ويجيء فما أصنع ؟ فقلت : يا أمة اللّه‏ سئل محمّد بن علي بن الحسين الباقر عليهم‏السلام عن مثل ذلك فقال : يشقّ بطن الميّت ويُستخرج الولد ، يا أمة اللّه‏ إفعلي مثل ذلك ، أنا يا أمة اللّه‏ رجلٌ في ستر ، من وجّهك إليَّ ؟ !


قال : قالت لي : رحمك اللّه‏ جئت إلي أبي حنيفة صاحب الرأي فقال : ما عندي في هذا شيء ، ولكن عليك بمحمّد بن مسلم الثقفي فانّه يخبر ، فما أفتاك به من شيء فعودي إليَّ فاعلمينيه ، فقلت لها : امضي بسلام . فلما كان الغد خرجت إلي المسجد وأبو حنيفة يسأل عنها أصحابه فتنحنحتُ فقال : اللهم غفرا دعنا نعيش ( 38 ) .


وفي الرواية إشارات ودلالات :


أ ـ انطوت علي اعتراف صريح من قبل شخصية معروفة مثل أبي حنيفة بالمكانة العلمية لمحمد بن مسلم .


ب ـ إنّ الارجاع إليه في الفتوي والتعبير عنه بأنّه يخبر دون باقي أصحاب الأئمة عليهم‏السلام يعبّر عن نظرة خاصة تجاهه وكأنّه هو الممثل للفقه الامامي ولسانه في الكوفة .


ج·· ـ لقد أظهر أبو حنيفة حرصا في الاطلاع علي جوابه وفتواه مما يعكس اهتمامه وتقديره لشخصه .


2 ـ روي الكشي عن الفضل بن شاذان قال : حدّثنا أبي عن غير واحد من أصحابنا عن محمّد بن حكيم وصاحب له كان درس اسمه في كتاب أبي ـ قالا : رأينا شريكا واقفا في حائط من حيطان فلان ، قد كان درس اسمه أيضا في الكتاب .


قال أحدنا لصاحبه : هل لك في خلوة من شريك ؟ فأتيناه فسلّمنا عليه ، فردّ علينا السلام ، فقلنا : يا أبا عبد اللّه‏ مسألة ، فقال : في أي شيء ؟ فقلنا : في الصلاة ، فقال : سلوا عمّا بدا لكم ، فقلنا : لا نريد أن تقول قال فلان وقال فلان ، إنّما نريد أن تسنده إلي النبي صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ، فقال : أليس في الصلاة ؟ فقلنا : بلي ، فقال : سلوا عمّا بدا لكم .


فقلنا : في كم يجب التقصير ، قال : كان ابن مسعود يقول : لا يغرّنكم سوادنا هذا وكان يقول فلان . قال : قلت : إنّا استثنينا عليك ألاّ تحدثنا إلاّ عن نبيّ اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ، قال : واللّه‏ إنّه لقبيح لشيخ يُسأل عن مسألة في الصلاة عن النبي صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم لا يكون عنده فيها شيء ، وأقبح من ذلك أن أكذب علي رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ، قلنا فمسألة اُخري ، فقال : أليس في الصلاة ؟ قلنا : بلي ، قال : فسلوا عمّا بدا لكم .


قلنا : علي من تجب الجمعة ؟ قال : عادت المسألة جذعة ( 39 ) ، ما عندي في هذا عن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم شيء ، قال : فأردنا الانصراف ، قال : إنّكم لم تسألوا عن هذا إلاّ وعندكم منه علم ، قال : قلت : نعم ، أخبرنا محمّد بن مسلم الثقفي عن محمّد بن علي عن أبيه عن جدّه عن النبي صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ، فقال : الثقفي الطويل اللحية ؟ فقلنا : نعم .


قال : أما انّه لقد كان مأمونا علي الحديث ، ولكن كانوا يقولون إنّه خشبي ( 40 ) ثمّ قال : ماذا روي ؟ قلنا : روي عن النبي صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم : إنّ التقصير يجب في بريدين ، وإذا اجتمع خمسة أحدهم الامام فلهم أن يجمعوا ( 41 ) .


هذا مع كون شريكا يعدّ عندهم من أوعية العلم وقد أخذ عنه اسحاق الأزرق تسعة آلاف حديث ( 42 ) .


هذا ، وقد كان لكل من الإمامين الصادقين عليهما‏السلام دور في تثبيت موقعه العلمي والاجتماعي في مجتمعه بالكوفة ، سيما عندما يلحظون من البعض غمطا لحقّه وتغافلاً عن مرتبته وفضله ، فلذا نراهم يتدخلون لنصرته والدفاع عن شخصه وموقعه العلمي بأفضل اسلوب وأقوي برهان حتي يرجع الحق إلي أهله ، ويتراجع الخصم عن موقفه ، فقد شهد محمّد بن مسلم مرّة عند ابن أبي ليلي وهو من قضاة الكوفة فبلغ ذلك الإمام الصادق عليه‏السلام ، فقال لأبي كهمس أحد أصحابه مستنكرا علي ابن أبي ليلي ذلك : يشهد محمّد بن مسلم الثقفي القصير عند ابن أبي ليلي فيردّ شهادته ؟ فقلت : نعم ، فقال : إذا صرت إلي الكوفة فأتيت ابن أبي ليلي فقل له : أسألك عن ثلاث مسائل لا تفتيني فيها بالقياس ولا تقول قال أصحابنا . ثمّ سله عن الرجل يشكّ في الركعتين الاُوليين من الفريضة ، وعن الرجل يصيب جسده أو ثيابه البول كيف يغسله ؟ وعن الرجل يرمي الجمار بسبع حصيات فتسقط منه واحدة كيف يصنع ؟


فإذا لم يكن عنده فيها شيء فقل له : يقول لك جعفر بن محمّد : ما حملك علي أن رددت شهادة رجل أعرف بأحكام اللّه‏ منك وأعلم بسيرة رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم منك ؟


قال أبو كهمس : فلمّا قدمتُ أتيت ابن أبي ليلي قبل أن أصير إلي منزلي ، فقلت له : أسألك عن ثلاث مسائل لا تفتيني فيها بالقياس ولا تقول قال أصحابنا ، قال : هات ، قال : قلت : ما تقول في رجل شكّ في الركعتين الاُوليين من الفريضة ؟ فأطرق ثمّ رفع رأسه فقال : قال أصحابنا ، فقلت : هذا شرطي عليك أن لا تقول قال أصحابنا ، فقال : ما عندي فيها شيء .


فقلت له : ما تقول في الرجل يصيب جسده أو ثيابه البول كيف يغسله ؟ فأطرق ثمّ رفع رأسه فقال : قال أصحابنا ، فقلت له : هذا شرطي عليك ، فقال : ما عندي فيها شيء .


فقلت : رجل رمي الجمار بسبع حصيات فسقطت منه حصاة كيف يصنع فيها ؟ فطأطأ رأسه ثمّ رفعه ، فقال : قال أصحابنا ، فقلت : أصلحك اللّه‏ هذا شرطي عليك ، فقال : ليس عندي فيها شيء .


فقلت : يقول لك جعفر بن محمّد : ما حملك أن رددت شهادة رجل أعرف منك بأحكام اللّه‏ وأعرف بسنّة رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم منك ؟ فقال لي : ومن هو ؟ فقلت : محمّد بن مسلم الطائفي القصير . قال : فقال : واللّه‏ إنّ جعفر بن محمّد قال لك هذا ؟ قال : فقلت : واللّه‏ إنّه قال لي جعفر هذا ، فأرسل إلي محمّد بن مسلم فدعاه فشهد عنده بتلك الشهادة فأجاز شهادته ( 43 ) .


لقد دلّت هذه القضية ـ مضافا إلي تحمّس الامام عليه‏السلام ودفاعه عن موقع محمّد بن مسلم حيث أفحم شريك بأسألته وأعياه عن الجواب ـ علي شهادة عظيمة في حق ابن مسلم وعلمه بالكتاب والسنّة .


وأمّا دوره في علم الفقه وحركته ، فقد أعربت عنه المكانة العظيمة التي قد تحدثنا عن شطر منها ، إذ لم يمكن لتكون هذه المكانة من قبل الأئمة والفقهاء من العامة والخاصة لولا تميّز دوره . ويمكن تحديد دوره في :


1 ـ وجوده وموقعه العلمي ـ في الكوفة ـ الذي كان يمثل مرجعيّة واسعة لأرباب الفقه والحديث باعتباره أحد أبرز فقهاء الشيعة آنذاك ، ممن له دور النيابة والتمثيل عن الأئمة عليهم‏السلام .


2 ـ إثراء الفقه بعدد ضخم من الحديث والرواية مما قد لم يتفق لمثله من أصحاب الأئمة ، حيث إنّ له ما يزيد علي ( 46 ألف ) حديث ومسألة في الفقه ، مما يعني استيعابه لجميع الأبواب الفقهية بكل فروعاتها وتشقيقاتها الجزئية . وهذه ثروة روائية ضخمة جدا لا علي صعيد الفترة السابقة فحسب ، بل حتي في وقتنا الحاضر أيضا ، وفقدان الكثير من تلك النصوص وعدم بقاء إلاّ النزر الضئيل منها ـ وهو ما يقرب من الألفي رواية ـ ومع ذلك نجد استيعاب رواياته لجميع الأبواب الفقهية ، فلا يكاد الباحث أن يراجع لكل باب فقهي إلاّ ويجد فيه عدّة روايات في فرع فقهي واحد عنه .


وإليك احصائية بالروايات الواردة عنه في جميع الأبواب الفقهية :


1 ـ كتاب الطهارة . وفيه ( 204 رواية ) .


2 ـ كتاب الصلاة . وفيه ( 296 رواية ) .


3 ـ كتاب الزكاة ، وفيه ( 52 رواية ) .


4 ـ كتاب الزكاة . وفيه ( 160 رواية ) .


5 ـ كتاب الجهاد ، وفيه ( 37 رواية ) .


6 ـ كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفيه ( 9 روايات ) .


7 ـ كتاب التجارة ، وفيه ( 63 رواية ) .


8 ـ كتاب الرهن ، وفيه ( 6 روايات ) .


9 ـ كتاب الصلح ، وفيه ( روايتان ) .


10 ـ كتاب المضاربة ، وفيه ( روايتان ) .


11 ـ كتاب المزارعة والمساقاة ، وفيه ( 3 روايات ) .


12 ـ كتاب العارية وفيه ( رواية واحدة ) .


13 ـ كتاب الاجارة وفيه ( 9 روايات ) .


14 ـ الوقوف والصدقات وفيه ( 5 روايات ) .


15 ـ كتاب السكني والحبس وفيه ( رواية واحدة ) .


16 ـ كتاب الهبات ( 3 روايات ) .


17 ـ كتاب الوصايا ( 18 رواية ) .


18 ـ كتاب النكاح ( 146 رواية ) .


19 ـ كتاب الطلاق ، وفيه ( 57 رواية ) .


20 ـ كتاب الخلع والمباراة ، وفيه ( 10 روايات ) .


21 ـ كتاب الظهار ، وفيه ( 4 روايات ) .


22 ـ كتاب الايلاء والكفّارات ، وفيه ( 6 روايات ) .


23 ـ كتاب اللعان ، وفيه ( 22 رواية ) .


24 ـ كتاب التدبير والمكاتبة والاستيلاد ، وفيه ( 9 روايات ) .


25 ـ كتاب الإقرار ، وفيه ( رواية واحدة ) .


26 ـ كتاب الايمان ، وفيه ( 16 رواية ) .


27 ـ كتاب النذر والعهد ، وفيه ( روايتان ) .


28 ـ كتاب الصيد والذباحة ، وفيه ( 24 رواية ) .


29 ـ كتاب الأطعمة والأشربة ، وفيه ( 41 رواية ) .


30 ـ كتاب الغصب ، وفيه ( رواية واحدة ) .


31 ـ كتاب الشفعة ، وفيه ( رواية واحدة ) .


32 ـ كتاب احياء الموات ، وفيه ( 4 روايات ) .


33 ـ كتاب اللقطة ، وفيه ( 4 روايات ) .


34 ـ كتاب الفرائض والمواريث ، وفيه ( 45 رواية ) .


35 ـ كتاب القضاء ، وفيه ( 17 رواية ) .


36 ـ كتاب الشهادات ، وفيه ( 22 رواية ) .


37 ـ كتاب الحدود والتعزيرات ، وفيه ( 42 رواية ) .


38 ـ كتاب القصاص ، وفيه ( 11 رواية ) .


39 ـ كتاب الديات ، وفيه ( 5 روايات ) ( 44 ) .


وقد تضمّنت رواياته قواعد فقهية هامّة كقاعدة الاستصحاب والفراغ ، نعم ثمّة روايات رواها قد يبدو أنّها شاذة ومنكرة . مثل ما رواه العلاء بن رزين في كتابه عنه أنّه سأل الامام الباقر عليه‏السلام عن صوم شعبان فقال : حسن . قال : قلت : أفصامه رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ؟ قال : لا ، قال : قلت : أفتصومه أنت ؟ قال : لا . قلت : أفصامه أحد من آبائك ؟ قال : لا ( 45 ) . فانّه مخالف لما ورد من الأخبار المؤكدة لاستحباب صيامه وأنّه قد صامه رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم .


ويمكن أن يكون ذلك للردّ به علي ما زعمه أبو الخطاب من وجوب صيامه ؛ لكثرة ما ورد في استحباب صيامه ، ولذا ترك بعض الأئمة صيامه مظهرين للناس بذلك عدم وجوبه في مقابل بدعة أبي الخطاب ( 46 ) .


لمحات عامّة عن فقهه :


ومن هنا فلابد من تسليط الضوء علي بعض المرتكزات والتصورات الكلية ، لرسم صورة عامّة الملامح عن البعد الفقهي عند هذا الفقيه . وذلك عبر الاشارة للنقاط التالية :


أوّلاً ـ اجتهاده وممارسته الاستنباطية :


لا يشك أحد في أنّ كثيرا من أصحاب الأئمة عليهم‏السلام سيما المبرزين منهم لم تتلخص وظيفتهم في نقل الأخبار والآثار فحسب ، وإن كانت تلك مسؤولية بمكانة من الخطورة والأهمية ، بل إنّ ثمّة مسؤولية علمية أكبر قد اُنيطت بهم ، وهي عبارة عن عملية الاجتهاد والاستنباط ، وقد كان الأئمة عليهم‏السلام يولون أهمية خاصّة لهذا الجانب باعتباره الضمان الوحيد لديمومة حركة الفقه ونموّها في المنظور القريب والبعيد ، ولذا تصدّوا للقيام بإعداد أصحابهم وتدريبهم علي مبادئ الاستنباط لاتقانها أوّلاً وإعمالها بالافادة منها فيما لو أعوزهم النص وقصروا عن الوصول إلي المعصوم عليه‏السلام ، وقد رسموا عليهم‏السلام خطوطا عريضة ومحاور رئيسة مثّلت دورهم في ترشيد حركة الاجتهاد وتنمية الخبرة لدي أصحابهم وذلك عبر :


1 ـ بيان القواعد العامّة .


2 ـ تقنين عملية الاستنباط وضبط أدلّتها .


3 ـ تبني المنهج التطبيقي للممارسة الاجتهادية .


4 ـ تحصين حركة الفقه من الأخطار والمزالق المحدقة بها علي أرض الواقع .


5 ـ رفد الساحة العلمية بالعطاء العلمي بمختلف أشكاله .


وقد أثمر هذا المنهج العلمي الذي أرسي اُسّه الأئمة الطاهرين عليهم‏السلام في تلك المدرسة العملاقة التي احتضنت اُولئك الصفوة من الفقهاء الذين ساروا طبقا للمنهج المرسوم ولم يعدلوا عنه قيد أنملة . . ومن اُولئك الصفوة بل هو صفوة الصفوة فقيهنا المترجم أبو جعفر .


وفيما يلي نضع بين يدي القارئ بعض اللمسات والمؤشرات في المجال المذكور . فنشير أوّلاً إلي العوامل التي كان لها دخل في تكوين اجتهاده ، ثمّ نشير ثانيا إلي بعض النماذج التطبيقية من ممارساته الاجتهادية :


1ً ـ ملازمته للإمامين الصادقين عليهما‏السلام :


لقد استمرت صلته بهما عليهما‏السلام عدّة عقود من الزمن كان ملازما فيها أو مترددا عليهما عليهما‏السلام قاصدا لهما من الكوفة ، وقد أشارت بعض النصوص إلي اقامته في بعض أسفاره في المدينة أربع سنوات متتابعة ، ملازما فيها للإمام الباقر عليه‏السلام يسأله ، ثمّ كان يدخل علي ولده الصادق عليه‏السلام يسأله ( 47 ) . تلك المدّة قد أهلته للأخذ بقسط وافر من العلم ووفّرت له فرصة تحمّل كم هائل من الأخبار والروايات .


2ً ـ رعاية الأئمة عليهم‏السلام لشخصه :


انّ لتعاهد الأئمة عليهم‏السلام لأمره ورعايتهم العلمية والعاطفية والتربوية أثرا بالغا في إعداده العلمي . وقد مرّ بنا قصة مرضه عند ما قدم المدينة حيث بعث له الإمام بالشراب الذي كان يعالج به خاصة أهل بيته وكان ممزوجا بتربة قبور آبائه عليهم‏السلام مما يعكس فرط عنايتهم به من الناحية العاطفية .


وهكذا كان محطّا لاهتمامهم وتعاهدهم لأمر تربيته وإعداده روحيا ، فنجد الامام الباقر عليه‏السلام يخاطبه ذات مرّة وهو يعظه : يا محمّد بن مسلم لا يغرّنك الناس من نفسك ، فإنّ الأمر يصل اليك دونهم ، ولا تقطعنّ النهار عند كذا وكذا ، فإنّ معك من يحصي عليك ، ولا تستصغرن حسنة تعملها فانك تراها حيث تسرّك ، ولا تستصغرنّ سيئة تعمل ، فانك تراها حيث تسوؤك ، وأحسن فإنّي لم أر شيئا قط أشد طلبا ولا أسرع دركا من حسنة محدثة لذنب قديم ( 48 ) .


والأهم من ذلك هو رعايته العلمية بتفقيهه في الدين وكان لذلك صور وحالات :


1 ـ المبادرة إلي تحديثه وتعليمه من دون ابتداء في المسألة ، وكان هذا في موارد عديدة :
منهـا : ما رواه هو قال : دخلت علي أبي جعفر عليه‏السلام ذات يوم وهو يأكل متكئا ، قال ( ابن مسلم ) : وقد كان يبلغنا أنّ ذلك يكره ، فجعلت أنظر إليه ، فدعاني إلي طعامه ، فلما فرغ قال : يا محمّد لعلك تري أنّ رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ما رأته عين وهو يأكل متكئا منذ أن بعثه اللّه‏ إلي أن قبضه ، ثمّ قال : ردّ علي نفسه فقال : لا واللّه‏ ، ما رأته عين يأكل وهو متكئ منذ أن بعثه اللّه‏ إلي أن قبضه . . . ( 49 ) .


وقال في حديث آخر : رأيت أبا جعفر عليه‏السلام جائيا من الحمّام وبينه وبين داره قذر ، قال : لولا بيني وبين داري ما غسلت رجليّ ولا نحّيت ماء الحمّام ( 50 ) .


وفي حديث آخر قال : دخلت أنا وأبو جعفر عليه‏السلام المسجد الحرام ، فاذا طاووس اليماني يقول لأصحابه : تدرون متي قتل نصف الناس ؟ فسمعه أبو جعفر عليه‏السلام يقول : نصف الناس قال : إنّما هو ربع الناس ، إنّما هو آدم وحوّاء وقابيل وهابيل ، قال : صدقت يابن رسول اللّه‏ ، قال : أتدري ما صنع بالقاتل ؟ قال : لا . قال محمّد بن مسلم ، قلت في نفسي هذه واللّه‏ مسألة . قال : فغدوت إليه في منزله ، فلبس ثيابه واُسرج له . قال : فبدأني بالحديث قبل أن أسأله فقال : يا محمّد بن مسلم : إنّ بالهند أو بتلقاء الهند رجل يلبس المسوح مغلولة يده إلي عنقه . . . قلت ومن ذا جعلني اللّه‏ فداك ؟ قال : ذاك قابيل ( 51 ) .


وفي حديث آخر قال : دخلت علي أبي جعفر عليه‏السلام وأنا اُريد أن أسأله عن القائم من آل محمّد صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم فقال لي مبتدئا : يا محمّد بن مسلم انّ في القائم من آل محمّد شبها في خمسة من الرسل . . . الخ .


2 ـ تدريبه علي الاستدلال وكيفية الاستنباط ، فقد سأل الإمام الصادق عليه‏السلام عن أكل بعض حيوانات البحر مثل الجرّي والمارماهي والزمير وما له قشر من السمك فقال له عليه‏السلام : يا محمّد إقرأ هذه الآية التي في الأنعام : « قل لا أجد فيما اُوحي إليَّ محرّما علي طاعم يطعمه »( 52 ) قال فقرأتها حتي فرغت منها فقال : إنّما الحرام ما حرّم اللّه‏ ورسوله في كتابه ، ولكنهم قد كانوا يعافون أشياء فنحن نعافها ( 53 ) .


فإنّ الإمام عليه‏السلام لم يجب علي سؤاله مباشرة ، وإنّما أراد إلفات نظره إلي مأخذ الحكم وأنّه موجود في القرآن .


وفي نصّ آخر عنه عن أبي جعفر عليه‏السلام أنّه : نهي رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم عن أكل لحوم الحمر ، . . . وليست الحمير بحرام . يقول محمّد بن مسلم : ثمّ قرأ هذه الآية : « قل لا أجد فيما اُوحي إليَّ محرّما علي طاعم يطعمه »( 54 ) نلاحظ أيضا تركيز الامام واهتمامه بالاستناد للقرآن والاستدلال به .


3 ـ إطلاعه علي كتبهم الخاصّة التي كانوا يطلعون عليها الخواص من أصحابهم ، ككتاب علي عليه‏السلام .


قال محمّد بن مسلم : أقرأني أبو جعفر عليه‏السلام شيئا من كتاب علي عليه‏السلام ، فاذا فيه : أنهاكم عن الجريّ والزّمير والمارماهي والطافي والطحال ( 55 ) .


وقال أيضا : أقرأني أبو جعفر عليه‏السلام صحيفة كتاب الفرائض التي هي إملاء رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم وخط علي عليه‏السلام بيده فاذا فيها : أنّ السهام لا تعول ( 56 ) .


وقال أيضا : نشر أبو عبد اللّه‏ عليه‏السلام صحيفة ، فأول ما تلقّاني فيها : ابن أخ وجدّ ، المال بينهما نصفان ، فقلت : جعلت فداك : إنّ القضاة عندنا لا يقضون لابن الأخ مع الجد بشيء ، فقال : إنّ هذا الكتاب خط علي عليه‏السلام وإملاء رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ( 57 ) .


4 ـ حثّهم عليهم‏السلام له علي طلب العلم وعدم التفريط بذلك ، قال : قال لي أبو عبد اللّه‏ عليه‏السلام : اُغد عالما أو متعلما أو أحبَّ أهل العلم ولا تكن رابعا فتهلك ببغضهم ( 58 ) .


وقول أبي جعفر عليه‏السلام : إنّ الذي يعلّم العلم منكم له أجر مثل أجر المتعلم وله الفضل عليه ، فتعلّموا العلم من حملة العلم وعلّموه إخوانكم كما علمكموه العلماء ( 59 ) .


3ً ـ كثرة مراجعاته وأسئلته منهم عليهم‏السلام :


لقد اعتمد محمّد بن مسلم السؤال طريقا ومنهجا لتنمية قابلياته العلمية وتطويرها ، وكان لهذا الأمر أثره في إثراء معلوماته وتعميقها ، وكأنّه استوحي هذا المنهج من تعليم الامام الصادق عليه‏السلام لحمران بن أعين حيث سأله وكان محمّد حاضرا فقال له : إنّما يهلك الناس لأنّهم لا يسألون ( 60 ) . وقول أبيه عليه‏السلام : هل يسأل الناس عن شيء أفضل من الحلال والحرام ؟ ( 61 ) .


إنّ الملاحِظ المتتبع للروايات الواصلة عنه يلمس في كثير منها أنّه السبّاق لفتح باب البحث العلمي وهذا ما وصف به نفسه حيث يقول : ما شجر في رأيي شيء قط إلاّ سألت عنه أبا جعفر عليه‏السلام حتي سألته عن ثلاثين ألف حديث ( أو مسألة ) وسألت أبا عبد اللّه‏ عن ستة عشر ألف حديث ، ويمكن أن تكون لهذه الحالة أو الظاهرة أحد سببين أو كلاهما :


أ ـ سعة اطلاعه بما يمنحه القدرة علي التأمل في المسائل والوجوه فيها أو افتراضها وتشقيقها .


ب ـ أن تكون أسئلته مستمدّة من واقعه في الكوفة فهي انعكاس لما يرد عليه من الأسئلة والمراجعات باعتباره فقيها يرجع إليه في الفتيا والحديث .


والسبب الأوّل هو الأرجح والأكثر واقعية بمعني أنّ موارده قد تكون هي الأكثر والأغلب .


وأمّا نوعية الأسئلة التي كان يوجهها اليهم عليهم‏السلام فهي في مختلف المجالات والأبعاد كالكلام والفقه والتفسير . وقد كانت أسئلته في الفقه شاملة لكافّة أبوابه سيّما المهمّة منها .


ومما تجدر الاشارة إليه أنّه كان كثير العناية بالآيات القرآنية متحريّا السؤال عنها سواء كانت في الفقه أو الاعتقادات ، وهذا أمر مشهود وملحوظ لمن يراجع الروايات الواردة عنه ممّا يجعل ذلك أمرا جديرا بالملاحظة والاهتمام ونقطة امتياز في منهجه العلمي ؛ وقد بلغت أسئلته عن الآيات المتعلقة بالأحكام ( 58 ) سؤالاً تفسيريا ، كما بلغت أسئلته المتعلقة بغير ذلك من الاعتقادات وغيرها ( 59 ) سؤالاً .


وعلي أيّ حال فقد كان الأئمة عليهم‏السلام يرعون أسئلته اهتماما خاصا وذلك لصدورها من مثله . فقد سأل الامام الباقر عليه‏السلام ذات مرّة عن ركود الشمس فقال : جعلت فداك أخبرني بركود الشمس . فقال : يا محمّد ( أو ويحك يا محمّد ) ما أصغر جثتك وأعضل مسألتك ـ أي أصعبها وأعقدها ـ قال محمّد ابن مسلم : ثمّ سكت عنّي ثلاثة أيّام ثمّ قال لي في اليوم الرابع : إنّك لأهل للجواب ثمّ أخذ الإمام عليه‏السلام بالجواب ( 62 ) .


وقد كان لبعض أسئلته قيمةً وأثرا كبيرا ، حيث بيّن له الامام عليه‏السلام في الجواب قواعد فقهية عامّة تصلح للاستنباط منها في موارد عديدة ، كقاعدة الفراغ مثلاً .


قال : قلت لأبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام : رجل يشك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة . قال : يمضي علي صلاته ولا يعيد ( 63 ) .


كما تميّزت بعض أسئلته بالدقة والتركيز ، فقد سأله عليه‏السلام تارة عن كيفية علومهم عليهم‏السلام فقال : سألته عن ميراث العلم ما بلغ ، أجوامع من العلم أم يفسر كل شيء من هذه الاُمور التي يتكلم فيها الناس من الطلاق والفرائض ؟ فقال : إنّ عليّا عليه‏السلام كتب العلم كلّه القضاء والفرائض ، فلو ظهر أمرنا لم يكن شيء إلاّ وفيه سنّة نمضيها ( 64 ) .


وقد أراد بهذا السؤال ـ كما فسر ـ أنّ ما بلغكم من ميراث العلم أجوامع ؟ أي ضوابط كلية يستنبط منها خصوصيات الأحكام ، أو ورد في كل من تلك الخصوصيات نصّ مخصوص ؟ ( 65 ) .


وأمّا مؤلفاته في الفقه ، فالمعروف انّه ألّف كتاب الأربعمئة مسألة في الحلال والحرام . ولم نعثر علي من ينقل من كتابه ممّن روي عنه . واحتمل البعض أن يكون المراد بهذا الكتاب هو ما رواه عن الإمام الصادق عن أبيه عن جدّه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم‏السلام انّه علّم أصحابه في مجلس واحد أربعمئة باب ممّا يصلح للمؤمن في دينه ودنياه ( 66 ) . إلاّ أنّه مختلف عنه عنوانا وموضوعا .


ثانيـا ـ نماذج من اجتهاده :


قد لا نمتلك الكثير من الشواهد والنماذج علي ما يعزّز هذه الدعوي ويكشف عن أبعاد هذا الجانب بصورة جليّة ، إلاّ أنّ هناك بعض النصوص التي يمكن أن نستوحي من خلال مضمونها الخاص معني أبعد وأعمق ، علما بأنّ عملية الاجتهاد التي نتحدث عنها في ذلك الوقت كانت تتحدد في اُطر محدودة ومستوي أولي لعملية الاستنباط . وفيما يلي بعض الشواهد المؤكدة للجانب المذكور :


1ً ـ عن الحسين بن محمّد عن السيّاري قال : سأل ابن أبي ليلي ( وهو من قضاة الجمهور في وقته ) محمّد بن مسلم فقال له : أي شيء تروون عن أبي جعفر في المرأة لا يكون علي ركبها شعرا يكون ذلك عيبا ؟ فقال له محمّد بن مسلم : أمّا هذا نصّا فلا أعرفه ، ولكن حدثني أبو جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم‏السلام عن النبي صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم انّه قال : كل ما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب ، فقال له ابن أبي ليلي : حسبك ثمّ رجع ( 67 ) .


نلاحظ في هذه الممارسة الاستنباطية أنّ محمّد بن مسلم كان يواجه فقدان النص في مورد السؤال المذكور إلاّ أنّا نجده يلتجئ ـ وهو لا يزال في دائرة النص حيث لم يتخطّها إلي قياس أو رأي ـ إلي تطبيق قاعدة عامّة تحدد مفهوم العيب كموضوع لحكم المسألة .


ومما قد يلحظ أيضا في دقّة جوابه وفطنته أنّه لم يسند الحديث ـ لخصوصية في المورد ـ إلي الامام الباقر عليه‏السلام فقط وإنّما أسنده إلي النبي صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم لتكون الحجة أدل عند السائل ، علما بأنّه لم يطلب منه ذلك ، ومن هنا نجد سرعة تصديق واقتناع ابن أبي ليلي بجوابه بلا أي تردد حيث قال له : حسبك ! .


2ً ـ زرارة ومحمّد بن مسلم أنّهما قالا : قلنا لأبي جعفر عليه‏السلام : ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي وكم هي ؟ فقال : إنّ اللّه‏ عزوجل يقول : « وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة »( 68 ) فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر ، قالا : قلنا له : إنّما قال اللّه‏ عزوجل : « ليس عليكم جناح »ولم يقل : افعلوا ، فكيف أوجب ذلك ؟ فقال عليه‏السلام : أوليس قد قال اللّه‏ عزوجل في الصفا والمروة : « فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما »( 69 ) ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض ؟ لأنّ اللّه‏ عزوجل ذكره في كتابه وصنعه نبيّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ، وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبي صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم وذكره اللّه‏ تعالي في كتابه ، الحديث ( 70 ) .


فلاحظ في هذا النص أيضا انّه لم يكتف كفقيه بجواب الإمام عليه‏السلام بشكل تعبّدي ـ وإن كان شأنه كراوٍ يجزيه نقل الخبر خاصّة ـ وإنّما أراد الوصول للنكتة في استظهار الوجوب من الآية في جواب الإمام عليه‏السلام مع انّ الآية الكريمة لم تصرح بالوجوب كما أنّه ليس الظاهر منها ذلك أيضا .


2 ـ البعد الروائي :


للرواية والحديث دور بارز وأساس في مجمل النشاط العلمي الذي اضطلع به محمّد بن مسلم ، فقد سجّل رقما قياسيا في عدد الأخبار التي رواها ، حيث صرّح رحمه‏الله بأنّه سمع من الإمام أبي جعفر عليه‏السلام ( ثلاثين ألف ) حديث كما أنّه سمع من أبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام ( ستة عشر ألف ) حديث ( 71 ) . أي انّه روي ثلاثة أضعاف كتاب الكافي الذي تجاوزت عدد أحاديثه الخمسة عشر ألف حديث وهو كم هائل جدا يكشف عن باع طويل وقابلية واسعة في هذا المجال .


ومن هنا فقد ألمح أئمة أهل البيت عليهم‏السلام إلي دوره العظيم في هذا الخصوص وأثنوا علي جهوده التي كان لها الأثر الكبير في إحياء الدين وتحصين الشريعة ومحق البدع وحفظ السنّة . بيد أنّه لم يصل إلينا من رواياته سوي ( 2276 ) رواية وهو عدد ضئيل جدا جدا ، ومن هنا يمكن أن يقاس عليه مجمل ما فقدناه من تراث أهل البيت عليهم‏السلام ، فاذا كان هذا هو شأن راوٍ واحد كمحمد بن مسلم الذي من المفترض أن تتوفر الدواعي لنقل روايته ـ لمعاصرته فترة انتعشت فيها حركة العلم وخرجت تلك البرهة من حالة الكبت التي كان يعيشها أئمة أهل البيت عليهم‏السلام وعدم انتشار حديثهم ، وأيضا لكونه وجها علميا ومورد وثوق العامّة والخاصّة مما تتوفر البواعث لنقل روايته ـ فما هو الشأن في عشرات الرواة الآخرين من أمثاله ؟ !


وأمّا مصدر روايته فقد اختص بالامامين الباقرين عليهما‏السلام وأدرك من إمامة الإمام الكاظم عليه‏السلام سنتين لأنّ وفاته كانت سنة ( 150 ه·· ) ووفاة الإمام الصادق كانت سنة ( 148 ه·· ) والذي يظهر أنّه لم يرو عنه في حدود ما وصل بأيدينا من رواياته ، كما أنّه لم يُشر هو إلي ذلك في حديثه الذي نقلناه عنه حيث اكتفي بعدد رواياته عن الإمام الباقر والصادق عليهما‏السلام حسب ، ولكنه معدود في أصحابه عليه‏السلام كما ذكره الشيخ في رجاله ( 72 ) .


ومن الملاحظ في هذا البعد أنّه لم يحدّث عن غير المعصوم عليه‏السلام ، فرواياته ـ في حدود الواصل منها بأيدينا ـ جميعها مُسندة عنهم بالمباشرة دون توسط راوٍ آخر ، نعم روي في موارد معدودة جدا بالواسطة والذي عثرت عليه في موردين فقط ، أحدهما ظاهر والآخر صريح ، أمّا الأوّل فظاهره الرواية عن عمر ابن حنظلة في كتاب الايمان ( 73 ) .


والثاني عن يونس عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد اللّه‏ عليه‏السلام يقول : ما من بقعة أحبّ إلي اللّه‏ من المسعي لأنّه يذلّ فيه كل جبّار ( 74 ) .


وهذا الأمر غير مستبعد لأنّه متداول بين أصحاب الأئمة والرواة عنهم حيث يأخذ بعضهم عن بعض سيما وأنّ محمّد بن مسلم كان في الكوفة فلابد أن يسمع عمّن سمع عنهم عليهم‏السلام ، نعم قد تكون هذه الموارد ضئيلة في حقه لأنّه كان قد روي عنهم عليهم‏السلام ما يزيد علي الأربعين ألف حديث ومسألة ، مما يعني تحصيله لأكثر الأحكام .


ولم يكن محمّد بن مسلم راوية المذهب الإمامي فحسب ، بل كان راوية المسلمين . فقد كان علماء الجمهور يثقون بحديثه ويعتبرونه مأمونا علي الحديث ، وهذا ما يؤكده قول البرقي أنّ الجمهور يروون عنه مضيفا أنّ أنس الراوي قد روي عنه ( 75 ) .


وقد بيّن له الإمام الصادق عليه‏السلام قاعدة عامّة في أخذ الحديث أو ردّه وهي العرض علي الكتاب سواء كان الراوي له برٌ أو فاجر . روي عنه عليه‏السلام قال : يا محمّد ما جاءك في رواية من بر أو فاجر يوافق القرآن فخذ به ، وما جاءك في رواية من بر أو فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به ( 76 ) .


وأمّا مجلس حديثه مع الإمام الباقر عليه‏السلام فانّه يصفه لنا في حديث طريف يقول فيه : « كنّا عند أبي جعفر عليه‏السلام جلوسا صفّين ، وهو علي السرير ، وقد ردّ علينا بالحديث ، وفينا من السرور وقرّة العين ما شاء اللّه‏ ، فكأنا في الجنّة ، فبينا نحن كذلك إذا بالآذن فقال : سلام الجعفي بالباب ، فقال أبو جعفر عليه‏السلام : إئذن له ، فدخلنا همّ وغمٌ ومشقة كراهية أن يكفّ عنّا ما كنّا فيه فدخل وسلّم فردّ أبو جعفر عليه‏السلام ثمّ قال سلام ، الحديث » ( 77 ) .


وأمّا الرواة عنه فكثيرون ، إلاّ أنّ أوسعهم عنه رواية هو العلاء بن رزين ، قال الشيخ الطوسي : « وأروي الناس عنه : العلاء بن رزين » ( 78 ) ، لأنّه تفقّه عليه وكان ملازما له ، وقد أحصيت رواياته عنه فقيل انها ( 344 ) موردا من أصل رواياته البالغة ( 392 ) موردا ( 79 ) .


وبالطبع فإنّ هذه الإحصائيات هي في حدود الواصل إلينا من رواياته عنه .


وقد بلغ عدد الرواة عنه قرابة الـ ( 120 ) راويا ( 80 ) .


وهذا أيضا بحسب البالغ إلينا من رواياته الألفين التي تشكل نسبة ضئيلة جدا جدا من أصل رواياته التي فاقت الأربعين ألف ! وبهذا فإنّ عدد الرواة عنه أكثر مما ذكرنا بكثير . ويأتي علي رأس الرواة عنه عيون أصحاب الأئمة عليهم‏السلام من أضراب زرارة وابنه الحسين ويونس بن عبد الرحمان وهشام بن سالم وزيد الشحام وصفوان وجميل بن دراج وحماد بن عيسي وحماد بن عثمان وابن أبي عمير وأبان وابن مسكان وبريد بن معاوية وحريز وعلي بن جعفر وعبد الرحمان بن الحجاج وغيرهم .


ومن أعيان الجمهور : ابن أبي ليلي وأنس .


وأمّا طريقته في حفظ الحديث وتلقيه فقد يظهر انّه كان لا يعتمد الكتابة وإنّما الحفظ والاستظهار ، وذلك انّه سأل الإمام الصادق عليه‏السلام قال : قلت لأبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام : أسمع الحديث منك فأزيد وأنقص ، قال : إن كنت تريد معانيه فلا بأس ( 81 ) .


ولكن من المستبعد أن تكون طريقته كذلك وهو الراوية المكثر الذي روي ما يربو علي الأربعين ألف حديث فإنّ هذا العدد الهائل لا يتسنّي تلقيه وحفظه وروايته بغير الكتابة والتدوين سيّما مع تأكيد الأئمة علي أمر الكتابة وتقييد الحديث .


ولذا فإنّ من الممكن أن يراد بهذا الحديث بعض الحالات التي لا يمكن فيها الكتابة . ومما تجدر الاشارة إليه في البعد الروائي روايته لبعض الأحاديث الطوال ـ التي لا يمكن روايتها بالحفظ دون الكتابة ـ فقد روي حديث الأربعمئة مسألة الذي رواه له الإمام الصادق عليه‏السلام في مجلس واحد عن أمير المؤمنين ، وفيه أربعمئة مسألة مما يصلح للمؤمن في دينه ودنياه ، ويقع هذا الحديث في ( 27 ) صفحة ( 82 ) ، وحديثه الذي رواه في قصة موسي عليه‏السلام في ( 6 ) صفحات ( 83 ) .


3 ـ البعد الكلامي :


قد ورد عنه أحاديث كثيرة في مسائل الكلام في التوحيد والصفات والنبوة والإمامة والمعاد ولكن لم يؤثر عن مصادر ترجمته ما يدلنا علي تخصّصه في هذا المجال ، كما أنّه لم يؤثر عنه مصنَّف فيه ، ولم يرد عن الأئمة عليهم‏السلام حثّه علي هذا الجانب ، بيد أنّ ثمّة لفتات وإثارات كلامية قد وردت عنه في بعض النصوص في جملة ما كان يسأل به الامامين الباقر والصادق عليهما‏السلام ، هذا مضافا إلي ما رواه في مسائل الاعتقادات والكلام مما لم يكن قد سأل فيه وهو كثير جدا كما أشرنا .


ونحن نذكر بشكل موجز نماذج من مضامين أسئلته للأئمة عليهم‏السلام والتي لا تخلو من مؤشرات وتأملات في هذا الصعيد :


1 ـ عنه عن أبي جعفر عليه‏السلام أنّه قال في صفة القديم : إنّه واحد أحد صمد أحدي المعني وليس بمعان كثيرة مختلفة ، قال : قلت : جعلت فداك : يزعم قوم من أهل العراق انّه يسمع بغير الذي يبصر ويبصر بغير الذي يسمع قال : فقال : كذبوا والحدوا وشبّهوا ، تعالي اللّه‏ عن ذلك ، انّه سميع بصير ، يسمع بما يبصر ويبصر بما يسمع . قال : قلت : يزعمون أنّه بصير علي ما يعقلونه . قال فقال : تعالي اللّه‏ إنّما يُعقل ما كان بصفة المخلوقين وليس اللّه‏ كذلك ( 84 ) .


2 ـ سؤاله عن معني ما يروي من أنّ اللّه‏ خلق آدم علي صورته . فأجابه الإمام الباقر عليه‏السلام بأنّها صورة محدثة مخلوقة ، اصطفاها اللّه‏ واختارها علي سائر الصور المختلفة فأضافها إلي نفسه كما أضاف الكعبة إلي نفسه والروح إلي نفسه فقال : « بيتي »( 85 ) ، و « ونفخت فيه من روحي »( 86 ) ( 87 ) .


3 ـ وسأل عن قوله عزوجل : « يا ابليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي »( 88 ) ، فقال عليه‏السلام : اليد في كلام العرب : القوّة والنعمة ، قال : « واذكر عبدنا داود ذا الأيد »( 89 ) الحديث ( 90 ) .


4 ـ وسأل عن قوله تعالي : « ومن كان في هذه أعمي فهو في الآخرة أعمي وأضلّ سبيلاً »( 91 ) فقال عليه‏السلام : « من لم يدلّه خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ودوران الفلك والشمس . . فهو في الآخرة أعمي وأضلّ سبيلاً . . . » ( 92 ) .


5 ـ وسأل الامام الصادق عليه‏السلام عن كيفية النفخ في الروح في قوله تعالي : « ونفخت فيه من روحي »( 93 ) كما أنّه سأل تفسيرها من الامام الباقر عليه‏السلام ( 94 ) .


6 ـ وسأل عن قوله : « ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها »( 95 ) فأجابه عليه‏السلام : الناسخ ما حوّل ، وما ينسيها : مثل الغيب الذي بعد ، الحديث ( 96 ) .


هذه هي نماذج لما ذكرناه . وبشكل عام فإنّ ما رواه في الكلام كان ثروة علميّة ممتازة أمدّت البحث الكلامي ، وأوردها علماؤنا في كتبهم الكلامية كالشيخ الصدوق في كتاب التوحيد والشيخ الكليني في اُصول الكافي وغيرها من المصنفات ، فعطاؤه في هذا الصعيد قد أفاد منه المتكلمون كما أفاد الفقهاء من عطائه الثرّ في الفقه .


ونود الإشارة إلي أنّه قد روي قوله بالاستطاعة في رواية ضعيفة وفيها ذم لمحمد بن مسلم ولزرارة بن أعين حيث نسب القول بها لهما وشأنهما أجلّ من ذلك لورود الروايات المتضافرة في مدحهما مما لا يمكن معه صدور هذا الذم بسبب القول بالاستطاعة ( 97 ) .


وأمّا البعد التفسيري فهو الآخر لا نريد به المعني الأخص منه ، وإنّما نريد به الإلفات إلي عنايته بتفسير الآيات الكريمة ، حيث كثر السؤال في تراثه الروائي ـ الذي بأيدينا ـ عن تفسير جملة من الآيات المتعددة في مختلف الجوانب ، نقلنا بعضها آنفا في البعد الكلامي وبعضها وارد في الفقه والفروع وعدد تلك الآيات جميعا هو ( 107 آية ) .


نهاية المطاف :


قد ذكروا أنّ وفاته كانت بعد وفاة الامام الصادق عليه‏السلام بسنتين أي في سنة ( 150 ه·· ) ، بمعني انّه عاصر سنتين من إمامة الإمام الكاظم عليه‏السلام ، ولم يرو عنه في حدود ما وصلنا من رواياته ولا في رواية واحدة ، ولعل الذي منعه من لقائه والأخذ عنه هو كبر سنّه وشيخوخته .


فسلام عليه حيّا وميّتا وجزاه اللّه‏ أجر المحسنين بما قدّم للفقه والشريعة من أيادٍ بيضاء وخدمات جليلة .











( 46 ) انظر : جواهر الكلام 17 : 113 .


( 47 ) معجم رجال الحديث 17 : 253 ، ح 7 .


( 42 ) تعليقة السيد الداماد علي اختيار معرفة الرجال 2 : 385 .


( 26 ) بحار الأنوار 47 : 389 . وانظر : رجال الكشي : 148 ، الرقم : 67 .


( 22 ) نقلاً عن معجم رجال الحديث 17 : 248 .


( 51 ) بحار الأنوار 10 : 151 ، ح 2 .


( 94 ) التوحيد : 171 ، ح 3 .


( 65 ) بحار الأنوار 2 : 169 .


( 55 ) وسائل الشيعة 16 : 397 ، ب 8 من أبواب الأطعمة المحرّمة ، ح 8 .


( 44 ) أعددنا هذه الاحصائية من مسند محمّد بن مسلم ، وقد أضاف جامِعُه في آخر الأبواب باب المتفرقات وأورد فيه ( 109 رواية ) . وليعلم أنّ هذه الاحصائية تقريبية أي مع وجود المكررات في بعض الأبواب ، وهي قليلة بالطبع .


( 23 ) معجم رجال الحديث 17 : 248 .


( 19 ) رجال الكشي : 149 ، الرقم : 67 .


( 90 ) التوحيد : 153 ، ح 1 .


( 14 ) رجال الكشي : 124 ، الرقم 62 .


( 13 ) الواقعة : 10 ـ 11 .


( 12 ) المصدر السابق : 125 .


( 96 ) بحار الأنوار 4 : 116 ، ب البداء والنسخ ، ح 42 .


( 28 ) مستدرك الوسائل 1 : 193 .


( 38 ) رجال الكشي : 146 ، الرقم : 67 .


( 81 ) بحار الأنوار 2 : 164 ، ح 24 .


( 75 ) معجم رجال الحديث 17 : 248 .


( 73 ) وسائل الشيعة 16 : 159 ، ب 11 من أبواب الأيمان ، ح 10 .


( 63 ) تهذيب الأحكام 1 : 102 ، ح 267 .


( 74 ) المصدر السابق 9 : 513 ، ب 1 من أبواب الحج ، ح 14 .


( 76 ) مستدرك الوسائل 3 : 186 ، ب الجمع بين الأحاديث ، ح 5 .


( 67 ) التهذيب 7 : 65 ، 282 .


( 86 ) الحجر : 29 .


( 79 ) انظر : معجم رجال الحديث 11 : 169 .


( 68 ) النساء : 101 .


( 77 ) بحار الأنوار 35 : 197 .


( 84 ) التوحيد : 144 ، ح 9 .


( 95 ) البقرة : 106 .


( 92 ) التوحيد : 456 ، ح 6 .


( 72 ) رجال الشيخ الطوسي : 358 ، ط ـ ايران ، منشورات الرضي .


( 71 ) معجم رجال الحديث 17 : 253 .


( 58 ) الكافي 1 : 34 ، ح 3 .


( 80 ) انظر : المصدر السابق 17 : 233 .


( 30 ) بحار الأنوار 47 : 15 ، ح 12 .


( 97 ) انظر : معجم رجال الحديث 17 : 255 .


( 91 ) الإسراء : 72 .


( 78 ) رجال الطوسي : 300 .


( 43 ) المصدر السابق .


( 70 ) وسائل الشيعة 8 : 517 ، ب 22 من الصلاة ، ح 2 .


( 39 ) يقال : أعدت الأمر جذعا ـ بفتحتين ـ أي جديدا كما بدأ .


( 35 ) رجال الكشي : 149 ، الرقم : 67 .


( 34 ) معجم رجال الحديث 10 : 96 .


( 85 ) البقرة : 125 .


( 64 ) بحار الأنوار 26 : 23 ، 14 . وانظر : 2 : 169 مع اختلاف يسير .


( 49 ) روضة الكافي 8 : 129 ، ح 100 .


( 16 ) المصدر السابق : 207 ، الرقم : 115 .


( 20 ) رجال النجاشي : 323 ، الرقم : 882 .


( 8 ) بحار الأنوار 101 : 120 ، ح 9 .


( 7 ) المصدر السابق : 357 .


( 4 ) تهذيب الأحكام 7 : 3 ، ح 8 .


( 25 ) رجال الكشي : 148 ، الرقم : 67 .


( 28 ) مستدرك الوسائل 1 : 193 .


( 32 ) المصدر السابق : 145 ، الرقم : 67 .


( 48 ) علل الشرائع 2 : 559 .


( 6 ) رجال النجاشي : 298 .


( 3 ) المصدر السابق 95 : 5 .


( 87 ) التوحيد : 103 ، ح 18 .


( 62 ) من لا يحضره الفقيه 1 : 214 ، ب 34 من أبواب الصلاة ط . دار التعارف . بحار الأنوار 46 : 328 .


( 66 ) مستدركات علم الرجال 7 : 326 .


( 50 ) تهذيب الأحكام 1 : 379 ، ح 1173 .


( 41 ) رجال الكشي : 148 ، الرقم : 67 .


( 37 ) معجم رجال الحديث 9 : 316 .


( 27 ) رجال الكشي : 145 ، الرقم : 67 .


( 52 ) الأنعام : 145 .


( 33 ) رجال النجاشي : 213 ، الرقم : 556 .


( 21 ) رجال الكشي : 206 .


( 93 ) الحجر : 29 .


( 83 ) المصدر السابق 13 : 25 ، ح 2 .


( 82 ) المصدر السابق 10 : 89 ، ح 1 .


( 53 ) تهذيب الأحكام 9 : 6 ، ب الصيد والذباحة ، ح 16 .


( 31 ) رجال الكشي 125 : الرقم : 62 .


( 18 ) معجم رجال الحديث 17 : 255 .


( 57 ) المصدر السابق : 485 ، ب 5 من أبواب مواريث الاخوة والأجداد ، ح 1 .


( 9 ) معجم رجال الحديث 17 : 254 .


( 56 ) المصدر السابق 17 : 423 ، ب 6 من أبواب موجبات الارث ، ح 10 .


( 60 ) المصدر السابق 1 : 40 ، ح 2 .


( 15 ) المصدر السابق : 125 .


( 2 ) بحار الأنوار 42 : 252 .


( 88 ) سورة ص : 75 .


( 61 ) بحار الأنوار 1 : 213 ، ح 9 .


( 5 ) معجم رجال الحديث 18 : 191 .


( 69 ) البقرة : 158 .


( 11 ) المصدر السابق : 123 ، الرقم 62 .


( 10 ) رجال الكشي : 152 ، الرقم 68 .


( 1 ) قال أحمد بن محمّد البرقي : أبو محمّد محمّد بن مسلم بن رياح ، ثمّ الثقفي الطائفي ، ثمّ انتقل إلي الكوفة . انظر : معجم رجال الحديث 17 : 248 .


( 54 ) علل الشرائع 2 : 563 ، ب 359 ، ح 2 .


( 36 ) الارشاد 2 : 216 ، فصل في النص علي الكاظم عليه‏السلام بالامامة .


( 40 ) يقال لضرب من الشيعة : « الخشبية » قيل لأنّهم حفظوا خشبة زيد بن علي ( رضي اللّه‏ عنه ) حين صلب . لسان العرب 1 : 352 ، مادة ( خشب ) .


( 59 ) المصدر السابق : 35 ، ح 2 .


( 89 ) سورة ص : 17 .


( 45 ) مستدرك الوسائل 1 : 597 ، ب استحباب صوم شعبان أو بعضه ، ح 4 .


( 24 ) رجال الطوسي : 135 ، 300 ، 358 .


( 17 ) المصدر السابق : 145 ، الرقم : 67 .

/ 1