و هؤلاء يعتقدون بما وراء الطبيعة، غيرأَنَّهم يعتقدون بارتفاع قمم ذلك العالم وشموخها بحيث لا يمكن أَنْ تبلُغَها العقولو تنالَها الأَفهام. و هؤلاء يدعون أَمراً و لا يَأْتون عليهبدليل، فإِنَّ عند العقل قضايا بديهيةًكما أَنَّ لديه قضايا نظريةً منتهيةً إلىالبديهية. و القضايا البديهيةُ صادقةٌبالبداهة في حق المادة و غير المادة. و كماأنَّ العقل يستنتج من إِنهاء القضاياالنظرية في الأمور الطبيعية إلىالبديهية، نتائجَ كانت مجهولة، فهكذاعمله في القضايا الراجعة إلى ما وراءالمادة. و ستقف على كيفية البرهنة علىصفاته و أَفعاله بهذا الطريق في ثناياالكتاب.
الطائفة الثالثة: مُدّعو الكشف و الشهود
و هؤلاء يعتقدون أنّ الطريقَ الوحيدللتعرف على ما وراء الطبيعة هو تهذيبُالنفس و جعلُها مستعدةً لقبول الإِفاضاتمن العالم الرّبوبي، و هذا في الجملةِ لاإِشكال فيه، ولكن حصرَ الطريق بالكشف والشهود ادعاء بلا دليل. فلا مانع من أَنْتكون أَدوات المعرفة متعددةً من الحسّ والعقل و الكشف.
الطائفة الرابعة: الحنابلة و بعضالأَشاعرة
و هؤلاء يعتقدون بأَنَّ الطريق الوحيدللتعرف على العالم الربوبي هو إِخبارالسماء، فلا يجوز لنا الحكم بوحدة الذاتالإِلهية أَو كثرتِها، و بساطَتِها أَوتَرَكُّبِها، و جسمانِيَّتِها أوتَجَرُّدِها، إِلاّ بالأَخبار و الأَنباءالواردة من السماء. و قد عزب عن هؤلاء أنَّالعقل عنصر سماوي موهوب من قبل الله تعالىللإِنسان لا كتشاف الحقائق بشكل نسبي. قالسبحانه: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنبُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَشَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَْبْصَارَ