البساطة واجتناب التكلف
جاء في الحديث الشريف: "شر الاخوان منتكلّف له".
يجمع المؤرخون على أن الرسول الأكرم صلّىالله عليه وآله وسلّم كان بسيطاً في حياتهبعيداً عن التكلف، بسيطاً في ملبسه لكنهنظيف الثوب يفوح منه عطراً وطيباً؛ لقدكانت البساطة تشكل ركناً أساسياً في حياتهصلّى الله عليه وآله وسلّم.
لاشك أن للحياة حدوداً وأصولاً ينبغيرعايتها وإلا تحولت الحياة إلى غابة، ولذانجد القرآن يشير صراحة إلى هذا المعنى فيكثير من آياته، أي إلى وجود حدود إلهيةيتوجب على الإنسان عدم تجاوزها.
فالعظماء من البشر هم أولئك الذين تحكمحياتهم بعض الأصول والأسس المحترمةلديهم، وفرق كبير بين تلك الأصول وبينالقيود والعادات الفارغة والأمورالمتكلفة التي تظهر بين الناس والتي تجعلحياتهم صعبة لا تطاق.
فالأصول التي ينبغي رعايتها تساعد علىالاستقرار والطمأنينة في الحياة ولكنالقيود والتكلف تزيد من أعباء الحياةوتؤدي إلى الشقاء.
لقد كان رسول الله بسيطاً في ملبسه ولكنهكان يراعي أصول النظافة. كان عليه السلاميرتب هندامه ويرجل شعره في كل صباح وكانينظر في المرآة قبل أن يخرج من منزله،وكانت النظافة في حياته أصلاً من الأصولولم تكن قيداً أو تكلفاً، ولكن هناك منيفرط في النظافة وهناك من يفرّط بها، هناكفريق من الناس لا تحدهم حدود وتقيدهمقيود، يعيشون حياة الامبالاة ضاربين عرضالجدار كل الحدود وشعارهم في الحياةالبطالة والكسل.
وهناك في المقابل فريق من الناس قد ربطواأنفسهم بعادات وقيّدوها بتقاليد وإذا هميعيشون في قفص رهيب، فهناك ألف قيد وقيد فيطريقة تناول الطعام وألف قيد وقيد فيارتداء الثياب وآلاف القيود في المعاشرةواستقبال الضيوف وإقامة الأعراس والسفرحتى لتتحول حياتهم إلى مجرد أعباء لاتطاق، فهم يتحركون كالدمى ويتحولون إلىموجودات ورقية أو زجاجية تتحرك وفق آلافالقيود المصنوعة؛ حديثهم تكلف، طريقةمشيهم متصنعة، يتصنعون في ارتداء ثيابهم،يتكلفون في استقبال ضيوفهم، ينهضون بتكلفويجلسون بتكلف، وبعبارة واحدة إن حياتهمتكلف في تكلف وتصنع في تصنع.
لقد كان رسول الله صلّى الله عليه وآلهوسلّم يجلس مع أصحابه كأحدهم ولم يكن فيمجلسه صدر أو ذيل، فوق أو تحت.
قال سبحانه في محكم كتابه: (يا ايها الذينآمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالسفافسحوا يفسح الله لكم). (المجادلة: 11)
إن التكلف والتقيد إنما ينجم عن حقارة فيالنفس وانعدام في الشخصية فالبعض من الناسيعانون من إحساس بالحقارة يدفعهم إلىإثبات وجودهم بهذا السلوك. إن مثل هؤلاءالأفراد يحاولون توجيه الأنظار إليهم عنطريق هذه التصرّفات.
إن من يتمتع بمقام علمي فإن شخصيتهالعلمية هذه لا ترى ضرورة للتظاهر، وعلىالعكس فإن من يعاني من إحساس بالتخلفيحاول عن طريق الألقاب والعناوين التظاهربالأهمية وعلى العموم فإن العمل والنشاطوالإيجابية تتناقض مع التصنع والتكلفوالغرور والخضوع للعادات الفارغة.
إن التكلف والتصنع يهدر الكثير من الوقتويستهلك الفكر والخيال ويجلب الضجروالملل.
إن المجتمع يسعى أن يكون فعالاً نشطاًمتفوقاً ينبغي عليه أولاً أن يتخفف منأعباء التكلف لكي يتحرك نحو الأمام.
ذهب الإمام الصادق ذات يوم إلى الحمامفأراد صاحب الحمام أن يخليه له، فنهاهالإمام عن ذلك قائلاً: "المؤمن أخف مؤونةمن ذلك".
يروي سعدي الشيرازي هذه الحكاية:
رأيت ابن غني جالساً حول قبر أبيه وقداسترسل بالمناظرة مع ابن فقير يباهيهقائلاً: صندوق تربة أبي حجري محكم مكتوبعليه بالنقش الملون كأزهار الربيع وهومفروش بالرخام مرصع بالفيروز فماذا بقي منالفخر لابيك المبني قبره بلبنتين المرشوشمن التراب بقبضة أو قبضتين.
سمع الفقير هذا الفخر فقال: اسكت أيهاالغبي فإنه بينما يتحرك أبوك من تحت ثقلالاحجار يكون أبي قد وصل الجنة ونجا منالنار(11).
وقال الشاعر:
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذهالأجساد.
(1). غرر الحكم طبعة جامعة طهران، ص584
(2). نهج البلاغة، رسالة رقم: 31
(3). نهج البلاغة، خطبة رقم: 51
(4). الكافي، ج5، ص72
(5). الكافي، ج5، ص88
(6). إشارة إلى موضوع مثبت في كتاب "عشرونمقالة"
(7). نهج البلاغة، خطبة: 131
(8). سورة النجم، الآية: 29 ـ 30
(9). نهج البلاغة، رسالة: 31
(10). نهج البلاغة، حكمة: 133
(11). روضة الورد ـ حكاية: 18 ـ سعدي الشيرازي