مرونة التشريع الإسلامي:
لقد سبق الحديث عن أن استغناء التشريع الإسلامي عن كل تشريع سواه رهن أمرين:
الأول: إنه ذو مادة حيوية خلاقة للتفاصيل بحيث يقدر على الإجابة ببيان حكم جميع الأحداث التالية و الطارئة.
الثاني: النظر إلى الكون و المجتمع بسعة و انطلاق مع مرونة خاصة تماشي جميع الأزمنة و الأجيال و قد مر الكلام في الأمر الأول و إليك الكلام حول الأمر الثاني.
إن الذي فتح للتشريع الإسلامي خلودا و غناء عن سائر التشريعات هو مرونة أحكامه التي تماشي جميع الأزمنة و الحضارات، و قد تمثلت هذه المرونة بامور:
الأول: كونه جامعا بين الدعوة إلى المادة و الروح:
إذا غالت المسيحية في التوجه إلى الناحية الروحية، فدعت إلى الرهبانية و التعزب، أو غالت اليهودية في الدعوة إلى ملاذ الحياة و الانكباب على المادة حتى نسيت كل قيمة روحية، فالإسلام دعا إلى المادية و المعنوية على وجه يطابق الفطرة الإنسانية و جعل الفطرة مقياسا للحلال و الحرام و شرع للإنسان ما يسعده في الدنيا و الآخرة على ما هو مذكور بالتفصيل في محله.
الثاني: النظر إلى المعاني لا إلى الظواهر:
الإسلام ينظر إلى المعاني و الحقائق لا الظاهر و القشور فيأمر بالأخذ باللب لا بالقشر و هذا هو السر في خاتمية الدين الإسلامي و تمشيه مع تطور الحياة، و لا يتوهم من ذلك جواز التدخل في التشريع بحجة الأخذ باللب دون القشر، فإن الكبريات الواردة في الكتاب و السنة كلها لب و أما القشر فإنما يرجع إلى التخطيط و التجسيد.
و سيوافيك عند الإجابة على السؤال الخامس من أن الإسلام دعا الإنسان إلى الملبس و المسكن و إشاعة العلم و التربية، و هذا هو اللب و أما الأشكال و الأنماط لهذا التشريع فمتروك إلى مقتضيات العصور.
إن الذي يهتم به التشريع كون البيت مقاما على أرض غير مغصوبة و من مال حلال بحيث يتمكن المسلم من إقامة فرائضه عليها و حفظ كيانه، و قد أناط شكل البيت و هندسته إلى مقتضيات الظروف و المصالح و كذا الملابس و وسائل التعليم ابتداء من الحفر على الصخر و الجدران و الكتابة على الجلود و القراطيس، إلى ابتكار وسائل إلكترونية متطورة لإنجاز الغرض، فمن أراد الحفاظ على الصور، فقد عرقل الأمة الإسلامية عن التقدم و أثار مشاكل في تطبيق الشريعة في الأزمنة الحاضرة.
الثالث: الأحكام التي لها دور التحديد:
من الأسباب الموجبة لمرونة هذا الدين و انطباقه على جميع الحضارات الإنسانية تشريعه القوانين الخاصة التي لها دور التحديد و الرقابة بالنسبة إلى عامة تشريعاته و قد اصطلح عليها الفقهاء بالأدلة الحاكمة، لأجل حكومتها و تقدمها على كل حكم ثبت لموضوع بما هو هو فهذه القوانين الحاكمة، تعطي لهذا الدين مرونة يماشي لبها كل حضارة إنسانية، مثلا: قوله سبحانه: و ما جعل عليكم في الدين من حرج (الحج/78) حاكم على كل تشريع استلزم العمل به حرجا، لا يتحمل عادة للمكلف فهو مرفوع، في الظروف الحرجة، و مثله قوله صلّى الله عليه وآله «لا ضرر و لا ضرار» فكل حكم استتبع العمل به ضررا شديدا، فهو مرفوع في تلك الشرائط، و قس عليهما غيرهما من القوانين الحاكمة.
نعم تشخيص الحاكم عن المحكوم، و ما يرجع إلى العمل بالحاكم من الشرائط، يحتاج إلى الدقة و الإمعان و التفقه و الاجتهاد، و من رأينا أن الموضوع يحتاج إلى التبسط أكثر من هذا، فإلى مجال آخر أيها القارى ء الكريم.