ورأيت في مجلس هذا السلطان رجلاً بيدهسكين شبه سكين المسفر، قد وضعه على رقبةنفسه، وتكلم بكلام كثير لم أفهمه، ثم أمسكالسكين بيديه معاً وقطع عنق نفسه، فوقعرأسه لحدة السكين، وشدة إمساكه بالأرض.فعجبت من شأنه، وقال لي السلطان: أيفعل أحدهذا عندكم؟ فقلت له: ما رأيت هذا قط. فضحكوقال: هؤلاء عبيدنا، يقتلون أنفسهم فيمحبتنا. وأمر به فرفع وأحرق. وخرج لإحراقهالنواب وأرباب الدولة والعساكر والرعايا.وأجرى الرزق الواسع على أولاده وأهلهوإخوانه، وعظموا لأجل فعله. وأخبرني منكان حاضراً في ذلك المجلس أن الكلام الذيتكلم به، كان تقريراً لمحبته في السلطان،وأنه يقتل نفسه في حبه، كما قتل أبوه نفسهفي حب أبيه، وجده قتل نفسه في حب جده، ثمانصرفت عن المجلس. وبعث إلي بضيافة ثلاثةأيام. وسافرنا في البحر فوصلنا بعد أربعةوثلاثين يوماً إلى البحر الكاهل، وهوالراكد وفيه حمرة زعموا أنها من تربة أرضتجاوره. ولا ريح فيه ولا موج ولا حركة معاتساعه. ولأجل هذا البحر تتبع كل جنك منجنوك الصين ثلاثة مراكب، كما ذكرناه، تجذفبه فتجره. ويكون في الجنك مع ذلك نحو عشرينمجذافاً كباراً كالصواري، يجتمع علىالمجذاف منها ثلاثون رجلاً أو نحوها،ويقومون قياماً صفين، كل صف يقابل الآخر.وفي المجذاف حبلان عظيمان كالطوابيس.فتجذف إحدى الطائفتين الحبل، ثم تتركه،وتجذف الطائفة الاخرى. وهم يغنون عند ذلكبأصواتهم الحسان، وأكثر ما يقولون: لعلىلعلى. وأقمنا على ظهر هذا البحر سبعةوثلاثين يوماً، وعجبت البحرية من التسهيلفيه، فإنهم يقيمون فيه خمسين يوماً إلىأربعين، وهي أنهى ما يكون التيسير عليهم.ثم وصلنا إلى بلاد طوالسي وهي " بفتح الطاءالمهمل والواو وكسر السين المهمل "،وملكها هو المسمى بطوالسي. وهي بلادعريضة، وملكها يضاهي ملك الصين. ولهالجنوك الكثيرة، يقاتل بها أهل الصين حتىيصالحوه على شيء. وأهل هذه البلاد عبدةأوثان، حسان الصور، أشبه الناس بالترك فيصورهم، والغالب على ألوانهم الحمرة، ولهمشجاعة ونجدة. ونساؤهم يركبن الخيل، ويحسنالرماية، ويقاتلن كالرجال سواء. وأرسينامن مراسيهم بمدينة كيلوكري " وضبطها بكافمفتوح وياء آخر الحروف مسكنة ولام مضموموراء مكسور "، وهي من أحسن مدنهم وأكبرها،وكان يسكن بها ابن ملكهم. فلما أرسينابالمرسى جاءت عساكرهم، ونزل الناخوذةإليهم، ومعه هدية لابن الملك، فسألهم عنه،فأخبروه أن أباه ولاه بلداً غيرهم، وولىبنته بتلك المدينة واسمها أردجا " بضمالهمزة وسكون الراء وضم الدال المهمل وجيم".