ومعنى أخلص لله تعالى أربعين صباحاً: لم يقل شيئاً إلا لله تعالى ، ولم ير شيئاً إلا لله تعالى ، ولم يقف إلا لله تعالى ، ولم يفكر إلا لله تعالى فعند ذلك تجري ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه! وبهذا نعرف أي إخلاص لله تعالى كان في شخصية علي(ع)، بحيث جرت كل حكمة الوجود دفعة واحدة على قلبه المقدس !! هكذا كان علي ابن أبي طالب(ع) وقد ذهب من الدنيا ولم يعرفه أحد ! لا يعرف منه أهل الدنيا إلا أنه كبير ، لا أكثر ، أما أهل السماء فيعرفون أنه جليل جليل ، أما ما هي هذه الجلالة ففيها بحث مفصل أما عظمة علي(ع) فلا يعرفها أهل الأرض ولا أهل السماء ! وشاهدها بيان الإمام المعصوم(ع): كبير في الأرض، جليل في السماء، عظيم عند الله سبحانه وتعالى! إن عظمة علي يعرفها فقط المليك المقتدر عز وجل ، هناك حيث يكون كل هذا العالم حقيراً أمام شخصيته العظيمة صلوات الله عليه ! اللهم صل وسلم على سيد الشهداء والمظلومين ، وولي الأوصياء ، وإمام الصديقين ، زين المؤمنين ، ويعسوب المسلمين ، أمير المؤمنين ، عدد ما فيه الذكر ، صلاة دائمة ، بدوام ملكك وسلطانك التعليقات (1) في المناقب لابن شهرآشوب:1/382: (روى ابراهيم بإسناده عن المسيب بن نجية قال: بينما علي يخطب وأعرابي يقول وامظلمتاه فقال(ع): أدْنُ ، فدنا، فقال: لقد ظُلِمْتُ عددَ المدر والمطر والوبر ) وفي الكافي:4/569: (باب ما يقال عند قبر أمير المؤمنين(ع): (عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد، عن محمد بن أورمة، عمن حدثه، عن الصادق أبي الحسن الثالث(ع) قال يقول: السلام عليك يا ولي الله، أنت أول مظلوم، وأول من غصب حقه، صبرت واحتسبت حتى أتاك اليقين) ونحوه في الكافي:4/570، وكامل الزيارات ص95 ، وص103 ، ومصباح المتهجد ص745 ، وغيرها (2) قال المناوي في فيض القدير:3/60: (2704 - (أنا دار الحكمة) وفي رواية أنا مدينة الحكمة (وعلي بابها) أي علي بن أبي طالب هو الباب الذي يُدخل منه إلى الحكمة ، فناهيك بهذه المرتبة ما أسناها وهذه المنقبة ما أعلاها ، ومن زعم أن المراد بقوله وعلي بابها أنه مرتفع من العلو وهو الإرتفاع، فقد تمحل لغرضه الفاسد بما لايجزيه ولا يسمنه ولا يغنيه ! أخرج أبو نعيم عن ترجمان القرآن مرفوعاً: ما أنزل الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا إلا وعلي رأسها وأميرها وأخرج عن ابن مسعود قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فسئل عن علي كرم الله وجهه فقال: قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءاً واحداً وعنه أيضاً: أنزل القرآن على سبعة أحرف ما منها حرف إلا وله بطن وظهر ، وأما علي فعنده منه علم الظاهر والباطن وأخرج أيضاً عن سيد المرسلين وإمام المتقين: أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب وأخرج أيضاً: علي راية الهدى وأخرج أيضاً: يا علي إن الله أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي ، وأنزلت عليه هذه الآية: ( لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) وأخرج عن ابن عباس: كنا نتحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى علي كرم الله وجهه سبعين عهداً لم يعهده إلى غيره، والأخبار في هذا الباب لاتكاد تحصى ... 2705- أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب، فإن المصطفى صلى الله عليه وسلم المدينة الجامعة لمعاني الديانات كلها ، ولا بد للمدينة من باب ، فأخبر أن بابها هو علي كرم الله وجهه ، فمن أخذ طريقه دخل المدينة ، ومن أخطأه أخطأ طريق الهدى! وقد شهد له بالأعلمية الموافق والمخالف والمعادي والمحالف ، أخرج الكلاباذي أن رجلاً سأل معاوية عن مسألة فقال: سل علياً هو أعلم مني ، فقال: أريد جوابك ! قال: ويحك كرهت رجلاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَغِرُّهُ بالعلم غَرّاً؟! وقد كان أكابر الصحب يعترفون له بذلك وكان عمر يسأله عما أشكل عليه ، جاءه رجل فسأله فقال: هاهنا علي فاسأله ، فقال: أريد أسمع منك يا أمير المؤمنين ! قال: فلا أقام الله رجليك ! ومحى اسمه من الديوان وصح عنه من طرق أنه كان يتعوذ من قوم ليس هو فيهم ، حتى أمسكه عنده ، ولم يوله شيئاً من البعوث لمشاورته في المشكل وأخرج الحافظ عبد الملك بن سليمان قال: ذكر لعطاء أكان أحد من الصحب أفقه من علي ؟ قال لا والله قال الحرالي: قد علم الأولون والآخرون أن فهم كتاب الله منحصر إلى علم علي ، ومن جهل ذلك فقد ضل عن الباب الذي من ورائه يرفع الله عنه القلوب الحجاب ، حتى يتحقق اليقين الذي لا يتغير بكشف الغطاء ) انتهى كلام المناوي أقول: حديث أنا مدينة العلم ، ومدينة الحكمة ، وعلي بابها مستفيض في مصادر الطرفين، وقد أنكره ابن تيمية تعصباً ، وحاول أتباعه تضعيفه ، ورد عليهم عدد من علماء السنة وأثبتوا صحته ، ونقلوا تصحيح عدد كبير من أئمتهم له وألف الحافظ الصديق المغربي كتاباً في تصحيحه باسم ( فتح الملك العلي في إثبات أنا مدينة العلم وعلي بابها) وألف ابن يحيى الشافعي كتاب ( دفع الإرتياب عن حديث الباب ) فهو في مصادرهم ومصادرنا متواتر ، ولا اعتبار بمن شذ وحاول تضعيفه (3) في ينابيع المودة لذوي القربىللقندوزي:1/215: (ابن المغازلي وموفق الخوارزمي: أخرجا بسنديهما، عن علقمة ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنت عند النبي(ص) فسئل عن علم علي فقال: قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءً واحداً ، وهو أعلم بالعشر الباقي (أيضاً أخرجه موفق بن أحمد عن ابن مسعود) وعن حلية الأولياء وابن شهر اشوب في المناقب:1/312، والصراط المستقيم :1/226 وقال الأميني في الغدير:3/96: ( وقوله(ص): قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءاً واحداًحلية الأولياء:1/65، أسنى المطالب ص14 ) وقال ابن الصديق المغربي في فتح الملك العلي ص68: ( قال أبو نعيم في الحلية ، ثنا أبو أحمد الغطريفي، ثنا أبو الحسين بن أبي مقاتل ، ثنا محمد بن عبد الله بن عتبة ، ثنا محمد بن علي الوهبي الكوفي ، ثنا أحمد بن عمران بن سلمه وكان ثقة عدلاً مرضياً ، ثنا سفيان الثوري، عن منصور، عن ابراهيم، عن علقمة، عن عبدالله قال: كنت عند النبي(ص) فسئل عن علي فقال: قسمت الحكمة عشرة أجزاء ، فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءاً واحداً اهـ وقال في هامشه: أحمد بن عمران ذكره الذهبي في الميزان وقال: لا يدرى من هو؟ ثم ضعفه بهذا الحديث ، وتعقبه الحافظ في اللسان بما تقدم في السند من قول الوهبي أنه كان ثقة عدلاً مرضياً ، قال: وفي هذا مخالف لما ذكره الذهبي قلت: لو وثقه الناس كلهم لقال الذهبي في حديثه إنه كذب ، كما فعل في عدة أحاديث أخرجها الحاكم بسند الشيخين، وادعى هو دفعاً بالصدر وبدون دليل أنها موضوعة وماعلتها في نظره إلا كونها في فضل علي بن أبي طالب ! فالله المستعان) (4) في تفسير القمي&:1/367: (حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن أبي عبد الله(ع)قال: الذي عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين(ع) وسئل عن الذي عنده علمٌ من الكتاب أعلم أم الذي عنده علم الكتاب ؟ فقال: ما كان علم الذي عنده علم من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب إلا بقدر ماتأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر! قال أمير المؤمنين(ع): ألا إن العلم الذي هبط به آدم من السماء إلى الأرض وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيين ، في عترة خاتم النبيين(ص) (5) في بصائر الدرجات ص232: (حدثنا أبوالقاسم، قال حدثنامحمد بن يحيى العطار قال حدثنامحمد بن الحسن الصفار،قال حدثنى يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن عبد الله بن بكير، عن أبي عبدالله(ع)، قال كنت عنده فذكروا سليمان وما أعطي من العلم، وما أوتي من الملك ، فقال لي: وما أعطي سليمان بن داود؟ إنما كان عنده حرف واحد من الإسم الأعظم ، وصاحبكم الذي قال الله: قل كفى بالله شهيداً بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب كان والله عند علي(ع)علم الكتاب ) وفي الكافي:1/257: (أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن عباد بن سليمان، عن محمد بن سليمان عن أبيه، عن سدير قال: كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز وداود بن كثير في مجلس أبي عبد الله(ع)إذ خرج إلينا وهو مغضب ، فلما أخذ مجلسه قال: يا عجباً لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب ، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل ، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة ، فهربت مني فما علمت في أي بيوت الدار هي ! قال سدير: فلما أن قام من مجلسه وصار في منزله دخلت أنا وأبو بصير وميسر وقلنا له: جعلنا فداك سمعناك وأنت تقول كذا وكذا ، في أمر جاريتك ، ونحن نعلم أنك تعلم علماً كثيراً ، ولا ننسبك إلى علم الغيب قال فقال: يا سدير: ألم تقرأ القرآن ؟ قلت: بلى ، قال: فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل: قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ؟ قال قلت: جعلت فداك قد قرأته ، قال: فهل عرفت الرجل ؟ وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب ؟ قال قلت: أخبرني به ؟ قال: قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر ، فما يكون ذلك من علم الكتاب ؟! قال: قلت جعلت: فداك ما أقل هذا ؟! فقال: يا سدير: ما أكثر هذا ، أن ينسبه الله عز وجل إلى العلم الذي أخبرك به يا سدير فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل أيضاً: قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ؟ قال قلت: قد قرأته جعلت فداك قال: أفمن عنده علم الكتاب كله أفهم أم من عنده علم الكتاب بعضه ؟ قلت: لا ، بل من عنده علم الكتاب كله ، قال: فأومأ بيده إلى صدره وقال: علم الكتاب والله كله عندنا ، علم الكتاب والله كله عندنا ) انتهى (6) الحديث الشريف في عيون أخبار الرضا:1/74 ، وهو الكافي:2/16:عن أبي جعفر (ع)قال: ما أخلص العبد الإيمان بالله عز وجل أربعين يوماً أو قال: ما أجمل عبد ذكر الله عز وجل أربعين يوماً ، إلا زهَّده الله عز وجل في الدنيا ، وبصره داءها ودواءها ، فأثبت الحكمة في قلبه ، وأنطق بها لسانه ) (8)أنت أحسن الخلق عبادة ( بتاريخ: 17 ذي الحجة 1422- 2/3/2002 ـ 11/12/1380 ) غداً يوم عيد الغدير ، اليوم الذي يفهم من كلام أمير المؤمنين(ع)أنه ليس كمثله يوم ، ولا كحقه حقٌّ مضيَّع ! فلا بد من توضيح أمرين: ذلك اليوم ما هو ؟ والحق المضيع فيه ماهو ؟ وكلاهما بحثان عميقان ! إن أمير المؤمنين(ع)شمس مشرقة ، يستفيد منها قلب كل إنسان بقدر ظرفه وسعته ، وما كتبه المؤلفون عنه بدون استثناء ، إنما هو تعريف للشعاع الذي استفاده المؤلف من شمسه، أما نفس الشمس فلم يصل اليها أحد ، ولن يصل ، إلا من كان في مرتبته ، أو أعلى منه ! أما نحن فغاية ما نعرف منه أننا لانعرفه ، وهو أمر مهم ، أن يعرف الإنسان حدود ما يمكن أن تصل اليه معرفته ، ويعترف بذلك عندما تقرأ كلام الإمام علي الهادي(ع)في زيارة الغدير التي أنشأها ، تعرف ما هي القضية ، وما هي تلك الشخصية! إن فهم تلك الزيارة بدون مبالغة أعلى من طاقات كل الحكماء والفقهاء ! واليوم نعرض بعض فقرات هذه الزيارة ، وهي فقرات من بحر محيط، تحتاج الى علم وفكر عميقين ، يتأملان فيها عمراً كاملاً ! قال(ع): (صلوات الله عليك غاديةً ورائحة، وعاكفةً وذاهبة ، فما يحيط المادح وصفك، ولا يحبط الطاعن فضلك أنت أحسن الخلق عبادة، وأخلصهم زهادة، وأذبُّهم عن الدين أقمت حدود الله بجهدك، وفللت عساكر المارقين بسيفك ، تخمد لهب الحروب ببنانك ، وتهتك ستور الشبه ببيانك ، وتكشف لبس الباطل عن صريح الحق ، لاتأخذك في الله لومة لائم )