ونحن أردنا حديث البخاري مفسراً ومؤيداً لحديث الذهبي، فعلى ماذا يدل هذا الحديث؟ من أين ينشأ الرضا والغضب في أنواع الناس؟ تقوم حياة النبات علىقوتين ، قوة جذب الملائم ، وقوة دفع المنافر وتظهر هاتان القوتان في حياة الحيوان بصورة قوة رضا وقوة غضب ، وتستمدان وجودهما من الطبع والغريزة وأما في حياة الإنسان ، ولا نقصد بها حياتنا نحن ، فليس مجلسنا هذا مجلس مجاملات ، إن معنى حياة الإنسان أن يصل أحدنا الى درجة الإنسان الذي دعامة وجوده العقل: دعامة الإنسان العقل(2) حينئذ يكون العقل منشأ كل رضاه وغضبه ، أما قبل ذلك فمنشؤهما الطبع والغريزة ! هل وصلت أنا الى مرحلة الإنسان الذي ينشأ رضاه وغضبه من عقله؟ أقول: كلا ، أبداً، وكل عاقل لابد أن يعرف في أول درجات تعقله أنه لم يبلغ درجة الإنسان العاقل ، وهذا الإعتراف أمر مهم ! نحن الى الآن لم نلتفت الى محك إنسانيتنا وميزانها ما هو ؟ فنحن نرضى ونغضب لذواتنا ومكانتنا الإجتماعية، ولا أقول إن رضانا وغضبنا لحاجاتنا البدنية ! فلينظر أحدنا الى نفسه عندما يتركه شخص كان يثق به ويعتقد به ، هل ينقبض ويحزن؟ فهو إذن ذئب، ولم يصر إنساناً ! إن عمامة أحدنا لاتمنع أن يكون ما تحتها ذئب! فلن يصير أحدنا إنساناً إلا إذا صار منشأ غضبه ورضاه العقل ، وليس الغريزة ! وإذا رأينا في حياتنا أن رضانا أو غضبنا نشأ ذات مرة من العقل ، فقد صار أحدنا ذات مرة إنساناً ! فإن عدنا الى الرضا والغضب للبطن أو الفرج ، فنحن من تلك الحيوانات، غاية الأمر أننا على شكل الناس ! أما الإنسان العقلاني فهو الذي يرضى دائماً لرضا العقل، ويغضب لغضب العقل! فإن كنت تعرف شخصاً على وجه الكرة الأرضية بلغ في شخصيته هذه الدرجة فدلني عليه حتى أذهب اليه وأقبل يده ، بل أقبل غبار قدميه ! وإن فوق هذه المرتبة مقاماً يمكن أن يبلغه الإنسان، حيث تصير إرادته فانية في إرادة الله تعالى، فلايكون له مع إرادة ربه إرادة! وهي درجة تجعله في كل أموره يرضى لرضا الله ويغضب لغضب ربه ! يعني لو قتلوا ابنه فهو يغضب لغضب الرب وليس لنفسه، ولو أحيوا ابنه فهو يرضى لرضا الرب، وليس لنفسه ! إن تصور هذا المستوى أمر صعب ، فكيف بتحققه ؟! وهذا هو مقام عصمة خاتم الأنبياء(ص)، عصمة ذلك المخلوق الذي لا نظير لوجوده في جميع المخلوقات، الذي ذاب حبه وبغضه وفني في حب الله وبغضه! فلا يحب إلا ما يحبه الله ، ولا يبغض إلا ما يبغضه الله تعالى ! وهذا هو البشر الذي وصل الى درجة: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى (سورة النجم:3-4) وهذه المرحلة والدرجة هي التي يعبر عنها بالعصمة الخاتمية وهي غير العصمة الإبراهيمية ، والعصمة الإبراهيمية غير العصمة اليونسية إن عصمة يونس(ع)عصمة ، لكن فيها: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاإِلَهَ إِلاأَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (سورة الأنبياء:87 ) ، إنه نبي معصوم ولكن في حياته نقاطاً يحتاج أن يصل منها الى درجة:سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين وقبل بطن الحوت لم يصل اليها ! ونبي الله يوسف نبي معصوم ، وبرهان ربه الذي رآه هو عصمته: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (سورة يوسف: 24) ، لكنها عصمة بمستوى: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِين (سورة يوسف:42) ، أما التسليم المطلق لحب الله وبغضه ورضاه وغضبه ، فهو مقام خاص بأفضل الخلق وخاتم النبيين وسيد المرسلين(ص)، ففي هذا المقام نستطيع أن نقول إنه يرضى لرضا الله ويغضب لغضبه مطلقاً ، وأن الله تعالى يرى لرضاه ويغضب لغضبه ! فهل فهم البخاري والذهبي ما روياه عن خير الخلق وصححاه: إن الرب يرضا لرضا فاطمة ويغضب لغضب فاطمة؟! وهل فهما أن النبي(ص)لو قال: إن فاطمة ترضى لرضا الرب وتغضب لغضبه، فقط ، لدل ذلك على أن رضاها وغضبها منشؤه من الله تعالى فقط، وليس من نفسها ولا من عالم الخلق ، وكان معناه درجة العصمة الكبرى التي لرسول الله(ص)؟! فما معنى قوله(ص)بعد هذا المقام: إن الرب يرضى لرضى فاطمة ويغضب لغضب فاطمة؟ ما معنى الصعود الى درجة أعلى تكون لام الرضا من جهة فاطمة(ع)؟! هنا يفهم الكلام من يعرف فاطمة(ع)ما هي؟ والذي يعرف فاطمة من هي هو الإمام جعفر الصادق(ع)الذي يقول: إنما سميت فاطمة فاطمة، لأن الناس فطموا عن معرفتها (تفسير فرات ص581 ، البحار:43/65) فثبت بالدليل أننا مفطومون عن معرفتها، لأننا عاجزون عن معرفة تلك الدرجة الأعلى التي تجعل الله تعالى يرضى لرضاها ويغضب لغضبها!! عاجزون عن معرفة هذه المخلوقة الربانية ، والحوراء الإنسية ، ما هي ، وفي أي أفق هي ؟! لقد كشف لنا أمير المؤمنين(ع)ليلة دفنها عن نافذة من مقامها(ع)، حيث قال: أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمُسَهَّد ! ( أمالي المفيد ص281) وينبغي أن نعرف أن الذي يقول ذلك هو الذي عرف الدنيا والآخرة ، ووضعهما كلتيهما تحت قدميه! لكن غصة فقد فاطمة أرهقته ، لأنه يعرف من هي فاطمة! لاحظوا كلماته(ع)عندما صلى على جنازتها، فقد حدث عند جنازتها ما لم يحدث عند جنازة أحد ! ولا نستطيع أن نذكر أكثر من هذا: في البحار عن مصباح الأنوار للخوارزمي عن أبي عبد الله الحسين(ع)قال: إن أمير المؤمنين(ع)غسل فاطمة(ع)ثلاثاً وخمساً، وجعل في الغسلة الخامسة الآخرة شيئاً من الكافور، وأشعرها مئزراً سابغاً دون الكفن ، وكان هو الذي يلي ذلك منها، وهو يقول: اللهم إنها أمتك، وبنت رسولك، وصفيك وخيرتك من خلقك، اللهم لقنها حجتها، وأعظم برهانها، وأعل درجتها، واجمع بينها وبين أبيها محمد(ص) فلما جن الليل غسلها علي، ووضعها على السرير، وقال للحسن أدع لي أبا ذر فدعاه، فحملاها إلى المصلى، فصلى عليها ثم صلى ركعتين، ورفع يديه إلى السماء فنادى: هذه بنت نبيك فاطمة ، أخرجتها من الظلمات إلى النور، فأضاءت الأرض ميلا في ميل ! (مقتل الحسين للخوارزمي1: 86 ، البحار 43: 214 ، عوالم العلوم:11/514 ط ثانية ) ورفع يديه إلى السماء فنادى:هذه بنت نبيك فاطمة أخرجتها من الظلمات إلى النور! ماذا يعني هذا الكلام؟! لاحظوا أنه(ع)قال ذلك مجملاً، فهذا المطلب لايمكن أن يقوله لغير الله تعالى! قال له إلهي إنك أخذت فاطمة من هذه الدنيا المظلمة، الى حيث النور نور السماوات والأرض ولاحظوا أن الله أجاب علياً وكأنه قال له نعم نقلتها الى النور حيث خلقت روحها من نور ربها وفي نور ربها ، وما أن أكمل أمير المؤمنين(ع)كلمته حتى أضاء نورها من نقطة بدنها الطاهر(ع)الى ميل في ميل، تصديقاً لعلي (ع)وتطميناً له ! ماذا يعني هذا ؟! يعني أن حقيقة: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، للجميع ، أما فاطمة فإلى نور عظمة الله الذي منه خلقت ، وإليه عادت ! هذه فاطمة وإلى ذلك النور ذهبت روحها، وبهذا النحو استقبل ذلك العالم بدنها الذي كان في عالم الظلمة! وهذه فاطمة التي بلغت مقام: إن الرب ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها ! ومن المهم هنا أن نشير الى أن البخاري يروي في صحيحه عن عائشة أنها قالت: فغضبت فاطمة بنت رسول الله(ص)فهجرت أبابكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت! (:4/41) وروى غيره أنها أوصت علياً(ع)أن يدفنها سراً ولا يعلمهم بجنازتها! وبهذه الاعترافات تكتمل مواد الحكم عليهم ، في صغرى وكبرى ونتيجة القياس، فهذا ما تقوله السنة:إن الله ليغضب لغضبها، وتقول إنها غضبت على أبي بكر وهجرته حتى توفيت فحل عليه غضب الله، والقرآن يقول: وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى! (سورة طـه: 81 ) فلا طريق أمام الفقيه السني الذي يقرأ في صلاته كل يوم عشر مرات: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ، إلا أن يتنازل عن أئمته ، أو عن القرآن ، أو عن السنة ! نعم يوجد بديل واحد لذلك أن يكون:مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (سورة الجمعة: 5 ) التعليقات (1) في مستدرك الحاكم:3/154:(قال النبي(ص)لفاطمة: إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وفي مجمع الزوائد:9/203: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك رواه الطبراني وإسناده حسن ) وهو في الطبراني الكبير:1/108، ولم أجد تصريح الذهبي بتصحيحه في ميزان الإعتدال، وقد يفهم ذلك من توثيقه للقزاز في:2/492 ، وهو في سلسلة رواته عند الطبري وقال الصالحي في سبل الهدى والرشاد:11/44: (الرابع: في أن الله تبارك وتعالى يرضى لرضاها ، ويغضب لغضبها روى الطبراني بإسناد حسن ، وابن السني في معجمه وأبو سعيد النيسابوري في الشرف ، عن علي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: إن الله تعالى يغضب لغضبك ويرضي لرضاك انتهى وهو مستفيض في مصادرنا ، راجع عيون أخبار الرضا(ع):2/ 26 ، وأمالي الصدوق :1/313 ، وأمالي المفيد ، وغيرها (2) في علل الشرائع:1/103: (حدثنا محمد بن الحسن قال: حدثنا محمدبن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب،عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (ع)قال: دعامة الانسان العقل، ومن العقل الفطنة والفهم والحفظ والعلم، فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالماً حافظاً ذكياً فطناً فهماً ، وبالعقل يكمل ، وهو دليله ومبصره ، ومفتاح أمره ) وفي الكافي 1/25: (عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد مرسلاً ، قال: قال أبو عبد الله: دعامة الإنسان العقل ، والعقل منه الفطنة والفهم ، والحفظ والعلم ، وبالعقل يكمل، وهو دليله ومبصره، ومفتاح أمره، فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالماً، حافظاً ، ذاكراً فطناً ، فهماً ، فعلم بذلك كيفَ ولمَ وحيثُ ، وعرف من نصَحَهُ ومن غشَّهُ ، فإذا عرف ذلك عرف مجراه وموصوله ومفصوله ، وأخلص الوحدانية لله ، والإقرار بالطاعة ، فإذا فعل ذلك كان مستدركاً لما فات ، ووارداً على ما هو آت ، يعرف ما هو فيه ، ولأي شئ هو ههنا ، ومن أين يأتيه وإلى ما هو صائر ، وذلك كله من تأييد العقل) (16)فاطمة الزهراء(ع)حوراء إنسية ( بتاريخ: 19جمادى الثانية 1416 ـ 13/11/1995 ـ 17/8/1374 ) أشكو من الرشح، لكن لايصح أن نضيع حق الصديقة الكبرى الزهراء(ع) إن فاطمة الزهراء(ع)فوق كلامنا ، إنها الصديقة الجليلة ، صاحبة المقام العظيم عند الله تعالى ورسوله(ص)، التي إذا استقرت في الجنة زارها جميع الأنبياء(ع)، آدم فمن دونه ! (وإذا استقر أولياء الله في الجنة زارك آدم ومن دونه من النبيين ) ( تفسير فرات ص171 )