لاحظوا أن جبرئيل(ع)أخذ النبي(ص)وهو الشخص الأول في العالم ، الى الشجرة الأولى في الجنة ، في أرفع ملك الله تعالى ، وإنما كان ذلك بجاذبية الملك والملكوت؟! ثم قطف له من أفضل ثمارها فكان ذلك الثمر نطفة الصديقة الطاهرةالزهراء(ع)لتكون آية لله تعالى في الأرض فريدة في تكوينها وشخصيتها وذريتها ؟! تأملوا في قول الله تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين َ (سورة الحجر: 29 ) ، فلابد من فهم هاتين الكلمتين: تسوية الجسد ، ثم نفخ الروح ، فهما تدلان على إعداد خاص للجسد ، وعلى تناسب خاص ضروري بينه وبين الروح ، فنفس الإنسان لايمكن أن تحل في بدن حيوان مثلاً، لماذا؟ لأن تسويته غير مناسبة لها، فهي لاتحل إلا في بدن تمت تسويته في أحسن تقويم: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(سورة التين: 1-4) ومادام بدن الإنسان العادي مخلوقاً في أحسن تقويم، فكيف بالبدن الذي لم يؤخذ أصله من عالم الملك، بل أخذ من عالم الملكوت الذي هو فوق عالم الظلمات، كبدن الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء(ع)؟! وكيف ستكون النفس التي تناسبه وتحل فيه ؟!! هذا هو الفقه الذي لم يفهمه الطبراني ولا السيوطي ولا الفخر الرازي ، ولا كل من روى منهم وكتب حديث خلق فاطمة من ثمار شجرة طوبى ! إن شجرة طوبى شجرة وحيدة متفردة ، وقد شاء الله تعالى أن يجعل تكوين بنت أفضل أنبيائه(ص)وأم خير أوصيائه(ع)من أعلى ثمارها ! فما هي الروح المتناسبة مع هذا البدن التي اختارها الله لفاطمة(ع)؟!! إنها من أسرار الله تعالى التي لا نستطيع أن نفهمها ، لكنا نفهم منها لماذا علمنا النبي وأهل بيته أن ندعو الله تعالى فنقول:(اللهم إني أسألك بفاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، والسر المستودع فيها) !! نعم إن قضية الزهراء(ع)بهذا المستوى من العظمة والأهمية ، غاية الأمر أن كل إنسان يفهم منها بقدر عقله وفكره (إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها)! فبعضهم يفهم من شخصية الزهراء(ع)أنها أم نموذجية ! فمعرفته لها على قدر عقله ! وبعضهم يفهم أنها زوجة مثالية ، وهذا أيضاً قدر عقله وشعوره ! وبعضهم حد فهمه أن يرى فيها قدوة لنساء العالم ، وهذا أيضاً حد فهمه ! لكن قضيتها(ع)أعظم من كل ذلك، فعندما نبحث عن أسرار الله المودعة في الروح الفريدة للزهراء(ع)، ذات التكوين البدني الفريد ، نصل الى أن روحها خلقت من نور عظمة الله تعالى!! فعن جابر بن يزيد الجعفي&أنه سأل الإمام الصادق(ع): لم سميت فاطمة الزهراء، زهراء؟ فقال: لأن الله عز وجل خلقها من نور عظمته، فلما أشرقت أضاءت السموات والأرض بنورها ، وغشيت أبصار الملائكة، وخرت الملائكة لله ساجدين وقالوا: إلهنا وسيدنا ، ما هذا النور ؟ فأوحى الله إليهم: هذا نور من نوري، أسكنته في سمائي، خلقته من عظمتي، أُخرجه من صلب نبي من أنبيائي، أُفضله على جميع الأنبياء، وأُخرج من ذلك النور أئمة يقومون بأمري، يهدون إلى حقي، وأَجْعَلُهُم خلفائي في أرضي، بعد انقضاء وحيي) (الإمامة والتبصرة ص133) إن إضافة النور الى الله تعالى يعطيه خصوصية عالية، فالله تعالى نور السماوات والأرض، والنور الذي خلقه ونسبه اليه، يصعب على العقول فهمه: اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَامِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِئُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شئ عَلِيمٌ (سورة النور: 35 ) ونور العظمة أعلى من نور العلو ، لأن وصف العظيم في آية الكرسي ورد بعد وصف العلي: وَلا يُحِيطُونَ بِشَئٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ َبِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (سورة البقرة:255 ) وعندما يكون البدن من أعلى ما في الجنة ، والروح من نور العظمة ، فأي بشر سيكون صاحبه ؟! من أين أتى ، والى أين ، وماذا سيكون في المحشر ، وأين سيكون في الجنة ؟! وقد روى الإمام الصادق(ع)عن جده المصطفى(ص)كيف خلق الله تعالى روح فاطمة من نور عظمته قبل خلق آدم(ع)، فقال: (قال رسول الله(ص): خلق نور فاطمة قبل أن تخلق الأرض والسماء فقال بعض الناس: يا نبي الله فليست هي إنسية ؟ فقال(ص): فاطمة حوراء إنسية قال: يا نبي الله وكيف هي حوراء إنسية؟ قال: خلقها الله عز وجل من نوره قبل أن يخلق آدم، إذ كانت الأرواح، فلما خلق الله عز وجل آدم عرضت على آدم ! قيل: يا نبي الله وأين كانت فاطمة؟ قال: كانت في حقة تحت ساق العرش قالوا: يا نبي الله فما كان طعامها؟ قال: التسبيح والتهليل والتحميد) (معاني الأخبار للصدوق ص396)