إن هذه الزيارة إذا قرئت في مجلس وتلي فيها التسليم على صاحب الزمان (ع)، فإن أثرها أن تتوجه القلوب اليه ، والله تعالى يقول: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوا لِي وَلاتَكْفُرُونِ ( سورة البقرة: 152 ) وصاحب الزمان صلوات الله عليه حجة الله علينا ، ومركز نور الله في أرضه ، وهو متخلق بأخلاق الله تعالى ، فلا يمكن أن نذكره ولا يذكرنا والأمر الثالث: لاتختموا أي مجلس من مجالسكم إلا بعد أن تكونوا ذكرتم فيه الإمام صاحب الزمان(ع)فهو واسطة فيض الوجود ، ونحن به نستيقظ من نومنا ، وبه نريد ، وبه نفهم ، وبه نقول ، وبه نحيا ، وبه نموت نعم عقيدتنا أن كل ذلك وكل النعم من الله تعالى ، والإمام عبدٌ مخلوقٌ مملوكٌ لله تعالى ، لايملك بذاته لنفسه نفعاً ولا ضراً ، ولكن هذه الجزئيات من الله به(ع) ومادامت منه بهذا المعنى فإن شكر واسطة الفيض تستوجب عقلاً ونقلاً أن تتوجه اليه القلوب في المجالس والأمر الرابع: أقدم لكم حديثاً عن الإمام الباقر(ع)، أنا عاجزٌ عن شرحه ، وكل أفكار البشر أصغر من أن تدرك عمقه! ففي الكافي:3/220، عن أبي جعفر الباقر(ع)أنه قال لعمرو بن سعيد الثقفي: (إن أُصبتَ بمصيبة في نفسك، أو في مالك ، أو في ولدك، فاذكر مصابك برسول الله ، فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط) والذي يحير العقل هنا هو تعليله ووصفه(ع)للمصاب بالنبي(ص) بأن الخلائق لم تصب بمثله! والخليقة عنوان عام يشمل كل مخلوق ، فكيف بجمعه الخلائق؟ وهو محلى بألْ ، فهو يشمل حتى الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين(ع)ومايرى وما لايرى فكل هؤلاء لم يصابوا بمثل رسول الله(ص) وهو تعليل لايفهمه إلا خواص العلماء ، الذين يدركون من هو النبي ، وماذا فعل ، وماهي مصيبة فقده ، ومن الذين أصيبوا به(ص)؟! توجد كلمتان تعرفان كل وجود الشخص هما: من كان، وماذا فعل؟ والإمام الباقر نفسه(ع)يعلم ويدرك أن هذه المصيبة كانت مصيبة بشخص لم يكن أحدٌ مثله، ولم يكن عملُ أحد مثل عمله، لأنه هو الذي قال: فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط ، يعني لافي الماضي ولافي الحاضر ولافي المستقبل! فماذا كان عمل النبي(ص) ، وماذا أعطى للعالم ؟! هذا بحر محيط لايمكننا التوصل الى قعره ، فخوضه مقصور على الأنبياء والأوصياء(ع)، فهم يدركون أي أمواج انطلقت من بحره(ص)؟! سأقدم لكم أربع كلمات ، تقال في كل صلاة ، تكفي لأن نفهم ما عمله رسول الله(ص)، وهي: (سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله، والله أكبر ) إن لكل واحدة من هذه الكلمات قدرها وحسابها الخاص ولنتأمل في أول كلمة منها: سبحان الله ، ولنتجول بفكرنا في شرق العالم وغربه وشماله وجنوبه في كل الأديان والمذاهب بلا استثناء لندرك أنه لو لم تكن هذه الكلمة موجودة ، فلا يوجد ارتباط في العالم بين الخالق والمخلوق ! العمل الذي قام به رسول الله(ص): أنه ربط الخلق بخالقهم ! فلو لم يكن النبي موجوداً ، ولا دينه ، فلا وجود لحرف يربط بين الخالق وخلقه ! ولكان العالم كله يدور في زوبعةٍ من الضلال ، ما بين مشبهٍ وملحدٍ وعابدٍ لغير الله تعالى ! يقول أمير المؤمنين(ع): (إلى أن بعث الله سبحانه محمداً(ص)رسولاً لإنجاز عدته ، وتمام نبوته، مأخوذاً على النبيين ميثاقه ، مشهورةً سماته، كريماً ميلاده وأهل الأرض يومئذ مللٌ متفرقة، وأهواءٌ منتشرة ، وطوائفُ متشتتة ، بين مشبِّهٍ لله بخلقه ، أو ملحدٍ في اسمه ، أو مشيرٍ إلى غيره فهداهم به من الضلالة ، وأنقذهم بمكانه من الجهالة) ( نهج البلاغة:1 /24 ) كان العالم كله في تلك الدوامة العاصفة ، بين مشبِّهٍ لله بخلقه ، أو ملحدٍ في اسمه ، أو مشيرٍ إلى غيره ، فجاء(ص)وأخذ منجله النبوي فحصد كل ذلك الحشيش التافه ، وغرس بدله شجرة التسبيح الطيبة ، وأضاء شجرة التهليل والتوحيد، وأنار في العالم مشعل التسبيح والتحميد وأوصل البشر الى مستوى أن يقولوا: ( الله أكبر من أن يوصف) ! نفس: سبحان الله ، ماذا تعني؟ هنا تتحير عقول الكمَّل من البشر فقد أوصل النبي المعرفة الى هنا! أوصل التنزيه الى هنا تنزيهٌ عن الجسم، وتنزيهٌ عن صفات عالم الكون ، وهذا هو التنزيه الإبتدائي لعامة الناس ! قال النبي سبحان الله ، فهدى عقول الألوف كعقل ابن سينا ، بل إن ابن سينا لاقيمة له هناك، لقد هدى النبي(ص)ألوف العقول النيرة كعقول الأنبياء(ع)الى أقصى مايمكنهم أن يجدوا اليه طريقاً في دائرة الوحي وإمكانيات العقل البشري ، والى أدق معاني قوله: كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه ، فهو مخلوق مصنوع مثلكم ، مردود إليكم ! ولا غرو فهو(ص)نبي الأنبياء(ع)!