ما أحقر الدنيا عند الله تعالى، حتى سمح أن يكون خيرة أوليائه بعد نبيه (ص)، الذين لو دعا أحدهم أن يملأ الله بيته ذهباً لفعل ، سمح أن يستقرضوا قوتهم وهو خبز شعير ، من يهودي ! إن هذا هو الإسلام الذي قَلَبَ الدنيا ، وهذه هي المدينة الإسلامية الفاضلة التي تهز العالم ، وهذا هو أشرف بيت فيها لايملك قوت يومه ، ويحتاج أن يستقرض خبزه من يهودي خيبري ! فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص وفي الليلة الأولىجاءهم فقير مسلم، وفي الثانية يتيم، وفي الثالثة أجنبي مشرك فآثروه كلهم حتى الحسن والحسين تصرفا كالكبار ، ومن أولى منهما بفعل الكبار؟ فلما أصبحوا أخذ علي بيد الحسن والحسين وأقبل فاتح خيبر وقالع بابها مع طفليه الى رسول الله(ص) فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم ! فذلك الإنسان الكامل، ملك ثمرات الوجود، وأشجع المخلوقات وأصبرها، الذي لا يهتز قلبه لما يهتز له العرش اهتز قلبه لهم وقال: ما أشد مايسوؤني ما أرى بكم! بلفظ التعجب وأفعل التفضيل! وقام فانطلق معهم لأنه لما رأى حالهم، رأى بلوغ عترته ذروة الإنسان وتحقق الثمرة من خلق الله للعالم ، فأراد أن ينظر الى بقية عترته في أي حال؟ فلعل فاطمة لا تستطيع الحراك أو أغشي عليها من الجوع! فرأى فاطمة في محرابها، رأى ثمرة الوجود في محرابها، وقد التصق بطنها في ظهرها، وغارت عيناها فساءه ذلك! فنزل عليه جبرئيل(ع)وقال: خذها يا محمد هناك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة ! فنزل جبرئيل، وهنا أوجُ المطلب وسره: خذها يا محمد ، هنأك الله في أهل بيتك فقد أوصلت خاتمية النبوة الى أوجها ، وقطفت ثمار شجرة الخليقة ! لقد استطعت أن تربي بيتاً بهذا المستوى ، سيرته وسريرته وظاهره وباطنه: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَ لا شُكُورً هنا يظهر معنى الحديث، ويتضح أن هذا البيت النبوي الفريد فانٍ في وجه الله ، وعندما يفنى الإنسان في وجه الله ينقلب وجوده، ويأخذ من أحكام وجه الله تعالى ! أيها الزمخشري والبيضاوي وكبار المفسرين السنيين، هل تعقلون هذا الحديث الذي كتبته أيديكم؟ هل عرفتم ماذا يأخذ الفاني في وجه الله ، من الوجه المفني فيه؟ وهل عرفتم أن وجه الله لايمكننا معرفته ، فعليٌّ لايمكننا معرفته ، وفاطمةُ لايمكننا معرفتها ، والحسنُ والحسين صلوات الله عليهم ! فهل عرفتم الآن معنى: إنما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها ؟!! التعليقات (1) الحديث الشريف في الكشاف:4/197، وفي طبعةأخرى:4/670، وفي شواهد التنزيل:2/393- 414 ح1042- 1070، وفي المناقب للمغازلي ص272ح320، وأسباب النزول للواحدي ص296 ، والدر المنثور للسيوطي:8/371 ، وذخائر العقبى ص102 ، وتفسير البيضاوي:5/165، وتفسير الطبري:29/125،وتفسير الرا زي:30/243 وغيرها وقد وردت له روايات أخرى منها في تفسير القمي:2/398 قال:(قوله وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا فإنه حدثني أبي عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبدالله(ع)قال: كان عند فاطمة(ع)شعير فجعلوه عصيدة، فلما أنضجوها ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين،فقال المسكين رحمكم الله أطعمونا مما رزقكم الله، فقام علي(ع) فأعطاه ثلثها، فما لبث أن جاء يتيم فقال اليتيم رحمكم الله أطعمونا مما رزقكم الله ، فقام علي(ع)فأعطاه ثلثها الثاني، فما لبث أن جاء أسير فقال الأسير يرحمكم الله أطعمونا مما رزقكم الله ، فقام علي(ع)فأعطاه الثلث الباقي ، وما ذاقوها ! فأنزل الله فيهم هذه الآية إلى قوله: (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً)، في أمير المؤمنين(ع)وهي جارية في كل مؤمن فعل مثل ذلك لله عز وجل ) (19)النبي يباهل النصارى بآله أفضل الخلق(ص) ( بتاريخ: 11 جمادى الأولى 1414 ـ 28/10/1993 ـ 5/8/1372 ) نستقبل أيام شهادة الصديقة الكبرى والإنسية الحوراء فاطمة الزهراء صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها هذه المظلومة المجهولة القدر عند غير المسلمين وعند المسلمين ، عند السنة وعند الشيعة ، عند العوام وحتى عند الخواص ! يجب علينا أن نحيي ذكرها العاطر في كل سنة ، معترفين بالتقصير والقصور عن أداء حقه وفي هذا اليوم أخاطب اثنين من أئمة التفسير السنيين، هما الفخر الرازي الذي ذكرهذا الحديث في تفسيره في الجزء الثامن صفحة ثمانين في المسألة الثانية ، وإمام مفسريهم الزمخشري الذي طرح نفس الموضوع الذي بحثه الفخر الرازي ، وكذلك البيضاوي الذي ذكر الموضوع باختصار شديد ومن أئمة الحديث عندهم ، رواه مسلم ، والترمذي ، وابن منذر ، والحاكم النيشابوري ، وجلال الدين السيوطي فقد اتفقت كلمة أئمة التفسير والحديث على ما أقوله اليوم ، وخلاصته : أن النبي(ص)عندما خرج للمباهلة مع نصارى نجران ، خرج في ذلك اليوم الموعود وعليه مرط أسود ، وبعد أن أقام عليهم الحجة بالبرهان العلمي القاطع بالوحي وقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (سورة آل عمران: 59 ) ، بعد هذا وصل الأمر الى المواجهة والمباهلة! وستتضح حقيقة المباهلة من قول رأس النصارى الذي سيأتي المطلب عندكم واضح لكن نتعرف على رواية السنيين في آية المباهلة ، وما نذكره من أتقن الروايات التفسيرية والحديثية خرج رسول الله وعليه مرط أسود، وقد حمل الحسين على صدره واحتضنه ! لقد كان الإمام الحسين في ذلك الوقت في سن يستطيع أن يمشي ، لكن لأمر ما خرج النبي(ص)بهذه الصفة: محتضناً الحسين، آخذاً بيد الحسن يجره الى جانبه لاحظوا تعبير النص بدقة النبي(ص)في الإمام محتضناً الحسين، آخذاً بيد الحسن، وخلفه فاطمة الزهراء ، وخلفها علي بن أبي طالب(ع)! إنه نفس النبي الذي قال فيه الله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (سورة النجم: 3) والذي لا ينطق عن الهوى لا يفعل عن الهوى! إنه نفس النبي الذي يقول فيه الله تعالى وَمَاآتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (سورة الحشر: 7 ) ونفس النبي الذي سنته ليست فقط قوله، بل سنته قوله وفعله وتقريره وكل حركاته وسكناته سنة كل أطواره وأحواله سنة وكل ما يرتبط بمقام ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (سورة النجم 8-9 ) إنه خلاصة العالم ، والنبي الخاتم، وجوهر الوجود ، والشخص الأول في عالم الكون إن شخصاً من هذا النوع ، النظرة الواحدة منه عالم من الحكمة ، وكل عمل منه ربيع ملئ بالمعرفة ، وعندما يكون هو في المقدمة وفاطمة خلفه ، وعلي خلفهما ، فهذا عمل له معنى ، ومعناه: أن فاطمة هي البرزخ بين النواة الكبرى والولاية العظمى ومعناه أن فاطمة فيها جنبة القطب والمحور ، ولها موقع المركزية بين مقام الوحي الأعظم وتبليغ الوحي ، وبين مقام تفسير الوحي فأمام فاطمة النبي وتبليغ الوحي ، ووراءها تفسير الوحي هذه فاطمة الزهراء ، هذه مجهولة القدر عند جميع العوالم ، هكذا خرج رسول الله(ص)الى المباهلة ، فماذا كان التأثير ، وماذا حدث؟! عندما جاء رئيس أساقفة نجران في وفد علماء النصارى وشخصياتهم ، ورأى هذا المنظر، لم يملك نفسه أن قال: (والله إني لأرى وجوهاً لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال لأزالها من مواضعها ) وجوهاً إذا حركت شفاهها بالدعاءأو مدت أيديها الى السماء لامتلأ الوادي على وفد النصارى ناراً ، ولما بقي نصراني على وجه الأرض !! يا ليت أن فهم هذا الأسقف النصراني كان توأماً مع نقل الفخر الرازي ! لكن مع الأسف فإنا نرى نقل الحديث من الفخر الرازي ، بينما درايته من الأسقف النصراني ! وهذا بحد بذاته مصيبة كبرى ! قال الأسقف النصراني لقومه يجب أن نعمل بكل وسيلة لكي لا يرفع هؤلاء أيديهم بالدعاء! وكان النبي(ص)قال لفاطمة وعلي والحسن والحسين: (إذا دعوت فأمِّنوا)! إلتفتوا الى هذه الكلمة، ما معنى هذه الجملة أيها الفخر الرازي؟ أيها الزمخشري؟ أيها البيضاوي؟ معناها أنه: أن النبي يقول عملي تطبيق لأمر الوحي بقوله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَىالْكَاذِبِينَ (سورة آل عمران:61) حيث أوجب عز وجل أن يجتمع هؤلاء ، ولذا قال لهم النبي: إذا دعوت فأمِّنوا ومعنى هذا أن دعائي بصفتي خاتم النبيين مقتض ، لكن شرط فعلية اقتضاء المقتضي أنفاس فاطمة الزهراء ، فلا بد أن ينضم تأمينها الى دعائي! هكذا قرر الوحي ، وهكذا قررت السنة هنا: أن دعاء الزهراء شرط لدعاء النبي(ص)والمقتضي محال أن يؤثر بدون شرطه! ففي هذا المقام مقام مباهلة النبي(ص)مع النصارى لابد مع رفع النبي يديه نحو السماء أن ترتفع معه أيدي أربعة آخرين حتى يستجاب الدعاء ويتحقق المطلوب !! وما دام الأمر هكذا ، فيا ترى من هو علي؟ ومن هي فاطمة؟ ومن هو الحسن بن علي؟ ومن هو الحسين بن علي؟!! إن قيمة الحديث ليس بروايته ، بل بدرايته ، والأساس في الدين هو التفقه فيه ، والكمال كل الكمال في التفقه والدراية لا بالرواية وحقيقة التفقه أن تتعمق في كل الأفعال والأقوال والخصوصيات ، ثم تستنتج نفس ذلك النبي الذي (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) ولايفعل عن الهوى ، خرج في هذا الوضع! فلما رآه أسقف النصارى قال: ( والله إني لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني الى يوم القيامة ! (الكشاف:1- 369 دار البلاغة ط ثانية) فليت الفخر الرازي والزمخشري أعطيا فقه ذلك الأسقف النصراني وإنصافه ! ثم تأملوا فيما قاله الزمخشري بعد أن نقل قضية المباهلة ، في سبب تقديم الأبناء والنساء في آية المباهلة: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ) قال: (وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها وفيه دليل لا شئ أقوى منه على فضل أصحاب الكساء، وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي(ص) ) (الكشاف:1/370) وبذلك اعترف الزمخشري بأن فاطمة والحسن والحسين مفدون بنفس النبي(ص)وكذلك قال البيضاوي إن في الآية دليلين على نبوة النبي(ص)وعلى فضيلة أهل الكساء(ع) أما الفخر الرازي فقال:وكان رسول الله خرج وعليه مرط أسود وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي رضي الله عنه خلفهما ، وهو يقول: إذا دعوت فأمِّنوا ، فقال أسقف نجران الى آخر ما ذكره الزمخشري ، ثم ذكر الرازي رواية حديث الكساء وقال: واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث (تفسير الفخر الرازي: 7/85 ) حسناً، لقد اعترفوا كلهم بهذا المقام العظيم لهؤلاء العظماء الذين يفديهم النبي بنفسه ! وهنا نوجه سؤالنا الى الزمخشري رجل التفسير ، والى الفخر الرازي رجل العقل والفلسفة ، صاحب التفسير وشرح الإشارات والمباحث المشرقية ، الى من يشبههما من أهل الدقة والتعمق من علماء السنة أمثال البيضاوي والحاكم والسيوطي، فقد رووا كلهم واعترفوا أن الله تعالى أظهر للعالم في آية المباهلة أنه لا يوجد على وجه الأرض أقرب اليه بعد النبي(ص)من هؤلاء الأربعة ، فهؤلاء الذين يستطيعون أن يرفعوا أيديهم بالدعاء ويدعوا ، فيستجيب الله لهم مهما دعوا ! سؤالنا: لقد اعترفتم بأن هذه الأيدي ترتفع فتدعوا فيستجيب الله ، فهل يمكن أن ترتفع إلا عن عقل معصوم وقلب معصوم؟! هل فهمتم أن الكلم الطيب الذي يصعد حتماً الى الله تعالى ولا يرد ، لا يمكن أن يكون إلا من معصوم: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (سورة فاطر: 10 ) وأنه لايمكن أن يصعد من قلب أبي بكر وعمر ، ولا من قلب سلمان وأبي ذر ، فيصل حتماً الى درجة: وَإِنْ مِنْ شئ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (سورة الحجر: 21) ، بل لابد أن يصعد من قلب علي، أو قلب فاطمة، أو الحسن، أو الحسين(ع)؟!! وسؤالنا: مادام الأمر كذلك، فما حكم الذي استحل قتل هؤلاء وشرع في إحراق البيت عليهم ، من أجل تثبيت خلافة اعترف أنها (فلتة) ؟!! لقد كتبوا جميعاً من الزبير بن بكار وابن قتيبة ، الى محمد فريد وجدي في دائرة معارفه ، أن عمر جاء الى باب بيت علي(ع)فقال: ياعلي أخرج فبايع ، وإلا أحرقت عليكم هذا البيت بمن فيه! فبالله عليكم من الذين كانوا في البيت؟!! أليس من حق الإنسان أن يبكي دماً هنا ؟! أيها الفخر الرازي ، أيها القاضي البيضاوي ، أيها الزمخشري ، يا جلال الدين السيوطي أنتم رجال فَهْم ، فلماذا نراكم هنا لم تفهموا القضية؟! لماذا لم تفهموا حكم هذا الشخص الذي جاء الى هذا البيت وقال يا علي أخرج وبايع وإلا حرقت عليكم الدار بأهلها ؟! قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ! قيل لعمر: إن في البيت فاطمة! وفي ذلك معنى كبير، يعني داخل هذا البيت تلك التي قال فيها النبي(ص)(من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله) ! وكتبوا كلهم أن عمر قال: وإن وإن !! بالله عليكم أي بيعة هذه التي دفع ثمنها كل شئ ، وهاجم من أجلها بيت آل النبي(ص)وكان مستعداً لإحراقه على من فيه؟! إنها تلك البيعة التي قال عنها هو نفسه: (كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها) ! قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ علىكل العالم ، نفس الشخص الذي جاء ليحرق بيتاً فيه فاطمة وعلي والحسن والحسين(ع)، نفسه قال كما في البخاري بيعة أبي بكر كانت فلتةً - أي غلطاً وخطيئةً - وقى الله الأمة شرها !! أيها الرجل، إذا كانت حقيقة بيعتكما هذه باعترافك، فلماذا دفعت من أجل تثبيتها هذا الثمن الباهض من الإسلام ومستقبل الأمة، ومن دينك أنت ؟!! أيها العلماء السنيون هذا الرجل قائل تلك الكلمة إن كان عاقلاً فإن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز ! وقد أقر أنه من أجل الفلتة والغلطة جاء ليحرق فاطمة الزهراء وبعلها وبنيها(ع)! ترى ، هل يوجد مظلوم في العالم أكثر من هذه الحرة ؟! وهل توجد مصيبة أعظم من هذ ه المصيبة ؟!! إن قدر فاطمة مجهول عند أهل الأرض، وظلامتها أيضاً ، وسوف لا يعرف مقامها حتى يكون يوم المحشر ، فيظهر الله ظلامتها ومقامها العظيم ! والله إن قدر فاطمة الزهراء مجهول في كل العالم ، وإذا كان قدرها مجهولاً في مراكز السنيين وبلادهم فليس فيه حسرة ، لكن في دولة فاطمة ، هنا دولة الزهراء ، هنا بلد فاطمة ، وهنا يعلنون عطلةً رسمية طويلة من أجل ذكرى جم، من أجل نوروز العجم، لكن من أجل شهادة فاطمة الزهراء(ع)لايوجد تعطيل رسمي ليوم واحد ! المجهولة قدراً ، المجهولة قدراً ! أما متى يعلم مقام فاطمة ويعرف قدرها؟ في ذلك اليوم الذي تبعث من تربتها فيبعث الله تعالى لاستقبالها سبعين ألف ملك بلواء التكبير ، وسبعين ألف ملك بلواء التسبيح ، يرافقونها حتى تستقر في مقرها ! هذا النوع من التكريم والتقدير الالهي لم يصدر أمر من الله تعالى بمثله لإبراهيم خليل الله وأب الأنبياء(ع)ولا لموسى بن عمران كليم الله(ع)ولا لعيسى بن مريم روح الله(ع)، مع أن خزائن الله لا تتناهى إنه يفتح لفاطمة اعتباراً غير محدود! يأتيها جبرئيل فيقول لها: سلي حاجتك تعطين ، ولا حد لهذه الحاجة ، مهما شئت فاطلبي! فماذا تطلب فاطمة من الله تعالى ؟ أرجو الدقة في هذا الموضوع أيها العلماء ، أنتم أهل دقة ففكروا في رقيّ هذه المسألة، إن الطلب من الله تعالى في ذلك اليوم هو الجزاء ، والجزاء غير العمل، ولكن فاطمة عندما يقال لها أطلبي حاجتك من الله تعالى، تقول: اللهم أرني الحسن والحسين! إنها تريد أن ترى العمل قبل الجزاء ! يعني إلهي أرني الذي عملته كما هو ، ليكون الجزاء متناسباً معه! فيأتونها بالحسن والحسين وأوداج الحسين تشخب دماً !! اللهم بفاطمة وأبيها، وبعلها، وبنيها، والسر المستودع فيها صل وسلم عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها عدد ما في علمك صلاةً دائمة بدوام ملكك وفضلك والعن أعداءها وغاصبي حقوقها ، عدد ما في علمك لعناً دائماً أبدياً ، بدوام قهاريتك وعدلك وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين (20)ولأي الأمور تدفن سراً ؟! ( بتاريخ: 1 جمادى الأولى 1413 ـ 28/10/1992 ـ 16/8/1371 ) كان المرحوم الميرزا الشيرازي أعلى الله مقامه في منزله أو في منزل الشيخ حسن علي الطهراني ، والشك مني ، فقرأ المرحوم الطهراني وكان من أعظم تلامذة الميرزا الشيرازي، من مقتل الحسين(ع)هذه الجملة:دخلت زينب على ابن زياد، وما أن سمع الميرزا هذه الجملةحتى تغير، فشرع الطهراني في قراءة الجملة الثانية، فقال له الميرزا: إصبر حتى نؤدي هذه الجملة حقها ! والخلاصة، أن المجلس انقضى ذلك اليوم بهذه الجملة ! إن درجة الفكر والفهم عندما ترتقي ، يختلف تلقي المطالب وفهمها ! فالمطلب واحد ، لكنه يختلف تبعاً لحدة الذهن وعمق الفكر الذي يتلقاه ! لقد رأى الميرزا(ره)في هذه الجملة مطالب ، لم يرها غيره ! وكذلك الأمر في جملة سمعناها وقرأناه مراراً: دفنت فاطمة ليلاً سراً فقد اتفقت مصادر الشيعة والسنة على هذه الجملة ، وفهمت منها الأذهان أموراً ، لكن لو تلقاها ذهنٌ كذهن الميرزا الشيرازي لفهم ماذا تعني ! إن أحداث وفاة الزهراء(ع)فيها أمور محيرة ! قالت فاطمة لعلي(ص)إذا لم تستطع تنفيذ وصيتي فأنت معذور ، فأخبرني حتى أوصي غيرك! وأوصته أن يقوم بمراسم جنازتها ويدفنها ليلاً ، ولا يخبر فلاناً وفلاناً بموتها وأن يخفي قبرها! (أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني وأن لايصلي علي أحدٌ منهم ولامن أتباعهم وادفني في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار) ! هذه الرواية وأمثالها تدل على أن الأحداث كانت خطيرة وجدية الى أبعد حد! وأنه لم يضيع حق شخص كما ضيعوا حق الزهراء(ع)، ولا تحمَّل أحدٌ من الألم ما تحمله أمير المؤمنين(ع)! إن فكرنا يبقىعاجزاً عن إدراك هذه الشخصية وهذا الحق المضيع ، ولكي ندرك ذلك نحتاج الى ذهن كذهن الميرزا أعلى الله مقامه ! ورد في روايات العامة ورواياتنا أن النبي(ص)عُرج به الى السماء مرتين، وعن ابن عباس أن أحدهما معراج كرامة ، والثاني معراج عجائب ، وفي بعض رواياتنا أنه عُرج به مئة وعشرين مرة ولعل هذه الحادثة المرتبطة بالزهراء(ع)كانت في معراج العجائب! فقد روى السيوطي وهو من أكابر علمائهم في الدر المنثور(:4/153) حديثاً عن الطبراني بحذف سنده ، ثم نقل رواية عن الحاكم وقال إنه ضعفها ، ثم روى حديثاً عن الطبراني واهتم به ، وهو عن عائشة قالت: ( قال رسول(ص): لما أسري بي إلى السماء أدخلت الجنة ، فوقفت على شجرة من أشجار الجنة لم أرَ في الجنة أحسن منها، ولا أبيض ورقاً، ولا أطيب ثمرة، فتناولت ثمرة من ثمرتها فأكلتها فصارت نطفة في صلبي فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ، فإذا أنا اشتقت إلى ريح الجنة شممت ريح فاطمة) انتهى فلا بد أن نفهم من هي فاطمة(ع)التي هاجموا بيتها وأضرموا فيه النار وضربوها ! والتي عاشت بعد أبيها خمساً وسبعين يوماً ، في مواجهة أحداث مؤامرة ضخمة ، حتى ذاب بدنها من الآلام وصارت كالخيال ، ودفنت ليلاً !! بعد أن أثبت الشيخ الرئيس ابن سينا جوهر النفس ، في الإشارات في نمط النفس ، أشار الى الإرتباط بين النفس والبدن أو الروح والبدن! وقد جعل هذا النمط بتعبيره إشارةً فقط ، ولم يجعله مبحثاً ، وعمله هذا صحيح ، لأنه هنا متفهم وليس فيلسوفاً، وقد استفاد في هذه الإشارة من مقام العارفين، على أن مبناه في الإشارات أن يجمع جوهر الحكمة ويؤسسه بشكل متن مختصر وقد ذكر في هذا (النمط)كيفية الفعل والإنفعال بين النفس والبدن، كيف يتأثر البدن بالروح والروح بالبدن ؟ وهذا هو المنطلق لما نريد أن نقوله في شخصية الصديقة الزهراء(ع)عن العلاقة التامة بين طهارة الروح وطهارة البدن وصفائهما ، فإن فقه الإسلام يؤكد على وجود علاقة جدلية بين البدن والروح لاحظوا في أبواب الفقه الأهمية التي يوليها الإسلام للقوت الحلال وطهارته وزكائه ، وأن تسعة أعشار الأمر في تحصيل الرزق الحلال ، لكي يكون نسيج البدن حلالاً زكياً ، وتكون نتيجته طهارةَ الروح وصفاءها إن قضية غذاء الإنسان لها حساب دقيق في الإسلام ، وهي من معجزات القرآن والشريعة المقدسة لكن من الذي يفهم ذلك ، ومن يستخرج هذه الجواهر الغالية ؟ وإن حقيقة أن الزهراء(ع)حوراء إنسية، ليست مسألة بسيطة ! فعندما يكون نسيج البدن من أرقى ثمار الجنة وأنقاها وأصفاها ، ويكون الأب خير الخلق ، فأي بدن طاهر سيكون ؟ وفوق ذلك فالروح التي سترتبط بهذا البدن ، أي روح ستكون؟ إنها روح الصديقة الزهراء(ع) فهي ليست امرأة من النساء كما يتصور ذلك السطحي الجاهل! إنها جوهر وناموس ، وسرُّ وجود ، وقضيةٌ فوق قدرة استيعاب عقولنا ، بل فوق قدرة تصورنا وإدراكنا ! ذلك النبي العظيم(ص)، الذي لاينطق عن الهوى، الذي يخضع جميع الأنبياء(ع)أمام قوله وفعله عندما يقول عن شجرة طوبى وثمرتها: لم أرَ في الجنة أحسنَ منها، ولا أبيضَ ورقاً ولا أطيبَ ثمرةً ، فمعنى عدم رؤيته عدم وجود المرئي ! ومعنى ذلك أن أصل بدن فاطمة أنقى ما في الكون ! فأي روح تناسب ذلك البدن تحل فيه ؟! لاحظوا القرآن وتدبروا في آياته ، لتجدوا أبواب حكمة تفوق حكمة ابن سينا، يقول تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (سورة الحجر:29 ) فقبل أن يُسَوِّي الله البدن بعلمه وحكمته لا تحل فيه الروح فانظروا كيف كانت تسوية بدن فاطمة ، وأي جوهر ستكون الروح الحالة فيه؟! لابد أن نعترف أننا لا نفهم هذه المطالب إلا عندما يقول الإمام(ع)إذا أردت أن تستخير الله تعالى وتطلب منه أن يهديك الى الخير فيما تريد الإقدام عليه فقل: اللهم إني أسألك بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها ! هكذا فاستخر الله تعالى ، وبهذا الدعاء فادعه ! وتأمل في أول الدعاء وختامه؟! وفي هذه المحورية لفاطمة الزهراء(ع)؟! محورية لمن يقول الله تعالى فيهم: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَىالْكَاذِبِينَ (سورة آل عمران: 61 ) إنها(ع)محور هؤلاء الخمسة الذين لا سادس لهم في الكون، والذين بواسطتهم يتم الإتصال بالله تعالى، ولو دعوا الله أن يزيل الجبال لفعل، ولو دعوه أن يطبق السماء على الأرض لفعل ! أحدهم المحور ، والثاني مركز الدائرة حول ذلك المحور، وفي ذلك المركز سرٌّ مستسر! ثم انظر كيف تتوزع مواقع الباقين ؟ مواقع أين منها مواقعُ النجوم وأسرارٌ أين منها أسرار الفيزياء ونسج الطبيعة!! إن في حادثة المعراج حقائق عجيبة ، نستطيع أن نتحدث عنها على قدر فهمنا وقدرة عقولنا ، لا على قدرها وواقعها ! القضية التالية التي سأنقلها اتفقت عليها كلمة الكل ، وقد رواها البخاري في كتاب بدأ الخلق وفي كتاب الإستئذان ، (:4/183) عن عائشة قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي فقال النبي (ص): مرحباً يا ابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسرَّ اليها حديثاً فبكت فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر اليها حديثاً فضحكت، فقلت ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن! فسألتها عما قال فقالت: ماكنت لأفشي سر رسول الله حتى قبض النبي(ص)فسألتها فقالت: أسر إليَّ أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي، فبكيت! فقال أماترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين،فضحكت لذلك) انتهى ونحوه في مسند أحمد: 6/282، لكن الأصح مارواه البخاري:4/210 وهو عن عائشة أيضاً، قالت: دعا النبي(ص) فاطمة ابنته في شكواه الذي قبض فيها فسارَّها بشئ فبكت ثم دعاها فسارَّها فضحكت، قالت فسألتها عن ذلك فقالت: سارَّني النبي فأخبرني أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه، فضحكت) ونحوه في:5/138 ، وقد رواه في مواضع أخرى وفي مسلم:7/142: (عن عائشة قالت: كنَّ أزواج النبي(ص)عنده لم يغادر منهن واحدة ، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله شيئاً ، فلما رآها رحَّب بها فقال مرحباً بابنتي ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارَّها فبكت بكاء شديداً، فلما رأى جزعها سارَّها الثانية، فضحكت! فقلت لها خصك رسول الله من بين نسائه بالسرار ، ثم أنت تبكين؟! فلما قام رسول الله سألتها ما قال لك رسول الله (ص)؟ قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله سره! قالت: فلما توفي رسول الله قلت: عزمتُ عليك بما لي عليك من الحق ، لما حدثتني ما قال لك رسول الله؟ فقالت: أما الآن فنعم ، أما حين سارَّني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين، وأنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك قالت فبكيت بكائي الذي رأيت فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: يافاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟ قالت فضحكتُ ضحكي الذي رأيت) وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري! هذه الكلمة التي قالها النبي(ص)لفاطمة(ع)، غنيةٌ بالمعاني ، فهو يذكر فاطمة بالإمتحان الكبير الذي أخبرها أنها ستواجهه بعد وفاته! إن فراقها له أثقل عليها من السماء والأرض، لكن ما بعد فراقه سيكون أصعب ! وقد أعدها لهذه المرحلة وشرح لها ما سيحدث ، وهو هنا يودعها ويؤكد عليها أن تتسلح بسلاح الأولياء في امتحاناتهم(فاتقي الله واصبري) ويبشرها بقصر مدة الإمتحان، وبالجزاء العظيم من الرب العظيم! عندما نقرأ في زيارتها سلام الله عليها: يا ممتحنة، امتحنك الله الذي خلقك قبل أن يخلقك، فوجدك لماامتحنك صابرة (مصباح المتهجد ص711) نعرف أنها بلغت مقامها العظيم بامتحان الله تعالى لها ، لكنا لانعرف إلا القليل عن ذلك الإمتحان وكيف نجحت فيه بالصبر ، وكيف حبست نفسها على مرضاة الله تعالى حتى رحلت من هذه الدنيا ! بقطع النظر عن كل ذلك، فإن كل المسلمين عرفوا أن نبيهم هو خاتم الأنبياء والمرسلين(ص)، وقد أوصاهم بعترته ، ولم يبق منه ذكرى بعد موته إلا ابنته الوحيدة(ع)! وأن هذه البنت الطاهرة لاقت من أمته من يوم وفاته ، أنواعاً من الظلم والآذى ، حتى أوصت أن تدفن سراً ، وتعمدت أن لايعرف قبرها ! أقسم بالله أن هذه مصيبة فوق تحمل الإنسان ، بل فوق الوصف ! فما هو واجبنا تجاهها؟ إن واجبكم أيها الفضلاء ، أنتم أهل الفكر ، وبعضكم حضروا بحوث الخارج لأكثر من عشر سنوات، ووصلوا الى حد النبوغ الفكري أن تطلقوا أقلامكم وألسنتكم في بيان هذه الظلامة ، التي لم يَرَ العالم مثلها ، وأن تعرفوا الناس بهذه المظلومة ، التي لم يعرف التاريخ مظلوماً مثل زوجها ، ومثلها ! إكشفوا للمسلمين ماذا حدث بمجرد أن أغمض النبي(ص)عينيه، حتى وصل الأمر الى أن توصي فاطمة(ع)أن تدفن ليلاً وسراً ؟! إن مسلماً لايمكنه أن يغضي عن هذه الحادثة، إلا أن يكون في إيمانه خلل! فهل يمكن أن يكون مؤمناً بالنبي(ص)ثم يترك قضية ظلامة ابنته الصديقة الطاهرة ، ويساعد على التعتيم عليها وتضييعها ؟! إن ظلامة الزهراء(ع)جناية يجب أن يجعلها عوامنا محور كلامهم واهتمامهم وخواصنا محور بحثهم وحديثهم ، ليبينوا للعالم ماذا حدث؟! اللهم اعف عنا ولا تجعلنا شركاء في ظلم فاطمة الزهراء(ع)! اللهم أعنا لنبرئ ذمتنا ونقوم بواجبنا تجاه غضب الزهراء(ع)وحزنها ودموعها ! لقد حدد لنا أمير المؤمنين(ع)واجبنا عندما قال: يارسول الله! أما حزني فسرمد ، وأما ليلي فمسهد ، لا يبرح الحزن من قلبي ، أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم كَمَدٌ مُقيح ، وهَمٌّ مُهيج ، سرعان ما فُرق بيننا وإلى الله أشكو ، وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك عليَّ وعلى هضمها حقها ، فاستخبرها الحال ، فكم من غليلٍ معتلجٍ بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً ! ( أمالي المفيد ص281) (21)نحن بحاجة الى الفقاهة لا الى السفاهة ! ( بتاريخ: 12جمادى الثاني 1418 ـ 15/10/1997 ـ 24/6/1376 ) إن منشأ مشكلات مجتمعاتنا السفاهة ، وعلاج أمراضنا الفقاهة! فعندما يصير الشخص سفيهاً ، حتى لو كان معمماً ذا لحية عريضة ، فإن عيناه لاترى في الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء صاحبة المقام الرباني الذي لا ينال، سلام الله عليها، لا يرى فيها إلا أنها امرأة عادية! غاية الأمر أنها زوجة ناجحة وربة بيت موفقة، وأنها عابدة لربها وانتهى الأمر !! فلو كان عنده فقاهة لعرف أنه لا يصح أن يقال لفاطمة إنها امرأة عادية ، بل يجب أن يقال لها (حوراء إنسية) فهذه هي العبارة التي تعرف شخصيتها ! لو كان فقيهاً لعرف أنها ليست امرأة كالنساء ، وأن النبي(ص)عندما عرج به الى الملأ الأعلى رأى الجنة مكتوباً على بابها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ، عليٌّ حزب الله، والحسن والحسين صفوة الله، فاطمة خيرة الله! إن هذا الحديث لم يروه الشيعة فقط بل رواه السنة أيضاً ! ولا بد للفقيه أن يفهم لماذا يجب أن يفتتح ما كتب على باب الجنة بـ (لا إله إلا الله) ويختم باسم (فاطمة) ! هنا يتميز حد الفقاهة عن حد السفاهة ! والإنسان الذي يقول هذا الكلام لم يبلغ حد الرشد، وعندما يبلغه سيفهم أن فاطمة الزهراء(ع)موجودٌ أبلغ من كل تعبيرنا ، وأن عباراتنا بطبيعتها مفصلة لمعان تبقى قاصرة عن قمة وجود فاطمة الزهراء(ع)، ويفهم معنى اختيار الله اسم فاطمة لها: لأن الناس فطموا عن معرفتها !! في هذا اليوم نتعرض لرواية واحدة، ونلفتكم جميعاً الى أن أوجب الواجبات عليكم فرداً فرداً أن تعملوا بكل طاقاتكم الفكرية لكي تكونوا علماء فقهاء، في الدين، في أصول الدين، في معرفةالنبي وأهل بيته الطاهرين (ص)،وتنجوا الناس من هذه الضلالات والفتنةالتي أثارها في هذا الزمن بعض المعممين بمساندة جهات ضالة وكافرة، محاولاً التشكيك في أصول المذهب ومبانيه المحكمة الرواية التي نتكلم حولها اليوم لها أصل في مصادر التفسير السنية والحديثية والتاريخية ، كتفسير السيوطي، ومستدرك الحاكم، والخطيب البغدادي، ولكن هذه المصادر لا تهمنا، والمهم هو الرواية الصحيحة السند التي يعتمد على رجال سندها في الفتوى في مهمات الأحكام الشرعية، وهي عن الإمام الصادق(ع)(كان رسول الله يكثر تقبيل فاطمة فعاتبته عائشة وقالت يارسول الله إنك تكثر من تقبيل فاطمة فقال(ص):(إنه لما عرج بي الى السماء مر بي جبرئيل على شجرة طوبى، وناولني من ثمرها فأكلته، فحول الله ذلك ماء الى ظهري، فلما هبطت الى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، فما قبلتها إلا وجدت رائحة شجرة طوبى منها!) (المحتضر للحلي ص135، وفي المناقب:3/114: (فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي) انتهى لقد عرج بالنبي(ص)الى الملأ الأعلى مرات عديدة ، كما ثبت في محله ، وفي تلك المرة أخذ بيده جبرئيل فأدخله الجنة ، وأخذه الى شجرة طوبى! وقد ورد وصف طوبى في مصادر السنيين بأنه لم يُرَ أحسن من ورقها ، ولا أطيب من ثمرها ! وقد سميت في القرآن (طوبى) وهي مصدر من طاب ، وتسميتها من حمل المصدر على الذات ، والروايات في عظمة هذه الشجرة وأنها الأولى في الجنة والأكبر ، كثيرة في مصادرنا ومصادر غيرنا ، ونحن في غنى عن بحث دلالتها وسندها ولشجرة طوبى ميزات منها أن جذعها في بيت النبي(ص)، وأن الله تعالى غرسها بيده ، كناية عن أن ملائكة الله بمن فيهم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ، لايصلون الى مستوى غرسها ! إن فقه الحديث يكمن في فهم كلماته فتأملوا فيها: تربة شجرة طوبى ومغرسها في بيت الشخص الأول في الوجود(ص) ويجري من تحتها ثلاث عيون: السلسبيل ، والتسنيم ، والمعين وفي أملاك كل مؤمن غصن منها ، هو أعز عليه من كل ما يملك في الجنة ، لأنه مميز بثماره ، وطيوره ، وأنغام حفيف أوراقه، والثياب التي تنبت عليه كل ذلك فوق ما تشتهي الأنفس ! مر بي جبرئيل على شجرة طوبى وناولني من ثمرها، فأكلته فحول الله ذلك ماء الى ظهري ، فلما هبطت الى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ، فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي ! هنا لابد من استعمال أدوات الفقاهة، فالفقيه هو الذي يفهم العلاقة بين البدن والروح بمستوى ابتدائي، وقد بحث الشيخ الرئيس ابن سينا ، والخواجه نصير الدين الطوسي، وقطب الدين الشيرازي، والى حد ما الفخر الرازي ، بحثوا هذه المسألة الى الحد الإبتدائي، في ماهية الإرتباط بين الروح والجسد، والتأثير والتأثر ، والعلاقة الجدلية بينهم إن خلق الزهراء(ع)من ثمرطوبى يفتح نافذة لفقهاءالبشر والمفكرين في إنسانية الإنسان، ويطرح عليهم سؤالاً: إذا أخذت نطفة بدن إنسان من ثمرة شجرة طوبى، فما هو البدن الذي يتكون من تلك النطفة ؟ ثم ما هي تلكم الروح التي صنعت لتحل فيه، والتي أكرمها الله أن يصل بدنها الى مرحلة: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ، (سورة الحجر: 29 ) ، والى أن يكتب الله تعالى على باب جنته: (فاطمة خيرة الله) ؟ ترى من كان بدنها كهذا البدن ، فما هو نوع روحها؟! ماذا في تلك الروح ، وما هو مقصدها في الوجود ؟! إن المصنع الإلهي قائم على الحكمة ، والصانع هو ذلك الحكيم الذي يدير كل منظومة الوجود التي لا يحدها الحس البشري، والذي هو اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ (سورة البقرة:255 ) ، وكل هذه العظمة والحكمة في عالم المادة، الذي لا يساوي بالنسبة الى بقية الوجود أكثر من حصوة المثانة، على حد تعبير المحقق السبزواري& ذلك الحكيم سبحانه الذي يدير كل تلكم العوالم ، ما غرضه من خلق روح فاطمة الزهراء وبدنها؟! ما غرضه في أن يأخذ الإنسان الأول في الوجود الى شجرة طوبى التي تحدث عنها لعيسى في الإنجيل، وذكرها في القرآن فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (سورة الرعد: 29)، ويطعمه من ثمرها فيتحول ثمرها الى نطفة في بدنه ، ثم يحل في رحم امرأة أعطت كل ما تملك لربها ، قالوا كانت تجمع ما عندها من حلي وزينة فيبلغ قامة الإنسان ولا يرى الواقف الى جنبه ! لكنها عندما حضرتها الوفاة قالت لرسول الله(ص)ليس عندي ثمن كفن، فأنزل الله تعالى لها كفناً مع جبرئيل(ع)! أمٌّ كهذه ، وأبٌ كهذا ، وبدنٌ فاطمة من ثمار طوبى ، وروحها تلك الروح العليا فأي موجودة تكون فاطمة(ع)؟! هذا كله ألف باء المطلب ، أما أوْجهُ وختامه فيحتاج الى فقيه حكيم قد استكمل أصول البحث العقلي والنقلي ، ليدرك نهاية هذا المسار ! وردت هذه الرواية بمضامين مختلفة في مصادر الخاصة والعامة: (خرج رسول الله(ص)وقد أخذ بيد فاطمة(ع)وقال: من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد، وهي بضعة مني، وهي قلبي الذي بين جنبيَّ ، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله جل وعلا )( المحتضر للحلي ص133، وشرح الأخبار:3/30ح970 ، ومناقب ابن شهر آشوب:3/332 وكتاب الأربعين للماحوزي ص316 ، عن الفصول المهمة ص146 ، واللمعة البيضاء للأنصاري ص59 ، عن كشف الغمة:2/94 والبحار:43/54 ح 48 ) أنظروا الى التعبير ، فمجلسنا والحمد لله يكفيه إلفات النظر، ما معنى أن يخرج النبي(ص)آخذاً بيد فاطمة(ع)؟!إن عمله هذا كعمله في حق عليٍّ يوم الغدير، حيث أصعد ذلك الرجل الفريد معه على المنبر، وأخذ بيده ورفعها ! وفي هذا اليوم عندما خرج آخذاً بيد فاطمة المرأة الفريدة في العالم، قال: من عرفها فقد عرفهاومن لم يعرفها فليعرفها ! لاحظوا كيف قدمها النبي(ص)الى الأمة ، وعرفهم مقامها درجةً درجة ! إن لكلامه(ص)في أنفس مستمعيه وقارئيه جاذبيةً خاصة منوعة ! في المرتبة الأولى قال: بضعةٌ مني لاحظوا كلمة (بضعة) ثم انتقل الى الأعلى الى المرتبة الثانية فقال: (وهي قلبي الذي بين جنبي)! وعندما يقول النبي (أنا) فالأنا هنا غير كلمة بدني، فالبدن مضاف وضمير المتكلم مضاف اليه هنا تعابير خاصة: بضعةٌ مني، وهي أبلغ من بضعة من بدني، وقلبي الذي بين جنبي غير قلبي، إنها قلب بين جنبي الشخص الذي (إنيته) مبدأ ومنشأ لكل الفضائل البشرية ! الشخص الذي قال وهو الصادق الأمين: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين) ! (المناقب لابن شهر آشوب :1/214 ، ونحوه في مسند أحمد بن حنبل:4/66 ) معنى أن فاطمة قلب إنسان بهذه الصفة ، أنه لو أخذت مني فاطمة فسأبقى بدناً بلا روح ! فالى أين وصلت الصديقة الزهراء(ع)حتى بلغت مقاماً كهذا ، وصارت قلباً بين جنبي علم وعمل ! فجنب النبي الأيمن علم ، والأيسر عمل! علمٌ عنده تتلاشى كل علوم الأنبياء(ع)! وعملٌ عنده تتلاشى كل أعمال الأولياء!! والقلب الذي بين هذين الجنبين هو الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (ع)!! وهنا يتضح سر الحديث القدسي في النبي والعترة(ص): (هم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها ) ! سيدتي ، ما ذا فعلت حتى صرت المحور والقطب ؟! سيدتي ، ما ذا فعلت حتى صرت قلب عالم الوجود ؟! سيدتي ، حتى صرت في مقام قال عنك خاتم النبيين صلوات الله عليه: (من صلى على فاطمة فهو معي أينما كنت في الجنة) ! إن العمل الذي عملته لايعرف كنهه وقيمته إلا الله تعالى ومن هم خزائن أسرار الله تعالى فأنت تلك العظيمة التي يقول فيك الإمام الصادق(ع)لو حاول الناس جادين أن يعرفوا كنه فاطمة ما عرفوه: لأنهم فطموا عن معرفتها! وهنا نصل الى مرحلة من كلام الإمام الصادق(ع): (اللهم إني أسألك بفاطمة وأبيها ، وبعلها وبنيها ) ! فكروا وتفهموا سر هذه الكلمات فالسؤال بفاطمة، وأب فاطمة، وبعل فاطمة، وأبناء فاطمة، وختام هذا الدعاءكلمة هي ختم الكلام: والسر المستودع فيها !! في معراج النبي(ص)أخذوه الى شجرة طوبى، وقطفوا له من ثمرها ، وأطعموه منها ، ومن هذا الثمر انعقدت نطفة فاطمة ، وفي هذه النطفة وضعوا جوهر روح اختارها الله تعالى من أشرف ما في خزائنه من جواهر !! المسألة هنا: والسر المستودع فيها، فأي سر هذا السر ، الذي كان لابد له من مقدمات ، معراج النبي(ص)، وأن يتناول من ثمار شجرة طوبى، ليتكون البدن الذي يكون محلاً لهذا السر ! هذا السر يحتاج الى فرصة أخرى لبيانه إنها سرٌّ سر الله الأعظم فقد كان قلبها سراً وما في ذلك القلب كان سر ألمها كان سراً ، لونها كان سر ما تحملته كان سر قدرها كان سراً ، مقامها ما زال سر سرٌَ في سر ، وحتى القبر التي حوى جثمانها كان سراً ! ماذا فعلت يا بنت رسول الله حتى صرت سر الله ؟! والى أي مقام وصلت؟! الذي أستطيع أن أقوله إن العمل الذي قامت بها فاطمة(ع) أحيت به قيم الأنبياء(ع)من آدم الى النبي الخاتم(ص)! العمل الذي عملته به أحيت اسم الله تعالى أحيت كل حرمات الله تعالى عندما يموت المؤمن أول تحفة يقدمونها له في الجنة أنهم يقولون له: كل من شارك في تشييع جنازتك مغفور له وفاطمة تعرف ذلك ولذا قالت: يا علي لا تُعلم بموتي أحداً منهم ! هذا العمل وما أحدثه ، جدير بأن نفكر فيه كثيراً ، لنعرف ماذا حدث؟! عندما غادر النبي الدنيا(ص)كانت فاطمة في كامل النشاط وغاية السلامة ، وبعد مضي خمس وسبعين يوماً لحقت به! وفي الليلة التي غسلوا جثمانها قالوا إنها كانت من ضعفها كالخيال! وأن جسدها على المغتسل كان كالشبح! لم يبق إلا نفَسٌ خافتُ أو مقلةٌ إنسانها باهتُ ! الفصل السادس في مقام الإمام الحسين(ع)وعظمة عاشوراء (22)مسؤولية المبلغوعظمة عاشوراء ( بتاريخ: أواخر ذي الحجة 1417- /5/1997 - /2/1376 ) بمناسبة أيام عاشوراء يوجد أمران مهمان ، أرجو أن تتأملوا فيهما بعمق: للعلامة الحلي أعلى الله مقامه كتابان: التبصرة ، ألفه لعامة الناس، والتذكرة ألفها للفقهاء وطبيعي أن لايكون حديثي اليكم التبصرة وأنتم تحضرون هذا البحث ، وأكثركم والحمد لله من العلماء ، وعدة منكم أساتيذ السطوح العالية وبحوث الخارج المطلب الأول: ما هو واجبكم في موسم عاشوراء؟ عاشوراء لها حكم ربيع القلوب ، فكما أن الأرض في الربيع تستعد لإنبات النبات وتنميته ، فإن قلوب الناس تستعد في موسم عاشوراء لتقبل بذور الحكمة والموعظة الحسنة ، ومن المهم جداً أن نستفيد من ربيع قلوب الناس من أجل تربيتها فماذا يجب عمله؟ لقد عين الله تعالى في كتابه واجبنا بقوله تعالى:وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَر َمِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (سورة التوبة:122)، فواجبكم أمران: التفقه في الدين ، والإنذار، وإنه لايصح ولايناسب أن نملأ وقت الناس بالقصص ومواد الجرائد، فواجبنا تجاه أنفسنا التفقه ، وتجاه الناس الإنذار: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَىاللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (سورة النساء:165) ، فلابد أن نقتدي في دعوة الناس الى الله تعالى بالأنبياء(ع) ، يعني أن تتعلموا مخاطبة الناس من طريقة مخاطبه الله تعالى لهم للقرآن في تربية البشر طريقتان: إحداهما التخويف من المسؤولية والمستقبل والثانية بعث الرجاء والأمل في نفوسهم فلماذا نرى التأثير في الناس قليلاً ، وتطبيقهم للأحكام الشرعية قليلاً ؟ إن السبب يكمن في تبليغنا وخطابنا للناس عندما لا يكون على أساس صحيح ، فنحن لم نستفد كما ينبغي من طريقة الرسل والأنبياء(ع)في تحريك الفطرة التي فطر الله الناس عليها ! إن طريق تربية الناس توجب أولاً أن نتفقه نحن! أرجو أن تتأملوا أن كلمة (تفقُّه) من باب(التفعل) الذي يعني قبول الفقه ، وأن تكون شخصية أحدكم بلون الفقه ، لا أقصد اللون الظاهري فقط ، بل أن يرسخ الفقه في الأعماق ، فينعكس لونه على الشخصية فإن حصلتم على هذه المرحلة ، فقد حصلتم على التفقه وإذا صار الإنسان متفقهاً ، فمحال أن لايحدث في سلوكه تحول! إن فقه الدين حالة إذا رسخ في فكر الإنسان وصار له خلقاً، فإن نفسه تتغير لا محالة ، وإذا تغيرت نفسه نحو الكمال، فقد آن الوقت الذي يكون فيه منذراً، وحينئذ لابد أن يؤثر في الناس ويغيرهم المتفقه في دينه عندما يقول للناس: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شئ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ (سورة الحج:1-2) فإنه يحدث انقلاباً في القلوب بإنذاره! لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، ثم: وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ من روايات الإمام الحسن العسكري عن أمير المؤمنين(ص)أنه قال: (من كان من شيعتنا عالماً بشريعتنا، فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به، جاء يوم القيامة على رأسه تاج من نور، يضئ لجميع أهل العرصات، وحلة لا تقوم لأقل سلك منها الدنيا بحذافيرها، ثم ينادي مناد: يا عباد الله هذا عالم من تلامذة بعض علماء آل محمد، ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله فليتشبث بنوره ليخرجه من حيرة ظلمة هذه العرصات إلى نزهة الجنان فيخرج كل من كان علَّمه في الدنيا خيراً ، أو فَتَحَ عن قلبه من الجهل قفلاً ، أو أوضح له عن شبهة) ( الاحتجاج للطبرسي:1/7 ) من كان عالماً بشريعتنا هذا قول أمير المؤمنين(ع) فالشرط هو العلم بالشريعة، وكلمات الأئمة(ع)تحتاج الى دقة عالية لفهمها، فقد استعمل الإمام هنا لفظ (الشريعة) وهي ولفظ (المشرعة) من جذر واحد ! وعند التأمل فيهما نفهم معنى: من كان عالماً بشريعتنا، فمثل هذا الشخص يستطيع أن يخرج ضعفاء شيعة آل محمد(ص)من ظلمة جهلهم ، الى نور العلم الذي تعلمه من أهل بيت النبوة(ع) معنى هذه الجملة أنكم عندما تجلسون على منبر الخطابة والتبليغ ، فلا تطعموا الناس المساكين ما يلوكه زيد وعمرو، وما يتجشأه هذا وذاك ! وليكن ما تقدمونه لهم علماً ينبع من عين معين القرآن المبين والعترة الطاهرة ، فبهذا الزلال فقط تحيون قلوب الناس من كان عالماً بشريعتنا ثم أخرج الناس من جهالتهم الى نور علمنا، فما هو جزاؤه ؟ ما جزاء تبليغكم في عاشوراء وغيرها ، إن أتقنتموه ؟ إن إتقانه بثلاثة أمور: أن تعلموهم خيراً وأن تكسروا قفل الجهل عن ضعفاء شيعة آل محمد (ص) وأن تدفعوا شبهات أهل الريب التي يلقونها في قلوب الشيعة ولا بد أن تؤدوا هذه الأمور الثلاثة مستضيئين بنور علمهم(ع) وعند ذلك يكون جزاؤكم عندما تبعثون للمحشر أن يضع الله تعالى على رأس الواحد منكم تاجاً: من نور، يضئ لجميع أهل العرصات ! والجزاء أيضاً:حلة لا تقوم لأقل سلك منها الدنيا بحذافيرها ! هذا واجبكم في عاشوراء والمطلب الثاني: أن تُفهموا الناس ما هي عاشوراء؟ ومن هو صاحب عاشوراء؟ ونقصد بذلك قدر استطاعتنا من الفهم ، وإلا فلا يمكن أن ندعي أننا نفهم عاشوراء وصاحب عاشوراء صلوات الله عليه ، لا أنا ولا أنتم ولا ملايين من أمثال الشيخ الأنصاري، والطوسي، والعلامة ، أعلى الله مقامهم إنها قضية بلغت من أهميتها وعظمتها أن الإنسان مهما زاد تبحره في المعقول والمنقول ، لم يرجع من الغور فيها إلا بالإكبار والحيرة والذهول ! وأكتفي بعدة كلمات من مصادر الخاصة والعامة المتقنة ، لتعرفوا أن قضية الإمام الحسين(ع)فوق الوصف والتقرير! بل إن ذلك الغلام الأسود الذي استشهد معه ، فوق وصفنا وبياننا! لأنه بلغ مقاماً أن سيد المرسلين وخاتم النبيين يحضر من عالمه الأعلى بنفسه فيحفر له قبره ويدفنه ! نعم ، خاتم النبيين(ص)الشخص الأول في عوالم المخلوقات ، لكنه هو الذي يتولى حفر قبر أصحاب الحسين سلام الله عليه ، ورضوان الله عليهم !! إنها عظمة قضية كربلاء ، وعظمة الحسين(ع)وأصحابه! فلنفكر في هذا الأمر ، وفيما يستلزمه ! والأمر الثاني أن الإمام الحسين(ع)وأصحابه وصلوا الى مرتبة بحيث أن جبرئيل قال للنبي(ص)إن الله تعالى بنفسه يقبض أرواحهم! فما هذا المقام؟! الذي بلغ أن الله يقبض أرواحهم وليس عزرائيل(ع)! والنبي(ص)يحفر لهم ويدفنهم ! هذا عن أصحاب الحسين ، أما عن مقام الحسين نفسه(ع)فإني أورد لكم رواية من مصادر العامة صححها كبارهم ، تدل على أن قضية الحسين أعظم من كل ما ذكرناه ! فقد رواها إمام الحنابلة في مسنده ، والحاكم النيشابوري في مستدركه ، وآخرون من أئمة السنة ، كالخطيب ، وابن كثير ، وابن الأثير ، وابن حجر وغرضي هنا فقه المطلب وإلا فالأحاديث والآثار كثيرة ، لكن المهم إدراك دقائق المعاني وفقه الحديث (قال ابن عباس: رأيت رسول الله في المنام نصف النهار أشعث أغبر ، معه قارورة فيها دم ، فقلت بأبي وأمى يارسول الله ما هذا ؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل التقطه منذ اليوم ! قال عمار: فأحصينا ذلك اليوم فوجدناه قد قتل فيه) وقال ابن الأثير في تاريخه (ج1ص582 طبعة إحياء التراث- بيروت ):(قال ابن عباس: رأيت النبي الليلة التي قتل فيها الحسين، وبيده قارورة يجمع فيها دماً فقلت: يارسول الله ما هذا ؟ فقال: هذه دماء الحسين وأصحابه أرفعها الى الله تعالى) ! انتهى