وقد استعمل الله سبحانه تعبير (تَبَارَكَ) عن خلق الإنسان مرتين، مرة في غاية خلقه ، ومرة فيما تنتهي اليه الغاية! قال الله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (سورة التين:4 ) ، وقال تعالى: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ( سورة المؤمنون:14) وتعبير (تَبَارَك) لم يستعمل في القرآن إلا في موارد محدودة ، منها لملك الله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شئٍ قَدِيرٌ ( سورة الملك: 1) ومنها لخلق السماوات والأرض، ومنها لخلق البروج والشمس والقمر ، ومنها لخلق الإنسان ، ومنها لتنزيل االقرآن: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ( سورة الفرقان: 1) وقد جمع بينهما في سورة الرحمان فقال: الرَّحْمَنُعَلَّمَ الْقُرْآنَخَلَقَ الأَنْسَانَعَلَّمَهُ الْبَيَانَ وختمها بقوله: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِى الْجَلالِ وَالأَكْرَامِ هذا الإنسان المخلوق بهذه العظمة في بنائه ، واستعداده للتكامل ، لابد أن يصل الى كماله الذي قال الله عنه للملائكة: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ! جواباً على قولهم: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)؟! وكمال الإنسان إنما هو بوصول قوتين كامنتين فيه الى أوج إثمارهما: قوة العقل، وقوة الإرادة فعن أبي عبد الله الصادق(ع)قال: (دعامة الإنسان العقل، والعقل منه الفطنة والفهم، والحفظ والعلم) (الكافي:1/25 ، وعلل الشرائع :1/103) والعقل قسمان: عقلٌ نظري، وكماله المطلق بالإستغراق في نوعٍ من المعرفة يشمل كل أنواع معرفة الوجود ، وهو معرفة الله تعالى ! وعقلٌ عملي، وكماله المطلق ينتهي الى فناء إرادة الإنسان في إرادة ذات القدوس الحق تعالى وعندما تفنى جنبة العقل النظرية والعملية ، تلك في المعرفة ، وهذه في الإرادة ، فعنئذ يكون الإنسان:واحد دهره! الإمام واحد دهره، فهو الإنسان الذي يستحق العهد الإلهي المخصوص بين أبينا ابراهيم(ع)وبين الله تعالى، ويستحق منصب الإمامة الإلهية! ولا يمكن أن يستحقه أحد إلا إذا كان:واحد دهره ! إن موضوع الإمامة عميق وواسع، فعليه يتوقف تحقيق الغرض من خلق الله تعالى للإنسان، بل من كل الخلق، وما لم يكن الإمام في نظام الوجود ، فإن الغرض من خلق الخلق لايتمّ والناس كما قال(ص): معادن، فلابد أن يتم تبلور معادنهم بإشراقة الإمام (ع)، فهو للناس ضرورة كضرورة الشمس للمعادن في الأرض قال(ص): (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ، فمن كان له في الجاهلية أصل فله في الإسلام أصل) ( الكافي :8 /177عن الإمام الصادق(ع)ورواه مسلم:8/41 بلفظ: الناس معادن كمعادن الفضة والذهب خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ) إن الأمر الذي سبَّبَ عدم فهم المسلمين والبشرية للإمامة هو الإنحراف الخطير الذي وقعت فيه الأمة بعد النبي(ص)فأطاعت من انحرف بمسيرة الإسلام عن مسارها الرباني بقيادة الإمام المعصوم(ع)! فقد أقصت الأمة مع الأسف الإمام الذي عينه لها الله تعالى ورسوله(ص)وعزلته عن قيادتها، وأسلمت نفسها الى أشخاص تقمصوا الإمامة بعد النبي(ص)، قام أمرهم ووجودهم وأفعالهم وأقوالهم على غير العلم والحق ! وهذا هو السبب الذي أوصل الأمة الى مهاوي الضلال والضياع والضعف، وجعلها لا تعرف مقام الإمام ومهمته الربانية في مسيرتها ! أنتم تعرفون المأمون العباسي من هو؟! فاقرؤوا عنه هذه القصة التي يرويها الصدوق أعلى الله مقامه عن عبد الله بن محمد الهاشمي قال: ( دخلت على المأمون يوماً فأجلسني وأخرج من كان عنده، ثم دعا بالطعام فطعمنا ثم طيبنا ، ثم أمر بستارة فضربت، ثم أقبل على بعض من كان في الستارة فقال: بالله لما رثيتِ لنا من بطوس، فأخذت تقول: سقياً لطوسٍ ومن أضحى بها قَطَنا من عترة المصطفى أبقى لنا حَزَن قال ثم بكى وقال لي: يا عبد الله أيلومني أهل بيتي وأهل بيتك أن نصبت أبا الحسن الرضا(ع)علماً، فو الله لأحدثُك بحديث تتعجب منه: جئته يوماً فقلت له جعلت فداك إن آبائك موسى بن حعفر وجعفر بن محمد ومحمد بن علي وعلي بن الحسين، كان عندهم علم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، وأنت وصي القوم ووارثهم وعندك علمهم، وقد بدت لي إليك حاجة ؟ قال: هاتها فقلت: هذه الزاهرية حظيتي ولا أقدِّم عليها أحداً من جواريَّ ، قد حملت غير مرة وأسقطت ، وهي الآن حامل، فدلني على ما نتعالج به فتسلم فقال: لا تخف من إسقاطها، فإنها تسلم وتلد غلاماً أشبه الناس بأمه، ويكون له خنصر زائدة في يده اليمنى ليست بالمدلاة ، وفي رجله اليسرى خنصر زائدة ليست بالمدلاة ! فقلت في نفسي أشهد أن الله على كل شئ قدير، فولدت الزاهرية غلاماً أشبه الناس بأمه، في يده اليمنى خنصر زائدة ليست بالمدلاة ، وفي رجله اليسرى خنصر زائدة ليست بالمدلاة، على ما كان وصفه لي الرضا !! فمن يلومني على نصبي إياه علماً ) (عيون أخبار الرضا(ع):1/241 )