بكى المأمون، وكيف لا يبكي رغم طغيانه وتكبره؟! وقد شاهد علم الإمام الرضا(ع)بمقادير الله تعالى فأخبره بيقين المحيط بالأمر: لاتخف من إسقاطها، فإنها تسلم وتلد غلاماً أشبه الناس بأمه!! لقد شاهد المأمون قوله تعالى: وَكُلَّ شَئٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً ( سورة النبأ: 29) وشاهد تطبيقه في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحيْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَئٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ( سورة يس: 12) ورأى بعينيه وعقله أن الله تعالى يُطلع حجته الإمام المعصوم على مقاديره: إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم! (الكافي:4/577 ، وكامل الزيارات ص366 ، من زيارة الإمام الحسين(ع)) إن هذه القصة من الرحمة الرحمانية للمأمون ، ومن مفردات إتمام الحجة على هذا العفريت المستكبر الذي يعبد نفسه ولا يعبد ربه ، ولا شغل له بالله ورسوله(ص)ولابالإسلام والقرآن، ولا بالإمام الرضا(ع)وعلمه الرباني،إلا بقدر أن تلد له جاريته الزاهرية المفضلة ولداً جميلاً ! وكذلك هي حقيقة الطغاة ! المرحوم الشيخ حبيب الله گلپايگاني، شخصيةٌ معروفة عند كبار علماء گلپايگان ، وهو من الأولياء ، وإن لم يكن من الأوتاد ، فهو من الأبدال كنت بخدمته في عودتي ذات مرة من النجف الأشرف ، وسألته عن القصة التالية فنقلها لي ، وهي مفصلة ، خلاصتها: سألته: ما هي قصتك حتى أنك تمسح بيدك على مكان الوجع فيشفيه الله تعالى؟ قال: مرضت في مشهد الإمام الرضا(ع)ونقلوني الى المستشفى، وبعد يوم من معالجتي واشتداد مرضي، تغيرت حالتي فأدرت وجهي الى قبة الإمام الرضا(ع)وقلت له: سيدي كنت لمدة أربعين سنة أول شخص يدخل حرمك الشريف ويزورك ! (وقد صدق(ره)فقد رأيته يوم كنا في مدرسة في مشهد اسمها مدرسة الحاج حسن، وكان&مسؤولاًً عن الطلبة وله غرفة في المدرسة، رأيته في شتاء خراسان القارس يذهب قبل الفجر تحت هطول الثلج، ويفرش سجادته في الإيوان خلف باب حرم الإمام الرضا(ع)ويصلي صلاة الليل ، حتى يفتحوا الباب قرب الفجر ، فيكون أول داخل الى الحرم الشريف ) قال&:قلت للإمام كنت في خدمتك هكذا أربعين سنة فهل تتركني الآن؟! قال&: كنت في اليقظة ولم أكن نائماً ولا ساهياً، فرأيت عالماً آخر، بستاناً فيه أرائك ، وقد جلس الإمام الرضا(ع)وأنا الى جنبه ، فمد اليَّ يده وأعطاني طاقة ورد ، فأخذتها بيدي هذه! وعدت الى عالمي ونظرت في يدي فلم أجد شيئاً! وكذلك لم أجد أثراً لألمي ولا لمرضي! ومن ذلك اليوم رأيت أني كلما مسحت بيدي على وجع في جسمي أو جسم أحد يرتفع وجعه ويذهب مرضه بلطف الله تعالى! وكم شافى الله علىيده&من أشخاص، وكان عدة منهم مصابين بمرض السرطان ! قال&: قبل أن تكثر مصافحة أهل المعاصي ليدي هذه ، كنت إذا مسحت بها على وجع يرتفع مباشرة ويتم الشفاء، أما بعد ذلك فإني أمسح على مكان الألم عدة مرات ، وأدعو حتى يخف الألم ، وقد يرتفع ! تلك هي الرحمة الرحمانية تصل بواسطة الإمام الرضا(ع)الى المأمون وهذه الرحمة الرحيمية تصل الى هذا الولي الشيخ حبيب الله(ره)، فبدون أن يتكلم الإمام(ع)يعطيه طاقة ورد ، وبمجرد أن يأخذها يحدث انقلاب في يده! إنه الإكسير الأعظم ، لو تركوه يمس العالم ، لانقلب الى عالم أعلى ! إلهي بكرامة الإمام الرضا عندك، أعف عن تقصيرنا وقصورن اللهم صل وسلم على وليك علي بن موسى الرضا عدد ما في علمك ، صلاةً دائمةً بدوام ملكك التعليقات (1) في الكافي:1/198: (عن عبدالعزيز بن مسلم قال: كنا مع الرضا(ع)بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا فأداروا أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها ، فدخلت على سيدي(ع)فأعلمته خوض الناس فيه ، فتبسم ثم قال: يا عبد العزيز جهل القوم وخُدعوا عن آرائهم، إن الله عز وجل لم يقبض نبيه(ص)حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شئ ، بين فيه الحلال والحرام ، والحدود والأحكام وجميع مايحتاج إليه الناس كُمَلاً، فقال عز وجل: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَئٍْ (سورة الأنعام: 38) وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره(ص): الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأَسْلامَ دِيناً ( سورة المائدة: 3) وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض(ص)حتى بين لأمته معالم دينهم، وأوضح لهم سبيلهم، وتركهم على قصد سبيل الحق ، وأقام لهم علياً(ع)علماً وإماماً، وما ترك شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا بينه ، فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله ، ومن رد كتاب الله فهو كافر به هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة ، فيجوز فيها اختيارهم؟! إن الإمامة أجل قدراً ، وأعظم شأناً ، وأعلا مكاناً ، وأمنع جانباً ، وأبعد غوراً ، من أن يبلغها الناس بعقولهم ، أو ينالوها بآرائهم ، أو يقيموا إماماً باختيارهم ! إن الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل(ع)بعد النبوة والخلة مرتبةً ثالثة ، وفضيلةً شرفه بها ، وأشاد بها ذكره ، فقال: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ( سورة البقرة: 124) فقال الخليل(ع)سروراً بها: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي؟ قال الله تبارك وتعالى: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة ثم أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (سورة الأنبياء:72- 73) فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً ، حتى ورثها الله تعالى النبي(ص)فقال جل وتعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِين َ( سورة آل عمران: 68 ) فكانت له خاصة فقلدها(ص)علياً(ع)بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله ، فصارت في ذريته الأصفياءالذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالأَيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ (سورة الروم: 56) فهي في ولد علي(ع)خاصة إلى يوم القيامة، إذ لانبيَّ بعد محمد (ص)، فمن أين يختار هؤلاء الجهال ؟! إن الإمامة هي منزلة الأنبياء ، وإرث الأوصياء إن الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول (ص)ومقام أمير المؤمنين ، وميراث الحسن والحسين(ع) إن الإمامة زمام الدين ، ونظام المسلمين ، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين إن الإمامة أسُّ الاسلام النامي ، وفرعه السامي بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد ، وتوفير الفئ والصدقات ، وإمضاء الحدود والأحكام ، ومنع الثغور والأطراف الإمام يحل حلال الله ، ويحرم حرام الله ، ويقيم حدود الله ، ويذب عن دين الله ، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، والحجة البالغة الإمام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم ، وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار الإمام البدر المنير ، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى ، وأجواز البلدان والقفار ، ولجج البحار الإمام الماء العذب على الظمأ ، والدال على الهدى ، والمنجي من الردى الإمام النار على اليفاع ، الحار لمن اصطلى به ، والدليل في المهالك ، من فارقه فهالك ، الإمام السحاب الماطر ، والغيث الهاطل، والشمس المضيئة ، والسماء الظليلة ، والأرض البسيطة ، والعين الغزيرة ، والغدير والروضة الإمام الأنيس الرفيق ، والوالد الشفيق ، والأخ الشقيق ، والأم البرة بالولد الصغير ، ومفزع العباد في الداهية النآد الإمام أمين الله في خلقه ، وحجته على عباده ، وخليفته في بلاده ، والداعي إلى الله ، والذاب عن حرم الله الإمام المطهر من الذنوب ، والمبرأ عن العيوب ، المخصوص بالعلم ، الموسوم بالحلم نظام الدين ، وعز المسلمين ، وغيظ المنافقين ، وبوار الكافرين الإمام واحد دهره ، لا يدانيه أحد ، ول ايعادله عالم ، ول ايوجد منه بدل ، ولا له مثل ولا نظير ، مخصوص بالفضل كله ، من غير طلب منه له ولا اكتساب ، بل اختصاص من المفضل الوهاب فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام ، أو يمكنه اختياره؟!! هيهات هيهات ، ضلت العقول ، وتاهت الحلوم ، وحارت الألباب ، وخسئت العيون ، وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألبَّاء ، وكلَّت الشعراء ، وعجزت الأدباء ، وعييت البلغاء ، عن وصف شأن من شأنه ، أو فضيلة من فضائله ، وأقرت بالعجز والتقصير ! وكيف يوصف بكله ، أو ينعت بكنهه ، أو يفهم شئ من أمره ، أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه ؟ لا كيف ؟ وأنى؟ وهو بحيث النجم من يد المتناولين ، ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا ؟ وأين يوجد مثل هذا؟! أتظنون أن ذلك يوجد في غير آل الرسول محمد(ص)؟! كذبتهم والله أنفسهم، ومنَّتهم الأباطيل! فارتقوْا مرتقىً صعباً دحِضاً، تزلُّ عنه إلى الحضيض أقدامهم ! راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة ، وآراء مضلة ، فلم يزدادوا منه إلا بعداً: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( سورة التوبة: 30) ولقد راموا صعباً ، وقالوا إفكاً ، وضلوا ضلالاً بعيداً ، ووقعوا في الحيرة ، إذ تركوا الإمام عن بصيرة: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (سورة العنكبوت: 38) رغبوا عن اختيار الله واختيار رسول الله(ص)وأهل بيته إلى اختيارهم ، والقرآن يناديهم: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( سورة القصص: 68) وقال عز وجل: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ( سورة الأحزاب: 36) وقال: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌأَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ( سورة القلم: 36-41) وقال عز وجل: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (سورة النساء: 82) ، أم طبع الله على قلوبهم فهم لايفقهون؟! أم قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لايَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (سورة الأنفال:21-23) أم قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (سورة البقرة:93) بل هو فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( الجمعة:4) فكيف لهم باختيار الإمام؟! والإمام عالم لايجهل، وراع لاينكل، معدن القدس والطهارة، والنسك والزهادة، والعلم والعبادة،مخصوصٌ بدعوة الرسول(ص)ونسل المطهرة البتول، لا مغمز فيه في نسب، ولايدانيه ذو حسب ، في البيت من قريش ( في تحف العقول: فالبيت من قريش) والذروة من هاشم ، والعترة من الرسول(ص)والرضا من الله عز وجل ، شرف الأشراف، والفرع من عبد مناف، نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة ، قائم بأمر الله عز وجل ، ناصح لعباد الله ، حافظ لدين الله إن الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم ، فيكون علمهم فوق علم أهل الزمان ، في قوله تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (يونس:35) ، وقوله تبارك وتعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (البقرة:269) ، وقوله في طالوت:(إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:247)، وقال لنبيه(ص): وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (النساء:113) وقال في الأئمة من أهل بيت نبيه وعترته وذريته صلوات الله عليهم: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (النساء:54- 55) وإن العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده ، شرح صدره لذلك ، وأودع قلبه ينابيع الحكمة ، وألهمه العلم إلهاماً ، فلم يعيَ بعده بجواب ، ولا يحيد فيه عن الصواب ، فهو معصومٌ مؤيد ، موفقٌ مسدد ، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار ، يخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده ، وشاهده على خلقه، وذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (الحديد:21) فهل يقدرون على مثل هذا فيختارونه، أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدمونه؟!تعدوا - وبيت الله- الحق، ونبذوا كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (البقرة:101) وفي كتاب الله الهدى والشفاء ، فنبذوه واتبعوا أهواءهم ، فذمهم الله ومقتهم وأتعسهم فقال جل وتعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (القصص:50) وقال: فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (محمد:8) وقال: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (غافر:35) ورواه الصدوق(ره)في عيون أخبار الرضا(ع):2/195، قال: (حدثنا أبو العباس محمد بن إبراهيم بن اسحاق الطالقاني رضي الله عنه قال: حدثنا أبوأحمد القاسم بن محمد بن على الهاروني قال: حدثني أبو حامد عمران بن موسى بن إبراهيم عن الحسن بن القاسم الرقام قال: حدثني القاسم بن مسلم عن أخيه عبد العزيز بن مسلم قال: كنا في أيام علي بن موسى الرضا(ع)بمرو فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم الجمعه في بدء مقدمنا، فأدار الناس أمر الإمامة، وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيدي ومولاي الرضا (ع)فأعلمته ما خاض الناس فيه ...الحديث ) وروى في الكافي:1/203، خطبةً عظيمة للإمام الصادق(ع)في موسم الحج في حياة أبيه الإمام الباقر(ع)بين فيها مكانة الأئمة(ع)ويعرف الإمام للأمة، يناسب أن نوردها هنا، قال الكليني&: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن غالب، عن أبي عبد الله(ع)في خطبة له يذكر فيها حال الأئمة (ع)وصفاتهم: إن الله عز وجل أوضح بأئمة الهدى من أهل بيت نبينا(ص)عن دينه ، وأبلج بهم عن سبيل منهاجه، وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه ، فمن عرف من أمة محمد(ص)واجب حق إمامه، وجد طعم حلاوة إيمانه ، وعلم فضل طلاوة إسلامه ، لأن الله تبارك وتعالى نصب الإمام علماً لخلقه ، وجعله حجةً على أهل مواده وعالمه ، وألبسه الله تاج الوقار ، وغشاه من نور الجبار ، يمد بسبب إلى السماء ، ولاينقطع عنه مواده ، ولاينال ما عند الله إلا بجهة أسبابه ، ولا يقبل الله أعمال العباد إلا بمعرفته ، فهو عالمٌ بما يرد عليه من ملتبسات الدجى، ومعميات السنن، ومشبهات الفتن، فلم يزل الله تبارك وتعالى يختارهم لخلقه من ولد الحسين(ع)من عقب كل إمام ، يصطفيهم لذلك ويجتبيهم ، ويرضى بهم لخلقه ويرتضيهم، كل ما مضى منهم إمام نصب لخلقه من عقبه إماماً ، علماً بيناً ، وهادياً نيراً ، وإماماً قيماً ، وحجةً عالماً ، أئمةً من الله ، يهدون بالحق وبه يعدلون ، حججُ الله ودعاتُه ، ورعاتُه على خلقه، يدين بهديهم العباد، وتستهل بنورهم البلاد، وينمو ببركتهم التلاد ، جعلهم الله حياة للأنام ، ومصابيح للظلام، ومفاتيح للكلام، ودعائم للإسلام ، جرت بذلك فيهم مقادير الله على محتومها فالإمام هو المنتجب المرتضى ، والهادي المنتجى ، والقائم المترجى ، اصطفاه الله بذلك ، واصطنعه على عينه في الذر حين ذرأه ، وفي البرية حين برأه ، ظلاً قبل خلق نسمة عن يمين عرشه، محبواً بالحكمة في علم الغيب عنده اختاره بعلمه، وانتجبه لطهره بقيةً من آدم(ع)، وخيرةً من ذرية نوح، ومصطفىً من آل إبراهيم ، وسلالةً من إسماعيل ، وصفوةً من عترة محمد(ص) لم يزل مرعياً بعين الله ، يحفظه ويكلؤه بستره ، مطروداً عنه حبائل إبليس وجنوده ، مدفوعاً عنه وقوب الغواسق ، ونفوثُ كل فاسق ، مصروفاً عنه قوارف السوء ، مبرءاً من العاهات ، محجوباً عن الآفات ، معصوماً من الزلات ، مصوناً عن الفواحش كلها ، معروفاً بالحلم والبر في يفاعه ، منسوباً إلى العفاف والعلم والفضل عند انتهائه ، مسنداً إليه أمر والده ، صامتاً عن المنطق في حياته ، فإذا انقضت مدة والده ، إلى أن انتهت به مقادير الله إلى مشيئته ، وجاءت الإرادة من الله فيه إلى محبته ، وبلغ منتهى مدة والده(ع)فمضى وصار أمر الله إليه من بعده ، وقلده دينه ، وجعله الحجة على عباده ، وقيِّمه في بلاده ، وأيده بروحه، وآتاه علمه ، وأنبأه فصل بيانه، واستودعه سره ، وانتدبه لعظيم أمره ، وأنبأه فضل بيان علمه ، ونصبه علماً لخلقه ، وجعله حجةً على أهل عالمه ، وضياءً لأهل دينه ، والقيمَ على عباده ، رضي الله به إماماَ لهم ، استودعه سره ، واستحفظه علمه ، واستخبأه حكمته، واسترعاه لدينه ، وانتدبه لعظيم أمره، وأحيا به مناهج سبيله ، وفرائضه وحدوده فقام بالعدل عند تحير أهل الجهل ، وتحير أهل الجدل ، بالنور الساطع ، والشفاء النافع ، بالحق الأبلج ، والبيان اللائح من كل مخرج ، على طريق المنهج ، الذي مضى عليه الصادقون من آبائه(ع) فليس يجهل حق هذا العالم إلا شقي ، ولا يجحده إلا غوي ، ولا يصد عنه إلا جري على الله جل وعلا ) (2) في التفسير الصافي للفيض الكاشاني:1/86: وروي عن الصادق: أن الصورة الإنسانية هي الطريق المستقيم إلى كل خير والجسر الممدود بين الجنة والنار وفي التفسير الصافي:1/92: (وقال الصادق(ع): الصورة الإنسانية هي أكبر حجة الله على خلقه ، وهي الكتاب الذي كتبه الله بيده ) وفي شرح الأسماء الحسنى للسبزواري:1/12: (وعن الصادق(ع)كما في الصافي أو عن أمير المؤمنين علي(ع)على ما قال ابن جمهور&: الصورة الإنسانية هي أكبر حجج الله على خلقه ، وهي الكتاب الذي كتبه بيده ، وهي الهيكل الذي بناه بحكمته ، وهي مجموع صور العالمين ، وهي المختصر من اللوح المحفوظ ، وهي الشاهدة على كل غايب ، وهي الحجة على كل جاحد ، وهي الطريق المستقيم إلى كل خير ، وهي الجسر الممدود بين الجنة والنار ) انتهى (3) رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا(ع):1/241، كما ورد أعلاه وقال(ره)في آخره: والحديث فيه زياده حذفناها ، ولاحول وقوه إلا بالله العلي العظيم" ورواه الطوسي في الغيبة ص74 ، قال: ( وروى محمد بن عبد الله بن الحسن الأفطس قال: كنت عند المأمون يوماًونحن على شراب، حتى إذا أخذ منه الشراب مأخذه صرف ندماءه واحتبسني ، ثم أخرج جواريه ، وضربن وتغنين ، فقال لبعضهن: بالله لما رثيت من بطوس قطنا ، فأنشأت تقول: سقياً لطوس ومن أضحى بها قطنا من عترة المصطفى أبقى لنا حزن أعني أبا حسن المأمـون إن له حقاً على كل من أضحى بها شجن قال محمد بن عبد الله: فجعل يبكي حتى أبكاني ، ثم قال لي: ويلك يا محمد أيلومني أهل بيتي وأهل بيتك أن أنصب أبا الحسن علماً، والله إن وددت لو أخرجت من هذا الأمر ولأجلسته مجلسي غير أنه عوجل ، فلعن الله عبد الله وحمزة ابني الحسن فإنهما قتلاه ثم قال لي: يا محمد بن عبد الله ، والله لأحدثنك بحديث عجيب فاكتمه ، قلت: ما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال: لما حملت زاهرية ببدر أتيته فقلت له: جعلت فداك بلغني أن أبا الحسن موسى بن جعفر، وجعفر بن محمد ، ومحمد بن علي ، وعلي بن الحسين ، والحسين بن علي كانوا يزجرون الطير ولا يخطئون، وأنت وصي القوم ، وعندك علم ما كان عندهم ، وزاهرية حظيتي ومن لا أقدم عليها أحداً من جواريَّ ، وقد حملت غير مرة كل ذلك يسقط ، فهل عندك في ذلك شئ ننتفع به؟ فقال: لا تخش من سقطها ، فستسلم وتلد غلاماً صحيحاً مسلماً أشبه الناس بأمه ، قد زاده الله في خلقه مرتبتين ، في يده اليمنى خنصر وفي رجله اليمنى خنصر فقلت في نفسي هذه والله فرصة إن لم يكن الأمر على ما ذكر خلعته ، فلم أزل أتوقع أمرها حتى أدركها المخاض ، فقلت للقيمة: إذا وضعت فجيئيني بولدها ذكراً كان أو أنثى فما شعرت إلا بالقيمة وقد أتتني بالغلام كما وصفه زائد اليد والرجل ، كأنه كوكب دري ، فأردت أن أخرج من الأمر يومئذ وأسلم ما في يدي إليه ، فلم تطاوعني نفسي لكني دفعت إليه الخاتم فقلت: دبر الأمر فليس عليك مني خلاف، وأنت المقدم ، وبالله أن لو فعل لفعلت ) وفي الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ص486: (415/2- عن عبد الله بن محمد الهاشمي العلوي قال: دخلت علي المأمون فحدثني ملياً ، ثم أخرج من كان عنده لمكاني، فلما خلا المجلس دعا بماء فغلسنا أيدينا ، ثم أتي بطعام فطعمنا ، ثم أمر بستارة فمدت ، ثم أقبل على واحدة من الجواري وقال: يا بنت فلان لمَّا رثيت لنا من بطوس قطنا فأنشأت الجارية تقول شعراً: سقياً لطوس ومن أضحى به قطنا من عترة المصطفى أبقى لنا حزن فبكى المأمون حتى اخضلت لحيته من دموعه ثم قال: يا عبدالله، أيلومني أهل بيتي وأهل بيتك أن أنصب أبا الحسن علماً، فوالله لأحدثنك بحديث فاكتمه علي جئته يوماً فقلت له: جعلت فداك ، آباؤك موسى بن جعفر وجعفر بن محمد ومحمد بن علي وعلي بن الحسين والحسين بن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، كان عندهم علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وأنت وصي القوم ، وعندك علمهم ، وهذه الزاهرية حظيتي ومن لا أقدم عليها أحداً من جواريَّ، وقد حملت غير مرة كل ذلك تسقط، وهي حبلى، أفلا تعلمني شيئاً أعلمها فتعالج به فلعلها تسلم ؟ قال المأمون: فأطرق إطراقة ثم رفع رأسه وقال: لا تخف من إسقاطها ، فإنها ستسلم وتلد لك غلاماً أشبه الناس بأمه، كأن وجهه الكوكب الدري، وقد زاد الله في خلقه مرتين قلت: فما المرتان الزائدتان ؟ قال: فالأولى بيده اليمنى خنصرة زائدة ليست بالمدلاة ، وفي رجله اليسرى خنصرة زائدة ليست بالمدلاة فتعجبت من ذلك، ولم أزل أتوقع من الزاهرية حتى إذا قرب أمرها جاءتني القيمة على الجواري وعلى أمهات الأولاد فقالت يا سيدي ، إن الزاهرية قد دنت ولادتها، فتأذن لي أن أدخل عليها القوابل؟ فأذنت لها في ذلك ثم قلت: إذا وضعت المولود فأتيني به ذكراً كان أو أنثى، فما شعرت إلا وأنا بالقابلة قد أتتني بغلام مدرج في حريرة، فكشفت عن وجهه كأنه الكوكب الدري، أشبه الناس بأمه ، فرددت الغلام على القابلة، وقمت أسعى حافياً ، وكان نزل معي في الدار ، فإذا هو في بيت يصلي ، فلما أحس بي خفف صلاته، فسلمت عليه ، ثم جئت إلى موضع سجوده فقبلته وقلت: يا سيدي أنت الداعي المطاع ، وأنا من رعيتك ، فأخرجت خاتمي وجعلته في أصبعه وقلت: مرني بأمرك أنتهِ إلى ما تأمرني به والله إنه لو فعل لفعلت، ولكن لعن الله حمزة ومحمداً ابني جعفر فإنهما قتلاه ، والله ما فعلت ولا أمرت ولا دسست ، وقد أمرت بقاتليه فقتلا سراً ثم بكى ، وأبكاني ، وكان حمزة ومحمد من بني العباس) ويناسب هنا أن نذكر نماذج من تاريخ المأمون بأقلام محبيه ، لنعرف أنه عفريت داهية ، خبيث الخطط ، مسرفٌ في سفك دماء المسلمين وأموالهم: ففي سير أعلام النبلاء للذهبي:10/284: (ثم في سنة إحدى ومئتين جعل المأمون ولي عهده علياً الرضا ، ولبس الخضرة فسار (المأمون)من مرو إلى سرخس ، فشد قوم على الفضل (وزيره)فقتلوه في حمام في شعبان سنة اثنتين ومئتين عن ستين سنة ، فجعل المأمون لمن جاء بقاتليه عشرة آلاف دينار ، وكانوا أربعة من مماليك المأمون ، فقالوا: أنت أمرتنا بقتله ! فأنكر وضرب أعناقهم ) !! وفي تاريخ الطبري:7/178: (ووافى المأمون في وقت العشاء وذلك في شهر رمضان من سنة 210 فأفطر هو والحسن والعباس، ودينار بن عبد الله قائم على رجله حتى فرغوا من الإفطار وغسلوا أيديهم ، فدعا المأمون بشراب فأتى بجام ذهب ، فصب فيه وشرب ، ومد يده بجام فيه شراب إلى الحسن فتباطأ عنه الحسن ، لأنه لم يكن يشرب قبل ذلك ، فغمز دينار بن عبد الله الحسن فقال له الحسن: يا أمير المؤمنين أشربه بإذنك وأمرك ؟ فقال له المأمون لولا أمري لم أمدد يدي اليك ، فأخذ الجام فشربه فلما كان في الليلة الثانية جمع بين محمد بن الحسن بن سهل والعباسة بنت الفضل ذي الرئاستين، فلما كان في الليلة الثالثة دخل على بوران وعندها حمدونة وأم جعفر وجدتها، فلما جلس المأمون معها نثرت عليها جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب فأمر المأمون أن تجمع وسألها عن عدد ذلك الدر كم هو فقالت ألف حبة وجمع المأمون ذلك الدر في الآنية كما كان فوضع في حجرها وقال هذه نحلتك ، وسلي حوائجك وألبستها أم جعفر البدنة الأموية وابتنى بها في ليلته ، وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون مناً فى تور ذهب وذكر أن المأمون أقام عند الحسن بن سهل سبعة عشر يوماً ، يعد له في كل يوم لجميع من معه جميع ما يحتاج إليه، وأن الحسن خلع على القواد على مراتبهم وحملهم ووصلهم وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم قال وأمر المأمون غسان بن عباد عند منصرفه أن يدفع إلى الحسن عشرة آلاف ألف من مال فارس وأقطعه الصلح، فحملت إليه على المكان وكانت معدة عند غسان بن عباد فجلس الحسن ففرقها في قواده وأصحابه وحشمه وخدمه ، فلما انصرف المأمون شيعه الحسن ثم رجع إلى فم الصلح فذكر عن أحمد بن الحسن بن سهل قال كان أهلنا يتحدثون أن الحسن بن سهل كتب رقاعاً فيها أسماء ضياعه ونثرها على القواد وعلى بني هاشم (أي العباسيين) ، فمن وقعت في يده رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث فتسلمه ثم قال: سألها يوماً المأمون بفم الصلح حيث خرج إلينا عن النفقة على بوران ، وسأل حمدونة بنت غضيض عن مقدار ما أنفقت في ذلك الأمر؟ قال فقالت حمدونة: أنفقت خمسة وعشرين ألف ألف قال فقلت أم جعفر: ما صنعتِ شيئاً ، قد أنفقت ما بين خمسة وثلاثين ألف ألف إلى سبعة وثلاثين ألف ألف درهم) انتهى أقول: (كانت الشاة بثلاثة دراهم) ! وفي ذيل تاريخ بغداد لابن الدمياطي:1/203: (لما بنى المأمون على بوران ، فرش له حصير من ذهب مسقوف، ونثر عليه جواهر، فجعل بياض الدر يشرق على صفرة الذهب وما مسه أحد فوجه الحسن إلى المأمون: هذا نثار يجب أن يلقط ، فقال المأمون لمن حوله من بنات الخلفاء: شرفن أبامحمد، فمدت كل واحدة منهن يدها، فأخذت درة وبقي باقي الدر يلوح على الذهب حصير فقال المأمون: قاتل الله أبا نواس حيث يقول: كأن صغرى وكبرى من فواقعها حصباء در على أرض من الذهب فكيف لو رأى هذا معاينة ! وفي نهاية ابن كثير:10/245: ( ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة فيها في صفر منها أمر الأمين الناس أن لا يتعاملوا بالدراهم والدنانير التي عليها اسم أخيه المأمون، ونهى أن يدعى له على المنابر وأن يدعى له ولولده من بعده وفيها تسمى المأمون بإمام المؤمنين وفي ربيع الآخر فيها عقد الأمين لعلي بن عيسى بن ماهان الأمارة على الجبل وهمذان وأصبهان وقم وتلك البلاد ، وأمره بحرب المأمون ، وجهز معه جيشاً كثيراً ، وأنفق فيهم نفقات عظيمة وأعطاه مائتي ألف دينار ، ولولده خمسين ألف دينار ، وألفي سيف محلى ، وستة آلاف ثوب للخلع ) انتهى (30)مناظرة الإمام الرضا(ع)مع علماء الأديان والمذاهب ( بتاريخ: 10 ذي القعدة 1418ـ 9/3/1998 ـ 18/12/1376 ) يعتبر مجلس المأمون الذي عقده للمناظرة بين الإمام الرضا(ع)وبين علماء الأديان والمذاهب، مجلساً فريداً حيث لم ينعقد مجلس مثله من ظهور الإسلام الى غيبة ولي الأمر أرواحنا فداه ! فلم يحدث أن جمع رئيس أقوى دولة كل القدرات العلمية على وجه الأرض ، وعرضوا قوتهم في مناظرة مع إمام معصوم(ع)! لقد استعمل المأمون كل ما أوتي من دهاء وشيطنة ليحرج الإمام الرضا(ع) ويغلبه ولو واحد من أولئك العلماء فباؤوا جميعاً بالفشل! وقد وررد في الحديث القدسي الذي أهداه جبرئيل(ع)مكتوباً على لوح الى الصديقة الكبرى فاطمة(ع)فيه أسماء الأئمة من ولدها(ع)، ورد وصف المأمون بأنه: عفريت مستكبر ! (الكافي ج1ص527) ، والعفريت أطلق في القرآن في قصة سليمان(ع)على ذلك الجني الذي كان في مقابل وصي سليمان الذي عنده علمٌ من الكتاب: قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ( سورة النمل:38-40) والتعبير عن المأمون بعفريت يدل على أنه جمع القدرة والشيطنة، مع تكبره وتنمرده ! إن ابتلاء كل معصوم بحاكم عصره يتم بقانون للإبتلاء حسب خصائص ذلك العصر والإمام وعلى هذا الإمتحان الرباني يبتني مقام الإمام ودرجته(ع)! كما ورد عن الإمام الصادق(ع)في وصف الإمام الرضا(ع)قولها: (يخرج رجل من ولد ابني موسى اسمه اسم أمير المؤمنين(ع)إلى أرض طوس وهي بخراسان يقتل فيها بالسم فيدفن فيها غريباً من زاره عارفاً بحقه أعطاه الله عز وجل أجر من أنفق من قبل الفتح وقاتل) (من لايحضره الفقيه:2/583، وعيون أخبار الرضا:1/285) وروى حمزة بن حمران قال: (قال أبو عبدالله(ع): يقتل حفدتي بأرض خراسان في مدينة يقال لها طوس، من زاره إليها عارفاً بحقه أخذته بيدي يوم القيامة فأدخلته الجنة، وإن كان من أهل الكبائر قال: قلت جعلت فداك وما عرفان حقه؟ قال: يعلم أنه إمامٌ مفترض الطاعة شهيد من زاره عارفاً بحقه أعطاه الله تعالى أجر سبعين ألف شهيد ممن استشهد بين يدي رسول الله(ص) على حقيقة) (من لايحضره الفقيه :2/584، وعيون أخبار الرضا(ع):1/289 )