تفسير المعرفة وعلاقته بنظرية الكون
أن تفسير المعرفة يرتبط عند فلاسفة المسلمين ارتباطاً وثيقاً بتفسيرهم للوجود اولنظرية الكون . واذا كنا قد رأينا عملهم التوفيقي في تفسير الكون قد انتج مدرستين : مدرسة الفيض , ومدرسة الخلق المستمر لا في زمن , فاننا نجد عملا فلسفيا موازيا بالنسبةلتفسير المعرفة . ويمكننا ان نميز في تفسير المعرفة بين مدرستين كذلك , مدرسة اصحاب الفيض في الوجود وتتسم بصبغة اشراقية في المعرفة , ومدرسة الخلق المستمر , وتتسم بصبغةالاتصال في المعرفة , ذلك ان نظرية الفيض كانت اساساً بنى عليه الفارابي وابن سينا ومن تبعهم اراؤهم . في النفس والعقل ,العقل الفعال والعقل المادي والهيولاني والعقلالمكتسب _ كما كانت كذلك منبعاً لنظرتهم في تفسير المعرفة . بينما كانت نظرية الخلق عند ابن رشد مصدرا كذلك لتفسير المعرفة في شرح اتصال العقل الهيولاني بالعقل الفعالخلافا لأسلافه من فلاسفة المسلمين . ' اذ ان المعرفة تتناسب مع الوجود او هي صورة منه بعبارة ادق ' فكما تصدر الموجودات المختلفة الكثيرة عند الواحد بطريق الفيض فانالمعرفة كذلك تصدر عنه بطريق الاشراق , عند الفارابي وابن سينا . وكما ' ترتبط جميع الموجودات على نحو ما بالموجود الاول , فان الوجود العقلي للموجودات , هو الذي يربط بينهابرباط يجعلها على هيئة كائنات متدرجة في كمالها , حتى ينتهي هذا التدرج الصاعد الى الموجود المطلق ' وهذا ما عرف بنظرية الاتصال عند ابن رشد . وفلاسفة المسلمين مسبوقونفي تفسير المعرفة تبعا لتفسير الكون , بالقطبيين الرئيسيين لكل توفيق بين المذاهب الفلسفية : قطب الافلاطونية التي عرفت بالفيض , وقطب الارسطوطاليسية الذي يرد الوجود الىالواقع الطبيعي , وما تبع هاتين المدرستين من شروح وتوفيق , ولعل اظهر مدرسة سارت على التوفيق هي الأفلاطونية الحديثة التي مالت الى الفيض بل وزادت عليه .
وفكرة الفيضعند افلاطون وأفلوطين تعتبر مصدرا رئيسيا للمعرفة الاشراقية ذلك ان النفس التي تمثل مرتكزاً اساسيا في الكون والمعرفة , تمثل عندهما نقطة اتصال بين عالم المثل اوالمعاني الكلية الدائمة الثابتة التي هبطت منه وبين عالم الحس او الجسد , لذي حلت النفس فيه وتحاول الخلاص منه , أذ انها جوهر روحاني, من طبيعة عالم المثل , ولقد لحقهاالتشويه بسبب اتصالها بالبدن , ومن ثم فلابد لها من التطهر حتى تترقى وتعود الى طبيعتها غير متلبسة بالمادة , او حالة فيها . وهذا التطهر للنفس لا يكون بغير الفيض الذي يغمرالنفس دفعة واحدة فتشرق عليها المعرفة الحقة وتسمو بها . وقد تسربت هذه الفكرة الاشراقية الى فلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا وكانت موجهة لهم تماما في نظرية المعرفةالاشراقية .
كما ان امكان المعرفة اصلا مرتبط بفكرة خلود النفس عند افلاطون, ذلك لأن المعرفة لا يمكن تفسيرها -عنده- الا اذا تأملت النفس المثال في حياة سابقة على الجسد. فادراكنا للمحسسوسات لابد وان تسبقه معرفة عقلية موجودة فينا منذ ميلادنا وهو علم خالص يكون تذكره اساس نمونا كله . وعلى هذا النحو فالمعرفة التي لدينا عن الاشياء تفترضان حياة النفس الحاضرة ليست حياتها بأكملها قط , كما تفترض وجود المثل . لقد وجدت النفس قبل دخولها الى حياة الجسد واذن فليس مصيرها مرتبطاً قط بمصير جسدها , وفضلا عن ذلكيمكننا ان نكون على يقين بأنها ستوجد من جديد بعد هذه الحياة الارضية طليقة من الجسد , ونتيجة هذا كله ليست المعرفة ممكنة الا اذا كانت النفس خالدة ' .
ومن ثم فأنالمعرفة الحقيقة عند افلاطون هي معرفة النفس بالتأمل العقلي الخالص لعالم المثل . والبدن يعيق النفس عن المعرفة ويشوشها , ذلك ان البدن مبدأ الشهوات ولا بد للنفس منالتخلص من هذا البدن ومن شهواته وان تحل الروابط التي تربطها به . وتتحرر لتبلغ معرفة المثال بعودتها الى طبيعتها الحقة , ' فالنفس لا تعرف ابدا ما تعرف الا حين تفكر منتلقاء ذاتها خالصة من كل تماس بالبدن ' .
وتأتي الافلاطونية الحديثة لتركز كذلك على اشراقية المعرفة لدى النفس وان كانت تقسم ادراكات النفس الى ثلاث درجات : الاحساسوالنظر والوجد .
فالاحساس : درجة دنيا من المعرفة يقول عنه افلوطين : انه كالرسول الذي يأتي من العقل لايقاظ النفس . والاحساس له قيمة اذ هو صورة للمعقول ويدرك الصوركما هي مفصلة بالاستعانة بالنظر الا انه لا يرتفع بالاحساس الى درجة اليقين او الى درجة المصدر الذي يجب ان تبدأ منه المعرفة , ذلك لان الانسان لا يستطيع ان يتعلقبالمحسوس ما دام المحسوس مصدر التغير والكثرة والتعدد .
أما درجة النظر : فهي درجة اعلى من درجة الاحساس , يرتب فيها الانسان بين التصورات , ويربط بينها من اجل البرهانوهنا توجد ثنائية قلئمة بين الذات العارفة والموضوع المعروف ولابد من التخلص من هذه الثنائية بالدرجة الثالثة وهي درجة الوجد .
درجة الوجد : يرتفع في هذه الدرجةللتعارض بين الذات العارفة والموضوع المعروف لأن كل معرفة تقوم على اساس ادراك الذات لوجود خارجي مقابلها , ومن ثم لا ننظر الى المعرفة على انها تحصيل او كسب او ملك وانمانحسبها فقط وجودا او اتحادا او هوية , حيث تعود النفس لوحدة المطلقة او الاتحاد بالله , وفي هذه الحالة يسقد كل شئ من الموجودات وتفنى النفس للوحدة المطلقة او الاتحادبالله وفي هذه الحالة يسقد كل شئ من الموجودات وتفنى النفس وتمحى الاثار الخارجية وتحصل الوحدة وتصبح الذات العارفة هي الموضوع المعروف والموضوع هو الذات وتزول التفرقةبين العاقل والمعقول .
وقد سار فلاسفة الفيض المسلمين على هدى هذه الفلسفة الاشراقية , فوحدوا بين فعل المعرفة وفعل الايجاد الى الفيض كما ردوا المعرفة الى الاشراق .
ولئن اتجه الفارابي وابن سينا اكثر ما يكون الاتجاه الى الافلاطونية والافلاطوينة الحديثة فأن ابن رشد قد اتجه بصورة اكبر بل حتى وبصورة كلية الى أرسطو اذ اخذ مبادئهفي تفسير عملية الخلق , كما اخذ رأيه في تفسير المعرفة , بل وزاد وضوحا عن مذهب ارسطو , ان لم نقل حل ما جعله ارسطو معضلا .
اتجه ارسطو بالنفس اتجاها واقعيا بعيدا عنالمثالية الافلاطونية واهتم بدراسة الوظائف النفسية دراسة تكاد تكون علمية , اذ عنى عناية كبيرة بدارسة الاحساسات المختلفة , وكيفية حدوثها بسبب وجود بعض المؤثراتالخارجية , كما بذل جهدا كبيرا لبيان طبيعة كل حس من الاحساسات الظاهرة والباطنة .
وذهب الى انه لا وساطة بين الله والنفس وأن النفس مسؤولة عن وحدة الجسم واتساق وظائفه. ومن ثم فلا وساطة بين العالم المحسوس والعالم المعقول . والعقل عنده قوة صرفة يستطيع ان يتعقل لموضوع كما هو اي تتحقق الصورة المعقولة فيه . وهو ليس نوعا من الحس , اي ليسقوة جسمية وان كان يدرك الجسيمات وهو يختلف عن لحس لأن الحس يدرك الجزيئات بأعراضها , والعقل يدرك الماهيات بانعكاسه على الحس . والمعقولات موجودة بالقوة في الصورالمحسوسة سواء المجردات الرياضية او الكيفيات الجسمية .
وهذا يجعل عملية الفهم او العلم قائمة على كل من الحس والعقل , وهذا ابراز لدور الحواس في المعرفة , اذ انه لايمكن التعلم او الفهم من غير الاحساس , فان المحروم حاسة محروم من المعارف المتعلقة بها .
وتفسير المعرفة عنده هو اخراج ما بالقوة الى ما بالفعل ذلك انه لابد للعقل وهوبالقوة من شئ هو بالفعل يستخلص المعقولات من الماديات ويطبع بها العقل فيخرجه من القوة الى الفعل اي ' يجب ان يكون في النفس تمييز يقابل التمييز العام بين المادة وبينالعلة الفاعلية التي تحدث الصورة في المادة , وفي الواقع نجد في النفس من جهة واحدة العقل المماثل للمادة من حيث انه يصير جميع المعقولات . ومن جهة اخرى العقل المماثلللعلة الفاعلية لأنه يحدثها جميعا . وهو بالاضافة الى المعقول كالضوء بالاضافة الى الالوان بالقوة في الظلمة الى الوان بالفعل .
ب- الكندي وتفسير المعرفة
انالكندي وان ابتدأت فلسفة المسلمين تتخذ طابعها العقلي , عنده سواء في الوجود او المعرفة الا ان نظريتي الفيض والخلق المستمر لا في زمن , لم تظهرا عنده بوضوح بل انه فيحديثه عن هاتين المسألتين كان ما زال قريبا من التصور القراني اذ وصف عملية الخلق والابداع بأنها ' اظهار الشئ عن ليس ' اي اخراج الشئ الى الوجود من العدم كما عرف النفستعريفا اخر بالاضافة الى تعريف ارسطو الذي اشتهر بعد ذلك عند فلاسفة المسلمين , عرفها بانها جوهر عقلي متحرك من ذاته بعدد مؤلف , وهو بهذا يقرر روحية النفس ويصرح بخلودهاولا يتعرض لمسألة وجودها قبل البدن او معه , ولكنه يؤكد ان علاقتها بالبدن علاقة عارضة مع انها لا تفعل الا به متحدة به رغم انها تبقى بعد فنائه . وحقيقة الامر اننا مهماحاولنا ابعاد الكندي عن نظرية الفيض والاشراق بصورة تفصيلية , الا اننا نجد شرحه للوجود والمعرفة كان متأثرا الى حد ما بالفلسفة اليوناينة , موفقا بينها وبين الدين , وهويفرق بين نوعين للوجود , وجود الواجب ووجود الممكن . ومن ثم يجعل المعرفة لهذا الواجب هي المعرفة اليقينية كما يجعل هذا الواجب وه وموضوع المعرفة . ويجعل العقل طريقالمعرفة الواجب اليقينية ويجعل الحواس طريقا لمعرفة العالم المحسوس المتغير ومن ثم فهي لا تتصف بالثبات واليقين بل بالظن , ولكن فكرة العقول العشرة وفيضها واشراقها بصورةتبدو فيها الروح الافلاطونية , لم تتضح تماما الا بعد الكندي وعلى وجه الخصوص عند الفارابي وابن سينا , اذ جعلا العقول العشرة اساسا لتفسير نظرية الخلق ونظرية المعرفة . أاما الكندي بعد ان جعل الخلق اظهارا لوجود الشئ بعد عدم , جاء ففسر المعرفة على اساس ما أعطى الانسان من استعداد وطرق لها بعضها ظاهرة هي الحواس والعقل والبعض الاخرداخلية هي القلب .ومن ثم فالمعرفة عنده لا تحصل بطريق الاشراق المعرفي وانما تحصل بثلاث طرق : أولها : الحواس
وهي موجودة في الانسان منذ ان خلقه الله والانسانيباشر حواسه في وجوده مباشرة قريبة جدا منه ومن ثم فهي مرحلة وجود انساني اولى . والمحسوسات لها وجود خارجي عنده منفصل عن الذات العارفة اذ يقول : ' فالمحسوس ابدا جرم 'ويجعل في النفس الانسانية بالاضافة الى الحواس ما يطلق عليه القوة الحساسة وهي تلك التي تشعر بالتغيير الحادث في كل واحد من الاشياء في الخارج العيني . واعتراف الكنديبالوجود الخارجي على هذه الصورة يجعله مخالفا لأرسطو الذي جعل الاسبقية للوجود المنطقي بينما جعلها الكندي - بدافعه الديني - اسبقية في الزمن . واذا كان الحس يؤكد الوجودالخارجي عند الكندي فانه بحاجة الى ان يعمل مع العقل الذي هو الطريق الثاني للمعرفة .
ثانيهما : العقل
وهو مباين للحس والوجود الخارجي يحتاج العقل لاعمال الفكرفيه ومواصلة معرفته بعد الحواس لتبين حقيقته وكشف قوانينه ويوجد في هذا العقل الاوائل العقلية المعقولة اضطرارا . وحقيقة الامر ان العقل والحس يعملان معا في المعرفةعنده . يقول الكندي : ' .... والاشخاص الجزية الهيولانية واقعة تحت الحواس واما الاجناس والانواع فغير واقعة تحت الحواس ولا موجودة وجودا حسيا بل تحت قوة من قوى النفس التامةاعني الانسانية هي المسماة العقل الانساني ' .
ثالثهما : القلب
وهو طريق للايمان عنده يعمل فوق حدود العقل والحس من الغيبيات وان كان لا يتعارض مع العقل الا ناهيتجاوزه فيما يعجز عنه هذا العقل . فالعقل يثبت الغيبيات والقلب يؤمن بما جاء به الرسول ويؤمن بالنبوة على هذا الاساس دونما اشراق . ج - تفسير المعرفة لدى المدرسةالاشراقية
اتضحت النظرة الاشراقية للمعرفة عند الفارابي وابن سينا بصورة كبيرة , حتى اصبحت عندهما مرجعا لكل من جاء من الاشراقيين بعد ذلك . والمعرفة الاشراقيةلا ترفض الحس والعقل طريقا للمعرفة , ولكنها تجعل العقل مصدرا للمعرفة بالاضافة الى كونه طريقا . اذ هي تبني الموجود والمعرفة على اساس عقلي . وترد كليهما الى العقل الفعالواهب الصورة والمعرفة ذلك ان ما في العقل من صور عقلية انما يعود الى فيض العقل الفعال ز والعقل الانساني وان كان يعرف الواقع المحسوس عن طريق الحواس انما يقوم بذلكويترقى من كونه عقى هيولانيا او بالقوة الى عقل مكتسب او بالفعل , ويقوم بعملية تجريد وانتزاع للصور العقلية بابعاد ما يلابسها من المادة حتى يصل الى درجة العقل المستفادالذي تكون الصور العقلية فيه مجردة وتأخذ قيمتها المعرفية من عقل مجرد مفارق و هو العقل الفعال , او عقل الفلك العاشر اي القمر .
ويشرح الفارابي فكرة الوسائط فيالمعرفة كما كانت الوسائط في عملية الكون او الخلق فيقول : ' قد يظن ان العقل تحصل فيه صورة الاشياء عند مباشرة الحس للمحسوسات بلا توسط ليس الامر كذلك , ان بينهما وسائطوهو ان الحس يباشر المحسوسات فتحصل صورها فيه . ويؤديها الى الحس المشترك حتى تحصل فيه , فيؤدي الحس المشترك تلك الصور الى التخيل والتخيل الى قوة التمييز ليعمل التمييزفيها تهذيبا وتنقيحا ويؤديها منقحةالى العقل , فمبدأ معرفة الاشياء هو الحس الا ان المعقول من الشئ ووجود مجرد , وهذا الوجود لا يدرك بالحس بل يدرك بالعقل ' .
فالنفسبترقيها من الحس الى الخيال انما تستعد بعملية تطهير او تجريد او انتزاع او كما تسمى شجارا حتى تصل الى مرتبة تستعد فيها لقبول المعاني التي تفيض عليها مع العقل الفعالعلى هيئة الاشراق . فعملية التجريد والانتزاع هنا ليست العملية الوحيدة في المعرفة كما عند أرسطو وانما هي تمهيد نحة قبول ما يشرق بع العقل الفعال على العقل الانساني فيدرجة المستفاد من معان او صور عقلية .
والمعرفة عند الفارابي قد تكون بالحس والتخيل وبالقوة الناطقة او بالعقل . لكن مرد ذلم كله سواء أكانت الماديات ام المتخيلات امالمعقولات الى العقل الفعال .
ومن الواضح جدا ان الفارابي قد أرجح المبادئ الاولية للمعرفة او الاولويات الى فيض العقل الفعال , بعملية صعود بين قوى النفس او العقل ,وتدرج حتى تكون مستعدة لهذا الاشراق . ومن ثم فالسعادة عنده ' هي انتصير نفس الانسان من الكمال في الوجود الى حيث لا تحتاج في قوامها الى مادة , وذلك ان تصير في جملة الاشياءالبريئة عن الاجسام , في جملة الجواهر المفارقة للمواد , وان تبقى على تلك الحال دائما ابدا الا ان رتبتها تكون دون رتبة العقل الفعال , وأنما تبلغ ذلك بأفعال ما أردايةبعضها افعال فكرية وبعضها افعال بدنية ' .
ويوجد تقابل تام بين مراتب المعقولات ومراتب الموجودات , ذلك أن الادنى من الموجودات ينزع به الشوق الى ما فوقه والاعلى منهايرفع الادنى اليه , وكذلك العقل الانساني فهو ينزع الى العقل الفعال , كما ان العقل الفعال يهب الصور لجميع الموجودات الجسمانية ويفيضها على العقل المستفاد , فلا غرو اذاجاءت المعرفة العقلية مطابقة لموضوعها الخارجي , لأ ن العقل الفعال يجمع في ذاته كل الصور فيرسلها الى عالم الحس ليكسو بها المادة , كما يرسلها الى العقل الانساني ليولدفيه المعرفة . وبين الصور التي في العقل الانساني والصور التي في عالم الحس مطابقة تامة تجعل المعرفة يقينية . مرد هذه المطابقة الى صدور جميع الصور الحسية والعقلية عنالعقل الفعال , وغاية العقل الانساني ان يتصل بهذا العقل المفارق ويتشبه به , ومعنى ذلك ان المعرفة اليقينية لا تحصل الا بفيض من العقل الفعال , الذي هو واهب المعرفة وواهبالصور , ومن اجل هذا الاتصال بالعقل الفعال يقوم العقل بالتخلص والتجرد من المادة والتكثر والتجزؤ وبالوعدة الى وحدته وكليته , فتعود بذلك للمعرفة وحدتها وكليتها , وبقدرما ينجح العقل في هذا التوحيد يحصل له الكمال الذي يستتبع قربه من العقول المجردة .
ويحذو ابن سينا حذو الفارابي في تفسيره للمعرفة تفسيرا اشراقيا , بل ويزيد هذاالتفسير شروحا وتأكيدا . وهو يعترف بالحس طريقا للمعرفة , تصل النفس به الى المحسوسات لتأخذ عنها صورها . وذل بتشبهها بالمحسوس وهذا وهو الادراك الحسي عنده , وهو يعرفالادراك بأنه ' أخذ صورة المدرك , فان كان المادي فهو اخذ صورة مجردة عن المادة فقط تجريدا ما لأن اصناف التجريد مختلفة ومراتبها متفاوتة ' .
ومن ثم فليست المعرفة تذكرا,وانما هي انتزاع لصورة المدرك بطريق التجريد ولكن الادراك الحسي لا يكفي في المعرفة لانه لا يجرد الصورة عن كل لواحق المادة , او كما يقول ابن سينا : ' فالحس يأخذ الصورة عنالمادة مع هذه اللواحق , ومع وقوع نسبة بينها وبين المادة , واذا زالت تلك النسبة بطل ذلك الاخذ , وذلك لانه لا ينزع الصورة عن المادة مجردة من جميع لواحقها ولا يمكنه انيستثبت تلك الصورة وان غابت المادة فيكون كأنه لم ينزع الصورة عن المادة نزعا محكما , بل يحتاج الى وجود المادة ايضا في ان تكون تلك الصورة موجودة له ' . ومن ثم فلابد انتأتي مراحل اخرى تابعة للادراك الحسي وذلك بان تتجمع هذه الصورة في الحس المشترك ثم تذهب الى المخيلة , والخيال يبرئ الصورة المنزوعة عن المادة بحيث لا يحتاج في وجودهافيه الى وجود مادة . لأن المادة وان غابت او بطلت , فان الصورة تكون ثابتة الوجود في الخيال ... فانه - الخيال - قد جردها عن المادة تجريدا تاما ولكنه لم يجردها عن لواحقالمادة , لان الصورة في الخيال هي على حسب الصور المحسوسة وعلى تقدير ما وتكييف ما ووضوع ما ' .
ثم تأتي مرحلة الوهم , فتكون الصورة قد اقتربت كثيرا من حدود المعقول ,ولكنها تظل بطابعها الجزئي متعلقة بصور المحسوسات يقول ابن سينا : ' واما الوهم فانه قد تعرى قليلا عن هذه المرتبة في التجريد , لأنه ينال المعاني التي ليست هي في ذواتهامادية ' ولكن هذه الصورة قبل انتتخطى مرحلة الاحساس , بما حصل لها من عملية انتزاع وتجريد تتلقى نوعا من الاشراق من مصدر عقلي , يقول : ' اما الخير والشر الموافق والمخالف ,وما اشبه ذلك فهي امور في نفسها غير مادية وقد يعرض لها ان تكون في مادة ' وبعد ذلك تبدأ مرحلة الادراك العقلي وهي كذلك مرحلة متدرجة بحسب اقسام العقل ,وعمليات الانتقال منحالة الى اخرى انما يكون بما يهبه العقل الفعال من اخراجه لما هو بالقوة الى ما هو بالفعل . اي ان فعل التعقل يكون بسند خارج عن العقل الانساني هو العقل الفعال واهب الصور .
والنفس في سبيل الوصول الى اتصال بالعقل الفعال , انما تقوم بعملية تطهر تعود بها الى طبيعتها الروحية او الى جوهريتها العقلية , حيث ان كمال الجوهر العاقل : ان تتمثلفيه جلية الحق الاول قدر ما يمكنه ان ينال منه ببهائه الذي يخصه ثم يتمثل فيه الوجود كله على ما هو عليه مجردا عن الشوب مبتدأ فيه بعد الحق الاول , بالجواهر العقليةالعالية , ثم الروحانية السماوية والاجرام السماوية ثم ما بعد ذلك , تمثلا لا يمايز الذات فهذا هو الكمال الذي يصير به الجوهر العقلي بالفعل ' .
ويزيد ابن سينا المعرفةالاشراقية تفصيلا حتى يظن به انه متصوف يتحدث بلهجة الصوفية , وليس الامر كذلك بل ان العبارة الصوفية التي تلمح عنده , ليست الا تعبيرا عن التعليل العقلي للوجود , والتفسيرالاشراقي للمعرفة , وليست تلك الصوفية العملية القائمة على تزكية الروح بالعبادرت والرياضات الجسمية , وانما هي صوفية عقلية , او اشراقية طريقها التفكير العقلي اوالرياضة العقلية .ذلك ان طبيعة الوجود - في نظره - في أكمل صورتها عقلية مجردة وطبيعة المعرفة في اكمل صورتها لذة عقلية باتصال العقل الانساني بالعقل الفعال , بطريق التطهرمن أدران المادة وكدورات الحواس والتجوهر بالتجرد عن كل ملا يلابس النفس حتى تعود الى عالم القدس .
وقد وضح ابن سينا هذا النوع من التصوف المعرفي - الاشراقي - الذيأراده , بانه ليس تصوف التقرب بالاعمال , فميز بين كل من العابد والزاهد والعارف , فقال : ' المعرض عن متاع الدنيا وطيباتها يخص باسم الزاهد , والمواظب على فعل العبادات منالقيام والصيام ونحوهما يخص باسم العابد والمنصرف بفكره الى قدس الجبروت مستديما لشروق نور الحق في سره يخصباسم العارف ' والعارف عنده اعلى هذه المراتب ويمر فيها ولكنالزهد والعبادة عنده غيرها عند غير العارف , ذلك ' ان الزهد عند غير العارف معاملة ما , كأنه يشتري ويبيع متاع الدنيا ومتاع الاخرة , وعند العارف تنزه ما عما يشغل سره عنالحق وتكبر على كل شئ غير الحق . والعبادة عند غير العارف معاملة ما , كأنه يعمل في الدنيا لأجرة يأخذها في الاخرة هي الاجر والثواب , وعند العارف رياضة ما لهممه وقوى نفسهالمتوهمة والمتخيلة ليجرها بالتعويد عن جانب الغرور الى جانب الحق , فتصير مسالمة للسر الباطن , حينما يستجلي الحق لا تنازعه فيخلص السر الى الشروق الساطع ويصير ذلك ملكةمستقرة كلما شاء السر اطلع الى نور الحق , غير مزاحم من الهمم , بل مع تشييع منها له فيكون بكليته منخرطا في سلك القدس ' .
ويتحدث عن المراحل التي يمر فيها المريد من اجلالوصول فيقول : ' اول درجات حركات العارفين ما يسمونه بالارادة وهو ما يعتري المستبصر باليقين البرهاني او الساكن النفس الى العقد الايماني , من الرغبة في اعتلاق العروةالوثقى فيتحرك سيره الى القدس لينال من روح الاتصال فما دامت درجته هذه فهو مريد ثم انه ليحتاج الى الرياضة .
د - تفسير المعرفة لدى مدرسة الاتصال
يعترف ابن رشدكسائر فلاسفة المسلمين بالووجود الحسي والعقلي , وان المحسوس او الواقع مصدر للمعرفة . وان الحس والعقل كلاهما يشاركان في عملية المعرفة . وتفسير المعرفة من جهةالمحسوس مبتدئة من الحواس الى المخيلة الى العقل في مراحل ومراتب من التجريد والانتزاع , وكل مرتبة اعلى فهي اعلى واشرف في الوجود والمعرفة . ولا خلاف لابن رشد مع سابقيهمن فلاسفة المسلمين في مسألة الانتزاع والتجريد من حيث هي عملية تنتقل بها الصورة من المحسوس الى المعقول , ذلك لانهم جميعا اخذوا هذه الفكرة من أرسطو , ولكن الخلاف بينهوبين مدرسة الاشراق السابقة له , في مصدر الصور العقلية وطريق حصول العقل الانساني عليها فبينما كان مصدر هذه الصور عقلاً مفارقا خارجا عن النفس الانسانية , وبطريق الجذبوالاشراق او الفيض من هذا العقل المفارق على العقل الانساني عند مدرسة الاشراق , فأن هذا المصدر عند ابن رشد قائم في العقل الانساني نفسه من جهة ما هو هيولاني مستعد , ومنجهة ما هو فعال ينقل العقل الهيولاني من القوة الى الفعل بعد عملية التجريد وبطريق اتصال العقل الهيولاني الانساني بالعقل الفعال الذي هو مظهر من مظاهر النفس الاننسانيةوليس خارجا عنها ولا مفارقا لها . وبعبارة اخرى ان نظرية الاتصال بالعقل الفعال طريقا لتفسير المعرفة عند ابن رشد , ليست في حقيقة الامر الا ' نظرية تجريد المعاني الكليةالتي تنتهي بانتقال العقل المادي من القوة الى الفعل , والا نظرية مثالية في الحدس العقلي الذي تستطيع النفس الوصول اليه عندما تعلم انها ذات مستقلة عن البدن وفي هذهالمرحلة الاخيرة , تعرف النفس ذاتها على انها صورة مفارقة , اي ذات قائمة بنفسها تحدد للجسم كيانه ووجوده .
ونظرية الاتصال في المعرفة ترد المعرقة الى الانسان او الىوحدة العقل الانساني الذي هو في احد مظهريه فعال . وتقيم بناءها على امكان معرفة الانسان لذاته . بما فيه من عقل فعال هو من طبيعة عقليه تشبه عقول الافلاك او مبادئها ,تلكالتي تعقل ذاتها .
وابن رشد في نظرية الاتصال اكثر واقعية من سابقيه من اصحاب نظرية الاشراق وان كان الواقع معتبرا لدى الجميع , ذلك لان ارجاع المعرفة الى وحدة العقلالانساني , والانسان من هذا الواقع عند ابن رشد , اكثر تعبيرا عن الواقع من رد هذه المعرفة الى جوهر مفارق كما في اصحاب مدرسة الاشراق , وان كانت هذه الواقعية قد جعلت ابنرشد يقول بأزلية او خلود العقل الانساني بمظهريه الهيولاني والفعال .
وابن رشد يجعل الانسان اقرب الموجودات الى العقول والافلاك , بل يجعله ' الواصلة التي اتصل بهاالوجود لمحسوس بالوجود المعقول ' ومن هنا كان الانسان محورا لعملية المعرفة وهو بهذا يعطي الوجود الانساني اهمية اكبر في العالم من النظرة الاشراقية السابقة . ولعله كانمدفوعا هنا بدافعين : دافع ديني يجعل الانسان محود عمارة الكون والاستخلاف فيه , ودافع انتصار للاتجاه الارسطي الذي قدس العقل الانساني . فرد وجود الماهيات الى الوجودالعقلي القائم في الواقع معترضا على الاتجاه الافلاطوني الذي كان يرى مفارقة الصور او المهايا لتكون في عالم المثل , ولعل اعتزاز ابن رشد بالنشاط العقلي الانساني دفعهالى التركيز اكثر من سابقيه على محاولة اثبات الاتصال بين الحكمة والشريعة من اجل اثبات وحدة الحقيقة على اساس عقلي . وقد كان يدافع بذلك على الطريقة العقلية التي يوحيبها القران فمثلا دافع عن البرهان العقلي على وجود الله في وجه التقليد , كمن انتقد ادلة المتكلمين التي تركز على ظاهرة الحدوث كدليل على ووجود الله وارتضى بدلا منها دليلالاختراع ودليل العناية الذين هما دليلان برهانيان - في نظره - لا يتزعزعان وينفعان لكل طبقات الناس , سواءا اكانوا جمهورا اهل جدل ام خاصة اهل برهان .
ومن مظاهر هذهالواقعية لدى ابن رشد , انه كان يجعل كسب المعقولات متوقفا على التجربة ذلك انه اذا تأملنا حصول المعقولات لنا وبخاصة المعقولات التي تلتئم فيها المقدمات التجريبية ظهراننا مضطرون في حصولها لنا ان نحس اولا ثم نتخيل وحينئذ ويمكننا اخذ الكلى , ولذلك فان من فاتته حاسة من الحواس فاته معقول ما , فأن الاعمى لا يعقل الالوان ولا يدركها . وأيضا فان من لم يحس اشخاص نوعا ما لم يكن عنده معقوله وليس هذا فقط , بل يحتاج مع هاتين لقوتين الى قوة الحفظ , وتكرر ذلك الاحساس مرة بعد اخرى حتى ينقدح لنا الكلى , ولهذاصارت هذه المعقولات انما تحصل لنا من زمان . وهو بهذا يأخذ طريقا غير طريق الاشراقيين وغير طريق المتصوفة في تفسير المعرفة .
والنفس عدن ابن رشد في تدرج وظائفهاالعقلية تنتهي الى الاتصال , ' وهي اذا ادركت معاني الاشياء المادية استطاعت ادراك ذاتها في اخر الامر , وانما كان ذلك امرا مستطاعا لأنها كائن مستقل على الرغم من وجود بعضالصلات بينها وبين الجسد واذا ادركت النفس ذاتها لم يعد ثمة مجال للتفرقة بين المدرك والمدرك اي بين العقل والمعقول وذلك لانه لا يمكن التمييز حينئذ بين مظهرين مختلفين ,احدهما بالقوة الاخر بالفعل ' .
وهي مع هذا التدرج واحده لانها تسمى عقلا فعالا , اذا نظرنا اليها على اعتبار انها الجوهر الروحي الذي يصنع المعقولات او المعاني , وتسمىعقلا ماديا حين تقبل المعاني التي تجردها من الامثلة الحسية الخارجة عنها .
وفكرة خلود العقل عند ابن رشد ينسجم معها رأيه في امكان ادراك الخالد اذ ليس من المستحيل أنيدرك الخالد ذاته وغيره من الاشياء الخالدة ومن ثم فهي اساس الحدس العقلي او الادراك الذاتي عنده .
كما ان هناك نوعا من التوازي بين تدرج الوظائف النفسية من جهةالوجود , ومن جهة المعرفة , فهناك وجود يكمل شيئا فشيئا وهناك معرفة تسمو هي الاخرى شيئا فشيئا وكل مرتبة في الوجود تقابلها مرتبة في المعرفة وقد شرح هذه النظرية فيمايتعلق بالوظائف النفسية الدنيا في كتاب الحاس والمحسوس فقال : فتكون ها هنا للصورة ثلاث مراتب : الاولى جسمانية , ثم تليها المرتبة التي في الحس المشترك وهي روحانية , ثمالثالثة وهي التي في القوة المتخيلة في احضارها الى حضور المحسوسات .
وقد وضح هذا التدرج في الوجود والمعرفة في هذه الوظائف بمثال يقرب من الاذهان فقال : ان اللون الذييحدث في الهواء ليس باللون الذي يحدث في العين واللون الذي يوجد في الخيال ليس يختلف عن اللون الذي يوجد في الحس المشترك , واللون الذي يحدث في الذاكرة شئ اخر غير الذي يحدثفي الخيال .
اما فيما يتعلق بالوظائف العليا او العقلية : فهي على مظاهر النفس الواحدة او اقسام العقل الواحد عنده . وهو هنا يفرق بين امرين : بين الصور المدركة في النفسوبين الصور العقلية المفارقة . اما الاولى فيريد بها الحس والخيال واما الثانية فهي كل من العقل الهيولاني والعقل الفعال , وهذان العقلان شئ واحد من جهة الوجود اي انهمايعبران عن مظهرين للنفس اذا اتصلت بالبدن وكما ان الصور المدركة في النفس بالحس والخيال تتدرج وتتوازى فيها المعرفة الوجود , فكذلك الصور العقلية المفارقة او قوى العقل 'تتصل اتصال وجود واتصال ادراك بعضها ببعض فان النفس الادراك هو نفس الوجود ونفس الوجود هو نفس الادراك , ومعنى ذلك انه لا فارق هناك بين الاتصال من جهتي الوجود والادراك .
وهناك فارق هام بين الوظائف النفسية الاولى كالاحساس والخيال وبين الوظائف العقلية السامية . فاننا اذا رأينا ان الخيال يستكمل بالحس من جهة المعرفة . اي انه لا وجودللخيال الا اذا وجدت الصور الحسية قبله وليس الامر كذلك فيما يتعلق بالفوى العقلية اذ لا تستكمل القوة الاسمى مرتبة بالتي هي ادنى منها , بمعنى ان العقل بالقوة يسمو منجهة المعرفة فقط , فيصبح عقلا فعالا , دون ان يصحب ذلك انتقال منوجود الى وجود اخر ' .