ضوابط الابتلاء ومقاديره
شاكر عبدالجبار مصائب الدنيا ليست طارئة:
كل شيء محسوب إلهياً قبل حصوله وقد جرى توفير جميعمستلزماته، ولو لم يكن الأمر هكذا لتحول عالمنا الأرضي إلى خراب خلال وقت قصير بفعل كثرة الأحداث وعظم ما تلحقه من خسائر .. ! فالإنسان يمرض ـ مثلاً ـ وهذا لا يحدث إلابعد أن تتوفر الظروف الملائمة ومتطلباتها ومدى استعداد الجسم ونوع الجرثومة ومقدار فاعليتها وأخذ النتائج بالحسبان والتحوط لما تتركه من فراغ أو خلل في المحيط حتى يمكنتعويض ذلك وتطويق استفحاله المنفلت .. !
وكذلك عند حدوث ولادة أو رحيل إلى العالم الآخر، فالولادة تنشئ زيادة في عدد السكان ينبغي أن تؤخذ متطلباتها في كل شيء، وعلامنذهب بعيداً فالطفل حالما يغادر الرحم وينزل إلى دنياه يبدأ ثدي الأم بتكوين الغذاء المناسب له تماماً المتزايد في مقادير عناصره يوماً بعد يوم .. !
ورحيله يعنينقصاناً في عدد السكان ينبغي أيضاً أن يعوض حتى لا تختل الحياة، بل إن تفسخ الجثة تحت الثرى وفوقه قد جرى توفير كل ما يتطلبه حفاظاً على البيئة كإيجاد الحشرات التي تلتهمالمواد الميتة وتسيغها رغم تعفنها، وهي بذلك تعيش عليها لتؤدي وظائف أخرى عديدة في مجالات البيئة .. !
وعندما ينكب المرء بمصاب جلل ففضلاً عن تهيئة كل الاستعداداتاللازمة لحصول المصيبة من حيث وقتها المحدد وعمقها المطلوب ومدى تأثيراتها فإن ما يعتري المصاب منم شاعر في اللحظات العصيبة يجري التحوط له، ولذا يكثر أن نرى مفجوعينوهم يتمالكون أنفسهم وقت حلول النكبة ليتسنى لهم مواجهتها، فلو تركوا وشأنهم دون تدخل من الله تعالى ممثل بإلهامهم الصبر والثبات لفجر هول الموقف كل مشاعرهم وشل جميعقواهم ولتساقطوا صرعى حالاً .. !
فإن يحصل شيء من هذا القبيل صدفة أو بدون تحضير مستلزماته يعني خللاً في تكوين دنياناً، ولو افترضنا وجود هذا الخلل فأدنى مقدار منهكفيل أن يتفاقم ويحدث عرقلة في الدنيا قد توقف مسيرتها بعد وقت ليس بالطويل لأن الحياة ذات تفاصيل متشابكة تتفاعل باستمرار فينجم عن ذلك إما تواصل المسيرة عند سلامتها منالخلل أو أن تتعرقل بوجود أدنى مقدار منه إذ يستفحل حد أن يمنع تواصل الحياة محطماً كل أوجها الزاهي العظيم .. !
وما نقوله ليس هو محض استقراء لأفعال دنيانا فقط، وإنماهناك التوجيه القرآني المتعاضد مع ما يجري فعلاً بكل أبعاده، يقول تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير ..لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور).
فما أكثر مصائب الأرض كالزلازل والبراكين والأعاصير والفيضانات والحرائق الكبرى والحروبوتساقط النيازك والمجاعات وانقراض أحياء وتهدم مدن وغيرها كثير، كل هذا بجميع عوامل حصوله وجميع ما يخلفه من آثار ونتائج إنما هو محسوب من قبل الرب سبحانه قبل أن يخلقالأرض حتى يكون هذا الكوكب محكم التكوين ومستعداً لكل ما يجري فوقه فيما بعد فيمكنه المضي بمسيرة الدنيا إلى أجلها المحدد لدى الخالق .. !
وما أكثر مصائب البشر كذلككالأمراض والضعف والجهل والفقر وحوادث الضر المختلفة والبلاء النازل بشقيه المبهج والمحزن على تنوع أشكاله وتباين مقدار حالاته، مصائب البشر هذه قد علم الله تعالى بهاقبل أن يخلقهم حتى يكونوا في تكوين كل منهم مستعدين لتلقي ما يحصل وحتى يكون بوسع الحياة التجوب لتحصيل الأغراض الإلهية من وراء ذلك كله بتمامها .. !
فالخالق عز وجل لولم يكن قد سبق علمه بمصائب ا لأرض والبشر قبل أن يخلقهما ووفر جميع ما يتطلبه هذا الأمر من لوازم واستعدادات لما تسنى للوضع الابتلائي أن يتواصل هكذا بكل الاتزانوالانضباط والدقة وتحقيق المرامي العليا بالشكل المتحدث عنه في القرآن الكريم، بل الأسوغ هو أن يؤول عالمنا بفعل تراكم الأحداث المريرة وتأثيراتها المدمرة إلى خراب تامخلال وقت قصير .. !
والمؤمن الحق عندما يستيقن هذه الحقائق ينبغي أن لا يأسى حزناً على ما فات وكأنه شيء ضائع وأن لا يطيره الفرح بما هو آت وكأنه لا يزول، لأن الماضيالمسلوب قد تم بتقدير الله ضمن سابق علمه ومقتضيات حكمته، ولأن المتاح كذلك خاضع لهذا التقدير وأنه معرض للانتزاع قريباً إذ أن صاحبه في أبعد الاحتمالات هو راحل عنالدنيا وتارك وراءه كل شيء .. فتذمر الحزين بسبب ما فاته يعني السخط على تقدير الله تعالى وطيش الفرحان بما ناله يعني الغرور .. !
أما غير المؤمن فإنه يصاب بالضر فيمزقأحشاءه الألم ويرى أنه خائب إذ أن فعلاً هو (خبط عشواء) ضربه وكان (بالمقدور تفاديه) فيجزع وييأس وتسود الدنيا في عينيه، ولكما حاول ليرفع عن كاهله أثقال الضر جوبه بتزايدالسوء لأنه غير متزن وهائج لقلب ويرى الأشياء بغير حجمها الحقيقي وبعيداً عن التبصر في معالجة المعضلات .. !
وينال النفع فيستخفه الفرح والزهو والاختيال ويرى أنه(بارع) إذ انتزع (بمحض) قوته شيئاً من (فم الأسد) ثم يتصرف على هذا الأساس في مواجهة كل شيء وتغدو الدنيا في عينيه وكأنها ميدان يتناهبه الأقوياء، وينسحق فيه الضعفاء فيمشيخطوات حتى إذا اطمأن إلى هذا الوضع الخاطئ جاءته الكوارث لتؤكد له وللآخرين سوء معتقدهم وبأن أي انسان لا يستطيع بمعزل عن القدرة العليا أن ينال ذرة من النفع .. !
ـالتقدير الإلهي وراء الأحداث:
نعم الإنسان يريد ويحاول ويسعى، ولكن بلوغ تحقيق الأمر لا يتم ما لم يكن هناك من الله تعالى تدخل وإذن، لأنه جل وعلا المتحكم الأوحدبوقائع الكون وأشيائه وجميع قوانينه. فلو أردت قتل زيد من الناس فتوفر لديك السلاح وأمكنك الترصد فإنك لن تستطيع ضمان حضور الغريم في الوقت الملائم ولن تستطيع ضماندقة إطلاق النار عليه ولن تستطيع ضمان موته بتلك الضربة .. !
ولكن قتل زيد عندما يحصل لا يعني تبرؤ القاتل من التبعة، فهو اعتزم الفعل وحاوله وأنجز على يديه .. فإن تبقىالروح في الحياة أو أن تغادرها أمر لا يتعلق البتة بقرار من مخلوق وإنما هو رهن مشيئة الخالق حصراً، وكل ما يحاوله الإنسان هو أن يوظف استعداداته لتحقيق أمر ما فإن حصل أولم يحصل هو خاضع كلياً لحكمة العليم الخبير، ولو تصورنا أن المخلوق يملك بلا تدخل الرب وإرادته إهلاك مَن يشاء لكان عالمنا على هذا الأساس يزخر بمالكين للأفعال الكونيةالعليا يمكن اعتبارهم آلهة .. !
ومَن هو الله الذي يرتكن إليه المؤمن .. ؟
إنه ((بكل شيء عليم)) هو خالق الكائنات كلها ومدبر كل شؤونها ومالك الوجد المطلق الذي لا يغيبعن علمه شيء مهما استدق وضؤل وتوارى وابتعد، ولأنه العليم الأوحد على صعيد الكون كله، فهو إذن الكافي لمن اعتمد عليه المغني لمن تعامل معه بكل الاستسلام والانقيادوالرضى المنير لقلب وثق بعلو تدبيره .. !
غير أن هناك أناساً يفكرون بعيداً عن الحقائق الكونية العليا وبمعزل عن نور الله فيحسبون في أحسن أحوالهم أن الخير يتحقق ويأتيمن عند الله أما الشر فيتحقق ويأتي (بفعل قدرة أخرى) وهم بذلك كمن لا يكاد يفهم حقائق الكون وقوانينه، يقول تعالى: (وإن تصبهم حسنة يقولوا: هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئةيقولوا: هذه من عندك، قل: كل من عند الله، فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً؟).
التفريط سبب المصيبة:
يقول تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك منسيئة فمن نفسك) .. وهذا لا يتعارض مع أن (كل من عند الله) فهو جل شأنه قد شرع سبيل الخير وأعان عليه وحذر من سبيل الشر وعواقبه، وتكفل مَن اتبع منهجه المقرر وتوجيهات رسوله أنيظفر بطيبات الخير ويسلم من سيئات الشر، ومَن لا يلتزم بذلك لن ينجو من المعاناة، فالماسك بالقوانين الكلية المتحكم في فعلها ومجالات سريانها وكل آثارها هو الله تعالى،ولا يتعارض مع هذا الأمر كون المرء يصيبه السوء بسبب تفريطه، فالمفرط كما يبدو ليس هو أكثر من أداة لها مقدار من الإرادة والاختيار تتحمل به تبعات ما نصنع .. ! وفيالقرآن مثل وقع للمسلمين يوم أحد، يقول تعالى: (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنى هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم، إن الله على كل شيء قدير .. وما أصابكم يوم التقىالجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين .. وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، هم للكفر يومئذ أقرب منهمللإيمان، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، والله أعلم بما يكتمون).
في منتصف معركة أحد بدأ حال المسلمين في التفوق وحيازة النصر ينقلب إلى انكسار وهزيمة فقالوامستغربين: كيف يحصل هذا .. !؟ إنه بسبب ترك الرماة لمواقعهم فوق الجبل متجاهلين تحذير النبي عليه أفضل الصلاة والسلام في أن يظلوا في ذلك المكان حتى لا ينكشف ظهر المسلمين،فلقد تراءى لهم أن القتال قد حسم بدحر المشركين ولقد رأوا الساحة ملأى بالغنائم فهرعوا إلى التقاطها تاركين الموضع الحساس فوق الجبل الذي شدد الرسول على أن لا يبرحوه .. !
وعندئذ حدثت الثغرة فاندفع إليها جمع مشرك يقوده خالد وراح خلال وقت قصير يوقع بالمسلمين خسائر فادحة .. فهو قانون لابد أن يسري، يوم بدر ذاق المسلمون طعم النصر العظيمبسبب التزامهم الدقيق الكامل بتوجيهات قائدهم عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي النصف الأول من معركة أحد نالوا كذلك نصراً كاد يحسم المعركة لصالحهم بسبب الالتزامبالتوجيهات النبوية، أما بعد التصرف المعاكس لهذه التوجيهات فثمة خلل لابد من تلقي تبعاته .. !
وفي أية حال فالله تعالى متفرد بقدرته، ولو أراد للمسلمين الانتصار بدونسبب لفعل ولكنه أوجد قوانين الأسباب لحكمة عليا، ومن هنا يبدو أن كل شيء يحصل بأمر الله تعالى، ويبدو أيضاً أن البلاء مجال يتجلى فيه الإيمان وعمقه بأبهى الصور ويتعرى فيهالنفاق وزيفه بأخزى مساوئه وأقبحها .. !
وقد يقال هنا: ما دام الأخذ بالأسباب هو العامل الأهم فقد يتساوى الانتفاع به لدى المسلمين وأعدائهم وربما ترجح كفة الأعداء عندأخذهم بالأسباب بشكل متفوق .. !
لا .. فبركة الأخذ بالأسباب في الجانب الإسلامي ذات نفع عظيم لأنه مؤيد من قبل الله تعالى، فقل لي بربك: في معركة بدر المسلمون أخذوابالأسباب على ضآلة وجودها والمشركون أخذوا بالأسباب على كثرة توفرها، فلمن تحقق النصر .. ؟ ثلاثمئة رجل يزيدون قليلاً هم المسلمون قد استطاعوا بفضل انصياعهم لأمر اللهوتمسكهم بتوجيهات الرسول أن يدحروا عدوهم البالغ ثلاثة أمثال عددهم والمتفوق عليهم أيضاً في مقدار السيوف والرماح والنبال والركائب .. !
فالوضع الإيماني حساس ودقيقلا يحتمل أدنى خلل حتى لو كان شيئاً من الاعتقاد الخفي ممزوجاً بانحراف التصور، وانعكاساته لابد أن تظهر سريعاً بكل قوة، فإما التزام كامل بمفردات المنهج الإلهيومتطلباتها يقود إلى ثمار طيبة وإما التزام مشوب وغير كامل بهذا المنهج ومتطلباته يقود إلى مر العواقب .. !
ونحن نستطيع أن نبصر كون التفريط سبب المصيبة، أما أطرافحكمة الرب العليم الخبير التي تتحصل من وراء ذلك في كل جهة وقوم وإنسان وحالة وزمان فهي أبعد من قدرتنا على الاستقصاء .. !
التفاضل بين الناس مقصود:
تفاوت البشرفيما لديهم من عطاء الله شأن ملحوظ في الأرزاق والصفات والمزايا والأضداد والألوان مصداقاً لقوله تعالى: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكمفيما آتاكم، إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم). تقسيم العطاء بزيادة هنا ونقص هناك وبما يحدثه من رفع وخفض وتفاعل ينجلي عن آثار كثيرة، أمر قصده الخلاق العظيمليحصل به الابتلاء الأرضي، ويظهر من خلاله شكر الغني أو كفره وصبر المحتاج أو سخطه وهكذا، وبالتالي يكون الجزاء الأخروي فوزاً بغفران المنعم ورحمته أو خساراً بعقابالمنتقم وعذابه .. !
والبعض يتضايق من مسألة التفاضل بين الخلائق وكأنه يريد من الخالق سبحانه أن يجري الأمور وفق تفكيره هو وبمراعاة ما يحب ويكره، أو في أحسن الأحوالفإنه يفكر بالعدل الإلهي ثم يتساءل محتازاً: كيف جرى ذلك التفاوت العظيم أحياناً .. !؟ وكأنه قادر على أن (يحيط) بأفعال الله تعالى كلها وقادر على أن يلحظ مجالات سريانها(بالكامل) وقادر على أن يقف على (كل) آفاق نتائجها فيبيح لنفسه إذن التعامل معها بصفة (الحكَم) .. !
وجود التفاضل بين الناس جد مهم في عملية الابتلاء الأرضي وهو متوافقتماماً مع مختلف أوضاع الحياة في كوكبنا، بل إنه يتضافر معها لتحصيل المقاصد الإلهية من الاستخلاف البشري فوق الأرض، فلو كان بنو الإنسان جميعهم على نمط واحد ينالونقسطاً من عطاء الله متساوياً لتعطل الجزء الأكبر من الابتلاء بجميع تفاعلاته ولما استجليت خفايا كل امرئ ولما ظهرت دواخل الصدور على صعيد الواقع بكل حقيقتها .. !
صحيحأن الله تعالى سابق بعلمه في التعرف على حقيقة هذا وذاك وهو ليس محتاجاً إلى تهيئة الأوضاع لاستجلاء مكامن النفوس ولكنه جل وعلا أراد أن يبتلي أولاً ثم يجازي من بعد وأنيتم كل هذا في نطاق معلن، وهو جل شأنه فعال لما يريد ولا يسأل عما يبتغيه .. !
الابتلاء بالمصائب والنعم:
ابتلاء له كفتان بهما يستكمل أغراضه، فقيم المرء الغائرة فيالأعماق لا تظهر كلها وبتمام حقيقتها إن لم يوزن صاحبها بكفتي الابتلاء فيذاق المر والطيب لينظر من ثم مدى صبره ومبلغ شكره ويستجلى عمق ارتباطه بالكون ويستوضح فهمهلحقائق الأشياء وأي قيمة يمحضها لكل حقيقة وكيف يتعامل معها وبالتالي ليتبين مقدار استقامته على الحق أو ميله إلى الباطل .. ! يقول تعالى: (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكمبالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) .. يبتلى المرء بالضر فيعرف مقدار احتماله ويظهر مدى صبره وهو يعاني، ويختبر وثوقه في تصاريف الله تعالى، وعندئذ يتبدؤ رجاؤه في لطف الربورحمته أو يتكشف قنوطه فيعبر عن رداءة الإيمان والانحدار إلى الخسران .. !
والابتلاء بالضر مفهوم إجمالاً ويغلب أن يقابل بالانتباه والثبات حتى تنقشع غيوم الشدة، أماأن يبتلي المرء بالخير فهنا الامتحان الملتبس، فالكثيرون وهم ينغمسون في طيبات الخير لا يحسبون أنهم مبتلون ولذا تتراخى أعصابهم حد غياب اليقظة والحذر ويرتكبون أغلظالأخطاء وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .. !
كثيرون هم الذين ينهش أجسادهم الداء ويصبرون على تجرع أقسى آلامه يعمر قلوبهم الرضا بقدر الله وحسن الرجاء وانتظار الفرج،أما المتنعمون بتوفر الصحة وعنفوانها فقليل منهم المتصرف بقوته بعيداً عن الجموح والطغيان المستخدم لها ضمن إطار الحق ومتطلباته..!
غير أن هم المؤمن الحق وهو يتقلبعلى نار المصيبة وفي رخاء النعمة يجب أن ينصب دائماً على التماس رضى الله تعالى، وينبغي أن يستقر في ذهنه على الدوام أن كثرة الحطام الدنيوي عند البعض لا تعبر عن كرامةنالها من عند المنعم سبحانه، وكذلك خواء اليد من هذا الحطام لا يدل على هوان، يقول تعالى: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول: ربي أكرمن .. وأما إذا ماابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول: ربي أهانن .. كلا!) .. فهو تشنيع بنظرة غير المؤمن لأنها فاسدة .. !
العبرة ليست بالمنع والعطاء ولكن بما يسفر عنه الابتلاء .. !
قانونابتلاء الأمم والدول:
وليس الأفراد وحدهم يتعرضون لكفنتي الابتلاء، وإنام الغالب في حياة الأمم والدول أنها تمر بمرحلتين أيضاً، تذوق في إحداهما مرارات الحاجةوالضعف والشدائد، وبالأخرى تتنعم بالوجدان والقوة والرخاء، وقد تتقدم هذه على تلك .. ! يقول تعالى: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهميتضرعون .. فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون .. فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتواأخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون .. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين).
الابتلاء بالشدة كما يفترض يوقظ المشاعر العميقة ويخفف من قسوة القلوب فيهرعأصحابها إلى خالقهم المهيمن الأوحد متضرعين طلباً للعفو والعون والرحمة، أما إن لم ينفع معهم هذا اللون الابتلائي فعندئذ تتبدل أحوالهم نحو السراء لعلهم بالنعمة ـ وهيابتلاء آخر ـ يتحسسون فعل القدرة العليا وهي تنقلهم من حل يبدو منغلقاً بكرباته إلى حال مغاير تماماً تذكر طيباته بالإعجاز الإلهي وهو يصنع معهم العجائب .. !
القلوبالقاسية قد تستحيا بنوالي الآلام وضغط البأساء، فإن لم تنتبه فلا يرجى لها بعدئذ استيقاظاً بالنعمة، ولكن العليم الخبير عندما يكشف الغمة ويمنح النعماء يريد أن يقيم علىالناس كامل حجته فلا يقول بعدها معترض إنه ابتلي بالضر ولم يبتل بالخير الذي ربما كان معه (أجدى) .. !
وماذا يحصل لو أن القوم آمنوا .. ؟
يقول تعالى: (ولو أن أهل القرىآمنوا وانقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون).. ففي حالة الإيمان والتقوى يفيض الخالق الكريم بكراته على الناس تتفجر خيرات فيالأرض وتهبط خيزات من السماء بشكل عام مطلق يتناسب مع أحوالهم في الزمان الذي يعيشون فيه ويتناسب مع المستويات البشرية في ذلك الوقت وبما يحقق مقاصد الحكمة العليا بالشكلالواسع المترابط .. !
قانون ابتلاء الأمم والدول في القديم والحديث واللاحق واسع الإطار مليء بالتفاصيل مزدحم بالألوان، المهم فيه هو الهدف الكلي للقانون، إنه الجديربالتأمل والاستحضار، أما الجزئيات فإنها قد تلهي عنه وقد تضل عن مراميه، فلنتعامل معه كما فعل القرآن عندما استعرض نطاق القانون وشواهده بكلمات معدودة، وهكذا هو القرآنفي كل شأنه يلخص الأحداث الجسام الكثيرة ببضع آيات ـ كما في سورة الفيل ـ حفاظاً على لب الموضوع وجوهره وإبعاداً للانسان المستهدي عن الغرق في التفاصيل والتشعبات .. !
* المصدر: حقيقة الابتلاء الدنيوي