الأستاذ الكيلاني
الشيخ عبد الرضا كاشف الغطاء
يعرفه التأليف وقاعات المدارس العالية قبل أن تعرفه ميادين السياسةفقد أتحف العراق بمؤلفاته الرائقة ومحاضراته القيمة وأوصل ذلك ببراعته في السياسة في هذه الظروف العصيبة.
العراق (وكلنا يعرف العراق) وما له من درجة ممتازة منحيث الموقع الجغرافي ومن حيث الاقتصاديات، ففيه كل ما يغذي الحرب من المواد الخام مما تستهدفه الدول في كفاحها لبسط نفوذها عليه.
والعراق بعد هذا في أقوامهالمختلفة ونزعاته المتباينة لم تحكم فيه أواصر الوطنية فيه، وقد عمدت الحكومات الفاتحة والمسيطرة عليه أن تفكك عرى الوحدة لتستغل بذلك الشقاق لنيل غاياتها الأجنبية.
وقد جاء فخامة الكيلاني للحكم في أدق الظروف وأشدها حراجة في الموقف والعراق بين مخلب (الأسد ونابه) والبلاد تعبث بها الدسائس الأجنبية وتقلقها الدعايات الفاسدة،والبلاد في ضائقة مالية مرهقة، وما أن قبض الكيلاني على أزمة الأمور حتى ضرب على قطرنا المحبوب (سوراً من حديد) وابتدع للبلاد ألغاماً سياسية قضى بها على كل عبث ودعايةأجنبية، وتمشي مع المبادئ الديمقراطية التي تفتتن بها الشعوب الضعيفة، وفتح أبواباً للثراء العام عادت بثروة على العراق كالسيول المنهمرة، وقد أبدع فخامته في خلقالهدوء والطمأنينة بين كافة الأقوام العراقية، وتحسس العراق بأمر لم يسبق أن شهده في تاريخه وهو تعلّق (العراقيين) بحكومتهم الحاضرة، ووضع ثقتهم بها فالعراق اليوم يعرفمعنى الحكم الوطني، و(أن حكومته وهو منها) وآخر ما أول العراق به الاستاذ الكيلاني المحافظة على عادات البلاد وعقائده الدينية ومصطلحاتها العرفية مما لا يضاد روح الرقيوالعمران، فقد جدَّ في استئصال كل هنة في المجتمع العراقي ولم يمر على العراق في عاصمتها ومدنها وضواحيها زمن حوفظ فيه على المشاعر الدينية وروعيت فيه المناسك العامةمثل هذا العهد عهد (الوزارة الكيلانية).
والكيلاني بعد هذا قوي العزيمة ثابت على مبادئه عظيم التضحية راسخ العقيدة جاد في احياء المشاريع الخيرية في سائر الانحاءالحيوية لا يفتر عن العمل ولا يعرف الكسل والكلل، هذه الأقطار المجاورة يرهقها عناء هذه النكبة العامة ويمسها حرر لهبها، والعراق يتمتع باهنأ دور من أدوار الرفاهيةوالطمأنينة، وله من قواه الجوية والبرية ما تعتصم به من أي طائر سوء، (والقوة كل القوة) في تضامن الشعب العراقي الباسل مع حكومته، والحكومة التي يسندها شعب كالشعبالعراقي ذلكم الذي نشأ على البسالة ومارس الوقائع الدموية وكان جندياً بطبيعة الحال هي أمنع من بيض الأنوق.
وفي هذه المدة الوجيزة من أيامنا التي لا تتجاوز (ربعالقرن) شاهدنا من تقلبات الحكم في (العراق) أقطاعي بتمام معنى الكلمة فهو عبارة عن (دويلات)متجاورة تحكمها حكماً مطلقاً زعماء العشائر، وامراء القبائل والحكم التركي لايزيد عن كونه سيادة من مصلحة تلك الدويلات احترامها، ثم تمكن الحكم التركي حتى صار حكماً استعمارياً من أقبح أنواعه، وأخذته الإدارة العسكرية التركية على عاتقها، ثمبدلته الحرب العظمى بالحكم الاحتلالي البريطاني، ثم ختمته الثورة (العراقية) بالحكم الوطني، وأديم العراق في كل هذه التقلبات السياسية مصطبغ بالدماء المسفوكة فيالوقائع الفردية والعشائرية والتمردات على الحكم والسلطان، وجمهور الشعب العراقي لا يفهم من معنى الحكومة إلاَّ أن هناك عصبة مهيمنة تعيش برفاهية على حساب الشعب ولايهمها إلاَّ ابتزاز الأموال ووفر العيش تسمى بالحكومة، ثم ابتدأ الدور السعيد بالحكم الهاشمي على يد داهية العرب والعقل الجبار فيهم جلالة الملك المغفور له (فيصل الأول)وبدأ الشعب العراقي يشعر بمعنى الحكومة وإنها هي الضامنة للمصلحة العامة والزعيمة بها، والكافلة لتقدم العراق الاقتصادي والعمراني والثقافي والاعتزاز الوطني فتبدلالوضع وفتر الشنآن واتجه الشعب لحكومته يتطلب منها كل مقدراته الحيوية والعمرانية واطمأن لها، ولكن هذه الروح أخذت تنمو وتتدرج تدرجاً بطيئاً وتستأصل منها آثار تلكالقرون الطوال وما احدثته في أعماق النفوس وتعاقبت الوزارات فكان بعضها يستغل ذلك الوضع المرهق للمصلحة الشخصية، وبعضها يثبت به الرشد والاخلاص إلى قمعه، ولما اضطلعالاستاذ الكيلاني بالأمر كان هدفه الذي عمد إلى استئصاله وصرف إليه كلما عنده من قوة في البصيرة وطاقة في الرأي فوفق لما لم يكن في الحسبان وجدد (للعراق) دوراً مجيداً هوخير ضمان لمستقبل وأحصن حرز يعتصم به القطر العراقي. اللهم وفق رجالنا الصالحين المصلحين لما فيه سعادة القطر وهناءه.
اسم المجلة: الغري مكان الاصدار: النجف الأشرف
العدد: 19 تاريخ الاصدار: 18 شوال 1359هـ
الصفحة: 873 سنة المجلة: السنة الثانية