علي فوق العبقريات
الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء شاع في هذه العصور الأخيرة بين حملة الأقلام والمؤلفين في أرض الكنانةأنتاج مؤلفات تنشر بعنوان (العبقريات) أي عبقرية كبير من رجالات الصدر الأول في الإسلام، فهذا عبقرية الخليفة الأول، وذاك عبقرية الخليفة الثاني وهكذا، وفي غضون هذهالمحاولات أو الحالات، وردتني برقية مفصلة من جماعة من شخصيات ممن لهم مكانة في العاصمة من الاساتذة والعلماء والأدباء يندبونني فيها أحر ندبة إلى تأليف كتاب في عبقريةالإمام علي بن أبي طالب (سلام الله عليه)، ويتعهدون بنشره من فوره، فكتبت إليهم معتذراً بأني لم أجد في نفسي كفاية لأيفاء هذا الموضوع حقه، وما كانت القضية قضية اعتذارومدافعة بل هي حقيقة راهنة، وقضية مبرهنة فأن الكتابة عن عبقرية شخصية بارزة كالخليفة الأول أو الثاني أمر ممكن، وموضوع قريب التناول، ليس بينك وبينه إلاَّ أن تراجع كتبالتأريخ وهي على طرف التمام منك فتذكر فتوحهم وخدماتهم للإسلام كحرب أهل الردة وتنفيذ جيش أسامة، وتجهيز الجيوش إلى حروب القادسية والشام وما إلى ذلك.
أماالكتابة عن شخصية كعلي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي لا تعد مناقبه، ولا تحصى فضائله بل لو أراد الكاتب مهما كان أن يكتب في كل واحدة من زواياه وخصائصه مؤلفاً ضخماً لمااستطاع أن يوفيها حقها، ويستوفي جميع خصوصياتها..أنظر مثلاً إلى ذلك شجاعته، ومواقفه في سبيل الدعوة إلى الإسلام، وتضحياته العظمى وهو أبن عشرين أو دونها.
أنظركيف أشتبك مع مشاهير الفرسان، وبارز جمهرة الأبطال الذين يعد واحدهم بألف، فغلبهم وسقاهم الحتف، وهو يومئذ غلام لم يمارس الحروب ولم يتمرن على التقحم في لهوات المنايا،وقد سارت بل صارت وقائعه، وفوزه الباهر في بدر وأحد وحنين والأحزاب وما إليها.
نعم، سارت مسير الأمثال ولا حاجة إلى ذكرها، ولكن لو أراد الكاتب مهما كان مطلعاًومضطلعاً بالكتابة، ومالكاً أعنة البيان أن يستوفي خصوصيات هذه الشجاعة من صبي نشأ وتربى في بيت أبيه شيخ البطحاء أبي طالب، وفي حجر بن عمه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)ربيب نعمة، وفي ظل راحة ودعة، لم ينشأ في الصحاري والقفار والبيداء ولم يتعلم الفروسية وتقحم الهيجاء فمن أين أخذ هذه الدروس؟!..وكيف استطاع التغلب على تلك النفوس؟!..
نعم، لو أراد الكاتب تحليل هذه القضية المعماة، وأستنكاه اسرارها وبواعثها وتطبيقها على مجاري العادة نكص حائراً ووقف مبهوتاً، دعْ عنك صفين والجمل والنهروان وهوشيخ كبير قد لهزه القتير(1)، فلم يختلف حاله في الشجاعة والبسالة بين أبان صباه وهو بن العشرين وبينها وقد جاز عتبة الستين، وهكذا لو أراد أن يكتب عن بلاغته ومعجز براعتهفي كلماته القصار، والجمل الصغار فضلاً عن خطبه الطوال كالقاصعة والأشباح والملاحم، وخطبه في وصف الطاووس والخفاش وأمثالها..
نعم لو أردت أن تدفع الكاتب إلى أنيكتب عن بلاغة (نهج البلاغة) فقد يهون عليه قلع كل واحد من أضراسه دون أن يتلقى هذه العقبة الكؤود وهكذا كل واحدة من مزاياه وخصائصه التي أختص بها، ولم يشاركه أحد فيها منالكبراء في صلب الإسلام، مثل سبقه إلى الإسلام، وعدم سجوده لصنم، وما عبد غير الله جلَّ شأنه، ولا شرب خمراً في جاهلية ولا اسلام، أما لو ضربت بفكرك إلى زهده وعزوفه عنالدنيا وجراب سويق الشعير الذي يحدثنا عنه الأحنف بن قيس حين وصفه لمعاوية، سويق الشعير الجاف بنخالته الذي عاش عليه طيلة حياته وهو خليفة المسلمين، وأمير المؤمنين،والأموال تجبى إليه من خراسان إلى الكوفة، وهو يقول ألا وأن لكل إمام مأموم..ألا وأن أمامكم قد أكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، فوالله ما كنـزت من دنياكم تبراً،ولا أدخرت من غنائمها وفراً ولا أعددت لبالي ثوباً طمرا، فهل يستطيع المتبحر والمتحري أن يأتينا بشخص منذ عرفت الدنيا نفسها، وعرفها أهلها، يحوي واحدة من هذه الصفاتبتلك الخصوصيات وهذا الذي ذكرناه قطرة من بحر ولحظة من دهر. وقد قال رسول الله (صلى اله عليه وآله وسلم) فيه: (يا علي ما عرف الله إلاَّ أنا وأنت وما عرفنا إلاَّ الله).
وعلى افتنان الواصفين بوصفه
يفنى الزمان وفيه ما لا يوصف
يفنى الزمان وفيه ما لا يوصف
يفنى الزمان وفيه ما لا يوصف
(1) القتير: أول الشيب، ولهزه:خالطه، والمعنى خالطه الشيب (الامام الفقيد).
(2) الوتوش: القليل من كل شيء.
اسم المجلة: العدل مكان الاصدار: النجف الأشرف
العدد: الجزء الثالث تاريخ الاصدار: 24 شعبان 1373هـ
الصفحة: 2 سنة المجلة: السنة الثانية