دیموقراطیة الصحیحة (2) نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

دیموقراطیة الصحیحة (2) - نسخه متنی

محمد علی علوبه

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

الديموقراطية الصحيحة

لحضرة الاستاذ الجليل محمد على علوبه

رئيس جماعة التقريب

-2-

ملاحظاتعلى الديمقراطية اليونانية:

الان و قد انتهينا من البحث في الديمقراطية اليونانية يمكننا أن نقول أنها كانت ديمقراطية صحيحة وقت أن كان اليونان يطبقونها، و قدوصلت في بعض عصورهم الى أرقى ما يمكن أن يرجوه الانسان من الديمقراطية.

و رغم هذا فقد لوحظ على الديمقراطية اليونانية مآخذ نأتى على أهمها بشىء من التفصيل:-

أولا: أن اليونان قد جردوا المرأة من حقوقها و اعتبروها غير صالحة للاعمال العامة، و أنها لا تصلح الا لخدمة الرجل و البيت أو الحقل، و عليها أن ترعى أبناءهاأيضاً.

و قد أصبحت حياتها بسبب هذا الحرمان من الحياة العامة و السياسية حياة آلية، فلا تفكر في المساواة بالرجل، و لا في الاشتراك في ادارة الحكم معه.

و ان شئت فالمرأة في نظر الديمقراطية اليونانية شخصية تابعة لا استقلال لها، و لا تخرج عن كونها متاعاً للرجل.

/ صفحة 362/

ثانياً: ان فلاسفة اليونانو في مقدمتهم المعلم الاول أرسطو، يؤيدون الاسترقاق، فاديمقراطية اليونانية بوجه عام تقسم البشرية قسمين: أحراراً و عبيداً و يدل تاريخ اليونان على أن النخاسين كانوايرافقون الجيوش في غزواتها و يختطفون الرجال و النساء و الاطفال يتخذونهم عبيداً، و يعرضونهم في الاسواق للمزايدة، و كانت أثينا بنوع خاص - و هي أشهر مدن الديمقراطية فياليونان - معرضاً لهؤلاء الارقاء، و سوقاً علنية للمساوية بين المشترين.

و من الغريب أن أرسطو و هو أكبر الفلاسفة و أغزرهم مادة، و أقواهم

حجة و أوسعهماطلاعاً قد خضع لهذا المبدأ الخاطىء، فذهب في مؤلفاته الى تأييد الاسترقاق قائلا انه سنة الطبيعة و فطرة الانسان، و ان الناس خلقوا صنفين.

أحراراً و عبيداً، وهؤلاء العبيد خلقوا بالطبيعة أداة للاستغلال في الحقل و غيره تحت امرة الاحرار يستخدمون كما تستخدم الانعام، و أن الخروج بهم عن دائرة الاسترقاق انما هو خروج بهم عنطبيعتهم، و ما فطروا عليه فحريتهم أذى لهم كما تخرج الحيوان من بيئته الطبيعية و ما فطر عليه كيانه.

ثالثاً: أن النظام الاغريقى أى اليونانى يبيح الفتح و الحربو اذلال الشعوب الاخرى، و التوسع في الاستعمار، و لا يخفى أن المدنية الصحيحة تنكر هذا اللون من الديمقراطية، و تقرر أن لكل أمة حقها في الحرية و الكرامة، فلا تخص بذلك أمةدون أمة.

و من ذلك يتبين أن اليونان يخرجون على هذا المبدأ السليم حين يؤيدون الديمقراطية لامتهم و يأبونها على غيرهم.

رابعاً: كان في اليونان فيبعض أزمنتها تفرقة بين المواطنين أنفسهم، كما كانت عليه البلاد الاخرى المحيطة بها في الشرق و في أفريقيا مثلا، فكان الناس في نظرهم - أحياناً - طبقات، و ما كان للتجار أوالمزارعين أو الصناع تلك المنزلة التي كانت للنبلاء وذوى النفوذ.

/ صفحة 363/

تخلص من هذا الى أن الديمقراطية اليونانية عندما وصلت الى أسمى درجاتهاكانت ديمقراطية محلية قاصرة على المواطنين اليونانيين، واستمرت في حرمان المرأة من حقوقها العامة، و في اجازة الاسترقاق، و في اباحة الفتح و الغزو.

ديمقراطية الرومان:

مرت الايام و السنون و سقطت دولة اليونان تحت حكم الاسكندر المقدونى ثم دخلت بعد ذلك في حوزة الامبراطورية الرومانية، و بذا انطمست فيهامعالم المدنية، و نضبت ينابيع الحكمة و الفلسفة و العلم و الفن، و انطفأ نورها الذي كان يشع في العالم كله و ما زالت بعض آثار فلسفتهم و علومهم و منطقهم و حكمتهم يتداولهاالناس الى أيامنا هذه يسترشدون ببعض مافيها من كنوز خالدة الاثر.

قامت دولة الرومان من روماً، و اكتسحت أكثر بقاع الارض في ذلك الحين سواء في أوربا أو آسيا أوافريقيا، و أصبح البحر المتسوط كله بحيرة رومانية، تحيط به الاملاك الرومانية من جهاته الاربع.

كان على الرومان أن يختاروا نظاماً لامبراطوريتهم الشاسعة،فتقلبوا في أنظمة الحكم التي يراها أرسطو، فمرة يكون الحكم للفرد المطلق التصرف، و مرة يكون الحكم تحت سلطان طاغية، و حيناً يكون الحكم للارستقراطية أو للاوليجاركية ثميكون للديمقراطية، و قد يكون الديماجوجية.

تعاقبت هذه الانواع من الحكم على الدولة الرومانية، و لم تخل في أى وقت من أوقاتها من تلك المآخذ التي لا حظناها ولاحظها المؤلفون على الديمقراطية اليونانية، فلم يكن فيها حقوق كاملة للمرأة، كما أن الاسترقاق فيها كان قوياً عنيفاً واسع النطاق، و كان الاسرى يباعون في الاسواق كماكانوا يباعون في بلاد اليونان و كان للسادة الاحرار حق معاملة الاسرى و الارقاء بغلظة و خشونة، حتى أنه كان للسيد الحق في بعض الاحايين في جلد الارقاء أو سجنهم أو قتلهماذا ارتكبوا بعض الهفوات، و أباحت الدولة الرومانية في جميع أطوارها حق الغزو و الفتح،

/ صفحة 364/

و أملاكها الشاسعة التي يعرفها التاريخ خير شاهد علىذلك، و كانت هناك طبقات طبقة الشرفاء و طبقة الشعب و غيرهما، و كانت الامم المفتوحة تعامل في حقوقها و حريتها على غير ما يعامل به الرومان أنفسهم.

كل هذا حدث فيبلاد الرومان على أطوار مختلفة، و في تواريخ مختلفة، الى أن غزالها أعداؤها بعد أن انقسمت شطرين: شطر عاصمته روما، و آخر عاصمته بيزنطة أو القسطنطينية فأصبحتاامبراطوريتين مختلفتين، الامبراطورية الغربية، و الامبراطورية الشرقية.

ثم استمر انحلالها و أغار عليها المغيرون حتى تدهورت و تلاشت.

و كانالزمن الذي ازدهر فيه نظام الحكم في الامبراطورية الرومانية يجعل نظام جمهوريتها قائماً على سلطات ثلاث: سلطة القناصل، و سلطة مجلس الشيوخ المكون من الاشراف ثم نوابالشعب، و يلوح لنا أن الرومان جمعوا بهذا بين سلطة الفرد (الاوتوقراطية) و سلطة الاخيار الذين هم الاشراف أو النبلاء (الارستقراطية) و سلطة نواب الشعب (الديمقراطية) واعتبروا أن في ضم هذه القوى الثلاث توازناً بين السلطات حتى لاتنفرد احداها بالحكم فتطغى.

و هذه الفكرة و هي جمع سلطة الفرد و الاخيار و الشعب حبذها أرسطو منقبل و اتفق رأيه فيها مع رأى أفلاطون.

***

انقلاب النظم في الغرب:

بعد هذه السنين الطوال من حكم اليونان و حكم الرومان، أتى على الاممالاوربية حين من الدهر اشتدت فيه المظالم، و عمت الفوضى و المفاسد، و تتابع الغاصبون و الفاتحون، و قاست الشعوب ما قاست من أهوال الاستبداد، و كان كل من قدر على بلداجتاحه و سخر أهليه لمطامعه و شهواته.

فكانت الاقطاعات، و كان الملوك و أشباه الملوك، و كان الامراء، فكانت

/ صفحة 365/

المظالم المتتابعة، ولم تر الشعوب في تلك العصور المظلمة سوى الجهل و الفقر و الاعتداءات والموت، فاندثرت الحضارات من علوم و فنون و فلسفة و ضاع التراث الضخم الذي جاء به المصلحون في الاجيالالغابرة.

ثم أتت على العالم عصور تدعى بالعصور الوسطى كانت بعد قيام الامبراطورية الرومانية الشرقية، و فيها اشتدت سلطة رجال الدين، كمااشتدت سلطة الامراء والحكام و الملوك، و لم يكن لهؤلاء و أولئك وازع من دين أو من ضمير أو خلق.

كان الظلم في ايطالياكما كان في ألمانيا و فرنسا و انجلترا و غيرها من بلاد الغرب كماكان في الشرق، لكن بقاء هذه الحالة الشاذة لم يكن ليحتمل، فضجت الانسانية و بدأ شعاع من نور الحرية ينبثق في أنحاء متفرقة من أوروبا، و أصبح ما يتهامس به بعض ذوى النفوسالابية حقيقة ظاهرة في انجلترا، فلقد اشتد ظلم طاغية من ملوكها، فقامت هيئة قوامها نبلاء انجلترا أى الاستقراطيون بحركة تحريرية ضد الظلم و الاستبداد، كان من آثارها أناضطر الملك الى اصدار ما يسمونه ((بالميثاق الاكبر)) في سنة 1215 م و هو أول ميثاق و أعظمه في تاريخ تحرير انجلترا من بطش الملوك الظالمين. ثم صدر بعده قانون اكسفورد عام 1258 م وقد كان الميثاق الاكبر هذا أساساً لنظلم الحرية السياسية في انجلترا.

كان لهذا الميثاق و ما تبعه من قوانين و أوامر أثره في البلاد الاخرى، و قام المصلحونالاحرار في أجيال متعاقبة يرشدون شعوبهم الى سبل الحرية و الى تشريعاتها الصحيحة، و كان من هولاء الاحرار المشرع الفرنسى ((مونتسكيو)) و من مؤلفاته كتاب ((روح القوانين)) وجون لوك الانجليزى، و رجل من أبطال الحرية و دعاتها هو ((چان چاك روسو)) الفرنسى أصدر كتابه ((العقد الاجتماعى)) و غيره من المؤلفات، كما ظهر غيرهم من رجال السياسة والاقتصاد و الاجتماع، الى أن قامت الثورة الفرنسية الكبرى سنة 1789 م، فحطمت الاغلال، و نشرت مبادىء الحرية و الاخاء و المساواة، ثم تبعتها ثورات أخرى في أوربا تسعى الىالحرية، و الى نشر لواء العدل بين الناس.

/ صفحة 366/

على أن ذلك لم يمنع من وجود أفكار رجعية، كان يعلنها الرجعيون في أوربا قبل الثورة الفرنسية و بعدها، و همرجال طمس الجهل عقولهم، أو كانوا يتملقون الملوك و الحكام لغاية في أنفسهم.

و من أمثال هؤلاء ((مكيافيلى)) الايطالى ظهر في القرنين الخامس عشر و السادس عشر، ونشر مؤلفات، منها كتابه المعروف، ((الامير)) يفسد فيه ما درج عليه الانسان من مكارم الاخلاق، و يحبذ طغيان الحاكم و ختله و أثرته، و منهم ((هوبز)) الانجليزى، كما ظهر نوع آخرمن أمثال، ((نيتشه)) الفيلسوف الالمانى في القرن التاسع عشر ينادى بتفاوت العناصر، و أن بعضها يجب أن يسود البعض الاخر و يحكمها.

و رغم هذا النوع الاخير منالرجعية فقد كانت الحركات في جملتها تسعى الى تحقيق الديمقراطية، حتى نالتها أكثرية الامم، سواء في أوروبا أو أمريكا أو غيرهما.

* * *

الحروبالعالمية:

أتت الحرب العالمية الاولى سنة 1914، و كانت أمم حرة و أخرى تحت نير الاستعمار أو الاحتلال، و قبل أن تضع تلك الحرب أوزارها، أحس رجال السياسة بوطّاتها، وبما سببته من آثار مروعة، فنادى الدكتور ((ولسن)) رئيس جمهورية الولايات المتحدة بما نشره على الملأ من وجوب تقرير السلام العالمى، و العدل الشامل لكافة الامم، و أعلنمبادئه الاربعة عشر، و هي تنص فيما تنص على حق الام صغيرها و كبيرها في تقرير مصيرها.

وقد كان لهذا البيان أثره الساحر في الامم المغلوبة على أمرها، كما كان لهأثره في تقرير مصير الحرب، بعد أن انضمت الامم المظلومة الى مناصرة فريق الدكتور ((ولسن)) و منه انجلترا.

و ما أن وضعت الحرب أوزارها، و فاز المنتصرون بنصرهمحتى قامت الثورة

/ صفحة 367/

المصرية تطالب بحق مصر في حريتها و استقلالها، و بالغاء الحماية البريطانية التي فرضت على مصر أبان الحرب، و تكون الوفدالمصرى سنة 1918 م، و غادر الاسكندرية الى أوروبا و كنت من أعضائه، و كنا نطالب بحق مصر في مؤتمر فرساى، و أمام غيره من الجهات المختصة.

غادرنا الاسكندرية يوم 11أبريل سنة 1919، و ما أن وصلنا الى ((مرسيليا)) بعد خسمة أيام حتى قرأنا برقية تنشر على العالم، أن الدكتور ولسن زعيم حق الامم في تقرير مصيرها، قد اعترف بحماية انجلترا علىمصر، و أصبحت مبادئة كلها في خبر كان.

فوجئنا بهذا النبأ الخطير و لم نكن قد وصلنا الى باريس لعرض مظلمتنا على مؤتمر فرساى، فأيقنا أن اعلان تلك المبادىء لميكن الا لغرض واحد هو كسب الحرب، و توقعنا ما سنلاقيه من رجال السياسة في باريس، و هم ساسة الامم المنتصرة، من عنت و صد و اهمال، و هذا هو الذي حصل بالفعل.

* **

لنترك هذه المرحلة بخيرها و شرها و لنسر مع الزمن، فنجد منذ انتهاء الحرب الاولى، و بعد ظهور بوادر قوة المانيا و المحور، أناساً من ساسة الغرب يدعون الىالسلام العالمى، منهم مسيو بريان رئيس الوزارة الفرنسية في ذلك العهد، ابتكر مشروعاً عرف بمشروع كيلوج بريان لتحقيق سلام عالمى، يدعو الى اتفاق دول أوروبا اتفاقاً يشبهأن أن يجلعها دولا متحدة الى درجة ما، ولكن ما لبث هذا المشروع أن انهار كما انهار قبله مشروع الدكتور ولسن.

ثم قامتالحرب العالمية الثانية، و رجع الساسة الىفكرة الديمقراطية على النحو الذي ارتآه بريان، و على النحو الذي ارتآه الدكتور و لسن من قبل، وأخذوا يتغنون بفضل الديمقراطية على العالم، لا الديمقراطية المحليةالخاصة، و يتغنون بالدين و بارادة الله في الحق و العدل الانسانى الشامل، لكنهم مع ذلك لايتحدثون عن هذه الديمقراطية الشاملة، و لا يذكرون الله و أوامره و نواهيه

/ صفحة 368/

و لا ينادون بحقوق الانسان كانسان الا أيام المحن و الشدائد، فما أن وضعت هذه الحرب الثانية أوزارها حتى عادوا الى ما كانوا عليه من جشع و استعمار، وحب السيطرة و الاستغلال، و ظلم الانسان لاخيه الانسان، و نكران لاوامر الله و نواهيه.

* * *

و الان و قد ظهرت قوة مناوئة في الشرق هي قوة السوفييت و منيدور في فلكهم، و أصبح الغربيون في وجل و فزع من هذه القوة الهائلة التي تقف لهم بالمرصاد، و تتربص بهم الداوئر، فما الذي نرجوه من ساسة الغرب؟ حصل أثناء الحرب الثانية،مثل ما حصل في الحرب الاولى، ففى الاولى نشر الدكتور و لسن مبادئه الاربعة عشر، و في الثانية كان اتفاق الاطلنطى على ظهر باخرة بين المتحاربين الغربيين سنة 1941 م، و بشرالرئيس روزفلت العالم كله بمثل ما بشر به الدكتور ولسن من قبل من حق الامم في تقرير مصيرها، و من منع الظلم والجور و الخوف، و أن تكون الشعوب صغيرها و كبيرها سواسية أمامالعدل العالمى، لا فرق بين قوى و ضعيف، و الله أعلم بمصير هذه البشرى، و الحوادث تشعرنا بأن سيؤول أمرها الى ما آل اليه أمر بشرى الدكتور ولسن من قبل.

* * *

كيف ظهرت الديموقراطيات الحديثة:

قلنا ان العصور الوسطى و ما قبلها قد عصفت بالديموقراطية اليونانية كما عصفت بالديمقراطية الرومانية، و استمر الاستبداد فيتلك العصور الوسطى يفتك بالحريات فتكا ذريعاً، فلطالما رزحت البشرية في تلك العصور المظلمة تحت أثقال، الملوك و الولاة الظالمين، و تحت أثقال الاقطاعات و رجال الدين، وأصبح الناس بذلك غير آمنين على أموالهم و أنفسهم و أعراظهم، فكانت الفوضى بأقبح معانيها الى أن قام الاشراف في انجلترا و هم النبلاء من طبقة الارستقراطية يحدون من سلطةالملك في سنة 1215 م بالميثاق الاكبر السالف الذكر.

/ صفحة 369/

ثم

أعقبته قوانين و نظم أخرى، و أخذت دول الغرب تبنى نظما لرعاياها على غرار النظامالانجليزى، ثم ارتفعت و تنوعت النظم و أخذت تتقارب شيئاً فشيئا من الديمقراطية أى سلطة الامة، و أنها تكون مصدر السلطات الى أن وصلت الى الحالة التي نراها الان.

* * *

و انا نجد في نظام انجلترا أمراً يلفت النظر، ذلك أنها اقتبست نظام الجمهورية الرومانية، ذلك النظام الذي ادمج حكم الفرد مع حكم الارستقراطية و حكمالشعب. و بذلك تدرجت في النظام الديمقراطى تدرجاً هادئاً تبعاً لتطور الزمن و حاجاته، فهى لم تتخذ الجمهورية نظاماً لها، و انما جعلت على رأس حكومتها ملكاً، و هذا هو نظامالحاكم الفرد الذي ذكره أرسطو في تقسيم أنظمة الحكم كنظام أول.

ثم أخذت حكم الارستقراطية، فأقامت مجلس اللوردات و أخذت سلطة الشعب و أقامت مجلس العموم، و كونتمنهذه النظم الثلاثة القديمة نظاماً واحداً ممتزجاً هو - أساس ديمقراطيتها الحالية- كان يحبذه أرسطو و أفلاطون من قبل، و كان القناصل في جمهورية الرومان بدل الملوك، وحتى تحقق هدف الديمقراطية رغم وجود حاكم فرد فيها، و رغم وجود نظام الارستقراطية بالابقاء على النظام الارستقراطى بمجلس اللوردات، برغم هذا كله و برغم الاحترام والتقديس لتاج الملك و شخصه و أنه مبعث كرامة الدولة البريطانية، و ولائها له، برغم هذا كله فإن الامة الانجليزية قد منعت الملك من أن يكون مصدر أية سلطة، حتى أصبح بحكممركزه الحالى كرئيس جمهورية برلمانية في أنه ((يملك و لا يحكم)) بأوسع معانى هذه الكلمات.

ثم أعطت بعض السلطة لمجلس اللوردات الذى يختاره الملك بشروط خاصة لمنحمل لقب اللوردية مقاب لخدماته التي أداها لامته، و أخذت بتوالى الازمنة تنقص من حقوق مجلس اللوردات شيئاً فشيئاً حتى لا يقف حجر عثرة في سبيل ما يقرره نواب الامة.

/ صفحة 370/

ثم جعلت لمجلس العموم، و هو يدعى في غير بلادهم بمجلس النواب، الذي تنتخبه الامة مباشرة للتحدث عنها، و دعم سلطانها - جعلت هذا المجلس صاحب السلطةالحقيقية الفعالة في ادارة البلاد و مراقبة أعمال الوزراء، و اعطائهم الثقة أو سحبها منهم.

ذلك هو النظام الانجليزى الشامل لنظام الحاكم الفرد، و نظامالارستقراطية، و نظام الديمقراطية القديمة، و قد حقق الانجليز بهذا المزيج ديمقراطيتهم.

* * *

و قد اتخذت الامم الاخرى أنظمة للحياة النيابية تغايرنظام الانجليز، فأقامت الحياة النيابية على مجلسين ينتخبان اما من الشعب مباشرة، أو يختار أحدهما بطريق الانتخاب المباشر، و ثانيهما بواسطة مجالس الاقاليم أو المديرياتأو البلديات.

كما اختلفت النظم بين الامم الديمقراطية في طريقة انتخاب رئيس الدولة، فبعضهم يراه ملكاً يرأس مملكة،

والبعض يفضل رئيساً لجمهورية، و قديكون لرئيس الجمهورية في بعض البلدان سلطة أقوى من سلطة الملك في بلد آخر، فاذا قارنا مثلا بين سلطة رئيس جمهورية الولايات المتحدة، و سلطة ملك الانجليز نرى الاول رئيسدولة و رئيس وزارة معاً، و هو الذي يختار وزراءه الذين يدعون بلقب سكرتير في وزارته، أما ملك الانجليز فليس برئيس وزارة، فإن الرئيس هناك هو الذي يختار وزراءه بعد اتفاقهمع ملجس العموم، و الملك هو الذي يتوج القوانين والاوامر باسمه وفق ما يراه البرلمان.

و من الغريب أن ترى الحكومات الملكية في شمال أوروبا، و هي انجلترا وبلچيكا و هولندا و الدانيمرك و النرويج و السويد أكثر البلاد ديمقراطية في العالم و أن أممها هي مصدر جميع السلطات حقاً و فعلا.

* * *

ليستالديمقراطية اذن وقفاً على ملكية أو جمهورية، بل الديمقراطية تابعة

/ صفحة 371/

في جوهرها و كيانها الى يقظة الشعب، و قوة وعيه، و تمسكه بحريته و حقوقهكاملة.

ان النظم و القوانين لا تفيد شيئاً اذا لم تكن الامة حريصة على كرامتها و حياتها الديمقراطية، و لطالما رأينا دساتير كاملة الوضع لاتؤدى وظيفتها فيتحقيق سلطة الامة اذا كانت الامة غافلة عن تحقيق وسائل حريتها، و السهر على الاحتفاظ بسلطانها كاملا.

فالامة يجب أن تكون مصدر جميع السلطات، و الحاكم لا يصحأن يكون حاكماً بأمره يعز من يشاء و يذل من يشاء بغير حساب، و انما هو في الواقع مهما سما ذكره ملكا كان أو امبراطوراً أو رئيس جمهورية ليس الا وكيلا عن الامة، خادماً لهامنفذاً لارادتها، يتقاضى ما يتقاضاه من مرتب لرعاية مصالح هذه الامة، فعليه الخضوع لارادتها، و له واجب التكريم لانه يمثل الامة كلها، تركزت فيه كرامتها و مجدها، و أصبحبهذا الوضع موضع اعتزازها، بشرط ألا يعبث بحقوقها في مراقبة ادارة حكم البلاد، و انفاق أموال الامة في المرافق العامة بما يعود عليها بالخير العميم، و حتى يتحقق حسناختيار نواب الامة يجب أن يكون ناخبوهم على درجة من الثقافة و الادراك بحيث يسدون أصواتهم لاخيارهم، ثم يراقبونهم في أعمالهم، و هؤلاء النواب بدورهم يراقبون وزراءالحكومة حتى اذا انحرف احدهم عن جادة الحق سلبوه ثقتهتم و أسقطوه.

بهذه الاوضاع السليمة: يقظة الشعب، و يقظة الناخبين، و يقظة النواب، و يقظة الوزراء تستقيمأداة الحكم و تؤتى ثمارها الطيبة و تتحقق الديمقراطية السليمة فاذا اختل عنصر منهذه العناصر انهار البناء كله، و أصبح الحاكم الفرد يرنوا الى السلطة المطلقة، و قد ينقلبرئيس الجمهورية الى ملك، كما قد ينقلب الملك الى طاغية متى رأى الامة التي يحكمها في جهل و في سبات عميق.

فالجهل و فساد الاخلاق و تنازع الاحزاب أو الافراد فيسبيل المصالح

/ صفحة 372/

الذاتية و التضحية بمصالح الوطن و الرغبة في انتصار حزب على حزب أو فئة على فئة، كل أولئك من شأنه أن ينصرف المواطنين عن خدمةبلادهم، و يغرى الحاكمين بالاستئثار بالسلطة استئثاراً قد يؤدى الى الطغيان في أبشع صوره.

و على هذا فالحكم الفاسد في أى بلد كان انما هو نتيجة لفساد عقولالشعب و ضمائره، و متى استقامت العقول و انتشر العلم الصحيح و الخلق القويم قوى الوعى، و استيقظ الضمير، و عرف كل واجباته و حقوقه، واستقامت بذلك الامور على ما يرضى كلشعب كريم.

* * *

نظرة في الديمقراطية الحديثة:

الان و قد بسطنا كيف قامت الديمقراطيات، و كيف تطورت يمكننا أن نقول أن نظرة عابرة علىالديمقراطيات القائمة الان ترينا أنها مختلفة بعض الاختلاف في مظاهرها، ففى الغرب ديمقراطية امريكية لها طابعها الخاص، و ديمقراطية بريطانية تختلف عن الاولى بعضالاختلاف، و ديمقراطية فرنسية، و

أخرى شرقية روسية تختلف عنهما جميعا، نجد ديمقراطية جمهورية، و ثانية ملكية، و ثالثة يصفها الروس بأنها شعبية، و هناك ديمقراطيات فيباقى البلاد الدستورية النيابية، فأى هذه الديمقراطيات أصح و أقرب الى نظام الحكم القويم.

لا تجهد فكرك، و ارجع الى أساس الحكم الديمقراطى، و ما يرتضيه، تجدأن الحكم الديمقراطى بمعناه الصحيح هو ذاك النظام القائم على وعى من الشعب سليم ينتخب نوابه انتخاباً حراً طليقاً من كل ضغط أو اغراء، و يقوم النواب بأداء مأموريتهم، ورقابتهم على الحاكمين بنزاهة و شرف.

و يستند الوزراء بدورهم على قوة هؤلاء النواب و شجاعتهم و اخلاصهم، فمتى تمت هذه المراحل، و كانت ادارة الحكم مستندة الىرأى عام يقظ واع، و الى برلمان كذلك، فاعلم أن الديمقراطية موجودة، سواء كان يرأس الامة ملك أو رئيس جمهورية، و بغير ذلك تصبح الديموقراطية اسما على غير مسمى.

/ صفحة 373/

أين الديموقراطية الصحيحة:

ثبت فيما أسلفنا أن كان للديموقراطية اليونانية عيوبها، فقد كانت لاتعترف للمرأة بحقوق، و كانت تبيح الاسترقاق والغزو و الفتح، و كان الناس فيها طبقات في كثير من الازمنة، و قد مر النظام الرومانى بهذه الاوضاع، ثم بعثت الديموقراطية من جديد و تطورت الى أن وصلت الى حالتهاالحاضرة.

و قد قام المكفرون بتبيان عيوب الديموقراطيتين: اليونانية و الرومانية، و أخذوهما بالنقد لما استبان فيهما من مآخذ.

نعم قامتالديموقراطية الحديثة باعلان حقوق الانسان، و منها حقوق المرأة و الغاء الاسترقاق، لكنى أرجو القارىء أن يبحث فيما اذا كانت تلك العيوب القديمة قد تلاشت كلها أو أنبعضها ما زال قائماً.

ينتقد الناقدون أعمال الديموقراطيات القديمة، و يقولون أن من عيوبها أباحة الاسترقاق، و الحض على الغزو و الفتح، و يقولون أن الناسسواسية، و أقول معهم أن لكل امرىء حقاً في الحرية و الاستقلال، و اذا كان رجال الديموقراطيه قد أعطوا لمواطنيهم حق الحرية و الكرامة، أفلم يكن من الواجب أن تبسط هذهالحرية ظلالها على الناس أجمعين، أو أن الحرية قاصرة على أمة دون النظر الى حقوق الامم الاخرى.

لقد أجمع الكتاب و الحكماء و الفلاسفة على احترام الحقوق واحترام الواجبات معا، و أن ما تتطلبه لنفسك من حق، يجب أن ترجوه و تعرفه لغيرك، فانظر الى الديموقراطيات الحاضرة، هل أباحت لغيرها ما تبيحه لنفسها، أو أنها رغم المناداةبحرية الناس أباحت الاسترقاق و الغزو و الفتح على طرق أخرى منظمة، أو وسائل ملتوية لتنفيذ ما كانت تراه الامم الغابرة من ظلم و استبداد.

انظر ما تفعلهالديموقراطيات الحديثة من استبداد و فتح و غزو، تر ظلماً صارخاً ترزح تحت أثقاله أمم بريئة في مراكش و الجزائر و تونس و باقى البلاد الافريقية

/ صفحة 374/

المستعمرة، و في آسيا: فيتنام و كوريا و غيرهما من البلاد المستعبدة، كماترى نوعاً اسمه الاحتلال، في مصر و السودان و العراق و شرق الاردن و غيرهما، فهل سادتالديموقراطية التي يتطلبها الناس أجمعون مع وجود هذه المآسى التي أعلن المتحاربون في أبان الحربين السابقتين و بعدهما وجوب محو آثارها، و مثل

هذا يقال فيالقوم و بلاد الجركس و تركستان و غيرها.

* * *

هذا عن الفتح و الاستعمار، أما عن الاسترقاق فهل زنوج الولايات المتحدة، و هم مواطنون أمريكيون بعاملونمعاملة البيض؟ و هل ترى ما تفعله حكومة جنوب أفريقيا بالملونين في بلادها عملا ديموقراطيا يتفق مع ماينادون به من حقوق الانسان؟ و هل من الديموقراطية في شىء أن يطر شعبفلسطين من بلاده بالسيف و النار، و يجرد من أمواله و أرزاقه و يبقى مشرداً في العراء لا يجد قوتاً و لا مأوى ليحل محله فريق غير متجانس من شذاذ الارض لا لشىء الا لانهميدينون بدين واحد، تدللهم الديموقراطيات الحديثة، و تضعهم بقوة النار و الحديد و المال و الاطعمة، و يغتصبون موطن قوم لا ذنب لهم، و هم أصحاب الارض، الا أنهم عزل من كلسلاح، محرومون من كل غوث و عون، و يبقون هكذا حتى يقضى الله في أمرهم بما يشاء، فهل هذه هي الديموقراطيات الصحيحة التي نادى بها الدكتور و لسن في الحرب الماضية، و التياعتنقها الاقوياء أخيراً في الحرب الثانية بميثاق الاطلنطى؟ انى أترك البحث في هذا الى كل مفكر نزيه يحترم ما للانسانية من حقوق، و يرى كيف يجب أن تطبق الديموقراطياتالصحيحة.

* * *

أمام هذه الحالة التعسة التي ترزح تحتها البشرية لا أرى حلا لصيانته الانسانية و تكريمها أفضل من أن يثوب الاقوياء الى رشدهم وكرامتهم، بل الى مصلتحهم فيطبقوا الديمقراطية كماتشاء الديمقراطية، و هناك حل سهل هو أن نطالب بتنفيذ ميثاق الامم المتحدة تنفيذاً

/ صفحة 375/

تنفيذاًشريفاً، فلقد أعلن الميثاق أو أعاد اعلان مبادىء الدكتور ولسن و مبادىء عصبة الامم بايضاح و تفصيل، أعلن حق الشعوب في تقرير مصيرها، و عدم الفتح والاستعمار، و أعلن أنالناس سواء، فلا قوى و لا ضعيف، و من الغريب أن نظام الامم متحدة هو الاخر بيد الامم المتأخرة و المتخلفة، فأى نظام أبهى و أعظم من تنفيذ هذه المبادىء تنفيذاً نزيها، أهيحقائق أم هي حبر على ورق لذر الرماد في أعين الضعفاء الذين يتلهفون على كرامتهم و حريتهم.

انا لا نطلب سوى تنفيذ ميثاق الامم المتحدة حتى يتم الديمقراطيةمعناها، و يتحقق مدلولها الكامل، و في هذا مصلحة للضعفاء و مصلحة للاقوياء، ذلك أن الناس لو عاشوا اخواناً متصافين متساوين في الحقوق و الواجبات، أمكن ازالة أسبابالحروب، و ازالة أسباب التقتيل و التخريب، و أصبحت الارض كافية لنغذية أبنائها، و رفع شأنهم، و الترفيه عنهم، فإن موارد هذه الارض كافية لاعزاز أهلها، و تبادل المنافع والمصالح فيما بينهم، فاذا ازدهرت الارض و عاونها العلم كانت جنة للعالمين بعد أن أصبحت جحيماً للناس أجمعين يتولاهم الذعر و الخوف، فلا يخرجون من حرب الا الى حرب تالية،و الفترة بين الحربين فترة شقاء و خوف و عذاب، ينصرف الناس فيها الى انتاج أدوات الفتك والتخريب بدل انتاج ما يسعد الانسان في هذه الدنيا. ان الايدى العاملة و العقولالمفكرة قد انصرفت الى انتاج أدوات الحرب و الفتك، و ضاع وقت الشباب و عمله في الجندية و ما اليها من بناء الاستحكامات و آلات الحرب و التدمير و قد كان لهذا الشباب أن يحولجهده الى الانتاج السلمى الصحيح، و تعمير هذه الارض و اشاعة الاخاء و المودة بين الناس، و اشاعة تبادل المنافع و منتجات الارض ظاهرة كانت أو مستترة، و رفع ثقل تلك الضرائبالتي لا يسلم من وطأتها أحد، سواء في ذلك الامم القوية أوالضعيفة، و لا يمنع من الوصول الى هذه الدرجة

/ صفحة 376/

في الانسانية، تلك الدرجة التي فطر اللهالناس عليها الا جشع الاقوياء وحب الحكم و السيطرة و الاستئثار.

و ما دام الناس في هذا الزمن سادة و عبيداً، أغنياء و فقراء، فلا أمل في السلام و لا أمل في راحةالانسان، و نعيم الانسان، و سيبقى العالم شقياً حائراً مادام هذا الظلم سائداً في الكون، و سيقوم العبيد أى المستعبدون بالانتقام، و يؤذون أنفسهم لايقاع الاذىبظالميهم، يترقبون الفرص و لو بايعاز الاقوياء ضد الاقوياء و لو أوذوا فيما يعتزون به و يحرصون عليه من مال و متاع، رغبة في الانتقام من أولئك الظلمة المستبدين.

نريد ما يريده كل عاقل شريف، و هو أن يكون الناس في هذه الارض جماعة انسانية، يأخذ القوى فيهم بيد الضعيف، و يساعد الغنى فيهم الفقير، و تتضامن الانسانية لرفع شأنالانسانية، و استغلال ما وهبه الله اياها في هذه الدنيا، و بغير هذا لا سعادة و لا سلام، بل الويل لنا جميعاً مما ظلمنا به أنفسنا، و الله لا يهدى القوم الظالمين.

/ 1