تأييد جديد
لاثبات التاثير الاسلامي على الثقافة الاوربية
لحضرة الكاتب الفاضل الدكتور محمود محمد الخضيرى مراقب الثقافة بوزارة التربية و التعليم
الكشف عن ترجمة أوربية قديمة لكتاب إسلامي في المعراج ـ الصلة بين هذا الكشف و ما سبق من بحوث و مناقشات خاصة بالصلة بيندانتي و الإسلام ـ نظرية أسين بلاثيوث؟؟؟
كتاب المعراج عنوان لكثير من الكتب التي ألفها المسلمون حول صعود نبيهم إلى السماء، و مشاهداته في صحبة جبريل في العالمالاخر. ولكن واحداً منها أثار الكشف منذ قريب عن ترجمتين له من مخلفات العصور الوسطى كثيرا
من الحديث في محافل الثقافة في الغرب، و كثيراً من البحوث الطويلة في صحفهالمخصصه للعلوم و الفنون و الاداب، و إحدى هاتين الترجمتين باللغة اللاتينية، و الثانية
/ صفحه 372/
بالفرنسية القديمة، و كلاهما ليس منقولا عن الاصلالعربي مباشرة بل منقول عن ترجمة أخرى باللغة القشتالية ضاعت مع الايام و لم يبق منها غير مقتبسات و غير ما نستطيع معرفته عنها من الترجمتين المنقولتين عنها. أما الاصلالعربي نفسه و عنوانه كما قلنا«كتاب المعراج» فلم يهتد إليه الباحثون الذين عنوا بهذا الموضوع، و لعل واحداً من قراء «رسالة الإسلام» يهتدى إلي التعرف به والتحقق منهمستعيناً بما أورده عنه من وصف و إجمال للمحتويات حسب الترجمتين اللاتينية والفرنسية القديمة، فيسدى بذلك يداً للمشتغلين بالموازنة بين الاداب و يعاون على هذا النحوتعاوناً مثمرا مع العلماء الاوربيين في دراسة ناحية مشرقة من تاريخ الانسانية يلتقى فيها الشرق مع الغرب في النظر في مصير النفس والايمان باليوم الاخر.
ويتصل الكشفالحديث عن «كتاب المعراج» ببحوث يرجع تاريخها إلي نحو خمس و ثلاثين سنة عندما نشر العالم الاسباني المشهور أسين پلاثيوس السَّر قُسْطي بمناسبة دخوله في الاكادميةالاسبانية سنة 1919 كتابا عنوانه: «وصف المسلمين للاخرة في الكوميديا الالهية لدانتى» و معروف أن لقصيدة دانتى في الثفافة الأوربية المسيحية شأنا عظيما لايدانيه شأن أياثر شعرى آخر و يسميها الاوربيون باسم «القصيدة المقدسة» و هي تجمع بين جمال الصناعة في العبارة وروعة التصوير و تضمين الحكمة و المعارف على نحو يكاد يحيط بجميع ماحصلهالاوربيون منها حتي ذلك الوقت، و هي تنقسم إلي أقسام أو أناشيد ثلاثة، الاول عنوانه الجحيم، و الثاني عنوانه: الاعراف، و الثالث عنوانه: الفردوس.
وتتلخص نظرية أسينپلاثيوس في أن دانتى استفاد كثيراً في قصيدته هذه فيما يختص بوصف الحياة الاخرة من مؤلفات محيي الدين بن عربي، لا سيما (الفتوحات المكية) إذ يصف فيه منازل النعيم و درجاتالجنة و مواقع العذاب
و دركات الجحيم و صفاً يشبهه وصف دانتي إلي حد كبير، و كذلك من كتاب أبى العلاء المعرى المسمي (رسالة الغفران) إذ يصف فيه أحوال بعض المشهورين بعدالموت و مقامهم في الدار الاخرة و ما هم فيه من نعيم أو عذاب كما استفاد من
/ صفحه 373/
مصادر إسلامية كانت في متناول طلاب العلم في صقلية و في طليطلة وأشبيلية. وهو يعتمد في منهجه في الغالب على التمثيل و إيراد أوجه التشابه، و يبين بالتفصيل مدى اتساع التبادل الثقافى بين المسلمين و الاوربيين في المائتين الثانية عشرةو الثالثة عشرة بعد الميلاد، و كيف كان الاوربيون من جميع البلاد يقصدون صقلية حيث ظلت الثقافة الاسلامية مزدهرة في بلاط ملوكها النورمانديين والجرمانيين و يذهبون أيضاإلى طليطلة التي ظلت مده طويلة أهم مركز لنقل التراث الاسلامى إلى أوربا في العصور الوسطى. و كذلك إشبيلية، و شرح كيف كان بعض الرهبان المسيحين يعرف العربية ويستفيدبواسطتها من كتب المسلمين حتي ما كان قريب العهد من زمنه بل في زمنه. و تكلم أيضاً في مدى تأثر أحبار المسيحية و كبار معلمها لاسيما في القرن الثالث عشر للميلاد بمفكرىالإسلام، و كيف بلغ عند بعضهم الاعجاب بفلاسفة المسلمين إلي حد حملهم على تفضيلهم في العلم على مواطنيهم و أبناء جنسهم، و كيف دعا بعضهم إلي الاقبال على تعلم اللغةالعربية ليتمكنوا من استيعاب علوم المسلمين التي كانت سبباً لتقدمهم إذ ذاك في مضمار الحضارة و في انتصاراتهم و سايدتهم. و قد صرح دانتى نفسه في بعض مؤلفاته بأن في الكلامبلادا أجمل من وطنه توسكانا، و مدنا أجمل من مدينته فلورلسه، و أمما تتكلم لغات أفضل و أنفع من لغات الشعوب اللاتينية. و لعل هذا التصريح و غيره من القرائن، مما جعل أسينلايستبعد أن يكون دانتي نفسه قد تعلم العربية.
و في الواقع إنه يجوز ان يكون دانتى عرف شئياً من اللغة العربية، و لكن مما لاشك فيه أنه لم يبلغ في معرفته بها درجة تمكنهمن قراءة كتب صعبة مثل مؤلفات أبي العلاء المعرى و محي الذين ابن عربي وأمثالها ممن ذهب أسين إلي أن مؤلفاتهم مصادر لبعض المعارف التي تضمنتها قصيدة دانتى الخالدة ولم يصحدليل على أنها في عهده كانت مترجمة
إلى لغة أوربية.
و تناول أسين أيضاً مسألة كبير الاهمية، و لكنه لم يورد لهاحلا، وكان في تناوله لهذه المسألة بالبحث أقرب مايكون إلى إصابة الدليل الصحيح على
/ صفحه 374/
المصدر الرئيسي الذي استقي منه دانتي الكثير من معلوماته الخاصة بوصف الحياة الاخرة. ذلك أنه في معرضكلامه عن الصلات الثقافية بين إسبانيا و فلورنسه موطن الشاعر الظيم أشار إلى الاخبار الخاصة بالسفير برونتو لاتيني الذي بعثت به فلورنسة في سنة 1260 ميلادية إلى بلاطالفونس العاشر ملك قشتاله واشبيلية وغيرها من بلاد إسبانيا، و عاد بعد سفارته إلي وطنه حاملا بعض الكتب المترجمة من العربية فى عهد هذا الملك الملقب بالحكيم.
و قالأسين إنه ربما كان بين ما حمله السفير من كتب إلي فلورنسه ترجمة ما لكتاب عربي يتكلم في وصف المسلمين للحياة الاخرة. بل إن أسين اقترب إلي سر الموضوع أكثر من ذلك عند ما ذكراسم كتاب أسباني قال باحتمال اطلاع دانتي عليه واستفادته منه مباشرة، و لم يكن يدور بخلده أن هذا الكتاب نفسه يحتوى على معلومات مستمدة من الترجمة القشتالية لكتابالمعراج التي سنتكلم عنها عن قريب.
و معني ذلك أن بحث أسين بالرغم مما احتوى عليه من رأي صحيح و من ثروة هائلة في المعلومات استحق جمعها إعجاب المؤيدين و المعارضين ظلتأدلته في حاجة إلى حلقة واحدة ليستقيم قياسه، و لتصير نظريته سليمة مقبولة عند الجميع، بعيدة عن كل شك و طعن.
وكان هناك عالمان يعمل كل منهما مستقلا عن الاخر عكفا علىالبحث عن هذه الحلقة المفقودة حتي عثرا عليها في صورة ترجمة لاتينية و أخرى فرنسية لكتاب عربي اسمه (كتاب المعراج) و قد صنعت الترجمتان في عهد الفونس العاشر نفسه و بأمرمنه. و هذان العالمان هما إنريكو شيرولي cerulli سفير إيطاليا في طهران في الوقت الحاضر، والثانى أسباني اسمه سندينو sendino وقد أتما بذلك بحث أسين و وضع كشفهما نهاية لم احتدممن قبل من جدال طويل
حول هذا الموضوع تجاوز أحياناً حدود الاعتدال.
وتتلخص قصة هذه الترجمة في أن ألفونس العاشر الملقب في الاسبانية بالحكيم.
/صفحه 375/
ملك قشتالة و طليطلة و إشبيلية و قرطبة و غيرها من بلاد أسبانيا، التي كان لا يزال يقيم فيها المسلمون إذا ذاك، طلب إلي طبيب يهودى اسمه إبراهيم الحكيم أنينقل له من العربية إلي القشتاليه «كتاب المعراج» فأتم الترجمة في سنة 1264 ثم طلب اللمك أيضاً إلي كاتب إيطالي يعمل في خدمته اسمه بوناثنتورا من مدينة سينا أن ينقلالترجمة القشتالية إلي اللفتين اللاتينية و الفرنسية القديمة فأنجزهما في نفس السنة. و يدل هذا الحرص من الملك الحكيم الذي كان في الوقت نفسه رئيساً للامبراطوريةالرومانية على نقل الكتاب إلى لغات ثلاث في نفس الوقت على مبلغ تقديره لاهميته و رغبة في تيسير الاطلاع عليه و إذاعته فيما وراء الحدود الاسبانية في جميع أنحاءالامبراطورية الرومانية و غيرها من البلاد.
و لدينا دليل ظاهر على السبب الذي دعا الملك إلي الاهتمام بالكتاب وهو ظن على كل حال و لولا أن هذالظن نفسه كان من القوةبحيث وجه عالماً كبيراً من قبل وجهة معينة لما أوردناه ذلك أنه يغلب على ظني أن المترجم اليهودى و كان من المقربين إلي الملك ربما أوهمه أن الكتاب من تأليف النبي محمدنفسه، و في أوائل النصف الثانى من القرن الميلادى الماضي وقع نظر المستشرق المعروف اشتاينشنيدر STeinse Hneider بين مخطوطات أكسفورد على عنوان كتاب المعراج مرسوما تصوره مشوهةتجمع بين أداء النطق العبرى و التحريف اللاتيني ورآه في العنوان نفسه منسوباً إلى محمد، فلم يكلف نفسه مشقة فتح الكتاب و النظر في مضمونه، و لم يتردد في أن يقرر أنه ترجمةلسورة «المعارج» من القرآن الكريم، و ذلك لان المستشرقين جروا على نسبة القرآن إلي النبي نفسه.
و الواقع أن صاحب الترجمتين اللاتينية و الفرنسية القديمة المنقولتينعن الترجمة القشتالية المفقودة يذكر في مقدمة كل منهما ماتعريبه: «هذا هو الكتاب الذي يسمي بالعربية «المعراج».... صنعه محمد و أعطاه هذا الاسم، و به يسميه
الناس، و هويشرح صعود محمد الي السماء بطريق المعراج، كما ستسمعون فيما بلي و كيف رأي العجائب التي أطلعه الله عليها كما يقول هو نفسه، وكما يتبين في الكتاب.
/ صفحه376/
ومعنى ذلك أن نسبة الكتاب الي النبي كانت موضوعة و مؤكدة بوضوح في نسخ الترجمة التي قرأها الاوربيون في ا لعصور الوسطي.
وبعد ذلك يذكر المترجم في كلتاالنسختين اللاتينية و الفرنسية القديمة أنه نقل كتاب المعراج بأمر الملك ألفونس عن الترجمة الاسبانية التي صنعها إبراهيم الطبيب اليهودى تنفيذاً لامر الملك نفهسه. ونقرأ بعد هذه المقدمة فهرست الفصول و عددها خمسة و ثمانون فصلا، وهذه نماذج من عناوين الفصول:
الفصل الاول: الكلام في كيفية مجىء جبريل الى محمد، و ماذا قال له. الفصل الثاني: الكلام في صفة الحيوان الذي أحضره جبريل إلى محمد ليذهب به الى بيت المقدس.
الفصل الثالث: الكلام في كيف سمع محمد أثناء سيره أصواتاً تناديه، و ماذاقال جبريل عنها.
الفصل الخامس: في صورة المعراج الذي عرج به محمد إلى السماء.
الفصل التاسع: الكلام في كيف رأي محمد أحد الملائكة في صورة ديك و كان نصفه من نار ونصفه الاخر من الثلج، و ماذا كان يصنع.
الفصل العاشر: كيف رأي محمد خازن النار، و ماذا قال لمحمد عن أمته.
الفصل الثاني عشر: الكلام في كيفية دخول محمد الى السماءالاولى و وصف ما وجد فيها.
الفصل التاسع عشر: الكلام في السماء الثامنة.
الفصل العشرون: الكلام في كيفية كلام الله الى محمد و كيف رأي عرش الله.
الفصل الثلاثون:الكلام في كيف رأي محمد سور الجنة، وصفة السور و كيف خطا إليه.
/ صفحه 377/
الفصل الخامس و الاربعون: كيف وجد محمد خازن الجنة، و ماذا قال له، و ماذا أراه.
الفصل التاسع و الاربعون: الكلام في كيف تلقى محمد القرآن من الله
الفصل الخمسون: فى كيف خفف على محمد عدد الصلوات التي فرضها الله
الفصل الرابع و الخمسون:الكلام في كيف رأي محمد أرض الجحيم الاولى و ما كان فيها من أشياء.
الفصل الستون: الكلام في الارض السادسة.
الفصل التاسع و الستون: الكلام في كيفية سوال محمد لجبريلعما إذا كانت السموات و الارضون و سائر المخلوقات تتحدث فيمابينهما و كيف أجابه جبريل.
الفصل السبعون: الكلام في كيف يفرق الله نعمه على الخلق.
الفصل السابع والسبعون: الكلام في الجبال المحيطة بالصراط، و في أنهار النار، و سائر ما يوحد هناك.
الفصل التاسع و السبعون: الكلام في كيف رأي محمد مختلف ألوان العذاب مما يعانيهالمخطئون في النار.
الفصل الثاني و الثمانون: الكلام في كيف أخبر محمد أهل قريش بجميع ما رأي من أمور و كيف ردوا عليه.
الفصل الخامس و الثمانون (و هو الفصل الاخير):الكلام في كيف أملى محمد جميع هذه الامور المذكورة و دونها و كيف جعل منها هذا الكتاب الذي سماه المعراج.
و إذا نظرنا في بداية الكتاب تبين لنا أن القسم الاول منهالايمكن أن يصدر عن النبى محمد (صلى الله عليه و سلم)، لانها في الواقع محاكاة لطريقة المؤلفين الاوربيين في العصور الوسطى، إذ يخاطب المؤلف الجمهور معرفاً بنفسه،ذاكراً
/ صفحه 378/
اسمه واسم أبيه و وطنه «وما ينتمي إليه من أمة أو جنس. و بذلك فنحن لا نشك في أن هذا القسم من وضع المترجم اليهودى ابراهيم الحكيم،ولكنه سرعان ما ينتقل إلي وصف مجيء جبريل إلي النبي فيقول على لسانه: «بينما كنت في
دارى بمكة راقداً في فراشى بجوار زوجتى أم هانى... أتانى جبرئيل الملك، و ظهر لى فيهذه الصورة، كان وجهه أبيض من اللبن، لا تشوبة شائبة، و شعره أحمر في حمرة المرجان، بل أشد حمرة، و أهداب عينيه طويلة، وفمه جميل في صورة حسنة.... الخ جاءني جبريل في تلكالصورة، و قال لى: يا محمد يا رسول الله، قم و استعد.... و اتبعنى لان الله يريد أن يطلعك على أسرار عجائبه... الخ».
وفي النهاية شهادة من أبي بكر و ابن عباس بصدق جميع ما فيالكتاب من أخبار، و دعوتهما إلى تصديق كل صغيرة و كبيرة مماورد فيه.
(انتهى كتاب محمد في الصعود إلى السماء المسمى بالعربية «المعراج»).
و جاء في الترجمة الفرنسيه،أن الكتاب نقل من الاسبانية إلى الفرنسية في سنة 1264 ميلادية في شهر مايو.
ونحن نعتقد أن هذا الكتاب الذي كان له بفضل نقله إلي اللغات اللاتينية و الاسبانية و الفرنسيةفي العصور الوسطى ماكان من تأثير واسع المدى، عظيم الخطر، لايزيد على كونه من المؤلفات الشعبية الاسلامية، و لكن المترجم اليهودى أضاف إليه قليلا من الزيادات ليجعلهمماثلا في صورته لكتب عصره. و كان احتفال الاوربيين به راجعاً إلى اعتقادهم أنه من تأليف النبي محمد على نحو ما قرره المترجم. ولكن دانتي استمد ما فيه من صور رائعة تمت إليالعقيدة الاسلامية بنسب قوى. ولم يعبأ دانتي بتصرف المترجم، و إنما قصد إلي ما في الرواية والاخبار من عقيدة و هدف و صور فنية؟