عناصرُ وُجوُد الأمة الاإسْلامية
لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الدكتور محمود فياض أستاذ التاريخالإسلامى بكلية أصول الدين بالأزهر ـ 3 ـ2ـ و أما جبر المسلمين غيرَهم على معتقداتهم فهذا أمر لم يحدث إطلاقا و يشهد بذلك المؤرخون من غير المسلمين، و منشاء فليعطنا مثلا و احدا أرغم فيه شخص على اعتناق الإسلام!. و ما كان ذلك ليحدث من قوم يعلن كتابهم الحرية الفكرية و حرية الاعتقاد بشكل لم تعرفه الانسانية من قبله؛ وقد جعل للدعوة إلى الله سبيلا واضحة لا لبس فيها «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و ا لموعظة الحسنة، و جادلهم بالتى هى أحسن، فدعا أرباب المعرفة و العلم إلى النظر فى سنن الكون،و فرض لهم الفروض، حتى إنه ليفرض تعدد الآلهة ليقرر الوحدانية «لو كان فيهما آلة إلا الله لفسدتا». «أإله مع الله»؟ ثم قرر قضية لا تحتمل الجدل « لا إكراه فى الدين. قد تبينالرشد من الغي». «و قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن، و من شاء فليكفر». فهل و راء ذلك قول لمتحامل على الاسلام؟
و لقد كان منهج الداعين إلى الله فى فتوحاتهم منهجا عادلاغاية العدالة: «لسنا نطلب منكم إلا واحدة من ثلاث: الاسلام. و لكم مالنا و عليكم ما علينا، أو الجزية و أنتم فى ذمتنا و حمايتنا، أو الحرب حتى يحكم الله بيننا».
ولم تكنالحروب الإسلامية مجرد عدوان أو رغبة فى التوسع و الاستعمار، فقد حدث أن قائد الفرس «رستم» سأل المسلمين. فإذا أعطينا كم هذه: «الإسلام، فماذا تفعلون؟ قالوا: ندعكم وبلادكم و نجاوزكم إلى غير كم.
على أن المسلمين لو وجدوا سلاما لما حملوا سلاحا. أليس من حقهم أن يؤمنوا دعوتهم و يحموها و يدفعوا عنها خصومها؟ أليس من العدالةـ و قد قرروا الحرية المطلقة للناس أجمعين ـ أن تتاح لهم الظروف لاستعمال حريتهم، و أن يمكنوا من الدعوة إلى الله فى سلام؟ ثم إذا منعهم الناس من حقوقهم فحملوا السلاحلحماية أنفسهم و دعوتهم، قيل إنهم أهل جبروت!(1)
و الحق أن القرآن الكريم هو أول أستاذ للعقل البشري. قررالحرية و الأخوة و المساواة للإنسانية كلها. و جعلها عناصر لا بدمنها لوجود الأمة الاسلامية، و ربطها بالدين ربطا لا مجال للتخلص منه أو إهداره، إلا بالتخلص2 من الدين و إهدار تعاليمنه، و جعل هذه الحقوق الإنسانية هبة إلهية لامنحةبشرية، و جعلها فطرية من مقتضيات و حدانية الخالق و وحدة الأصل. لا مكتسبة بالثورات الشعبية، فاذا سولت للناس ظروفهم المدنية إلغاءها أو الحدمنها لدوافع مدنية وجدواأنفسهم ملزمين بالحفاظ عليها، و فك عقلها لمقررات دينية! و هذه أول مرة يُكرّم فيها الإنسان، و تقرر فيها تلك المباديء بشكل يضمن للمجتمع الذى تسود فيه حياة أمن و سلام، وعدل و رخاء(2). و إذن فليس حقا ما يزعمه الزاعمون من أن ثورة الفرنسيين فى القرن التاسع عشر الميلادى هى التى أعلنت «حقوق الانسان» و لا يبعد ـ بل هذا هو اعتقادى ـ أن هذهالثورة قد استمدت ما أعلنته من تعاليم الاسلام! إذ أن «روسو» صاحب انجيل الثورة ممن تتلمذوا على مباديء الاسلام، و توحى إلينا بذلك عباراته:«كان لمحمد آراء فى منتهىالحكمة. و قد أحكم أطراف مذهبه السياسي، و كانت الحكومة فى عهد خلفائه موحدة متينة الدعائم، ما احتفظت بالشكل الذى وضعه لها …».(3)
(1) راجعالقرآن و القتال للاستاذ الشيخ محمود شلتوت.(2) راجع مقالنا الإسلام و الحكم، فى العددين الرابع و الخامس من مجلة الشبان المسلمين «نوفمبر سنة 1946».(3)العقد الاجتماعي. الكتاب الرابع. الفصل الثامن.