مذهب المبرد في النقد الأدبي
لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الشيخ علي العماريالمدرس بالأزهر من هوالمبرد:
محمد بن يزيد، أبو العباس، الازدي، النحوي، اللغوي، الأديب. تلمذ للمازني وأبي عمرو الجرمي، وقرأ عليهما كتاب سيبويه، وكان امام العربية ببغداد، واليهانتهى علمها بعد الطبقة السادسة من طبقات النحاة البصريين، فكان هو شيخ الطبقة السابعة، وعلى يديه ويدى معاصره أبي العباس أحمد بن يحيى الشهير بثعلب، شيخ الطبقة الخامسةمن طبقات الكوفيين، انتهى الاجتهاد في النحو. (وكان حسن المحاضرة، فصيحاً، بليغاً، مليح الأخبار، ثقة فيما يرويه، كثير النوادر، فيه ظرافة ولباقة) ـ كما يقول ياقوت،في ارشاد الاريب الى معرفة الاديب ـ وقد يشهد لظرافته هذا الشعر الذي أثر عنه في أيام الشباب، والذي يقول في مطلعه:
حبذا ماء العناقيـ
ـد بريق الغانيات
ـد بريق الغانيات
ـد بريق الغانيات
وفتيانية الظرفاء فيه
وأبهة الكبير بغير كبر
وأبهة الكبير بغير كبر
وأبهة الكبير بغير كبر
وقد عاصر ثعلبا، وكان بينهما ما يكون بين المتعاصرين منالتنافس، وكان المبرد يحب لقاء ثعلب، ويكره ثعلب لقاءه، وقالوا في تعليل ذلك: ان المبرد كان (حسن العبارة، حلو الاشارة، فصيح اللسان، ظاهر البيان، وثعلب مذهبه مذهبالمعلمين). ومع ذلك فقد حكم لثعلب في المناظرة الشهيرة التي جرت في مجلس الأمير محمد بن عبدالله بن طاهر، وهي احدى مناظرات بينهما، وقام المبرد من المجلس مقهوراً، قالالزبيدي (القول ما قال المبرد، وانما سكت لما رأى من بله القوم، وقلة معرفتهم).
ولأمر ما جرى القضاء بأن يغلب الأقوى والأعلم في كثير من هذه المناظرات، ومن أشهر ذلكاندحار سيبويه أمام الكسائي، حتى خرج من بغداد متوجها نحو فارس خزيان أن ينزل البصرة، وهو امامها بلا منازع، ومات في فارس غما، وكان الحق معه، وانهزام أبي بكر الخوارزميأمام البديع الهمذاني، وقد اغتم اغتماما شديداً، ولم يحل عليه الحول حتى مات، وخذلان سعد الدين التفتازاني أمام تلميذه السيد الشريف الجرجاني، وموته من ذلك كمدا، ولكنلله تدبيرا تعجز عن ادراك كنهه العقول.
وتوفى المبرد في عام 285 هـ وعمره خمس وسبعون سنة أو تسع وسبعون سنة على حسب الاختلاف في تاريخ مولده، وله كتب كثيرة من أشهرهاكتاب الكامل وهو عمدتنا في هذا البحث.
هل كان المبرد ناقداً؟
عاش المبرد في القرن الثالث في مدينة بغداد عالماً نحوياً لغوياً، يأخذ عن كبار النحويين، ويتأدب علىجهابذة الرواة، ويجالس الجاحظ، ويصاحب ابن قتيبة وكانت بغداد تموج بالثقافات المختلفة، ويتجه بعض علماء العربية الى هذه الثقافة
/ صحفة 79 /الجديدة التي وفدتعليهم من يونان وفارس، ويحتدم الجدل حول كثير من المسائل النحوية والكلامية والأدبية، فهل شارك ابن قتيبة في النقد الأدبي كما شارك في غير ذلك من أنواع المعارف؟ وهل تأثربهذه المعارف الحديثة؟
اننا اذا أردنا من النقد وضع قواعد عامة أشبه بقواعد العلوم، ثم تطبيقها على الآثار الأدبية من شعر ونثر، فلا يخطر ببالنا أن نضع المبرد بينالنقاد، أما اذا أردنا المشاركة في النقد على طريقة الأدباء والرواة، فلا يحق لنا أن نغفل المبرد، ولقد جرى المؤرخون للنقد الأدبي على أن يهملوا أبا العباس، واذا ذكرهبعضهم مر بكتابه الكامل مروراً عابرا، على حين يقفون طويلا عند ابن سلام الجمحى وابن قتيبة، ولا نجد فارقا كبيراً بين الرجال الثلاثة من حيث معالجة النقد أكثر من أن كلامن الجمحى وابن قتيبة وضع مقدمة تحدث فيها عن أمور تمس النقد الأدبي مساً قوياً، ونحن نستطيع بسهولة أن نجمع اللمحات التي دونها أبو العباس في كتابه، وأن نتفهم الأسرارالتي بنى عليها اختياره لبعض الآثار ليصير لنا من ذلك مجموعة قواعد، هي ما شارك به المبرد في ميدان النقد الأدبي، وهذا ما عقدنا عليه النية في هذا البحث.
ومن المعروفلدى الدارسين للبلاغة العربية أن النقد كان أولا نظرات تكاد تكون عابرة من الشعراء والكتاب، وأصحاب المشاركة الأدبية من الخلفاء والأمراء، ثم انتقلت هذه النظرات الىبطون الدفاتر، وأضاف اليها المؤلفون نظرات من أذواقهم الخاصة، وهذا هو الذي كان في القرن الثالث على عهد المبرد اذا استثنينا عبد الله بن المعتز الذي حاول أن يدون قواعدأشبه بالقواعد العلمية للنقد الأدبي، أو للبلاغة العربية.
أولى المسائل التي شارك فيها المبرد:
مشكلة القديم والحديث مشكلة قائمة في كل عصر، وفي كل الآدابوالفنون: قوم يتعصبون للقديم ويفضلونه، ويعدون كل حديث ساقطا، وقوم يتعصبون للجديد ويقدمونه، ويعتبرون كل قديم باطلا، وطائفة ثالثة تنظر بعين الانصاف، / صحفة 80 /فتأخذ من القديم وتأخذ من الحديث على اختلاف في درجة الأخذ حسب الاختلاف في الانصاف والذوق، وهذا هو الذي كان في أدبنا العربي منذ بدأ العلماء والشعراء يتحدثون فيتاريخه ونقده، فكان من الرواة واللغويين من ينظر الى القديم بعين الاجلال والتقديس، يدافع عنه، ويناضل دونه، ويركب الشطط في الاحتجاج لما عساه يكون على غير المنهج منه،وفي الوقت ذاته يعرضون عن الجديد اعراضاً تاماً، حتى ليظهر أثر التشيع للقديم في كل أقوالهم، وفي سلوكهم عند المدارسة أو الاختيار، وحتى ليركبون في ذلك ما لا يقره منطقولا عقل: سئل أبو عمرو بن العلاء عن الأخطل فقال: (لو أدرك يوما واحداً من الجاهلية ما قدمت عليه أحداً) وهذا كلام بالغ في الغرابة، بل مجاوز حد المعقول. ويرى الفرزدقوجريراً وأشباههما يحبرون القوافى، ويجيدون القول، فيعجبه شعرهم، ولكن تعصبه للقديم يحول بينه وبين الانصاف، فيقول (لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت بروايته) ربماكان لهؤلاء الرواة بعض العذر في تفضيلهم القديم على المحدث (فمن الثابت لدى معظم النقاد أن خير أشعار الشعوب هو ما قالته أيام بدواتها الأولى، وفي تاريخ الادب العربي مايزيد من رجحان كفة قديم الشعر على حديثه، وهو صدور القديم عن طبع وحياة، وصدور أغلب الحديث عن تقليد وفن)(1)، ولكن هذا لا ينهض عذرا لهذا التعصب الزائد الذي لا يتورع معهصاحبه أن يتنكر لحسه وذوقه، روى الصولي في أخبار أبي تمام عن رجل اسمه أبو عمرو بن أبي الحسن الطوسي أنه قال: (وجه بي أبي الى ابن الاعرابي لأقرأ عليه أشعارا، وكنت معجبابشعر أبي تمام فقرأت عليه من أشعار هذيل، ثم قرأت أرجورة أبى تمام على أنها لبعض شعراء هذيل:
وعاذل عذلته في عذله
فظن أنى جاهل من جهله
فظن أنى جاهل من جهله
فظن أنى جاهل من جهله
(1) النقد المنهجي عند العرب ص 13.