من اسرار السیاسة النبویة فی معاهدتین نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

من اسرار السیاسة النبویة فی معاهدتین - نسخه متنی

عبد المتعال الصعیدی

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

من أسرار السياسة النبوية





في معاهدتين

لحضرة صاحب الفضيلة الشيخ عبد المنعال الصعيدي

الأستاذ بكلية اللغةالعربية

عرضت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وهو بمكة معاهدتان: إحداهما من بني عامر، والثانية من الأوس والخزرج، الذين عرفوا بعد الإسلام باسم الأنصار فرفضالنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) المعاهدة الأولى، وقبل المعاهدة الثانية، مع أن بني عامر كانوا أسبق إلى عرض معاهدتهم من الأوس والخزرج، ومع أن النبي (صلى الله عليهوآله وسلّم) كان في أشد حاجة إلى من يعاهده ليحميه من أعدائه.

وبيان السر في هذا من أسرار السيرة النبوية المملوءة بنفائس الأسرار، المفعمة بدقائق الحكم، وفي معرفتهاهدايتنا فيما يحيط بنا من حوالك الخطوب، ونجلسا مما نزل بنا من المصائب، ولكن المسلمين ابتلوا بمن لا يبصرهم هذه الأسرار، ولا يهمه من دنياه إلا دناً الجاه والمنصب، فإذاظفر بها كان شراً على المسلمين من أعدائهم، وويل لهؤلاء الذين لا يهمهم إلا أنفسهم، يوم يتنبه المسلمون من غفلتهم ويعلمون من كانوا سبباً في وقوع هذه المصائب بهم.

لقدعرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) نفسه في موسم من مواسم الحج على القبائل فأعجب به رجل من بني عامر يقال له (بيجرة بن فراس) بهره ما رآه من فصاحته، وما شاهده من قوةجنانه ورباطة جأشه، فقال: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): أرأيت إن نحن

/ صفحة 194 /

تابعناك على أمرك،ثم أظهرك الله علي من خالفك، أيكون لنا الأمر بعدك?

فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): (الأمر بيد الله يضعه حيث يشاء) فقال بيجرة: أفنهدف نحورنا للعرب دونك،فإذا أظهرك الله كان الأم لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك.

ولو تمت هذه المعاهدة لكانت معاهدة هجومية، يراد منها كشن حرب على العرب لأكل الأموال، والاستيلاء على الغنائم،وإقامة ملك عليهم لبني عام)، يتولاه بيجرة بن فراس أو غيره من رؤسائهم، والإسلام لا يريد مثل هذه الحروب، وإنما يريد أن يتمكن من الدعوة إلى رسالته بالنبي هي أحسن، فلايلجأ إلى الحرب إلا إذا كانت دفاعية لا هجومية، وكذلك لا يريد الإسلام من دعوته أكل أموال الناس، ولا يريد الإستيلاء على المغانم، ولا يريد إقامة ملك لقومه أو لغيرهم منقبائل العرب، وإنما تأتي المغانم فيه عرضاً في حرب من الحروب المشروعة، فتكون تعويضاً عما خسره فيها من النفوس والأموال، أو تأديباً لمن أعتدى بها عليه من غير حق، ليكفعنها في المستقبل، ولا يعود بعدها إلى الإعتداء، وكذلك يأتي الملك والسلطان فيه عرضاً، لأنه لابد لكل جماعة من سلطان يدبر أمورهم، ويسعى في مصالحهم،ويمنع قويهم منضعيفهم، ويضرب على أيدي المفسدين فيهم، ولا ينافي هذا ما أتى في القرآن من وعد الله للمسلمين أن يمكن لهم في الأرض، وأن يستخلفهم فيها على غيرهم، لأن هذا الوعد لا يتعدىأن يكون جزاء لهم على صلاح حالهم بالإسلام، وهذه سنة الله تعالى في المسلمين وغيرهم، كما قال تعالى في الآية ـ 105 ـ من سورة الأنبياء: (ولقد كتبا في الزبور من بعد الذكر أنالأرض يرثها عبادي الصالحون) أي الصالحون لعمارتها بعدلهم واستقامتهم، وبإيمانهم وطاعتهم لربهم، فلم يكن هذا الجزاء مقصوداً بهم من أول الأمر، وإنما كانوا مخلصين لربهمفي جهادهم، فجازاهم بذلك في دنياهم على إخلاصهم.

ثم كان بعد رفض تلك المعاهدة، أن قدم إلى مكة إياس بن معاذ، وأنس ابن رافع مع جماعة من الأوس، ليحالفوا قريشاً علىالخزرج، وكانت قد قامت

/ صفحة 195 /

بينهما حروب، آخرها يوم بعاث، وقد قتل فيه غالب رؤساء الفريقين، ولم يبق من الخزرج إلا عبد الله بن أبي، ولم يبق من الأوس إلا أبوعامر الراهب، فأفنت هذه الحروب رؤسائهم، وألانت نفوسهم، وقربت بينها وبين الدعوة السلمية التي يقوم بها الإسلام، فلما جاء هذا الوفد مكة، جاءهم النبي (صلى الله عليهوآله وسلّم) وقال: هل كلم في خير مما جئتم له: أن تؤمنوا بالله وحده ولا تشركوا به شيئاً، وقد أرسلني الله إلى الكافة. ثم تلا عليهم شيئاً من القرآن، فقال إياس ابن معاذ: ياقوم، هذا والله خير مما جئنا له، فحصبه أنس بن رائع، وقال له: دعنا منك، لقد جئنا لغير هذا. فسكت إياس.

فلما جاء الموسم تعرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لنفر منهميبلغون السنة، كلهم من الخزرج، وهم أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، فدعاهم إلى الإسلام، وإلى معاونته فيرسالته، فقال بعضهم لبعض: إنه للنبي الذي كانت تعدكم به يود، فلا يسبقكم إليه، فآمنوا به جميعاً، وقالوا له: إنا تركنا قومنا بينهم من العداوة ما بينهم، فإن يجمعهم اللهعليك فلا رجل أعز منك. ثم وعدوه أن يلقوه في الموسم المقبل.

فلما كان الموسم المقبل، قدم منهم إثنا عشر رجلاً: عشرة من الخزرج، وإثنان من الأوس، فاجتمعوا بالنبي (صلىالله عليه وآله وسلّم) وبايعوه بيعة دينية: ألا يشركوا بالله شيئاً، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوهفي معروف، فإن وفوا فلهم الجنة، وإن غشوا من ذلك شيئاً فأمرهم إلى الله عز وجل، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ثم أرسل معهم مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم، يقرئانهمالقرآن، ويفقهانهم في الدين، فانتشر الإسلام بهما بين الأوس والخزرج، حتى لم يكن بينهم حديث إلا أمر الإسلام، ثم ذهب إليه منهم في الموسم ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان،وكان النبي قد عزم على أن يعتقد معهم معاهدة سياسية يهاجر

/ صفحة 196 /

بعدها إليهم، فاجتمعوا به سراً، ولم يكن معه من قومه إلا عمه العباس، وهو على دين قومه، وقدأراد أن يحضر هذه المعاهدة السياسية، ليستوثق فيها لابن أخيه، فعرفهم بأنه لم يزل في منعة من قومه، حيث لم يمكنوا منه أحداً ممن أظهر له العداوة والبغضاء، وتحملوا من ذلكأعظم الشدة، ثم قال لهم: إن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإلا فدعوه بين عشيرته، فإنهم لبمكان عظيم. فقالالبراء بن معرور: والله لو كان في أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه، ولكنا نريد الوفاء والصدق، وبذل مهجنا دون رسول الله. ثم قالوا جميعاً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)الله عليه وسلم: خذ لنفسك ولربك ما أحببت. فقال: أشترط لربي أن تعبدوه وحده، ولا تشركوا به شيئاً، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم متى قدمت عليكم، فقالله الهيثم بن التيهان: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال ـ يريد اليهود ـ عهوداً، وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعا? فتبسمالنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وقال: بل الدم الدم، والهدم الهدم ـ يريد إن طالبتم بدم طالبت به، وإن أهدرتموه أهدرته، فبايعوه وبايعهم على ذلك، ثم هاجر إليهم بعد هذهالمعاهدة السياسية.

والفضل في نجاح هذه المعاهدة لفهم الأوس والخزرج رسالة الإسلام من أول الأمر، فلم تلتبس عليهم كما التبست على بني عامر، فقد أردك إياس بن معاذ فيالمرة الأولى أن المعاهدة مع الإسلام خير مما جاءوا له من مخالفة قريش على الخزرج، لأن مخالفتهم مع قريش تقضي باستمرار الحروب فيما بينهم، أما المعاهدة مع النبي (صلىالله عليه وآله وسلّم) فتؤلف بينهم، وتجعلهم إخواناً في هذا الدين الجديد.

وكذلك فهموا في المرة الثانية رسالة الإسلام على أنها دعوة تأليف لا تفريق ورسالة سلام لارسالة حرب ومغانم، وهذا حين قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): إنا تركنا قومنا بينهم من العداوة ما بينهم، فإن يجمعهم الله عليك، فلا رجل أعز منك:

/ صفحة 197 /

فلما جاء في المرة الأخيرة وقت عقد المعاهدة لم يقصدوا منها أن تكون تحالفاً على العرب لأكر أموالهم كما قصدت بنو عامر، ولم يقصدوا منها أن يكون لهم بها ملك على العرب أوغيرهم، وإنما قصدوها على أنها معاهدة دفاعية، يبذلون فيها مهجهم في الدفاع عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) الله عليه وسلم، فلا يعادون إلا من يعاديهم على الإسلام،ولا يحاربون إلا من يحاربهم لأجل أن يفتنهم عنه، كذلك قصدها النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) معاهدة دفاعية، فلم يشتطر عليهم فيها إلا أن يمنعوه حين يقدم عليهم ممايمنعون من نساءهم وأبناءهم.

ولكن قد يقال: إذا كانت هذه المعاهدة معاهدة دفاعية سلمية، فكيف أقر فيها قطع ما كان بين اليهود وعرب الأوس والخزرج من عهود?.

والجوابأن هذه العهود كانت من آثار الحروب بين الأوس والخزرج، ولم تكن عهوداً سلمية يصح بقاؤها بعد هذه المعاهدة السلمية، فإن لما انقسم هؤلاء العرب على أنفسهم، وقامت هذهالحروب بينهم، حالف الأوس منهم بين قريظة من اليهود، وحالف الخزرج منهم بني النضير وبني قينقاع، فوجب بعد هذه المعاهدة السلمية أن تبطل هذه العهود الباغية، ليؤدي هذهالمعاهدة رسالها في التأليف بين الأوس والخزرج، ولا حروب دينية بينهم وبين اليهود، بل تجمع الأوس والخزرج رابطتهم الدينية الجديدة، وتجمعهم واليهود رابطتهم الوطيةالقديمة، ويكون هناك تصاف بينهم جميعاً في ظل هاتين الرابطتين المقدستين.

/ 1