الاجتهاد دنى نظر الاسلام
لحضرة صاحب الفضيلة
الأستاذ الشيخ محمد جواد مغنيه
رئيس المحكمة الشرعيةالجعفرية العليا بيروت
قرأت فى العدد الثانى من السنة الثالثة من مجلة «رسالة الإسلام» الغراء كلمة بهذا العنوان للأستاذ الكبير الدكتور أحمد أمين بك، فرأيتهاكلمة حق أرادبها الإصلاح، و بعثه عليها الإخلاص. استشهد الدكتور بقولى أبى حنيفة و أبى يوسف فى مسألة الثوب المغصوب إذا صبغه الغاصب بالسواد، و بجواب مسكويه لأبى حيانالتوحيدى، استشهد بهذين و بغيرهما على أن الحكم الشرعى يتبع الحالات التى تختلف باختلاف الزمان و المكان. و نجد شواهد كثيرة على هذه الحقيقة فى كتب الشيعة الإمامية،فإنهم يحكمون الحالات و الظروف على أقوال أئمتهم الذين يقدسونهم أعظم تقديس، و يجعلون قول الإمام محكوما للعادة لا حاكما عليها، فيؤولون الأحاديث الثابتة عن أهل البيتحسب العادة المتبعة. من ذلك ما جاء فى كتاب «جواهر الكلام» أنه ثبت عن الإمام الصادق: أن المرأة إذا أهديت لزوجها، و دخلت بيته، ثم اختلفا على ايصال المهر، فقال هو:
/ صفحه 29 /
أعطيت، و قالت هى: كلا، فعليها البينة، وعليه اليمين، و على الرغم من اعتراض صاحب الجواهر و غيره من علماء الشيعة الإمامية بصحة تلك الأحاديثفقد أفتوا بنقيض ظاهرها، و أوجبوا البينة على الزوج، لأنه مدع للايصال و اليمين على الزوجة، لأنها تنكر الإيصال، ثم قال صاحب الجواهر: قد يقال إن العادة كانت فى عصرالأئمة على أن الزوجة لا تهدى إلى بيت زوجها إلا بعد أن تقبض المهر بكامله، و على ذلك تحمل نصوص أهل البيت. (2)
فالمعول إذن على العادة، فإذا تغيرت تغير الحكم.
و فىباب الوقف من كتاب ملحقات العروة الوثقى للسيد كاظم اليزدى: أن ظاهر إجماع الإمامية على أن الوقف لا يتم إلا مع الصيغة اللفظية الدالة عليه صراحة، لأن لفظ و قفت، و تصدقتورد فى حديث أهل البيت، و مع اعتراف السيد بصحة النص و ثبوت الإجماع، فقد أفتى بعدم وجوب الصيغة، و كفاية المعاطاة بالوقف، استناداً إلى أنه قد جرت سيرة الناس و عاداتهمعلى أن يبنوا المسجد للصلاة، و يكون ذلك و قفاً عندهم، فهو وقف أيضاً عند الشرع. أنزل السيد الإجماع و ظاهر النص على حكم العرف، و هذا هو الاجتهاد الذى أراده الدكتور، ودعا إليه بقوله: نريد اجتهاداً مطلقاً يشمل كل شىء حتى فى تقييد النص و وقف العمل به. و أجمع علماء النجف فى هذا العصر على أنه لو قال رجل من شيعة العراق: فلان وصى و لم يزدعلى ذلك تثبت الوصية، و يصرف الوصى ثلث التركة فيما يراه واجباً و راجحا، لأن عادة العراقيين جرت على ذلك، بينما لو قال هذا رجل من جبل عامل تكون الوصية لغواً حيث يلم يعرفالمراد منها.
ـــــــــــــــــــــ
2- كتاب «جواهر الكلام فى شرح شرائع الإسلام» للشيخ محمد حسن الشيخ باقر من علماء القرن التاسع عشر، و ا لكتابأعظم، و الكتاب أعظم مرجع للشيعة الإمامية، فيه جميع أبواب الفقه، و أقوال العلماء المتقدمين و المتأخرين فى كل مسألة مع دليلها و دليلهم العقلى و النقلى، و يقع فى خمسةمجلدات كبار، يبلغ المجلد 500 صفحة على التقريب، طبع مرات عديدة فى ايران بالطبع الحجرى.
/ صفحه 30 /
و فى كتاب الطهارة للشيخ مرتضى الأنصارى: أنالكاهلى روى عن الإمام الصادق أنه سأله عن قوم مسلمين يأكلون فحضرهم رجل مجوسى، أيدعونه إلى الطعام؟ فقال، أكراه أن أحرم عليكم شيئاً تصنعونه فى بلادكم. تدلنا هذهالرواية على أن فى الشريعة الإسلامية أحكاما تستمد من عادات البلاد و آدابها، و أن الأمر ليس كما يظن بأن كل حكم شرعى ثابت مستمركنوا ميس الطبيعة، يخضع له كل شىء، و لايخضع هو لشىء. و فبى المجلد السادس عشر من كتاب بحار الأنوار. أن رجلا قال للإمام موسى بن جعفر: أريد السفر لوجه: فعلمنى ياستخارة إن كان ذلك خيرة يسره الله لى و إن كان شراًصرفه عنى، فقال له: أيجب أن تخرج فى ذلك الوجه؟ قال الرجل: نعم، فقال له: قل اللهم قدر لى الخير، فإنك تقدر على ذلك، رأى الإمام أن الرجل يريد السفر لبعض شؤونه، و أن القلقيساور نفسه خوفا من الخيبة، و أنه لجأ إلى إمامه رغبة فى الاطمئنان و السكينة، لما رأى الإمام ذلك منه، و رأى السفر و اجباً له أمره به، و علمه دعاءاً تدل كلماته و أسلوبهعلى أن الإمام لاحظ حالة الرجل، و وضعه الخاص فأنشأ له هذا الدعاء حسب حالته و ظرفه، فالإمام لم يرشد الرجل إلى دعاء ثابت مقرر لكل من يديد السفر، و لا لكل من ساوره القلق والاضطراب، و إنما نظر إلى ما تستدعيه حالته الخاصة، فوضع لها هذا العلاج الخاص، فكما أن واجب المجتهد أن يبحث عن النصوص الثابتة و القواعد المقررة للشرع، قبل أن يصدرحكمه، عليه أيضاً أن ينظر إلى عادات الناس و تصرفاتهم و أوضاعهم، ثم يتخذ منها مقاييس لأحكامه، على أن يلائم بين تلك النصوص الثابتة و القواعد المقررة، و هذه المقاييسالتى فرضتها الحياة و حاجاتها المتباينة، أى أن يضيف إلى النصوص و القواعد الشرعية مبدأ شاملا و قاعدة عامة، و هى أن كل مالا يحقق لنا المصلحة و الخير و النفع لا يجب العملبه.
/ صفحه 31 /
و بهذه المناسبة ننقل ما قاله صاحب الجواهر فى باب الشهادات، و قد خالف الفقهاء فى رأى رآه قال متهكماً على المقلدين الجامدين: و ظنى أنمن يقف على كلامى هذا يستبشعه و يستنكره لخلو كلام الأصحاب (3) عن تحريره، لأنهم لا يطيلون إلا بذكر المناسبات التى لا تصلح دليلا شرعياً، و التى هى أشبه شىء بالعللالنحوية تسطر لتشويش الأذهان، و منع العقول عن بلوغ الحقايق، و خاصة من اعتاد التقليد، و .ثبت العصمة لغير المعصوم. لقد تنبه هذا الحبر الجليل إلى هذه الحقيقة منذ أكثر منمائة عام، و أعلنها حين لم تكن الحياة و الأفكار فى عهده كما هى عليه اليوم، أما نحن فما زلنا نعتمد الكثير من تلك الأدلة التى نعتها صاحب الجواهر بالتشويش و تحجيرالعقول، و نخرّج عليها أحكاماً لحياتنا التى لا تمت بصلة قريبة أو بعيدة إلى حياة أولئك الفقهاء لقد كان صاحب الجواهر أبعد نظراً، و أصح تفكيرا، و أكثر تفهماً للشريعة ومقاصدها من رجال الدين فى هذا العصر حتى كأنه خلق قبل زمانه بمائة عام، و خلقنا نحن بعقول من سبقونا بألف عام، يجب أن نكيف اجتهاداتنا حسب حاجاتنا و ظروفنا على أساسمبادىء الإسلام العامة، و مقاصد الشريعة السمحة المرنة غير مكترثين بقول من تقدم أو تأخر، ما دمنا على بينة من الشرع و العقل.