صحوة الإسلامیة فی مطلع القرن العشرین و أثرها فی التصدی للإستعمار نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

صحوة الإسلامیة فی مطلع القرن العشرین و أثرها فی التصدی للإستعمار - نسخه متنی

حسن الهاشمی

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

الصحوة الإسلامية في مطلع القرن العشرين وأثرها في التصدي للإستعمار

أ.حسن الهاشمي

باحث إسلامي عراقي

المقدمة‎:

ان للفكر والثقافة الاسلامية أثرا فاعلا في تحريك الجماهير، وتأجيج النفوس للثورة ضد الظلموالاستبداد والاعتساف‎، أياً كان مصدره‎، سواء أكان استعماراً أجنبياً كافراً، أو حكماً مستبداً ظالماً، او ملكاً فاسداً، لا فرق في ذلك فان كل من ينزُّ للسيطرةوالاخضاع‎ والافساد، لمصالح شخصية أو لأهواء ذاتية أو لدوافع شيطانية‎، فان الفكر الاسلامي له‎ بالمرصاد، يكشف عوراته ويدحض أباطيله‎، ويرأب الصدع الذي قد يحدثة فيأوساط‎ المجتمع الاسلامي.

فالاسلام وبما يحمل من أفكار متعالية وقيم سامية‎، كالتنظيم الدقيق للحياة الاجتماعية‎ والاقتصادية والسياسية بين الافراد، وإطلاقالحريات التي تضمن سعادة البشر في الدارين‎، ونبذ العنصرية بشتى اشكالها، والمساواة والعدالة وتهذيب النفس والمروءة والاحسان والرأفة والإخاء والتعاون وغيرها الكثيرمن الاحكام التي لها بالغ الاثر في صيأنة الامة من الانحراف‎ والتيه والضياع‎، فأنه قادر على تلبية مطالب الامة في الحرية والانعتاق والرفعة والكرامة‎ والسيادة‎.

وطالما أن الامة الاسلامية تحمل بين جنباتها تراثاً عظيماً ومتكاملاً، فانها قادرة على‎ التصدي للأزمات الداخلية والخارجية التي تعصف بها،وهي قادرة أيضاً على التفاعل وبشكل‎ مستمر مع القيادة العلمائية المخلصة التي تمثل السماء وأخلاق الانبياء وصفح النبلاء.

ان التفاعل الحيوي والمثمر بين العلماءوالامة لة ابعاد حقيقية لا تقتصر على حياة الانسان‎ الدنيوية فحسب‎، بل تتعداها الى الحياة الابدية في الآخرة، وان هذا التفاعل تربطه أواصر أوثق‎ من الصلات التي تربطبين القيادة والامة في المجتمع المادي، البعيد عن قداسة الوجود وكمالات النفس ومراتب الاخلاق والمناقب الانسانية‎.

فيمكن أن تكون الاواصر المادية مقتصرة علىالمنافع الشخصية الآنية دونما ملاحظة قيم‎ وأخلاق وتعهدات‎، بيد أن هذه المعاني يمكن مشاهدتها بوضوح في العلاقة التي تربط بين الامة‎ الاسلامية وعلمائها الابرار منجهة‎، وبين المسلمين في تعاملهم مع بعضهم البعض‎، وفي تعاملهم مع الشعوب وبقية الأطر الفكرية والثقافية السائدة في العالم من جهة ثانية‎، وكيفية‎ التعاطي مع الاحداثوالازمات والوقائع حسبما تتطلبة الظروف القاهرة، وحسبما تقتضية‎ الإمكانات المتاحة من جهة ثالثة‎.

فلو أخذنا شعب العراق أبان ثورة العشرين بنظر الاعتبار فأنه قدعاش في كنف قائد قادر على أن يحقق له آمالة ويخفف عنه آلامه‎، انه إلتف حول قيادة الامام الشيخ محمد تقي الشيرازي، الذي جمع بين ذرابة السيف وذلاقة القلم‎، ذلك القائدالذكي والسياسي الشريف‎، الذي انتهل من ينبوع الاسلام الخالد، استطاع من أن يجنّد كل الطاقات ويشحذ كل الهمم في مدة قصيرة‎، ويخلّص العراق وشعبه من سيطرة الاستعمارالمباشرة بعد سنتين من توليّه الزعامة الدينية

والسياسية في المجتمع الاسلامي العراقي. في حين أن دولاً أخرى أبان حملة الاستعمار قد استسلمتلرقاد طويل، دام في بعضها زهاء قرن كامل من الزمن‎.

الجهود كلها تظافرت آنذاك للقيام بالثورة العتيدة‎، شعب ساخط‎، قائد ملهم‎، طبقة قيادية ميدانية من علماء الدينوبعض الوطنيين الاحرار، طلائع الامة المضحية‎، جماهير مؤمنة‎ بالقيادة الرشيدة‎، قرارات حكيمة صادرة عن تلك القيادة‎، منهج عمل واضح‎، كل هذه المقومات‎ تظافرتوتوالدت على ضفافها قناديل الامل نحو الاصلاح والتغيير والانعتاق من كل ظلم‎ وتعسف وعلى مر العصور.

ولكي لا نطيل في قراءة صفحات المجد الغابر والتباكي على الايامالخوالي، ولكي نستلهم‎ من الصحوة الاسلامية دروس البطولة والفداء والتضحية، ولكي نقف على أهم الروافد الفكرية‎ والثقافية التي كانت تقف وراء تلك الصحوة، إليك- عزيزيالقارئ - هذه الدراسة التحليلية‎ عن الظروف التي كانت تكتنف المجتمع الاسلامي آنذاك وأهم المرتكزات الفكرية التي انطلق‎ ذلك المجتمع وقادته من خلالها، لمكافحة ظاهرةالاستعمار السياسي والعسكري والثقافي.

الهجوم الغاشم

يمكن اعتبار الفترة الممتدة بين النصف الاول من القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن‎ العشرين هي بدايةالغزو العسكري الغربي لبلاد الشرق الاسلامي - العربي.

ولم يأت هذا الغزو اعتباطاً، وانما كانت ثمة مؤهلات تحضيرية قد مهدت الطريق أمام‎ جحافل الغزو الاوروبي للبلادالاسلامية‎، ومن أبرز تلك المؤهلات الضعف والخور الذي انتاب‎ الامبراطوريتين العثمانية والايرانية اللتين كانتا

تمثلان قطب الرحى التي تدورحولهما دول‎ العالم الاسلامي آنذاك

ففي أواخر عهدها أصبحت الدولة العثمانية جسداً ينخر فية السوس‎، نتيجة لضعف الحكام‎ فيها وعجزهم عن اصلاح الاوضاع الاقتصاديةوالاجتماعية والسياسية في الولايات الممتدة‎ تحت ظل الامبراطورية هذه.

وهذا أدى بدوره الى تدهور حاد في الوضع الاقتصادي والعمراني بشكل خاص، حيث‎ كانت المجاعاتتدور في اطراف البلاد، والجفاف يضرب الاراضى المزروعة، فيدعها قاعا؛ وجيش الفقراء يزداد كل يوم‎، والبحث عن الخبز لايواجه إلا بمزيد من المطالبة بالضرائب من أجل تموينالجيش التركي«(1).

ليت الامر يقف عند هذا الحد، فالاستبداد بلغ ذروته في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، اما الارهاب والظلم الذي مارسته جمعية» الاتحاد« التركية بحقالشعوب الاسلامية‎، فحدِّث ولا حرج‎.

فالحكومة التركية أرادت من خلال هذه الجمعية تتريك الولايات الخاضعة تحت النفوذ العثماني، لذلك كانت العنصرية والدعوة الىالقومية التركية أحد أهم سمات تلك الجمعية‎. التي ومنذ تأسيسها ما انفتأت تعزف على هذا الوتر الحساس والخطير في نفس الوقت‎، مما أدّى الى‎ ظهور تيار مضاد في الدولالخاضعة تحت النفوذ العثماني، يدعو الى القومية العربية‎، كما سيأتي تفصيله لاحقاً.

بالاضافة الى ماذكر فإن‎َّ الدولة العثمانية‎، ومنذ أن سيطرت على العراق فيمطلع القرن‎ السادس عشر الميلادي، منحت الشركات الاوروبية »امتيازات«(2) سخية.

وهذه الامتيازات» شكلت بدورها مدخلاً مهماً لتغلغل النفوذ والمصالح الاوروبية فيالدولة‎ العثمانية وولاياتها ومنها العراق‎«(3).

ولم يقف التغلغل الاوربي الى هذا الحد بل تعداه الى محاولة مسخ هوية

الشعوب الاسلامية‎العربية، فقد اتخذ هذا التغلغـل في» الولايات العراقية العثمانية مظاهر عدة؛ كان ابرزها التثبيت‎ للنفوذ الاقتصادي والسياسي، الذي ترافق معه نشاط تبشيري وثقافيبارز«(4).

بيد أن هذا النشاط‎، وعلى الرغم من امكانياته الضخمة‎، واستعداداته الهائلة »بقي محصوراً بين جدران الكنائس وأروقة المعابد اليهودية‎، بالاضافة الىالتأثير المحدود الذي خلَّفة على‎ بعض اصحاب النفوس المتهرئة من جيل الشباب، الذي انبهر بالتقدم الصناعي والعسكري للغرب‎، دونما يحدث شرخاً عميقاً في عقيدة الشعبالعراقي ككل‎، وبالعكس من ذلك فقد التف‎َّ الشعب بأسره حول قيادة علماء الدين‎، واستوحى منهم دروس العقيدة والجهاد في مقارعة‎ الغزاة الطامعين‎، وابلى في مواجهةالعدو الغازي بلاء حسناً في كثير من المواقع«(5). بالرغم من امكاناته المحدودة اذا ماقورنت بامكانات العدو الهائلة عدداً وعدة وتنظيماً.

»ولم تكن حال الامبراطوريةالايرانية بأفضل من العثمانيين‎، بل في بعض الاحيان كانت‎ ايران تتبع سياسة اكثر ضعفاً واستسلاماً للغرب‎، كما كان الامر في العهد القاجاري، ففي أواخر هذا العهد وبعدأن اعتلى الحكم (فتح علي شاه‎) أصبحت ايران ككرة القدم في ملعب السياسة الدولية بين روسيا وبريطانيا، فمرة تسقط في احضان النفوذ الروسي، وأخرى في احضان النفوذالبريطاني«(6).

ففي ظل حكم الدولتين العثمانية والايرانية، كانت الشعوب الاسلامية تعاني الفقر والفاقة‎ والاستبداد والظلم‎، بينما كان الحكام‎، لاسيما في اواخرعهدي تلكما الدولتين منغمسين في اللهو واللعب‎، بعيدين كل البعد عن مشاعر الشعب واحتياجاته الاساسية في الحياة‎.

وعندما شعر الاستعمار بقوته وسطوته‎، وبضعف وخورحكام الدول

الاسلامية‎، انطلقت‎ جحافله في مطلع القرن التاسع عشر تجوب البلاد الاسلامية طولاً وعرضاً، متخذة اياها دولاً وشعوبها خولاً.

بريطانيا، فرنسا، ايطاليا، ألمانيا النازية‎، واسبانيا، اسماء الدول الاوروبية الاكثر تألقاً في سماء النفوذ الدولي آنذاك، تلك الدول وغيرها كانت تتبارى في حلبةالدول الضعيفة لاقتسام الغنيمة‎.

وبطبيعة الحال‎، فإن الاقوى تكون له حصة الأسد من الغنائم‎، وهكذا كانت بريطانيا العظمى هي السبَّاقة في بسط نفوذها على أكبر قدرممكن من الدول والممالك الاسلامية‎.

فبدأت في السادس من تشرين الثاني عام 1914م باحتلال العراق ومن قبل»احتلت الهند عام 1818م‎، وهو العمق الاستراتيجي لإيران‎،وحكمتها حكماً مباشراً بعد أن كانت قد بسطت‎ نفوذها عليها فترة غير قصيرة«(7).

وانطلقت بعد ذلك لاحتلال جميع الطرق الاستراتيجية التي تؤدي الى الهند والشرق‎الأقصى‎، فقامت باحتلال الدول المطلة على البحر الاحمر ليتسنّى لها احتلال مصر، وبعد أن‎ حققت مآربها من ذلك اتجهت صوب البحر الاحمر، فاستولت على معظم دول الخليجوجزرها ذات الموقع الاستراتيجي من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية‎، تمهيداً لاحتلال ايران من‎ الجنوب‎، حيث كان الشمال مسيلاً للعاب روسيا، والتي بالفعل تقدمتواحتلت أجزاء واسعة‎ منه‎، وهي بلاد القفقاز وبادكوبة وبخارى وسمرقند في عهد فتح علي شاه ومازالت تلك المدن‎ واقعة تحت سيطرة دول آسيا الوسطى في وقتنا الحاضر.

وفيعام 1881م احتلت بريطانيا مصر، واعقبها احتلال السودان في عام 1884م‎، وبذلك تسدّت القوات البريطانية جميع الطرق المؤدية الى الهند بوجه المستعمرين الآخرين‎.

أما فرنسا فإنها احتلت الجزائر في العشرينات من القرن التاسع عشر ثم قامت باحتلال‎ تونس عام 1881م‎، وفي عام 1911م احتلت مراكش‎.

كما أن ليبيا وبعض اجزاءالمغرب كانتا من نصيب القوات الايطالية والاسبانية على التوالي.

المقاومة العنيدة

وفي ظل هذه الظروف العصيبة التي مرت بها الدول الاسلامية وغيرها من الدول التيوقعت‎ فريسة الاحتلال الغربي، انطلقت طلائع المقاومة من رحم الشعوب المضطهدة‎، لطرد العدو الغازي من التراب الوطني الاسلامي.

ففي العراق‎، انطلقت حركة الجهاد فيالتاسع من تشرين الثاني أي بعد ثلاثة أيام من احتلال‎ الفاو من قبل القوات البريطانية وشارك في هذه الحركة علماء الدين المخلصين‎، ورؤساء العشائر الغياري‎، وبعضالوطنيين الاحرار.

أمّا الهند فقد استطاع الزعيم الوطني غاندي بمؤازرة شعبة طرد الاستعمار البريطاني بعد أن‎ بقى جاثماً على صدرها عقوداً طويلة من الزمن‎.

وهكذا توالت الثورات والانتفاضات الشعبية ضد الغزاة الطامعين‎، فقد شهدت مصر أنتفاضة‎ عارمة قادها علماء الازهر في وجه غزوة نابليون ثم في وجه الاستعمار البريطاني،وتكللت‎ في ثورة عرابي الكبرى بعد عام واحد من الاجتياح البريطانى لمصر.

اما السودان فإنه شهد بشكل خاص» الدعوة المهدية التي أعلنت الجهاد ضد النفوذ الاجنبي، وحققتانتصارات ساحقة ضد القوات البريطانية، وطبّقت الاسلام في عهد محمد أحمد المهدي عام 1885م‎، ولم تهزم الثورة في السودان إلا في عام 1898م من خلال القوات‎ البريطانية التيتمكنت بعد محاولات كثيرة من

السيطرة عليها«.(8)

وكذلك واجهت فرنسا وايطاليا واسبانيا حركات تحررية عنيفة قادها الامير عبد القادر الجزائريعام 1830م، وفي الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، ومحمد بن علي السنوسي عام‎ 1842م، وعمر المختار عام 1911م، في ليبيا ضد الاستعمار الايطالي، وعبد الكريم الخطابي عام 1914م فيالمغرب ضد الاستعمار الاسباني والفرنسي.

واستطاعت هذه الثورات» ان تحرر مناطق واسعة‎، وتقيم فيها حكماً اسلامياً لفترات‎ متفاوتة‎، ولم يُصف‎ّ أمرها إلا بالقوةالمسلحة الخارجية‎«(9).

المهم أن الثورات الموضعية بقيادة علماء الدين المجاهدين قد قاومت الاحتلال الاجنبي مقاومة شديدة‎، ولم تفترش الارض رياحيناً للعدو أياًكانت الاسباب‎.

ان الذين دافعوا عن الدولتين العثمانية والايرانية في مواجهة الغزو الغربي، ماكانوا يؤيدون‎ الحكم الفردي المتمثل بالدولة الايرانية‎، ولا حتىنظرية الخلافة العثمانية.

فعلماء الدين الذين قاوموا الاستبداد العثماني والقاجاري، دافعوا عن هذين النظامين يوم‎ أن داهم الخطر الاكبر مرابض الامة الاسلامية‎.

دافعوا عن القاجاريين يوم أن حاولت بريطانيا أن تزيل نظام حكمهم وتنصّب مكانهم العميل‎ بهلوي، لتفتح ايران امام النفوذ الغربي.

دافعوا عن العثمانيين عندما اجتاحتالقوات البريطانية الولايات الخاضعة لها، بزعم أنهم‎ محررون لا فاتحون‎...

والسؤال المطروح هنا كيف دافع علماء الشيعة - بالخصوص - عن نظام الخلافة العثمانية، والحالأن هذا النظام مناقض تماماً مع الاطروحة الشيعية في الولاية والحكم‎؟

»ليس غريباً أن يكون علماء الشيعة الذين يؤمنون بنظرية الإمامة المضادةلنظرية الخلافة بالقوة‎، في مقدمة الذين أفتوا بضرورة محاربة الغزاة البريطانيين تحت لواء الخلافة العثمانية‎؟ ذلك انهم كانوا يواجهون شرّين أحدهما اكبر من الآخر،الشر المطلق الذي هو سيطرة الغرب‎ الكافر على المسلمين‎، والشر النسبي الذي هو الحكم التركي المستبد الظالم‎، وعندما يخير المرء بين شرّين‎، فعليه أن يختار أهونهمادفعاً للخطر الاعظم«(10).

كما هو معروف ان القوات الاجنبية الغازية قد واجهت في مناطق نفوذها ثورات متعددة المشارب والافكار، وأنها وفي نهاية المطاف تجرعت كأس الهزيمةفي معظم تلك المناطق في العالم‎، وإن طال البقاء في بعضها.

وكلما كانت المقاومة اشد وأقسى، كلما كان بقاء الاستعمار أقل وخسارتة أكثر.

وبطبيعة الحال أن الثورات هيتعبير صادق عن ارادة الجماهير في الحرية والانعتاق‎، وان‎ لكل ثورة روافد فكرية ترتضع منها، ليقوى بها عودها، وتتصلب بها ارادتها ومقاومتها.

والذي يقلّب صفحاتالتاريخ‎، يجدها مشرقة، وكلمات من نور تتوهج منها آيات الكفاح‎ المسلح‎، والانتفاضة الرافضة لكل ألوان الظلم والقهر والاستبداد، أياً كان مصدره، وأنّي كانت‎ قوته‎.

التيارات الفكرية للثورة

وأن أهم الروافد الفكرية التي غذّت الثورة التحررية للشعوب الاسلامية آنذاك اربعة‎:

1- التيار الاسلامي الثوري.

2- التيار الاسلامي المهادن‎.

3- التيار الوطني القومي.

4- التيار العثماني المتخلف‎.

ان هذه التيارات‎، المتباينة في أفكارها ومناهجهاومشاربها، قد شاركت بشكل أو بآخر في تعبئة الجماهير ضد الهجمة الاستعمارية الشرسة على البلاد الاسلامية - العربية.

وكل واحد من هذه التيارات كان يستقطب فئة اجتماعيةمعينة‎، وتقف وراءه قوى سياسية‎ معينة‎. وكل واحد منها كان يتحرك في اطار الدائرة الشعبية الخاضعة له‎.

وأن الفكر الاسلامي لما يحمله من نتاج فكري غزير وخصب‎، كانرواجه الشعبي أوسع من‎ غيره من الافكار الوضعية‎، ولهذا فإن روافد الفكر والثقافة الاسلامية هي التي أججت روح‎ الثورة والمقاومة لدى كثير من الدول العربية -الاسلامية‎، بالاضافة الى التأثير الملحوظ الذي خلفه الفكر القومي في هذا المجال‎.

فلو أخذنا تجربة الثورة الشعبية في العراق ضد الاستعمار البريطاني عام 1920منلاحظ‎ وجود فرق شاسع بين التأثير الاسلامي الثوري والتأثير القومي في أوساط الجماهير العراقية‎.

فبينما كانت النوادى والمقاهي منتجع رواد الفكر القومي، كانالمسجد والحسينية مراكز مهمة لبث الفكر الاسلامي الثوري.

كان الفكر القومي متأثراً فعلاً بالافكار الاوروبية التي طُرحت بعد الثورة الصناعية الفرنسية، كالعلمنةوالتفسير المادي للحياة‎، في حين ان الفكر الاسلامي كان منشغلاً في نقد الحضارة المادية الاوروبية من جهة‎، ومقارعة الغزاة الطامعين بالبلاد الاسلامية من جهة أخرى‎.

رواد الفكر القومي كانوا يتلقون مساعداتهم المادية والمعنوية من الخارج غالباً، بينما كانت‎ الحقوق الشرعية من الخمس والزكاة هي المعينالذي لا ينضب لرفد الحركة الاسلامية في العراق‎.

العلاقة التي تربط بين قادة الفكر القومي وقاعدته الشعبية - قائمة اصلاً على المادة‎ والمصالح المشتركة‎، بينماالعلاقة القائمة بين الجماهير المسلمة والقيادة الاسلامية كانت‎ ولاتزال مبنية على أساس التقوى والايمان والعمل الصالح‎.

وما الاستجابة الواسعة التي أبدتهاالعشائر لدعوات الجهاد التي انطلقت من حناجر علماء الدين الشيعة من على منبر المساجد والحسينيات إلا دليل صارخ على الدور الفعال للعامل‎ الديني في مواجهة المحتل منجهة‎، ودور العلماء وقدرتهم في استنهاض الهمم لمقاومة‎ الاحتلال البريطاني ومن ثم الانتداب‎، من أجل المطالبة بالاستقلال التام من جهة ثانية.

الأدب الهادف

وغير ماذكر، فإن ثمة روافد فكرية أخرى ساعدت على خلق جو ثوري ضد الاحتلال‎ البريطاني للعراق‎، منها: الشعر بشقيه القريض والعامي، ولكن الشعر العامي والهوسات كانأثرها‎ أعظم في النفوس لاسيما في أوساط العشائر في الفرات الاوسط والجنوبي، وكذلك كان للادب‎ والنثر، الذي كان يُلقى في المهرجانات والاحتفالات‎، أو ينشر في المجلاتوالجرائد أثره‎ الفعال في تجنيد الطاقات وشحذ الهمم لمواجهة الغزو العسكري والثقافي القادم من الغرب‎ الكافر.

هذه المواجهة التي اطلق شرارتها الاولى علماء الدينالشيعة من خلال قيادتهم لطلائع‎ المجاهدين‎، وكذلك قصائدهم ومواعظهم التي الهبت النفوس حقداً وغيظاً على الغزاة الطامعين‎.

ولا يخفى» انالمضمون الاسلامي الذي حملته الثورة لم يتمثل فقط في الدور القيادي البارز للعلماء فحسب‎، وانما في الاهداف والافكار السياسية التي انطلقت على أساسها مقاومة‎الانجليز، حيث ارتبطت المقاومة من أجل التحرر والاستقلال‎، بالدفاع عن الاسلام والمسلمين‎ ضد احدى الدول الاوروبية المعادية‎، ولعل مضمون القصيدة التي نضمها الشيخجواد الجواهري في سجن بغداد، بعد ان حكم عليه بالاعدام‎، هي احدى التعبيرات عن ذلك«(11). والذي يقول في بعض أبياتها:




  • مــددنا بصــائرنــــــا لا العيونا
    رعينا بهــا سنــــة الهاشمـــي
    وصنّــا كرامة شعــب العراق
    وخضنّا المعامع وهي الحمـــام
    وجحفــل اعدائنــا الانجليــــز
    ومــا ضامناً الاسر في موقـف
    اطعنــا عليــه الرسول الامينا



  • وفـــــــزنا غداة عشقنا المنونا
    نبي الهــدى والكتـــاب المبينا
    وكنــا لعلياه حصنا مصونا
    نــدافع عن حوزة المسلمينـا
    يملأ سهـــــــل الفلا والحزونا
    اطعنــا عليــه الرسول الامينا
    اطعنــا عليــه الرسول الامينا



وهكذا نجد نفس المفاهيم التي جسدها الادباء والعلماء في الشعر القريض‎، هي ذاتها موجودة في الاهازيج التي كانت تتفجر من حناجرعشائر الفرات الاوسط والجنوبي، تلك المفاهيم الدينية التي رسمت الخطوط العامة للثورة، وألهبت النفوس وأججتها في المطالبة بالحق المغصوب‎، والتراب المضيّع‎، والقيمالمهددة‎.

فكان للشعر الشعبي الهادف‎، أثره الفعّال في محاربة الغزاة‎، وتعكير صفو احلامهم الوهمية‎ في السيطرة والاحتلال‎.

فقد عكس هذا الشعر» ولاسيماالاهازيج والهوسات المفهوم الشعبي والاسلامي

للثورة‎، الذي شكل الدافع الاساسي لانخراط العشائر فيها، واستجابتهم لفتاوى العلماءوأوامرهم‎، فالقصائد والهوسات التي نظّمت أبان الثورة وبعدها كانت تعبر عن مدى التأثير القوي لهذا العامل ودوره في الثورة‎«(12). فعلى سبيل المثال تعكس الاهزوجة التيرددتها احدى النساء أمام افراد عشيرتها الظوالم مع بدء معركة الرميثة‎، عن مدى التزام عشائر العراق بالواجبات‎ الدينية في محاربة الكافرين، فقالت: وهي تستحثهم علىالقتال‎:» ها..ها.. حل فرض الخامس‎ گوموله«، أي ان الجهاد وهو الفرض الخامس من فروع الدين يستصرخكم‎، فلبُّوا نداءه‎ وجاهدوا الغزاة الكافرين الطامعين بأرض المقدسات فيالعراق‎.

ولم يكن الشعر الشعبي والقريض وحده في ميدان المواجهة للتحريض والتأليب ضد الواقع‎ الفاسد، الذي كان يكتنف العراق في ظل الاحتلال‎، بل كانت الجمعياتوالاحزاب والتنظيمات‎ الشعبية بقيادة علماء الدين المجاهدين تلعب دوراً بارزاً في هذا الميدان‎.

الجمعيات الاسلامية‎.. تأثير فاعل

»لقد شهدت حركة المعارضةالاسلامية‎، ارهاصاتها الاولى مع بداية انحسار حركة الجهاد، في اعقاب معركة الشعيبة‎، حيث عقدت لقاءات ومؤتمرات متتالية بين عدد من العلماء في النجف وكربلاء، وزعماءالعشائر في الشامية والناصرية والشطرة، وغيرها من مناطق الفرات‎ الاوسط‎، كان الرأى السائد فيها هو الاعداد للثورة على الانجليز ومحاربتهم‎«(13).



1 - عباس محمد كاظم - ثورة الخامس عشر من شعبان - ص 17 .

2 - منحت الدولة العثمانية الامتيازات للانجليز للمرة الاولى عام 1580م‎، إلا أنالمصنع الذي أنشأه الانجليز في البصرة عام‎ 1643م كان يعتبر بداية لتاريخ النفوذ الانجليزي في العراق‎.

3 - عبد الحليم الرهيمي - تاريخ الحركة الاسلامية في العراق ص 45.

4 - نفس المصدر السابق ص 45 .

5 - السيد عبد الشهيد الياسري - البطولة في ثورة العشرين - راجع ثورة الرميثة ص 191، حصار الثوار لحامية ابي صخير ص 199، معركة الرارنجية ص 205 .

6 - عباس محمد كاظم - ثورة الخامس عشر من شعبان ص 14 .

7 - نفس المصدر السابق / ص 13 .

8 - منير شفيق - الفكر الاسلامي المعاصر والتحديات ص 10 .

9 - نفس المصدر السابق / ص 11.

10 -عباس محمد كاظم - ثورة الخامس عشر من شعبان ص 79 .

11 -مجلة العرفان - العدد السابع - دور الحركة الاسلامية في مقاومة الاحتلال والمشاريع الانجليزية للسيطرة علىالعراق‎ (1918 - 1920) ص 62 .

12 - عبد الحليم الرهيمي - مرجع سابق ص 232.

13 - مجلة العرفان - مرجع سابق ص 58 .

/ 1