تعددیة فی فهم النص الدینی و أثرها فی وحدة الأمة و مسیرتها نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

تعددیة فی فهم النص الدینی و أثرها فی وحدة الأمة و مسیرتها - نسخه متنی

احسان الامین

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

التعددية في فهم النص الديني وأثرها في وحدة الأمة ومسيرتها

د. احسانالأمين

مفكر اسلامي من العراق

التعددية في فهم النص الديني موضوع حساس وخطير من جهات مختلفة، أهمّها: حقيقة وجود هذه التعددية وأسبابها وأبعادهاوآثارها الفكرية والتشريعية، وبالتالي آثار هذه التعددية في الأفهام على مستوى حركة الأُمّة باتجاه الاسلام ووحدتها ونهضتها، وفي هذه وتلك تساؤلات جدية تطرح نفسها علىسياق البحث.

فالاسلام دين واحد، وقد اتفق المسلمون واجتمعت كلمتهم على الإيمان بكتاب الله ونبيه الكريم، واعتمدوا الكتاب والسنّة كمرجعين ومصدرين أساسيين في الفكروالتشريع، وهذا عامل وحدة وانسجام إذا ما عقدت عليه القلوب والتزمت به العقول والأفهام، فكيف يمكن أن تكون أفهام متعددة لنص واحد؟ هل هي ناتجة عن اختلاف الفكر؟ أم قابليةالنص للفهم المتعدد؟ وهل لتلك الأفهام حدود وضوابط والتزامات يمكن جمع كلمة الأُمّة عليها وحفظ

التفاهم والانسجام من خلالها؟

وتتطلّبالإجابة على تلك التساؤلات أن تعرف أوّلاً حقيقة تعدد الأفهام وأسباب نشوئها، ومن ثمّ منهج التعامل معها، وهذا ما سنقف عنده ببعض التأمل، بإذن الله.

الأفهامالمتعدِّدة للنص القرآني

لا شكّ أنّ المرجع الأوّل للمسلمين هو «القرآن الكريم»، الذي أنزله الله تعالى على نبيِّه الكريم محمّد (ص) رحمة للعالمين، فهو قطعيّ الصدورمن الله جلّ شأنه، وقد تكفّل بحفظه إذ قال: (إنّا نحنُ نزّلنا الذِّكرَ وإنّا له لحافظون)(1).

وبالتالي فلا شكّ في سلامة آياته من كل نقص أو زيادة أو تحريف، بإجماعالمسلمين، إلاّ مَن شذّ، وهم نفر قليل لا يُعبأ بهم، وليس لهم اعتبار أمام التواتر الذي وصل إلينا عبر القرآن، جيلاً بعد جيل، حتى بلغنا كما اُنزل على الرسول الكريم (ص)وبلّغه مَن حضره من المسلمين.

ومن الاُمور الواضحة أيضاً أنّ من القرآن ما هو آيات محكمات أجمع المسلمون على تفسيرها واتفقوا على معناها، وهي تبيِّن الخطوط العامّةللشريعة والمبادئ العامّة للاسلام وكثيراً من الأحكام والقواعد، وأنّ منه أيضاً آيات اختلف في فهمها وتأويلها المفسِّرون منذ أوائل عصر تدوين التفسير، بل اختلفالصحابة في تفسير بعض من الآيات، لأسباب كثيرة ليس هنا مجال بحثها، وبالتالي فإنّنا نجد تأويلات مختلفة لبعض الآيات تحمل أفهاماً متعدِّدة للنصّ الكريم، وربّما كان ذلكمن حقائق فهم القرآن ومراتب إدراكه، فقد رُوي عن النبيّ(ص) أنّه قال: «القرآن ذو وجوه، فاحملوه على أحسن الوجوه».

ورُوي عن عبدالله بن عباس أنّه قسّم وجوه التفسير علىأربعة أقسام:

1 ـ تفسير لا يُعذر أحد بجهالته.

2 ـ وتفسير تعرفه العرب بكلامها.

3 ـ وتفسير يعلمه العلماء.

4 ـ وتفسير لايعرفهُ إلاّ الله عزّ وجلّ.

وشرح هذه الأقسام المفسِّر الطبرسي، فقال: «فأمّا الذي لا يُعذر أحد بجهالته فهو ما يلزم الكافّة من الشرائع التي في القرآن وجملدلائل التوحيد، وأمّا الذي تعرفه العرب بلسانها فهو من حقائق اللغة وموضوع كلامهم، وأمّا الذي يعلمه العلماء فهو تأويل المتشابه وفروع الأحكام، وأمّا الذي لا يعلمهإلاّ الله فهو ما يجري مجرى الغيوب وقيام الساعة»(2).

وبالتالي، فإنّ هناك من الآيات ما هو قطعي الدلالة، ومنها آيات متشابهات تحتاج إلى تأويل أو مجملة تحتاج إلى بيانوتفصيل، وربّما اختلف العلماء والمفسِّرون في تأويلها وذهبوا في تبيينها إلى آراء متعدِّدة، وهذا ما نريده من وجود أفهام متعدِّدة.

ولا يعني ذلك، بأي حال، عدم وجودقواعد متّفق عليها في تفسير القرآن، فإنّ الخروج عن تلك القواعد هو ضرب من التفسير بالرأي المنهيّ عنه، ولكن ربّما كان منشأ الاختلاف في التفسير يرجع إلى تعدّد وجوهالأفهام، أو احتمال المعنى اللغوي لمعان متعدِّدة، أو لاختلاف الروايات، واعتماد البعض لبعضها واعتماد آخرين لغيرها، وربّما لتعدّد الأفهام الناشئ عن مرور الزمانوالابتعاد عن زمن النزول...

وربّما كان من إعجاز النص القرآني أنّه يحتمل معان متعدِّدة تتجدّد مع الزمان لتظهر بمرور الأيام معان رائعة مطردة، ممّا يجعل القرآندوماً طرياً يستفيد منه الناس عبرَ العصور وفي مختلف الأماكن وكل الأقوام، فقد ورد عن الإمام علي (ع): «إنّ القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه ولا تنقضيغرائبه، ولا تُكشَف الظلمات إلاّ به»(3).

كما روي عن الإمام الرضا (ع)، عن أبيه موسى بن جعفر (ع): «أنّ رجلاً سأل أبا عبدالله (ع): ما بال القرآنلا يزداد عند النشر والدرس إلاّ غضاضةً ((4))؟ فقال: لأنّ الله لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كلّ زمان جديد، وعند كل قوم غضّ إلى يوم القيامة»(5).

وعلىأي حال، فإنّ إلقاء نظرة في كتب التفسير ابتداءً بالكتب الاُولى التأسيسية الاُولى حتى يومنا الحاضر، يدلّنا بوضوح على وجود أفهام متعدِّدة لبعض الآيات، ولا تعني هذهالتفسيرات المختلفة أنّ دين الله تعالى متعدِّد، وأنّ قواعد الاسلام مشوّشة ـ لا سمح الله ـ ، فالقواعد الأساسية كما ذكرنا متواترة ومتّفق عليها، ولكن هناك مساحات نجدفيها تعدّداً في التفسير والتأويل، وربّما شكّل هذا التعدّد أساساً لفهم متعدِّد لبعض المسائل واختلافاً في بعض المواقف والرؤى.

وخلافاً لما قد يتصوّر من أنّ هذهالأفهام المتعدِّدة قد تكون أساساً للفرقة ومبنىً للاختلاف، فإنّه يمكن أن تعطي القراءات المتعددة فرصة أكبر للتفكير والانتخاب ومساحة أوسع للاجتهاد والتحرّك في الرأيوالموقف، بحسب مقتضيات الزمان والمكان، خصوصاً أنّ بعض هذه الأفهام أساساً لم يكن قطعي ولم يطرحه العلماء كرأي نهائي، وإنّما هم ابتداءً حملوا هذه التفاسير على الاحتمالوعرضوها كآراء متوازية في فهم الآيات المتداولة في بحوثهم تلك، وحتى لو رجّحوا تأويلاً أو تفسيراً فإنّهم كثيراً ما لا يقطعون به، بل يقرِّبونه بعبارات لا تفيد القطع،وتدع مجالاً لانتخاب غيره أو العدول عنه إلى الرأي الآخر.

ولأسباب ثقافية أو سياسية أو تأريخية واجتماعية، قد نجد ترجيحاً لرأي مشهور في الوقت الذي تتوافر فيهالأدلّة فيما بعد على ترجيح رأي آخر، وبالتالي يبقى البحث العلمي مفتوحاً في هذا المجال، ويبقى بذلك أيضاً مجال

التعدّد في الرأي والاجتهاد فيالطرح مفتوحاً أمام العقول والعصور المختلفة.

وقد تكون بعض هذه الآراء أو التفسيرات والتأويلات ذات أبعاد فكرية وعملية كبيرة تنعكس على أكثر من صعيد، ممّا يتطلّب منالباحثين الاسلاميين مراجعة التفسيرات المختلفة والاطِّلاع على سائر الآراء المتعلِّقة بالموضوع المُراد بحثه وانتخاب التفسير الأكثر مُطابقة للقرآن، والذي سيكونبدوره أيضاً أكثر ملاءمة للزمان.

إنّ مراجعة التفاسير المختلفة تعطينا فكرة واضحة عن تعدّد الرؤى والتفاسير لبعض الآيات، والتي قد تعطي معان متوازية وأبعاداًمختلفة للآية الواحدة، إلاّ أنّها في بعض الأحيان قد تعطي معان متقاطعة في بعض الأبعاد، ممّا يضعنا على مُفترق طرق لا بدّ من اختيار بعضها دون الآخر.

ومن هنا تتعدّدالأفهام للنص القرآني الواحد، ولا بدّ في هذا المقام أن نشير إلى أنّ هذه القضية ليست بالأمر المستحدث، بل له جذوره التاريخية منذ العهود الاسلامية الاُولى وصدرالاسلام.

مجالات التعدّد والاختلاف:

يتلخّص ممّا ذكرنا أنّ التعدّد والاختلاف في تفسير بعض آيات القرآن ليس جديداً، بل كان منذ صدر الاسلام، بين الصحابةوالتابعين أنفسهم، ويدلّ على ذلك ما نُقل عنهم في كتب التفسير وغيرها،

ويتمظهر هذا الاختلاف كما يلي:

1 - إنّ هذا الاختلاف كان يرجع لاختلافهم فيما أثِرَ عنالرسول (ص) في روايته أو درايته، أو لاختلافهم في فهم الآيات واستنباط المعاني منها، وهو ما يدلّ عليه كثرة المروي عنهم، في التفسير دون نسبة ذلك إلى الرسول(ص)، وهو يدلّأيضاً على أنّ باب الاستنباط كان مفتوحاً منذ ذلك

العهد، بدلالة تعدّد الآراء المنقولة عنهم في بعض المواضيع.

2 - لا يرجع الاختلافدائماً إلى تعارض في فهم القرآن، وإنّما ربّما يرجع إلى مستويات متعدِّدة من الفهم، وربّما كانت هذه المستويات متوازية وغير متقاطعة، ولكنّها مختلفة من حيث العُمق وسعةالإدراك، بناءً على اختلاف أفق كل صحابي ومستواه الثقافي والفكري.

قال مسروق بن الأجدع: «جالستُ أصحاب محمّد (ص)، فوجدتهم كإخاذ - يعني الغدير - ، فالإخاذ يرويالرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم»(6).

وربّما كان الكثير منهم منشغلاً بهمومه المعاشية،فلقد كان الكثير من أصحاب الرسول (ص)، كما يقول ابن حزم: «مشاغيل في المعاش وتعذّر القوت عليهم لجهد العيش بالحجاز، وانّه كان يفتي الفتوى ويحكم الحكم بحضرة مَن حضره منأصحابه فقط، وانّه إنّما قامت الحجّة على سائر مَن لم يحضره (ص) بنقل مَن حضره، وهم واحد أو اثنان»(7).

3 - إنّ وجود الأفهام المتعدِّدة، لا يعني ذلك عدم إمكانيةالتفاضل بين هذه القراءات وتقديم بعض الأفهام على الأخرى، استناداً إلى القرآن نفسه وكذلك السنة، وبمحاكمة الآراء المختلفة، وبيان أوجه القوّة والضعف فيها، وهو ما يدعوإلى فتح باب الحوار البنّاء والبحث العلمي والتحقيق والتمحيص في المأثورات والمنقولات وعدم الجمود على آراء العلماء السابقين، والذين هم بدورهم لم يجمدوا على ما بلغهممن آراء.

فإنّ من عظمة الاسلام وقدرته الحضارية لاستيعاب الأماكن والأزمان والانفتاح على المستقبل أن دعا إلى التدبّر في آياته والاستماع إلى مختلف الأقوالوانتخاب الأحسن منها، قال تعالى: (فبشِّر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه...)(8) ولا نجد كتاباً بين أيدينا يحثّ على التفكّر والتبيّن والتدبّر

والتعلّم مثل القرآن الكريم، فهو كتاب العقل والدليل والبرهان والمنطق، والذي ينبغي أن يكون موضع تلاوة وتدبّر المسلم في كل يوم.

4- لا يعني وجود التفاسيرالمتعدِّدة، عدم الاتفاق في الكثير من أساسيات الدِّين ومباني الشريعة، فإنّ كثيراً من الآيات ظاهرة المعنى واضحة القصد، فهي بيِّنة بنفسها لا تحتاج إلى تفسير وتأويل،وبعضها بيِّنة بغيرها من الآيات، وبالتالي فإنّ في القرآن الكريم آيات محكمات لا شبه فيها ولا إجمال ولا غموض ولا إبهام، ممّا جعلها المرجع في تفسير غيرها من الآيات، كمايرجع إليها في فهم ما اشتبه أو اختلف على فهمه من نصوص نبوية أو روايات منقولة.

لذا فإنّ وجود أفهام متعدِّدة أو تفاسير مختلفة لبعض الآيات لا يدعو ـ كما يحاولالبعض ـ لأن يجعل من الدِّين مفهوماً غيبياً غير قابل للإدراك، أو أن يجعل فهمه فهماً بشرياً متغيِّراً غير قابل للثّبات، فيكون لكل واحد قراءته، ولا يمكن بذلك تخطئةالقراءات الأخرى.

6 ـ نعم، هناك مساحة من المسائل الغيبية التي لا يعلم حقيقة تأويلها إلاّ الله تعالى، أو لا يعلم كنهها إلاّ الله والراسخون في العلم على اختلاففي فهم الآية الكريمة وتفسيرها: (وما يعلم تأويله إلاّ الله والرّاسخونَ في العلم)(9).

وكذلك فإنّ هناك لبعض الآيات معان متعدِّدة محتملة باختلاف الأفهام البشريةولا يمكن لأحد القطع بأنّ فهمه هو مراد الله تعالى، إلاّ بدليل وبرهان.

إلاّ أنّ بين هذه المساحة وتلك، مساحة واسعة من الآيات التي كان ظاهرها مطابقاً لمعناها، وكلمَن يعرف اللغة العربية يعرف تفسيرها، ومساحة أخرى مجملة ورد تفصيلها في السنّة الشريفة.

وهذه المساحة كافية لأن تجعل مفاهيم الدِّين جليّة وأهدافه ومقاصده واضحة،ولأن تبين الكثير من أحكامه وآياته...

نعم، تبقى مساحة يجتهد فيها المجتهدون، وأخرى لا يستطيع الفهم البشري

بحال إدراكها، لأنّها منالغيب الذي لا يتّسع له عقل البشر ولا تناله أفهام الناس، وتلك مسألة طبيعية موجودة في كل علم، فلا زالت هناك مساحات مفتوحة للاجتهاد في كل العلوم، كما لا زالت هناكمساحات مجهولة، عجزت العقول عن إدراك كنهها (وفوقَ كلِّ ذي علم عليم).

وليس هذا الأمر بجديد، بل إنّ العلماء قد ذكروه منذ القِدَم، وقد تقدّم عن ابن عباس من أنّ أحدأقسام التفسير الأربعة: تفسير لا يعلمه إلاّ الله عزّ وجلّ، وبيّنه الطبرسي بأنّه: ما جرى مجرى الغيوب وقيام الساعة(10).

والمقصود به ما يخصّ بعض المسائل الغيبية التيلا يستطيع البشر إدراكها; لأنّها من عالم آخر هو عالم الغيب، كمعرفة كنه ذات الباري تعالى التي لا يستطيع إدراكها أحد، فهو المطلق الذي لا تُدركه العقول، وكذلك حقيقةالروح والملائكة والشيطان... إلخ، فإنّ معلومات البشر عن هذه الاُمور محدودة وبمقدار ما كُشِفَ له عن حقائق هذه الاُمور، قال تعالى: (يسألونكَ عن الرّوح قُل الرّوح منأمرِ ربِّي وما اُوتيتُم من العلمِ إلاّ قليلاً)(11).

ولا يعني غيبية هذه الاُمور أو محدودية العلم بها، عدم إدراك القارئ لمعنى النص القرآني بشكل عام، فالنص القرآنينص عربي فصيح وبيِّن، والله تعالى قد دعا الناس إلى التأمّل والتدبّر في القرآن الكريم، قال تعالى: (أفَلا يَتدبّرونَ القُرآن ولو كانَ مِن عندِ غيرِ اللهِ لَوَجَدوافيهِ اختلافاً كثيراً)(12) ، والآية تدلّ على أنّ المعارف القرآنية يمكن أن ينالها الباحث بالتدبّر والبحث، ويرتفع ما يتراءى ـ للبعض ـ من الاختلاف بين الآيات بالرجوع إلىالقرآن نفسه والتأمّل في آياته(13)…

نعم، تأويل بعض الآيات الغيبية، أي بمعنى حقيقة هذه الأشياء في الوجود لا يمكن الإحاطة بها تفصيلاً، كما ذكرنا، نعم يمكن إدراكبعض معالمها بالإخبار عن الغيب نفسه، إمّا بالقرآن الكريم، أو ببيان النبيّ الكريم (ص)، قال تعالى: (وما ينطقُ عن الهوى * إن هو إلاّ وحيٌ يوحى)(14).

التعدّدية في فهم السنّة الشريفة

اتّفقت الاُمّة على أنّ المصدر الثاني للتشريع هو السنّة النبوية، والتي جاءت شارحة للقرآن وموضِّحة له، قال تعالى: (وماأنزلنا عليكَ الكتابَ إلاّ لتُبيِّنَ لهم الّذي اختلفوا فيه وهُدىً ورحمةً لقوم يؤمنون)(15) ، ولهذا قال (ص): «ألا إنِّي اُوتيتُ القرآن ومثله معه» يعني السنّة(16).

فإنّمهمّة الأنبياء (ع) تعليم الناس دين الله وشريعته، وبيان حلاله وحرامه، وحدوده وأحكامه، وكذا كان نبينا محمّد (ص) الذي عصمه الله وسدّده، فكانت أقواله وأفعاله وتقريراتهمطابقة للوحي الكريم ومبيِّنة له.

ورغم هذا الاتفاق المجمَع عليه بين طوائف الاُمة ومذاهبها ومدارسها الفكرية المختلفة، إلاّ أنّ هناك مسائل تفصيلية كانت ولا زالتيختلف فيها بين العلماء والباحثين، منها ما يتعلّق بطرق الحديث وتصحيحها من حيث السند، ومنها ما يتعلّق بدراسة متن الحديث ودلالاته، ومنها ما يتعلّق بحجِّية الأحاديثظنية الصدور، والمسماة بأخبار الآحاد... وبالتالي فإنّ هذا الاختلاف يؤدِّي إلى نشوء آراء مختلفة في كل من المراحل المذكورة.

مناشئ الاختلاف في فهم السنّة:

1 ـالاختلاف في مصادر السنّة:

لم يكن الاختلاف في رواية السنّة ودرايتها متأخِّراً أو وليد العصور الحديثة، بل كان منذ وفاة رسول الله (ص) موجوداً بين الصحابة، وقدنقلت كتب الحديث والسيرة والتاريخ قضايا كثيرة اختلف فيها الصحابة فيما بينهم... إمّا في الرواية وصدور الحديث عن الرسول (ص) أو في فهم الأحاديث ودراية

معانيها ودلالاتها، وكان هذا الاختلاف سبباً لتأمّل العلماء والدارسين في حجِّية ما يُنقَل عنهم، وهل أنّ ما يُروى عنهم سنّة أم رأي؟ وهل ما يُنسَب إليهميُنسب إلى الرسول (ص) أو يتوقّف فيه عليهم؟

وكانت هذه النقاط مدار بحث وجدل بين الاُصوليين والمحدِّثين، عبرَ التاريخ، فقد اختلفوا أوّلاً في مُسمّى الصحابي، ومَنهو، فهل أنّ الصحابي هو مطلق مَن رأى النبيّ (ص) ولو لساعة من نهار، أم أنّ الصحابي هو مَن رآه (ص) واختصّ به اختصاص المصحوب وطالت مدّة صحبته، وهل الأخير هو مَن أخذَ العلمعنه، أم أنّه كل مَن صحبه وإن لم يرو عنه؟

واختلفوا أيضاً في مدّة الصحبة ونوعها، فبين مُوسِّع لتشمل الصحبة كل مَن رأى الرسول (ص)، مؤمناً كان أم منافقاً، وبينمُضيِّق للمُسمّى وحصره لمن صحبه زمناً معيّناً كسنة أو سنتين أو غزا غزوة معه...(17).

وكما اختُلِفَ في مُسمّى الصحابي، اختُلِفَ أيضاً في عدالته، وبالتالي إطلاقالعدالة على سائر الصحابة، من دون تمييز وتحقيق... والرأي السائد هو إطلاق العدالة عليهم، إلاّ أنّ الباحث يجد آراء متعدِّدة للعلماء في ذلك، ولا يجد توافقاً فيه، وممّنناقش في إطلاق العدالة على الصحابة الإمام الغزالي، الذي اعتبرَ ذلك نوعاً من إطلاق العصمة عليهم وهو أمر لا يتمّ مع تواتر اختلافهم في القول والعمل، إنّه قال: «فإنّ مَنيجوز عليه الغلط والسّهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجّة في قوله، فكيف يحتجّ بقولهم مع جواز الخطأ؟ وكيف تُدّعَى عصمتهم من غير حجّة متواترة؟ وكيف يتصوّر عصمة قوم يجوزعليهم الاختلاف؟ وكيف يختلف المعصومان؟ كيف، وقد اتّفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة، فلم ينكر أبو بكر وعمر على مَن خالفهما بالاجتهاد، بل

أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه، فانتفاء الدليل على العصمة ووقوع الاختلاف بينهم وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ثلاثة أدلّة قاطعة»(18).

واختلف أيضاً في ما يُنسَب إليهم من آراء وتفسير وفتاوى، هل هو يعبِّر عن رأي الرسول (ص) فيؤخَذ به، وذلك لأنّهم رأوه وشاهدوه عن قُرب، وبالتالي فما قالوا به كان عن حسٍّومشاهدة، وهو رأي ذهب إليه جملة من العلماء، كالحاكم في تفسيره والسيوطي والزركشي، وفي مقابل ذلك نجد رأياً آخر، تبنّاه فريق آخر من العلماء ومالَ إليه المتأخرون، وهوأنّ ما يُروى عنهم يعبِّر عن رأيهم ونظرهم واستنباطهم، وليس من الضرورة أن يكون ذلك قول رسول الله (ص) أو رأيه، قال ابن الصلاح:

«الموقوف: وهو ما يُروى عن الصحابة (رض)من أقوالهم وأفعالهم ونحوها، فيوقف عليهم ولا يتجاوز به إلى رسول الله (ص).

والمرفوع: وهو ما أُضيفَ إلى رسول الله (ص) ـ من حديث أو رواية ـ خاصة ولا يقع مطلقه على غيرذلك، نحو الموقوف على الصحابة وغيرهم»(19).

وإذا كان ما رواه الصحابي هو رأيه ونظره واجتهاده، فهل رأيه حجّة يجوز العمل به، أم أنّه مجرّد رأي قابل للخطأ والصواب، فيجبالتأكّد من صحّته وسقمه؟

لذا لم يكن هذا القول على إطلاقه هو «الراجح المعتمد والمستقر عند جمهور العلماء من الاُصوليين والفقهاء الذين فصلوا فيما يصدر عن الصحابةوالتابعين من مأثورات، بين ما هو صادر عنها للنبيّ (ص)، وما هو صادر عن آرائهم الذاتية واجتهادهم الخاص، وهذا مقول أيضاً في علماء الاُمّة من بعدهم

من التابعين وتابعيهم من باب أولى...»(20).

فـ «جمهور العلماء على أنّ رأي الصحابي ليس بحجّة من متأخري الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة...»(21).

وقال الإمامالغزالي: «والصحابة (رض) ومَن بعدهم اختلفوا اختلافاً كثيراً لا يمكن فيه الجمع ويمتنع سماع الجميع من رسول الله (ص)»(22).

وهذا الرأي ذهب إليه معظم المفسِّرين، قالالقرطبي: «فإنّ الصحابة (رض) قرأوا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه وليس كل ما قالوه سمعوه من النبيّ (ص)...»(23).

2 ـ الاختلاف في رواية السنّة ودرايتها:

وإذاما انتقلنا بالبحث إلى سنّة النبيّ الأكرم (ص)، فإنّنا سنواجه موارد خلافية، تتعلّق بأسانيد الأحاديث ومتونها، وفي ذلك يقول النووي في شرح خطبة مسلم، صاحب الصحيح:«المراد من علم الحديث تحقيق معاني المتون وتحقيق علم الإسناد والمعلّل، والعلّة عبارة عن معنىً في الحديث خفي يقتضي ضعف الحديث مع أنّ ظاهره السلامة منها، وتكون العلّةتارة في المتن، وتارة في الإسناد. وليس المراد من هذا العلم مجرّد السّماع ولا الإسماع ولا الكتابة، بل الاعتناء بتحقيقه والبحث عن خفيّ معاني المتون والأسانيد والفكر فيذلك ودوام الاعتناء به، ومراجعة أهل المعرفة ومطالعة كتب أهل التحقيق فيه»(24).

وقد اتّسعت علوم الحديث حتى قيل أنّها تبلغ المائة، وهي تتوزّع على قسمين:

1) علومالسند، والتي تتركّز على دراسة طريق الحديث وأحوال رواته، من

حيث التوثيق والإسناد، والنسبة إلى الرسول (ص) أو غيره.

2) علوم المتن، منحيث دراسة المعنى وشذوذه وإنكاره وعلله واضطرابه... إلخ.

واتجهت الدراسات قديماً إلى التركيز على دراسة السند، أكثر من دراسة المتن، حتى قالوا: «لا تنظروا إلى الحديث،ولكن انظروا إلى الإسناد، فإن صحّ الإسناد وإلاّ فلا تغترّوا بالحديث إذا لم يصحّ الإسناد».

ولكن صحّة الإسناد لا تعني القطع بصدور الحديث وصحّته، قال الحافظ ابنالصلاح: «ومتى قالوا: هذا حديث صحيح، فمعناه أنّه اتصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليس من شرطه أن يكون مقطوعاً به في نفس الأمر، إذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد،وليس من الأخبار التي أجمعت الاُمّة عليها بالقبول. وكذا الأمر إذا قالوا في حديث انّه غير صحيح، فليس قطعاً بأنّه كذب في نفس الأمر، إذ قد يكون صدقاً في نفس الأمر،وإنّما المراد أنّه لم يصحّ إسناده على الشرط المذكور»(25).

وإذا ما تمّ بحث سند الحديث، ينتقل البحث إلى دراسة دلالة الحديث، والأحكام المترتِّبة عليه.

ونجد فيالكثير من المجالات، ومنها روايات التفسير، أنّ البحث السندي لا يوصل لنتيجة، وذلك لأنّ كثيراً من الأحاديث المروية فيه إمّا مرسلة، لا سند لها، أو ضعيفة السند، حتى قالأحمد ابن حنبل: ثلاث كتب لا أصل لها، المغازي والملاحم والتفسير.

وقيل أنّ مراده: ليس لها أسانيد صحاح متصلة.

قال السيوطي: الذي صحّ من ذلك قليل جدّاً، بل أصلالمرفوع منه في

غاية القلّة(26).

ولا يعني ذلك بحال طرح هذه الأحاديث لضعف سندها، فإنّ ضعف السند لا يدلّ على عدم الصدور، كما سلف،وإنّما ذلك يدعو إلى ضرورة بحث هذه الروايات من طريق آخر غير طريق السند، ويبقى البحث عن السند من باب تحصيل القرائن على صحّة المتن.

وهكذا تبرز لنا بوضوح أهمية دراسةمتون الأحاديث والروايات، خصوصاً في تفسير وتأويل الآيات القرآنية.

ومع أن الأمة مجتمعة على مبدأ التمسك بالسنة النبوية، إلا أن هناك مسائل تفصيلية متعلقة بها قداختلف فيها، ومن أهمها مسألة توثيق الرواة، وبالتالي تصحيح السند.

وإذا ما غضضنا النظر عن مسألة الاختلاف في مسمى الصحابي وعدالته، مما تجده مفصلاً في كتب الأصوليينوالمحدثين، فإن كتب الجرح والتعديل اختلفت في توثيق الرواة من بعدهم، وقد تجد في الرجل الواحد آراء مختلفة، يوثقه بعض، ويضعفه آخرون.

وقد يختلف أيضاً في فهم متونالأحاديث، من حيث دلالتها، وعمومها وخصوصها، وإطلاقها وتقييدها، وإحكامها ونسخها، وغير ذلك من مباحث السنة.

3 ـ تسلّل الإسرائيليات إلى كتب الرواية والتفسير:

وثمّة حقيقة ثابتة تاريخية تواجهنا على مستوى تراثنا الديني، وخصوصاً المرويّ منه، وهي دخول الإسرائيليات إلى الفكر الاسلامي، وكثرة الأحاديث الموضوعة «المختلقة»،والتي يتعارض الكثير منها مع أصول العقيدة، والتي

أخذت طريقها إلى كتب التفسير والحديث والسيرة، لأسباب كثيرة كان منها عدم التدقيق فيمناقشة متون الأحاديث، والتركيز على دراسة السند فقط، وربّما حتى التساهل في قبول الأحاديث في غير الأحكام الشرعية، تحت عنوان «التسامح في أدلّة السنن».

فقد تسلّلتإلى كتب التفسير والحديث أساطير قديمة والكثير من الانحرافات والأباطيل، ولأنّ غالب ما يُروى منها يرجع في أصله إلى مصدر يهودي، فقد أطلق عليها علماء التفسير والحديثلفظ الإسرائيليات، من باب التغليب للون اليهودي على غيره، حيث كان اليهود أشدّ أهل الكتاب صلة بالمسلمين وثقافتهم كانت أوسع من ثقافات غيرهم(27).

وقد أُطلِقَ لفظالإسرائيليات بالخصوص على ما نُقِلَ عن النصارى الذين دخلوا الاسلام، ككعب الأحبار وتميم الداري وابن جريج وغيرهم، لأنّهم كانوا يرجعون في أكثر ذلك إلى كتب بنيإسرائيل، وأسفار الأنبياء منها على وجه الخصوص.

وقد شكّلت الإسرائيليات قسماً معتدّاً به من الروايات التفسيرية، حتّى عدّها بعض الباحثين المصدر الرابع من مصادرالصحابة في التفسير بالمأثور(28)، وأخذت هذه الإسرائيليات طريقها إلى معظم كتب التفسير، متسلِّلة من بعضها إلى البعض الآخر، قال الذهبي: «بل لا أكون مُبالغاً ولامتجاوزاً حدّ الصِّدق إن قلت: إنّ كتب التفسير كلّها قد انزلق مؤلِّفوها إلى ذكر بعض الإسرائيليات، وإن كان يتفاوت قلّة وكثرة وتعقيباً عليها وسكوتاً عنها»(29).

ونجدالكثير من هذه الروايات قد تسلّلت إلى كتب الحديث فضلاً عن التفسير، وكانت هذه الروايات المستند في بعض الآراء، وكل ذلك يدعو إلى

ضرورة تعميقدراسات متون الحديث، دراسة تفحّص وتحقيق وتدقيق، دون الاعتماد السطحي على ما يُنقَل، أو التداول المتساهل والمتسرِّع لكل ما يُروى.

4 ـ آثار حركة الوضع:

وفياتجاه آخر نجد حركة الوضع في الحديث، ويُقصَد به اختلاق الحديث ونسبته إلى الرسول (ص) أو غيره، والتي قد تعود بداياتها إلى عهد الرسول(ص).

فإنّنا نجد نصّاً عن الإمامعليّ (ع) يشير بوضوح إلى ذلك، إذ يقول: «إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعامّاً وخاصّاً، ومُحكماً ومُتشابهاً، وحفظاً ووهماً، ولقدكُذِبَ على رسول الله (ص) على عهده حتى قام خطيباً، فقال: (مَن كذب عليَّ متعمِّداً فليتبوّأ مقعده من النار)(30)...»(31).

وقد اتّسعت حركة الوضع لأسباب سياسية ومذهبية،فوضعت كل فرقة أحاديث في نصرة مذهبها، أو في ذمِّ الفرق المناوئة، وقد ذكر ابن الجوزي أحاديث في مدح وذم أئمة المذاهب المختلفة.

ثمّ ظهرت طائفة أخرى تضع الحديث«تعبّداً» و «تقرّباً» إلى الله..!! بحسب ظنِّهم، فقد ذهب بعض المتصوِّفة إلى جواز وضع الحديث للترغيب والترهيب، ترغيباً للناس في الطاعة وزجراً لهم عن المعصية، وانتشروضع الحديث عند هؤلاء وأمثالهم، حتى رُوي عن عبيدالله النوازيري، قال: سمعتُ يحيى بن سعيد القطّان يقول: ما رأيتُ الكذب في أحد أكثر منه في مَن ينسب إلى الخير والزهد(32).

ودخلت الزندقة حركة الوضع، والزنادقة يُراد بهم الذين قصدوا إفساد

الشريعة وإيقاع الشك في قلوب العوام والتلاعب بالدِّين.

ومن أشهررموزهم تأريخياً، عبدالكريم بن أبي العوجاء، الذي كان يدسّ الأحاديث في كتب حمّاد بن سلمة، فلمّا اُخذ ابن أبي العوجاء، وأُتيَ به محمّد بن سليمان بن عليّ، والي الكوفة،فأمر بضرب عنقه وأيقن بالقتل، قال: لقد وضعتُ فيكم أربعة آلاف حديث، اُحرِّم فيها الحلال واُحلّ فيها الحرام، ولقد فطّرتكم في يوم صومكم وصوّمتكم في يوم فطركم(33).

وروى ابن الجوزي بسنده عن الحكم بن مبارك، قال: سمعتُ حمّاد بن زيد يقول: وضعت الزنادقة على رسول الله (ص) أربعة عشر ألف حديث(34).

وقال: قد كان في هؤلاء الزنادقة مَنيأخذ من شيخ مغفّل كتابه فيدسّ في كتابه ما ليس من حديثه، فيرويه ذلك الشيخ ظنّاً منه أنّ ذلك من حديثه.

ودخل سوق الوضع، القصّاصون الذين وضعوا الأحاديث والأخباروالقصص، لأسباب سياسية، أو لأسباب معيشية لاجتذاب العامّة، قال أحمد أمين: «وقد نما القصص بسرعة، لأنّه يتفق مع ميول العامّة، وأكثر القصّاص من الكذب حتى رووا أنّالإمام أمير المؤمنين طردهم من المساجد، واستثنى الحسن البصري لتحرِّيه الصِّدق»(35).

وتطوّر الأمر في القرن الثاني، إذ انتشر القصّاصون وكان همّ أحدهم أن يجيءبالغرائب ويكثر من الرقائق، وإذا كان بعض القصّاصين من أهل العلم والحديث، فإنّ الأمر انتهى في القرن الثالث إلى أنّ «إسم القاص أصبح لقباً عامياً مبتذلاً، وأكثرالمتصدرين في الوعظ إنّما يكونون من أهل الحديث والمتسعين في العلوم، ولا حاجة إلى الكلام عنهم، ولم يزد المتصوِّفة في الأخبار

إلاّ ما يزعمونأنّهم احتووه بعلم خاص، والله أعلم بغيبه»(36).

ومن هذا الطريق، دخل كثير من الموضوعات، خصوصاً في السيرة وقصص الأنبياء والمعاجز والفضائل، فامتلأت الكتب بالأساطيروتناقلوها واحداً عن واحد حتى غدت عند الكثيرين من المسلّمات.

وكل هذه الأسباب أدت إلى الاختلاف في قبول الروايات والاعتماد عليها، وبالتالي الاختلاف في الآراءوالأفكار المشتقة منها وكذلك بعض الأحكام المستنبطة منها.

نتائج تعدّدية الأفهام وأبعادها

إنّ نشوء أو وجود أفهام متعدِّدة مختلفة لبعض المسائل وبعض القضاياالدينية، وبغضّ النظر عن صحّة أي منها، أمر مفروغ منه.

ولا يعني وجود هذه الأفهام وجود دين متعدِّد، أو أديان مختلفة، فإنّ أصول العقيدة، غالباً ما تكون مورد اتفاق،خصوصاً في خطوطها الأساسية التي بيّنها القرآن الكريم بنصوص واضحة.

وإنّما تخصّ هذه الأفهام مواقف ورؤى من قضايا الحياة المختلفة والتفصيلية، ولا يعني هذا بحالالتقليل من أهميتها والغضّ عن خطورتها، حيث أنّ بعض هذا الفهم يؤدِّي إلى مواقف متفردة، أو رؤى قلقة وحرجة لبعض المسائل.

ولكن ما نريد هنا تثبيته، هو أنّ وجود هذهالأفهام المختلفة أمر واقع، يتطلّب من الجميع الاطلاع عليها، والوصول بها إلى الأفهام التي تكون أكثر موافقة لروح الاسلام وللقرآن، وأكثر ملاءمة للواقع وللزمان.

وإذا كانت هذه الأفهام تشكِّل من وجهة نظر ما ومن زاوية معيّنة ظاهرة سلبية، فإنّ النظر إليها من زوايا أخرى يعطينا انطباعاً إيجابياً عن مجالات واسعةللاجتهاد وخيارات متعدِّدة للانتخاب.

ولا شكّ بأنّ ذلك يتطلّب الانفتاح على سائر المذاهب ـ فضلاً عن الاجتهادات المتعدِّدة داخل المذهب الواحد ـ ، وعلى سائر الآراء،مع الالتزام بالأُسس العلمية والأُصول الشرعية، وبالتالي يكون رائدنا الآية الكريمة: (فبشِّر عبادِ الّذينَ يَسْتَمعونَ القولَ فيتّبعونَ أحْسَنهُ أُولئكَ الّذينَهداهُم الله وأُولئكَ هُم أُولو الألباب)(37).

ولا يعني أن يكون البحث فيها بدون هاد، والدخول في معترك الآراء بدون دليل، بل يكون القرآن ـ بعد الاستعانة بالله تعالى ـهو الرائد والقائد في كل خطوة نخطوها، والفيصل في كل مسألة نواجهها.

ولا يعني تعدّد التفاسير، وتنوّع الروايات، وتوزع الآراء، عدم وجود ضوابط علمية وقواعد أساسية،فلكل من التفسير والتأويل وعلوم الحديث، ضوابطه ومقرّراته التي يمكن الانطلاق منها في البحث والاعتماد عليها في التحقيق.

ولا شكّ أنّ كثيراً من البحوث الاسلاميةالمعمّقة التي قام بها العلماء والباحثون المحقِّقون، استطاعت أن تصيب الحقيقة في الكثير من موضوعاتها، وأن تقترب منها في موضوعات أخرى، وأن توفِّر أرضية مناسبةللإجماع أو التفاهم حولها.

إلاّ أنّه ومع كل هذه الجهود، يجب أن نعي أنّ من المستحيل - في الواقع المنظور ـ أن نخلق إجماعاً أو نصل إلى توافق على سائر القضايا، سواء كانذلك لأسباب ذاتية تتعلق بأشخاص العلماء والمفسرين ومناهجهم، أو موضوعية

تتعلق بالنص المفسر من حيث بيانه أو إجماله، أو الإبهام الحاصل في فهمهوغير ذلك من الأسباب... لذا يجب إبقاء باب الاجتهاد مفتوحاً، كما يجب أن نتقبّل وجود التعدّد في الفهم والاستنباط، وبالتالي نتقبّل وجود آراء متنوِّعة داخل الساحةالاسلامية.

وإذا كان هذا يدعو للفرقة والاختلاف والتنازع والصِّراع في السابق، فإنّ مع تقبّل وجود التعدّدية الثقافية، والدينية والسياسية في سائر المجتمعاتالبشرية، وإرساء أجواء حوار صحِّية وتدعيم وضع اجتماعي متسامح قائم على أساس تقبّل الاختلاف والتعايش السلمي للآراء والطوائف المختلفة...، مع كل ذلك نستطيع حفظ وحدةالمجتمعات وسلامة أجوائها وتوجّهها نحو «الأحسن المنشود»، بالحوار والحوار فقط.

ونستطيع بذلك أن نحوِّل سلبية «التعدّد» في الرأي إلى إيجابية فاعلة في مواجهة الكمالهائل من المعضلات التي تريد حلاًّ مرناً وشجاعاً وعملياً قابلاً للتطبيق، ولا يخرج في نفس الوقت عن دائرة الشرع، فإذا ما انفتحنا على الساحات الاسلامية المختلفة،فإنّنا سنجد حلولاً متعدِّدة ومعالجات متنوِّعة، نختار منها بالبحث والجهد والحوار ما هو أكثر موافقة للقرآن، وأكثر مُلاءمة للزمان.

وينبغي التأكيد هنا أخيراً أنّما ذكرناه من موانع ونقاط ضعف في تراثنا، لا يعني بحال استحالة إمكانية الانتقاء والاستصفاء، بل يُراد منه ضرورة التمحيص والتحقيق فيه، والإشارة إلى وجود القراءاتالمختلفة كأمر واقع، بغضّ النظر عن صواب هذه القراءة أو تلك، أو صحّة تلك الرواية أو خطأ الاُخرى.

وتلك مسألة طبيعية مطلوبة لا في تراثنا الدينيفحسب، بل في سائر ما يرد علينا من أفكار وآراء، المعاصرة منها أو الموروثة.

وما نجده اليوم عند البعض من جمود أو انغلاق أو تعصّب أو تصلّب في مواجهة الآراء المختلفة و...وإن كان له جذور تأريخية ومناشئ في ثقافتنا وسياستنا واجتماعنا، إلاّ أنّ ذلك لا نجدهُ عند العلماء المحقِّقين والكتّاب المثقّفين، الذين كانوا يوردون الآراء المختلفة،ويتقبّلون منها ما ثبت لديهم بالدليل، مع إبقاء المجال مفتوحاً للبحث والتأمّل للآخرين، وهو ما نحتاجه اليوم أكثر من أي عهد مضى.

وأخيراً لا يعني فتح باب التأمّلوالحوار، إفساح المجال للآراء لأن تأخذ طريقها إلى تفسير النص الديني وتأويله دون ضوابط وبلا حدود، فإنّ لهذا الطريق تبعاته الخطيرة الاُخرى، والتي تؤدي إلى فتح بابالانحراف واتباع الهوى.


1 ـ الحجر/ 9.

2 ـ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج1، المقدّمة، ص14.

3 ـ الشريف الرضي، نهج البلاغة،الخطبة 18.

4 ـ شيء غضّ: أي طريّ.

5 ـ البحراني، البرهان في تفسير القرآن، ج1، ص66.

6 ـ د. محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسِّرون، ج1، ص39.

7 ـ مصطفى عبدالرزاق،تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية، ص123.

8 ـ الزمر/ 17 - 18 .

9 ـ آل عمران/ 7 .

10 ـ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي، ج1، خطبة الكتاب.

11 ـ الاسراء/ 85.

12 ـ النساء/ 82.

13 ـ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج3، ص97.

14 ـ النجم/ 3 - 4.

15 ـ النحل/ 64.

16 ـ الزركشي، البرهان، ج2، ص176.

17ـ راجع لمعرفة الآراءالمختلفة في ذلك: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، ج2، ص109، والخلافة في أصول الحديث للطيِّبي، ومقدّمة ابن الصلاح.

18 ـ أبو حامد الغزالي، المستصفى في أصول الفقه، ج1،ص135.

19 ـ ابن الصلاح، علوم الحديث، النوع السادس والسابع.

20 ـ د. فتحي الدريني، دراسات وبحوث في الفكر الاسلامي المعاصر، ص184.

21 ـ المصدر نفسه، هامش ص184 نقلاً عنارشاد الفحول، ص243، ط1.

22ـ تفسير مجاهد، المقدمة نقلاً عن: تبصير الرّحمن وتيسير المنّان، العلاّمة المهائمي، ج1، ص207.

23 ـ تفسير القرطبي، ج3، ص33، وانظر أيضاً: تفسيرالخازن، المقدّمة، ص6.

24 ـ النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، ج1، ط3، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ص47.

25 ـ ابن الصلاح، علوم الحديث، ص14.

26 ـ السيوطى، الإتقان،ج2، ص1205.

27 ـ د. محمد حسين الذهبي، الإسرائيليات في التفسير، ص21.

28 ـ الذهبي، التفسير والمفسِّرون، ج1، ص64.

29ـ الذهبي، الإسرائيليات في التفسير والحديث، ص119،وانظر أيضاً: د. رمزي نعناعة، الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، ط1، دمشق، دار العلم، ص86.

30 ـ راجع: الموضوعات لابن الجوزي، ج1، ص28.

31 ـ الشريف الرضي، نهجالبلاغة، الكتاب 210.

32 ـ ابن الجوزي، الموضوعات، ص18.

33 ـ م. ن، ص15.

34 ، 28 ـ المصدر نفسه.

35 ـ أحمد أمين، فجر الاسلام، ص159.

36 ـ مصطفى صادق الرافعي، تاريخآداب العرب، ج1، ص383.

37 ـ الزمر/ 18.

/ 1