3 ـ قضية الخيال - قضایا النقدیة فی النثر الصوفی نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

قضایا النقدیة فی النثر الصوفی - نسخه متنی

وضحی یونس

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

3 ـ قضية الخيال

الخيال ـ في العموم ـ إبداعُ صورةٍ جديدة عن الواقع، والخيال في الصوفية قضية معرفية فنية في آن معاً، فعلى الصعيد المعرفي يُشكِّلُ الخيال عالماً، وعلى الصعيد الفني، يُشكِّلُ نصّاً هو رؤية ذلك العالم، فالخيال يحكم العالم الذي يُشكِّله، ويحكم النص الأدبي الذي يَصِفه، ولذلك يولدُ النصُ الصوفي غيرَ مُطابق لأيّةِ قاعدة خارجية؛ واقعية، أو فنية، فهو مختلف، وخصوصيته تكمن في اختلافه، والخيال الذي يحفظ مدركات الحس بعد غياب صورها المادية ينتمي إلى قوى الروح غير المنظورة، وينبثق من رغبة الإنسان في معرفة الغيب، وإن كانت مستحيلة، فهو يشمل قدرات عديدة، كالحاسة السادسة، والتخاطر عن بعد، والتنبؤ... الخ، والخيال قوة أُهملت طويلاً، واليوم يُعاد تأهيلُها بعد الالتفاتِ إلى أهميتِها، وتوظيفِها، والاستفادة منها، فهو ملكة خلق وإبداع.

الخيال الصوفي هو حلم الإسلام بالمستقبل، حلم بالمبادئ التي يرغب الصوفيون، ومَنْ على مثالهم، تحقّقَها، حلم بردم الهوة بين الحلم والواقع، وهذا الحلم المشروع هو وليد نزعة إنسانية تتوق إلى مثل أعلى، وتعرضُ تصورات الإصلاح عبرَ تجليات مختلفة لمفهوم الخيال، ومعطياته، والتي أبرزُها ـ إطلاقاً ـ ذلك النموذج الإنساني الأعلى، جامع البطولة، والقداسة والكلية، والذي اصطُلِحَ على تسميته ـ صوفيا ـ الإنسان الكامل، حتى إنه لم يتجسد إلاّ في شخص النبي، والصوفيون الذين جدّوا سيرهم على الطريق الصوفي، هدفوا إلى اكتساب سماتٍ تُقربهم من النبوة، ومن الألوهية.

يقف الخيال وراء التجارب الصوفية، وحالاتها الوجدانية، ولا يُطوى هذا الخيال تحت لواء العقل والمنطق، بل تحت لواء الانعتاق والحرية، والنبوغ، والعبقرية، يريد أن يؤكد ذاته، ويؤكد كلّ النشوات التي يُعلن وصوله إليها، ويؤدي وظيفته في إنتاج القوانين والعلوم التي تخدم الحياة الإنسانية.

يقوم الفكر الصوفي ـ أساساً ـ على الخيال، لأن الصوفية تجربة خيالية روحية ونفسية، لا شأن للعقل والمنطق والجسد بها، والخيال ركن أساس في بناء النصوص الصوفية مضموناً وشكلاً، وهو أهم مفاتيح الدخول إليها، وتتبعه، وتحليلهُ أبرز مهمة حين التصدّي لنقدها، لأنّه وسيلة الأدب الصوفي في الانتقال من الآني الزائل إلى الأبدي الخالد، إلى السعادة والمجد والقوة والكمال، وكل ما يناقض الطبيعة البشرية، وينقذها من هشاشة المادة إلى صلابة الروح، وبقائها، كيف وأين؟ ذلك ليس مهماً، المُهمّ هو أنّ هذا الخيال الحلم لدى الصوفي حقيقة وإيمان، وعقيدة، فالإنسان الصوفي يهرب من عالم المادة والشكل، إلى عالم الروح والمضمون،ولا يتسنى لـه هذا الهروب بغير وساطة الخيال التي تصله بحقيقة ذاته، وحقيقة الكون من حوله، وقد يأخذ هذا الهروب شكل تحويل الروح إلى مادة للرقي بالمادة كما في نص الحلاّج التالي:

(اللهم أنتَ الواحد الذي لا يتمُّ به عددٌ ناقص، والأَحَدُ الذي لا تُدركه فِِطنة غائص، أسألك بنورِ وجهكَ الذي أضاءَتْ بهِ قلوبُ العارفين، وأظلمتْ منه أرواح المُتمرديّن، وأسألُك بقُدسِك الذي تخصَّصتَ به عن غيرِك، وتفردّتَ به عمنّ سواك، أن لا تُسرحني في ميادين الحيرة، وتنجيني من غمرات التفكر، وتوحشني عن العالم، وتؤنسني بمناجاتك، يا من استُهِلكَ المُحبّون فيه، واغترّ الظالمون بأياديه، لا يبلغُ كنهَ ذاتك أوهامُ العباد، ولا يَصِلُ إلى غاية معرفتك أهل البلاد) ؛ فالحلاّج يُحوّل النور المعنوي إلى نور مادي، ثم يعيده إلى نور معنوي في قلوب العارفين وأرواح المتمردّين، فضلاً عن ترميز النور، فالنور الذي يضيء قلوب العارفين هو نور المعرفة والخير، والظلمة التي تغشى أرواح المتمردين هي ظلمة الجهل وظلمة الشر، كما يُجسِّدُ الحلاّج الحيرة فيجعلها ميادين، ويُجسّد التفكر فيجعله أمواجاً غامرة.

الخيال الصوفي يريد أن يكون، على صعيد المضمون، دليلاً على اللقاء بين الإنسان والله، وعلى صعيد الشكل دليلاً على اللقاء بين اللغة والواقع؛ فالخيال هو النقطة التي تلتقي عندها الصوفية والأدب، حيث يقوم ـ معرفياً، وأدبياً ـ بإنشاء عالم جديد سوى العالم القائم، الذي قد نرفض معطياته وقوانينه، عالم هو الذي نريده أن يكون؛ لأنّ مسؤولية الإنسان كما يراها الصوفيون هي العمل لتجميل الكون، عن طريق نشر النظام، والعدالة، والأمن، والحب، ووسيلته في أداء هذا الواجب هي الخيال، فحين يقول الحلاج لمّا قُطعتِ يداه ورجلاه: (إلهي أصبحتُ في دارِ الرغائب أنظر إلى العجائب، إلهي إنَّكَ تتوددُ إلى من يُؤذيك، فكيف لا تتوددُ إلى من يُؤذى فيك) يَصِفُ العالمَ الذي ابتدعه صلبُه، فهو يناجي ربَّه وقد علم بأنه وبعد صلبه انتقل من دار الدنيا الفانية إلى دار الرغائب والعجائب الباقية، الدار المُبتَدع الذي تخيَّله الحلاج، وتخيَّل فيه تودّدَ الله إليه.

يُدخِل الخيال ـ إذن ـ الصوفية في صُلب الأدب من حيث كلاهما فرارٌ إلى ملجأ، فالصوفية والأدب خيالات تريد الخلاص من الواقع المتناهي، إلى الغيب اللامتناهي، وتريد أن تعبر الزائل إلى الخالد، وعمل الخيال عند الصوفيين عملٌ حقيقي ذو مضمون، وفائدة واقعية (الخيال لا ينشئ تركيبات غير حقيقية وإنما يُظهرُ المعاني المخبوءة في الأشياء فعملُه عمل التأويل يعمُد إلى إخفاء الظاهر وإظهار الباطن، يمّسُ بكيميائه العجيبة الأمور المحسوسة فيجعلها رموزاً روحية فكرية) يقول الحلاج مثلاً (عين التوحيد مودّعةٌ في السرِّ، والسرُّ مودعٌ بين الخاطرين، والخاطران مودعان بين الفكرتين، والفكرة أسرع من لواحظ العيون) ، فالحلاّج يُجسِّدُ التوحيد، ويستعير لـه عيناً ويُجسِّدُ الخاطرين، والفكرتين، فيستعيرُ لهما الإيحاء بالمكان، ويقول في نصٍّ آخر: (أنا بما وجدتُ من روائح نسيم حبك وعواطر قربك أستحقرُ الراسيات، وأستخفّ الأرضين والسموات وبحقِّكَ لو بعتَ مني الجنةَ بلمحةٍ من وقتي، أو بطرفةٍ من أحرٍ أنفاسي لما اشتريتُها. ولو عرضتَ عليّ النار بما فيها من ألوان عذابك لاستهونتها في مقابلة ما أنا فيه من حال استتارك مني، فاعفُ عن الخلق ولا تعفُ عني، وارحمهم ولا ترحمني، فلا أخاصمك لنفسي، ولا أسائلك بحقي، فافعل بي ما تريد) ، النص صوفيّ أبرز ما فيه السمة الأدبية المُتجلية في الخيال (روائح نسيم حبك، وعواطر قربك)، وفي العاطفة الجارفة (أستحقر الراسيات، وأستخّفُ الأرضين)، وفي الخروج على الفكر الديني المألوف (الاستهانة بالنار، وبيع الجنة)، وفي الرغبات الصوفية الطريفة (اعفُ عن الخلق ولا تعفُ عني) و(ارحمهم ولا ترحمني).

النص الصوفي نصٌ فني أكثر ممّا هو نصٌ ديني، أو فلسفي، على الرغم ممّا للدين والفلسفة من نصيب فيه، والخيال يبينه بالرمز، والمجاز، فقد كان الهروب من التعبير الصريح هو الحل لمشكلة الصوفيين، في بحثهم عن ترجمة لأفكارهم، ما ساعد كثيراً على إنتاج فنون الكتابة النثرية، من خاطرة، وقصة، ومَثَل... الخ، لأنّ هذه الفنون تُشكل مجالاً رحباً للإلغاز والتعمية، وتغطية الأفكار الصوفية الجديدة والجريئة، والرمز والمجاز أساسان هامان تقوم عليهما جمالية النص الصوفي، تلك الجمالية القائمة على حركة دائمة لا تنتهي، تتجدد باستمرار ما دامت تحتمل الكثير من المعاني، وقد أشار أدونيس إلى هذا في قوله. (يقتضي المجاز حركية القراءة، التي تواكب حركيته بحيث تكون القراءة جديدة دائماً، هي أيضاً، فالقراءة التي تُصرّ على فهم النص حرفيّاً أو ظاهرياً لا غير، تتناقض مع طبيعة اللغة ذاتها، ذلك أن الحرفية قتلٌ للغة صورةً ومعنى عدا أنّها قتلٌ للإنسان وفكره) . لذلك فالخيال بالمعنى الأدبي والفني هو الذي أتاح المجال واسعاً لتنافس الكُتاب، ولإنتاج إبداعات فردية تتميز بخصوصية هي الأبعد عن التعليم، أو التلقين، أو الاهتداء بقاعدة ما، وهذا أحد أسباب اتهام الخيال الصوفي بالجنون؛ ذلك لأنّه خيال مختلف، خيال نشيط جداً، ومن ثم مضطربٌ جداً، وكلّما أبحر هذا الخيال في الجنون اقترب من الفن السامي الذي يُوصف بأنه فن عظيم.

يضعُ النقد للخيال مقاييس أبرزها (قوة الابتكار، وقوة التشابه بين المشهد الموصوف والمشاعر التي يوحي بها من جمال التصوير، والجدّة في الصور البيانية، والقدرة على إبراز المعاني) ، والأدب الصوفي خير دليل على تحقّق هذه المقاييس فقوة الابتكار، وجمال التصوير ميزتا النص الصوفي عامة، ها هو أبو سليمان الداراني يتخيل حواراً بين الله سبحانه، وجبريل، يُطمئن فيه الله أحبابه الصوفيين على أنه سبحانه مُطلّعٌ على خلواتهم، وسامعٌ لأنينهم، ويَعدِهُم بأن يكشف لهم يوم القيامة عن وجهه (قال أحمد بن أبي الحواري: دخلتُ على أبي سليمان يوماً وهو يبكي فقلت لـه ما يُبكيك؟ فقال: يا أحمدُ، ولم لا أبكي، وإذا جُنّ الليل، ونامت العيون، وخلا كلُ حبيب بحبيبته، وافترشَ أهلُ المحبّة أقدامهم وجَرَتْ دموعُهم على خُدودهم، وتقطرت في محاريبهم، أشرَفَ الجليلُ سبحانهُ وتعالى فنادى: يا جبريل: بعينيّ من تلذذّ بكلامي، واستراح بذكري وإني لمطلّعٌ عليهم في خلواتهم أسمع أنينهم، وأرى بكاءهم، فلم لا تنادي فيهم يا جبريل: ما هذا البكاء، هل رأيتم حبيباً يُعذِّبُ أحباءه، أم كيف يجمل بي بأن آخذ قوماً إذا جنّهم الليل تملّقوا لي، حلفتُ أنهم إذا وردوا عليّ القيامة، لأكشفنَّ لهم عن وجهي الكريم، حتى ينظروا إليّ وأنظر إليهم) .

أمّا القدرة على إبراز المعاني، فتتجلى في قدرة الأديب الصوفي على إيصال الفكرة، مهما دَقّت، بأسلوب جمالي وعلى الإيحاء بالفكرة بتعبير غير صريح لإحداث أعظم درجة من الانفعال: (حُكي أنّ بعض العارفين رأى رجلاً يبكي على قبر، فسأله عن بكائه، فقال: إنّ صاحب هذا القبر كان لي محبوباً، فلما مات لم أستطع صبراً عنه، فقال يا هذا أنت ظلمتَ نفسك حين أحبَبت مَنْ يموت فلو أنك أحبَبت من لا يموت لم تتعذب بفراقه) ، كما أكثرَ الصوفيون من توظيف الصور البيانية في أدبهم لخدمة أفكارهم من حيث تزيينها، وتجميلها، وتوصيلها، ففي قول أحمد بن عطاء عن المحبة (المحبة أغصان تُغرس في القلب، فتثمر على قدر العقول) ويقول إسحق النهرجوري: (الدنيا بحر والآخرة ساحل، والمركب هو التقوى، والناس سفر) .

وتنتمي القدرة على إبراز المعاني عند الصوفيين إلى كون البيان الصوفي بياناً فكرياً، يتسم بالعمق والبعد، حيث ينشغل الصوفيون بالمضمون أكثر من انشغالهم بالشكل، ولذلك نرى أنّ البلاغة الصوفية بلاغة مضمون وفكر، لا لفظ، وبيانهم بيان معنى لا زخرف، (والصوفي في بعض الأحيان يُساق إلى رفض التشبيهات، والاستعارات كلما وجد نفسه تجاهها، بل ينصرف أيضاً عن مراعاة صحة الألفاظ، وانسجامها وإعرابها، فكأنما زلزل كيانه، فزلزل بدوره كيان الأساليب الصحيحة المتعارفة) .

تنصرف اللغة الصوفية إلى الاهتمام بالمعنى حين تتوجه إلى الصوفيين بالموعظة، والنصح، وتوصيف حال التصوف، وعند إطلاق الحكمة والمَثَل، يقول ذو النون المصري (إياك أن تكون بالمعرفة مُدعيّاً، أو تكون بالزهد محترفاً، أو تكون بالعبادة مُتملِّقاً) ، ويقول أيضاً: (الصوفي من إذا نطق، أبان نطقُه عن الحقائق، وإنْ سكتَ نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق) ، ويقول أبو سليمان الداراني: (لكلِّ شيء حِيلة، وحيلة الصدق الخشوع، ولكل شيء صدق، وصدق اليقين الخوف من الله تعالى) .

ويُظهر الصوفيون قوة تشابه نادرة بين المشهد الموصوف، والمشاعر التي يوحي بها، والتي جعلت من تشابيه المتصوفة، الأجمل في الأدب، يقول الجنيد (الصوفي كالأرض، يُطرح عليه كل قبيح ولا يخرج منها إلاّ كل مليح، إنه كالأرض يطؤها البِرُّ والفاجر، وكالسحاب يُظلُّ كل شيء، وكالقطر يسقي كل شيء) ، ويقول يحيى بن معاذ: (الجوع نور، والشبع نار، والشهوة مثل الحطب الذي يتولد منه الاحتراق، ولا تُطفأ ناره حتى يُحرق صاحبه) ، ويقول أيضاً: (الدنيا كالعروس، ومن يطلبُهُا يُلاطِفُ ماشِطتَها، والزاهد فيها يسخَمُ وجهها، وينتف شعرها، ويخرقُ ثوبها، والعارف مشتغلٌ بالله تعالى لا يلتفتُ إليها) .

الخيال هو الذي جعل من الأدب الصوفي ذروةً شامخة في البيان العربي، وثورةً في اللغة، وانتقالاً من حضارة اللفظ إلى حضارة المعنى، وملأ نصوصه بالصور الفنية، والطرق التعبيرية المختلفة، فالخيال الصوفي كان وسيلة المزاوجة بين الفلسفة والأدب، ولذلك جاء النص الصوفي عميقاً وغزير المعاني، واللفظ واضحاً ومتعدد الدلالة، في سياق من التشخيص والتجسيم، تحت أنواع أدبية متعددة؛ من رسائل، ومكاتبات، وقصص، وحكايات، وأدعية، وأوراد، وحكم... إلخ يقول أبو حفص: (الخوف سراج القلب به يُبصر الخير والشر) ، ويقول أبو سليمان الداراني: (مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع) ، ويقول أبو علي الروذباري: (للنفس صفتان تمنعانِها من الخير: انهماكُها في الشهوات وامتناعُها عن الطاعات، فإذا جَمَحتْ عن ركوبِ الهوى وجبَ كبحُها بلجام التقوى، وإذا حَرَنت عن القيام بالموافقات يجبُ سوقُها على خلافِ الهوى، وإذا ثارت عندَ غضبِها فمن الواجب مراعاةُ حالِها، فما من منازلةٍ أحسنُ عاقبةً من غضبٍ يُكسَرُ سلطانُه بخُلقٍ حَسنٍ، وتُخمَدُ نيرانُه برفقٍ، فإذا استحلّت شرابَ الرعونة فضاقتْ عن كلِّ شيء إلا عن إظهار مناقبها والتزيّن لِمن ينظر إليها ويلاحظها، فمن الواجب كسرُ ذلك عليها وإحلالُها بعقوبةِ الذُلّ بما يُذكِّرها من حقارةٍ قَدْرِها، وخَساسةِ أَصْلِها وقَذارةِ فِعْلها،…) .

فالنفس عند الصوفية حيوانية إذا لم تخضع للتدريب الإنساني الذي يرفع قدرها، لقد شخّص النفس في صورة حيوان جامح ثائر غاضب يتوجب على صاحب هذه النفس الشهويّة العاصية أنْ يكبحَ لجامها بالإيمان والتقوى والخُلق الحسن، وتذكيرها دائماً بنقاط ضعفها.

بمثل هذا الخيال أصبحَ النص الصوفي أجدر النصوص بوسمه بالأدبية؛ لأنه لا زمني، ممتد في كل الأزمنة، وغدا النص الأدبي الأصيل والجميل، هو الحديث، والرؤيوي، وأصبح الأدب الصوفي إبداعاً لا يشبه نماذج سابقة، حيث يتم فيه الاتكاء على الموهبة، والاختراع، والبحث، والاكتشاف، والتأمل، والباطن؛ ولأن الإبداع الصوفي هو التجربة ذاتها، التجربة النفسية الانفعالية التي تنشد الكشف، والاتصال، فهي تبتكر إطارها الفني الخاص، من لغة وصورة، بل إنّ النثر الصوفي يبتكر قواعده الخاصة، في اللغة، والبيان، والبديع، ليتمكن من التعبير عن موضوعات فلسفية؛ كالحياة، والموت، والزمن، والوجود، والعدم، والجدل الذي يقوم عليه الوجود البشري.

تشير مصادر الأدب الصوفي إلى أنّ معظم آثاره وأهمها، هي نتاج الغياب عن هذا العالم، والاستغراق في عالم الخيال، عالم الأنا في تجربتها الصوفية، التي هي تجربةٌ في الفكر وتجربةٌ في الكتابة أيضاً، وتجربةٌ في مقاربَةِ المطلق تلجأ إلى طرق جديدة للتعبير عنه، قوامها الصور الإشراقية التي لا تخضع للعقل، ولا للمنطق، بل للحلم وحده؛ لأنه الوسيلة الوحيدة لمقاربة الجانب المجهول من الوجود، فالحلم أهم المفردات التي ينطوي عليها الخيال؛ لأنّ الحلم نشاط لا يقف عند حدود ولا يأبه لقوانين؛ ولذلك، عندما خرج هذا الخيال عن الحدود المسموحة والقوانين الموضوعة، وُصِفَ أصحابُه بالجنون والإلحاد، فلم تكن أحلام الصوفية موضع تقدير واهتمام.

لقد جُرِّد الحلم الصوفي من كل قيمة، على حين كان الصوفيون يعلنون أنّ أحلامهم ذات دلالات، وهي منبثقة من درجة عالية من الوعي، ولا بُدّ من توظيفها لحل مشكلات الحياة، ولخدمة الإنسان، فالخيال قدرة على النظر العميق والاستشفاف، ومن ثمَّ تُناطُ به مهامٌّ نفسية وكونية.

عند الحلم تلتقي الصوفية السرياليةَ، من حيث كلاهما ينبثق من الحرية غير المتناهية للفكر، وكلاهما يؤمنُ بقدرة الحلم على تغيير الواقع، وحل مشكلات الحياة، يُعرّف أندريه بريتون السريالية بالقول: (هي آلية نفسية ذاتية خالصة يُستهدفُ بواسطتها التعبير إنْ قولاً، وإنْ كتابةً، وإنْ بأية طريقة عن السير الحقيقي للفكر بل هي إملاءٌ من الذهن في غياب كل رقابة من العقل) ، فالصوفيون أول من قال بأدب اللاوعي، حيث نظم الكثير منهم أشعاره وكتاباته في حالات الفناء عن الذات.

الخيال قدرة استبطان، قوامها الوعي، والذكاء، والإدراك الحسي يمتلكها الصوفيون، وبوساطتها يخوضون رحلتهم بحثاً عن الله، وعن معنى وجودهم، فالخيال هو وسيلة العروج إلى السماء، والإسراء المعنوي إلى الله، والوصول المعرفي إلى حقائق الكون. الخيال صانع المعجزات وخالق كل جديد، وهو الذي ينقل للإنسان جمال هذا العالم وجمال خالقه، وهو الوسيلة التي يستخدمها الصوفي لمعرفة ما لا يعرفه الإنسان العادي إلا بالموت، الإنسان العادي يظنُّ أنّه بحاجة إلى تجربة الموت ليكتشف أسرار ما وراء الحياة، لكنّ الإنسان الصوفي يمكنه اكتشاف هذه الأسرار، وهو على قيد الحياة، والمعرفة الحقيقية هي معرفة الخيال، يرى ابن عربي أنّ المعرفة الخيالية أساس المعرفة الصوفية يقول (الكشف أتم المعارف) ، والكشف الخيالي أحد المعارف السبع في علم التصوف (مدار العلم الذي يختص به أهل الله تعالى على سبع مسائل من عرفها لم يعتص عليه شيء من علم الحقائق وهي معرفة أسماء الله تعالى، ومعرفة التجليات، ومعرفة خطاب الحق عباده بلسان الشرع، ومعرفة كمال الوجود ونقصه، ومعرفة الإنسان من جهة حقائقه ومعرفة الكشف الخيالي ومعرفة العلل والأدوية) .

والصوفيون في سيرهم على طريق الخيال بغية الوصول إلى الله يسيرون على طريق النبي في إسرائه، مع إبقائهم الفارق بين الإسراء الصوفي والإسراء المحمدي يقول ابن عربي عن إسرائه ومعراجه الصوفي (وهذا معراجُ أرواح الوارثين سُنن النبيّين والمرسلين، وهو معراج أرواح، لا أشباح، وإسراءُ أسرار، لا أسوار، ورؤية جَنانَ، لا عيان، وسلوكُ معرفةٍ ذوق وتحقيق، لا سلوك مسافة وطريق؛ إلى سماوات معنى لا مغنى) ، فالإسراء الصوفي رحلة خيالية، ووسيلة تحصيل معرفة، والإدراك الخيالي الذي يتكون أثناءها وبوساطتها، هو أسمى مرتبة، وأكثر يقيناً من الإدراك الحسي، وإن كان يستعين بالحواس (الخيال على الحقيقة حضرة من حضرات الحس ولهذا يلحق المعاني بالمحسوسات في الصورة فيتخيل المحال محسوساً فيكون في الآخرة أو حيث أراد الله محسوساً فأي قوة أعظم ممّن يُلحق المحال بالوجود المحسوس حتى تراه الأبصار) .

القوة الخيالية حسب ابن عربي ـ هي إحدى القوى الأربع في الإنسان والتي هي قوة الخيال، وقوة الوهم، وقوة الحفظ، وقوة الذكر وقوة الخيال الصوفية هي قوة تعلم، وتعليم، ووعي وكشف، وقدرة روحية خالقة (لا يهدف الخيال إلى أن يُقنع، بل إلى أن يخلق التعجب واللذة، ولا يهدف إلى مجرد الطرافة، وإنما يهدف إلى إغناء الحساسية وتعميق الوعي) . فالخيال، عن طريق الرؤيا والحلم، يقوم بعمل الاستشفاف المستقبلي، والتبشير، ورؤى الصوفيين العارفين ترقى إلى مرتبة الرؤيا الصادقة؛ ولذلك يتمتع الخيال عند الصوفيين بمكانة رفيعة، فهو أعظم قوة خلقها الله؛ قوة جامعة للقوى الحسية في الإنسان ومُنظِّمة لها ومانحة للعقل الكثيرَ من قدراته، فكان جديراً بأرقى وصف؛ وصف النور: (الخيال أحق باسم النور من جهة المخلوقات الموصوفة بالنورية، فنوره لا يشبه الأنوار وبه تُدرك التجليات، وهو نور عين الخيال، لا نور عين الحس) ، فهو أقرب في الدلالة على الحق بما يمتلك من صفات الحق كالسلطان والاتساع والخلق والكمال والصواب يقول ابن عربي شعراً عن قوة الخيال:




  • تُبدي العجائبَ لا تُبقي ولا تَذرُ
    تقيّدٌ وهي لا عينٌ ولا أثرُ
    فكيفَ يخرجُ عن أحكامها بشرُ
    فيها الدلائلُ، والإعجازُ، والعِبَرُ
    ولا انقضى غرضٌ فينا ولا وطرُ
    لولا الخيالُ لكُنّا اليومَ في عدمٍ



  • لها على الكُلِّ إقدامٌ وسلطنةٌ
    لها مجالٌ رحيبٌ في الوجودِ فلا
    تقولُ للحقِّ كُنْ والحقُّ خالِقُها
    فيها العلوم، وفيها كل قاصمةٍ
    لولا الخيالُ لكُنّا اليومَ في عدمٍ
    لولا الخيالُ لكُنّا اليومَ في عدمٍ



ولأنّ الخيال الصوفي ذو طابعٍ ذهني، يؤثر المعنى، ويصبغُ الكتابة الصوفية بصبغة عقلية واضحة، بسبب تعانق الفلسفة مع الأدب، يعمل الخيال على (إظهار المعاني المخبوءة في الأشياء، فعملُه عمل التأويل يخفي الظاهر ويظهر الباطن، ويحيل الأمور المحسوسة إلى رموز فكرية روحية، فالخيال مَلكة تحويل) ، ومن ثمَّ هو حركة تكوين وتنظيم، وتَصوّر لواقع جديد مختلف يستند إلى الرغبة الإنسانية في الاتحاد بالله، وليسَ فقط بالعالم. يقول أبو سليمان الداراني: (إذا جاع القلبُ وعطش، صفا ورقّ، وإذا شبع وروي، عمي) ، فالجوع والعطش الماديان تحولا إلى جوعِ وعطشِ القلب إلى المعرفة والحب، وقيل لأبي يزيد البسطامي: (بماذا وصلتَ إلى ما وصلتْ؟ فقال جمعتُ أسباب الدنيا فربطتُها بحبل القناعة، ووضعتها في منجنيق الصدق، ورميتُ بها في بحر اليأس فاسترحت) ، فأسباب الدنيا في معظمها أسبابٌ محسوسة، لكنّ ربطها بحبل القناعة ووضعَها في منجنيق الصدق، ورميها في بحر اليأس من قبيل الحِكَم المعنوية والعِبر الذهنية.

هذا فضلاً عن تجسيد المجرّد و(الخيال أوسع المعلومات ومع هذه السعة العظيمة التي يحكم بها على كل شيء قد عجز أن يقبل المعاني مُجرّدةً عن المواد كما هي في ذاتها، فيرى العِلْمَ في صورة لبن أو عسل، ويرى الإسلام في صورة قُبّة وعُمدُ، ويرى الحق في صورة إنسان، أو في صورة نور، فهو الواسع الضيق، والله أوسع على الإطلاق) . فها هو يُجسد الدعاء مرة بصورة إنسان، ومرة بصورة جماد هو المفتاح (الدعاء لسان الاشتياق إلى الحبيب) ، و(الدعاء مفتاح الحاجة، وأسنانه لُقَم الحلال) .

تسرَّب الأسلوب الأسطوري الخيالي إلى أشكال النصوص الصوفية، ومضامينها معاً، فظهرت صورة خيالية جديدة ومبتكرة في نتاجها، كما في قصصهم عن الأنبياء، ففي (الصورة التي و ضعوها لبكاء داود عليه السلام حدّثوا أنه بكى أربعين يوماً ساجداً لا يرفعُ رأسه حتى نَبَتَ المرعى من دموعه، فنودي: يا داود، أجائعٌ أنتَ فتُطعم، أم ظمآن فتُسقى، أم عارٍ فتكُسى، فنَحبَ نحبةً هاجَ لها العود فاحترق من حرِّ خوفه) .

ومن الأمثلة القصصية ـ أيضاً ـ قصة عالم السمسمة والنخلة، وفيها أنَّ الله سبحانه لمّا خَلَقَ آدم فضلت من خميرة طينته فضلة خلق منها النخلة، وفضل من الطينة بعد خلق النخلة قدر السمسمة في الخفاء، فمدَّ الله في تلك الفضلة أرضاً واسعة الفضاء، وقد خصّ محيي الدين ابن عربي القصة ببابٍ من أبواب الفتوحات المكيّة أسماه (باب في معرفة الأرض التي خُلقت من بقية خميرة طينة آدم عليه السلام وتُسمّى أرض الحقيقة، وذكر ما فيها من الغرائب والعجائب) وقال: (عُلِم أنّ الله تعالى لمّا خلق آدم عليه السلام وجعله أصلاً لجميع الأجسام الإنسانية فَضُلَت من خميرة طينته فَضْلة خلق منها النخلة فهي أختُ لآدم عليه السلام وهي عمّةٌ لنا ولها أسرار عجيبة دون سائر النبات وفضل من الطينة بعد خلق النخلة قدر السمسمة في الخفاء فمدَّ الله من تلك الفضلة أرضاً واسعة الفضاء إذا جعل العرش وما حواه والكرسي والسموات والأرضوين وما تحت الثرى والجنات كلها والنار في هذه الأرض... إلخ) وقد وصف ابن عربي هذه الأرض وعوالمها، وعجائبها، وغرائبها، وخواصها، وأسرارها… إلخ، في صور غريبة بعيدة عن الواقع والمعقول المألوف في حياة الناس ومعرفتهم، (الأحجار والأشجار والثمار تتكلم بلغاتٍ مختلفة، وأماكن أشد حرارة من النار يخوضها الإنسان ولا تحرقه، وبحرٌ من تراب يجري كما يجري الماء، وحجارة كباراً وصغاراً يجري بعضها إلى بعض كما يجري الحديد إلى مغناطيس… إلخ) .

ومن القصص الرمزية التي أبدعها الخيال الصوفي أيضاً قصة (حي بن يقظان) لابن طفيل ، التي رأى فيها السهروردي (عجائب كلمات روحانية، وإشارات عميقة من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم، الذي هو الطاقة الكبرى، المخزون في الكتب الإلهية، المستودع في الرموز، المخفي في قصة حي بن يقظان، فهو الذي يترتب عليه مقامات الصوفية، وأصحاب المكاشفات...) أوحى إليه باستلهام أهم أفكار القصة وتأليف قصة على غرارها.

أمّا موجز القصة عند ابن طفيل فهو تولّد طفل من طينة مُتخمّرة دون أب وأم، وفي رواية أخرى نجاتُه من البحر بعد أن رمته أمه فيه، وتبنّي غزالة لـه، ونمو الطفل (حي)، ونمو ملاحظته وذكائه إلى درجة إدراك حقائق الطبيعة وما وراءها، وإدراك ضرورة الاتحاد بالله، ما دفعه إلى العزلة والصيام، وفَصْلِ عقله عن العالم الخارجي وعن جسده، والتأمل المطلق في الله ومن ثم تعليم صديقه أبسال لـه الكلام، ووصول حي إلى حقائق سامية أبرزها الحقيقة الخالصة التي لم تُخلق للعوّام المُكبّلين بقيود الحواس، الأمر الذي دفع حيّاً للعودة إلى الجزيرة مع صديقه أبسال، والتنعم بالحياة الروحية الرفيعة التي اكتشفها.

قصة حي بن يقظان، أنشأها خيال ابن طفيل، ليُقدِّمَ من خلالها تفسيراً كونيّاً ذاتيّاً، في آنٍ معاً، لعملية خلق الإنسان، ومن ثم إيمان الإنسان بالله، إنّ القالب القصصي الذي صبّ فيه ابن طفيل أفكاره الفلسفية الصوفية كان مفعماً بالخيالات ولعلّ أبرزها نمو حي الطبيعي الذي يرمز (للإرادة الحرّة والذات المتغيّرة، فنمو حي الطبيعي يُعدُّ تجسيداً استعارياً لنمو الوعي بالذات والعالم) .

لقد أبدع خيال ابن طفيل قصة حي بن يقظان، ومنحَ لشخصية حي، هو الآخر، خيالاً فذّاً دفعه إلى التحرر من إسار المجتمع، بعد أن اهتدى إليه، وذلك للبحث عن هوية شخصية، وإرادة ذاتية.

قصة حي بن يقظان تستند إلى فكرة خيالية، لا تنتمي إلى المكان ولا إلى الزمان، لكن فائدة عظيمة جناها الفكر العربي منها وهي الجمع بين العقل والدين، والارتقاء بالعقل من المحسوس إلى المعقول، لمعرفة العالم، ومعرفة الله معرفة حدسية كشفية إلهامية ذاتية؛ الغاية التي وصل إليها ابن طفيل بأسلوب أدبي بليغ.

وقد دفع إعجاب السهروردي بالقصة إلى التأليف على مثالها للغاية ذاتها التي أرادها ابن طفيل، فالسهروردي هو الآخر يرى أن غاية رقي الإنسان هي اتصاله بالله، بعد التغلب على الشهوات والغرائز والطباع، فحي بن يقظان عند السهروردي هو الإنسان الذي اكتمل عقله، ووصل عن طريق الكشف إلى معرفة الله، لكن أسلوب السهروردي يتميز بالغموض، وكثرة الرموز المغلقة، يقول السهروردي في قصته:

(سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر لنصيد طائفة من طيور ساحل لجة الخضراء، فوقعنا بغتة في قرية الظالم أهلها، أعني مدينة قيروان، فلما أحس قومها أننا قدمنا عليهم، ونحن من أولاد الشيخ المشهور هادي بن أبي الخير اليماني، أحاطوا بنا وأخذونا وقيدونا بسلاسل وأغلال من حديد، وحبسونا في قعر بئر لا نهاية لمسلكها) ، فالمسافر عاصم إشارة إلى أن العقل يعصم من الزلل، والقيروان بلدة من المغرب شروق الشمس عليها رمز لشروق العقل، وغيابها عنها رمز لاتباع الشهوات وغياب العقل، والبئر رمز للحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات.

وتكشف الرموز الكثيرة في القصة عن فكرة رئيسة هي انتقال الروح من الجسد إلى طبيعتها الأصلية الشفافة، وذلك بعد تخلصها من قيود المادة، فالقصة إذن هي رحلة إسراء ومعراج يصف فيها السهروردي عذاب الطريق، وأحواله قبل أن يصل إلى النور ويسجد أمامه يقول (فلما انقطعت المسافةُ وانقرض الطريق، فرأيتُ الأجرامَ العُلوية واتصلتُ بها، سمعتُ نغماتِها ولا يزال الأمرُ يتطور عليّ حتى تقشَّعَ الغمامُ وتمزّقتِ المشيمةُ... فرأيتُ الصخرةَ العظيمة على قُلّةِ الطُورِ العظيم، فسألتُ عن الحيتان المجتمعة، وعن الحيوانات المتنعّمة المتلذّذة بظلّ الشاهق العظيم أنْ هذا الطُور ما هو؟ وما هذه الصخرة العظيمة، فاتّخذَ واحدٌ من الحيتان سبيلَه في البحر سرباً وقال: ذلك ما كُنّا نبغي، وهذا الجبل طورُ سينا والصخرةُ صومعة أبيك... ورأيتُ أبانا شيخاً كبيراً يكاد السموات والأرضون تنشقّ من تجلّي نوره، فبقيت تايهاً مُتحيّراً منه، ومشيتُ إليه فسلّم عليّ فسجدتُ لـه ولذتُ أنمحقُ في نوره الساطع) فالحيتان رمز الشهوات والغرائز، والصخرة صخرة النجاة، والوصول إلى المعرفة الإلهية، والأب رمز للأصل الذي هو التجلي النوراني للحقيقة المطلقة.

إنه تمثيل رمزي للخيال، رموز مادية لمرموزات معنوية وصور خيالية مُركّبة من المحسوس وضعَها السهروردي للتعبير عن حالات معرفية خاصة بطبيعة التجربة الصوفية الروحية والمذهب السهروردي الإشراقي، فالطير رمز لتقبّل المعرفة، أمّا النور فرمزٌ للنوازع الروحية، والماورائية في النفس الإنسانية، والنور أيضاً هداية.

وقد صاغ الفيلسوف الصوفي عبد الكريم الجيلي في كتابه (الإنسان الكامل) أسطورةً حول الخيال في الباب السابع والخمسين المعنون: (في الخيال وأنه هيولى جميع العوالم)، يقول الجيلي: (اعلم أنّ الخيال، أصل للوجود والذات الذي فيه كمال ظهور المعبود... الخيال أصل جميع العالم لأنّ الحق هو أصل جميع الأشياء وأكمل ظهوره لا يكون إلا في محلٍّ هو الأصل وذلك المحل هو الخيال...) .

ونظرية الجيلي في الخيال، فلسفيةٌ في مضمونها، أدبية في شكلها، المضمون الفلسفي هو أنّ العالم الأكبر هو الله ، وأنّ العالم الأصغر هو الإنسان، والعالمان مرايا متقابلة، وعالم الخيال وسيط بين الحس والعقل، والخيال يُجسِّد المعنى، ويُشخِّص المُجّرد، أمّا الشكل الأدبي، فهو الصياغة الفنية المميزة بمفردات بيانها، ومفردات بديعها، والمُتَضمَّنة في وصف الجيلي لعالم الخيال (هو أرض الكمال، ومعدن الجمال، تَحدَّثَ روح الخيال وكنيته (روح الجنان) عن أرض السمسمة الباقية من آدم اللطيفة. التي لا تفنى على الدوام، والمحل الذي لا تمر عليه الليالي والأيام...) ، وأرض السمسمة التي يتحدث عنها، تكاد تكون صورة عن الجنة التي يعد بها الله سبحانه عباده، فهي تجسد سراً من أسرار قدرته وإعجازه.

وللغزالي نظرية خاصة في الخيال الصوفي أودعها كتابه (مشكاة الأنوار)، فالمرتبة الخيالية هي إحدى المراتب الروحية البشرية الخمس وهي الروح الحساس، والروح العقلي، والروح الفكري، والروح النظري، والروح القدسي النبوي، وكل من هذه الأرواح تقف في موازاة الأشياء الخمسة وهي (المشكاة، والزجاجة، والمصباح، والشجرة، والزيت) والتي ورد ذكرها في الآية الكريمة التالية: *الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة، زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم يمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكل شيء عليم* ، والروح الخيالي في موازاة الزجاجة لأن كلا منهما من أصل كثيف ولكنه قابل للتصفية والترقيق والتهذيب؛ ولأن الخيال يضبط المعارف العقلية بحيث لا تضطرب ولا تنتشر على غير هدى. كما تضبط الزجاجة نور المصباح وتحفظه من الانطفاء في الرياح ، ومن خواص الخيال الكثافة واللطافة ما يؤهله للقيام بوظيفتين هما الإدراك الحسي، وضبط المعارف العقلية .

إن الرؤى الخيالية الصوفية وسيلة لكشف الغيب، انفصال عن العالم لاكتشافه من جديد، أو لخلقه، ولنهل الجدة منه، فعالم الغيب المجهول خلاق متجدد على نقيض الحاضر الواقع الجامد والمعلوم، والحرية والجرأة وحدهما ـ تلائمان الخيال الصوفي الذي يهدم ويبني، وعمل الخيال عمل تحويلي في نظرية الخيال عند ابن عربي، لأن الخيال أعلى مرتبة من مراتب الشعور بُلطّف الكثيف، وتكثف اللطيف.

تميز الأدب الصوفي باختلاف طرق التعبير عن المعنى الواحد، أو الفكرة الواحدة، من ذلك ـ مثلاً ـ حديث بشر الحافي عن الجوع الصوفي: (المتقلب في جوعه كالمتشحّط في دمه في سبيل الله وثوابه الجنة) وحديث أبي سليمان الداراني (إذا جاع القلب وعطش، صفا ورق، وإذا شبع وروي، عمي) ، وحديث يحيى بن معاذ: (الجوع نور، والشبع نار، والشهوة مثل الحطب الذي يتولد منه الاحتراق ولا تُطفأ ناره حتى يُحرق صاحبه) ، وقد يصف الصوفيون الموصوف ذاته بصفات متباينة، فها هو إسحاق النهرجوري يصف الدنيا (الدنيا بحر، والآخرة ساحل، والمركب هو التقوى، والناس سفر) أما يحيى بن معاذ: فيصفها قائلاً: (الدنيا كالعروس، ومن يطلبها يلاطفُ ماشطتها، والزاهد فيها يسخم وجهها، وينتف شعرها، ويخرق ثوبها) .

يُسجِّلُ الدكتور عاطف جودة نصر على المُفكّرين المسلمين تقصيراً، هو عدم التوسع في إدراك العلاقة بين التخيّل، والتعبير اللغوي، وفي إدراك الخيال بوصفه تجسيداً للمعنى وتصويراً للمُجرّد، ويؤكد الدكتور نصر أنَّ هذا التوسع، لو حدث لأفضى بهؤلاء المفكرين إلى معرفة البنية الرمزية التي تقوم على الخيال والصور، فجهد المفكرين المسلمين انحصر في الجانب الفلسفي والصوفي للخيال، ولم يتجاوزه إلى الجانب الفني والأدبي، ويستثني الدكتور نصر من هؤلاء ابن عربي الذي أفاض ـ حسب رأيه ـ فيصف عالم الخيال بتشابيه أدبية منها (أرض الحقيقة)، وقد وصفها (بصياغة فنية عبّر بها عن مذهبه في الخيال تعبيراً يلائم بين النظرية والإبداع الأدبي) ، فعلى سبيل المثال يصف ابن عربي أرض الحقيقة ؛ أي (عالم الخيال) مُصوِّراً خصائصها، وتربتها، وثمرها، ونساءها، وبحارها، ومراكبها.. إلخ، تصويراً حافلاً بالحركة والحياة، فعند ابن عربي تجسيم حي تشخيص لصور أرض الحقيقة، وصور ابن عربي في وصف عالم الخيال صور حسية، استمدّها من مشاهداته في أسفاره، وركّبها تركيباً خالصاً آلف فيه بين الأضداد، وجعل من اللامعقول معقولاً، أو ممكناً، ولغة الخيال هي الصور المتضمنة دلالات رمزية كثيرة، تنتمي إلى علم التعبير، وهذه هي الوظيفة الإبداعية التي ينطوي عليها الخيال، والتي لولا الصوفية ما أمكن الارتقاء بها إلى مستوى التجلّي، على الرغم من أنّ هذا الارتقاء كان عفويّاً إلى حدٍّ بعيد، إلاّ في المجال الصوفي الفلسفي، بعيداً عن التراث البلاغي والنقدي المعنّي بوظيفة الخلق الأدبي.

/ 112