بیشترتوضیحاتافزودن یادداشت جدید
انتساب مظفّر إلى الحزب... خاب أمل حبيب وأمثاله ممّن كانوا يفكرون مثله، وأيقنوا أنه "لا فائدة من هؤلاء أيضاً!" إذ كيف يمكن للمظلومين أن يروا أولئك الذين ظلموهم على مدى سنين طويلة، وقد صعدوا فجأة فوق رؤوسهم في قيادة حزب "الحق" الذي تجمّع فيه المظلومون؟ كانت هذه هي القطرة الأخيرة. ورغماً عنه، تذكَّر حبيب صقرَ الظالمين مظفَّر، وتذكَّر الليلة التي قُتل فيها صقر الظالمين هذا. كانت ليلة كهذه الليلة تتلألأ سماؤها بالنجوم، بلا قمر. وكانت هناك دغلات مكوَّرة كثيرة في الفضاء الممتد بين قريتهم والمدينة. كَمُن حبيب للرجل في إحدى هذه الدغلات. ودخل الرجل البدين القصير بسيارته الكاديلاك السوداء في الطريق الذي يمرّ بين الدغلات. وقبل مضي وقت طويل أنيرت المنطقة وصارت نهاراً بفعل أضواء السيارة الكاديلاك القوية. في تلك اللحظة أبصر الرجل كيساً مليئاً ببذور القطن مُلقى على الأرض على بعد أمتار قليلة أمام سيارته، ضغط على الفرامل بشدّة. وقفزَ من السيارة، يريد أن يسحب كيس بذور القطن إلى حافة الطريق، ويفتح الطريق لمرور سيارته. كان الدَّيوث مثل البهلوان، فبسحبة واحدة سحب الكيس إلى حافة الطريق تماماً، لحظتها أيضاً هكذا كان في يده هذا المسدس نفسه الذي في يده الآن، وعلى بعد خمسة أمتار من الكاديلاك، ومن خلف إحدى الدغلات صرخ به حبيب: "ـ مظفَّر!" استدار مظفّر القوي البدين القصير ربما بخوف من هذا الصوت الهادر، في هذه الساعة من الليل، وتحت ضوء النجوم، ربما كان سيمدُّ يده إلى مسدسه، لكن حبيباً لم يُمهله، إذ سرعان ما ضغط على زناد المسدس الذي في يده. طار صوابه وقد انتبه فجأة إلى نباح كلاب. أواه. الكلاب مرَّة أخرى، ولكن بمجموعات أكبر من المرّات الأخرى، وأقرب كثيراً هذه المرّة. إنها قادمة وهي تنبح. ليست قادمة، بل مهاجمة. عليه أن يهرب وينجو. الشيء الوحيد الذي يتوجب عليه فعله هو الهروب والنجاة. وإلاَّ فهناك رجال الدرك، والسجن، والمحكمة، والمحاكمة، والحبل في صبيحة إحدى الليالي! كان متعباً، منهكاً، خائر القوى، لكنه رغم ذلك، نهض من مكانه، وبقوة فوق طاقة البشر، التقط أنفاسه واستجمع قواه المتهالكة، ومن جديد راح يجري هارباً. كان يظن أنه هرب ونجا من الكلاب. ولكن من أين؟ وليس هناك مكان يلجأ إليه. يكاد يسقط، وعيناه تسودَّان، وخيالات سوداء تتطاير أمام عينيه المسودَّتين. وفيما هو يجري في طرف البلدة التي لا يعرف أحد في أي درجة من درجات النوم تغط بيوتها المُعتمة النوافذ. لفت انتباهه فجأة ضوء أصفر. توقف. هناك إذن بيوت مستيقظة في هذا الحي المتطرّف من البلدة الغافية. ** III كان ضوء البيت المستيقظ الأصفر، ينبعث من مصباح صيد لدى هاجر. وهو بالكاد يضيء صدرها نصف المكشوف وهي منحنية تغسل الغسيل، ويضيء طست الغسيل الذي أمامها. كانت هاجر، كما هي دائماً تغسل فرش ولحف ووسائد وملاءات أحد فنادق البلدة، وتغسل غيارات زبائن الفندق المتَّسخة. فتأخذ بين قبضيتها قطعة الغسيل المنقوعة جيداً بالماء والصفية وتفركها وتدعكها بقوّة، ثمّ تغطسها في الماء وتقلِّبها، ثمّ تأخذها ثانية بين قبضتيها... مسحت بظاهر قبضتها الملأى بالصابون حبّات العرق المتجمّعة على نحرها. بعد أن استلم هؤلاء "الديمقراطيون" من أمثال عم الخنزير دُوران الأعرج، السلطة، أثروا واغتنوا بحصولهم بسهولة على اعتمادات من المصارف، فاستبدلوا بيوتهم العتيقة المهترئة، وبنوا أبنية من طابقين أو ثلاثة، واقتنوا السيارات، والبرادات، وأجهزة الراديو، واشتروا لأولادهم ولأحفادهم درّاجات بعجلتين وبثلاث عجلات، ولأنهم اشتروا فوق كل ذلك غسالات كهربائية، ما عادوا يسمحون للنساء الغسالات أمثال هاجر بغسل غسيلهم، مع أنها كانت سابقاً تذهب إلى بيت هاشم آغا عم دُوران الأعرج، وتغسل جبال غسيلهم، من طلوع الفجر حتّى ساعات متأخرة من الليل ثمّ تغادر. لو وضعنا دُوران الأعرج على طرف، فإن هاشم آغا وزوجته وبناته، أناس كرماء لطفاء يقدّرون مشاعر الآخرين. فقط دُوران... وهاجر ترغب دوماً في الذهاب إليهم، لولا وجود ذلك السافل الكبير. فهناك على الأقل يلعب حسين مع زَينل إبن إبن هاشم آغا كأخوين، ويمتطي درّاجة زَينل من الصباح حتّى المساء فيبتهج ويُسَرُّ. هل كان يبتهج ويُسَرُّ فعلاً؟ لا تعتقد. لأنه في مساءات مثل تلك