بیشترتوضیحاتافزودن یادداشت جدید
كانت روح المرأة واصلة إلى أنفها: فردت ابنها ونهرته: ـ مالك تصرخ ولك؟ لم يكن الطفل يدري أن أمه سمعت هتافه "يعيش أبي ي ي ي!" ـ متى صرخت؟ ـ قبل قليل، سمعتك من الزقاق! ـ حقاً؟ ـ لا، كذب! لاحظت الرجل المنتصب عند السلم المؤدي إلى السقيفة، بوجهه الحليق البراق، لكنها لم تعره اهتماماً.لقد كذب عليها وخدعها. لو لم تر صورته في مخفر الدرك لظنت بأن "الهارب غيره!" لكنها رأت صورته بعينيها. سألها الرجل وقد خمَّن أشياء: ـ خيراً؟ أشاحت المرأة بوجهها عنه، وخلعت معطفها الرقيق، ثم نزعت غطاء رأسها، وقالت وهي تزفر: ـ خير. اقترب الرجل قليلاً وسألها: ـ فعلاً، مَمَّ أنت متضايقة؟ كذب عليها وخدعها، لكنه وسيم جداً: ـ لا شيء. من هذا الطفل المستهتر! نظر الرجل إلى الطفل الواقف عند الأريكة. كمن اقترف ذنباً. ـ لقد سمعتُ هتافه يعيش أبي، من الخارج! ـ لا يا؟ إذن... ـ لو تكلمنا بصوت مرتفع قليلاً، لتمَّ الأمر! بتهذيب طفل كبير، اتجه الرجل نحو المرآة التي حلق لحيته أمامها ففك آلة الحلاقة التي بيده، وغسلها بالماء الساخن الذي في الطاسة الصفراء, ونظَّفها من الشعر والصابون العالق بها. كانت المرأة تراقبه مبهورة وقد تهدل حاجباها، ولكن مهما يكن فهي مستاءة منه. وما نفع أن يغسل آلة الحلاقة بعد أن يحلق لحيته هكذا تماماً مثل زوجها؟ لماذا كذب عليها؟ هل كان يظن بأنها سوف تسرع إلى تسليمه لو أنه صارحها بالحقيقة دون اللجوء إلى الكذب والخداع؟ رتَّبت الأغراض المبعثرة في الصندوق، وحدجت ابنها بنظرات استياء فيما هي تغلق غطاءه. لكن الطفل لم يكن يفهم أمه هذا اليوم. حتى لو غضبت لسماعها صوته من الخارج، لماذا تستاء من بعثرة أغراض الصندوق، ومن فتح غطائه؟ أليس هذا أبوه؟ أو ليست آلة الحلاقة والمعجون والفرشاة كلها له؟ أو لم تكن تقول لـه دائماً "ـ سيأتي أبوك يوماً ويحلق بهذه الآلة، لا تعبث بها، فتخربها!"؟ لم يعبث بها، وانتظر عودة أبيه. وها هو أبوه قد عاد. فلماذا تغضب؟ اتجهت المرأة نحو بابور الكاز الذي كان لا يزال يشتعل خافتاً، ورفعت غطاء القِدر بخرقة، فانتشرت رائحة البامياء المطبوخة باللحم والبندورة فواحة تفتح الشهية. قال الرجل: ـ سنرى إن كانت ستعجبك؟ ورغم أنها فهمت إلا أنها تساءلت: ـ ما هي؟ ـ البامياء التي طبختها. غطت غطاء القِدر، وضربت طلمبة البابور عدة مرات متتالية. وماذا لو أعجبها؟ وماذا لو لم يعجبها؟ كذاب. إذن فقد أحرق "مزرعة السيدة" وهرب؟ ومن قبل كان قد قتل صاحب هذه المزرعة مظفر بيك، ولم ينل عقوبة فعلته، ما هو إلا قاتل دموي! أما حبيب فقد لاحظ أن هذه المرأة ليست هي نفسها امرأة مساء الأمس، ما هو سبب تغيرها الواضح يا ترى؟ كائناً ما كان السبب، وبالرغم من أنها ضمدت جرحه، وهيأت لـه فراشاً، وآوته في بيتها، فإنه كان مستعداً للقتل حتى لا يُقتل. فهو ليست لـه نهاية مرجوة على أية حال. وهو يعرف تماماً أنه إذا ما جرح وألقي القبض عليه، فالمحكمة والمحاكمة وخشبة الإعدام بانتظاره. الموت نهاية كل حي، سواء على فراش الموت، أو على خشبة الإعدام، أو وهو يَقتل ويُقتل بمسدس في يده. وهو سوف يموت وهو يَقتل إذا اقتضى الأمر. جفَّف عدَّة الحلاقة، وقدَّمها للمرأة وهو يقول: ـ رغبة ابنك! وبلا رغبة، تساءلت المرأة المتضايقة: ـ ماذا؟ ـ أقول إنها رغبة ابنك. أصرَّ على أن أحلق لحيتي... ركض الطفل من جانب الأريكة والتفَّ بأمه وقال: ـ أبي يقول الحقيقة، فأنا ألححت عليه! أصيب الرجل أيضاً بضيق شديد. إذ قد يغادر في ساعة متأخرة من الليل إذا اقتضى الأمر، من يدري لعلها عرفت الحقيقة فتجهم وجهها، وعبست لأنها لا تستطيع أن تقول لـه صراحة: "ـ غادر بيتي فوراً!". صعد السلم إلى الأعلى، واجتاز السقيفة إلى طرفها الآخر حبواً. وتفحص الأخشاب، كانت جيدة ملائمة، يستطيع أن ينزلق من