بیشترتوضیحاتافزودن یادداشت جدید
استغلَّ شادي انشغال أمل في شؤون المنزل، وعودة الصُّداع لرأس أبيها، فنسيتْ العالم كلّه، وما يحيط بها.امتطى سيارة أجرة، واتّجه إلى مدينة معرض دمشق الدولي. وكان يرغب في التملّص من الموعد، وأن يبقى وحيداً، ويتحرَّر من المواعيد والارتباطات والهواجس، وينطلق بين أجنحة المعرض. قال: (سأتخلّص من العوائق الشائكة، وحتى هذا التاريخ، لم تكتشف أمل ما أضمره في مكامن النفس. ومن المستحيل أن تعرف. وهل هي بسيطة إلى هذا الحدّ؟ وإذا كانت سذاجتها وطيبتها ستقودانها إلى طريق مسدود، فماذا يكون دوري بعد ذلك؟).وعند باب الجناح اللبناني التقى شادي مصادفة مع "بشير" الشاب المهندس، فكانا صديقين حميمين في المرحلة الثانوية، وقطعا مشواراً طويلاً خلال ثلاث سنوات، ثمَّ استمرَّا على العهد في الجامعة، وكانا يلتقيان مع مجموعة من الزملاء والأصدقاء في المناسبات والأعياد، وحفلات التعارف.تعانق الصديقان عناقاً طويلاً. تدرَّجا في شوارع مدينة المعرض وساحاتها الفسيحة، ثمَّ اتَّجها إلى المقهى الذي يتوسّط الأجنحة، وإلى جانب المقهى بحرة واسعة، تَنْبجس المياه منها وتتقافز على شكل أقواس، انزويا في ركن بعيد عن الضجيج.أين أنت يا رجل؟ قال لـه شادي. عندما سألتُ عنك أحد الأصدقاء، علمت أنّك تعمل في شركة إنكليزية بالخليج.لم تطل سفرتي. أربع سنوات فقط، وانتهى الاستيداع، كنت في الإمارات العربية. الآن... ماذا تعمل؟ عُدت إلى وظيفتي في شركة "الكبلات"، مديراً للصيانة.إنّه منصب عادي!ماذا تريدني أن أكون؟ مديراً عاماً.أنت تحلم!هل يعقل هذا يا شادي؟ أنت أعرف من غيرك بأنَّ الحكومة لا تزال ملتزمة بتأمين العمل للمهندسين ولولا ذلك لما شَغَلت أيّة وظيفة.ماذا تقصد؟ ألا تعرف شروط العمل عندنا والواجب توفرها في مدير العمل!ثلاثة شروط لا غير...أنت غلطان... أو أنّك تتجاهل الواقع، أو شابت ذاكرتك، ولم تَعُد تفرِّق بين الألوان... أنت يا صديقي تعلم المرحلة الصعبة التي تجتازها بلادنا!ورغم ذلك، وتصحيحاً لكلامك، لا تزال الوساطة والتحزّب هما السائدين!وفي أسوأ الأحوال التي يعيشها غيرك، أنت بألف خير، وأوضاعك مستورة، وقد وفّرت قليلاً من المال...أكيد... فاشتريت منزلاً، وسيارة عمومية، أضمّنها لأحد أقربائي.هل أنجبت الأولاد؟ لم يحصل أن تزوجت، وليس في نيّتي الزواج.أصبحنا في الهوا سوا.وأنت أيضاً؟... أعلم أنّك ستتزوج تلك الطالبة الجميلة التي كنت تطاردها في كلية الآداب.ـ وقول المدرّسة أمل... فما زالت تشكل محور اهتماماتي، وتحتل معظم مساحة قلبي، لكنَّ الأمور تتعقد يوماً بعد يوم.اشرح أكثر، ولو كان أمراً داخلياً، فيمكن أن أُقدّم بعض المساعدة.والدها يا صديقي، يقف عثرة في طريق زواجنا...ماذا يعمل؟ رجل متقاعد. أمضى ثلاثين عاماً بل أكثر في شركتك.في الكبلات.نعم...قدّم شادي تفاصيل حياة عبد الله. وتبيّن أنَّ بشيراً كان معاصراً لجزء منها.قبل الحصول على الاستيداع، ولكنها فترة قصيرة. وتذكّر أنّ إشكالية ما قد حصلت مع عبد الله عندما كان في لجنة المبايعات، ولولا تدخّل عطا مدير المصرف التجاري، لكان تحوّل إلى محكمة الأمن الاقتصادي؟ ضرب شادي كفاً بكفٍّ، وقال من اللقاء الأول مع عبد الله، شعرتُ أنّه رجل مختلس، دوّخ رأسي وهو يتلو عليَّ الآيات التي تُسبِّح حياته وإخلاصه وأمانته...أجاب بشير، وهو واثق من ذلك: هكذا كانوا يتحدّثون عنه... أنا لم أرَ، لكنّي سمعتُ حكايات وقصصاً عديدة عنه...ماذا تحكي؟ هكذا أقول لك... كلّ الوثائق والبيانات تشير بصريح العبارة إلى الرُّشا بمبالغ مُحْرزة كانت تدخل جيوبه.أقول لك: بقي عبد الله سنة كاملة في سجن عذرا على ذمّة التحقيق. وقدّم أخوه عطا الوساطات الكبيرة، وعلى أعلى المستويات، للإفراج عنه بكفالة مالية تُقدَّر بمليون ليرة سورية...إنّه يكذب عليَّ، فقد ادّعى أنّه ناصع كالثلج، وكفّه نظيفة، لم تدنّسها قروش التجار. كان أوّل كذاّب في الشركة. لا تُصدّق أقواله وتصريحاته، وأنَّ اتهاماً باطلاً أدّى به إلى السجن.وخلال نصف دقيقة أعاد شادي شريطاً طويلاً من قصص الخيال، وحَسَب حسابات أخرى في كشف كلّ الالتباسات. تذكَّر: أقوال أمل، عن الكذبة النَّملية الصغيرة، والكذب الأبيض والأسود.إنَّ عبد الله لا يستأهل هذه الصّبية الجميلة الصادقة، لكنّي سأدبّره، وسأتجاوز أخلاقياتي ومثاليّتي...عاد شادي بعد هذا الفيضان، إلى صوابه، عندما وبَّخه بشير قائلاً: ما ذنبها إذا كان والدها لا يكشف عن الحقائق لابنته؟ فهو يكذب عليها وعلى غيرها.تألّم بشير من هول ما سمع، وتمنّى لو أنّه لم يلتقِ به.قال شادي: أنقذتني من ورطة كبيرة، دخلت في معمعانها، كأنّي في معركة من المهازل، ولا أعرف كيف سأنفض الغبار اللّعين، كأنَّ سحراً مجبولاً بالخبث والنجاسة، حطَّ بثقله.لماذا اضطربت يا شادي؟ أنت لا تريد من عبد الله المال، فأمل عندك تساوي أموال الدنيا، فلا تُعلّق على ما تسمعه، و"طنّش"، ففي التطنيش راحة للنفس، فأنتما زوج يعشق الحياة... أنتما عاشقان تتعاركان وتتصارعان، وسرعان ما تتفقان، لأنَّ قلبيكما أنقى من ماء الينبوع. فكُن حريصاً على شمعتك من الذوبان، وجلّس ما اعوج، وأصلح الأمور قبل أن يحلّ الخراب، ولا تنسَ أنّك "تستشعر"، ولا يغيب ظلّها عن خيالك. دائماً تقول: (أمل زهرة في رمال عمري، وأنا زرعتها، وأنا رويتها بماء قلبي ودموعي...).ودّع الصديقان أحدهما الآخر واتّفقا على لقاء آخر بعد أيام ثلاثة ليكملا جولتهما في معرض الكتاب، ليبتاعا الكتب الجديدة، فهما من المحسوبين على فئة المثقفين في البلد، لأنهما اسمان معروفان في الصحافة المحلية أيضاً، وتعرّض قلماهما في سني اليَبَاس، ومعارك الكلام إلى التكسير، لكنهما بقيا على وضعهما، ولم ينزلق قلم أي واحد، أو يبدلا الحبر. فشادي المدرّس بقي راتبه كما هو إلا أنّه اتجه إلى الدروس الخصوصية، فانتشى قليلاً، وتحسَّن وضعه المادي، وأصبح مالكاً للبيت الذي يسكنه بعد أخذ حصّته من بيت العائلة.ودّعه بشير. تركه يُقلّب أفكاره، بين ماضٍ تكشَّف على أمور، أصبحت واضحة، كالشمس، وبين زواج يقف على كفِّ عفريت. تركه يُقلّب كتاباً صادراً عن "دار الكنوز الأدبية". توقّف ملياً يحدّق بعنوان الكتاب (ماذا يجري في إقليم الكاب).غلاف الكتاب من النوع الفاخر، بمئة صفحة من القطع المتوسط، وإحدى وعشرين صورة لصاحب الكتاب بأوضاع مختلفة... صور ملونة جذّابة، أنيقة. يبدو الرجل أنّه في أواسط عقد الخمسينيات، الشعر الأبيض يصبغ فوديه، مع تسريحة جميلة. تتصدّر صورته الغلاف الأوَّل. قرأ شادي على الغلاف الأخير، تعريفاً بمؤلف الكتاب: (كتاب عن حياة رجل الأعمال السوري، المغترب منذ ربع قرن في إقليم الكاب "عطا حرمون". ربع قرن من العمل الدَّؤوب... اقرأ ماذا حقّق الرجل...).دفع ثمن الكتاب. قطع تجواله. خرج من الجناح وبين يديه، وتحت بصره عشرات الأسئلة، كأنه وجد لقية من المجوهرات الثمينة، وهو في أمسّ الحاجة إلى المزيد من المعلومات. تمتم بشرود، وذهول: لعن الله الكذب والغش... سار في شارع المتحف يلعن ساعة زيارته، وتعرّفه على عبد الله وعطا وأشباههما. وصف عبد الله بالجبان... سيّئ الصّيت والسُمْعة، لا يساوي فلساً أيام الغلاء... لم يَعُد يسيطر على أفكاره وتصوراته.وصل إلى ساحة الحجاز، ثمَّ اتّجه متمهّل الخطا في شارع الفردوس، فالسَّبع بحرات، إلى بيته.كان ليلاً مبللاً بالقهر والخذلان، انتشرت فيه رائحة قاذورات من الحاويات المسجّاة في أطراف الشوارع الفرعية. جلس مرتعداً، مقسوماً، مفتّتاً إلى أجزاءٍ ونتفٍ، في الشرفة التي يعتاد الجلوس فيها، بحث ونقّب في صفحات الكتاب. كان يضحك. امتلأ فمه بالضحك غير المتجانس. وتصاعدت الضحكات المجنونة، صرخت في فضاء مجنون، مصحوبة بالشتم واللّعن والهمس والرفض، والتوعّد بالاغتصاب... وتارة يبتسم، يعود إلى صوابه، فينسى عطا وعبد الله، تبرز أمل في صورة وهي تضاحكه، تظهر على شاشة روحه، تقف أمام بوَّابة فؤاده، متألقة بفستانها الأبيض، تحمل طاقة ورود، ويقف بجانبها ببذلته الجديدة. وسأل نفسه قبل أن يخلد إلى النوم: ما الذي اقترفته أمل من ذنوب؟ قال أيضاً: الآباء يأكلون الحِصْرِم، والأبناء يضرسون.تقلَّب شادي فوق سرير يئنُّ ويهتزُّ، كلَّما خطرت بباله فكرة أو استفاقت غصّة. عينان ساهرتان، تُرْجَمان بالحجارة النَّارية. تحوَّلتا إلى حجرتين، ومنفضة للسجائر امتلأت بالأعقاب الصفراء... فضاء يُخزّن في جِرابه روائح الأدخنة، وأنفاساً معطوبة، ذاوية، مُحْتقنة، في فوضى التداعيات الملتاعة، الملتوية في أعماق الروح، تضاجع القهر.معركة جديدة، ستكون في ساحتها مقابلات متضادّة، ولا أحد يتنبّأ بالانتصار!.(سأنتصر لأنني أمتلك كلّ الأشياء)! نَفَشَ ريشه كديك جاهز للمنازلة، صرخ في وجه الريح بأعلى صوته كأنَّ عبد الله يقف أمامه عارياً، مختلساً، ثمَّ فتح النافذة. تنشَّق هواءً نقيّاً. تابع خطابه: (سأواجه الشرَّ بالشرِّ... ستكون رحلة طويلة، يمكن أن تقودني إلى "الكاب" أو أنّني سأكتفي بقراءة هذا الكتاب. مصيبتان تجمَّعتا في صحن واحد، أحلاهما أمرُّ من الصَّبر، في ليلٍ اقتات منه صَحْوَةً).أفكار شتّى تنهش رأسه وروحه، رافقته دون أن تبرح سريره حتى لاحت خيوط الصباح، فنهض مُرْهقاً. بدّد جزءاً من هذه الغيمة العقيم التي نفخ فيها رعدٌ أرعن من روحه، فذبلت حبَّات المطر، وتساقطت طيناً ووحلاً، وصَبَغت حُبَّه النَّقي، كما يدّعي بلون الأرض السكنية، السوداء.