تحریر و التنویر من التفسیر جلد 8

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

تحریر و التنویر من التفسیر - جلد 8

محمد الطاهر ابن عاشور

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

يتمكن في الأرض، أي يتمكن سلطانه وأمره.
وقوله )في الأرض( على هذا جار على حقيقة
المعنى من الظرفية، أي يتمكن في الدنيا.
وحمله في الكشاف على معنى إثخان الجراحة،
فيكون جريا على طريقة التمثيل بتشبيه حال
الرسول صلى الله عليه وسلم المقاتل الذي
يجرح قرنه جراحا قوية تثخنه، أي حتى
أعداءه فتصير له الغلبة عليهم في معظم
المواقع، ويكون قوله )في الأرض( قرينة
التمثيلية.
والكلام عتاب للذين أشاروا باختيار
الفداء والميل إليه وغض النظر عن الأخذ
بالحزم في قطع دابر صناديد المشركين، فإن
في هلاكهم خضدا لشوكة قومهم فهذا ترجيح
للمقتضى السياسي العرضي على المقتضى الذي
بني عليه الإسلام وهو التيسير والرفق في
شؤون المسلمين بعضهم مع بعض كما قال تعالى
)أشداء على الكفار رحماء بينهم(. وقد كان
هذا المسلك السياسي خفيا حتى كأنه مما
استأثر الله به، وفي الترمذي، عن الأعمش:
أنهم في يوم بدر سبقوا إلى الغنائم قبل أن
تحل لهم، وهذا قول غريب فقد ثبت أن النبي
صلى الله عليه وسلم استشارهم، وهو في
الصحيح.
وقرأ الجمهور )أن يكون له( بتحتية على
أسلوب التذكير. وقرأه أبو عمرو، ويعقوب،
وأبو جعفر بمثناة فوقية على صيغة التأنيث،
لأن ضمير جمع التكسير يجوز تأنيثه بتأويل
الجماعة.
والخطاب في قوله )تريدون( للفريق الذين
أشاروا بأخذ الفداء وفيه إشارة إلى أن
الرسول عليه الصلاة والسلام غير معاتب
لأنه إنما أخذ برأي الجمهور. وجملة
)تريدون( إلى آخرها واقعة موقع العلة للنهي
الذي تضمنته آية )ما كان لنبي( فلذلك فصلت،
لأن العلة بمنزلة الجملة المبينة.
و)عرض الدنيا( هو المال، وإنما سمي عرضا
لأن الانتفاع به قليل اللبث، فأشبه الشيء
العارض إذ العروض مرور الشيء وعدم مكثه
لأنه يعرض للماشين بدون تهيؤ. والمراد عرض
الدنيا المحض وهو أخذ المال لمجرد التمتع
به.
والإرادة هنا بمعنى المحبة، أي: تحبون
منافع الدنيا والله يحب ثواب الآخرة،
ومعنى محبة الله إياها محبته ذلك للناس،
أي يحب لكم ثواب الآخرة، فعلق فعل الإرادة
بذات الآخرة، والمقصود نفعها بقرينة قوله
)تريدون عرض الدنيا( فهو حذف مضاف للإيجاز،
ومما يحسنه أن الآخرة المرادة للمؤمن لا
يخالط نفعها ضر ولا مشقة، بخلاف نفع
الدنيا.
وإنما ذكر مع )الدنيا( المضاف ولم يحذف:
لأن في ذكره إشعارا بعروضه وسرعة زواله.
وإنما أحب الله نفع الآخرة: لأنه نفع
خالد، ولأنه أثر الأعمال النافعة للدين
الحق، وصلاح الفرد والجماعة.
صفحة : 1795
وقد نصب الله على نفع الآخرة أمارات، هي
أمارات أمره ونهيه، فكل عرض من أعراض
الدنيا ليس فيه حظ من نفع الآخرة، فهو غير
محبوب لله تعالى، وكل عرض من الدنيا فيه
نفع من الآخرة ففيه محبة من الله تعالى،
وهذا الفداء الذي أحبوه لم يكن يحف به من
الأمارات ما يدل على أن الله لا يحبه،
ولذلك تعين أن عتاب المسلمين على اختيارهم
إياه حين استشارهم الرسول عليه الصلاة
والسلام إنما هو عتاب على نوايا في نفوس
جمهور الجيش، حين تخيروا الفداء أي أنهم
ما راعوا فيه إلا محبة المال لنفع أنفسهم
فعاتبهم الله على ذلك لينبههم على أن
حقيقا عليهم أن لا ينسوا في سائر أحوالهم
وآرائهم، الالتفات إلى نفع الدين وما يعود
عليه بالقوة، فإن أبا بكر قال لرسول الله
صلى الله عليه وسلم عند الاستشارة )قومك
وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم وخذ
منهم فدية تقوي بها أصحابك( فنظر إلى مصلحة
دينية من جهتين ولعل هذا الملحظ لم يكن عند
جمهور أهل الجيش.
ويجوز عندي أن يكون قوله )تريدون عرض
الدنيا( مستعملا في معنى الاستفهام
الإنكاري، والمعنى: لعلكم تحبون عرض
الدنيا فإن الله يحب لكم الثواب وقوة
الدين، لأنه لو كان المنظور إليه هو النفع
الدنيوي لكان حفظ أنفس الناس مقدما على
إسعافهم بالمال، فلما وجب عليهم بذل
نفوسهم في الجهاد. فالمعنى: يوشك أن تكون
حالكم كحال من لا يحب إلا عرض الدنيا،
تحذيرا لهم من التوغل في إيثار الحظوظ
العاجلة.

/ 257