تحریر و التنویر من التفسیر جلد 8

This is a Digital Library

With over 100,000 free electronic resource in Persian, Arabic and English

تحریر و التنویر من التفسیر - جلد 8

محمد الطاهر ابن عاشور

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

صادرة من الله لأنه الآذن بها، ومن رسوله
لأنه المباشر لها. وجعل ذلك منهى إلى
المعاهدين من المشركبن لأن المقصود إبلاغ
ذلك الفسخ إليهم وإيصاله ليكونوا على
بصيرة فلا يكون ذلك الفسخ غدرا.
والخطاب في قوله )عاهدتم( للمؤمنين. فهذه
البراءة مأمورون بإنفاذها.
واعلم أن العهد بين النبي صلى الله عليه
وسلم وبين المشركين كان قد انعقد على صور
مختلفة، فكان بينه وبين أهل مكة ومن
ظاهرهم عهد الحديبية: أن لا يصد أحد عن
البيت إذا جاء، وأن لا يخاف أحد في الشهر
الحرام، وقد كان معظم قبائل العرب داخلا
في عقد قريش الواقع في الحديبية لأن قريشا
كانوا يومئذ زعماء جميع العرب، ولذلك كان
من شروط الصلح يومئذ: أن من أحب أن يدخل في
عهد محمد دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عهد
قريش دخل فيه، وكان من شروط الصلح وضع
الحرب عن الناس سنين يأمن فيها الناس ويكف
بعضهم عن بعض، فالذين عاهدوا المسلمين من
المشركين معروفون عند الناس يوم نزول
الآية. وهذا العهد، وإن كان لفائدة
المسلمين على المشركين، فقد كان عديله
لازما لفائدة المشركين على المسلمين، حين
صار البيت بيد المسلمين بعد فتح مكة فزال
ما زال منه بعد فتح مكة وإسلام قريش وبعض
أحلافهم.
وكان بين المسلمين وبعض قبائل المشركين
عهود؛ كما أشارت إليه سورة النساء في قوله
تعالى )إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم
وبينهم ميثاق( الآية. وكما أشارت إليه هذه
السورة في قوله تعالى)إلا الذين عاهدتم من
المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا( الآية.
صفحة : 1808
وبعض هذه العهود كان لغير أجل معين،
وبعضها كان لأجل قد انقضى، وبعضها لم ينقض
اجله. فقد كان صلح الحديبية مؤجلا إلى عشر
سنين في بعض الأقوال وقيل: إلى أربع سنين،
وقيل: إلى سنتين. وقد كان عهد الحديبية في
ذي القعدة سنة ست، فيكون قد انقضت مدته على
بعض الأقوال، ولم ينقض على بعضها، حين نزول
هذه الآية. وكانوا يحسبون أنه على حكم
بالاستمرار وكان بعض تلك العهود مؤجلا إلى
أجل لم يتم، ولكن المشركين خفروا بالعهد في
ممالاة بعض المشركين غير العاهدين، وفي
إلحاق الأذى بالمسلمين، فقد ذكر أنه لما
وقعت غزوة تبوك أرجف المنافقون أن
المسلمين غلبوا فنقض كثير من المشركين
العهد، وممن نقض العهد بعض خزاعة، وبنو
مدلج، وبنو خزيمة أو جذيمة، كما دل عليه
قوله تعالى )ثم لم ينقصوكم شيئا ولم
يظاهروا عليكم أحدا( فأعلن الله لهؤلاء
هذه البراءة ليأخذوا حذرهم، وفي ذلك تضييق
عليهم إن داموا على الشرك، لأن الأرض صارت
لأهل الإسلام كما دل عليه قوله تعالى بعد
)فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا
أنكم غير معجزي الله(.
وإنما جعلت البراءة شأنا من شؤون الله
ورسوله، وأسند العهد إلى ضمير المسلمين:
للإشارة إلى أن العهود التي عقدها النبي
صلى الله عليه وسلم لازمة للمسلمين وهي
بمنزلة ما عقدوه بأنفسهم، لأن عهود النبي
عليه الصلاة والسلام إنما كانت لمصلحة
المسلمين، في وقت عدم استجماع قوتهم،
وأزمان كانت بقية قوة للمشركين، وإلا فإن
أهل الشرك ما كانوا يستحقون من الله
ورسوله توسعة ولا عهدا لأن مصلحة الدين
تكون أقوم إذا شدد المسلمون على أعدائه،
فالآن لما كانت مصلحة الدين متحمضة في نبذ
العهد الذي عاهده المسلمون المشركين أذن
الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالبراءة
من ذلك العهد، فلا تبعة على المسلمين في
نبذه، وإن كان العهد قد عقده النبي صلى
الله عليه وسلم ليعلموا أن ذلك توسعة على
المسلمين، على نحو ما جزى من المحاورة بين
عمر بن الخطاب وبين النبي صلى الله عليه
وسلم يوم صلح الحديبية، وعلى نحو ما قال
الله تعالى في ثبات الواحد من المسلمين
لاثنين من المشركين، على أن في الكلام
احتباكا، لما هو معروف من أن المسلمين لا
يعملون عملا إلا عن أمر من الله ورسوله،
فصار الكلام في قوة براءة من الله ورسوله
ومنكم، إلى الذين عاهدوا الله ورسوله
وعاهدتم، فالقبائل التي كان لها عهد مع
المسلمين حين نزول هذه السورة قد جمعها
كلها الموصول في قوله )إلى الذين عاهدتم من
المشركين(. فالتعريف بالموصولية هنا لأنها
أخصر طريق للتعبير عن المقصود، مع الإشارة
إلى أن هذه البراءة براءة من العهد، ثم بين
بعضها بقوله )إلا الذين عاهدتم من
المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا( الآية.
)فسيحوا في الأرض أربعة أشهر( الفاء
للتفريع على معنى البراءة، لأنها لما أمر

/ 257