تحریر و التنویر من التفسیر جلد 8

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

تحریر و التنویر من التفسیر - جلد 8

محمد الطاهر ابن عاشور

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

نظام العالم الأرضي، وما يتصل به من نظام
العوالم السماوية، بوجه محكم لا مدخل
لتحكمات الناس فيه، وليوضح تعيين الأشهر
الحرم من قوله )فإذا انسلخ الأشهر الحرم(
بعد ما عقب ذلك من التفاصيل في أحكام الأمن
والحرب مع فرق الكفار من المشركين وغيرهم.
والمقصود: ضبط الأشهر الحرم وإبطال ما
أدخله المشركون فيها من النسيء الذي أفسد
أوقاتها، وأفضى إلى اختلاطها، وأزال حرمة
ما له حرمة منها، وأكسب حرمة لما لا حرمة
له منها.
وإن ضبط التوقيت من أصول إقامة نظام الأمة
ودفع الفوضى عن أحوالها.
وافتتاح الكلام بحرف التوكيد للاهتمام
بمضمونه لتتوجه أسماع الناس وألبابهم إلى
وعيه.
صفحة : 1844
والمراد بالشهور: الشهور القمرية بقرينة
المقام، لأنها المعروفة عند العرب وعند
أغلب الأمم، وهي أقدم أشهر التوقيت في
البشر وأضبطها لأن اختلاف أحوال القمر
مساعد على اتخاذ تلك الأحوال مواقيت
للمواعيد والآجال، وتاريخ الحوادث
الماضية، بمجرد المشاهدة، فإن القمر كرة
تابعة لنظام الأرض. قال تعالى )لتعلموا عدد
السنين والحساب( ولأن الاستناد إلى
الأحوال السماوية أضبط وأبعد عن الخطأ،
لأنها لا تتناولها أيدي الناس بالتغيير
والتبديل، وما حدثت الأشهر الشمسية
وسنتها إلا بعد ظهور علم الفلك والميقات،
فانتفع الناس بنظام سير الشمس في ضبط
الفصول الأربعة، وجعلوها حسابا لتوقيت
الأعمال التي لا يصلح لها إلا بعض الفصول،
مثل الحرث والحصاد وأحوال الماشية، وقد
كان الحساب الشمسي معروفا عند القبط
والكلدانيين، وجاءت التوراة بتعيين
الأوقات القمرية للأشهر، وتعيين الشمسية
للأعياد، ومعلوم أن الأعياد في الدرجة
الثانية من أحوال البشر لأنها راجعة إلى
التحسين، فأما ضبط الأشهر فيرجع إلى
الحاجي. فألهم الله البشر، فيما ألهمهم من
تأسيس أصول حضارتهم، أن اتخذوا نظاما
لتوقيت أعمالهم المحتاجة للتوقيت، وأن
جعلوه مستندا إلى مشاهدات بينة واضحة
لسائر الناس، لا تنحجب عنهم إلا قليلا في
قليل، ثم لا تلبث أن تلوح لهم واضحة باهرة،
وألهمهم أن اهتدوا إلى ظواهر مما خلق الله
له نظاما مطردا. وذلك كواكب السماء
ومنازلها، كما قال في بيان حكمة ذلك )هو
الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره
منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق
الله ذلك إلا بالحق(، وأن جعلوا توقيتهم
اليومي مستندا إلى ظهور نور الشمس ومغيبه
عنهم، لأنهم وجدوه على نظام لا يتغير،
ولاشتراك الناس في مشاهدة ذلك، وبذلك تنظم
اليوم والليلة، وجعلوا توقيتهم الشهري
بابتداء ظهور أول أجزاء القمر وهو المسمى
هلالا إلى انتهاء محاقه فإذا عاد إلى مثل
الظهور الأول فذلك ابتداء شهر آخر، وجعلوا
مراتب أعداد أجزاء المدة المسماة بالشهر
مرتبة بتزايد ضوء النصف المضيء من القمر
كل ليلة، وبإعانة منازل ظهور القمر كل
ليلة حذو شكل من النجوم سموه بالمنازل. وقد
وجدوا ذلك على نظام مطرد، ثم ألهمهم فرقبوا
المدة التي عاد فيها الثمر أو الكلأ الذي
ابتدأوا في مثله العد وهي أوقات الفصول
الأربعة، فوجدوها قد احتوت على اثني عشر
شهرا فسموا تلك المدة عاما، فكانت الأشهر
لذلك اثني عشر شهرا، لأن ما زاد على ذلك
يعود إلى مثل الوقت الذي ابتدأوا فيه
الحساب أول مرة، ودعوها بأسماء لتمييز
بعضها عن بعض دفعا للغلط، وجعلوا لابتداء
السنين بالحوادث على حسب اشتهارها عندهم،
إن أرادوا ذلك وذلك واسع عليهم، فلما أراد
الله أن يجعل الناس عبادات ومواسم وأعيادا
دورية تكون مرة في كل سنة، أمرهم أن يجعلوا
العبادة في الوقت المماثل لوقت أختها ففرض
على إبراهيم وبنيه حج البيت كل سنة في
الشهر الثاني عشر، وجعل لهم زمنا محترما
بينهم يأمنون فيه على نفوسهم وأموالهم
ويستطيعون فيه السفر البعيد وهي الأشهر
الحرم، فلما حصل ذلك كله بمجموع تكوين
الله تعالى للكواكب، وإيداعه الإلهام
بالتفطن لحكمتها، والتمكن من ضبط مطرد
أحوالها، وتعيينه ما عين من العبادات
والأعمال بمواقيتها، كان ذلك كله مرادا
عنده فلذلك قال )إن عدة الشهور عند الله
اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق
السماوات والأرض(.
فمعنى قوله )إن عدة الشهور عند الله اثنا
عشر شهرا(: أنها كذلك في النظام الذي وضع
عليه هذه الأرض التي جعلها مقر البشر
باعتبار تمايز كل واحد فيها عن الآخر،
فإذا تجاوزت الاثنى عشر صار ما زاد على

/ 257