بیشترتوضیحاتافزودن یادداشت جدید
واغتممت لذلك، فأقبل الغلام ومعه الماء، فتبسّم في وجهي، ثمّ قال: يا غلام ناولني الماء فتناوله وشرب، ثمّ ناولني فشربت وأطلت عنده، وعطشت فدعا بالماء، وفعل كما فعل بالمرة الأولى، وخرجت من عنده وأنا أقول: أظنّ أنّ أبا جعفر يعلم ما في النفوس كما تقول الرافضة(23). لقد خاف محمد على الإمام أبي جعفر (عليه السلام) من العباسيين أن يغتالوه بالسمّ ولا تمنعهم مصاهرتهم له لأنّها لم تكن عن حسن نيّة. وممن وفد على الإمام (عليه السلام) مهنّئاً أبو هاشم الجعفري، فقد قال له: (لقد عظمت علينا بركة هذا اليوم - أي يوم زواج الإمام -). وردّ عليه الإمام قائلاً: (يا أبا هاشم عظمت بركات الله علينا فيه..). لقد أسند أبو هاشم عظمة البركة إلى اليوم الذي تزوّج فيه الإمام والحال ليس كذلك فإنّ الأيام لا تُوجد البركة وإنما يوجدها الله خالق الكون وواهب الحياة.. وشعر أبو هاشم انّ كلامه لا يخلو من زحاف فقال للإمام: (يا مولاي فما أقول في اليوم؟). (تقول: فيه خيراً فإنّه يصيبك). (يا مولاي افعل هذا ولا أخالفه). إنّ الأيام ليس فيها بركة أو خير على الإنسان، وإنّما ذلك بيد الله تعالى فهو الذي يفيضه على من يشاء من عباده، وقد قال له الإمام: (إذاً ترشد ولا ترى إلاّ خيراً). مغادرته بغداد: وغادر الإمام محمد الجواد (عليه السلام) بغداد بعد زواجه بأمّ الفضل، وقد خرج معه أهله وعياله فتوجّه بهم إلى بيت الله الحرام لأداء الحجّ(24) وقد سرّ العباسيون بمغادرته بغداد، وذلك لحقدهم البالغ عليه، لما ظهر من عظيم فضله، وانتشار علمه على صغر سنّه، الأمر الذي صار حديث الأندية والمجالس في بغداد وغيرها فخافوا أن يعهد له المأمون بالخلافة كما عهد لأبيه الإمام الرضا (عليه السلام) من قبل.. لقد غادر الإمام بغداد ليقيم في يثرب ويكون بمنأى عن مؤامرات العباسيين وأحقادهم. كرامة للإمام: وأجمع المؤرّخون والرواة على أنّ الإمام لمّا خرج من بغداد متوجّهاً إلى يثرب جرت له في أثناء الطريق كرامة، ولنترك الشيخ المفيد يحدّثنا عنها قال: لمّا توجّه أبو جعفر (عليه السلام) من بغداد إلى المدينة ومعه أمّ الفضل خرج الناس يشيّعونه، ولمّا صار إلى شارع باب الكوفة انتهى إلى دار المسيّب عند مغيب الشمس، فنزل ودخل المسجد، وكان في صحنه نبقة لم تحمل بعد فدعا بكوز فيه ماء فتوضّأ في أصل النبقة، وقام (عليه السلام) فصلى بالناس صلاة المغرب، فقرأ في الأولى منها الحمد وإذا جاء نصر الله وقرأ في الثانية الحمد، وقل هو الله، وقنت قبل ركوعه فيها، وصلى الثالثة وتشهّد وسلم، ثمّ جلس هنيئة يذكر الله جلّ اسمه، وقام من غير أن يعقب فصلى النوافل أربع ركعات، وعقب تعقيبها، وسجد سجدتي الشكر ثمّ خرج فلمّا انتهى إلى النبقة رآها الناس وقد حملت حملاً حسناً، فتعجّبوا من ذلك، وأكلوا منه فوجدوا نبقاً حلواً لا عجم له، وودّعوه ومضى من وقته(25). إنّ الله تعالى قد منح أئمة أهل البيت من الكرامات والمعاجز ما لا يحصى كما منح جدّهم الرسول (صلى الله عليه وآله) ليؤمن بهم الناس، ويلتجأوا إليهم في السرّاء والضرّاء، فيجعلوا منهم وسائط إلى الله تعالى. أمّ الفضل تشكو الإمام إلى أبيها: وشاء الله تعالى أن تحرم أمّ الفضل الذرية من الإمام الجواد (عليه السلام) فاضطرّ الإمام (عليه السلام) إلى أن يتسرّى ببعض الإماء ممّن لها دين، فرزقه الله منها الذرية الصالحة، فتميّزت أمّ الفضل غيظاً، ورفعت رسالة إلى أبيها تشكو فيها صنع الإمام معها، فأجابها المأمون: (يا بنيّة إنا لم نزوجك أبا جعفر لنحرّم عليه حلالاً فلا تعاودي لذكر ما ذكرت بعدها)(26) وظلّت أمّ الفضل حاقدة على الإمام، حتى اغتالته بالسمّ كما يقول بعض المؤرخين. المرتّب السنوي للإمام: وأجرى المأمون مرتّباً سنوياً للإمام أبي جعفر (عليه السلام) يبلغ مليون درهم(27) ولم ينفق الإمام هذه الأموال مع ما يرد إليه من الحقوق الشرعية على شؤونه الخاصّة، وإنّما كان ينفقها - بسخاء - على الفقراء والمحرومين من العلويّين وغيرهم. وفاة المأمون: وخرج المأمون من عاصمته بغداد إلى طرطوس(28) للتنزّه والراحة، وقد أعجبته كثيراً، وذلك لما تتمتّع به من المناظر الطبيعية، وأخذ يتجوّل في بعض متنزّهاتها فراقه مكان فيها كان حافلاً بالأشجار والمياه الجارية وعذوبة الهواء، فأمر أصحابه أن ينزلوا فيها، فنزلوا فيها،