دماء و أحلام فی بلاد الشام نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

دماء و أحلام فی بلاد الشام - نسخه متنی

نادیا خوست

نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
افزودن یادداشت
افزودن یادداشت جدید

نظيفة، وملابسها جميلة، وطعامها طيبا.
لفّتها منور بحرام صوفي نبيذي وسقتها كأس
شاي بالزنجبيل. استسلمت ليلى لذلك الدفء
وهي ترتجف. لم تسألها منور أين كنت. قالت
ليلى جملة واحدة: كان لون السماء ورديا.
"بيجنن"، يامنور! عندئذ قالت منور: مشوار
بثياب صيفية في البرد؟ إذا اشتقت إليها
البسيها في البيت! وهل ستلبسين ثوبك
الصوفي في الصيف؟ ياليلى، لكل شيء أوان!
العنب طيب في آب، والبطيخ لذيذ في الحر،
والبرتقال للشتاء، والزبيب والتين والجوز
لأيام البرد! يوم يخرّب التقدم الدورة
الزراعية، فتضيّع الفواكه والخضار
أوانها، ستقول ليلى: لاأحب البطيخ إلا في
الحر. ولاآكل العنب إلا في آب. ولاأقبل
البرتقال إلا في الشتاء!.
لماذا يبدو لنا أننا سنبقى ثابتين إلى
الأبد كما نحن في هذه اللحظة؟ لم يخطر
لمنور التي تحملت كارثة المجاعة في بيروت
خلال الحرب العامة، ووزعت أرغفة الخبز على
الجائعين فأنقذت فتيات من الدعارة، أنها
قد لاتبقى ذات يوم متماسكة وقوية. بل خيل
إليها أنها تحملت مقتل زوجها وابنها في
شجاعة. وستقول سعاد: كان ذلك صحيحا، حتى
فتحت الانقلابات العسكرية جروحها! أنا
التي عشت في فلسطين أيام الثورة ورأيت ظلم
الاحتلال أعرف أن الإنسان ليس صخرة، واجبه
أن يعطي للحزن حقّه! منور تكابر وياخوفي من
أن تقع فجأة!
لم يخف على سعاد أن "مرض" منور يبدو في
قلقها على ليلى. فكرت في أختها تلك الليلة
وبحثت عن طريق إليها. ثم قررت أن تنبش ما
تخفيه منور وتتركه يأكلها قطعة قطعة. قالت
لها: اسمعي! راح بهاء فدى فلسطين مع من راح
فدى لها. كسر ظهري غيابه، أنا أيضا! يوجعني
أني لم ألتق به في المرة الأخيرة إلا وأنا
آتية من فلسطين وهو ذاهب إليها. لم أسقه
فنجان قهوة! لكن لنفهم أن ذلك قراره. كان
يمكن أن يقتل في ثورة 36 يوم كان مع
المتطوعين العرب! كسب أكثر من عشر سنوات من
الحياة بعد تلك الثورة، شاركتِه أنتِ فيها!
غضبت منور: يحسب علينا مانعيشه كأنه هبة،
وكأن الموت هو الطبيعي في هذه البلاد؟!
نستحق غير ذلك، ياسعاد خانم! هذه بلادنا،
لم نسرقها من أحد ولم نأت إليها
كالمستوطنين اليهود الغرباء عن بلادنا
ولغتنا وعاداتنا! قتل بهاء في الجليل وهو
في ذروة قوته ونضج عقله! أنا التي خسرته؟
خسرته بلاده! وخسرته ليلى! ولاتزال طفلة!
هل أخطأت سعاد، بالرغم مما صرفته من ليلة
الأمس في التفكير، عندما سلكت هذه الطريق
إلى منور؟ قررت أن تمشي إليها بخط مستقيم.
قالت: إذا كنت تخافين على ليلى فابعدي
الحزن عنك! لاتظني أن الأطفال لايلاحظون
مافي قلوبنا! لكن افهمي أن حزن الأطفال ليس
كحزننا. حزنهم حار لكن الدنيا التي أمامهم
تشغلهم عنه. سيدخل أشخاص جدد إلى حياتهم
وسيصبح المفقود ذكرى حلوة. نحن الذين
لانستطيع أو لانريد أن نجدد المحبوبين،
نظل ندور حولهم وننتشل التفاصيل التي لم
ننتبه إليها فنجعلهم أحياء أكثر مما
كانوا، فنزيد في حزننا عليهم ونصبح في
غيابهم أكثر وحدة! هزّت منور رأسها! يريحها
أن تطمئنها سعاد إلى أن ليلى سترى بهاء
كذكرى حلوة، وستحفظه لكن أشخاصا آخرين
سيأخذون المكان الواسع الذي تركه! يريحها
أن تعترف سعاد بحزنها على بهاء وأن تفهم أن
منور قررت أن تبقيه حيا أكثر من الأحياء
وتعتّق حزنها عليه! ولكن لماذا بدا معتصم
كأنه منسي؟ مع أن معتصما قطعة من روحها؟
ألأن الثكل عميق ومؤلم لذلك تتفادى سعاد
أن تلمسه، ويتفادى ذلك الناس، وتحاول ليلى
ألا تذكر معتصما بالرغم من أنه كان لها
كالأب الحنون؟ أم لأن موته مؤلم أكثر من
موت بهاء، لأنه مخجل، لأنه موت برصاص سوري
بعد الاستقلال؟ كانت صورة بهاء تطل عليهما
من الحائط، وبدا بابتسامته الرائقة كأنه
يشارك سعاد كلامها إلى منور. رأت منور فيه
روحا أخرى وهي تنظر إلى الصورة. لكنها
انتبهت إلى غياب صورة معتصم من أي مكان في
البيت. كيف حدث هذا الغياب؟ هل قصدته لتهرب
من وجعها الأكبر؟ لايحزنون على الابن
عندما يستعاض بآخر يعزيهم عنه. لكن من
ينجبه راح معه! وياسواد ليلك يامنور!
فهمت سعاد أن قلق منور يبدو في خوفها على
ليلى. كأنها تريد أن تجعل ليلى تكبر خارج
الأحداث. بعيدا عن الحزن العام وحزن منور،
بعيدا عن ضياع فلسطين ولجوء سعاد. يجب أن
تعبّ ليلى كثيرا من الأفراح، وأن تعيش
فتوتها كفراشة حتى تكبر، بعدئذ فلتختر
ماتسمعه أو تسعى إليه من الهموم والأحزان!
يامنور، كوني عاقلة! هل لديك مقص تقصين به
ماتلصقينه حول ليلى وما تحذفينه؟ هذه
حياة، اخترنا أن نعيش في وسطها. لم ننف
أنفسنا إلى هامشها! تساءلي دائما لو كان
بهاء حيا ماذا كان يفعل؟
في ذلك اليوم حملت منور صورة معتصم وقصدت
محل "فمينا" قرب البارلمان، أفخم مخزن في
طريق الصالحية. بحثت هناك عن إطار للصورة.
تبينت لهجة البائعة الفلسطينية.

/ 301