دماء و أحلام فی بلاد الشام نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

دماء و أحلام فی بلاد الشام - نسخه متنی

نادیا خوست

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

منها. لكنها فهمت أنه يتفرج عليها. وفهم
أنها فهمته. ورأى أن وجهها احمر. ودهشت هي
لذلك. لم يكن غريبا أن يتفرج عليها رجل. كان
العكس هو الغريب. لكن هذا الرجل كان غير
اولئك الذين تعبرهم. كان لابد من أن تنتبه
إليه لأنهم التقطوه من الطريق، لأنه كان
واقفا مادا ذراعه يطلب النجدة. ثم التقطت
خصلة بيضاء وسط شعره. وفي الطريق لاحظت
خاتمه السميك الذهبي الذي نقش عليه حرف. لم
يكن خاتما من هذه الأيام. لذلك سألته عنه
فيما بعد أول ماسألت، فروى لها أنه خاتم
أبيه، نقله إلى يده عندما مات الأب.
رأى الرجل في إصبعها خاتم الزواج. وتعمدت
أن تمدّ يدها ليلاحظه، كما تمدّها كلما
شعرت بأن رجلا يطيل إليها النظر أكثر من
المقبول، المعتاد، الذي لاتستطيع أن
تمنعه لأنه صلاة للجمال. كانت قد أدّت
مهمتها وعادت خفيفة نشيطة. ولم تكن تحمل
مهمات في طريق العودة. لاشيء. ربما لو كانت
محمّلة بأوامر لما نجح ذلك الرجل في شد
انتباهها إليه. ولما لاحظت حتى خاتمه
السميك وخصلة شعره البيضاء. لكنها كانت
خفيفة منصرفة إلى نفسها في طريق العودة.
وكانت مستريحة لأنها أدّت مايجب أن تؤدّيه
في كمال.
كان من حظ فائز أن يتزوج تلك الجميلة. ابنة
عمه تفضّل على الغريبة. ولم يخطئ. لأنها
حملت واجبها كزوجة وتبنّته.
بعد سنة خرج فائز من السجن. طارت هند من
الفرح عندما رأت زوجها يملأ الباب. أرادت
أن ترتمي عليه لكنها لاحظت أنه جفل.
فليسترح. ولكن كيف خرج من السجن؟ ستسأله
فيما بعد! لاتعرف أن العدو يحاسب الرجل على
الولاء السياسي لكنه ينحني له احتراما إذا
دافع عن شرفه فيفتح له حتى البوابات للقتل.
لم يكن فائز راغبا في الكلام فقالت لنفسها
يغيّر السجن الإنسان ويشعره بالغربة حتى
عن أهله. لاحظت أنه تفادى الانتباه إلى
حفاوتها به، وإلى سرعتها في تحضير العشاء
له، لكنها التقطت نظرة طويلة إليها أنهاها
بأن أغلق جفنيه كمن يرغب في غفوة. تركته
ينام وحده في تلك الليلة. وعندما قال لها
في اليوم التالي سنخرج إلى الصيد ظنت أنه
يريد الفلاة والهواء النظيف والسعة
والبعد عن الناس. لم يرغب في أن تتعب نفسها
بتحضير الطعام، فستجد هناك عند الفلاحين
خبز التنور واللبن والجبن والكشك!
امتحنها، وهي تمشي أمامه في أراضي أبيه،
بخطوتها ورائحتها، بفرحها، ببريق عينيها،
وقرر أنها ليست كما تركها. قال لنفسه: لماذا
لاتسألها؟ لماذا تحكم عليها دون أن تسمح
لها بالدفاع عن نفسها؟ وردّ في حزم: لا! لن
يترك مجالا للدموع والكذب! لايريد مساحة
للشفقة! ماقيل عنها صار حقيقة لاتمحى إلا
بقتلها! لن يستطيع أن يستعيد مكانه بين
الناس مرفوع الرأس إلا بغسل "العار"!
توغلا بين أشجار الزيتون التي مشى فيها
مرة سعيد وقدري مع سليمان باشا. وعبرها
أحمد مريود وثوار بلاد الشام، ثم
المتطوعون السوريون في ثورة فلسطين. هل
ظنت أنه يمازحها عندما ناداها فالتفتت
إليه ورأته يصوب البندقية إلى صدرها؟ أم
فهمت في ومضة سبب خروجه من السجن، وتجهمه،
ونظرته القاسية، وخروجهما إلى أراضي أبيه
للصيد؟ سمع الطلقات القاتلة، واقترب منها.
ركع قربها ولمس وجهها الدافئ. هل كانت تنظر
إليه في عتب؟ بقي راكعا بجانبها زمنا لم
يستطع أبدا أن يحسبه. ثم استلقى على الأرض
إلى جانبها وأغمض عينيه وأبقى كفها في كفه
حتى بردت. وفي تلك اللحظة فهم أنه أطلق
الرصاص على قلبه.
لم يتحدث أحد أبدا معه عن موت هند. ولم
يعزّه أحد بها. ولم يسأله أحد كيف خرجتَ من
السجن. لكن قيسا قال له عندما التقى به بعد
عقود: مشيت في حياتك مسافات واسعة، وكدت
تحمل سلاح الثورة المسلحة، فهل عجزت عن
قطع خطوة تبعدك عن الحلول القديمة؟ فردّ
فائز: هند ابنة عمي فهل كان يمكن أن
أطلقها؟ كان مايزال يتهمها بهواها. لكنه
لم يسأل قيسا: ألم تفهم أني متّ بذلك
الرصاص؟ هل الميت من يرمى عليه التراب، أم
الحيّ الذي فقد مذاق الطعام والنوم وفقد
القدرة على الغضب والرضا والفرح والحزن؟
انتهت الليالي التي كان يستطيع فيها النوم
الهنيء. وسيظل إلى آخر أيامه يهبّ من نومه
لاهثا والعرق يسيل من طرفي وجهه! كان يعود
دائما إلى تلك اللحظة. ويتساءل لماذا لم
يصرخ عصفور، ولم تهتز شجرة، ولم ينزلق حجر.
لماذا امتد الصمت الثقيل حتى الليل، ولم
يسأله أحد بعده لماذا وكيف؟ هزّ قيس رأسه:
يبدو أننا معا أمام أزمنة تمتد آلاف
السنوات قبلنا. هل تصورنا ذات يوم أننا
سنشيد مجتمعا جديدا لاشيء قبله، كأنه
مرسوم على الورق؟!
لم يذكرها أحد أمامه غير قيس. لكنه عرف أن
أصحابه كانوا يشعرون بأنها حاضرة، كأنها
ستفتح الباب وستقدم لهم القهوة، وستجلس
على ذاك الكرسي الذي يتفادون الجلوس عليه
لأنه كان مكانها. من يستطيع أن ينساها؟
كانت باسلة وشجاعة، جميلة، حلوة المبسم،

/ 301