دماء و أحلام فی بلاد الشام نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

دماء و أحلام فی بلاد الشام - نسخه متنی

نادیا خوست

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

وضربوه مرة أخرى.. كرروا مايعرفه: الحرق
بالسيجارات، التعليق من الذراعين، الفلقة
حتى تتورم القدمان. ثم جرّوه على الأرض في
الممرات حتى الزنزانة، وغطّوه بالشتائم.
استعاد تجربته الماضية. لايستطيع المعتقل
أن يمنع نفسه من العتب لأن هؤلاء الفقراء
الذين لامصلحة لهم في تعذيبه، أدوات غبية
تنفذ الضرب والقتل. وبما أنه يقيس الناس
بنفسه فلم يستطع أبدا أن يفهم كيف يموت
الضمير إلى هذا الحدّ الوحشي. تساءل حتى
يوم اعتقل في أيام الشيشكلي عن الرحمة
التي يربي بها القرآن الإنسان ويجعلها
بوابة واسعة تحمي الضحايا من الانتقام،
وتستبعد الحقد عن الحكم عليهم. وكان على
أساس تجربته في أيام الشيشكلي، يحذَر دعاة
الأفكار والمشروعات الكبرى الذين يسوّغون
بها مذابح خصومهم. ألم يموّه القتل في
التاريخ بأهداف عظيمة وطنية أو إنسانية،
في سبيل أمجاد، أو آمال عامة؟! ألم يحتل
اليهود فلسطين باسم الأرض الموعودة ووطن
الشعب المختار، وينفذوا المذابح والجرائم
التي غطت مشروع الاستيطان والاتفاقات
الاستعمارية؟
شعر بيد تمسح الدم عنه، وبصوت يواسيه.
وحاول رجل أن يضحكه بنكتة. أراد أن يقول
خلال ضباب الإغماء : المهم ألا تستخدم
جروحي لترويعكم. هل أصيبت عينه حتى أنه
لايستطيع فتحها؟ تذكّر مارواه له قيس
ومارواه لاجئون سياسيون عراقيون عن
تعذيبهم. ماأغرب أن تتفق أنظمة متخاصمة في
معاملة المعتقلين!
في "المقابلة" الثانية اعتذر منه الضابط:
يبدو أنهم قسوا كثيرا عليك. تذكّر أني فضلت
أن أكون أنا الذي يتعامل معك! كانت آثار
الضرب ماتزال ظاهرة على جسم عمر ووجهه،
ولم يكن يستطيع أن يفتح عينه اليسرى كلها.
فهزّ الضابط رأسه أسفا: أما كنتَ في غنى عن
ذلك؟! تأمله عمر وقال في نفسه: أعرف هذه
المسرحية أيضا! فمن أين سيبدأ الضابط
الآن؟ فاجأه: يبدو أن صديقتك ليلى ذات
علاقة خاصة بقيس! أترى كيف يغدر هؤلاء
بأصدقائهم! ومع ذلك تدافع عنهم بصمتك!
التهب عمر، واندفع القرف حتى حلقه. قال:
خلال اعتقالي في أيام الشيشكلي لم يبحث
معي أحد خلال التحقيق، أي أمر شخصي،
بالرغم من الصلب والضرب. فهل نتقدم على زمن
مضى أم نتخلف عن زمن سميناه زمن
الديكتاتوريات العسكرية؟ توقع عمر أن
يغضب الضابط. وغضب حقا، لكنه لم يشأ أن
ينهي دوره بسرعة. قال: أردت أن أنبهك إلى
خيانة صديقك، وأكشف لك مالاتعرفه وأعرفه
بحكم وظيفتي! هاأنت ترى كم نتعاون معك!
أقدم لك معلومات لم تطلبها حرصا على
مصلحتك، مع أنك تحجب عني المعلومات التي
أطلبها. قال عمر: لكني لاأبالي بالإشارات
التي سمعتها. ولا أطلب مثلها.
تمنى أن يقول للضابط وقت رآه في المرة
الثالثة مع ضابطين آخرين عن يمينه ويساره:
هل هذا الوضع طبيعي؟ معتقل خلفه رجلان
ينتظران الإشارة لضربه وكسر عظامه،
ومقابله ثلاثة محققين؟ هل نحن متكافئون كي
تقنعوني بنظرياتكم في المجتمع وبسياستكم
الداخلية والخارجية؟ وكي أقبل أنكم تركتم
مكانكم في التجمع الوطني وصرتم محققين في
سجن، لتدافعوا عن الوطن؟
توقع مايعرف أنه أشد من التعذيب. فعندما
يتحمل المعتقل الحدّ الأعلى من القسوة
لايبقى غير قتله، أو أسلوب آخر: الزنزانة
المنفردة. نقل إليها عمر وبقي فيها أربعين
يوما. لم يكلمه حتى العسكري الذي يرمي له
الطعام. ولم تصله ورقة تدس تحت الباب. ولم
يسمع همسة إنسان يمر بزنزانته. كأنه في
قبر! قاوم تلك الوحدة باستعادة الحياة.
تذكّر السماء الفسيحة، والغيوم التي
وشّتها في يوم الجمعة الحزينة. فاجأته تلك
الغيوم بلونها الرمادي المزرقّ وبأطرافها
البرتقالية المتوهجة. وشعر بنسمة باردة
كان يلاحظها عشية سبت النور. ونزل رذاذ
قليل منعش. وخيل إليه أن البرق ومض فوق
الكنائس. عندما أتى إلى دمشق سكن في ملحق
على السطح في بناء نظيف في وسط دمشق، يطل
على حديقة مزروعة بشجر النارنج والليمون.
كان المرور بها متعة له. كانت السماء تمتد
حوله حتى الأفق وتتيح له أن يستمتع
بغيومها في الربيع والخريف. أذهله اللقاء
بدمشق يوم أتى من مدينته في شمال سورية
ليدرس في الجامعة. خيل إليه أنها مدينة
الجنّة. مدينة صغيرة نظيفة مقاهيها في
البساتين، ذات مطاعم كثيرة نظيفة ورخيصة،
محاطة بغوطة خضراء، يدقّ الكناسون
أجراسهم فيها فيسلّمهم أهلها القمامة.
تشطف شوارعها وتكنس ثلاث مرات في اليوم.
أزقة حاراتها أكثر نظافة من شوارعها. في
نيسان تزهر فيها البنفشا وتكلل البيوت
وتنفر من الحدائق، ويزهر الياسمين الأصفر
والهرجاية الملونة والأقحوان البرتقالي
والمارغريت الأبيض ويفوح زهر الليمون
فيتوقف عمر قرب الحديقة ويملأ صدره
بالعبق. وينتظر فيها مطر نيسان والعطر
الذي ينشره في جو المدينة. تجول عمر في تلك

/ 301