دماء و أحلام فی بلاد الشام نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

دماء و أحلام فی بلاد الشام - نسخه متنی

نادیا خوست

نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
افزودن یادداشت
افزودن یادداشت جدید

المدينة مسحورا بليلها وفجرها وحتى بوهن
ظهيرتها الفاترة ولسعة شمسها. وساح أيضا
في بلدته. فتذكّر أنه كان يستلقي على السطح
في بيته فتغمره سماء عميقة ملأى بالنجوم.
ويسمع غناء الصبايا والشباب الذين
يتنزهون في ليالي القمر في أطراف البلدة.
ويتأمل المشتري الذي صار يسمى الكوكب
الأحمر. كم كان يحذبه ببريقه! كان كالعلامة
إلى طرقات سماوية! مثل "لمبة" الكهرباء
المعلّقة على باب بيت عمر، التي بدت له مرة
كمنارة في ميناء. لم يجد يومذاك سيارة أو
دابة توصله إلى أهله فقطع أرضا مظلمة
يضيّع الغريب فيها اتجاهه، وعندما لمح
"اللمبة" شعر بأنه وصل، وصارت خطواته أكثر
خفة كأنه محمل بشوق العائد من غربة طويلة.
تذكّر عمر الأعياد التي احتفل بها في
بلده، عيد الغطاس وعيد الصليب وعيد الفصح
الشرقي والفصح الغربي، والشعانين. وعيد
الأضحى وعيد الفطر وعيد الجلاء التي احتفل
بها في دمشق. كأنه رسم على جدران زنزانته
الدنيا التي عرفها في مختلف الأزمنة. وقال
لنفسه: كم الإنسان محظوظ بالذاكرة!
ومع ذلك كانت الذاكرة تستعيد في سرعة
الأيام التي مرت في بطء. وبدت أيام
الزنزانة طويلة. فوضع عمر أسئلة لنفسه
وأجاب عليها. وعبر امتحانات الألوان في
الذاكرة. فتذكّر لون الثوب الذي كانت
تلبسه ليلى أول مرة رآها فيها. ومن تلك
الألوان انساق في دروب فرعية فاستمتع بحب
غريب خيل إليه أنه اكتشفه. جمع الأحاديث
وفحص الكلمات، واستعاد النظرات والضحكات،
وبدا له أنه يفهم مالم ينتبه إليه. شعر
بهدير بردى قرب عين الفيجة، ولمس الماء في
عين الخضراء كما لمسته ليلى، وخيل إليه
أنه تبيّن برودته. استعاد ذلك المقطع من
الطريق الذي يبدو فيه وادي بردى في
الأسفل، فيتوقف في المطل عليه من يقصد عين
الخضراء. مارس النزهات فركب الباص إلى
التكية، ونزل قرب الصخور الآسرة، واستعاد
دهشته وهو يستمتع بها وبمغاورها وباللقاء
الفاتن بين الجبل الأجرد الصخري وبين
الوادي الذي تتكاتف فيه أشجار الحور حول
بردى. لدى سجانيه أسلحة وجدران دون نوافذ
وزنزانات صغيرة تعيد المسجون إلى وضع
وحشي. لديهم محققون وعسكر. مقابل ذلك لدي
الروح! لكن ألا تطلب هي أيضا أن أحميها؟
سأحميها بالحياة النضرة البعيدة، وبالحب!
غفا على جنبه. وتفادى أن يتساءل لماذا لم
يعد يستمتع بالنوم على ظهره منذ رفسه
الجندي، ولماذا يشعر بألم كالغصّة.
هل اعترف لنفسه بأن التفكير في ليلى
واستعادة ملامحها وحركتها وصوتها ساعده
في مقاومة الوحدة؟ هل اعترف لنفسه في تلك
الأربعين يوما الطويلة بأنه يحب ليلى؟
استمتع باعترافه. لكنه أكد لنفسه: ذلك الحب
لايتعلق برضاها ورفضها، ذلك الحب لي بيني
وبين نفسي. خطر له أن تكون أحبت شابا ما
خلال دراستها، أو ستحبه. وكان ذلك من
مجموعة الأسئلة التي وضعها لنفسه، وأجاب
عليها: لن يغير ذلك علاقتي بها! لن يؤثر
زواجها على صداقتنا! لكنه عندما تساءل هل
يكون ذلك المحبوب أجنبيا، استبعد ذلك.
لايمكن أن تهجر ليلى بلدها، ولن يلتحق رجل
بزوجته!
أعطته الثقة بأنه سيلتقي بليلى قوة في
الزنزانة. وبدت كسرّ من أسراره. كاد يبتسم
عندما عاد إلى القاووش ويعلن لمستقبليه:
اكتشفت أني عاشق! لكنه سيبقي الأربعين
يوما سرا مكتوما لن يبوح به حتى لليلى. لن
يحدثها أبدا عن التعذيب. وسينظر إلى زواره
المحتفين ببطولته متعجبا من طلبهم أن يحكي
لهم كيف عذب وكيف قاوم السجانين. يهتمون
بالبطولة، وربما يطلبون أن يدلّهم إلى درس
يفيدون منه، لأنهم لايستبعدون أن يمروا
بتجربة السجن في بلاد تتقلب بين سنة وأخرى.
لكنه لايتوقف عند البطولة. بل يفكر في
مهانة الإنسان الذي يعذبه أبناء بلده،
والمحتلون على بعد كيلومترات من عاصمة
الوطن. ويتساءل لماذا يشعر الجلادون بأنهم
محصنون. سيتصفح عمر فيما بعد أوراق محاكمة
قتلة فرج الله. وسيذهله أن يسجل فيها أن
القتلة "قاموا بواجبهم المهني". وبما أنهم
لم يقتلوه بدافع شخصي، تمتنع إدانتهم
بجريمة القتل. هكذا إذن يُحمى التعذيب في
السجون كأسلوب في معاملة الخصم الفكري
والسياسي! لا! بل يجب أن يحاكم القتلة
والجلادون علنا كي يفهم الآمرون
والمأمورون أنهم مسؤولون عن سلوكهم، وأن
القانون يحدد صلاحياتهم، وليس لأحد مهما
سمت منزلته أن يطلب منهم خرق القانون.
سيتابع عمر بعد خروجه من السجن في أيام
الانفصال، أفراح المعتقلين بصمودهم. كأنه
شهادة لهم على ثلاث سنوات من السجن
تبيّنوا بعدها أمراضهم. سينشغل عمر بدروس
الطب، ويؤدي الامتحانات، وسيكتب رسالة
إلى ليلى يذكر لها فيها أنه قد يسافر ليختص
في أمراض القلب.
كانت سيارات المباحث قد حملت مئات
المعتقلين إلى السجون في ليلة رأس سنة 1959.
في شهر شباط من تلك السنة فتح قيس عينيه

/ 301