دماء و أحلام فی بلاد الشام نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

دماء و أحلام فی بلاد الشام - نسخه متنی

نادیا خوست

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

نتمايل ونحرك أزهارنا بأيدينا؟ تمنيتُ أن
أكون في القاعة بين أهلنا كي أضحك كما
ضحكوا! ياغادة، بقيت أمي زمنا تقول لي
"تعالي يازنبق، روحي يازنبق"!
هل كانت مديحة تستطيع أن تعبّر عن فرحها
بالمشي مع فوزي وكل منهما يمسك بيد الآخر؟
أي محب في الجامعة كان يستطيع أن يمسك بيد
محبوبه غيرهما؟ لو تستطيع مديحة أن تبوح
بما تملأ به روحها لمسة اليد المحبة!
لكنها حرمت من تلك السعادة بسرعة. كان
الأسبوع الذي حشد فيه خطاب عبد الناصر
الهيجان قاسيا عليها. لم يفتها أن غادة
كانت في ذلك الوقت باردة في علاقتها بها.
وأن ليلى كانت حائرة بينهما. وأن كثيرين من
أصحابها تفادوا تحيتها. وغاب فوزي عن
الجامعة. كانت تحلم بأن يسهرا معا ليلة رأس
السنة، فقال لها: أنتِ منذ اليوم حرة من
العلاقة بي! سألته: ماذا تعني؟! رد: أعني
أني لاأستطيع يامديحة أن أربطك بي!
طارت مديحة من بيروت إلى زوريخ، إلى براغ.
على الخط نفسه الذي سيطير عليه قيس. جلس
رجل سويسري إلى جانبها. إلى أين؟! باحت
بمقطع من مسارها وأخفت بقيته. طلب شرابا.
تريدين؟ لا! شكرا! كيف تبقي الحديث بعيدا
عن الأسئلة، وتظهر كفتاة متحضرة تمثل بلدا
أمام رجل غريب؟! سرحت في قلقها. ثم انشغلت
بالمستطيلات والمربعات الخضراء التي ظهرت
لها من الطائرة، وبالبيوت ذات السطوح
القرميد. ثم رأت زوريخ من الطائرة.
ماأحلاها! مرتبة وواضحة! نزل الرجل معها في
المطار. أدعوكِ إلى جولة في زوريخ! بأية
طريقة تستطيع أن تهرب منه؟ رأى محفظتها
الصغيرة، وملابس الطالبة البسيطة، ففهم
أنها عابرة في زوريخ. قالت: لدي عمل أنجزه
وأصدقاء يجب أن أراهم! ردّ: سيظل لديك وقت
تسهرين فيه وترين المدينة! شكرا،
لاأستطيع! ركبت السيارة إلى الفندق. وصعدت
بالمصعد مع شاب حمل لها الحقيبة إلى
الطابق الثالث. فتح لها باب الغرفة، ووضع
المحفظة على رفّ في مدخلها.
هاهي الغربة! موكيت مفروش على الأرض،
موسيقى رائقة، نافذة تطل على حدائق ممتدة،
شوارع نظيفة، وبرد. كم من السنوات ستمضي
هكذا؟ من زجاج نافذتها في الفندق رأت
دراجات ورجلا وامرأة يمشيان، وفتاة على
"باتيناج". سمعت موسيقى أخرى. بدأت الغربة!
بدأ طراز آخر من الحياة، وطراز آخر من
المدن! طوت مديحة مدينة صغيرة تتخللها
البساتين، تطل على طرقاتها مقاه مكشوفة،
سياج بيوتها من الياسمين.. طوت دمشق، كما
يطوى "الحجاب" ويعلق على الصدر تحت الثياب.
نزلت إلى المطعم. مشت في الصمت. تعشت جالسة
وحدها إلى طاولة في مطعم الفندق. ماأوسع
الهدوء! كأن الناس لايتكلمون. لاأحد يجر
كرسيا، لاأحد يرفع صوته، والنداء للنادل
بالإشارة والنظرة. بدا لها أنها أصبحت
طيفا. هل تغبط هؤلاء الناس الذين تجاوزوا
الخيار بين الحرية والسجن؟ هل تتبين الآن
أن التخلف هو أن تبقى مسائل الإنسان في ذلك
المستوى، فلاتنتقل إلى مستويات أخرى! كم
يستهان بالإنسان عندما تكون البداية قسرا
على الاختيار بين الحرية والولاء!
نظرت إلى العتمة من زجاج نافذة المطعم.
وفكرت بالأيام المجهولة. لو كانت في غير
هذه الظروف لركضت لتكتشف المدينة وتذوق
المساء في بلد غريب. لتدخل إلى المطاعم
والمقاهي كما يدخلها إنسان حرّ. لكن هاهي
تتبين أن البلاد التي تضطهد مواطنيها
تدفعهم إلى موضع الضعيف ولو نجوا بأنفسهم
من الظلم فيها! تكتشف أن الأوطان تسند
مواطنيها بمقدار ماتتبناهم وتهبهم
الحرية! وكأنها تلمس وجع المبعدين
والمنفيين، وهزال الحرية بعيدا عن
الأوطان! الحرية؟ حملت مديحة من بيروت
توجيهات يبدأ أكثرها بالتحذير: "إياك"! خيل
إليها أنها ستنفذّها بدقة. وأولها أنها لن
تكتب لأي إنسان كيلا يُعرف عنوانها!
أهلها؟ فليصبروا حتى يأتي الفرج! من كان
يخمّن أن الأسرار ستسلم في نهاية القرن في
صناديق للراغبين بها؟ وستعلن حتى أسماء
الضباط العرب الذين درسوا أو تدربوا في
البلاد الاشتراكية وملاحظات مدربيهم
ومراقبيهم!
كان غطاء السرير من الريش، والوسادة من
الريش، واللوحات التي ترسم مناظر من زوريخ
وبحيرات سويسرا معلقة على الجدران،
والموسيقى الناعمة لاتزال تنساب من
الراديو. وبدأت مديحة تغفو. في الصباح عادت
إلى المطار وركبت طائرة أخرى إلى براغ.
استقبلتها شابة أنيقة في مطار براغ، دعتها
إلى مقصف المطار وسقتها عصير برتقال معلّب.
ثم أوصلتها إلى فندق انترناسيونال. يوم
وليلة في براغ، وعشاء صامت في مطعم الفندق.
لم تميز فيه الفرق بين زوريخ وبراغ. فالصمت
متشابه، والبرد نفسه، والتقنين يضبط
الحركة والصوت والعواطف. هذه آخر محطة قبل
برلين.
ودعتها الشابة التي استقبلتها. وطارت
بطائرة صغيرة نقلتها إلى برلين فوق غابات
كثيفة. في أي سجن أنت يافوزي؟ كان يمكن أن

/ 301