دماء و أحلام فی بلاد الشام نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

دماء و أحلام فی بلاد الشام - نسخه متنی

نادیا خوست

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

كانت أميرة تعلّق في غرفتها صورة فهد،
وصورة زهور برّية. لم يكن فهد لها سياسيا
بل كان فارسا شهيدا. وقرّبها منه أساتذتها
القوميون. سمعت أميرة منذ طفولتها
أسطورته. فهو الرجل الذي أوصى من سجنه:
إياكم أن تعترفوا بتقسيم فلسطين، ولم يسمع
حزبه نصيحته! أعدم مع رفيقيه وأعلن الحكم
عليهم بعد تنفيذه. استمعت إلى وصف بطولة
فهد وتعلّمت أن الموقف من احتلال فلسطين
يقرّب السياسي أو يبعده عن شعبه. وأي خطأ
في هذه المسألة في مستوى الجريمة. لذلك
ستقول فيما بعد: قتل فهد عقابا على موقفه
من فلسطين والصهيونية!
كان أبوها معلما. لاتستطيع أميرة أن
تتذكره دون كتاب أو جريدة في يده. حتى خيل
إليها أنه يوم اعتقل رمى على مكتبته آخر
نظرة وهو يخرج من البيت، والنظرة التالية
كانت إلى أميرة. لحقته حتى الباب، وبقيت
واقفة حتى غابت السيارة التي نقلته في آخر
الطريق. أغلقت باب الحديقة وعادت راكضة
إلى البيت. وانشغلت مع أمها بترتيب الكتب
المبعثرة. أخذوا صورنا ورسائل أختي ورسائل
أخيك! سألتها أميرة بعينيها: لماذا؟ ردّت:
ليضعوها في إضبارة أبيك أو أخيك! هل كانت
تعرف أن ذلك الأرشيف سيظل سليما كأرشيف
وثائقي، وسيستخدم في الدراسات عن الأحزاب
والأشخاص فيما بعد، حتى يستبيح الغزو
الأمريكي العراق فيخرب الوثائق الأمنية
والمعرفية والعلمية ويحرق المكتبات!
غاب أبوها في ذلك الاعتقال سنة كاملة. لكن
أخباره كانت تصل إلى البيت. وكانت أميرة
تشعر بزهو أهلها لأن الحزب اخترق السجون!
وسيسجل المؤتمر القومي الثامن لحزب
البعث، فيما بعد: "الحزب الشيوعي العراقي
أكبر حزب شيوعي عربي، وله تشعبات في كافة
المناطق العربية والكردية". قال أخوها: ليس
هذا منّة. هذا بتضحياتنا. الشعب يعجب بمن
يصمد في الدفاع عن المُثُل. حتى العدو
يقدرك إذا كنت قوية، ياأميرة! هل كان
يعلّمها المعايير التي ستتذكرها فيما
بعد؟
في الأمسيات كان أبوها يجلسها قربه
ويحدثها عن الكبرياء في شعر المتنبي وعن
النقد في فكر المعري، أو يحدثها عن بدر
شاكر السياب والجواهري اللذين يزورانه.
حفظت، بالرغم من صغر سنها، قصيدة الجواهري
في أخيه الذي قتل في الوثبة. ثم حكى لها
أبوها عن الكتاب السوفييت "العظام": هؤلاء
أبناء الكتاب الديمقراطيين الروس الذين
لمسوا روح الإنسان! وقال لها إن الاتحاد
السوفييتي سيخلّص العالم من ظلم الإقطاع
والرأسمالية "العفنة". وسمعته في طفولتها
يحكي عن حلمه باتحاد جمهوريات عربية على
نمط اتحاد الجمهوريات السوفيتية. قال
لأصحابه: لاتستطيعون اليوم أن تتصوروا
السعة التي سيستمتع بها أهل العراق العظيم
يوم تصبح ثروته لأبنائه، وينتهي زمن
النفوذ البريطاني والملَكية!
هل عبَرت في بيتها البحث عن الطرقات
السياسية التي تميز بها العراق، والعواصف
الجامحة التي تهبّ خلال ذلك؟ لمحت تقطيب
جبين أبيها، وسمعته يتحدث مع أخويها
غاضبا. بقيت في ذاكرتها المرارة في كلماته:
رمى الحزب في معارك انتحارية فعزله عن
الناس، ثم هجره إلى الأكراد! من كان ذلك
الرجل الذي لامه أبوها؟ لم يخطر لأميرة
وهي طفلة منحازة إليه أنها ستنغمس في
معارك انتحارية وستكون إحدى ضحاياها.
كانت في تلك الأمسيات تجلس وراء باب موارب
وتستمع إلى حديث أبيها وأصحابه. وفهمت أنه
يخالفهم أحيانا. قال مرة: نظف الإنكليز
الجيش في سنة 1941. أعدموا العقداء الوطنيين
وسرحوا الضباط. الجيش العراقي وطني. لذلك
لاتعتمده الحكومة لقمع الشعب، بل تعتمد
الشرطة! ولابد أن ينضم الجيش إلى الثورة
المسلحة يوم يعلنها العمال والفلاحون!
هل يدرك الكبار عندما يتحدثون على مسمع من
الصغار أنهم يصوغون أحلامهم وأخلاقهم؟ لم
تستهوها الخلافات ولم تفهمها أحيانا، لكن
الصمود في السجن بدا لأميرة من الفضائل،
كالإخلاص في الصداقة والحب والأخلاق
الحسنة. وأصبح فهد لديها مثل الحسن
والحسين في التاريخ العربي. وبدت الثورة
المسلحة التي يتدفق فيها العمال
والفلاحون ويزيحون الحكومة طريقا إلى
الحرية.
ستقول أميرة لنفسها فيما بعد: كم ضاع من
الوقت في تلك الاجتماعات، وكم استهلك فيها
من التبغ والشاي! وستتذكر الموضوعات التي
اختلف فيها المجتمعون. لكنها يومذاك سبحت
في الأحلام بعراق أحلى من العراق الذي
تراه. مع أنها كانت تستسلم في سعادة
لبساتين النخيل عندما تخرج مع أهلها إلى
مزرعة خالتها على ضفة دجلة. عندما زارت
سامراء مع تلاميذ مدرستها أفرحها أن تصعد
على الحافة المنحدرة في المئذنة الملوية
وتتفرج على المدينة من المرتفع، وتظاهرت
بأنها لم تسمع تحذير معلمتها: لاتصعدوا
إلى قمة المئذنة! ويوم زارت مع أمها النجف
وكربلاء تركت أمها تغرق في بحر العباءات

/ 301