دماء و أحلام فی بلاد الشام نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

دماء و أحلام فی بلاد الشام - نسخه متنی

نادیا خوست

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

أننا حققناها بالوحدة! ارم الصغائر وتذكر
ذلك فقط!
كم مرة يجب أن ترمي غادة ماتشعر به كي تبدد
هواجس محمود؟ ستكون الوحدة طويلة، طويلة،
فهل سنفقد تماسك الروح والقدرة على النظر،
وندمر حياتنا الشخصية؟
تأملت غادة تلك الأيام فيما بعد،
واستعادت أحوال محمود طوال سنوات الوحدة
والانفصال، والشهور السابقة على الثامن
عشر من تموز، وقالت لنفسها: لايستطيع
الإنسان أن يعيش دون مشروع يهبه روحه. كان
محمود يحتاج قضية كبرى. فوجد نفسه، مثل
كثيرين، محروما منها. تناول بعض القادة
والسياسيين هذا الشعور السليم وعجنوه على
هواهم وساعدوا في تشرده! وكانت غادة
وقتذاك حاقدة على البيطار وعلى عبد الناصر
وعلى جاسم علوان وغيرهم. وماكان أحد يستطيع
أن يعيدها إلى هدوئها.
بدا لغادة يومذاك أن حياتها مع محمود لم
تعد، منذ بداية الوحدة، مستقلة عما يجري
خارج بيتها. فاندفعت تظهر أن أسرتها أقوى
من العالم القاسي. فوجد محمود أحيانا
احتفالات صغيرة تذكره بالماضي، أو تحاول
أن تبعده عن الدنيا التي لايستطيع أن
يحكمها أو يغيّرها. صادف مائدة عليها
الحلويات والفواكه التي يحبها، وضيوفا من
أصدقائه استقدمتهم إلى عيد ميلاده الذي
نسيه، وصادف صور نزهة قديمة في مقهى في عين
الفيجة أو الربوة، وصور احتفال بيوم
زواجهما. وجد بطاقات للسينما لمجموعة من
أصحابهما، وقمصانا بألوان يحبها. اشترت
الزهر الذي تمنت أن يفاجئها به، ووجد وردة
على وسادته، وحفنات من زهر الياسمين تحت
اللحاف في الجهة التي ينام فيها. وكان وجهه
وقتذاك يتألق بصفاء ألفته في السنة الاولى
من الزواج. لكن الدنيا كانت تعتم بعد ذلك،
فيجلس أحيانا في الشرفة مطلا على شارع
يبدو له حزينا. ويهمس: صارت محلات الحلاقة
النسائية كثيرة، ودخل شيء استهلاكي لم
نعرفه من قبل. فتنبهه غادة: اسمع، كم تصخب
عصافير الدوري قبل أن تنام في شجرة الكينا
قربنا! فيهزّ رأسه ويهمس بصوت لاتكاد
تسمعه: يخيل إلي أن ذلك العصفور الصغير،
ابن جيراننا، يتجسس على أبيه! رأيته يضع
نظارات سوداء على عينيه ويدخل إلى مركز
المخابرات القريب من بيتنا. وماأبعد أبوه
عن ذلك! لابد أن الشاب يتصور أن وشايته عمل
وطني. هكذا صارت الوطنية ناصرية، صارت
ولاء لفرد! وسيمهد هذا لعبودية الولاء
لغيره!
عندما جرت أحداث الموصل، كان محمود يحضّر
حقيبته للسفر إلى القاهرة. وخطر لغادة أن
بعده عن سورية سيريحه. سيكون في القاهرة
أحد السوريين الذين لايكلفون بمهمة.
فليتفرج على الأهرام والنيل والمتاحف،
وليستمتع بالريف المصري! قالت له: هذه فرصة
للفرجة على "مصر أم الدنيا". لكن رسائله
المقتضبة أقلقتها. بدا لها أنه لم يزر حتى
الأهرام، بل أغلق على نفسه الباب وانغمس
في هواجسه. فانتظرت العطلة لتلتقي به
وتخرجه من عزلته. أين راحت الأيام التي كان
فيها الشوق، لاالقلق، يحملها إليه؟! لم
تجسر رسائله حتى على التعبير عن الحب!
تلومه؟ وهل كانت رسائلها إليه غير تفاصيل
سخيفة تتفادى الحديث عن القلب!
استقبلها حذرا كأن العيون تراقبه. ضنّ حتى
بالابتسامة. وأين اللهفة؟ تلفّت وهما في
السيارة كمن يبحث عمن يلحقه. فاجأها وجهه
القاتم. ولم تر حتى طيف فرح بوصولها إليه.
أين راح مرحه القديم ونضارة روحه؟ هل
توهّم، كضابط، أن الوحدة كانت ستفتح
بوابات النصر على الغرب وإسرائيل؟ لاحظت
وهي تخابره من دمشق أنه صار ضيق الصدر،
حاضر الغضب.
وهاهو كأنه مايزال في دمشق يتنقل بين
هواجسه، وليس وسط طبيعة أخرى وبلد آخر! لم
ينظر إلى مايعبرانه بالسيارة! وعندما
تلفتت وهي تقف مستطلعة البيت الذي ينزل
فيه، استعجلها في نزق. فتح الباب وأغلقه
وراءها بسرعة. فرأت نوافذ مغلقة، وفرشا
قليلا حزينا. وتبيّنت أنه حريص على ألا
تكون في البيت ثنية غامضة يمكن أن تُدس
مسجلة فيها. لم تجد زهرة على طاولة، ولم تر
الفواكه المصرية التي تمنت أن يفاجئها
بها! لامانغا ولاجوافة! وتفادى أن يعانقها.
فشعرت بغضب وتمنت أن تصرخ. ثم هدأت نفسها
بالشفقة عليه: مسكين!
لم تكن استراحت بعدُ عندما أجلسها مقابله
ليتكلم عن وجعه. فشدت أصابعها على راحتها
وضغطت أسنانها. هل يُلزمها بأن تبقى ثابتة
في الحوار الذي ملّته في دمشق! مافائدة
الكلام على مالايستطيع فرد أن يغيّره؟
ياحبيبي محمود، يبدو لي أن الإنسان يجب أن
يحمي روحه كلما عجز عن ردّ مصيبة لايمكن أن
يردّها فرد! حتى النجاة من المصائب تحتاج
النضج في الزمن! احم روحك كيلا تتهشم
كالزجاج! نحن شباب، والدنيا أمامنا ولن
تبقى الحال على حالها! ذكّرته ساخرة
بالأهازيج: "بدنا الوحدة باكر، باكر، مع
الأسمر عبد الناصر"! ردّد الناس هذا النشيد

/ 301