بیشترتوضیحاتافزودن یادداشت جدید
ويهمني قبل الانتهاء من هذه التوطئة أن أتوقف قليلاً عند بعض الأمور التي قد تعين القارئ على فهم طبيعة الكتاب الذي بين يديه.وأولها أن هذا الكتاب ليس دراسة منهجية في نظرية الدراما أو في أوضاع المسرح العربي المعاصر، بل هو جملة أبحاث ومقالات متفرقة أملتها مناسبات معينة، ولكن هناك خيطاً واحداً ينتظم هذه المقالات، هو السعي إلى إيضاح بعض ما بدا لي أنه ملتبس من أسس التأليف الدرامي وتصحيح ما وجدته شططاً وانحرافاً في مسار المسرح العربي المعاصر.وثانيها أن معظم مواد هذا الكتاب قد نشر، لا في الصحافة الثقافية المتخصصة، وإنما في الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية الواسعة الانتشار، فقد كان يهمني أن يصل صوتي، لا إلى النخبة المثقفة وحسب، بل إلى جمهور القراء العريض، الذي لا يعرف الكثير عن خفايا فن المسرح.وهذا الاعتبار- الذي وضعته دوماً في حسابي- هو الذي دفعني إلى توخي البساطة في عرض أفكاري، وشرح المصطلحات الأجنبية والفنية حيثما وردت، والابتعاد قدر الإمكان عن اللغة الجافة، المتحذلقة، التي أصبحت طابعاً سائداً في الكتابات الثقافية هذه الأيام.وسيلاحظ القارئ أن الكتاب يكاد يخلو من الهوامش- على كثرة ما فيه من إشارات إلى كتاب ومفكرين أجانب.ويبدو لي أن هذا أمر غني عن الإيضاح، فمعظم مواد الكتاب قد ظهرت-كما أسلفت- في جرائد يومية أو مجلات أسبوعية، وليس مألوفاً في مثل هذه الأحوال أن يذيل الكاتب مقالته بالهوامش، ولا سيما ما كان منها بلغات أخرى غير العربية.وقد يكون هذا نقصاً، ولكني عاجز عن تداركه في الوقت الحالي، فالمظان التي رجعت إليها عند كتابة هذه المواد ليست في متناول يدي الآن ولعل الظروف تسمح في المستقبل بتلافي هذا النقص في طبعة لاحقة، إذا قدر لهذا الكتاب أن يجد الرواج الذي يتمناه كل مؤلف.وأود بهذه المناسبة أن أضيف أن جميع ما تضمنه الكتاب من آراء منسوبة إلى كتاب أجانب هو من ترجمتي شخصياً باستثناء مواضيع قليلة قد لا تعدو موضعاً أو موضعين.وبعد فإن قصارى ما أتمناه أن يفلح هذا الكتاب المتواضع في حمل البعض على إعادة النظر في تصوراتهم عن المسرح.رشيد ياسين -صنعاء تشرين الأول، 1999 دعوة.إلى وعي الذات خلال السنوات الأخيرة كتبت أكداس من البحوث والمقالات حول قضية التراث والمعاصرة في الإبداع الفني.ورغم فوارق الانتماء الفكري والفني، فقد كان الذين عالجوا هذا الموضوع من النقاد والفنانين العرب متفقين على أن الفن مطالب بالتوفيق بين التراث والمعاصرة.وهذا طبيعي تماماً، إذ ليس بوسع أحد -مهما بلغت حماسته للتجديد- أن يدعو إلى فصل الأدب والفن عن جذورهما القومية، كما لا يسع أحداً- مهما بلغ به التزمت- أن يدعو إلى تجاهل تيارات العصر وقضاياه والاتجاهات الفنية السائدة فيه.ولكن اتفاقنا على المبدأ العام لا يعني أننا قطعنا شوطاً بعيداً في الطريق إلى حل المشكلة، فقد ظلت تواجهنا مجموعة من الأسئلة المعقدة التي تتعلق بوضع هذا المبدأ موضع التطبيق: ماذا نعني بالتراث؟ وما هي مستلزمات المعاصرة؟ ماذا نأخذ من تراثنا وماذا ندع؟ كيف نحافظ على شخصيتنا القومية دون أن نقع في العزلة والجمود؟.الخ.ومن المؤسف أن هذه الأسئلة وغيرها مما يتصل بموضوع التراث والمعاصرة في الفن والأدب لم تعالج حتى الآن معالجة نظرية شاملة تنير الطريق للفنانين والباحثين، ولذلك يظل الموضوع، على كثرة ما كتب فيه، مفتوحاً للنقاش.ما الذي يجعل قضية التراث والمعاصرة تستأثر بكل هذا القدر من الاهتمام؟ إن السبب واضح، فنحن لم نوفق حتى الآن إلى إقامة علاقة متوازنة بيننا وبين الثقافة العالمية المعاصرة، وأعني بالعلاقة المتوازنة تلك التي تضعنا في مستوى عصرنا من جهة وتحفظ لنا أصالتنا القومية من جهة أخرى.ويبدو لي أن في مقدورنا أن نميز مرحلتين مختلفتين من مراحل العلاقة بيننا وبين الثقافة العالمية (الأوربية الغربية بوجه خاص): الأولى هي المرحلة التي امتدت حتى منتصف القرن الحالي على وجه التقريب، وقد قصرنا خلالها عن الارتفاع إلى مستوى العصر، والثانية هي مرحلتنا الحالية، وقد عجزنا خلالها عن الاحتفاظ بقدر كاف من الأصالة القومية.خلال المرحلة الأولى كان دنوّنا من الثقافة العالمية متهيباً يشوبه الحذر، ويحدّ منه خوف مزدوج: خوف من انتهاك قداسة التراث والخروج على أشكاله وتقاليده الفنية، وخوف من اقتحام ميادين إبداعية جديدة لم يطرقها أسلافنا من قبل ولا نعرف