بیشترتوضیحاتافزودن یادداشت جدید
المرء يقطع بأن بين تلك السهول والبط علاقةَ عشق وايثار من نوع محبب، جميل وغريب. تراوحت في ذهن الصبار، تفاعلت داخله، ثلةٌ من الأفكار كأنها جُنْدٌ مُحتشدٌ يوشك أن ينقض عليه فيقتله.. رفع عينيه إلى أغصان الشجرة. حكَّ رقبته تحت الذقن. دغدغ تفاحة آدم. عاد فمشَّط لحيته الشهباء بأصابعه، ثم هبط بكل كفه إلى البطن. ضغط معدته. أحس بخواء كبير ذكَّره بامتداد دهليز عظيم رآه ذات رحلة من رحلات صيده في بطن جبل، وكانت تعلوه كالأعلام جذوعٌ لا أغصان لها ولا أوراق. صمم أن يأكل من عشب نامٍ زاهٍ بإضاءاتٍ ترسلها من أعاليه حبيباتٌ باقياتٌ من ثلج اضمحل أكثرُه، فصارت مصابيح ممنعةً في الصغر، ومع ذلك فإنَّها تتلألأ. أبقى على كفه اليسرى ممسكة بالبندقية المعلقة بكتفه، لاحظ أن فُوَّهَتها متجهةً إلى الأعلى فأمالها باتجاه الأسفل- فذلك أدعى لحفظها إمَّا همى مطر-، وقبض بجُماع كفه الأيمن على الأرض السكرى بالندى وعشبها، فاقتلع قبضة منه وعلا بها باتجاه فمه. ما كاد يُلقمها الفمَ الجائعَ حتى دوَّى من خلفه عواء ذئب كان ما يزال يمضغ شيئاً يسيل منه بعض الدم.. ألقى ما قبض من العشب واستدار، وأدار بحركة واحدة فوَّهة البندقية باتجاه الذئب الشبع، لكن الذئب هو الآخر استدار في الآن ذاته، وعَدَا فغاب بين الأحراش الداكنة دكَانَةَ الغيمة التي تحدَّت الشمس وأصرت على البقاء بلونها البُطْمي مُهدِدةً بمطر كثير.. فأحس بالاحتقار. وأقسم إنها ذئبة وليست ذئباً. ألا أيتها الذئبة النتنة الجرباء:أيَّ طريدة كنت تلوكين؟. طريدتي أنت فاذهبي حيث شئت، سأنالك قبل أن تهضمي ما افترست. تقدم من الأحراش بهدوء جَرْو وليد. حيث لم يسبق له أن اختبر هذه الأحراش قبلاً. حدق بكثافة الدَغل. لم يلحظ حركة. تقدم أكثر وأكثر. لاح له في العمق مُنْبَسَط وسطح يلمع. مضى إليه. اقترب منه. كانت الدوائر على صفحة الماء تتلو كلَّ واحدة منها واحدةٌ ثانيةٌ، فيستمر الاتساع ويتكرر في توالٍ غير منقطع. تخيَّر حافة من جوانب البحيرة تمكنه من رؤية المشهد كله، واقتعدها. كانت تلك، هي المرة الأولى التي يرى فيها ذئباً لا يهاجم. لِمَ فرَّ الذئب والصبَّار لم يكد أن يلتفت؟ أيعقل أن يكون قد خاف؟ ما الذي في الإنسان يُخيف الذئاب الجبلية؟ ألا إن أمرك عجيبٌ أيتها الوحوش. فجأة طفت على سطح أفكاره مسألة الجوع. حشَّ شيئاً من عشب نديٍّ. همَّ بالتهامه. أبصرَ على الجانب الآخر من الماء عينين حمراوين تنظران ثم تميلان باتجاه الماء، وقد امتد من الوجه الأشعر لسانٌ ورديٌّ أخذ يلعق في اطمئنان وثقة. ارتفع الرأس ثم عاد فانكبَّ على الماء، يلعق ويلعق.. إذ ذاك كان الصبّار قد مضغ ما في فمه، فاتخذ لنفسه وضعية الصياد الواثق. انبطح على العشب والطين، صوب البندقية باتجاه واسط الرأس فوق سطح الماء بين العينين تماماً. أحس بانتشاء الظَفَر المقترب. حبس أنفاسه. تبسَّم. عصر الزناد. أعاد عصر الزناد. تأبَّت البندقية عن الإطلاق. قطّب حاجبيه. لعنَ منْ لعن. كرَّر المحاولة. بقيت الطلقة في حجرتها تغطُّ بسُباتها. حاول أخرى، فانطلقت الرصاصة؛ ألحقها ثانية وثالثة ورابعة.. افتضَّ الدوي عذريّة المكان ولم يفتض الرأس الأشعر. رفع صوته بسباب مألوف وسباب غير مألوف.. نشب بين العيون حوار:حوارٌ غير آبهٍ من جانب وعدوانيٌّ من الجانب الثاني. ظل الذئب ينظر إليه لا مبالياً ويصنع لسانه الوردي دوائر إضافية على سطح الماء، مدة من الوقت.. ثم أدار ظهره ببلادة وهزَّ ذيلاً بطول قامة صبي فحدَّق بعيني الصبّار، ثم مشى متَّئداً كأنه قد صمَّم أمراً في نفسه، دون أن يعير بالاً لتلاحق شتائم الصبّار الذي كان صدره يعلو وينخفض مُستفزاً، ويحس بقهر كبير. إنها المرة الأولى التي يُفلت منه ذئب كامل على مبعدة أمتار، وهو الذي ينال حتى الدوري ولو كان على مسافة مئة أو يزيد. تلفّت حواليْه كمَنْ خشي أن يكون أحدٌ قد رآه. انتابه شعور بالإحباط، وعاوده الإحساس بالاحتقار.. أيعقل أن التصويب لم يكن مُحكماً؟.. أيعقل؟.. أيقن أن الماء شكل عائقاً. لو لم يكن هناك ماءٌ لقفز من مكانه كالوحش على الوحش فأنشب ليس الأظافر فحسب، بل أصابع بأسرها.. تباً للماء وما فعل.. لا. ليس لأحدٍ أن يسبَّ الماء؛ فمن الماء كلُّ شيء حي.. آه لو أن بعض هذه البحيرة فيك يا مظلة الزهور لاستحقيتِ الاسم بجدارة. ولكن، أمن الممكن استنباتُ الزهور من بطون الصخور؟.. بلى، يمكن هذا.. فما على المرء إلا أن يضيف جهداً وفكراً إلى ما هو مُتَاحٌ، فيصبح غير الممكن ممكناً وفي المتناوَل.. لكنكم يا