المطلق) فلا ينقسم إلى هذه الأقسام، وإنما
يصدق على أحدها، وهو الطهور، وذلك لأنه
أخذ فيه قيد الإطلاق، وهو التجرد عن
القيود اللازمة التي يمتنع بها لأن يقال
له ماء إلا مقيدا كقولنا: ماء متغير
بزعفران، أو أشنان أو نحوه، وماء اللحم
وماء الباقلاء وما أشبه ذلك ^(17).
كما ميزوا بهذا الاعتبار بين إطلاقات
أخرى منها (الرقبة المطلقة) و(مطلق الرقبة).
حيث إن إطلاق الرقبة: يصدق على السليمة
والمعيلة، والمطلقة لا يصدق إلا على
السليمة. فلا يجزي في العتق عن الكفارة إلا
رقبة سليمة، لإطلاق الشارع إياها. والرقبة
المطلقة مقيدة بالإطلاق، بخلاف مطلق
الرقبة ^(18). وكذلك الدرهم المذكور في
العقود قيد بقيد الناقص والكامل، فإذا
أطلق يتقيد بالكامل المتعارف عليه في
المعاملات ونحوها في الرواج بين الناس.
ومنها ثمن الأجرة، والصداق، وغيرها من
الأعراض المجعولة في الذمة، ينقسم إلى
الحال والمؤجل. وإذا أطلقت إنما تحمل
الحال، فالإطلاق قيد اقتضى ذلك. وغيرها من
الإطلاقات القياسية الاستطرادية التي
اهتم بها الأصوليون في مسألة الجمع
المطلق، ومطلق الجمع في معنى حرف العطف.
وقد ذكر ابن السبكي أن والده ألف مختصرا
لطيفا في ذلك على وجه السؤال والجواب، وقد
ذكر منه: " فإن قلت: اللفظ إنما وضع لمطلق
الحقيقة لا الحقيقة المطلقة فتقييدكم
قيدا في اللفظ. فإن قلت: من المعلوم أنه ليس
في اللفظ فهل يقولون إن ذلك قرينة حالية،
أو لفظية، وهي متوسطة بين القرائن الملفوظ
بها، والقرائن الحالية وهي هيئة صادرة من
المتكلم عند كلامه، وذلك أن الكلام قد
يخرج عن كونه بالزيادة والنقصان وقد لا
يخرج عن كونه كلاما ولكن يتغير معناه
بالتقييد. فإنك إذا قلت: قام الناس، كان
كلاما يقتضي إخبارك بقيام جميع الناس.
فإذا قلت: إن قام الناس، خرج عن كونه كلاما
بالكلية. فإذا قلت: قام الناس إلا زيدا لم
يخرج عن كونه كلاما، ولكن خرج عن اقتضاء
قيام جميعهم إلى قيام ماعدا زيدا" ^(19).
فالنص الذي اعتمده ابن السبكي في تأملات
أصولية لغوية مركزة، يشير إلى مسألة
الاصطلاح المعنوي الذي وضعه الواضع حيث
جعله متهيئا لأن يفيد ذلك المعنى عند
استعمال المتكلم له على الوجه المخصوص،
والمقيد في الحقيقة إنما هو المتكلم،
واللفظ آلة موضوعة لذلك. فكانت معاني
الحروف معاني مخصوصة تدل على وضع اصطلاحي
معين يرتبط بتركيب الكلام، فهي آلة موضوعة
له. وقد تمم هذه الفاصلة الإمام السرخسي
بقوله: "ثم إنهم وضعوا الفاء للوصل مع
التعقيب، وثم: للتعقيب مع التراخي ومع:
للقران، فلو قلنا بأن الواو توجب القران
أو الترتيب كان تكراراً، باعتبار أصل
الوضع، ولو قلنا إنه يوجب العطف مطلقا،
لكان لفائدة جديدة باعتبار أصل الوضع. ثم
يتنوع هذا العطف أنواعا؛ لكل نوع منه حرف
خاص، ونظيره من الأسماء، الإنسان: فإنه
للآدمي مطلقا، ثم يتنوع أنواعاً؛ لكل منه
اسم خاص بأصل الوضع، والتمر كذلك وهو نظير
في اسم الرقبة إنه للذات مطلقا من غير أن
يكون دالا على معنى التقييد بوصف. فكذلك
الواو للعطف مطلقا باعتبار أصل الوضع" ^(20).
2. الجمع في التركيبين
وهذه الظاهرة فهم منها أن معاني الحروف فيالعطف جامعة بين تركيبين، أي بين معطوف
ومعطوف عليه. وهذه العلاقة تتميز بتميّز
معاني الحروف في استعمالاتها. كأن يفهم من
سياقها: المشاركة أو الترتيب أو التعقيب
أو غيرها من المعاني التي أثارت أوجها
استدلالية في فهمها المتبادر من
استعمالات حروف العطف. لذلك نجد اللغوين
والأصوليين حين يتحدثون عن ظاهرة الجمع في
التركيبين في مسألة العطف، يصدرون في
تعليلهم عن أسئلة جدلية مسبقة
كقولهم:"القِران في اللفظ: هل يوجب القران
في الحكم؟.
قال عامة أهل الأصول: لا يوجب.وقال بعض
الفقهاء: إنه يوجب" ^(21).
وصورة هذه المسألة أن حرف الواو متى دخل
بين الجملتين التامتين كل جملة مبتدأ
وخبر، فالجملة المعطوفة هل تشارك الجملة
المعطوف عليها في الحكم المنوط بها؟
فأجمعوا أن المعطوف إذا كان ناقصا بأن لم
يذكر فيه الخبر، فإنه يشارك المعطوف عليه
في خبره ويشاركه في حكمه كقوله: " زينب طالق
وعمرة "، فإن قوله و(عمرة) يشارك زينب في
وقوع الطلاق. وقد عللوا هذه المشاركة بكون
الثاني (عمرة) ناقصا لا يفيد لنفسه دون
المشاركة في خبر الأول، وقد نقلت هذه
المشاركة بواسطة حرف (المعنى) (و). وعلى هذا
الأصل تعلق بعض الفقهاء في نفي وجوب
الزكاة على الصبي بقوله تعالى : *
وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا
الزَّكَاةَ * ^(22). لقد عطفت الزكاة على
الصلاة لذلك يجب أن تشاركها، فلا تجب
الصلاة عليه وكذا الزكاة، تحقيقا